النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سورة المائدة: الآية ١٣
الدرهمُ القَسِيّ من القسوة والشدَّة أيضاً؛ لأن ما قلَّ نقْرته (١) يقسو ويصلُبُ. وقرأ
الأعمش: ((قَسِيَة)) بتخفيف الياء على وزن فَعِلة، نحو: عَمِيَةٍ وشَجِيَة(٢)؛ مِن قَسِيَ
يَقْسَى، لا مِن قسا يقسو.
وقرأ الباقون على وزن فاعِلة(٣)؛ وهو اختيارُ أبي عُبيد(٤)؛ وهما لغتان، مثل
العَلِيّة والعالية، والزَّكِيَّة والزاكية.
قال أبو جعفر النّحاس(٥): أولى ما فيه أن تكون قَسِيّة بمعنى قاسية، إلا أن فَعِيلة
أبلغُ من فاعلة. فالمعنى: جعلنا قلوبَهم غليظةً نابيةً عن الإيمان والتوفيق لطاعتي؛ لأن
القومَ لم يُوصفوا بشيء من الإيمان فتكونَ قلوبُهم موصوفةً بأنَّ إيمانَها خالَطه گُفر،
كالدراهم القَسِيّة التي خالطها غِشِّ.
قال الراجز:
وقد قسوتُ وقسا (٦) لِداتي(٧)
﴿يُحَرِفُونَ الْكَلِمَ عَن تَّوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأوَّلونه على غير تأويله، ويُلقون ذلك إلى
العوامّ. وقيل: معناه: يُبدِّلون حروفَه. و((يُحَرِّفُونَ)) في موضع نصب، أي: جعلنا
(١) في (م): قلت نقرته، والنُّقرة من الذهب والفضة: القطعة المذابة، وقيل: هو ما سُبك مجتمعاً منها.
اللسان (نقر).
(٢) لم نقف على قراءة الأعمش هذه، وذكر الشيخ الدمياطي في إتحاف فضلاء البشر ص٢٥١ أن الأعمش
قرأ: ((فَسِيَّة)) كقراءة حمزة والكسائي، وقُرئ: ((قُسِيَّة)) بضم القاف وتشديد الياء، نسبها ابن خالويه
للضبي عن يحيى، ونسبها أبو حيان للهيصم بن شداخ، وقرئ: ((قِسِيّة)) بكسر القاف اتباعاً. القراءات
الشاذة ص٣١، والبحر المحيط ٤٤٥/٣ .
(٣) السبعة ص ٢٤٣ ، والتيسير ص٩٩ .
(٤) في (ظ): أبي عبيدة.
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٢٨١ .
(٦) في (م): قَسَتْ.
(٧) لم نهتد إلى قائله، وهو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٥٨/١، وتفسير الطبري ١٢٩/٢ و٢٤٩/٨ .
وقوله: لِداتي: جمع لِدَة، وهو التّرب الذي يُولد معك في وقت واحد. تاج العروس (ولد).

٣٨٢
سورة المائدة: الآية ١٣
قلوبَهم قاسيةً محرِّفين(١). وقرأ السُّلَمِيّ والنَّخَعِيّ: ((الكلام)) بالألف(٢)؛ وذلك أنهم
غيَّروا صِفةً محمد ﴿ وآيةَ الرجم.
﴿وَنَسُوا حَظًا مَِّا ذُكِرُواْ بِذِّ﴾ أي: نَسُوا عهدَ الله الذي أخذه الأنبياءُ عليهم من
الإيمان بمحمد # وبيانِ نَعْته(٣).
﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ﴾ أي: وأنت يا محمدُ، لا تزالُ الآن تَقِفُ ﴿عَلَى خَيْنَةٍ مِّنْهُمْ﴾،
والخائنةُ: الخيانة؛ قاله قتادة. وهذا جائزٌ في اللغة، ويكون مثل قولهم: قائلة بمعنى
قيلولة. وقيل: هو نعتٌ لمحذوف، والتقدير: فرقة خائنة(٤). وقد تقع ((خائنة)) للواحد
كما يقال: رجلٌ نسَّابة وعلَّامة؛ فـ((خائنة)) على هذا للمبالغة؛ يقال: رجلٌ خائنة: إذا
بالغتَ في وصفه بالخيانة. قال الشاعر:
لِلغَذْرٍ خائِنةً مُغِلّ(٥) الإصْبَحِ(٦)
حَدَّثتَ نَفْسَك بالوفاءِ ولم تكن
قال ابن عباس: ((على خائِنةٍ)) أي: معصية. وقيل(٧): كذب وفجور. وكانت
خيانتُهم نَقْضَهم العهدَ بينهم وبين رسول الله#، ومظاهَرتَهم المشركين على حرب
رسول الله #، كيوم الأحزاب وغير ذلك من هَمِّهِم بقتله وسَبّه(٨).
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمُ﴾ لم يَخونوا؛ فهو استثناءٌ متصلٌ من الهاء والميم اللَّتين في
((خائنةٍ منهم)).
﴿فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ في معناه قولان: فاعفُ عنهم واصفَخ ما دام بينك وبينهم
(١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١١/٢، ومعاني القرآن له ٢/ ٢٨١.
(٢) المحرر الوجيز ١٦٩/٢، والبحر المحيط ٤٤٦/٣ .
(٣) في (د): بعثه.
(٤) انظر معاني القرآن للنحاس ٢٨٢/٢، وقول قتادة أخرجه الطبري ٢٥٣/٨.
(٥) في النسخ الخطية: بغلّ، والمثبت من (م) والمصادر.
(٦) البيت للكلابي، وهو في مجاز القرآن ١٥٨/١، والكامل ٤٦٣/١، وتفسير الطبري ٢٥٤/٨،
والمحرر الوجيز ١٧٠/٢ .
(٧) في النسخ: إيمان بدل من: ((وقيل))، والمثبت من (م).
(٨) ينظر مجمع البيان ٦/ ٥٣.

