النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
سورة المائدة: الآيتان ٣٠ - ٣١
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ لْفَسِرِينَ﴾، وإلّا فالخسرانُ يُعُمُّ خسرانَ الدُّنيا والآخرة.
قلت: ولعلَّ هذا يكونُ عقوبته على القول بأنه عاصٍ لا كافرٌ، فيكون المعنى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ لُلْتَصِيرِينَ﴾، أي: في الدنيا. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةً
أَخِيَةٍ قَالَ يَوَيْلَفَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىْ فَصْبَحَ
مِنَ النَّدِمِينَ
فیه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اَللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِىِ الْأَرْضِ﴾ قال مجاهد: بعث اللهُ
غرابين فاقتتلا حتى قَتل أحدُهما صاحبَه، ثم حفر فدفنه. وكان ابنُ آدم هذا أوَّلَ مَن
قُتِل(١).
وقيل: إنَّ الغراب بحث الأرض على طُعْمِه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه؛ لأنه
من عادة الغراب فعل ذلك؛ فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه.
ورُوي أن قابيل لما قتل هابيل؛ جعله في جراب، ومشَى به يحمله في عنقه مئة
سنة؛ قاله مجاهد(٢).
ورَوى ابن القاسم عن مالك أنه حمله سنة واحدة (٣)؛ وقاله ابن عباس(٤).
وقيل: حتى أَزْوَح ولا يدري ما يصنع به إلى أن اقتدى بالغراب(٥)، كما تقدَّم.
وفي الخبر عن أنس قال: سمعت النبيَّ # يقول: ((امتنَّ اللهُ على ابنِ آدمَ بثلاث
بعد ثلاث: بالرِّيح بعد الرُّوحِ؛ فلولا أنَّ الرِّيح يقع بعد الرُّوحِ ما دَفن حميمٌ حميماً،
(١) معاني القرآن للنحاس ٢٩٨/٢. وأخرج الطبري ٨/ ٣٤٢ قول مجاهد.
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ١٨٠، وأخرجه الطبري ٣٤٣/٨.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٨٧.
(٤) أخرجه الطبري ٣٤١/٨ .
(٥) أخرج نحوه الطبري ٨/ ٣٤٢ عن ابن عباس. وقوله: أروح؛ أي: تغيرت ريحه. مختار الصحاح (روح).

٤٢٢
سورة المائدة: الآية ٣١
وبالدُّود في الجُثَّة؛ فلولا أنَّ الدُّودَ يقع في الجُثَّة لاكتنزها الملوك، وكان(١) خيراً لهم
من الدَّراهم والدنانير، وبالموت بعد الكِبَر، وإنَّ الرجلَ لَيَكْبَرَ حتى يَمَلَّ نفسَه، ويملَّه
أهلُه وولده وأقرباؤه، فكان الموت أسترَ له))(٢).
وقال قوم: كان قابيل يَعلمُ الدفنَ، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافاً به، فبعث
الله غراباً يبحث التراب على هابيل ليدفنه، فقال عند ذلك: ﴿يَوَيْلَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ
مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ﴾ حيث رأى إكرامَ اللهِ لهابيل
بأنْ قِيَّض اللهُ له الغرابَ حتى واراه، ولم يكن ذلك ندم توبة (٣).
وقيل: إنما ندمه كان على فقده، لا على قتله، وإن كان(٤)؛ فلم يكن موفياً
شروطه. أو ندم ولم يستمر ندمه(٥)؛ فقال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله
لكانت الندامة توبة منه. ويقال: إنَّ آدَمَ وحوَّاء أتيا قبره، وبكيا(٦) أيَّاماً عليه. ثم إنَّ
قابيل كان على ذِروة جبل فنطحه ثورٌ فوقع إلى السفح وقد تفرَّقت عروقُه. ويقال: دعا
عليه آدمُ فانخسفت به الأرض.
ويقال: إنَّ قابيلَ استوحش بعد قتل هابيل ولزم البرِّيَّة، وكان لا يقدر على ما
يأكله إلَّا من الوحش، فكان إذا ظفر به وقَذَه(٧) حتى يموت، ثم يأكله.
قال ابن عباس: فكانت الموقوذة حراماً من لدن قابيل بن آدم، وهو أوَّل مَن
يُساق من الآدميين إلى النار؛ وذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّا أَرِنَا الَّذَّيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الِنّ
وَالْإِنسِ﴾ الآية [فصلت: ٢٩]. فإبليسُ رأسُ الكافرين من الجنّ، وقابيل رأس الخطيئة
(١) في (م): لاكتنزتها الملول وكانت.
(٢) لم نقف عليه.
(٣) ينظر تفسير الرازي ٢٠٩/١١.
(٤) لفظة: كان، من (م).
(٥) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٥٨٨/٢ .
(٦) في النسخ الخطية: ومكثا. والمثبت من (م) وهو الموافق لتفسير أبي الليث ١/ ٤٣٠ والكلام منه.
(٧) وقذه: ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت. مختار الصحاح (وقذ).

٤٢٣
سورة المائدة: الآية ٣١
من الإنس؛ على ما يأتي بيانه في ((حم فصلت)) إن شاء الله تعالى.
وقد قيل: إنَّ الندم في ذلك الوقت لم يكن توبة، والله بكل ذلك أعلم وأحكم.
وظاهر الآية أنَّ هابيلَ هو أوَّلُ ميت من بني آدم؛ ولذلك جُهِلت سُنَّة المواراة،
وكذلك حكَى الطبريُّ عن [ابن] إسحاق عن بعض أهل العلم بما في كتب الأوائل(١).
و(يَبْحَثُ)) معناه: يُفِّشُ الترابَ بمنقاره ويثيرُه. ومن هذا سُميت سورة «براءة)):
البُحوث؛ لأنها فيَّشت عن المنافقين؛ ومن ذلك قول الشاعر:
إِنِ الناسُ غَطَّوني تغّيتُ عنهمُ وإِنْ بحثوني كان(٢) فيهم مَباحِثُ
وفي المثل: لا تكن كالباحث على الشَّفْرة(٣)، قال الشاعر:
فكانت كعَنْزِ السُّوء قامت برِجلِها إلى مُذيةٍ مدفونةٍ تَسْتَثِيرُها (٤)
الثانية: بعث الله الغراب حكمة؛ ليرى ابنُ آدم كيفية المواراة، وهو معنى قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ أَانَهُ فَقْرَهُ﴾ [عبس: ٢١]، فصار فِعْلُ الغرابِ في المواراة سنَّةً باقيةً في
الخلق، فرضاً على جميع الناس على الكفاية، مَنْ فَعَله منهم سقط فرضُه عن الباقين.
(١) المحرر الوجيز ١٨٠/٢، وما بين حاصرتين منه. وهو عند الطبري ٣٤٤/٨.
(٢) في النسخ: كنت، والمثبت من المحرر الوجيز ١٨١/٢ والكلام منه. والبيت لأبي دُلامة زند بن
الجون. وذكره المبرد في الكامل ٥٦٠/٢ كالمصنف. وذكره ابن قتيبة في عيون الأخبار ٦٩/١ ،
والأصبهاني في الأغاني ٢٣٩/١٠، والخطيب البغدادي في تاريخه ٤٩٠/٨، وعجزه: وإن بحثوا عني
ففيهم مباحث.
(٣) المحرر الوجيز ١٨١/٢. وذكره أبو هلال العسكري في جمهرة الأمثال ٣٦٣/١ و٣٩٩/٢،
والزمخشري في المستقصى ٢٠٧/٢ ، والبكري في فصل المقال ص٣٦٢. قال العسكري: يراد به
الرجل يبحث عما يكره، فيستخرجه على نفسه، قالوا: والمثل لحريث بن حسان الشيباني. وأصله أن
رجلاً غيَّب شفرة له في الأرض، ثم طلبها ليذبح بها كبشاً فلم يجدها، فبينا الكبش ينزو ضرب بيده
فأثارها، فذبحه بها الرجل، والشفرة: السكّين العريض، وكذلك المدية.
(٤) أورده العسكري في مجمع الأمثال ٣٦٤/١، والبكري في فصل المقال ص٣٦٢ وابن عبد البر في
التمهيد ٢٩٨/٤ باختلاف يسير عن رواية المصنف ونسبوه للفرزدق.
ونسبه ابن سلام في طبقات فحول الشعراء ٢/ ٣٥٧ للنميري في جوابه للفرزدق.

