النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤ توفيةَ الجزاءِ لهم على المحارَبة عن حَبَّةٍ (١)؛ ثم إنَّ هذا قياسُ أصلٍ على أصل، وهو مختلَفٌ فيه، وقياسُ الأعلى بالأدنى، والأرفع(٢) بالأسفلِ، وذلك عكسُ القياس. وكيف يصحُّ أنْ يقاسَ المحارِبُ [وهو يريد النفسَ إن وَقَى المالَ بها] على السَّارق وهو يطلبُ خَطْفَ المالِ، فإنْ شُعِر به فَرَّ؛ حتى إنَّ السارقَ إذا دَخل بالسِّلاحِ يَطلبُ المالَ؛ فإن مُنع منه، أو صِيحَ عليه؛ حاربَ(٣) عليه، فهو محارِبٌ يُحكمُ عليه بحكم المحارب. قال القاضي ابنُ العربي(٤): كنتُ في أيام حُكمي بينَ الناسِ إذا جاءني أحدٌ بسارق، وقد دَخل الدارَ بسكِينٍ يَخْبسُه على قلب صاحبِ الدار وهو نائمٌ، وأصحابُه يأخذون مالَ الرَّجلِ، حَكمتُ فيهم بحكم المحارِبين، فافهموا هذا من أصل الدِّين، وارتفِعوا إلى يَفَاع العلمِ عن حَضِيض الجاهلينَ. قلت: اليَفَعُ أعلى الجبلِ، ومنه: غلامٌ يَفَعَةٌ: إذا ارتفع إلى البلوغ؛ والخَضيضُ: الحفرةُ في أسفل الوادي. كذا قال أهلُ اللغة. السابعة: ولا خلافَ في أنَّ الحرابَةَ يُقتلُ فيها من قَتل وإنْ لم يكن المقتولُ مكافئاً للقاتل، وللشافعيِّ قولانٍ: أحدهما: أنها تُعتبر المكافأةُ؛ لأنه قَتلَ، فاعتُبِر فيه المكافأةُ كالقصاص، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ القتلَ هنا ليس على مجرَّد القتلِ، وإنما هو على الفساد العامّ من التَّخويفِ وسلبِ المال(٥)؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا﴾، فأمر تعالى بإقامة الحدودِ (١) في أحكام القرآن ٢/ ٥٩٨ : حقه. (٢) في النسخ: والأدنى، والصواب ما أثبتناه، وينظر أحكام القرآن لابن العربي. (٣) في النسخ: وحارب، والمثبت من أحكام القرآن لابن العربي. (٤) في أحكام القرآن ٢/ ٥٩٨ - ٥٩٩ . وما قبله وبين حاصرتين منه. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٥٩٩/٢ . ٤٤٢ سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤ على المحارِب إذا جمعَ شيئين محاربةً وسعياً في الأرض بالفساد، ولم يَخُصَّ شريفاً من وَضِيع، ولا رفيعاً من دنيء. وإذا خرج المحاربون(١)، فاقتتلوا مع القافلة، فقَتل بعضُ المحارِبين ولم يَقتُل بعضٌ؛ قُتل الجميعُ. وقال الشَّافعيُّ: لا يُقتلُ إلا من قَتل؛ وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ فإنَّ مَن حَضَر الوقعةَ(٢) شركاءُ في الغنيمة وإنْ لم يقتل جميعهم؛ وقد اتفق معنا على قتل الرّدْءِ، وهو الطليعةُ، فالمحارِب أولى(٣). الثامنة: وإذا أخاف المحارِبون السَّبيلَ، وقَطَعوا الطَّريقَ؛ وجب على الإمام قتالُهم من غير أنْ يدعوَهم، ووجب على المسلمين التعاونُ على قتالهم وكَفُّهم عن أذى المسلمينَ، فإن انهزموا لَم يَتبعْ منهم مدبِراً إلّا أنْ يكونَ قد قتلَ وأَخَذ مالاً، فإنْ كان ذلك أتبع؛ ليؤخذَ ويقامَ عليه ما وجب لجنايته؛ ولا يُدَقَّفُ منهم على جريح (٤) إلا أنْ يكونَ قد قتلَ؛ فإنْ أُخِذوا ووُجدَ في أيديهم مالٌ لأحدٍ بعينه؛ رُدَّ إليه أو إلى ورثته، وإنْ لم يوجدْ له صاحبٌ جُعلَ في بيت المالِ؛ وما أتلفوه من مال لأحدٍ غرِموه؛ ولا ديةَ لمن قتلوا إذا قُدِر عليهم قبلَ الثَّوبة(٥)، فإنْ تابوا وجاؤوا تائبينَ وهي : التاسعة: لم يكن للإمام عليهم سبيلٌ، وسقَط عنهم ما كان حدًّا لله، وأُخِذوا بحقوق الآدميينَ، فاقتصَّ منهم من النَّفْس والجراحِ، وكان عليهم ما أَتلفوه من مالٍ ودمٍ لأولياء ذلك(٦)، ويجوزُ لهم العفوُ والهبةُ كسائر الجُناةِ من غير (١) في (د) و(ز) و(م): الثامنة: وإذا خرج المحاربون ... ، والمثبت في التعداد (بدءًا من هذا الموضع) ما في (ظ) وهو الموافق لعدد المسائل المذكور أولاً . (٢) في (م): الوقيعة. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٥٩٩/٢ . (٤) أي: لا يُجهز عليه. معجم متن اللغة. (٥) الكافي ١/ ٤٨٦ - ٤٨٧ . (٦) في (م): لأوليائه في ذلك. ٤٤٣ سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤ المحارِبينَ(١). هذا مذهبُ مالكِ والشَّافعيِّ وأبي ثورٍ وأصحابِ الرأي. وإنما أُخذ ما بأيديهم من الأموال، وضَمِنوا قيمةً ما استَهلكوا؛ لأنَّ ذلك غَصبٌ، فلا يجوزُ مِلكُه لهم، ويُصرفُ إلى أربابه أو يوقِفُه الإِمامُ عندَه حتى يُعلمَ صاحبُهُ(٢). وقال قومٌ من الصحابة والتابعينَ: لا يُطلَبُ من المال إلا بما وُجد عندَه، وأما ما استهلكه فلا يُطلَبُ به، وذكر الطَّبَريُّ(٣) ذلك عن مالك من رواية الوليدِ بنِ مسلم عنه، وهو الظاهرُ من فعل عليٍّ بنِ أبي طالبٍ ﴾ بحارثةَ بنِ بدرٍ الغُدَانيِّ، فإنه كان محارِباً، ثم تاب قبلَ القدرةِ عليه، فكَتبَ له بسقوط الأموالِ والدَّمِ عنه كتاباً منشوراً (٤). قال ابن خُوَيْزِ مَنداد: واختلفت الروايةُ عن مالك في المحارِب إذا أُقيم عليه الحدُّ، ولم يوجدْ له مالٌ؛ هل يُتبعُ دَيْناً بما أخذ، أو يُسقط عنه كما يُسقط عن السارقِ(٥)؟ والمسلمُ والذمُِّّ في ذلك سواءٌ. العاشرة: وأجمع أهلُ العلمِ على أنَّ السلطانَ وليُّ من حارب؛ فإنْ قَتل محارِبٌ أخا امرئٍّ أو أباه في حال المحارَبة، فليس إلى طالب الدَّمِ من أمر المحارِبِ شيءٌ، ولا يجوزُ عفوُ وليِّ الدَّم، والقائمُ بذلك الإمامُ؛ جعلوا ذلك بمنزلة حدٍّ من حدود اللهِ تعالى(٦). (١) الكافي ٤٨٧ - ٤٨٨ . (٢) ينظر الكافي ١٠٨٨/٢، وتفسير البغوي ٣٣/٢ - ٣٤. (٣) في تفسيره ٣٩٦/٨. (٤) المحرر الوجيز ١٨٦/٢. وحارثةُ بن بدر الغُدَاني - بضم المعجمة وتخفيف الدال وبنون - قيل: إنه أدرك النبي # وله أخبار في الفتوح، مات غرقاً مع أصحابه عند قتاله الخوارج سنة (٦٤ هـ). ينظر الإصابة ٣١٧/٢، وأثر علي ﴾ أخرجه الطبري ٣٩٣/٨ . (٥) ينظر المنتقى ٧ / ١٧٥ . (٦) الإشراف ٥٣٥/١. ٤٤٤ سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤ قلت: فهذه جملةٌ من أحكام المحارِبينَ جَمعْنا غُررَها، واجتلبنا دُرَرَها؛ ومن أغرب ما قيلَ في تفسيرها، وهي : الحادية عشرة: تفسيرُ مجاهدٍ لها؛ قال مجاهد: المرادُ بالمحاربة في هذه الآيةِ الزنى والسَّرقةُ، وليس بصحيح، فإنَ اللهَ سبحانه بيَّن في كتابه وعلى لسان نبيِّه أنَّ السَّارِقَ تُقْطَّعِ يدُه، وأنَّ الزانيَ يُجلَدُ ويغرَّبُ إنْ كان بكراً، ويُرجمُ إنْ كان ثَيِّاً مُخْصناً. وأحكامُ المحارِبِ في هذه الآيةِ مخالفٌ لذلك، اللهم إلا أنْ يريدَ إخافةَ الطريقِ بإظهار السِّلاحِ قصداً للغَلَبة على الفروج، فهذا أفحشُ المحاربةِ، وأقبحُ من أخذ الأموالِ، وقد دَخل هذا في معنى قولِه تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِ اَلْأَرْضِ فَسَادًا﴾(١). الثانية عشرة: قال علماؤنا: ويُناشَدُ اللصُّ بالله تعالى، فإن كَفَّ تُرِك، وإن أَبَى قوتل، فإنْ أنت قتلتَه فشرُّ قتيلٍ، ودمُه هَذْرٌ(٢). روى النسائيُّ عن أبي هُرَيرة أنَّ رجلاً جاء إلى رسول الله﴾ فقال: يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إنْ عُدِيَ على مالي؟ قال: ((فانشُدْ بالله))، قال: فإن أَبَوْا عليَّ، قال: ((فانشُدْ بالله))، قال: فإن أَبَوْا عليَّ، قال: ((فانشُدْ بالله))، قال: فإنْ أَبَوْا عليَّ، قال: ((فقاتِلْ؛ فإن قُتلتَ ففي الجنة، وإنْ قَتلتَ ففي النار))(٣). وأخرجه البخاريُّ ومسلمٌ - وليس فيه ذكرُ المناشدةِ - عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى رسول اللـه ﴾، فقال: يا رسولَ الله، أرأيتَ إنْ جاء رجلٌ يريدُ أخذَ مالي؟ قال: ((فلا تُعطِه مالَك))، قال: أرأيتَ إنْ قاتلني؟ قال: ((فقاتِلْه))، قال: أرأيتَ إنْ قتلني؟ قال: ((فأنت شهيدٌ))، قال: فإنْ قتلتُه؟ قال: ((هو في النار))(٤). (١) المفهم ٢٢/٥. (٢) ينظر الكافي ١٠٨٩/٢، وعقد الجواهر الثمينة ٣٤٢/٣. (٣) المجتبى ١١٤/٧، والكبرى (٣٥٣١)، وهو عند أحمد (٨٤٧٥). قوله: ففي النار، أي: فمقتولك في النار. قاله السندي، كما في حاشية المسند. (٤) لم نقف عليه عند البخاري، وهو في صحيح مسلم (١٤٠). ٤٤٥ سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤ قال ابن المنذر(١): ورَوَينا عن جماعةٍ من أهل العلم أنهم رأوا قتالَ اللصوصِ ودَفْعَهم عن أنفسِهم وأموالهم. هذا مذهبُ ابنِ عمرَ والحسنِ البصريِّ، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ وقَتادةَ، ومالكِ والشَّافعيِّ، وأحمدَ وإسحاقَ والنعمانَ، وبهذا يقولُ عوامُ أهلٍ العلم؛ إنَّ للرجل أنْ يقاتلَ عن نفسه وأهله ومالِهِ إذا أُريدَ ظلماً؛ للأخبار التي جاءت عن رسول الله ﴾(٢) لم يَخُصَّ وقتاً دون وقتٍ، ولا حالاً دون حالٍ، إلا السلطان؛ فإنَّ جماعةَ أهلِ الحديثِ كالمُجْمعين (٣) على أنَّ من لم يمكنه أنْ يمنَع عَن نفسه ومالِه إلا بالخروج على السُّلطان ومحاربتِه أنه لا يحاربُه ولا يَخْرِجُ عليه؛ للأخبار الدَّالةِ عن رسولِ الله ◌ِ﴾، التي فيها الأمرُ بالصَّبر على ما يكونُ منهم، من الجَوْر والظّلمِ، وتركٍ قتالهِم، والخروجِ عليهم ما أقاموا الصَّلاةَ(٤). قلت: وقد اختلف مذهبُنا إذا طُلِب الشَّيءُ الخفيفُ، كالثَّوب والطَّعامِ، هل يُعطَونه أو يُقاتَلون؟ وهذا الخلاف مبنيٌّ على أصل، وهو هل الأمرُ بقتالهم لأنه تغييرُ منكّرٍ، أو هو من باب دفعِ الضَّررِ؟ وعلى هذا أيضاً ينبني الخلافُ في دعوتهم قبلَ القتالِ(٥). والله أعلم. الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيّاً﴾ لِشَناعة المحاربةِ (١) في الإشراف ٥٣٩/١ - ٥٤٠ . (٢) منها حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: ((من قتل دون ماله فهو شهيد)) وقد سلف ٤٨٥/٤، وحديث أبي هريرة السالف. (٣) في (م): كالمجتمعين. (٤) الإشراف ٥٣٩/١، ومن الأخبار التي أشار إليها المصنف ما أخرجه أحمد (٢٨٢٥)، والبخاري (٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩) عن ابن عباس مرفوعاً: ((من رأى من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً، فمات، فميتة جاهلية)). وأخرج نحوه أحمد (٧٩٤٤) ومسلم (١٨٤٨) عن أبي هريرة ﴾ وأخرج نحوه أيضاً أحمد (٥٣٨٦)، ومسلم (١٨٥١) عن ابن عمر رضي الله عنهما. وأخرج أحمد (٢٦٥٢٨)، ومسلم (١٨٥٤) عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله # قال: ((ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برىء، ومن أنكر سَلِمَ، ولكن مَنْ رضيَ وتابع)). قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: ((لا، ما صَلَّوا)). (٥) المفهم ٣٥٣/١. ٤٤٦ سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤ وعِظَمِ ضَررِها، وإنما كانت المحارَبةُ عظيمةَ الضَّررِ؛ لأنَّ فيها سدَّ سبيلِ الكسبِ على الناس؛ لأنَّ أكثرَ المَكاسِبِ وأعظمَها التِّجاراتُ، ورُكنُها وعمادُها الضَّربُ في الأرض؛ كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِيُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فإذا أُخيف الطريقُ؛ انقطع الناسُ عن السَّفر، واحتاجوا إلى لزوم البيوتِ، فانسدَّ بابُ التجارةِ عليهم، وانقطعت أكسابُهم؛ فشَرعَ الله على قُطَّاعِ الطَّريقِ الحدودَ المغلَّظةَ - وذلك الخزي في الدنيا - رَدْعاً لهم عن سوء فعلِهم، وفتحاً لباب التجارةِ التي أباحها لعباده لمن أرادها منهم، ووعدَ فيها بالعذاب العظيم في الآخرة. وتكونُ هذه المعصيةُ خارجةً عن المعاصي، ومستثناةً من حديث عُبادةَ في قول النَّبيِّ﴾: ((فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقِبَ به في الدُّنيا فهو [له] كفارةٌ))، والله أعلم (١). ويحتملُ أنْ يكونَ الخِزيُ لمن عوقب، وعذابُ الآخرةِ لمن سَلِمَ في الدّنيا، ويجري هذا الذَّنْبُ مَجرَى غيرِه، ولا خلودَ لمؤمن في النار على ما تقدَّم(٢)، ولكن يعظم (٣) عقابُه لعظم الذَّنْبِ، ثم يَخرجُ إما بالشَّفاعة وإِمَّا بالقَبْضَة، ثم إنَّ هذا الوعيدَ مشروطُ الإنفاذِ بالمشيئة؛ لقوله(٤) تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، أما إنَّ الخوفَ يَغْلِبُ عليهم بحسب الوعيدِ وكِبَرِ المعصيةِ(٥). الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَتِمْ﴾ استثنى جلَّ وعَزَّ التائبينَ قبلَ أنْ يُقدَرَ عليهم، وأَخبرَ بسقوط حقٌّه عنهم بقوله: ﴿فَعْلَمُوا أَنَ اَللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(٦). أمّا القصاصُ وحقوقُ الآدميينَ فلا تَسقُطُ. ومن تاب بعدَ القدرةِ؛ فظاهرُ الآيةِ أنَّ التَّوبةَ لا تَنفعُ، وتُقامُ الحدودُ عليه كما تقدَّم. وللشَّافعيِّ قولٌ: أنه يَسقُطُ كلُّ حدٍّ (١) ينظر المحرر الوجيز ١٨٥/٢، وما بين حاصرتين منه، والحديث سلف ٣٣٤/٥. (٢) ٢/ ٧٧ . (٣) في (ظ): تعظيم. (٤) في (د) و(ز) و(م): كقوله. (٥) ينظر المحرر الوجيز ١٨٥/٢. (٦) المحرر الوجيز ١٨٦/٢ . ٤٤٧ سورة المائدة: الآيات ٣٣ - ٣٦ بالثَّوبة، والصَّحيحُ من مذهبه أنَّ ما تعلَّق بحقٌ (١) الآدميِّ قِصاصاً كان أو غيرَه؛ فإنه لا يسقطُ بالتوبة قبلَ القدرةِ عليه. وقيل: أراد بالاستثناء المشركَ إذا تابَ وآمنَ(٢) قبلَ القدرة عليه، فإنه تَسقطُ عنه الحدودُ. وهذا ضعيفٌ؛ لأنه إنْ آمنَ بعدَ القدرةِ عليه لم يُقتَلْ أيضاً بالإجماع(٣). وقيل: إنما لم(٤) يَسقط الحدُّ عن المحاربينَ بعدَ القدرةِ عليهم - والله أعلم - لأنهم متَّهَمون بالكذب في توبتهم والتَّصَنَّعِ فيها إذا نالتهم يدُ الإمام، أو لأنه لمَّا قدر عليهم صاروا بمعرض (٥) أنْ يُنَكِّلَ بهم، فلم تُقبلْ توبتُهم؛ كالمتلَبِّس بالعذاب من الأمم قبلَنا، أو من صار إلى حال الغَرْغَرةِ فتاب، فأما إذا تقدَّمت توبتُهم القدرةَ عليهم؛ فلا تُهَمَةَ، وهي نافعةٌ على ما يأتي بيانه في سورة يونس(٦). فأما الشُّرَّابُ والزُّناةُ والسُّرَّاقُ إذا تابوا وأصلحوا، وعُرِفَ ذلك منهم، ثم رُفعوا إلى الإمام؛ فلا ينبغي له أنْ يَحُدَّهم، وإنْ رُفعوا إليه فقالوا: تُبنا؛ لم يُتركوا، وهم في هذه الحالِ كالمحارِبينَ إذا غُلِبوا، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَدٍُّ لِيَفْتَدُواْ بِهِهِ مِنْ عَذَابٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا نُقُبِلَ مِنْهُمِّ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ﴾﴾ قوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَبْتَغُواْ إِلَيْهِ اَلْوَسِيلَةَ﴾. الوسيلة: هي القُربة. عن أبي وائل، والحسن، ومجاهد، وقَتَادة، وعطاء، والسُّديّ، وابن (١) في (م): تعلق به حق. (٢) في النسخ: إذا آمن، والمثبت من (م). (٣) ينظر الإشراف ٥٣٦/١، وبداية المجتهد ٣٠٣/٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٦٠٠/٢. (٤) في (م): إنما لا. (٥) في (ز) و(ظ): معرض، والمثبت من (د) و(م). (٦) عند تفسير الآية (٩٨) منها. ٤٤٨ سورة المائدة: الآيات ٣٥ - ٣٧ زيد، وعبد الله بن كثير، وهي فَعِيلة، من توسَّلتُ إليه، أي: تقرَّبتُ(١)؛ قال عنترة(٢): إنَّ الرجالَ لهم إليكِ وسيلةٌ إِنْ يأخذوكٍ تَكَخَّلي وتَخضَّبي والجمعُ الوسائلُ؛ قال: إذا غَفَل الواشون عُدْنا لِوَصْلِنا وعَادَ التَّصافِي بيننا والوسَائِلُ(٣) ويقال منه: سِلْتُ أَسَالُ أي: طلبتُ، وهما يَتَساوَلان(٤)، أي: يطلبُ كلُّ واحدٍ من صاحبه؛ فالأصلُ الطلب؛ والوسيلةُ القُرْبةُ التي ينبغي أن يُطلَبَ بها، والوسيلةُ درجةٌ في الجنة، وهي التي جاء الحديثُ الصحيح بها في قوله عليه الصلاة والسلام: ((فمن سَأَلَ لي الوسِيلةَ حلَّتْ له الشفاعةُ))(٥). قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ قال يزيدُ الفقير: قيل لجابر بن عبد الله: إنكم - يا أصحابَ محمد - تقولون: إنَّ قوماً يخرجُون من النار، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا هُم ◌ِخَرِينَ مِنْهَا﴾ فقال جابر: إنكم تجعلون العامَّ خاصًّا والخاصَّ عامًّا، إنما هذا في الكفار خاصّةً. فقرأتُ الآيةً كلَّها من أوّلها إلى آخرها، فإذا هي في الكفار خاصّةً(٦). (١) أخرجه الطبري ٤٠٣/٨ - ٤٠٤ . (٢) في ديوانه ص ٣٣ . (٣) أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن ١٦٤/١، والطبري في تفسيره ٤٠٣/٨ دون نسبة، والبيت في الحماسة البصرية ٨٩/٢ ضمن أبيات لجميل بن عبد الله بن قميئة العذري لكن فيه: والتراسل، بدل: والوسائل. (٤) كذا