٣٨٣
سورة المائدة: الآيات ١٣ - ١٦
عهدٌ وهم أهلُ ذِمَّة. والقول الآخر: إنه منسوخٌ بآية السيف. وقيل: بقوله عزَّ وجلَّ:
﴿وَإِمَّا تَخَافَََ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ﴾(١) [الأنفال: ٥٨].
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَ أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ فَنَسُواْ حَقًّا
مِمَا ذُكِّرُوا بِهِ، فَأَغْهَبَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءُ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ وَسَوْفَ
يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ
يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (9)
رَسُولُنَا يُبَيِّبُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ
عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِيثٌ ﴿ يَهْدِى بِهِ
اللَّهُ مَنٍ أَتَّبَعَ رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَىَ النُّورِ
بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَغِيمٍ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَ أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ﴾ أي: في
التوحيد والإيمان بمحمد#؛ إذْ هو مكتوبٌ في الإنجيل(٢).
﴿فَنَسُواْ حَظًا﴾ وهو الإيمانُ بمحمد عليه الصلاة والسلام؛ أي: لم يَعملوا بما
أُمِروا به، وجعلوا ذلك الهوى والتحريف سبباً للكفر بمحمد﴾.
ومعنى [((ومن الذين قالوا إنّا نصارى] أَخَذْنا مِيثَاقَهُم)) هو كقولك: من زید
أخذت(٣) ثوبَه ودِرْهمَه؛ قاله الأخفش. ورتبةُ ((الذين)) أن تكون بعد («أخَذْنا)» وقبل
المِيثاق، فيكون التقدير: أخَذْنا من الذين قالوا إِنَّا نصارى ميثاقَهم؛ لأنه في موضع
المفعولِ الثاني لـ ((أخذنا)) وتقديرُه عند الكوفيين: ومِن الذين قالوا إِنَّا نصارى مَنْ
أَخَذْنا مِيثاقَهم، فالهاء والميم يعودان على ((مَن)) المحذوفة، وعلى القول الأوّل
(١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١١/٢، والقول بأن الآية منسوخة بآية السيف أخرجه الطبري ٨/ ٢٥٥ عن
قتادة.
(٢) ينظر تفسير الرازي ١٨٨/١١.
(٣) في النسخ: أخذت من زيد، والمثبت من معاني القرآن للأخفش ٤٦٧/٢، وإعراب القرآن للنحاس
١١/٢ ٠

٣٨٤
سورة المائدة: الآيات ١٤ - ١٦
يعودان على ((الذين))(١).
ولا يُجيز النحويون أخَذْنا مِيثاقهم من الذين قالوا إنَّا نصارى، ولا أَلْيَنَها لَبِستُ
من الثّياب؛ لئلا يتقدَّمَ مضمرٌ على ظاهر(٢). وفي قولهم: ((إِنَّا نَصَارى)) - ولم يقل: من
النصارى - دليلٌ على أنهم ابتدَعوا النصرانيةَ وتسمّوا بها؛ رُوي معناه عن الحسن(٣).
قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَّبَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءُ﴾ أي: هيَّجنا. وقيل: ألصَقْنا بهم؛
مأخوذٌ من الغِراء، وهو ما يُلصق الشيء بالشيء، كالصَّمْغ وشِبهه. يقال: غَرِيَ
بالشيء يَغْرَى غَراً ((بفتح الغين)) مقصوراً، وغِرَاء ((بكسر الغين)) ممدوداً: إذا أُولع به
کأنه التصق به.
وحكى الرُّمَّاني: الإغراءُ تسليطُ بعضهم على بعض. وقيل: الإغراء التحريش،
وأصلُه اللُّصوق؛ يقال: غَرِيتُ بالرَّجل غَرًا - مقصور وممدود مفتوح الأول - إذا
لَصِقت به. وقال گُثیّر :
إذا قِيل مَهْلاً قالت العين بالبكا غِرَاءً ومدَّتْها حـوافِلُ نُهَّلُ(٤)
وأَغْرَيْتُ زيداً بكذا حتى غَرِيَ به، ومنه الغِراء الذي يُغرى به لِلُصوقه؛ فالإغراء
بالشيء الإلصاقُ به من جهة التَّسليط عليه. وأَغْرَيْتُ الكلبَ، أي: أَوْلعتُه بالصيد(٥).
(بَيْنَهُمُ)) ظرفٌ للعداوة. ((والبغضاءَ)) البغض. أشار بهذا إلى اليهود والنصارى لِتقدُّم
ذِكْرهما. عن السُّدّيّ وقتادة: بعضُهم لبعض عدوٌّ. وقيل: أشار إلى افتراقِ النصارى
خاصّةً؛ قاله الربيع بن أنس؛ لأنهم أقربُ مذكور؛ وذلك أنهم افترقوا إلى اليعاقِبةِ
(١) ينظر مشكل إعراب القرآن ٢٢١/١ - ٢٢٢.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١١/٢.
(٣) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٢/ ٣١٥، والطبرسي في مجمع البيان ٦/ ٥٤ .
(٤) في (د) و(ز): بُهَّل، وفي (ظ): تهمل، والمثبت من (م)، والبيت في ديوان كُثَيِّر عزَّة ص٢٤٨،
وروايته فيه :
إذا قلت أسلو غارت العين بالبكا
(٥) انظر الصحاح (غري).
غراءَ ومَدَّتْها مدامعُ حُفَّل

