النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سورة المائدة: الآية ٤١
وقد يَحتَمِلُ أن يكون طريق حصول(١) العلم بذلك الوحي، أو ما ألقى الله في
رُوعه(٢) من تصديق ابنَي صُورِيًا فيما قالاه من ذلك، لا قولهما مجرَّداً، فبين له النبيُّ ﴾،
وأخبر بمشروعية الرجم، ومبدؤه ذلك الوقت، فيكون أفاد بما فَعله إقامةَ حكم التوراة،
وبَيَّن أنَّ ذلك حكمُ شريعته، وأن التوراة حكمُ الله سبحانه(٣)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا
التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وهو من الأنبياء.
وقد قال عنه أبو هريرة: ((فإني أحكم بما في التوراة)) (٤) والله أعلم.
الرابعة: والجمهورُ على ردّ شهادة الذِّمِّي(٥)؛ لأنه ليس من أهلها، فلا تُقبل على
مسلم ولا على كافر، وقد قَبِل شهادتَهم جماعةٌ من التابعين وغيرِهم إذا لم يوجد
مُسلمٌ، على ما يأتي بيانُه آخِرَ السورة(٦).
فإن قيل: فقد حَكَم بشهادتهم ورَجَم الزائِيَين.
فالجواب: أنه إنما نَفَّذ عليهم ما عَلِم أنه حكمُ التوراةِ، وألزمهم العملَ به على
نحو ما عملت به بنو إسرائيل، إلزاماً للحجة عليهم، وإظهاراً لتحريفهم وتغييرهم،
فكان مُنفِّذاً لا حاكماً. وهذا على التأويلِ الأول(٧). وعلى ما ذُكر من الاحتمال:
فيكون ذلك خاصًّا بتلك الواقعةِ؛ إذ لم يُسمع في الصدرِ الأوَّل مَنْ قَبِلَ شهادتَهم في
مثل ذلك. والله أعلم.
(١) في النسخ: حصول طريق ... ، والمثبت من المفهم.
(٢) وجزم بذلك أبو العباس في المفهم ٥/ ١١١، قال: لا يلزم أن يكون طريق حصول العلم بذلك له قول
ابني صوريا، بل الوحي، أو ما ألقى الله تعالى في روعه ...
(٣) العبارة في المفهم : ... وأن التوراة يحكم بما صح وثبت فيها أنه حكم الله سبحانه ...
(٤) المفهم ١١١/٥ - ١١٢، وسلف حديث أبي هريرة ص٤٧٨ من هذا الجزء.
(٥) في المفهم ١١٢/٥ : الكافر، بدل: الذمي.
(٦) عند تفسير الآية (١٠٦) منها.
(٧) يعني ما سلف في المسألة الثالثة من قول بعض العلماء: إنما كان حُكم النبيِّ # على اليهود بالرجم
إقامةً لحكم كتابهم. المفهم ١١٣/٥ . وما بعده منه.

٤٨٢
سورة المائدة: الآية ٤١
الخامسة: قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنكَ﴾ قرأ نافعٌ بضمِّ الياء وكسر الزاي، والباقون
بفتح الياء وضمِّ الزاي(١).
والحزنُ والحزن خلافُ السرور، وحَزِن الرجلُ ۔ بالکسر - فهو خَزِنٌ وخَزِین،
وأَخْزِنَه غيرُه وحَزَنَه أيضاً، مثل أَسْلَكُه وسَلَكه، ومحزونٌ بُنيَ عليه. قال اليزيديُّ:
حَزَنَه لغةُ قريش، وأَخْزَنَه لغة تميم، وقد قُرئ بهما. واخْتَزَن وتَحَزَّن بمعنَّى(٢).
والمعنى في الآية: تأنيسُ النبيِّ ﴾، أي: لا يَحزُنك مسارعتُهم إلى الكفر، فإنَّ
الله قد وعدَك النصرَ عليهم(٣).
السادسة: قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنًا بِأَفْوَهِهِمْ﴾ وهم المنافقون ﴿وَلَّمْ
تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ أي: لم يُضمروا في قلوبهم الإيمانَ كما نطقت به ألسنتهم ﴿وَمِنَ
الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني يهود المدينة، ويكون هذا تمامَ الكلام. ثم ابتدأ فقال: ﴿سَنَّعُونَ
لِلْكَذِبِ﴾ أي: هم سمَّاعون، ومثلُه: ﴿لَوَّفُونَ عَيْكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. وقيل: الابتداءُ
من قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي: ومن الذين هادوا قومٌ سمَّاعون للكذب (٤)، أي
قابِلون لكذب رؤسائهم(٥) من تحريفِ التوراة. وقيل: أي: يسمعون كلامَك يا محمد
ليكذبوا عليك، فكان فيهم مَن يحضر النبيَّ ﴿ ثم يكذبُ عليه عند عامَّتهم، ويُقْبِّح
صورته في أعينهم؛ وهو معنى قوله: ﴿سَنَّعُونَ لِقَوْمٍ مَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُولٌ﴾، وكان في
المنافقين من يفعل هذا.
(١) السبعة ص٢١٩، والتيسير ص٩١- ٩٢ .
(٢) الصحاح (حزن). واليزيدي هو يحيى بن المبارك.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٧٤ .
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٢٠/٢، وذكر هذين الوجهين أيضاً الفراء في معاني القرآن ٣٠٨/١ - ٣٠٩،
وابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ٦١٩/٢ .
(٥) في النسخ الخطية: قائلون لكذب رؤسائهم، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما ورد في كتب التفسير.
ينظر معاني القرآن للزجاج ١٧٤/٢، وتفسير أبي الليث ٤٣٦/١، وتفسير البغوي ٣٧/٢، والمحرر
الوجيز ١٩٢/٢ . قال الزجاج: يقال: لا تسمع من فلان قوله، أي: لا تقبل قوله، ومنه: سمع الله لمن
حمده، أي: تقبّل الله حمده.