قال المصنف رحمه الله، وهو من مادة (سول)، أما الوسيلة؛ فمن: ((وسل)). والله أعلم. (٥) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٦٥٦٨)، ومسلم (٣٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وفي الباب عن جابر ﴾ عند البخاري (٤٧١٩). (٦) أخرجه الواحدي في الوسيط ١٨٤/٢ بنحوه، وأخرج الطبري ٨/ ٤٠٧ عن يزيد النحوي، عن = ٤٤٩ سورة المائدة: الآيات ٣٧ - ٣٩ و﴿مُقِيمٌ﴾ معناه: دائمٌ ثابتٌ لا يَزولُ ولا يحولُ؛ قال الشاعر: فإنَّ لكم بيومِ الشّعْبِ مِنِّي عِذَاباً دائماً لَكُمُ مُقِيمًا (١) قوله تعالى: ﴿وَاَلْشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهٍ (٣٩) إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فيه سبع وعشرون مسألة(٢): الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ الآية. لمَّا ذكَر تعالى أَخْذَ الأموال بطريق السَّعي في الأرض والفَساد، ذكَر حُكم السارق من غيرِ حِراب على ما يأتي بيانُه أثناءَ الباب. وبدأَ سبحانه بالسارق قبلَ السارقةِ عَكْسَ الزِّنى على ما نُبِّنه آخرَ الباب(٣). وقد قُطِعِ السارقُ في الجاهلية، وأوّل مَن حَكَمَ بقطعه في الجاهلية الوليدُ بن المُغِيرة، فأمر اللهُ بِقَطْعه في الإسلام(٤)، فكان أوَّلَ سارق قَطَعَه رسولُ الله ◌ِ ﴾ في الإسلام من الرجال الخِيَارُ بن عَديّ بن نوفل بن عبد مناف(٥)، ومن النساء مُرَّةَ بنت = عكرمة، أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس .. وذكر نحوه. ويزيد الفقير: هو يزيد بن صُهيب، أبو عثمان الكوفي، حدَّث عن ابن عمر وجابر ﴾، وثَّقه ابن معين وأبو زرعة، ولُقِّب بالفقير، لأنه اشتكا فَقَار ظهره. السير ٢٢٧/٥ . (١) لم نهتد إلى قائله، وهو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٦٥/١، وتفسير الطبري ٤٠٦/٨ . (٢) كذا في النسخ: سبع وعشرون مسألة، والذي فيها ست وعشرون مسألة، ليس فيها المسألة الثالثة عشرة، كما سيأتي. (٣) ص ٤٧٣ . (٤) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (٢٠٤٠)، وإسناده ضعيف. (٥) النكت والعيون ٣٥/٢ - ٣٦، وذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٤٤/٩ أن الذي قطعه رسول الله ﴾ هو المختار بن عدي أخو الخيار بن عدي. ٤٥٠ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم(١)، وقَطَع أبو بكر يَدَ اليَمنيّ الذي سَرَقَ العِقْدَ(٢)؛ وقَطَعَ عمرُ يَدَ ابن سَمُرةَ أخي عبد الرحمن بن سَمُرةً(٣)، ولا خلافَ فيه. وظاهرُ الآية العمومُ في كلِّ سارق، وليس كذلك؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تُقْطَّعُ يَدُ السارقِ إلا في رُبْعِ دينارٍ فصاعداً)(٤) فبيَّن أنه إنما أراد بقوله: ((والسارِقُ والسارِقَةُ» بعضَ السُّرَّاق دون بعض، فلا تُقْطَع يدُ السارق إلا في ربع دينار، أو فيما قيمتُه ربعُ دينار. هذا قولُ عمرَ بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ ﴾، وبه قال عمرُ بن عبد العزيز، واللَّيث، والشافعيُّ، وأبو ثور. وقال مالك: تُقطع اليدُ في ربع دينار أو في ثلاثة دراهم، فإنْ سَرَقَ درهمين - وهو ربعُ دينار لانحطاط الصَّرف - لم تُقطَعْ يدُه فيهما. والعُروضُ لا تُقطَّعُ فيها إلا أن تبلغَ ثلاثةَ دراهم؛ قَلَّ الصَّرفُ أو كَثُر، فجعل مالكٌ الذهبَ والوَرِقَ كلَّ واحدٍ منهما أصلاً بنفسه، وجعلَ تقويمَ العُروض بالدراهم في المشهور. وقال أحمد وإسحاق: إنْ سَرَقَ ذهباً فربع دينار، وإِنْ سَرَقَ غيرَ الذهب والفضة فكانت قيمتُهُ رُبْعَ دينار أو ثلاثةَ دراهم من الوَرِق [قُطع]. وهذا نحو ما صار إليه مالكٌ (١) أخرجه البخاري (٦٧٨٨)، ومسلم (١٦٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو حديث المرأة المخزومية المشهور التي شفع فيها أسامة بن زيد رضي الله عنهما. واسمها فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد - على الصحيح - فيما ذكره الحافظ ابن حجر، وقيل: هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد بنت عم فاطمة، وردَّ الحافظ ابن حجر هذا القول. ولم نقف على من سمَّاها مُرَّة. وينظر طبقات ابن سعد ٨/ ٢٦٣، وفتح الباري ١٢/ ٨٨ - ٨٩ . (٢) أخرجه مالك ٢/ ٨٣٥ . والعقد الذي سرقه هو لأسماء بنت عميس امرأةٍ أبي بكر رضي الله عنهما. (٣) كذا قال المصنف رحمه الله. وإنما قطعَ يدَ ابنِ سَمُرة رسولُ الله ◌َ﴾، واسمه عمرو. أخرجه ابن ماجه (٢٥٨٨). وقد ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ٣١٢/٨ (بهامش الإصابة)، والذهبي في تجريد الصحابة ص٤٠٩ بهذا الاسم. وخبر عمرو هذا أورده الماوردي في النكت والعيون ٣٦/٢ معطوفاً على خبر قطع رسول الله # للخيار بن عديّ ومُرَّة بنت سفيان (ونقله عنه المصنف)، ولفظه فيه: وقطعَ عمرَ (كذا، وهو محرّف عن عمرو) بنَ سمرة أخا عبد الرحمن بن سمرة. فذهب وهم المصنف إلى أن الخبر عن عمر بن الخطاب، فقال: وقطع عمرُ يدّ ابنٍ سمرة أخي عبد الرحمن ... (٤) أخرجه أحمد (٢٤٠٧٨)، والبخاري (٦٧٨٩)، ومسلم (١٦٨٤) من حديث عائشة رضي الله عنها. ٤٥١ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ في القول الآخر، والحُجَّة للأوَّل حديثُ ابن عمر أنَّ رجلاً سَرَقَ حَجَفَةً(١)، فأُتي به النبي ﴿، فأمرَ بها، فَقُوَّمتْ بثلاثة دراهم(٢). وجعل الشافعيُّ حديثَ عائشة رضي الله عنها(٣) في الربع