٣٨٥
سورة المائدة: الآيات ١٤ - ١٦
والنّسطورية والملكانية؛ أي: كفَّر بعضُهم بعضاً(١).
قال النحاس(٢): ومِن أحسنِ ما قيل في معنى ﴿أغرينا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءُ﴾
أنَّ الله عزَّ وجلَّ أمَرَ بعداوة الكفار وإبغاضِهم، فكلُّ فرقةٍ مأمورةٌ بعداوة صاحبتها
وإيغاضها(٣) لأنهم كُفَّار.
وقوله: ﴿وَسَوّفََ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ﴾ تهديدٌ لهم؛ أي: سيَلْقَوْن جزاءَ نَقْضِ الميثاق.
قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ الكتاب اسمُ جنس بمعنى الكُتب؛ فجميعهم
مُخاطَبون. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ محمدٌ ﴾.﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ
تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ﴾ أي: من كُتبكم؛ من الإيمان به، ومن آيةِ الرجم(٤)، ومن
قِصَّة أصحابِ السبت الذين مُسِخُوا قِردةً؛ فإنهم كانوا يُخفونها. ﴿وَيَعْفُواْ عَنْ
كَثِيرُ﴾ أي: يتركُه ولا يُبيِّنه، وإنما يُبيِّن ما فيه حُجَّةٌ على نُبِوَّتِهِ، ودلالةٌ على
صِدْقه، وشهادةٌ برسالته، ويتركُ ما لم يكن به حاجةٌ إلى تَبْيينه. وقيل: ﴿وَيَعْفُواْ عَنْ
كَثِيرُ﴾ يعني يتجاوز عن كثير فلا يُخبركم به(٥).
وذكر أنَّ رجلاً من أحبارهم جاء إلى النبيِّ # فقال: ما هذا (٦) [الذي] عفوتَ
عنا؟ فأعرضَ عنه رسولُ اللهِ ﴾ ولم يُبيِّن؛ وإنما أراد اليهوديُّ أن يُظهِرَ مُناقضةً
(١) قال أبو الليث في تفسيره ٤٢٤/١: وهم (يعني النصارى) ثلاث فرق: فرقة بينهم النسطورية، قالوا:
المسيح ابن الله، وصنف منهم يقال لهم: الماريعقوبية، قالوا: إن الله هو المسيح، وصنف يقال لهم:
الملكانية، قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، المسيح وأمه والله.
(٢) في إعراب القرآن ١٢/٢، وما قبله منه ومن معاني القرآن له ٢٨٣/٢، والأقوال السالفة أخرجها
الطبري ٢٥٩/٨ - ٢٦٠.
(٣) في النسخ الخطية: صاحبها وإبغاضه، والمثبت من (م)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس.
(٤) أخرج النسائي في الكبرى (١١٠٧٤)، والطبري في تفسيره ٨/ ٢٦٢ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، وذلك قول الله تعالى: ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ
جَآءُكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّثُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ .. ) فكان مما أخفوا الرجم.
(٥) ينظر مجمع البيان ٦/ ٥٦ .
(٦) في (م): يا هذا.

٣٨٦
سورة المائدة: الآيات ١٤ - ١٧
كلامه، فلما لم يُبيِّنْ له رسول اللـه ﴿ قام من عنده، فذهب وقال لأصحابه: أرى أنه
صادقٌ فيما يقول؛ لأنه كان وَجَدَ في كتابه أنه لا يُبيِّن له ما سأله عنه(١).
﴿قَدْ جَآءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ أي: ضياءٌ؛ قيل: الإسلام. وقيل: محمد عليه
الصلاة والسلام؛ عن الزجاج (٢). ﴿وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ أي: القرآن، فإنه يُبيِّن الأحكامَ،
وقد تقدَّم(٣). ﴿يَهْدِى بِهِ اَللَّهُ مَنِ أَنَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: ما رَضِيَه اللهُ. ﴿سُبُلَ
السَّلَمِ﴾: طُرُقَ السلامة المُوصِلةَ إلى دار السلام(٤) المُنزَّهة عن كلِّ آفة، والمُؤَمّنة
من كل مَخَافة، وهي الجنة. وقال الحسن والسُّدّيّ: ((السلام)): الله عزَّ وجلَّ؛
فالمعنى: دين الله - وهو الإسلام - كما قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمَ﴾
[آل عمران: ١٩]. ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: من ظلمات الكفر
والجَهالات إلى نور الإِسلام والهِدايات. ﴿ بِإِذْنِهِ﴾: بتوفيقه وإرادته(٥).
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَّ قُلّ
فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ
وَأُمَهُ وَمَن فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعَأُ وَلِلَّهِ مُلْكُ الشَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأَ
يَعْلُقُ مَا يَشَدَءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْمَسِيحُ أَبْنُ مَرّيَمْ﴾ تقدَّم في
آخر ((النساء))(٦) بيانُه والقولُ فيه.
وكُفْرُ النصارى في دلالة هذا الكلام إنما كان بقولهم: إنَّ اللهَ هو المسيحُ ابن
(١) تفسير أبي الليث ١/ ٤٢٤، وما بين حاصرتين منه.
(٢) معاني القرآن له ٢/ ١٦١ .
(٣) ينظر ص٢٣٨ من هذا الجزء.
(٤) في النسخ: السلامة، والمثبت من (م).
(٥) ينظر تفسير الرازي ١٨٩/١١ - ١٩٠، ومجمع البيان ٥٦/٦ - ٥٧، وقول السدي أخرجه الطبري
٨/ ٢٦٥.
،٠
(٦) ص ٢٣٠ من هذا الجزء وما بعدها.