٤٢٤
سورة المائدة: الآية ٣١
وأخصُّ الناس به الأقربون الذين يلونه، ثم الجِيرة، ثم سائر المسلمين. وأمَّا الكفّارُ
فقد رَوَى أبو داود عن عليٍّ قال: قلت للنبيِّ ﴾: إنَّ عمَّكَ الشيخَ الضالَّ قد مات؛
قال: ((اذْهَبْ فَوَارِ أباكَ التراب، ثم لا تُحدِثَنَّ شيئاً حتى تأتيني)). فذهبت(١) فواريتُه،
وجئتُه، فأمرني فاغتسلتُ، ودعا لي(٢).
الثالثة: ويستحب في القبر سعته وإحسانه؛ لما رواه ابن ماجه: عن هشام بن
عامر قال: قال رسول الله ﴾: ((إِحفِروا وأوسعوا وأحسنوا))(٣).
:
ورَوَى عن الْأَذْرَعِ السُّلَمِيّ(٤) قال: جئتُ ليلةً أحرسُ النبيَّ ◌َ﴾، فإذا رجلٌ قراءته
عالية، فخرج النبيُّ #، فقلت: يا رسول الله: هذا مُرَاءٍ. قال: فمات بالمدينة،
ففرغوا من جهازه، فحملوا نعشَه، فقال رسول الله ﴾: ((أُرْفُقُوا بِهِ، رَفَقَ اللهُ به، إنَّه
كان يحبُّ اللهَ ورسوله)). قال: وحضَر حفرتَه فقال: ((أَوْسِعُوا له، وَسَّعَ اللهُ عليه)».
فقال بعض أصحابه: [يا رسول الله] لقد حزنتَ عليه؟ فقال: ((أَجَلْ، إنَّه كان يُحِبُّ
الله ورسوله)). أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحُبَاب، عن موسى بن
عبيدة، عن سعيد بن أبي سعيد(٥).
(١) قوله: فذهبت، من (م) وسنن أبي داود.
(٢) سنن أبي داود (٣٢١٤). وهو أيضاً في مسند أحمد (٧٥٩) و(١٠٩٣)، والسنن الكبرى للنسائي (١٩٣)
و(٢١٤٤)، والمجتبى ١١٠/١ و٧٩/٤. وفي إسناده ناجية بن كعب الأسدي؛ وهو مجهول. قال ابن
حجر في التلخيص الحبير ١١٤/٢: ومدار كلام البيهقي على أنه ضعيف، ولا يتبين وجه ضعفه، وقد
قال الرافعي: إنه حديث ثابت مشهور ... ليس في شيء من طرق هذا الحديث التصريح بأنه غسله، إلا
أن يؤخذ ذلك من قوله: فأمرني فاغتسلت، فإن الاغتسال شُرع من غسل الميت، ولم يشرع من دفنه.
(٣) سنن ابن ماجه (١٥٦٠). وأخرجه أيضاً أحمد (١٦٢٥١)، وأبو داود (٣٢١٥)، والترمذي (١٧١٣)،
والنسائي في المجتبى ٤/ ٨٠ - ٨١ و ٨٣ - ٨٤، وفي الكبرى (٢١٤٨). قال الترمذي: حديث حسن
صحیح.
(٤) في النسخ الخطية: الأسلمي، والمثبت من (م) وسنن ابن ماجه، وكتب الرجال.
(٥) سنن ابن ماجه (١٥٥٩) وما بين حاصرتين منه. وأخرجه أيضاً ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني
(٢٣٨٢) بهذا الإسناد. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان ١/ ٤١٧ من طريق سليمان بن بلال، عن =

٤٢٥
سورة المائدة: الآية ٣١
قال أبو عمر بن عبد البر: أَذْرَعِ السُّلَميّ (١) رَوَى عن النبيِّ ﴾ حديثاً واحداً، رَوَى
عنه سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِي.
وأما هشام بن عامر بن أمية بن الحَسْحَاس بن عامر بن غَنْم بن عديٍّ بن النَّجَّار
الأنصاريّ، كان يُسمَّى في الجاهلية شِهاباً، فَغيَّر النبيُّ # اسمه؛ فسمَّاه هشاماً،
واستشهد أبوه عامر يوم أُحُد. سكن هشام البصرةَ ومات بها؛ ذُكر هذا في كتاب
الصحابة (٢).
الرابعة: ثم قيل: اللَّحدُ أفضلُ من الشَّقِّ؛ فإنه الذي اختاره اللهُ لرسوله ﴿؛ فإنَّ
النبيَّ ﴾ لما تُوفِّي؛ كان بالمدينة رجلان؛ أحدُهما يَلْحَد، والآخر لا يَلْحَد، فقالوا:
أيُّهما جاء أوَّلَ؛ عَمِلَ عَمَلَه، فجاء الذي يَلْحَد، فَلَحَد لرسول الله ﴾. ذكره مالك في
الموطأ عن هشام بن عُروة عن أبيه، وأخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك وعائشة
رضي الله عنهما (٣). والرجلان هما أبو طلحة وأبو عبيدة، وكان أبو طلحة يلحد وأبو
عبيدة يشقّ(٤).
واللَّحْدُ: هو أن يحفر في جانب القبر إن كانت تربة صلبة، يوضع فيه الميت، ثم
يوضع عليه اللَّبِن، ثم يُهال الترابُ؛ قال سعد بن أبي وَقَّاص في مرضه الذي هلك
فيه: اِلْحَدُوا لِي لَحْداً، وانصِبُوا عليَّ اللَّيِن نَصْباً؛ كما صُنِعَ برسولِ الله ﴾. أخرجه
(٥)
مسلم(٥).
= أبي عبد العزيز الربذي - وهو موسى بن عبيدة - به. وذكر أن الرجل هو عبد الله ذو البجادين. قال
البوصيري في مصباح الزجاجة (٥٦٤): ليس لأدرع السلمي هذا عند ابن ماجه سوى هذا الحديث،
وليس له شيء في الخمسة الأصول، وإسناد حديثه ضعيف؛ لضعف موسى بن عبيدة الربذي ... وله
شاهد من حديث هشام بن عامر رواه أصحاب السنن الأربعة. ا. هـ. يعني المذكور قبله.
(١) في النسخ الخطية: الأسلمي، وكذلك في الاستيعاب ١٤١/١؛ وعنه نقل المصنف. والمثبت من (م).
(٢) الاستيعاب ٤٠٠/١٠ .
(٣) الموطأ ٢٣١/١، وسنن ابن ماجه (١٥٥٨) و(١٥٥٧). وأخرجه أحمد مختصراً (٤٧٦٢) عن ابن عمر
وعائشة، وأخرجه أيضاً (١٢٤١٥) عن أنس.
(٤) ينظر الاستذكار ٢٨٩/٨، والتمهيد ٢٩٧/٢٢.
(٥) في صحيحه (٩٦٦). وهو عند أحمد (١٤٥٠).