٤٨٣
سورة المائدة: الآية ٤١
قال الفرَّاء(١): ويجوز: سمَّاعين، وطوَّافين(٢)، كما قال: ﴿مَّلْعُونِنٌ أَيْنَمَا
ثُقِفُواْ﴾ [الأحزاب: ٦١] وكما قال: ﴿إِنَّ الْمُثَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ﴾ ثم قال: ﴿فَكِمِينَ﴾
[الطور: ١٧-١٨]. ﴿َاخِذِينَ﴾ [الذاريات: ١٦].
وقال سفيان بنُ عُيَينَة: إنَّ الله سبحانه ذكر الجاسوس في القرآن بقوله: ﴿سَمَّعُونَ
◌ِقَوْمٍ ءَآخَرِينَ لَمْ يَأْتُواْ﴾ (٣) ولم يَعرِضِ النبيُّ :﴿ لهم مع علمه بهم؛ لأنه لم يكن حينئذٍ
تقرَّرتِ الأحكامُ، ولا تمكَّنَ الإسلامُ. وسيأتي حكمُ الجاسوسِ في ((الممتحنة)) (٤) إِن
شاء الله تعالى.
السابعة: قوله تعالى: ﴿يُحْرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ.﴾ أي: يتأوَّلونه على غير
تأويله بعد أن فهموه عنك، وعرفوا مَوَاضِعَه(٥) التي أرادها الله عزَّ وجلَّ، وبَيَّن
أحكامه؛ فقالوا: شرعُه تركُ الرجم. وجَعْلُهم بدلَ رَجْم المحصَن جَلْدَ أربعين، تغييراً
لحُكم الله عزَّ وجلَّ (٦).
و﴿ يُحَرَّقُونَ﴾ في موضع الصفة لقوله: ﴿سَنَّعُونَ﴾ وليس بحالٍ من الضمير
الذي في ﴿يَأْتُكَ﴾ لأنهم إذا لم يأتُوا لم يسمعوا (٧)، والتحريفُ إنَّما هو ممَّن يشهدُ
ويسمعُ فِيُحرِّف. والمحرِّفون من اليهود بعضُهم لا كُلُّهم، ولذلك كان حملُ المعنى
على: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا فريقٌ سمَّاعون، أَشْبَهَ.
﴿يَقُولُونَ﴾ في موضع الحال من المضمَر في ((يُحَرِّفُونَ))(٨) ﴿إِنْ أُوِيْتُمْ هَذَا
(١) في معاني القرآن له ٣٠٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٢/ ٢٠ .
(٢) يعني يجوز في العربية، لا في القراءة.
(٣) أورده ابن العربي في أحكام القرآن ٦١٨/٢، وابن عطية في المحرر الوجيز ١٩٢/٢.
(٤) عند تفسير الآية الأولى منها.
(٥) في النسخ الخطية: مواضعها، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٢١/١، والكلام منه.
(٦) أخرجه الطبري ٤٢١/٨ عن السُّدِّيّ.
(٧) قال العكبري في الإملاء ٢/ ٤٤٢: ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في ((سماعون))، ويجوز أن يكون
صفة أخرى لقوم، أي: محرِّفین.
(٨) مشكل إعراب القرآن ٢٢٦/١، وقال مكي: فيقف على ((قلوبهم)) في هذا القول، ويبتدئ: ((ومن
الذین ھادوا . . .).

٤٨٤
سورة المائدة: الآيتان ٤١ - ٤٢
فَخُذُوهُ﴾ أي: إن أتاكم محمدٌ ﴿ بالجَلْد فاقبلوا، وإلَّ فلا.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي: ضلالَته في الدنيا، وعقوبَتَه في
الآخرة ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: فلن تنفعَه. ﴿أُوْلَبِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ
اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ بيانٌ منه عزَّ وجلَّ أنه قضَى عليهم بالكفر. ودلَّت الآيةُ على أنَّ
الضلالة بمشيئة الله تعالى ردًّا على مَن قال خلافَ ذلك، على ما تقدَّم(١). أي: لم يُردِ
الله أن يطهِّر قلوبَهم من الطبع عليها والختم، كما طهّر قلوبَ المؤمنين ثواباً لهم(٢).
﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾ قيل: هو فضيحتُهم حين أنكروا الرجمَ، ثم أُحضِرت
التوراةُ فوُجِد فيها الرجمُ. وقيل: خِزْيُهم في الدنيا أخذُ الجِزيةِ والذلُّ(٣). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتِّ فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحَكُم بَيْنَهُمْ أَوْ
أَعْرِضْ عَنْهُمّ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَنْ يَضُرُوَكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَخْكُمْ بَيَِّهُم
بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
٤٢
فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبٍ﴾ كرَّره تأكيداً لقبحه(٤)، وقد تقدَّم في
البقرة(٥).
الثانية: قوله تعالى: ﴿أَكَّلُونَ لِلشُّحْتِ﴾ على التكثير، والسُّحْتُ في اللغة أصلُه
الهلاكُ والشدّة؛ قال الله تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١](٦). وقال الفرزدق:
من المال إلّا مُسْحَتَاً (٧) أو مُجَلَّفُ (٨)
وعَضُّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوان لم يَدَعْ
(١) ٢٨٥/١ و٣٦٧ و٣١/٥، وينظر تفسير البغوي ٣٨/٢.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢١/٢.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢/ ١٧٧ .
(٤) في (د) و(ز) و(م): كرره تأكيداً وتفخيماً، والمثبت من (ظ).
(٥) ٤ / ٣٨٢.
(٦) تفسير البغوي ٣٩/٢.
(٧) في (ظ): مسحت، وقيل: هي رواية في البيت على ما يأتي.
(٨) معاني القرآن للفراء ١٨٢/٢، والشعر والشعراء ص٨٩، والاشتقاق لابن دريد ٥٠٩/٢، وتهذيب =