٣٨٧
سورة المائدة: الآيتان ١٧ - ١٨
مريم على جهة الدَّينونة به؛ لأنهم لو قالوه على جهة الحكاية مُنكرين له لم يكفروا(١).
﴿قُلْ فَمَن يَحْلِكُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: من أمر الله. و((يَمْلِكُ)) بمعنى يقدِر؛ من
قولهم: ملكتُ على فلان أمره، أي: اقتدرتُ عليه. أي: فمن يقدِر أن يمنعَ من ذلك
شيئاً؟ فأَعْلَمَ اللهُ تعالى أن المسيحَ لو كان إلهاً لقَدَرَ على دَفْع ما ينزل به أو بغيره، وقد
أمات أُمَّه ولم يتمكّن من دَفْع الموت عنها، فلو أهلكه هو أيضاً فمن يدفعه عن ذلك
أو یردُّه؟
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأْ﴾ والمسيحُ وأُمُّه بينهما مخلوقان
محدودان محصوران، وما أحاط به الحَدُّ والنهاية لا يصلحُ للإلهيّة. وقال: ((وما
بَيْنَهما))، ولم يَقُلْ: وما بينهنَّ؛ لأنه أراد النوعين والصِّنفين كما قال الراعي:
طَرَقا فتلك هَمَاهِمي أَقْرِيهما قُلُصاً لَواقِحَ كالقِسِيّ وحُولا(٢)
فقال: (طَرَقا)) ثم قال: ((فتلك هماهِمي))(٣).
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ عيسى من أم بلا أب آيَةً لعباده.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى غَحْنُ أَبْكَوَّا اللَّهِ وَأَحِبَّتُهٍُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ
بِذُنُوبِكُمْ بَّ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ يَغْفِّرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ
الشَمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى نَحْنُ أَبْنَوْ اَللَّهِ وَأَحِبُّمُ﴾ قال ابن عباس:
(١) ينظر مجمع البيان ٥٨/٦ .
(٢) ديوان الراعي النميري ص٢١٦ ، والبيت الذي قبله:
هَمَّان باتا جَنْبةً ودخيلا
أَخْلَيْدَ إِنّ أباكِ ضافَ وِسَادَهُ
قوله: هماهمي: بمعنى الهموم. وقُلُصاً: جمع قَلوص، وهي الفتية من الإبل. ولواقح: حوامل، جمع
لاقح. وحُولا: جمع حائل، وهي الناقة التي لم تحمل سنة أو سنتين أو سنوات، وكذلك كل حامل
ينقطع عنها الحمل. اللسان (همم) و(قلص) و(لقح). و(حول).
(٣) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١١٨/١ و١٦٠، وتفسير الطبري ٢٦٨/٨.

٣٨٨
سورة المائدة: الآية ١٨
خَوَّفَ رسولُ اللـهِ ﴾ قوماً من اليهود العقابَ، فقالوا: لا نخافُ؛ فإنَّا أبناءُ الله
وأَحِبَّاؤه. فنزلت الآية(١).
قال ابن إسحاق: أتَى رسولَ الله ﴿ نعمانُ بن أَضَا ويَحْرِيُّ بن عمرو وشَأْسُ بن
عَدِيّ، فكلَّموه وكلَّمهم، ودعاهم إلى الله عزَّ وجلَّ وحَذَّرهم نِقْمَتَه، فقالوا: ما
تُخوِّفنا يا محمد؟؛ نحن أبناءُ الله وأحِبَّاؤه. كقول النصارى، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ
فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَبِ غَحْنُ أَبْنَوْا اللَّهِ وَأَحِبَّكُمُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِدُنُوبِكُمْ﴾ إلى
آخر الآية. قال لهم معاذ بن جبل وسعدُ بن عُبَادة وعُقبةُ بن وهب: يا معشرَ يهود،
اتَّقوا الله، فوالله إنكم لَتعلمون أنه رسولُ الله، ولقد كنتم تذكُرونه لنا قبلَ مَبعثه،
وتَصِفُونه لنا بِصِفته؛ فقال رافعُ بن حُرَيْملة ووهبُ بن يهوذا: ما قلنا هذا لكم، ولا
أنزلَ اللهُ من كتابٍ بعد موسى، ولا أرسلَ بشيراً ولا نذيراً من بعده، فأنزل الله عزَّ
وجلَّ: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ بََّكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَقِ مِّنَ اُلُّسُلِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾(٢).
السُّدِّيّ: زعمتِ اليهودُ أنَّ الله عزَّ وجلَّ أوحى إلى إسرائيل عليه السلام أنَّ ولدَك
بِكري من الولد. قال غيره: والنصارى قالت: نحن أبناءُ الله؛ لأنَّ في الإنجيل حكايةً
عن عيسى(٣): أذهبُ إلى أبي وأبيكم. وقيل: المعنى: نحن أبناءُ رسل الله (٤)، فهو
على حَذْفٍ مضاف.
وبالجملة؛ فإنهم رَأَوا لأنفسهم فضلاً، فردَّ عليهم قولَهم فقال: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُم
بِذُنُوبِكُمْ﴾ فلم يكونوا يَخْلون من أحدٍ وجهين؛ إما أنْ يقولوا: هو يُعذِّبنا، فيقال لهم:
(١) هو مختصر الخبر التالي.
(٢) السيرة النبوية ٥٦٣/١ - ٥٦٤، وأخرجه الطبري ٢٦٩/٨ و٢٧٣ عن ابن عباس رضي الله عنهما من
طريق ابن إسحاق، وفي إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت رضي الله عنهما، وهو
مجهول، تفرَّد عنه ابن إسحاق. تقريب التهذيب ص٤٣٩ .
(٣) قوله: عن عيسى، من (م).
(٤) ينظر النكت والعيون ٢٣/٢، وتفسير البغوي ٢٣/٢ .