دينار أصلاً ردّ إليه تقويمَ العُروض، لا بالثلاثةِ دراهم على غلاءِ الذَّهب ورُخْصه، وترك حديثَ ابنِ عمر لِمَا رَآه - والله أعلم - من اختلافِ الصحابة في المِجَنّ الذي قَطَعَ فيه رسولُ اللهِ ﴾؛ فابنُ عمر يقول: ثلاثةُ دراهم، وابنُ عباس يقول: عشرةُ دراهم، وأنس يقول: خمسةٌ دراهم، وحديثُ عائشةَ في الربع دينار حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ؛ لم يُختلف فيه عن عائشة؛ إلا أنَّ بعضَهم وَقَفه، ورَفَعه من يَجِب العملُ بقوله؛ لحفظه وعدالته. قاله أبو عمر(٤) وغيره. وعلى هذا؛ فإنْ بَلَغَ العَرَضُ المسروقُ ربعَ دينار بالتقويم؛ قُطِعَ سارِقُه. وهو قولُ إسحاق، فَقِفْ على هذين الأصلين؛ فهما عُمدةُ الباب، وهما أصحُّ ما قيل فيه. وقال أبو حنيفة وصاحباه والثَّوريّ: لا تُقطَع يدُ السارق إلا في عشرةٍ دراهم كيلاً، أو دينار ذهباً عيناً أو وزناً؛ ولا يُقطّع حتى يَخرجَ بالمتاعِ من مِلْك الرجل. وحُجَّتهم حديثُ ابن عباس؛ قال: قُوِّم المِجَنُّ الذي قَطَع فيه النبيُّ ﴿ بعشرة دراهم. ورواه عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه قال: كان ثمنُ المِجَنِّ يومئذٍ عشرةَ دراهم. أخرجهما الدَّارَقُطْنيّ وغيره(٥). (١) الحَجَفَة: التُّرس. النهاية (حجف). (٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٣٧٦/١٤ - ٣٧٧، وأخرج مالك في الموطأ ٨٣١/٢، ومن طريقه البخاري (٦٧٩٥)، ومسلم (١٦٨٦) عن ابن عمر: أن النبي # قطع في مِجَنّ ثمنه ثلاثة دراهم. وينظر التمهيد ٣٧٦/١٤، والاستذكار ١٥١/٢٤ - ١٥٦. وما بين حاصرتين لضرورة السياق. (٣) هو الحديث السالف قريباً: ((لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً)). (٤) في التمهيد ١٤/ ٣٨١ - ٣٨٢. (٥) حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه أبو داود (٤٣٨٧)، والنسائي ٨٣/٨، والدارقطني (٣٤٢٥)، وابن عبد البر في التمهيد ١٤/ ٣٨٠ . وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أخرجه أحمد (٦٦٨٧)، والدار قطني (٣٤٢٢). وينظر بسط الكلام على هذا الحديث في فتح الباري ١٢/ ١٠٣. ٤٥٢ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ وفي المسألة قولٌ رابع، وهو ما رواه الدارقطنيّ عن عمر قال: لا تُقْطَّع الخَمْسُ إلا في خَمْس(١). وبه قال سليمانُ بن يسار، وابن أبي ليلى، وابن شُبرمة؛ وقال أنس ابن مالك: قَطَعَ أبو بكر - رحمه الله - في مِجَنٍّ قيمتُه خمسةُ دراهم(٢). وقول خامس: وهو أنَّ اليدَ تُقطَّع في أربعةِ دراهمَ فصاعداً؛ رُويَ عن أبي هُريرة وأبي سعيد الخُدْرِيّ(٣). وقول سادس: وهو أنّ اليدَ تُقطَّع في درهم فما فوقَه؛ قاله عثمانُ البَتِّيّ. وذكر الطَّبَريّ(٤) أنَّ عبد الله بن الزُّبَير قَطَع في درهم. وقول سابع: وهو أنَّ اليدَ تُقطَّع في كلِّ ما لَه قيمةٌ على ظاهر الآية. هذا قولُ الخوارج، ورُوي عن الحسن البصريّ، وهي إحدى الرواياتِ الثلاث عنه، والثانيةُ كما رُوي عن عمر، والثالثةُ حكاها قَتَادةُ عنه أنه قال: تَذَاكَرْنا القَطْعِ في كَمْ يكونُ على عهد زياد؟ فاتفقَ رأيُنا على درهمين. وهذه أقوالٌ متكافئةٌ، والصحيحُ منها ما قدَّمناه لك(٥). فإن قيل: قد روى البخاريُّ ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﴾. (َعَنِ اللهُ السارقَ يَسْرِقُ البيضةَ فَتَقَطَعُ يَدُه، ويَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُه)»(٦)، وهذا موافقٌ لظاهر الآية في القطع في القليل والكثير. فالجوابُ أن هذا خرِجَ مخرجَ التحذير بالقليل عن الكثير، كما جاء في مَعْرِض (١) سنن الدار قطني (٣٤٠٨). (٢) أخرجه النسائي ٨/ ٧٧ . (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٧١ . (٤) في تفسيره ٤٠٩/٨ . (٥) ينظر أقوال العلماء السالفة في الإشراف ٤٨٥/١ - ٤٨٧، والتمهيد ٣٧٥/١٤-٣٨٢، والاستذكار ١٥١/٢٤-١٦٧، والمفهم ٧٢/٥-٧٤، والمحرر الوجيز ١٨٨/٢-١٨٩، وفتح الباري ١٠٦/١٢ - ١٠٧ ، وقد عدَّ الحافظ ابن حجر في القَدْر الذي يُقطَع السارق فيه عشرين مذهباً. (٦) صحيح البخاري (٦٧٨٣)، وصحيح مسلم (١٦٨٧)، وهو في مسند أحمد (٧٤٣٦). ٤٥٣ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ التّرغيب بالقليل مجرى (١) الكثير في قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن بَنى لله مسجداً ولو مِثْلَ مَفْحَصٍ قَطَاةٍ، بَنَى اللهُ له بيتاً في الجنة))(٢). وقيل: إنَّ ذلك مَجازٌ من وجهٍ آخر، وذلك أنه إذا ضَرِيَ بسرقة القليل سَرَقَ الكثيرَ؛ فَقُطِعَتْ يدُه. وأحسنُ من هذا ما قاله الأعمشُ، ذكره البخاريُّ في آخر الحديث كالتفسير قال: كانوا يرون أنه بَيْضُ الحديد، والحَبْلُ كانوا يرون أنه منها ما يُساوي دراهمَ (٣). قلت: كحبال السفينة وشِبه ذلك. والله أعلم. الثانية: اتّفق جمهورُ الناس على أن القَطْع لا يكون إلا على من أخرجَ من حِرْزٍ ما يجب فيه القَطْع. وقال الحسنُ بن أبي الحسن: إذا جمعَ الثيابَ في البيت قُطِع. وقال الحسن بن أبي الحسن أيضاً في قول آخرَ مثلَ قول سائر أهل العلم، فصار اتّفاقاً صحيحاً(٤). والحمد لله. الثالثة: الحِرْزُ: هو ما نُصِب عادةً لحِفْظ أموال الناس، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله على ما يأتي بيانه. قال ابن المنذر(٥): ليس في هذا الباب خبرٌ ثابت لا مَقال فيه لأهل العلم، وإنما ذلك كالإجماع