٤٨٥
سورة المائدة: الآية ٤٢
كذا الروايةُ: أو مُجلَّفُ، بالرفع عطفاً على المعنى؛ لأنَّ معنى لم يَدَعْ: لم يُبق(١).
ويقالُ للحالِقِ: أَسْحِتْ، أي: اسْتأصِلْ. وسُمِّي المالُ الحرامُ سُخْتاً؛ لأنه
يَسْحَت الطاعاتِ، أي: يُذْهبها ويستأصلها. وقال الفرَّاءُ: أصلُه كَلَبُ الجوع؛ يُقال:
رجلٌ مسحوتُ المعدةِ، أي: أكُول، فكأنَّ بالمسترشي وآكِلِ الحرام من الشَّرَه إلى ما
يُعطَى مثلَ الذي بالمسحوتِ المعدةِ من النَّهَم(٢).
وقيل: سُمِّيَ الحرام سُخْتاً؛ لأنه يَسْحَتُ مروءةَ الإنسان.
قلت: والقولُ الأول أولى؛ لأنَّ بذهاب الدِّين تذهبُ المروءةُ، ولا مروءةً لمن لا
دینَ له.
قال ابنُ مسعود وغيره: السُّخْتُ: الرُّشا(٣). وقال عمر بن الخطاب﴾: رِشوةُ
الحاكم من الشُّحت (٤).
وعن النبيِّ﴿ أنه قال: ((كلُّ لحم نَبَتَ بالسُّحت، فالنارُ أَوْلى به)). قالوا: يا
= اللغة ٤ / ٢٨٥، والإنصاف ١٨٨/١، والخزانة ١٤٤/٥.
قال الأزهري: ويروى إلا مسحتٌ أو مجلَّفُ. وذكره بهذه الرواية ابن جني في الخصائص ٩٩/١ وذلك
بکسر الدال في: يدع، من ودع الشيءُ يَدِع: إذا سکن فائَّدع، قال ابن جني: فمعنى لم يَدِع ـ بکسر
الدال ـ أي: لم يتَّدِعْ ولم يثبت، والجملة بعد ((زمان)) في موضع جر لكونها صفة له، والعائد منها إليه
محذوف للعلم بموضعه، وتقديره: لم يَدِع فيه أو لأجله من المال إلا مسحت أو مجلف. وقوله أو
مجلف، أي: الذي قد بقيت منه بقية. قاله ابن دُرید.
(١) وهذا قول الخليل، كما في الخزانة ١٤٦/٥، وللعلماء في رفع ((أو مجلف)) أقوال أخرى ذكر البغدادي
في الخزانة ١٤٦/٥ - ١٤٧ بعضها وقال: وهذا البيت صعب الإعراب، قال الزمخشري: هذا بيت لا
تزال الركب تصطُ في تسوية إعرابه. وقال ابن قتيبة في الشعر والشعراء ص٨٩ : رفع الفرزدق آخر
البيت ضرورةٌ، وأتعب أهل الإعراب في طلب العلة، فقالوا وأكثروا، ولم يأتوا فيه بشيء يرضى ... وقد
سأل بعضهم الفرزدق عن رفعه إياه، فشتمه وقال: عليَّ أن أقول، وعليكم أن تحتجوا.
(٢) ينظر تفسير الطبري ٤٣٥/٨، والمحرر الوجيز ١٩٣/٢.
(٣) أخرجه أبن أبي شيبة ٥٨٨/٦، والطبري ٤٢٩/٨ و٤٣٠ و٤٣٢ .
(٤) أخرج ابن أبي شيبة ٦/ ٥٤٥، والطبري ٨/ ٤٣١ عن عمر قال: بابان من السحت: الرُّشا ومهر الزانية.

٤٨٦
سورة المائدة: الآية ٤٢
رسول الله، وما السُّحتُ؟ قال: ((الرَّشوةُ في الحكم))(١).
وعن ابنٍ مسعودٍ أيضاً أنه قال: السُّحتُ أن يقضيَ الرجلُ لأخيه حاجةً، فيُهدي
إليه هديةً، فيقبلها(٢).
وقال ابن خُوَيز مَنداد: من السُّحت أن يأكلَ الرجل بجاهِه، وذلك أن يكونَ له
جاهٌ عند السلطان، فيسأله إنسانٌ حاجةً، فلا يقضيها إلا برشوةٍ يأخذُها. ولا خلافَ
بين السَّلف أَنَّ أَخذَ الرشوةِ على إبطال حقٍّ، أو ما لا يجوز، سُحْتٌ حرامٌ.
وقال أبو حنيفة: إذا ارتشى الحاكمُ؛ انعزلَ في الوقت وإن لم يُعزل، وبَطَلَ كلُّ
حُكم حكم به بعد ذلك(٣).
قلت: وهذا لا يجوزُ أن يُختلف فيه إن شاء الله؛ لأن أخذَ الرشوةِ منه فسقٌ،
والفاسق لا يجوز حكمُه. والله أعلم.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله الرَّاشيَ والمرتشي))(٤). وعن عليٍّ ﴾ أنه
قال: السُّحت: الرَّشوة، وحُلوانُ الكاهن، والاستجعالُ في القضية(٥).
ورُويَ عن وَهْب بن مُنَبِّه أنه قيل له: الرَّشوةُ حرام في كل شيءٍ؟ فقال: لا، إنما
يُكره من الرَّشوة أن تَرشيَ لتُعطَى ما ليس لك، أو تدفعَ حقًّا قد لزمك، فأما أن تَرشيَ
لتدفعَ عن دِینك ودمك ومالك؛ فليس بحرام.
(١) أخرجه الطبري ٤٣٤/٨ من طريق عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن النبي ®. قال الحافظ في
تغليق التعليق ٢٨٦/٣: رجاله ثقات مع إرساله. وأخرج نحوه الترمذي (٦١٤) من حديث كعب بن
عجرة مرفوعاً وقال: حديث حسن غريب.
(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٤٣٠.
(٣) قال الكاساني في بدائع الصنائع ١٣٨/٩ - ١٣٩: وهل ينعزل بأخذ الرشوة في الحكم؟ عندنا: لا
ينعزل، لكنه يستحق العزل، فيعزله الإمام ويعزره، وقال مشايخ العراق من أصحابنا: إنه ينعزل.
(٤) أخرجه أحمد (٦٥٣٢)، وأبو داود (٣٥٨٠)، والترمذي (١٣٣٧)، وابن ماجه (٢٣١٣) من حديث
عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه أحمد (٩٠٢٣)
والترمذي (١٣٣٦) من حديث أبي هريرة . وأخرجه أحمد (٢٢٣٩٩) من حديث ثوبان ﴾.
(٥) في النسخ الخطية: المعصية، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في تفسير الطبري ٨/ ٤٣٣ - ٤٣٤.
١

٤٨٧
سورة المائدة: الآية ٤٢
قال أبو الليث السَّمَرْ قَنْديُّ الفقيه(١): وبهذا نأخذ، لا بأسَ بأن يدفع الرجل عن
نفسه وماله بالرَّشوة. وهذا كما رُويَ عن عبد الله بن مسعود: أنه كان بالحبشة، فَرَشا
بدينارين(٢) وقال: إنما الإثمُ على القابض دون الدافع.
قال المهدوي(٣): ومَن جعل كَسْبَ الحجَّام ومَن ذُكر معه سُحتاً، فمعناه أنه
يَسحَت مروءةَ آَخِذِه.
قلت: الصحيحُ في كسب الحجام أنه طيِّب، ومَن أخذ طيِّباً لا تسقط مروءتُه، ولا
تنحطُ مرتبتُه. وقد روى مالكٌ عن حُمَيدِ الطّويل عن أنسٍ أنه قال: احتَجَم رسولُ الله ◌ِ﴾،
حَجَمَه أبو طَيْبَة (٤)، فأمر له رسول الله :﴿ بصاع من تمر، وأمر أهلَه أن يخفّفوا عنه من
خراجه(٥).
قال ابنُ عبد البرِّ(٦): هذا يدلُّ على أنَّ كَسْبَ الحجَّام طيِّب؛ لأنَّ رسول الله ﴾
لا يجعل ثمناً ولا جُعْلاً ولا عِوَضاً لشيءٍ من الباطل، وحديثُ أنسٍ هذا ناسخٌ لِمَا
حَرَّمه النبيُّ :﴿ من ثمن الدم، وناسخٌ لمَا كَرِهه من إجارةِ الحجّام.
وروى البخاريُّ وأبو داود عن ابن عباس قال: احتجمَ رسول الله ﴾، وأعطى
الحجَّامَ أَجْرَه. ولو كان سُحْتاً لم يُعطه (٧).
والسُّحُت والسُّخت لغتان قُرِئ بهما؛ قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائيُّ
(١) في تفسيره ٤٣٨/١، وما قبله منه.
(٢) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: دينارين. وأخرجه ابن سعد ٣/ ١٥٠ بنحوه.
(٣) هو بنحوه في المحرر الوجيز ١٩٣/٢.
(٤) مولى الأنصار، من بني حارثة، وقيل: من بني بياضة، قيل: اسمه دينار، وقيل: ميسرة، وقيل: نافع،
وثبت ذكره في الصحيحين أنه حجم النبي # من حديث أنس وجابر وغيرهما. الإصابة ٢١٨/١١ .
(٥) الموطأ ٩٧٤/٢، وأخرجه أحمد (١٢٨٨٣)، والبخاري (١٩٩٦)، ومسلم (١٥٧٧).
(٦) في التمهيد ٢/ ٢٢٤ .
(٧) صحيح البخاري (٢١٠٣)، وسنن أبي داود (٣٤٢٣)، وهو عند أحمد (٣٤٥٧)، ومسلم (١٢٠٢).