٣٨٩
سورة المائدة: الآيتان ١٨ - ١٩
فلستُم إذاً أبناءَه وأحباءَه، فإنَّ الحبيبَ لا يُعذِّب حبيبَه، وأنتم تُقِرُّون بعذابه؛ فذلك
دليلٌ على كَذِيكم. وهذا هو المسمَّى عند الجَدَليين ببرهان الخَلْف(١).
أو يقولوا: لا يُعذِّبُنا فيُكذِّبوا ما في كُتبهم، وما جاءت به رسلُهم، ويُبيحوا
المعاصي وهم معترفون بعذاب العُصاة منهم؛ ولهذا يلتزمون أحكامَ كُتبهم(٢).
وقيل: معنى ((يُعَذِّبُكُمْ)): عَذَّبَكم، فهو بمعنى المُضِيِّ، أي: فَلِمَ مَسَخَكم قردةً
وخنازيرَ؟ ولِمَ عذَّبَ مَنْ قبلَكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم(٣)؟
لأن الله سبحانه لا يحتجُّ عليهم بشيء لم يكن بعدُ؛ لأنهم ربما يقولون: لا نُعذّبُ
غداً، بل يحتجُّ عليهم بما عَرَفوه. ثم قال: ﴿بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقْ﴾ أي: كسائر
خَلْقه؛ يُحاسبكم على الطاعةِ والمعصية، ويُجازي كلَّا بما عَمِلَ. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾
أي: لمن تابَ من اليهود. ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ﴾ لمن ماتَ عليها. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضِّ﴾ فلا شريكَ له يُعارضه. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: يؤول أمرُ العِباد إليه في
الآخرة.
قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ قَّدْ ◌َكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَى فَتْرَقِ مِّنَ الرُّسُلِ أَنْ
تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيْرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ
قوله تعالى: ﴿يَكَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾. يعني محمداً ﴿؛ يُبَيِّنُ
لكم انقطاعَ حُجَّتهم حتى لا يقولوا غداً: ما جاءنا رسولٌ . ﴿عَلَى فَتْرَقِ مِّنَ الرُّسُلِ﴾ أي:
سكون؛ يقال: فَتَر الشيء: سَكَن. وقيل: ((على فَتْرَةٍ)): على انقطاع ما بين النَّبيِّين؛
عن أبي عليٍّ وجماعةِ أهل العلم، حكاه الرُّمَّاني؛ قال: والأصلُ فيها انقطاعُ العمل
(١) هو إثبات المطلوب بإبطال نقيضِه. ينظر الكليات لأبي البقاء ص ٧١٥، وكشاف اصطلاحات الفنون
٧٦٠/١ .
(٢) ينظر تفسير الطبري ٢٧١/٨، وإعراب القرآن للنحاس ١٢/٢ - ١٣.
(٣) ينظر مجمع البيان ٦/ ٦٠ .

٣٩٠
سورة المائدة: الآية ١٩
عما كان عليه من الجِدِّ فيه، من قولهم: فَتَر عن عَمَلِهِ وفَتَّرته عنه. ومنه: فَتَر الماءُ: إذا
انقطع عما كان عليه (١) من البَرْد إلى السُّخونة(٢)، وامرأةٌ فاتِرةُ الطَّرف، أي: مُنقطعة
عن حِدَّة النظر (٣). وفتورُ البَدَن كفتور الماء. والفِتْرُ: ما بين السَّبَّابة والإبهام إذا
فتحتَهما(٤). والمعنى؛ أي: مَضَتْ للرسل مدَّةٌ قبلَه.
واختُلِف في قَدْر مدَّة تلك الفترة، فذكر محمد بن سعد في كتاب ((الطبقات))(٥)
عن ابن عباس قال: كان بين موسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهما السلام ألف
سنة وتسع مئة (٦) سنة، ولم يَكُنْ بينهما فترةٌ، وأنه أُرسل بينهما ألفُ نبيٍّ من بني
إسرائيل سوى مَن أُرسل من غيرهم. وكان بين ميلادٍ عيسى والنبيِّ# خمسُ مئة سنة
وتسعٌ وسِتون سنة، بُعث في أوَّلها ثلاثةُ أنبياء؛ وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَهِمُ اثْنَيْنِ
فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] والذي عُزِّز به شمعون، وكان من الحواريّين. وكانت
الفترةُ التي لم يَبعث اللهُ فيها رسولاً أربعَ مئة سنة وأربعاً وثلاثين سنة.
وذكر الكلبيُّ أن بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام خمسَ مئة سنة وتسعاً
وستين، وبينهما أربعة أنبياء؛ واحدٌ من العرب من بني عَبْس، وهو خالد بن سِنان(٧).
قال القُشيريُّ: ومثلُ هذا مما لا يُعلم إلا بخبر صِدْق.
وقال قتادة: كان بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ستُّ مئة سنة، وقاله
(١) لفظ: عليه، من (ظ).
(٢) في (م): من السخونة إلى البرد.
(٣) ينظر مجمع البيان ٦/ ٦١ .
(٤) في النسخ: فتحها، والمثبت من (م) وهو الموافق للصحاح (فتر).
(٥) ١/ ٥٣، وفي إسناده محمد بن السائب الكلبي، وهو متكلَّم فيه. تقريب التهذيب ص ٤١٥ .
(٦) في (م): ألف وسبع مئة، والمثبت من النسخ الخطية، وهو الموافق لطبقات ابن سعد.
(٧) سلف ضمن رواية ابن عباس من طريق الكلبي، وينظر زاد المسير ٢/ ٣٢٠، وفيه أن الكلبي قال: إن بين
عيسى ونبينا محمد عليهما السلام خمس مئة وأربعين سنة، وكذا ذكره أبو الليث في تفسيره ٤٢٦/١،
والبغوي في تفسيره ٢٣/٢ .