من أهل العلم. وحُكي عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يَشترطوا الحِرْزَ(٦). وفي ((الموطأ)) لمالك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المَكيّ؛ أنّ رسولَ الله﴿ قال: ((لا قَطْعَ في ثَمَرٍ مُعَلَّق، ولا في حَرِيسَةٍ جَبَل، فإذا آواه المُرَاحُ (١) في أحكام القرآن لابن العربي (والكلام منه) ٢/ ٦٠٥: عن، بدل: مجرى. (٢) سلف ٦ / ١٦٥ . (٣) صحيح البخاري بعد الحديث (٦٧٨٣)، وقد رد الخطابي وابن عبد البر تأويل الأعمش هذا، ينظر أعلام الحديث له ٢٢٩١/٤، والاستذكار ١٦٦/٢٤ - ١٦٧ . (٤) ينظر الإشراف ٤٩٩/١، والمحرر الوجيز ١٨٨/٢. (٥) في الإشراف ٤٩٩/١ . (٦) ذكره أبو العباس القرطبي في المفهم ٧٦/٥ . ٤٥٤ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ أو الجَرِينُ؛ فالقَطْع فيما بَلَغَ ثمنَ المِجَرّ))(١). قال أبو عمر(٢): وهذا حديثٌ يتصلُ معناه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، وعبدُ الله هذا ثقةٌ عند الجميع، وكان أحمدُ يُثني عليه. وعن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﴿ أنه سُئل عن الثَّمَر المُعَلَّق فقال: ((مَنْ أصابَ منه من ذي حاجةٍ غيرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فلا شيءَ عليه، ومن خَرَج بشيء منه فعليه [غرامةُ مِثْلَيه والعقوبةُ، ومَن سَرَقَ منه شيئاً بعد أن يُؤْويه الجَرِين، فبلغَ ثمنَ المِجَنِّ، فعليه] القَطْعُ، ومَنْ سَرَق دون ذلك فعليه غَرامةُ مِثْليه والعقوبةُ) وفي رواية: ((وجَلَدات نّكَال)) بدل ((والعقوبة))(٣). قال العلماء: ثم نُسِخ الجَلْد وجُعِل مكانه القطع. قال أبو عمر (٤): قوله ((غرامة مِثْلَيه)) منسوخٌ لا أعلمُ أحداً من الفقهاء قال به إلا ما جاء عن عمرَ في رقيق(٥) حاطِب بن أبي بَلْتَعَة - خرّجه مالك(٦) - وروايةً عن أحمد ابن حنبل. والذي عليه الناسُ [العقوبةُ] في الغُرْم بالمِثْل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. (١) الموطأ ٨٣١/٢، وهو مرسل، قوله: ثمر مُعلَّق: هو ما كان في رؤوس الأشجار من ضروب الثمار. وحريسة الجبل: لها تفسيران، فبعضهم يجعلها السرقة نفسها، تقول منه: حرست أحرس حرساً، إذا سرقت. والتفسير الآخر: أن تكون الحريسة هي المحروسة، فيقول: ليس فيما يُحرس بالجبل قطع لأنه ليس بموضع حرز وإن حُرس. و ((المُراح)): هو موضع مبيت الغنم. ينظر التمهيد ٢١٢/١٩ - ٢١٣ . و ((الجرين)): هو موضع تجفيف التمر. النهاية (جرن). (٢) في التمهيد ٢١٠/١٩ - ٢١١ . (٣) أخرجه أبو داود (١٧١٠)، والنسائي ٨/ ٨٥، وابن عبد البر في التمهيد ٢١١/١٩ وما بين حاصرتين منها، وهو في مسند أحمد (٦٦٨٣) بنحوه، وسلفت قطعة منه ٣٨/٣، ورواية: ((وجَلَّدات نكال)) هي عند النسائي ٨٦/٨. وقوله: ((خُبنة)): هو معطف الإزار وطرف الثوب، أي: لا يأخذ منه في ثوبه. النهاية (خبن). (٤) في التمهيد ٢١٢/١٩، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٥) في (د): رفيق، وفي (م): دقيق، وهو تحريف، والمثبت من (ز) و(ظ). (٦) الموطأ ٢/ ٧٤٨ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب. ٤٥٥ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ ورَوى أبو داود عن صفوانَ بن أُمَيَّة قال: كنتُ نائماً في المسجد على خَمِيصةٍ لي ثمنَ ثلاثين درهماً، فجاء رجلٌ فاختلسها منِّي، فأُخِذَ الرجلُ، فأُتي به النبيّ :﴿، فأمر به لِيُقطع، قال: فأتيتُه فقلت: أَتقطعُه من أجلِ ثلاثين درهماً؟! أنا أَبيعُه وأُنْسِتُه(١) ثمنَها . قال: ((فَهَلَّا كان هذا قبلَ أَنْ تأتيَني به(٢)؟)). ومن جهة النَّظَر؛ إن الأموال خُلقت مُهَيَّة للانتفاع(٣) للخلق أجمعين، ثم الحكمةُ الأوّلية حَكَمَتْ فيها بالاختصاصِ الذي هو المِلْكُ شَرْعاً، وبقيت الأطماعُ متعلّقةً بها، والآمالُ مُحوّمةً عليها؛ فَتَكُفُّها المروءةُ والدِّيانة في أقلِّ الخَلْقِ، ويَكْفُّها الصَّوْنُ والحِرْز عن أكثرهم، فإذا أحرزَها مالكُها فقد اجتمع فيها الصَّوْن والحِرْز الذي هو غايةُ الإمكان للإنسان، فإذا هُتِكا فَحُشت الجريمةُ، فَعظُمت العقوبة، وإذا هُتِك أحدُ الصَّوْنَين - وهو المِلْك - وجَب الضَّمان والأَدَب. الرابعة: فإذا اجتمع جماعةٌ فاشتركوا في إخراج نِصابٍ من حِرْزه، فلا يخلو، إمّا أن يكونَ بعضُهم ممن يقدرُ على إخراجه، أَوْ لا إلّا بتعاونهم، فإذا كان الأوّلُ فاختلف فيه علماؤنا على قولين: أحدهما: يُقطَع فيه، والثاني: لا يُقطَع(٤)، وبه قال أبو حنيفة والشافعيّ؛ قالا: لا يُقطّع في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجبَ لكلِّ واحد من حِصَّته نِصاب؛ لقوله :8#: ((لا تُقطَعُ يَدُ السارقِ إلا في ربع دينار فصاعداً))(٥)، وكلُّ واحد من هؤلاء لم يَسْرِق نصاباً، فلا قَطْع عليهم. ووجهُ القَطْع في إحدى الروايتين أنَّ الاشتراكَ في الجناية لا يُسقط عقوبتَها، كالاشتراك في القتل. قال ابن العربيّ(٦): وما أقربَ ما بينهما؛ فإنَّا إنما قتلنا الجماعةَ بالواحد صيانةً (١) في (ظ): وأواسيه. (٢) سنن أبي داود (٤٣٩٤)، وهو في مسند أحمد (١٥٣٠٣). (٣) في (م): للانتفاع بها. والمثبت من النسخ الخطية موافق لأحكام القرآن لابن العربي ٦٠٧/٢ (والكلام منه إلى آخر المسألة). (٤) في (م): لا يقطع فيه. (٥) سلف ص ٤٥٠ من هذا الجزء . (٦) في أحكام القرآن ٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨، وما قبله منه. ٤٥٦ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ للدماء؛ لئلا يتعاونَ على سَفْكها الأعداء، فكذلك في الأموال مثله؛ لا سيما وقد ساعدَنا الشافعيّ على أن الجماعةَ إذا اشتركوا في قَطْعِ يدِ رجل قُطِعوا، ولا فرقَ بینھما. وإنْ كان الثاني - وهو مما لا يُمكن إخراجُه إلا بالتعاون - فإنه يُقطَع جميعُهم بالاتفاق من العلماء. ذكره ابن العربي. الخامسة: فإن اشتركوا في السَّرقة بأنْ نَقَبَ واحدٌ الحِرْزَ، وأخرج آخرُ، فإن كانا متعاونَين قُطِعا. وإن انفردَ كلُّ واحدٍ منهما بِفِعْله دون اتِّفاق بينهما؛ بأنْ يجيء آخرُ فيُخْرِج؛ فلا قَطْعَ على واحدٍ منهما. وإنْ تعاونا في النَّقْب وانفردَ أحدُهما بالإخراج فالقطعُ عليه خاصَّة. وقال الشافعيّ: لا فَظْعَ؛ لأن هذا نَقَبَ ولم يَسرِقْ، والآخرّ سَرَق من حِرْز مَهْتوكِ الحُرْمة. وقال أبو حنيفة: إنْ شارك في الثَّقب ودخل وأخذَ؛ قُطِعَ. ولا يُشترط في الاشتراك في النقب التحاملُ على آلةٍ واحدة، بل التعاقبُ في الضَّرب تحصلُ به الشركة (١). السادسة: ولو دخلَ أحدُهما فأخرجَ المتاعَ إلى باب الحِرْز؛ فأدخلَ الآخرُ يدَه فأخذه؛ فعليه القطعُ، ويُعاقَبُ الأوّل. وقال أشهبُ: يُقطَعان. وإنْ وضعَه خارجَ الحِرْز فعليه القطعُ لا على الآخذِ، وإنْ وَضَعَه في وسط النَّقْب؛ فأخذَه الآخرُ والتقتْ أيديهما في النَّقْبِ؛ قُطِعا جميعاً (٢). السابعة: والقبرُ والمسجدُ حِرْزٌ، فيُقطَّع النَّبَّاش عند الأكثر، وقال أبو حنيفة: لا قَطْعَ عليه؛ لأنه سرقَ من غير حِرْز مالاً مُعرَّضاً للتلف لا مالِكَ له؛ لأنّ الميتَ لا يَهْلِكُ. ومنهم من يُنكر السرقةَ؛ لأنه ليس فيه ساكنٌ، وإنما تكون السرقةُ بحيث تُتَّقى الأعينُ، ويُتَحفّظ من الناس؛ وعلى نَفْي السرقة عوَّل أهلُ ما وراء النهر. وقال الجمهور: هو سارقٌ، لأنه تدرَّع الليلَ لباساً، واتَّقى الأعينَ، وقَصَد وقتاً (١) أحكام القرآن لابن العربي ٦٠٨/٢، وعقد الجواهر الثمينة ٣٣٥/٣. (٢) عقد الجواهر الثمينة ٣٣٥/٣. ! ٤٥٧ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ لا ناظرَ فيه ولا مارَّ عليه، فكان بمنزلة ما لو سرقَ في وقت بُروز الناس للعيد، وخُلُوِّ البلدِ من جمیعهم. وأما قولُهم: إنَّ القبرَ غيرُ حِرْز؛ فباطلٌ؛ لأن حِرْزَ كلِّ شيء بحسب حاله المُمكنة فيه. وأما قولهم: إنَّ الميتَ لا يَمْلِكُ؛ فباطلٌ أيضاً؛ لأنه لا يجوزُ تركُ الميتِ عارياً، فصارت هذه الحاجةُ(١) قاضيةً بأنَّ القبرَ حِرْزُهُ(٢). وقد نبَّه الله تعالى عليه بقوله: ﴿أَلَرَ تَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَنَّا أَخْيَاءٍ وَأَمْوَتًا﴾ [المرسلات: ٢٥- ٢٦] لِيَسْكُنَ فيها حيًّا، ويُدفَنَ فيها ميتاً. وأما قولهم: إنه عُرْضةٌ للتلف؛ فكلُّ ما يَلْبَسه الحيُّ أيضاً مُعرَّضٌ للتَّلَفِ والإِخْلاق بلباسه، إلا أنَّ أحدَ الأمرين أعجلُ من الثاني(٣). وقد رَوى أبو داود عن أبي ذَرّ قال: دعاني رسولُ اللـه ﴾ فقال: ((كيف أنتَ إذا أصابَ الناسَ موتٌ يكون البيتُ فيه بالوَصيف»، يعني القبر(٤). قلت: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: ((عليك بالصَّبر)). قال حمادٌ: فبهذا قال مَنْ قال: تُقْطَعُ يدُ السارق؛ لأنه دخلَ على الميتِ بيتَه(٥). وأما المسجدُ، فمن سَرَقَ حُصُرَه قُطِعَ؛ رواه عيسى عن ابن القاسم، وإنْ لم يكن للمسجدِ بابٌ؛ ورآها مُخْرَزَةً. وإنْ سرقَ الأبوابَ قُطِعَ أيضاً؛ ورُوي عن ابن القاسم أيضاً إنْ كانت سَرِقَتُه للحُصُر نهاراً لم يُقطَع، وإنْ كان تسوَّر عليها ليلاً قُطِع؛ وذُكِرَ (١) في (ز) و(د): الخاصة. (٢) في (م): حرز. (٣) الكلام بنحوه في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦٠٨ . (٤) قوله: يعني القبر، عائد على البيت، أي: يكون القبر فيه بالوصيف، وهو العبد. (٥) سنن أبي داود (٤٤٠٩)، وأخرجه أحمد (٢١٤٤٥)، وابن ماجه (٣٩٥٨) مطولاً. وحماد: هو ابن أبي سليمان، ولفظ قوله عند أبي داود: يقطع النباش، لأنه دخل على الميت بيته. قال الخطابي في معالم السنن ٣١٣/٣: الوصيف: العبد، يريد أن الفضاء من الأرض يضيق عن القبور، ويشتغل الناس بأنفسهم عن الحفر لموتاهم حتى تبلغ قيمةُ القبر قيمةَ العبد. ٤٥٨ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ عن سُحْنُون: إنْ كانت حُصُره خِيْطَ بعضُها إلى بعض قُطِعٍ، وإلّا لم يُقطَع. قال أَصْبَغُ: يُقطع سارقُ حُصُر المسجد وقناديلهِ وبلاطهِ، كما لو سَرقَ بابَه مُسْتَسِرًّا أو خشبةً من سَقْفه أو مِن جَوَائزه(١). وقال أشهبُ في كتاب محمد: لا قَطْعَ في شيء من حُصُر المسجد وقنادیله وبلاطه(٢). الثامنة: واختلف العلماءُ؛ هل يكون غُرمٌ مع القَطْع أَمْ لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يَجتمع القَطْعُ مع الغُرم (٣) بحال؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَالشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوَأْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللهِ﴾ ولم يَذْكُرْ غُرْماً (٤). وقال الشافعي: يُغَرَّمُ قيمةَ السرقة؛ مُوسِراً كان أو مُعْسِراً، وتكون دَيْناً عليه؛ إذا أيسرَ أدَّاه، وهو قولُ أحمد وإسحاق. وأما علماؤنا؛ مالك وأصحابه فقالوا: إنْ كانت العينُ قائمةً ردَّها، وإنْ تَلِفِتْ؛ فإن