٤٨٨
سورة المائدة: الآية ٤٢
بضمَّتين، والباقون بضم السين وحدَها(١). وروى العباسُ بن الفضل، عن خارجة بنٍ
مُصْعَب، عن نافع: ((أَّالونَ للسَّخت)) بفتح السين وإسكان الحاء (٢)، وهذا مصدرٌ من
سَحَته؛ يقال: أَسْحَتَ وسَحتَ، بمعنى واحد. وقال الزَّجاجُ(٣): سَحتَه: ذهب به
قليلاً قليلاً.
قوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ هذا تخييرٌ من الله تعالى؛
ذكره القشيريُّ، وتقدَّم معناه أنهم كانوا أهل مُوادَعةٍ لا أهلَ ذمةٍ؛ فإنَّ النبيَّ# لمَّا قدمَ
المدينةَ وَادَعَ اليهودَ(٤).
ولا يجبُ علينا الحكمُ بين الكفار إذا لم يكونوا أهلَ ذمةٍ، بل يجوزُ الحكم إن
أردنا. فأَمَّا أهلُ الذِّمَّة؛ فهل يجبُ علينا الحكمُ بينهم إذا تَرافعوا إلينا؟ قولان
للشافعي(٥).
وإنِ ارتبطت الخصومةُ بمسلم يجب الحكم؛ قال المهدويُّ: أجمع العلماءُ على
أنَّ على الحاكم أنْ يحكمَ بين المسلم والذمِّيِّ.
واختلفوا في الذِّمَّيِّين، فذهب بعضُهم إلى أنَّ الآية محكمةٌ، وأنَّ الحاكم مخيّر؛
رُوي ذلك عن النَّخَعيِّ والشَّعْبيِّ وغيرِهما (٦)، وهو مذهبُ مالك والشافعيِّ
(١) السبعة ص ٢٤٣، والتيسير ص٩٩.
(٢) القراءات الشاذة ص٣٢، وإعراب القرآن للنحاس ٢١/٢. وقرئ أيضاً: ((السِّحْت)) بكسر السين كما
ذكر ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٢، ونسب هذه القراءة أبو حيان في البحر ٤٨٩/٣ لعبيد بن
عمير، وقرئ أيضاً: ((السَّحَت)) بفتحتين كما ذكر ابن خالويه أيضاً.
(٣) في معاني القرآن له ١٧٧/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٢١/٢، وما قبله
منه.
(٤) قال الشافعي في الأم ١٢٩/٤: لم أعلم مخالفاً من أهل العلم بالسِّير أن رسول الله # لما نزل بالمدينة
وادع يهود كافة على غير جزية.
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣/ ٧٥ .
(٦) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٩٣/٢، وأخرج قول النخعي والشعبي عبد الرزاق (١٠٠٠٨)، وأبو عبيد
في الناسخ والمنسوخ (٢٤٢)، والطبري ٤٤٠/٨ .

٤٨٩
سورة المائدة: الآية ٤٢
وغيرهما(١)، سوى ما رُوي عن مالكِ في ترك إقامة الحدِّ على أهل الكتاب في
الزنى؛ فإنه إن زنى المسلمُ بالكتابية حُدَّ، ولا حَدَّ عليها، فإن كان الزانيان ذِمِّيِّين؛ فلا
حدَّ عليهما، وهو مذهبُ أبي حنيفة ومحمد بنِ الحسن وغيرِهما. وقد رُوي عن أبي
حنيفة أيضاً أنه قال: يُجلدان ولا يُرجمان. وقال الشافعيُّ وأبو يوسف وأبو ثور
وغيرُهم: عليهما الحدُّ إن أَتَيَا راضيَيْن بحكمنا(٢).
قال ابن خُوَيْزِ مَنداد: ولا يُرسِلُ الإمامُ إليهم إذا استعدى بعضُهم على بعض، ولا
يُحضِر الخصمَ مجلسَه إلا أن يكون فيما يتعلَّقُ بالمظالم التي ينتشر منها الفساد،
كالقتلِ ونهبِ المنازل وأشباهِ ذلك، فأمَّا الديونُ والطلاقُ وسائرُ المعاملات؛ فلا
يَحكم بينهم إلا بعد التراضي، والاختيارُ له ألَّ يحكم ويردَّهم إلى حُكَّامِهم. فإن حَكَم
بينهم؛ حكّمَ بحكم الإسلام(٣).
وأما إجبارُهم على حكم المسلمين فيما ينتشرُ؛ منه الفساد فليس على الفساد
عاهدناهم، وواجبٌ قطعُ الفساد عنهم؛ منهم ومن غيرهم؛ لأنَّ في ذلك حفظَ
أموالهم ودمائهم، ولعل في دينهم استباحةَ ذلك، فينتشر منه الفساد بيننا؛ ولذلك
منعناهم أن يبيعوا الخمرَ جِهاراً، وأن يُظهروا الزنى، وغير ذلك من القاذوراتِ؛ لئلا
يَقسدَ بهم سفهاءُ المسلمين.
وأما الحكمُ فيما يختصُّ به دينُهم من الطلاق والرِّبا (٤) وغيرِهِ، فليس يَلْزمُهم أن
يتديَّنوا بديننا، وفي الحكم بينهم بذلك(٥) إضرارٌ بحُكَّامِهم، وتغييرُ ملَّتِهم، وليس
كذلك الديونُ والمعاملاتُ؛ لأن فيها وجهاً من المظالم وقطع الفساد. والله أعلم.
(١) الاستذكار ١٢/٢٤، والتمهيد ٢٨٩/١٤، والمفهم ١١٠/٥.
(٢) ينظر الإشراف ٢٠/٢.
(٣) ينظر التمهيد ٣٨٩/١٤، والمفهم ١١٠/٥.
(٤) في (م): والزنى.
(٥) قوله: بذلك، من (م) وليس في باقي النسخ.