٣٩١
سورة المائدة: الآية ١٩
مقاتل والضخَّاك ووَهْب بن مُنَبِّه، إلا أن وهباً زاد عشرين سنة. وعن الضخَّاك أيضاً:
أربع مئة وبِضْع وثلاثون سنة(١).
وذكر ابنُ سعد عن عكرمة قال: بين آدمَ ونوحِ عَشَرَةُ قرون، كلَّهم على الإسلام.
قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر (٢) بن واقد الأسلميُّ عن غير واحد قالوا: كان
بين آدمَ ونوحٍ عَشَرَةُ قرون، والقَرْنُ مئة سنة، وبين نوح وإبراهيم عَشَرَةُ قرون، والقَرْنُ
مئةُ سنة، وبين إبراهيمَ وموسى بن عمران عَشَرَةُ قرون، والقَرْنُ مئةُ سنة(٣). فهذا ما
بين آدمَ ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام من القرون والسِّنين. والله أعلم.
﴿أَنْ تَقُولُواْ﴾ أي: لئلا؛ أو كراهيةً أن تقولوا، فهو في موضع نصب. ﴿مَا جَآَمَنَا مِنْ
بَشِيرٍ﴾ أي: مُبَشِّر. ﴿وَلَا نَذِيٍّ﴾ أي: مُنذِرٍ. ويجوز: ((مِن بشِيرٍ وَلَا نذيرٌ)) على
الموضع(٤).
قال ابن عباس: قال معاذ بن جبل وسعدُ بن عُبادة وعقبةُ بن وهب لليهود: يا
معشرَ يهود، اتَّقوا الله، فوالله، إنكم لَتعلمون أنَّ محمداً رسولُ الله، ولقد كنتم
تذكُرونه لنا قبلَ مَبْعثه وتَصِفُونه بصِفته؛ فقالوا: ما أنزل اللهُ من كتاب بعدَ موسى ولا
أرسلَ بعدَه من بَشيرٍ ولا نذير؛ فنزلت الآية(٥).
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ على إرسالِ مَن شاء من خَلْقه. وقيل: قديرٌ على
إنجاز ما بَشَر به وأنذر منه.
(١) أخرج قول قتادة وقول الضحاك الثاني الطبري ٢٧٥/٨، وأورد الأقوال الأخرى أبو الليث في تفسيره
٤٢٦/١. وقد أخرج البخاري (٣٩٤٨) عن سلمان قال: فترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما
وسلم ست مئة سنة.
(٢) في النسخ: محمد بن عمرو، وهو خطأ، ومحمد بن عمر - وهو الواقدي-، متروك مع سعة علمه.
ينظر ميزان الاعتدال ٣/ ٦٦٢ .
(٣) طبقات ابن سعد ١/ ٥٣ .
(٤) يعني يجوز في اللغة، لا في التلاوة، وينظر إعراب القرآن للنحاس ١٣/٢، والإملاء ٤٠٧/٢ .
(٥) سلف ص٣٨٨ من هذا الجزء .

٣٩٢
سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ
فِيَكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوَكًا وَءَاتَنَكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ (١٥) يَقَّوْمِ
أَدْ خُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَتِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا نَرْئَُّواْ عَلَى أَدْبَارِكُ فَتَنْقَلِبُوا خَسِرِينَ
قَالُواْ يَمُوسَىَ إِنَّ فِيَهَا قَوْمًا جَبَّارِنَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَّ ◌َخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن
يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٧) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا
ادْخُلُواْ عَلَهِمُ الْبَابٌَّ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونٌ وَعَلَى اَللَِّ فَتَوَّكَلُواْ إِن كُم
مُّؤْمِنِينَ
قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ
وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ ﴿ قَالَ رَبٍّ إِ لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ
فَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اَلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ (9َ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ
يَتِيهُونَ فِ الْأَرْضَِّ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِفِينَ
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، الآياتُ.
تبيينٌ من الله تعالى أنَّ أسلافَهم تمرَّدوا على موسى وعصَوه؛ فكذلك هؤلاء
مع(١) محمدٍ عليه الصَّلاة والسلام، وهو تسليةٌ له، أي: يا أيها الذين آمنوا اذكروا
نعمةَ اللهِ عليكم، واذكروا قصةَ موسى(٢).
ورُوي عن عبد الله بنٍ كَثير أنه قرأ: ((يَا قَوْمُ اذْكُرُوا)) بضم الميم، وكذلك ما
أشبهه؛ وتقديره: يا أيها القوم(٣).
﴿إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَةَ﴾ لم ينصرف؛ لأنَّ فيه ألفَ التأنيث.
﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾، أي: تَملِكون أمرَكم لا يغلبُكم عليه غالبٌ بعدَ أنْ كنتم
مملوكين (٤) لفرعونَ مقهورين، فأنقذكم منه بالغرق؛ فهم ملوكٌ بهذا الوجه. وينحوه
(١) في (م): على.
(٢) ينظر تفسير الطبري ٢٧٦/٨ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١٣/٢، وما بعده منه، وذكر قراءة ابن كثير ابنُ عطية في المحرر الوجيز
١٧٣/٢، والقراءة المتواترة عنه (وهو من السبعة) كقراءة الجماعة.
(٤) في (د) و(ظ): مملكين، وفي (ز): متملكين، والمثبت من (م).