كان موسراً غُرِّمَ، وإن كان مُعْسِراً لم يُتْبِع به دَيْناً ولم يكن عليه شيء؛ وروى مالك (٥) مثل ذلك عن الزُّهْري. قال الشيخ أبو إسحاق: وقد قيل: إنه يُتْبع بها دَيْناً مع القَطْع؛ مُوسراً كان أو مُعْسِراً. قال: وهو قولُ غير واحد (٦) من أهل المدينة، واستُدِلَّ على صحته بأنهما حقَّان لمستحِقَّين فلا يُسْقِط أحدُهما الآخرَ، كالدِّيَة والكفَّارة. ثم قال: وبهذا أقول. واستدلَّ القاضي أبو الحسن للمشهور بقوله :﴿: ((إذا أُقيمَ على السارقِ الحدُّ فلا ضمانَ عليه. وأسنده في كتابه(٧). (١) جمع جائز، وهو الخشبة التي توضع عليها أطراف العوارض في سقف البيت. النهاية (جوز). (٢) النوادر والزيادات ٤١٣/١٤، والمنتقى ١٦٣/٧، وعقد الجواهر الثمينة ٣٣١/٣ - ٣٣٢. (٣) في (م): لا يجتمع الغرم مع القطع. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٦٠٩/٢ . (٥) لفظ: مالك، ليس في (ظ) والتمهيد ٣٨٤/١٤ (والكلام منه). (٦) بعدها في (م): من علمائنا. (٧) عقد الجواهر الثمينة ٣٣٧/٣ - ٣٣٨ وسيرد تخريج الحديث. أبو إسحاق: هو محمد بن القاسم بن شعبان، وأبو الحسن: هو علي بن عمر بن القصار. ٤٥٩ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ وقال بعضُهم: إنَّ الإتباعَ بالغُرم عقوبة، والقَطْعُ عقوبة، ولا تجتمع عقوبتان؛ وعليه عوَّلَ القاضي عبد الوهَّاب(١). والصحيحُ قولُ الشافعي ومَنْ وافقَه. قال الشافعي: يُغَرَّمَ السارقُ ما سَرقَ؛ مُوسراً كان أو مُعسراً؛ قُطِع أو لم يُقطع، وكذلك إذا قَطَع الطريق؛ قال: ولا يُسقِط الحدُّ لله ما أَتلف للعباد. وأما ما احتجَّ به علماؤنا من الحديث - إذا كان مُعْسِراً - فبه احتجَّ الكوفيون، وهو قولُ الطَّبَريّ، ولا حُجَّةَ فيه؛ رواه النَّسائي والدارقطنيّ عن عبد الرحمن بن عوف(٢). قال أبو عمر: هذا حديثٌ ليس بالقويّ ولا تقومُ به حُجَّة، وقال ابن العربي: وهذا حدیثٌ باطل. وقال الطَّبَريّ: القياسُ أن عليه غُرْمَ ما استهلك، ولكن تركنا ذلك اتباعاً للأثَّر في ذلك. قال أبو عمر: تركُ القياس لضعيفٍ(٣) الأثر غيرُ جائز؛ لأن الضعيفَ لا يُوجب حُكْماً(٤). التاسعة: واختلف في قَطْع يَدِ من سَرق المالَ من الذي سرقَه؛ فقال علماؤنا: يُقْطع. وقال الشافعي: لا يقطع؛ لأنه سَرق من غيرِ مالكٍ ومن غير حِرْز. وقال علماؤنا: حُرمة المالك علیه باقیةٌ لم تنقطع عنه، ویدُ السارق گلا ید، کالغاصب لو سُرِق منه المالُ المغصوب قُطِع. فإن قيل: اجعلوا حِرْزَه كَلَا حِرْز؛ قلنا: الحِرْزُ قائمٌ، والملك قائم، ولم يَبطُلِ المِلْكُ فيه فيقولوا لنا: أَبْطلوا الحِرْزِ(٥). العاشرة: واختلفوا إذا كَرَّرَ السرقة بعد القَطْع في العين المسروقة؛ فقال الأكثر: (١) أحكام القرآن لابن العربي ٦٠٩/٢ . (٢) سنن النسائي ٩٣/٨، وسنن الدارقطني (٣٣٩٧) من طريق سعد بن إبراهيم، عن أخيه المسور، عن عبد الرحمن بن عوف ، أن النبي ﴿ قال: ((لا يُغرَّم السارق إذا أُقيم عليه الحدُّ». وهو منقطع، فإن المسور بن إبراهيم لم يُدرك جدَّه عبد الرحمن بن عوف ، وينظر بيان الوهم والإيهام ٧١/٣ . (٣) في (د): لضعف. (٤) التمهيد ٣٨٣/١٤ - ٣٨٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٦٠٩/٢ . (٥) الكلام في هذه المسألة والتي تليها في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٦١٠ بنحوه. ٤٦٠ سورة المائدة: الآيتان ٣٨ - ٣٩ يُقطَّع. وقال أبو حنيفة: لا قَطْع عليه. وعمومُ القرآن يوجب عليه القَطْع، وهو يردُّ قوله. وقال أبو حنيفة أيضاً في السارق يملك الشيء المسروقَ بشراءٍ أو هبة قبل القَطْع: فإنه لا يُقطَع، والله تعالى يقول: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ فإذا وجبَ القَطْع حقًّا لله تعالى لم يُسقِظْه شيء. الحادية عشرة: قرأ الجمهور: ((والسَّارِقُ)) بالرفع. قال سيبويه(١): المعنى: وفيما فُرِضَ عليكم السارقُ والسارقة. وقيل: الرفعُ فيهما على الابتداء، والخبر: «فاقْطَعُوا أَيْدِيَهما)). وليس القَصْدُ إلى مُعَيَّن؛ إذْ لو قصد مُعيَّناً لوجب النَّصب؛ تقول: زيداً إِضْربه؛ بل هو كقولك: من سرقَ فاقطع يدَه. قال الزجاج(٢): وهذا القولُ هو المختار. وقُرِئ: ((والسَّارِقَ)) بالنصب فيهما(٣) على تقدير: اقطَّعوا السارقَ والسارقةَ؛ وهو اختيارُ سيبويه (٤)؛ لأنّ الفعلَ بالأمر أولى؛ قال سيبويه رحمه الله تعالى: الوجهُ في كلام العرب النصب؛ كما تقول: زيداً إِضْرِبِه؛ ولكن العامَّة أَبتْ إلا الرفع؛ يعني عامَّةَ القُرَّاء وجُلَّهم، فأنزل سيبويه النوعَ السارق منزلةَ الشخص المُعَيَّن. وقرأ ابن مسعود: ((والسَّارقون والسَّارِقاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُم))(٥) وهو يُقوِّي قراءةَ الجماعة. والسَّرِق والسَّرِقةُ - بكسر الراء فيهما - هو اسمُ الشيء المسروق، والمصدرُ مِن سَرَقَ يَسرِق سَرَقاً؛ بفتح الراء. قاله الجوهري(٦). (١) الكتاب ١٤٣/١ - ١٤٤. (٢) في معاني القرآن له ٢/ ١٧٢ . (٣) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣٢ لعيسى بن عمر، وزاد ابن عطية ١٨٧/٢ نسبتها لإبراهيم ابن أبي عبلة. (٤) في الكتاب ١٤٤/١. (٥) المحرر الوجيز ١٨٧/٢ - ١٨٨، وعنه نقل المصنف كلام سيبويه والزجاج. وقراءةُ ابن مسعود ﴾ أخرجها الطبري ٤٠٧/٨، وأوردها الفراء في معاني القرآن ٣٠٦/١، وعندهما: ((فاقطعوا أيمانهما)). (٦) في الصحاح (سرق).