٤٩٠
سورة المائدة: الآية ٤٢
وفي الآية قولٌ ثانٍ، وهو ما رُوِيّ عن عمرَ بن عبد العزيز والنَّخَعيِّ أيضاً: أنَّ
التخييرَ المذكور في الآيةِ منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّا أَنزَلَ اَللَّهُ﴾ وأنَّ على
الحاكم أن يحكم بينهم، وهو مذهبُ عطاء الخُرَاسانيِّ وأبي حنيفةَ وأصحابهِ
وغيرِهم(١).
ورُويَ عن ◌ِكرمةَ أنه قال: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَأَعْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نسختها آيةٌ
أخرى: ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩](٢).
وقال مجاهدٌ: لم يُنسَخ من ((المائدة)) إلا آيتان(٣)؛ قولُه: ﴿فَأَعَكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ
أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نسختها: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَزَلَ اَللَّهُ﴾، وقولُه: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَتَّبْرَ اَللَّهِ﴾
[المائدة: ٢] نسختها: ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥](٤).
وقال الزُّهْريُّ: مضتِ السُّنة أن يُردَّ أهلُ الكتاب في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل
دينهم، إلا أن يأتوا راغبين في حكم الله، فيُحكّم بينهم بكتاب الله(٥).
قال السَّمَرْ قَنْديُّ (٦): وهذا القولُ يوافق قول أبي حنيفة: أنه لا يحكم بينهم ما لم
يتراضوا بحكمنا.
(١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٩٥/٢ - ٢٩٦، والاستذكار ١٤/٢٤ - ١٥، والتمهيد ٣٩١/١٤، وخبر
عمر بن عبد العزيز أخرجه عبد الرزاق (١٠٠٠٩)، والطبري ٤٤٣/٨. وخبر عطاء الخراساني لم نقف
عليه من قوله، إنما أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢٤٣) عن عطاء الخراساني عن ابن عباس
رضي الله عنهما، ولم نقف على خبر النخعي.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠٠١٠)، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢٤٥)، وابن أبي شيبة ٦/ ٤٩٩ -٥٠٠،
والطبري ٤٤٢/٨ عن عكرمة من قوله كما ذكر المصنف. وأخرجه أبو داود (٣٥٩٠) من طريق عكرمة عن
ابن عباس. وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، قال المنذري في مختصر السنن ٢١١/٥: فيه مقال.
(٣) في النسخ الخطية: آيتين.
(٤) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢٤٧)، والطبري ٤٤٢/٨، وابن عبد البر في التمهيد ٤٠٣/١٤
عن مجاهد من قوله كما ذكر المصنف. وسلف عن ابن عباس ص٢٥٨ من هذا الجزء .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٠٠٠٧)، والطبري ٤٤٣/٨ - ٤٤٤.
(٦) في تفسيره ٤٣٨/١ .

٤٩١
سورة المائدة: الآية ٤٢
وقال النَّحاس في ((الناسخ والمنسوخ))(١) له: قولُه تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوَكَ فَعَكُمْ
بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضِّ عَنْهُمّ﴾ منسوخ؛ لأنه إنما نزل أولَ ما قَدِمَ النبيُّ ﴾ المدينةَ، واليهودُ
فيها يومئذٍ كثيرٌ، وكان الأَذعى لهم والأصلحُ أن يُردُوا إلى حكّامهم(٢)، فلما قويَ
الإسلامُ؛ أنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنِ اُعْكُمْ بَيْتَهُم بِمَا أَنَزَلَ اللَّهُ﴾. وقاله ابنُ عباس(٣)
ومجاهد وعِكرمة والزُّهريُّ وعمر بن عبد العزيز والسُّديُّ(٤)، وهو الصحيحُ من قول
الشافعيّ؛ قال في كتاب الجزية(٥): ولا خيارَ له إذا تحاكموا إليه؛ لقوله عزَّ وجلَّ:
﴿حَّى يُعْعُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
قال النحاس: وهذا من أصحِّ الاحتجاجات؛ لأنه إذا كان معنى قوله: ﴿وَهُمْ
صَغِرُونَ﴾ أن تجريَ عليهم أحكام المسلمين؛ وجب ألا يُرَدُّوا إلى حكّامهم (٦)، فإذا
وجب هذا فالآيةُ منسوخةٌ.
وهو أيضاً قول الكوفيين: أبي حنيفة وزُفَرَ وأبي يوسف ومحمد، لا اختلافَ
بينهم إذا تحاكم أهلُ الكتاب إلى الإمام أنه ليس له أن يُعرِض عنهم، غير أنَّ أبا حنيفة
قال: إذا جاءت المرأة والزوجُ فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، وإن جاءت المرأةُ
وحدها ولم يرضَ الزوج، لم يحكم. وقال الباقون: يحكم.
فثبت أن قولَ أكثرِ العلماء: أنَّ الآية منسوخةٌ، مع ما ثبت فيها من توقيف ابنٍ
عباس. ولو لم يأتِ الحديث عن ابن عباس؛ لكان النظرُ يوجب أنها منسوخةٌ؛ لأنهم
قد أجمعوا أنَّ أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الإمام فله أن ينظرَ بينهم، وأنه إذا نظر
(١) ٢/ ٢٩٤، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٢) في (د) و(ز) و(م): أحكامهم، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في الناسخ والمنسوخ.
(٣) أخرجه أبو داود (٣٥٩٠)، وأبو عبيد (٢٤٣) والنحاس ٢٩٤/٢ كلاهما في الناسخ والمنسوخ، والحاكم
٣١٢/٢ . وسلف ذكر طرقه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) أخرجه عن السديِّ: الطبريُّ ٤٤٤/٨، وقد سلف تخريج باقي الآثار.
(٥) الأم ٤/ ١٣٠.
(٦) في النسخ: أحكامهم، والمثبت من الناسخ والمنسوخ للنحاس.