٣٩٣
سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦
فَسر السُّدِّئُّ والحسن وغيرُهما(١).
قال السُّدِّيُّ: مَلَكَ كلُّ واحدٍ منهم نفسَه وأهله ومالَه(٢).
وقال قَتَادة: إنما قال: ﴿وَجَعَلَكُمْ قُلُوكًا﴾؛ لأنَّا كنَّا نتحدَّثُ أنهم أوّلُ من خُدِم من
بني آدمَ.
قال ابن عطية (٣): وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ القِبْطَ كانوا(٤) يستخدمون بني إسرائيل،
وظاهرُ أَمرِ بني آدمَ أنَّ بعضَهم كان يُسخِّر بعضاً مذ تناسلوا وكثُروا، وإنما اختلفت
الأممُ في معنى التمليكِ فقط.
وقيل: جعلكم ذوي منازل لا يُدخّل عليكم إلا بإذن؛ رُوي معناه عن جماعة من
أهل العلم(٥).
قال ابن عباس: إنَّ الرجلَ إذا لم يَدخل أحدٌ بيتَه إلا بإذنه فهو ملِكٌ. وعن الحسن
أيضاً وزيد بن أسلم: أنَّ من كانت له دارٌ وزوجةٌ وخادمٌ فهو ملِكٌ(٦)، وهو قولُ عبدِ
الله بن عمرو كما في صحيح مسلم (٧) عن أبي عبد الرحمنِ الحُبُلِيّ قال: سمعت عبد
الله بنَ عمرو بنِ العاص وسأله رجلٌ، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد
الله: ألك امرأةٌ تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مَسْكنٌ(٨) تسكُنُه؟ قال: نعم،
قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإنَّ لي خادماً، قال: فأنت من الملوك.
قال ابن العربي(٩): وفائدةُ هذا أنَّ الرجلَ إذا وجبت عليه كفَّارةٌ، ومَلَكَ داراً
(١) ينظر النكت والعيون ٢٤/٢، والمحرر الوجيز ١٧٣/٢.
(٢) أخرجه الطبري ٨/ ٢٨١ .
(٣) في المحرر الوجيز ٢/ ١٧٣، وقول قتادة منه، وأخرجه الطبري ٨/ ٢٨٠ .
(٤) في (ز) و(ظ) و(م): قد كانوا، والمثبت من (د)، وهو الموافق للمحرر الوجيز.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١٣/٢.
(٦) ينظر المحرر الوجيز ١٧٣/٢، وأخرج الأقوال الطبري ٢٧٩/٨ - ٢٨٠.
(٧) برقم (٢٩٧٩).
(٨) في (د) و(ز) و(م): منزل، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لصحيح مسلم.
(٩) في أحكام القرآن ٥٨٦/٢ .

٣٩٤
سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦
وخادماً باعهما في الكفَّارة، ولم يَجُزْ له الصيام؛ لأنه قادرٌ على الرقبة، والملوكُ لا
يُكفِّرون بالصيام، ولا يُوصفون بالعجز عن الإعتاق.
وقال ابن عباس ومجاهد: جَعلهم ملوكاً بالمَنِّ والسَّلوى والحَجَرِ (١) والغَمَامِ،
أي: هم مخدومون(٢) کالملوك.
وعن ابن عباس أيضاً: يعني الخادمَ والمنزلَ، وقاله مجاهدٌ وعِكرمةُ والحكم بنُ
عُتَيْبةٍ (٣)، وزادوا: الزوجةَ، وكذا قال زيد بن أسلم - إلا أنه قال: فيما يعلم عن
النبيِّ # -: ((من كان له بيتٌ - أو قال: منزلٌ - يأوي إليه، وزوجةٌ، وخادمٌ يخلُمُه،
فهو ملك))؛ ذكره النحاس(٤).
ويقال: من استغنى عن غيره فهو ملِك؛ وهذا كما قال #: ((من أصبح آمناً في
سِرْبه؛ معافى في بدنه، وله قوتُ يومِه، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها)»(٥).
قوله تعالى: ﴿وَءَاتَنَّكُمْ﴾، أي: أعطاكم ﴿مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ﴾.
والخطاب من موسى لقومه في قول جمهورِ المفسِّرين، وهو وجهُ الكلام.
مجاهدٌ: والمرادُ بالإيتاء المنُّ والسَّلْوى والحَجَرُ والغمام. وقيل: كثرة الأنبياءِ
فيهم، والآيات التي جاءتهم(٦). وقيل: قلوباً سليمةً من الغِلِّ والغِشِّ. وقيل: إحلال
الغنائم والانتفاع بها.
قلت: وهذا القولُ مردودٌ؛ فإنَّ الغنائمَ لم تَحِلَّ لأحدٍ إلا لهذه الأمَّةِ على ما ثبت
(١) يعني إخراج الماء منه.
(٢) في (د) و(ز): مخدمون.
(٣) في النسخ: عيينة، وهو خطأ.
(٤) في معاني القرآن ٢/ ٢٨٧، وأخرج الأقوال الطبري ٢٧٩/٨ - ٢٨٠، والحديث أخرجه أبو داود في
المراسيل (٢٠٤) مختصراً. قال الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية: (٢٠) من المائدة: مرسل غريب.
(٥) تفسير أبي الليث ٤٢٦/١ - ٤٢٧، والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٣٠٠)، والترمذي
(٢٣٤٦)، وابن ماجه (٤١٤١) من حديث عبد الله بن محصن .
(٦) ينظر النكت والعيون ٢٥/٢، والمحرر الوجيز ١٧٣/٢، وقول مجاهد في تفسيره: ١٩١، وأخرجه
الطبري ٢٨٢/٨ .