٤٢٦
سورة المائدة: الآية ٣١
ورَوَى ابنُ ماجه وغيرُه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﴾: «اللَّحدُ لنا،
والشَّقُّ لغيرنا))(١).
الخامسة: رَوَى ابنُ ماجه عن سعيد بن المسيّب قال: حضرتُ ابنَ عمر في جِنازة،
فلما وضعها في اللَّحد قال: بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى مِلَّة رسولِ الله ﴾، فلما
أخذ في تسوية [اللَِّن على] اللَّحد قال: اللَّهم أَجِرها من الشيطان ومن عذاب القبر،
اللَّهم جافِ الأرضَ عن جنبيها، وصعِّدْ رُوحَها، ولَفِّها منكَ رضواناً. قلت: يا ابنَ
عمر، أشيءٌ سمعتَه من رسول اللـه ﴿، أم قلتَه برأيكَ؟ قال: إني إذا لقادرٌ على القول!
بل شيءٌ سمعتُه من رسول الله ﴾(٢).
ورَوَى عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللـه ﴾ صَلَّى على جِنازة، ثم أَتَى قبرَ الميتِ،
فحثا عليه من قِبَلِ رأسه ثلاثاً(٣).
فهذا ما تعلّق في معنى الآية من الأحكام.
والأصل في ((يَا وَيْلَتَى)): يا ويلتي، ثم أُبدل من الياء ألف. وقرأ الحسن على
(١) سنن ابن ماجه (١٥٥٤). وهو عند أبي داود (٣٢٠٨)، والترمذي (١٠٤٥)، والنسائي في المجتبى
٤/ ٨٠، وفي الكبرى (٢١٤٧). قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال ابن حجر في
التلخيص الحبير ١٢٧/٢: في إسناده عبد الأعلى بن عامر، وهو ضعيف. اهـ. ويشهد له حديث جرير
بن عبد الله البجلي؛ أخرجه أحمد (١٩١٥٨).
(٢) سنن ابن ماجه (١٥٥٣)، وما بين حاصرتين منه. قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٢٩/٢: في
إسناده حماد بن عبد الرحمن الكلبي، وهو مجهول. قال ابن أبي حاتم في العلل ٣٦٣/١: الحديث
منكر. وأخرجه مختصراً أحمد (٤٨١٢)، وأبو داود (٣٢١٣)، والترمذي (١٠٤٦)، والنسائي
(١٠٨٦٠). وابن ماجه (١٥٥٠). قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
(٣) سنن ابن ماجه (١٥٦٥). وأخرجه ابن أبي حاتم في العلل ١٦٩/١ وقال: قال أبي: هذا حديث باطل.
قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١٣١/٢: إسناده ظاهره الصحة ... ليس لسلمة بن كلثوم - أحد رواة
الحديث - في سنن ابن ماجه وغيرها إلا هذا الحديث الواحد، ورجاله ثقات ... لكن أبو حاتم إمام، لم
يحكم عليه بالبطلان إلا بعد أن تبين له، وأظن أن العلة فيه عنعنة الأوزاعي وعنعنة شيخه.

٤٢٧
سورة المائدة: الآيتان ٣١ - ٣٢
الأصل بالياء(١)، والأوَّل أفصح؛ لأن حذف الياء في النداء أكثر. وهي كلمةٌ تدعو بها
العرب عند الهلاك؛ قاله سيبويه(٢). وقال الأصمعي: ((وَيْلٌ))؛ بُعْدٌ.
وقرأ الحسن: ((أَعَجِزْتُ)) بكسر الجيم(٣). قال النحاس(٤): وهي لغة شاذة؛ إنما
يقال: عَجِزَت المرأةُ: إذا عظُمت عجِيزتُها(٥)، وعَجَزتُ عن الشيء عَجْزاً ومَعْجِزَةً
ومَعْجَزَةً. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ
نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا
أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَهِنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ
ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ﴾ أي: من جَرَّاء ذلك القاتل وجَرِيرته. وقال
الزجاج(٦): أي: من جنايته؛ يقال: أَجَلَ الرجلُ على أهله شرًّا، يأجُلُ أَجْلًا: إذا
جَنَى، مثل: أخذ يأخذ أخذاً. قال الخِنَّوْت(٧) :
وأهلِ خباءٍ صالحٍ كنتُ(٨) بَيْنَهُمْ قد احتربُوا في عاجلِ أنا آجِلُه
(١) القراءات الشاذة ص ٣٢، وزاد نسبتها لابن أبي إسحاق.
(٢) ينظر الكتاب ١/ ٣٣١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ١٧/٢. وما قبله منه.
(٣) القراءات الشاذة ص٣٢ ونسبها للحسن بن عمارة وأبي وافد.
(٤) في إعراب القرآن ٢/ ١٧ . وما قبله منه.
(٥) قال في مختار الصحاح (عجز): العَجُز، بضم الجيم: مؤخر الشيء، يذكّر ويؤنث، وهو للرجل
والمرأة جميعاً، وجمعه أعجاز. والعجيزة للمرأة خاصة.
(٦) معاني القرآن وإعرابه ١٦٨/٢.
(٧) في هامش (ز) ومعاني القرآن للزجاج ١٦٨/٢، والمحرر الوجيز ١٨١/٢، والصحاح (أجل)،
واللسان (أجل): خوَّات بن جُبير. وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٦٣/١: الخِنَّوْت، وهو توبة بن
مُضَرِّس، والخِنَّوْتُ لقب له، يعني المتكبّر. ونُسب البيت أيضاً لزهير، كما في شرح ديوانه للشنتمري
ص٣٣ وقال: ويلحق بالقصيدة البيتان اللذان بعده، وهما لخوات بن جبير الأنصاري ... كان من فسَّاق
العرب في الجاهلية، ثم أسلم وحسن إسلامه، وشهد بدراً.
(٨) في (د) و(ز) وبعض المصادر المذكورة: ذات.