٤٩٢
سورة المائدة: الآية ٤٢
بينهم مصيبٌ [ثم اختلفوا في الإعراض عنهم على ما ذكرنا، فالواجب أن ينظر بينهم؛
لأنه مصيب] عند الجماعة، وألا يُعْرِضَ عنهم، فيكونَ عند بعض العلماء تاركاً
فرضاً، فاعلاً ما لا يَحِلُّ له، ولا يَسَعُه.
قال النحاس: ولمن قال: إنها(١) منسوخةٌ من الكوفيين؛ قولٌ آخر؛ منهم مَن
يقول: على الإمام إذا عَلم من أهل الكتاب حدًّا من حدود الله عزَّ وجلَّ أن يقيمَه وإن
لم يَتحاكموا إليه، ويحتجُّ بأنَّ قولَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنِ اعْكُمْ بَيْنَهُم﴾ يحتملُ أمرين:
أحدهما: وأن احكم بينهم إذا تحاكموا إليك. والآخر: وأن احكم بينهم وإن لم
يتحاكموا إليك، إذا علمت ذلك منهم.
قالوا: فوجدنا في كتابٍ الله تعالى وسنة رسوله ﴿ ما يوجبُ إقامةَ الحقِّ عليهم
وإن لم يتحاكموا إلينا؛ فأما ما في كتاب الله فقولُه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا
قَوَِّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]. وأما ما في السُّنةِ فحديثُ البَرَاء بن عازب
قال: مُرَّ على رسولِ الله ﴾ بيهوديٍّ قد جُلِد وحُمِّم، فقال: أهكذا حدُّ الزاني
عندكم؟)) فقالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم فقال: ((سألتُكَ بالله أهكذا حدُّ الزاني
فيكم؟)) فقال: لا. الحديثَ، وقد تقدم(٢).
قال النحاس: فاحتجُّوا بأنَّ النبيَّ :﴿ حكم بينهم ولم يَتحاكموا إليه في هذا
الحدیث.
فإن قال قائل: ففي حديث مالك عن نافعٍ عن ابن عمر، أنَّ اليهود أتَوا النبيَّ ◌َ﴾(٣).
قيل له: ليس في حديث مالك أيضاً أن اللَّذَيْن زَنَيا رَضِيا بالحكم، وقد رجمهما
النبيُّ ﴾.
قال أبو عمر بنُ عبد البر(٤): لو تَدَبَّر مَن احتجَّ بحديث البَرَاء؛ لم يَحتجَّ؛ لأن في
(١) في (ز) و(ظ) و(م): بأنها.
(٢) ص٤٧٦ من هذا الجزء .
(٣) تقدم في الصفحة ٤٧٧ .
(٤) في التمهيد ٣٩٦/١٤، وما سيرد بين حاصرتين منه.

٤٩٣
سورة المائدة: الآيتان ٤٢ - ٤٣
دَرْجِ الحديث تفسيرَ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿إِنْ أُوتِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَاحْذَرُواْ﴾
يقول: إن أفتاكم بالجَلْدِ والتَّحْميمِ فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، [وذلك]
دليلٌ على أنهم حكّموه، وذلك بَيِّنٌ في حديث ابنِ عمر وغیرِهِ.
فإن قال قائل: ليس في حديث ابنِ عمر أنَّ الزانِيَين حَكَّما رسولَ الله لَ﴾، ولا
رضیا بحکمه.
قيل له: حدُّ الزاني حقٌّ من حقوقِ الله تعالى؛ على الحاكم إقامتُه، ومعلومٌ أنَّ
اليهود كان لهم حاكمٌ يحكم بينهم، ويقيم حدودهم عليهم، وهو الذي حَگّم
رسولَ الله ﴾. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ روى النَّسائيُّ(١) عن ابن
عباس قال: كان قُرَيْظةُ والنَّضِير، وكان النَّضِيرُ أشرفَ من قُرَيظةَ، وكان إذا قَتَل رجلٌ
من قُرَيظةَ رجلاً من النَّضير قُتِل به، وإذا قَتل رجلٌ من النَّضير رجلاً من قُرَيظة ودَى مئة
وَسْقِ من تمر، فلما بُعث رسولُ اللهِ ﴾، قَتلَ رجلٌ من النَّضير رجلاً من قُرَيظة فقالوا :
ادفعوه إلينا لنقتله، فقالوا: بيننا وبينكم النبيُّ #، فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَخْكُمْ بَيْنَهُم
بِالْقِسْطِ﴾ النفسُ بالنفسِ، ونزلت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ [المائدة: ٥٠].
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِمُونَكَ وَعِندَهُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ
(٤٣)
بَعْدٍ ذَلِكَّ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِينَ
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُ التَّوْرَنَةُ فِيَهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ قال الحسن: هو
الرَّجْم. وقال قتادة: هو القَوَد(٢).
ويقال: هل يدلُّ قوله تعالى: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ على أنه لم يُنسخ؟
الجواب: قال أبو عليٍّ(٣): نعم؛ لأنه لو نُسخ لم يُطلَقْ عليه بعد النسخ أنه حُكْم
(١) في المجتبى ١٨/٨، وقد سلف ص٤٧٤ من هذا الجزء بنحوه.
(٢) ذكر القولين الجصاص في أحكام القرآن ٤٣٨/٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٦٢/٢.
(٣) مجمع البيان ٦/ ١٠٠ .

٤٩٤
سورة المائدة: الآيتان ٤٣ - ٤٤
الله، كما لا يطلقُ أنَّ حكم اللهِ تحليلُ الخمر، أو تحريمُ السبت(١).
وقوله: ﴿وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بحكمك أنه من عند الله. وقال أبو عليٍّ:
إنَّ مَن طلب غيرَ حكم الله من حيثُ لم يرضَ به فهو كافر، وهذه حالةُ اليهود.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا الثَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَِّيُّونَ الَّذِينَ
أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَِّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ
عَلَيْهِ شُهَدَاءً فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنٍ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَايَتِيِ ثَّمَنَا قَلِيلاً وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ
[٤٤
قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنَزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ﴾ أي: بيانٌ وضياءٌ، وتعريف أنَّ
محمداً ﴿ حقٌّ. ((هُدَى)) في موضع رفعٍ بالابتداء، ((وَنُورٌ)) عطفٌ عليه(٢).
﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ قيل: المراد بالنبيين محمدٌ ﴾،
وعُبِّر عنه بلفظِ الجمع. وقيل: كلُّ مَن بُعِث من بعد موسى بإقامةِ التوراة(٣). وأنَّ
اليهودَ قالت: إن الأنبياء كانوا يهوداً. وقالت النصارى: كانوا نصارى. فبيَّن الله عزَّ
وجلَّ كذبهم(٤).
ومعنى ﴿أَسْلَمُوا﴾: صدَّقوا بالتوراة من لَدُنْ موسى إلى عيسى عليهما السلام،
وبينهما ألفُ نبيٍّ، ويقال: أربعةُ آلاف. ويقال: أكثرُ من ذلك، كانوا يحكمون بما في
التوراة(٥).
وقيل: معنى ((أَسْلَمُوا)): خضعوا وانقادوا لأمرِ الله فيما بُعِثوا به. وقيل: أي
(١) وذكر مثل هذا القول الجصاص في أحكام القرآن ٤٣٨/٢، والكيا الطبري في أحكام القرآن ٧٩/٣.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٢١/٢ .
(٣) تفسير الطبري ٤٤٩/٨ و٤٥١، وتفسير البغوي ٤٠/٢، وزاد المسير ٣٦٤/٢ وتفسير الرازي ٣/١٢.
(٤) ذكر الرازي في تفسيره ١٢/ ٣ هذا القول عن ابن الأنباري ضمن عدة أقوال في فائدة وصف النبيين
بقوله: ((الذين أسلموا» إذ إن كلَّ نبيّ لابدّ وأن يكون مسلماً.
(٥) تفسير أبي الليث ٤٣٩/١ .