٤٢٨
سورة المائدة: الآية ٣٢
أي: جانيه، وقيل: أنا جارُّه عليهم.
وقال عديُ بن زيد:
أَجْلَ إنَّ اللهَ قد فَضَّلَكُمُ فَوقَ مَنْ أَحْكَأَ صُلباً بإزارٍ (١)
وأصلُه الجرُّ، ومنه الأَجَل؛ لأنه وقتٌ يُجرَّ إليه العقدُ الأوَّل. ومنه الآجل: نقيض
العاجل، وهو بمعنى يُجَرُّ إليه أمرٌ مُتقدِّم. ومنه أَجَلْ بمعنى: نَعَمْ؛ لأنه انقيادٌ إلى ما
جُرَّ إليه. ومنه الآجال(٢) للقطيع من بقر الوحش؛ لأن بعضَه يَنجرُّ إلى بعض. قاله
الرُّمَّانيّ.
وقرأ يزيد بن القَعْفَاع أبو جعفر: ((مِنِ اجْلِ ذلك)) بكسر النون وحذف الهمزة(٣)،
وهي لغة، والأصل: ((مِنْ إِجلٍ ذلك))، فأُلقيتْ كسرةُ الهمزة على النون، وحُذفت
الهمزة.
ثم قيل: يجوز أن يكون قوله: ﴿مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿مِنَ النَّدِمِينَ﴾،
فالوقف على قوله: ((مِنْ أَجْلٍ ذلك)).
ويجوز أن يكون متعلقاً بما بعده، وهو ﴿كَثَبْنَا﴾. فـ ((مِنْ أَجْلٍ)) ابتداءُ كلام،
والتمام: ((مِنَ النَّادِمِينَ))؛ وعلى هذا أكثر الناس، أي: من سبب هذه النازلة كتبنا.
وخَصَّ بني إسرائيل بالذكر - وقد تقدمتهم أمم قبلهم كان قتلُ النفس فيهم محظوراً -
لأنهم أوَّل أمَّة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس مكتوباً، وكان قبل ذلك قولاً مطلقاً؛
فغَلَّظ الأمرَ على بني إسرائيل بالكتاب؛ بحسب طغيانهم وسفكهم الدماء.
ومعنى ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير أن يقتلَ نفساً فيستَحقَّ القتل. وقد حَرَّم الله القتلَ
(١) هو في غريب الحديث لأبي عبيد ٧٤/٤، ومجالس ثعلب ص١٩٩، وتهذيب اللغة ١٩٤/١١ . بلفظ:
... فوق ما أحكى بصلب وإزار. قال أبو عبيد: يقال: أجْل وإجْل، أراد: من أجل. وأراد بالصُّلْب
الحَسَب، وبالإزار العفَّة. ويروى أيضاً: فوق من أحكأ صُلباً بإزار؛ يقال: أحكأت العقدة: إذا أحكمتها
عقداً.
(٢) في (م): الإجل: وهي مفرد الآجال. ينظر تهذيب اللغة ١٩٣/١١، ومجمل اللغة ٨٨/١.
(٣) النشر ٢/ ٢٥٤ . وأبو جعفر من العشرة.

٤٢٩
سورة المائدة: الآية ٣٢
في جميع الشرائع إلا بثلاث خصال: كُفْرٍ بعد إيمان، أو زنّى بعد إحصان، أو قتلِ
نفسٍ ظلماً وتعدِياً (١). ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: شرك، وقيل: قطع طريق.
وقرأ الحسن: ((أَوْ فَسَاداً)) بالنصب(٢) على تقدير حذف فعل يدلُّ عليه أوَّلُ
الكلام، تقديره: أو أحدث فساداً، والدليل عليه قوله: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾
لأنه من أعظم الفساد(٣).
وقرأ العامة: ((فَسَادٍ)) بالجرّ، على معنى: أو بغير فساد.
﴿فَكَأَنََّا فَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ اضطرب لفظ المفسرين في ترتيب هذا التشبيه؛
لأجل أنَّ عقابَ مَنْ قَتَل جميعاً أكثرُ مِن عقاب مَنْ قَتَل واحداً.
فُرُوي عن ابن عباس أنه قال: المعنى: مَنْ قَتَلَ نبيًّا أو إمامَ عدلٍ؛ فكأنما قَتَلَ
الناسَ جميعاً، ومَنْ أحياه بأن شدَّ عضده ونصره؛ فكأنما أحيا الناس جميعاً.
وعنه أيضاً أنه قال: المعنى: مَنْ قتل نفساً واحدةً وانتهك حرمتها؛ فهو مثل مَنْ
قتل الناس جميعاً، ومَنْ ترك قَتْل نفسٍ واحدة وصان حرمتها واستحياها خوفاً من
الله؛ فهو كمَنْ أحيا الناس جميعاً.
وعنه أيضاً: المعنى: فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومَنْ أحياها
واستنقذها من هَلَكَة؛ فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ.
وقال مجاهد: المعنى: أنَّ الذي يقتل النفس المؤمنة متعمّداً؛ جعل اللهُ جزاءه
جهنم، وغضب عليه، ولعنه، وأعدَّ له عذاباً عظيماً؛ يقول: لو قتل الناس جميعاً لم
يُزَد على ذلك، ومن لم يقتل فقد حَيِيَ الناسُ منه.
وقال ابن زيد: المعنى: أنَّ مَن قتل نفساً فيلزمُه من القَوَد والقصاص ما يلزم مَنْ
قتل الناس جميعاً، قال: ومَنْ أحياها؛ أي: مَنْ عفا عمن وجب له قتله. وقاله
(١) المحرر الوجيز ١٨٢/٢، وسلف حديث: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)) ٢٧٩/٢.
(٢) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٣٢، وذكر أن معناه: من قتل نفساً ظلماً أو فساداً.
(٣) ينظر المحتسب لابن جني ١/ ٢١٠، والمحرر الوجيز ١٨٢/٢.

٤٣٠
سورة المائدة: الآيات ٣٢ - ٣٤
الحسن أيضاً، أي: هو العفو بعد المقدرة.
وقيل: المعنى أنَّ مَنْ قتل نفساً فالمؤمنون كلُّهم خُصَماؤه؛ لأنه قد وَتَر الجميع،
ومَنْ أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، أي: يجب على الكلِّ شُكره.
وقيل: جَعَل إثم قاتلِ الواحد إنم قاتل الجميع، وله أن يحكم بما یرید.
وقيل: كان هذا مختصًّا ببني إسرائيل تغليظاً عليهم.
قال ابن عطية(١): وعلى الجملة فالتشبيه على ما قيل واقعٌ كلُّه، والمنتهك في
واحد ملحوظ بعين منتهك الجميع، ومثاله: رجلان حلفا على شجرتين أَلَّا يَطْعَمًا من
ثمرهما شيئاً، فطَعِم أحدُهما واحدة من ثمر شجرته، وطَعِم الآخر ثمر شجرته كلها،
فقد استويا في الحِنْث.
وقيل: المعنى: أنَّ مَن استحلَّ واحداً فقد استحلَّ الجميع؛ لأنه أنكر الشرع.
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ تجوُّز، فإنه عبارة عن الترك والإنقاذ من
هَلَكَة، وإلا فالإحياء حقيقة - الذي هو الاختراع - إنما هو لله تعالى، وإنما هذا
الإحياء بمنزلة قول نمروذ اللعين: ((أَنَا أُخبي وَأُمِيتُ)) فسمَّى التّركَ إحياء.
ثم أخبر الله عن بني إسرائيل أنهم جاءتهم الرسلُ بالبينات، وأنَّ أكثرهم
مجاوزون الحدّ، وتارکون أمر الله.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّوْاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا
أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَنَّبُواْ أَوْ تُقَطَعَ أَبْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ
اُلْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الدُّنْيَّاً وَلَهُمْ فِ اَلْلَآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمُ (® إِلَّا
الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَعْلَمُواْ أَنَ اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
فيه أربع(٢) عشرة مسألة:
(١) في المحرر الوجيز ١٨٢/٢ - ١٨٣، وما قبله منه. وأخرج الأقوال الطبري ٣٤٨/٨ ...
(٢) في (م): خمس.

٤٣١
سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤
الأولى: اختلف الناسُ في سبب نزولٍ(١) هذه الآيةِ، فالذي عليه الجمهورُ أنها
نزلت في العُرَنِّين. روى الأئمة - واللفظُ لأبي داودَ - عن أنس بنِ مالك: أنَّ قوماً من
عُكْل - أو قال: من عُرَيْنَةَ - قَدِموا على رسول اللـهِ ﴿، فاجْتَوَوُا المدينةَ، فأمر لهم
رسولُ اللهِ ﴾ بلقاحِ، وأمرهم أنْ يشرَبوا من أبوالها وألبانِها؛ فانطلقوا، فلما صَحُّوا؛
قَتَلوا راعيَ النَّبِيِّ :﴿ واستاقُوا النَّعَم، فبلغ (٢) النبيَّ ◌َ﴿ خبرُهم من أوَّل النهارِ، فأرسل
في آثارهم، فما ارتفع النهارُ حتى جِيءَ بهم، فأمر بهم، فقُطِعتْ أيديهم وأرجلُهم،
وسَمَر أعينَهم، وأُلِقُوا في الحَرَّةِ يَستسقُون، فلا يُسقَون.
قال أبو قِلابةً: فهؤلاء قومٌ سَرَقُوا وقَتلوا وكفروا بعد إيمانِهم، وحارَبوا اللـهَ
ورسوله(٣).
في رواية: فأَمر بمساميرَ، فأُحميثْ، فكَحَلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وما
حَسَمهم(٤).
في رواية: فبعث رسولُ اللهِ ﴾ في طلبهم قَافَةً، فأُتيّ بهم. قال: فأنزل الله تبارك
وتعالى في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾
الآية(٥).
في رواية: قال أنس: فلقد رأيتُ أحدَهم يَكْدِمُ الأرضَ بفيه عطشاً حتى ماتوا(٦).
(١) لفظة: نزول، من (م).
(٢) في النسخ: فلما بلغ، والمثبت من (م)، وهو الموافق لسنن أبي داود (٤٣٦٤).
(٣) أخرجه أحمد (١٢٦٦٨)، والبخاري (٤١٩٢)، ومسلم (١٦٧١)، وأبو داود (٤٣٦٤)، والترمذي
(١٨٤٥)، والنسائي ١٥٨/١ - ١٦٠، وابن ماجه (٢٥٧٨). وقوله: عُكْل: اسم قبيلة، ينظر الصحاح
(عكل)، وقوله: اجْتَوَوا، أي أصابهم الجوى، وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول. وقوله: سمر،
أي: أحمى لهم مسامير الحديد، ثم كحلهم بها. وقوله: الحرة: هي الأرض ذات الحجارة السود.
النهاية (جوا) (سمر) (حرر).
(٤) أخرج هذه الرواية البخاري (٦٨٠٤)، وأبو داود (٤٣٦٥)، وقوله: حسمهم؛ من حَسَم، أي: قطع الدم
عنه بالكي. النهاية (حسم).
(٥) هي رواية أبي داود (٤٣٦٦)، وقوله: قافة هو جمع قائف، وهو الذي يتبع الآثار. النهاية (قوف).
(٦) هي رواية أحمد (١٤٠٦١)، وأبو داود (٤٣٦٧)، والترمذي (٧٢)، والنسائي ٧/ ٩٧ ، وقوله : =

٤٣٢
سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤
وفي البخاريِّ: قال جَرير بنُ عبدِ اللهِ في حديثه: فبعثني رسولُ اللهِ # في نفر من
المسلمينَ حتى أدركناهم وقد أَشرَفُوا على بلادهم، فجئنا بهم إلى رسول اللهِ ﴾. قال
جَرير: فكانوا يقولون: الماء، ويقولُ رسولُ اللهِ ﴾: ((النار))(١).
وقد حكى أهل التّواريخ والسِّيَرِ: أنهم قطعوا يدَي الرَّاعي ورجليه، وغَرَزُوا
الشَّوكَ في عينيه حتى مات، وأُدخل المدينةَ ميتاً، وكان اسمه يَسار، وكان نُوبِيًّا. وكان
هذا الفعلُ من المرتدِّين سنةَ ستٍّ من الهجرة(٢).
وفي بعض الرواياتِ عن أنس: أنَّ رسولَ اللهِ ◌َ﴿ أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم (٣).
ورُوي عن ابن عباس والضَّحاك: أنها نزلتْ بسبب قومٍ من أهل الكتابٍ كان
بينَهم وبينَ رسولِ اللـه ﴿ عهدٌ، فنقَضوا العهدَ، وقطعوا السَّبيل، وأفسَدوا في
(٤)
الأرض(٤).
وفي مصنَّف أبي داودَ عن ابن عباسٍ قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: نزلت هذه الآيةُ في المشركين، فمن أُخِذ منهم
قبلَ أنْ يُقدَرَ عليه لم يمنعه ذلك أنْ يُقامَ عليه الحدُّ الذي أصابه(٥). وممن قال: إنَّ
الآيةَ نزلتْ في المشركين عِكرمةُ والحسن، وهذا ضعيفٌ(٦) يردُّه قولُه تعالى: ﴿قُل
لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا فَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقولُه عليه الصَّلاة
والسَّلام: ((الإسلامُ يَهدِمُ ما قبلَه)) أخرجه مسلم(٧)؛ والصَّحيحُ الأولُ لنصوص
= يكدم، أي: يقبض على الأرض وبعضها. النهاية (كدم).
(١) كذا قال المصنف رحمه الله، ولم يروه البخاري، وإنما رواه الطبري ٣٦٤/٨. قال الحافظ في الفتح
٣٤٠/١: إسناده ضعيف، والمعروف أن جريراً تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة.
(٢) ينظر السيرة النبوية ٢ / ٦٤٠ - ٦٤١، والمفهم ١٩/٥.
(٣) المحرر الوجيز ١٨٣/٢، وذكر هذه الرواية الطبري ٣٦٣/٨.
(٤) المحرر الوجيز ١٨٣/٢، وقول ابن عباس والضحاك أخرجه الطبري ٣٦٠/٨ .
(٥) سنن أبي داود (٤٣٧٢)، وأخرجهٍ أيضاً النسائي في المجتبى ١٠٧/٧، وفي الكبرى (٣٤٩٥) وفي
المصادر: فمن تاب، بدل: فمن أخذ.
(٦) ينظر المحرر الوجيز ١٨٣/٢، وأخرج قول عكرمة والحسن الطبريُّ ٣٦١/٨.
(٧) برقم (١٢١) من حديث عمرو بن العاص ﴾ مطولاً، وهو عند أحمد (١٧٧٧٧) بلفظ: ((فإن الإسلام
يجبُّ ما كان قبله)).

٤٣٣
سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤
الأحاديثِ الثَّابتةِ في ذلك.
وقال مالكٌ والشَّافعيُّ وأبو ثورٍ وأصحابُ الرأي: الآيةُ نزلتْ فيمن خَرج من
المسلمين يَقطعُ السَّبِيلَ، ويَسعى في الأرض بالفساد.
قال ابن المنذِر(١): قولُ مالكٍ صحيحٌ، قال أبو ثور محتجًا لهذا القولِ: وفي
الآية دليلٌ على أنها نزلتْ في غير أهلِ الشِّرك؛ وهو قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَهِمٌ﴾، وقد أَجمعوا على أنَّ أهلَ الشّركِ إذا وقَعوا في أيدينا،
فأسلموا أنَّ دِماءَهم تحرُم؛ فدلَّ ذلك على أنَّ الآيةَ نزلتْ في أهل الإسلامِ.
وحكى الطبريُّ(٢) عن بعض أهلِ العلم: أنَّ هذه الآيةَ نَسخَت فعلَ النَّبيِّ:﴿ في
العُرَنيين، ووقف الأمرُ على هذه الحدودِ.
ورَوى محمد بنُ سِيرين قال: كان هذا قبلَ أنْ تَنزِل الحدودُ؛ يعني حديثَ أنسٍٍ؛
ذكره أبو داود(٣).
وقال قومٌ منهم الليثُ بنُ سعد: ما فعلَه النَّبِيُّ :﴿ بوفد عُرَيْنَةَ نُسِخ (٤)؛ إذْ لا يجوزُ
التمثيلُ بالمرتدُ(٥).
قال أبو الزِّنَاد: إنَّ رسولَ اللهِ ﴾ لما قَطَع الذين سَرَقوا لِقاحَه، وسَمَل أعينَهم
بالنار، عاتبه الله عزَّ وجلَّ في ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اَللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَبُوَا﴾ الآية. أخرجه أبو داود(٦). قال
أبو الزِّنَاد: فلما وُعِظَ ونُهي عن المُثْلة لم يَعُد(٧).
(١) في الإشراف ٥٢٩/١ - ٥٣٠، وما قبله منه.
(٢) في تفسيره ٣٦٨/٨ - ٣٦٩، ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز ١٨٣/٢ - ١٨٤.
(٣) برقم (٤٣٧١). وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٠٨٦)، والبخاري (٥٦٨٦).
(٤) في النسخ: لم يجز، بدل: نُسخ، والمثبت من (م).
(٥) أخرجه الطبري ٣٦٨/٨ - ٣٦٩ بنحوه، وينظر البغوي ٣٢/٢ - ٣٣.
(٦) برقم (٤٣٧٠)، وأخرجه أيضاً النسائي ٧/ ١٠٠.
(٧) أورده النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢٧٧/٢ .