٤٩٥
سورة المائدة: الآية ٤٤
يحكم بها النبيون الذين هم على دين إبراهيمَ #. والمعنى واحدٌ.
ومعنى ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾: على الذين هادوا، فاللامُ بمعنى ((على)). وقيل: المعنى
يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وعليهم، فحذفَ ((عليهم)). و((الذِينَ
أَسْلَمُوا)) ههنا نعتٌ فيه معنى المدحِ؛ مثل: ((بسم الله الرحمن الرحيم)» (١).
﴿هَادُوا﴾ أي: تابوا من الكفرِ. وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: إنا أنزلنا التوراة
فيها هدى ونورٌ للذين هادوا، يحكم بها النبيون(٢).
((والرَّبانيون والأحبار)) أي: ويحكم بها الرَّبَّانيُّون، وهم الذين يَسُوسون الناس
بالعلم، ويربُّونهم بصغارِه قبل كبارِه؛ عن ابن عباس وغيره. وقد تقدَّم في آل
عمران(٣).
وقال أبو رَزِين: الرَّبَّانِيُّون: العلماءُ الحكماء(٤). ((والأحبار)) قال ابنُ عباس: هم
الفقهاءُ(٥)
.
والحِبْر والحَبْر: الرجلُ العالِم، وهو مأخوذ من التَّحبير، وهو التحسين، فهم
يُحبّرون العلمَ، أي: يُبيِّنونه ويُزِيِّنونه، وهو مُحبَّر في صدورهم. قال مجاهد: الرَّبَّانِيُّون
فوق الأحبار(٦). والألفُ والنون للمبالغة(٧).
(١) معاني القرآن للنحاس ٣١٢/٢ - ٣١٣، وسلف قولُ قتادة ١٦١/١ في ((بسم الله الرحمن الرحيم))
قال: مدحَ نفسَّه. وقولُ ثعلب: النعت قد يقع للمدح كقولهم: قال جرير الشاعر.
(٢) معاني القرآن للزجاج ١٧٨/٢، وتفسير البغوي ٤٠/٢ .
(٣) ١٨٤/٥.
(٤) أخرجه الطبري ٥٢٦/٥، وسلف ١٨٥/٥. وأبو رزين هو الأسدي، واسمه مسعود.
(٥) أخرجه الطبري ٥٢٨/٥ .
(٦) في النسخ: العلماء، بدل: الأحبار، والمثبت من تفسير الطبري ٥٢٨/٥، ومعاني القرآن للنحاس
٣١٤/٢، وهو موافق لما سلف ١٨٥/٥.
(٧) وقع في النسخ: والألف واللام للمبالغة، والمثبت هو الصحيح. ينظر معاني القرآن للزجاج ٤٣٥/١،
وتفسير البغوي ١/ ٣٢١، وقد سلف الكلام في هذه المسألة ١٨٥/٥ .

٤٩٦
سورة المائدة: الآية ٤٤
قال الجوهريُّ(١): والحِبرُ والحَبر: واحدُ أحبار اليهود، وبالكسر أفصح؛ لأنه
يُجمع على أفعال دون الفُعول. قال الفراء: هو حِبر بالكسر، يقال ذلك للعالم.
وقال الثوريُّ: سألت الفرَّاءَ: لِمَ سُمِّيَ الحبرُ حبراً؟ فقال: يقال للعالم: حِبْر
وحَبْر، فالمعنى: مِدَادُ حِبر، ثم حذفَ كما قال: ﴿وَسَثَلِ اَلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أي:
أهل القرية. قال: فسألت الأصمعيَّ فقال: ليس هذا بشيء؛ إنما سُمِّيَ حِبراً لتأثيره،
يقال: على أسنانه حبرة (٢)، أي: صُفرة أو سواد.
وقال أبو العباس: سُمِّي الحِبر الذي يُكتب به حِبراً لأنه يحبَّر به، أي: يحقّق(٣) به.
وقال أبو عبيد: والذي عندي في واحد الأحبار: الحَبر بالفتح، ومعناه: العالمُ
بتحبيرِ الكلام والعلم وتحسينه. قال: وهكذا يرويه المُحدِّثون كلَّهم بالفتح. والحِبرُ:
الذي يُكتب به، وموضعُه المِخبرة بالكسر. والحِبرُ أيضاً: الأثر، والجمعُ حُبُور. عن
يعقوب (٤).
﴿بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَبِ اللَّهِ﴾ أي: استُؤْدِعوا من علمه. والباء متعلّقة بـ ((الربانيين
والأحبار)) كأنه قال: والعلماءُ بما استُحفظوا. أو تكون متعلّقةً بـ ((يَحْكم)) أي:
يحكمون بما استُحفظوا(٥).
﴿وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءً﴾ أي: على الكتاب بأنه من عند الله. ابن عباس: شهداء
على حكم النبيِّ ﴿ أنه في التوراة(٦).
(١) في الصحاح (حبر).
(٢) في (د) و(ز) و(م): حبر، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في معاني القرآن للنحاس ٣١٤/٢
والكلام منه. وقال صاحب اللسان: الحِبْر والحَبْر والحَبْرة والحُبْرة والحِبِر والحِيرة، كل ذلك صفرة
تشوب بياض الأسنان.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٣١٤/٢ . وفيه: ابن عباس.
(٤) هو ابن السكّيت، والكلام في الصحاح (حبر).
(٥) أجاز أبو البقاء في الإملاء ٢/ ٤٢٤ أن يكون ((بما استحفظوا)) بدلاً من ((بها)) في قوله: ((يحكم بها))، أو يكون
متعلقاً بفعل محذوف، أي: ويحكم الربانيون والأحبار بما استحفظوا. وينظر الدر المصون ٤/ ٢٧٢ .
(٦) أخرجه الطبري ٤٥٤/٨ .

٤٩٧
سورة المائدة: الآية ٤٤
﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ أي: في إظهارِ صفة محمدٍ ﴾، وإظهارِ الرَّجْم.
﴿وَأَخْشَوْنَ﴾ أي: في كتمان ذلك، فالخطابُ لعلماء اليهود. وقد يدخلُ بالمعنى كلُّ مَن
كتم حقًّا وجب عليه ولم يُظهِره. وتقدَّم معنى ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِثَايَتِى ثَمَنَا قَلِيلاً﴾ مستوفّى(١).
قوله(٢) تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ و ((الظَّالِمُونَ))
و((الفَاسِقُونَ)): نزلت كلُّها في الكفار؛ ثبت ذلك في ((صحيح)) مسلم من حديث
البراء، وقد تقدّم (٣). وعلى هذا المُعظَمُ. فأما المسلمُ فلا يكفر وإن ارتكب كبيرةً.
وقيل: فيه إضمارٌ، أي: ومَن لم يحكم بما أنزل الله ردًّا للقرآن، وجَحْداً لقولٍ
الرسولِ عليه الصلاة والسلام، فهو كافر. قاله ابنُ عباس (٤) ومجاهدٌ، فالآيةُ عامةٌ
على هذا.
قال ابنُ مسعود والحسن: هي عامةٌ في كلِّ مَن لم يحكم بما أنزل الله من
المسلمين واليهود والكفار(٥)، أي: معتقداً ذلك ومستحلًا له، فأمَّا مَن فعل ذلك وهو
معتقدٌ أنه راكبُ محرَّم، فهو من فُسَّاق المسلمين، وأَمرُه إلى اللهِ تعالى إن شاء عذَّبه،
وإن شاء غفر له.
وقال ابنُ عباس في رواية: ومَن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلاً يضاهي
أفعالَ الكفار(٦).
وقيل: أي: ومَن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر (٧)، فأما مَن حكم
بالتوحيد ولم يحكم ببعضِ الشرائع؛ فلا يدخل في هذه الآية.
(١) ٢ / ١١.
(٢) من هذا الموضع إلى قوله تعالى: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ سقط من (د).
(٣) ص٤٧٦ من هذا الجزء .
(٤) أخرجه بنحوه الطبري ٨/ ٤٦٨ ، وابن أبي حاتم (٦٤٢٦) و(٦٤٥٠).
(٥) أخرج معنى هذا القول عنهما الطبريُّ ٨/ ٤٦٧ .
(٦) أخرج الطبري ٨/ ٤٦٥ نحوه.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٢/ ٢٢ .

٤٩٨
سورة المائدة: الآية ٤٤
والصحيحُ الأول، إلا أنَّ الشَّعبيَّ قال: هي في اليهود خاصة، واختاره
النحاس(١)؛ قال: ويدل على ذلك ثلاثةُ أشياء:
منها أن اليهود قد ذُكِروا قبلَ هذا في قوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾، فعاد الضميرُ عليهم.
ومنها أن سياقَ الكلام يدل على ذلك، ألا ترى أنَّ بعده: ﴿وَكَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾. فهذا
الضميرُ لليهود بإجماع.
وأيضاً فإن اليهودَ هم الذين أنكروا الرَّجم والقِصاصَ.
فإن قال قائل: ((مَن) إذا كانت للمجازاة فهي عامةٌ، إلَّا أن يقع دليلٌ على
تخصيصها .
قيل له: (مَن)) هنا بمعنى الذي مع ما ذكرناه من الأدلةِ، والتقدير: واليهودُ الذين
لم يحكموا بما أنزلَ الله فأولئك هم الكافرون.
فهذا من أحسن ما قيل في هذا.
ويُروى أن حُذَيفةَ سئل عن هذه الآياتِ: أهي في بني إسرائيل؟ قال: نعم، هي
فيهم، ولتسلُكُنَّ سبيلَهم حَذْوَ النعلِ بالنعل(٢).
وقيل: ((الكافرون)) للمسلمين، و((الظالمون)) لليهود، و ((الفاسقون)) للنصارى،
وهذا اختيارُ أبي بكر بن العربي (٣). قال: لأنه ظاهرُ الآيات، وهو اختيارُ ابنِ عباس،
وجابرٍ بن زيد، وابن أبي زائدة، وابنِ شُبْرُمة، والشعبيّ أيضاً (٤).
قال طاوسٌ وغيره: ليس بكفرٍ يَنْقُل عن المِلَّة، ولكنه كفرٌ دون كفر، وهذا يختلفُ
إن حَكم بما عندَه على أنه من عند الله، فهو تبدیلٌ له یوجبُ الكفرَ، وإن حکم به
(١) في إعراب القرآن ٢١/٢ - ٢٢.
(٢) معاني القرآن للنحاس ٣١٥/٢، وأخرجه بنحوه عبد الرزاق في التفسير ١٩١/١، والطبري ٤٥٩/٨.
(٣) في أحكام القرآن له ٢/ ٦٢١ .
(٤) أخرجه الطبري ٤٦٣/٨ - ٤٦٤ من طريق جابر بن زيد وابن أبي زائدة وابن شبرمة وغيرهم عن الشعبي.

٤٩٩
سورة المائدة: الآية ٤٤
هوّى ومعصيةً؛ فهو ذنبٌ تُدركه المغفرةُ على أصل أهلِ السنةِ في الغفران للمذنبين(١).
فال القُشَيريُّ: ومذهبُ الخوارج: أنَّ منِ ارتشى وحَكم بغير حكم الله فهو كافر،
وعُزِيَ هذا إلى الحسن والسُّدِّيِّ(٢).
وقال الحسن أيضاً: أخذَ اللهُ عزَّ وجلَّ على الحكام ثلاثة أشياء: ألَّا يتّبعوا
الهوى، وألَّ يخشَوا الناسَ ويخشَوه، وألَّا يشترُوا بآياته ثمناً قليلاً(٣).
تم الجزء السابع من تفسير القرطبي، ويليه الجزء الثامن،
وأوله تفسير قوله تعالى من سورة المائدة
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَأَلْعَيْنَ بِأَلْعَيْنِ﴾
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٦٢١/٢، وأخرج خبر طاوس عبد الرزاق في تفسيره ١٩١/١، والطبري
٨/ ٤٦٥، ٤٦٦.
(٢) ينظر المفهم ١٩٩/١ - ٢٠٠ و٢٩٢ و٢٩٩ - ٣٠٠، وأخرج هذا القول الطبريُّ ٤٦٧/٨.
(٣) علقه البخاري بصيغة الجزم في كتاب الأحكام، باب متى يستوجب الرجل القضاء . وسلف ص١٧٨
من هذا الجزء من قول الشعبي.

-
.