٤٣٤
سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤
وحُكِيَ عن جماعةٍ أنَّ هذه الآيةَ ليستْ بناسخةٍ لذلك الفعلِ؛ لأنَّ ذلك وقع في
مرتدِّين، لاسيما وقد ثبت في صحيح مسلمٍ وكتابِ النَّسائيِّ وغيرِهما قال: إنما سَمَل
النَّبِي # أعينَ أولئك؛ لأنهم سَمَلوا أعينَ الرُّعاة (١)؛ فكان هذا قِصاصاً، وهذه الآيةٌ
في المحارِب المؤمن(٢).
قلت: وهذا قولٌ حسنٌ، وهو معنى ما ذهب إليه مالكٌ والشَّافعيُّ؛ ولذلك قال
الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَهِمْ﴾، ومعلومٌ أنَّ الكفارَ لا تختلف
أحكامُهم في زوال العقوبةِ عنهم بالتوبة بعدَ القدرةِ كما تسقُطُ قبلَ القدرة. والمرتدُّ
يَستحِقُّ القتلَ بنفس الردَّةِ؛ دونَ المحاربةِ، ولا يُنفى، ولا تُقطعُ يدُه ولا(٣) رجلُه، ولا
يُخلَّى سبيلُه، بل يقتلُ إنْ لم يُسلِم، ولا يُصلبُ أيضاً، فدلَّ أنَّ ما اشتملت عليه الآيةُ
ما عنى به المرتدّ.
وقال تعالى في حقِّ الكفار: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ
سَلَفَ﴾، وقال في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية؛ وهذا بيِّنُ(٤). وعلى ما قرّرناه
في أوّل البابِ لا إشكالَ ولا لومَ ولا عتابَ، إذْ هو مقتضى الكتابِ؛ قال الله تعالى:
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، فَمَثَّلُوا، فَمُثِّل بهم،
إلّا أنه يَحتمِلُ أنْ يكونَ العتابُ إنْ صحَّ على الزيادة في القتل، وذلك تكحيلُهم
بمسامير مُحماةٍ، وتركُهم عَطَاشى حتى ماتوا، والله أعلم(٥).
وحكى الطبريُّ عن السُّدّيِّ: أنَّ النبيَّ # لم يَسْمُلْ أعينَ العُرَنِيِّينَ، وإنما أراد
ذلك، فنزلت الآيةُ ناهيةً عن ذلك(٦). وهذا ضعيفٌ جدًّا، فإنَّ الأخبارَ الثابتةَ وردتْ
(١) صحيح مسلم (١٦٧١): (١٤)، والمجتبى ٧/ ١٠٠، والكبرى (٣٤٩٢) وهو قول أنس ﴾. وينظر
حديثه السالف أولَ المسألة.
(٢) ينظر المحرر الوجيز ١٨٤/٢ .
(٣) لفظة: لا، من (م).
(٤) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٨٢/٢، والمفهم ٢١/٥، وأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٩٢ .
(٥) ينظر المفهم ٢٠/٥ .
(٦) تفسير الطبري ٣٦٩/٨ و٣٧٥، والمحرر الوجيز ٢/ ١٨٤، وعنه نقل المصنف.

٤٣٥
سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤
بالسَّمْل؛ في صحيح البخاريّ(١): فأمر بمساميرَ فأُحميثْ فَكَحلَهم. ولا خلافَ بين
أهل العلمِ أنَّ حكمَ هذه الآيةِ مترتبٌ (٢) في المحاربينَ من أهل الإسلامِ وإنْ كانت
نزلت في المرتدينَ أو اليهودِ.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّاوُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ استعارةٌ ومجازٌ؛ إذ
اللهُ سبحانه وتعالى لا يُحَارَب، ولا يُغالَب لِما هو عليه من صفاتِ الكمالِ، ولِما
وَجب له من التنزُّهِ(٣) عن الأضداد والأندادِ. والمعنى: يحاربون أولياءَ اللهِ؛ فعبَّر
بنفسه العزيزة عن أوليائه إكباراً لإذايتهم، كما عبَّر بنفسه عن الفقراء الضعفاءِ في
قوله: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] حَثًّا على الاستعطاف عليهم؛
ومثلُه في صحيح السُّنةِ: ((استطعمتُك فلم تُظْعِمني)). الحديثُ أخرجه مسلم (٤)، وقد
تقدَّم في ((البقرة)).
الثانية: واختلف العلماءُ فيمن يَستحقُّ اسمَ المحاربة، فقال مالك: المحارِبُ
عندَنا من حَمَل على النَّاس في مصرٍ أو في بَرِّيَّةٍ، وكابرَهم عن أنفسهم وأموالهم دونَ
نَائِرةٍ ولا ذَحْلٍ(٥) ولا عداوةٍ (٦)؛ قال ابن المنذر(٧): اختُلف عن مالكٍ في هذه
المسألةِ، فأثبت المحارَبةَ في المِصْر مرَّةً، ونَفى ذلك مرَّةً.
وقالت طائفة: حكمُ ذلك في المصر أو في المنازل والظُرُقِ وديارِ أهلِ الباديةِ
والقُرى سواءٌ، وحدودُهم واحدٌ؛ وهذا قولُ الشَّافعي وأبي ثورٍ ؛ قال ابنُ المنذر:
كذلك هو؛ لأنَّ كلَّا يقع عليه اسمُ المحارَبة، والكتابُ على العموم، وليس لأحدٍ أنْ
(١) برقم (٣٠١٨)، (٦٨٠٤) من حديث أنس ﴾.
(٢) في (د) و(ز): مرتب، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٨٤/٢.
(٣) في (د) و(م): التنزيه، والمثبت من (ظ) و(ز)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٩١ ،
والكلام منه.
(٤) برقم (٢٥٦٩)، وقد سلف ٤/ ٢٢٤ .
(٥) النائرة: الحقد والعداوة؛ نأرت نائرة، أي: هاجت هائجة، والذّخْل: الثأر. اللسان (نأر) (ذحل).
(٦) تفسير الطبري ٨/ ٣٧٠، والمحرر الوجيز ١٨٤/٢.
(٧) في الإشراف ١/ ٥٣٧ .

٤٣٦
سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤
يُخْرِجَ من جملة الآيةِ قوماً بغير حُجَّة.
وقالت طائفة: لا تكونُ المحارَبةُ في المصر إنما تكونُ خارجاً من(١) المصر.
هذا قولُ سُفيانَ الثَّوريِّ وإسحاق والنُّعمان.
والمغتالُ كالمحارِب، وهو أنْ (٢) يحتالَ في قتل إنسانٍ على أَخذ مالِه، وإنْ لم
يُشْهر السِّلاحَ، لكن دَخل عليه بيتَه أو صحِبَه في سفر، فأَطعمه سُمَّا، فقتلَه، فيُقتَلُ
حدًّا لا قَوَداً(٣).
الثالثة: واختلفوا في حكم المحارِب؛ فقالت طائفة: يُقام عليه بقَدْر فعلِه؛ فمن
أَخَاف السَّبيلَ وأَخذ المالَ؛ قُطعت يدُه ورجلُه من خِلاف، وإنْ أَخَذ المالَ وقَتَل؛
قُطعتْ يدُه ورجلُه ثم صُلب، فإذا قَتَل ولم يأخذ المالَ؛ قُتِل، وإنْ هو لم يأخذ المالَ
ولم يَقتل؛ نُفِي. قاله ابن عباس، ورُوي عن أبي مِجْلَزِ والنَّخَعيِّ وعطاء الخُرَاسانيّ
وغيرهم.
وقال أبو يوسف: إذا أَخَذ المالَ وقَتَلَ؛ صُلِبَ وقُتل على الخشَبة؛ قال الليث:
بالحربة مصلوباً.
وقال أبو حنيفة: إذا قَتَل قُتِل، وإذا أَخَذ المال ولم يَقتل؛ قُطعت يدُه ورجلُه من
خِلاف، وإذا أَخَذ المالَ وقَتَل، فالسلطانُ مخيٌَّ فيه، إنْ شاء قَطع يدَه ورجله وإن شاء
لم يَقطعْ، وقَتلَه وصلبَه. قال أبو يوسف: القتلُ يأتي على كلِّ شيءٍ. ونحوُه قولُ
الأوزاعيّ(٤).
وقال الشَّافعيُّ: إذا أَخَذ المالَ، قُطعت يدُه اليمنى وحُسِمت، ثم قُطعت رجلُه
(١) في (د) و(ز) و(م): عن، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للإشراف. ٥٣٧/١.
(٢) في (م): الذي.
(٣) ينظر الكافي ١٠٨٨/٢ - ١٠٨٩، والمنتقى ١٦٩/٧.
(٤) ينظر الإشراف ١/ ٥٣١، والناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٨٠/٢ - ٢٨٩، وأحكام القرآن للكيا ٦٥/٣ - ٦٦،
والمحرر الوجيز ١٨٤/٢.

٤٣٧
سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤
اليسرى وحُسِمت، وخُلِّيَ؛ لأنَّ هذه الجنايةَ زادتْ على السَّرقة بالحرابة، وإذا قَتَل
قُتل، وإذا أَخَذ المال وقَتَل، قُتِل وصُلِب؛ ورُويَ عنه أنه قال: يُصلبُ ثلاثةَ أيامٍ؛
قال: وإنْ حَضَر (١) وكَثَّر وهيَّبَ وكان رِدْءاً(٢) للعدوّ حُبس.
وقال أحمد: إنْ قَتل قُتل، وإنْ أَخذ المالَ قُطعتْ يدُه ورجلُه كقول الشَّافعيِّ.
وقال قومٌ: لا ينبغي أنْ يُصلب قبلَ القتلِ، فيُحالَ بينَه وبينَ الصَّلاةِ والأكلِ
والشُّرب؛ وحُكي عن الشافعي: أكْرَهُ أنْ يُقتلَ مصلوباً لنهي رسولِ اللـه 8﴾ عن
المُثْلةِ(٣). وقال أبو ثور: الإمامُ مخيَّر على ظاهر الآية (٤)، وكذلك قال مالكٌ، وهو
مَرْويٌّ عن ابن عباس، وهو قولُ سعيد بنِ المسيّب، وعمرَ بنِ عبد العزيزِ، ومجاهدٍ،
والضحَّاكِ، والنَّخَعيّ، كلهم قال: الإمامُ مخيَّرٌ في الحكم على المحاربين، يَحكمُ
عليهم بأيِّ الأحكام التي أوجبها الله تعالى من القتل والصَّلبِ، أو القطع، أو النَّفي
بظاهر الآيةِ؛ قال ابن عباس: ما كان في القرآن: ((أو ، [أو]، فصاحبُه بالخيار(٥).
وهذا القولُ أشعرُ(٦) بظاهر الآية، فإنَّ أهلَ القولِ الأوَّلِ الذين قالوا: إنَّ ((أو)) للترتيب
- وإن اختلفوا - فإنك تجدُ أقوالَهم أنهم يَجمعون عليه حدَّين، فيقولون: يُقتلُ
ويُصلبُ، ويقول بعضُهم: يُصلبُ ويُقتلُ، ويقول بعضُهم: تُقطع يدُه ورجلُه ويُنفى؛
وليس كذلك الآية ولا معنى ((أو)) في اللغة. قاله النحاس(٧).
(١) في (د) و(ظ): حصر، والمثبت من (ز) و(م)، وهو الموافق للإشراف ٥٣١/١، والناسخ والمنسوخ
للنحاس ٢٨٩/٢.
(٢) في (د) و(ز) و(ظ): رداءًا، ومثله في الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٨٩/٢ والكلام منه، والمثبت من
(م) وهو الموافق للإشراف ١/ ٥٣١ .
(٣) سلف ١ / ٤٦٧.
(٤) الناسخ والمنسوخ ٢٨٩/٢ - ٢٩١ .
(٥) الإشراف ٥٣٢/١ - ٥٣٣، وينظر المحرر الوجيز ١٨٤/٢، وما بين حاصرتين منهما.
(٦) في (ز) و(ظ): أسعد.
(٧) في الناسخ والمنسوخ ٢٩١/٢.

٤٣٨
سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤
: واحتج الأولون بما ذكره الطبريُّ (١) عن أنس بن مالك أنه قال: سأل رسولُ الله ◌ِ﴾
جبريل عليه السَّلامُ عن الحُكم في المحارِب، فقال: ((من أخافَ السَّبيلَ، وأخذَ المال،
فاقطعْ يدَه للأخذ، ورجلَه للإخافةِ، ومن قَتَل فاقتُله، ومن جمع ذلك فاصلبه)).
قال ابنُ عطية(٢): وبقي النَّفيُّ للمخيف فقط، والمخيفُ في حكم القاتلِ، ومع
ذلك فمالكٌ يَرى فيه الأخذَ بأيسر العقابِ(٣) استحساناً (٤).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ اختلف في معناه، فقال
السُّدِّيّ(٥): هو أنْ يُطلبَ أبداً بالخيل والرِّجلِ حتى يُؤخَذَ، فيقامَ عليه حدُّ اللهِ.
أو يَخرُجَ من دار الإسلامِ هرباً ممن يَطلبُه(٦)؛ عن ابن عباس وأنس بنِ مالك، ومالك
ابنِ أنس والحسنِ، والسّديِّ والضَّحاكِ، وقتادةً وسعيد بنِ جُبير، والرَّبيع بنٍ أنس
والزُّهريِّ. حكاه الرُّمَّاني في كتابه، وحُكيَ عن الشَّافعيِّ أنهم يُخرَجون من بلد إلى
بلد، ويُطلَبون لتقامَ عليهِم الحدودُ، وقاله الليثُ بنُ سعد والزهريُّ أيضاً.
وقال مالكٌ أيضاً: يُنفَى من البلد الذي أَحدث فيه هذا(٧) إلى غيره، ويُحبسُ فيه
كالزاني.
وقال الكوفيون (٨): نفيُهم سَجْنُهم؛ فيُنفى من سَعَةِ الدُّنيا إلى ضيقِها، فصار كأنه
إذا سُجِن فقد نُفِي من الأرض إلا من موضع استقرارِه(٩)؛ واحتجوا بقول بعضٍ أهلٍ
(١) في تفسيره ٣٨٣/٨ . وقال: في إسناده نظر.
(٢) في المحرر الوجيز ١٨٤/٢ - ١٨٥ وما قبله منه.
(٣) في (م): بأيسر العذاب والعقاب.
(٤) في (د) و(ز): استحبابا، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز.
(٥) أخرجه الطبري ٣٨٤/٨ .
(٦) في النسخ: يطلبهم، والمثبت من (م). وينظر المحرر الوجيز ٢/ ١٨٥، وتفسير الطبري ٣٨٤/٨ - ٣٨٥.
(٧) في النسخ: أحدث هذا فيه، والمثبت من (م)، وهو الموافق الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٩١/٢ .
(٨) في (م): وقال مالك أيضاً والكوفيون.
(٩) ينظر الإشراف ٥٣٤/١ - ٥٣٥، والناسخ والمنسوخ ٢٩١/٢ - ٢٩٢، وتفسير البغوي ٣٣/٢،
والنكت والعيون ٣٤/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٩٨/٢، والمحرر الوجيز ١٨٥/٢.

٤٣٩
سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤
السُّجُون في ذلك:
فلسنا من الأحياءِ فيها ولا الموتى(١)
خَرجْنا من الدنيا ونحنُ مِنَ اهْلِها
عَجِبْنا وقُلْنا جاء هذا من الذُّنيَا(٢)
إذا جاءنا السَّجَّانُ يوماً لحاجةٍ
حَكى مَكْحولٌ أنَّ عمرَ بنَ الخطاب ﴾ أوّلُ من حَبَس في السجون، وقال:
أَحْبِسُه حتى أعلمَ منه الثَّوْبَة، ولا أَنفيه من بلدٍ إلى بلد، فيؤذيهم(٣).
والظاهرُ أنَّ الأرضَ في الآية هي أرضُ النَّازِلة، وقد تَجَّبَ الناسُ قديماً الأرضَ
التي أصابوا فيها الذُنوبَ؛ ومنه الحديثُ: ((الذي نَاءَ (٤) بصَدْرِه نحوَ الأرضِ
المقدَّسة))(٥).
وينبغي للإمام - إنْ كان هذا المحارِبُ مَخُوفَ الجانبِ يظنُّ أنه يعود إلى حرابةٍ
و(٦) إفسادٍ - أنْ يسجنَه في البلد الذي يُغَرَّبُ إليه، وإنْ كان غيرَ مَخُوفِ الجانبِ،
سُرِّح(٧). قال ابن عطية (٨): وهذا صريحُ مذهبٍ مالكِ: أنْ يُغَرَّبَ ويُسجَنَ حيثُ
(١) في (م): فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا.
(٢) قائل البيتين صالح بن عبد القدوس لما حُبس على تهمة الزندقة في حبس ضيق وطال لبثه فذكر شعراً منه
هذان البيتان، وهما في عيون الأخبار لابن قتيبة ١/ ٨١ - ٨٢، والوسيط ١٨١/٢ - ١٨٢، وتفسير
الرازي ٢١٧/١١: والرواية فيه: فلسنا من الأحيا ولسنا من الموتى، وذكرهما أبو الليث في تفسيره
١/ ٤٣٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٤٧١ برواية: فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا.
(٣) أورده البغوي ٣٣/٢ .
(٤) في (د) و(ز): نأى، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٨٥/٢ والكلام منه.
(٥) قطعة من حديث أبي سعيد الخدري ﴾ أخرجه أحمد (١١١٥٤)، وليس عنده هذه القطعة، والبخاري
(٣٤٧٠)، ومسلم (٢٦٧٧)، قال الحافظ في الفتح ٥١٧/٦ : قوله: ناء، بمد، أي: بعد أو المعنى:
مال أو نهض مع تثاقل إلى الأرض التي طلبها. هذا هو المعروف في هذا الحديث، وحكى بعضهم فيه:
فنأى، بغير مد قبل الهمز بوزن سعى تقول: نأى ينأى نأياً، أي: بعد، وعلى هذا فالمعنى: فبعد على
الأرض التي خرج منها.
(٦) في (م): أو.
(٧) في (م): فظن أنه لا يعود إلى جناية سُرِّح.
(٨) في المحرر الوجيز ٢/ ١٨٥، وما قبله منه.

٤٤٠
سورة المائدة: الآيتان ٣٣ - ٣٤
يُغرَّبُ، وهذا على الأغلب في أنه مَخُوفٌ، ورجَّحه الطَّبَريُّ(١)، وهو الواضحُ؛ لأنَّ
نفيَه من أرض النَّازِلةِ هو نصُّ الآية، وسَجْنُه بعدُ بحَسَب(٢) الخوفِ منه، فإذا تاب
وفُهِمت حالُه سُرِّح.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِِّ﴾؛ النَّفْيُ أصلُه الإهلاكُ؛ ومنه:
الإثباتُ والنفيُ، فالنَّفيُّ: الإهلاكُ بالإعدام، ومنه: النُّفايةُ لَرَدِيِّ المتاعِ؛ ومنه: الَّفِيُّ
لِمَا تطايرَ من الماء عن الدَّلو(٣).
قال الراجز:
كَأَنَّ مَتْنَيْهِ من النَّفِيِّ مَوَاقِعُ الظَّيْرِ على الصُّفِيِّ(٤)
السادسة: قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولا يُراعَى في(٥) المالِ الذي يأخذُه المحارِبُ
نِصَاباً(٦) كما يُراعى في السَّارق(٧).
وقد قيل : يُراعی في ذلك النصاب ربع دینار.
قال ابنُ العربي: قال الشَّافعيُّ وأصحابُ الرأي: لا يُقطعُ من قُطاع الطَّريقِ إلا
مَن أَخَذَ قَدْرَ ما تُقطع فيه يدُ السَّارقِ، وقال مالك: يُحكمُ عليه بحكم المحارِب. وهو
الصَّحيحُ؛ فإنَّ اللهَ تعالى وَقَّتَ على لسان نبيِّه عليه الصَّلاة والسلام القَطْعَ في السرقة
في رُبع دينارٍ، ولم يُوقِّتْ في الحرابة شيئاً، بل ذَكر جزاءَ المحارِب(٨)، فاقتضى ذلك
(١) في تفسيره ٣٨٩/٨ .
(٢) في (ظ): بعد تحسب.
(٣) ينظر تفسير الطبري ٣٩٠/٨ .
(٤) قائله الأخيل الطائي وسلف ٢/ ٤٧٢ .
(٥) لفظة: في، ليست في (م).
(٦) كذا في النسخ، والوجه: نصاب.
(٧) ينظر المنتقى ٧ /١٦٩ - ١٧٠ .
(٨) لم نقف على هذا الكلام لابن العربي، والكلامُ بعده له في أحكام القرآن ٥٩٨/٢، وينظر الإشراف
٥٣٨/١ .