٣٩٥
سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦
في الصحيح(١)، وسيأتي بيانُه إنْ شاء الله تعالى(٢).
وهذه المقالةُ من موسى توطئةً لنفوسهم (٣) حتى تُعَزَّزَ وتأخذَ(٤) الأمرَ بدخول
أرضٍ الجبَّرين بقوة، وتنفُذَ في ذلك نفوذَ من أعزَّه الله، ورفع شأنه(٥).
ومعنى ((مِنَ العَالَمِينَ))، أي: عالَمي زمانِكم؛ عن الحسن (٦).
وقال ابن جُبير وأبو مالك: الخطابُ لأمة محمدٍ ﴾(٧). وهذا عدولٌ عن ظاهر
الكلامِ بما لا يحسُنُ مثلُه.
وتظاهرت الأخبارُ أنَّ دِمشقَ قاعدةُ الجَبَّارين(٨).
و﴿ الْمُقَدَّسَةَ﴾ معناه المطهّرة. مجاهد: المباركة؛ والبركةُ: التطهيرُ من القحوط
والجوعِ ونحوه. قَتَادة: هي الشَّام. مجاهد: الُورُ وما حولَه. ابن عباس والسُّدِّيُّ وابن
زيد: هي أريحاء(٩). قال الزّجاج: دِمشقُ وفلسطِينُ وبعضُ الأُرْدُنْ(١٠). وقولُ قَتَادةَ
یجمع هذا كلّه.
﴿الَّتِى كَتَبَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾، أي: فَرَضَ دخولَها عليكم، ووعدكم دخولَها وسُكناها
(١) سلف ٢٥٨/٤ .
(٢) ص ٤٠٣- ٤٠٤ من هذا الجزء، وسيأتي أيضاً عند تفسير الآية (١) من سورة الأنفال.
(٣) في النسخ: توطئة لهم ولنفوسهم، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٧٤/٢، والكلام
منه.
(٤) لم تجود الكلمتان في (د) و(ز)، وفي (ظ): يعزر ويأخذ، وفي المحرر الوجيز ١٧٤/٢ : يتعزز
ويأخذ، والمثبت من (م).
(٥) في (د) و(ز) و(م): من شأنه، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز.
(٦) أورده الطبرسي في مجمع البيان ٦/ ٦٣ .
(٧) أخرجه الطبري ٨/ ٢٨١ .
(٨) لم نقف على هذا الكلام. وذكر نحو ذلك ياقوت في معجم البلدان ٤٨٩/١ في البلقاء، وهي كورة من
أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، قصبتها عمان. والله أعلم. وانظر أيضاً فيه ٢١٧/٤ (غور)،
وسيأتي في الصفحة ٤٠٥ أن أريحاء هي بلدة الجبارين.
(٩) ينظر المحرر الوجيز ١٧٤/٢، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٢٨٤/٨ - ٢٨٦.
(١٠) معاني القرآن ٢/ ١٦٢.

٣٩٦
سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦
لكم(١).
(١)
ولما خرجت بنو إسرائيلَ من مصرَ؛ أمرهم بجهاد أهلٍ أَرِيحاءَ من بلاد فلسطين،
فقالوا: لا عِلمَ لنا بتلك الدِّيار، فبعث بأمر اللهِ اثني عَشَرَ نقيباً، من كلِّ سِبط رَجُلاً(٢)
يتجسَّسون الأخبارَ على ما تقدم(٣)، فرأوا سكانَها الجبابرةَ(٤) من العمالقة، وهم ذوو
أجسامٍ هائلةٍ؛ حتى قيل: إنَّ بعضَهم رأى هؤلاء النقباءَ، فأخذهم في كُمِّه مع فاكهة
كان قد حملَها من بستانه، وجاء بهم إلى الملِك، فنثرهم بين يديه، وقال: إنَّ هؤلاءٍ
يريدون قِتالَنا؛ فقال لهم الملِك: ارجعوا إلى صاحبكم، فأخبروه خبرَنا؛ على ما
تقدَّم.
وقيل: إنهم لما رجعوا؛ أَخذوا من عِنب تلك الأرضِ عنقوداً، فحملَه(٥) رجلٌ
واحدٌ، وقيل: حمله النقباءُ الاثنا عشر.
قلت: وهذا أشبهُ؛ فإنه يقال: إنهم لما وصلوا إلى الجبَّارين وجدوهم يَدخُل في
كُمّ أحدِهم رجلان منهم، ولا يَحملُ عنقودَ عنِهم إلا خمسةٌ منهم في خشبة، ويَدْخِلُ
في شطر الرمانةِ إذا نُزِع حبُّه خمسةُ أنفسٍ أو أربعة.
قلت: ولا تعارضَ بين هذا والأولِ؛ فإنَّ ذلك الجبارَ الذي أخذهم في كُمّه
- ويقال: في حِجْره - هو عُوجِ بنُ عناق، وكان أطولَهم قامةً وأعظمَهم خَلْقاً (٦)؛ على
(١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١٤/٢.
(٢) في (م): رجل.
(٣) ١١٢/٦.
(٤) في (د) و(م): الجبارين .
(٥) في (م): فقيل: حمله.
(٦) كان من الأولى بالمصنّف رحمه الله أن يضرب على هذه الأخبار المصنوعة، وينَزّه كتابه عنها، بدلاً من
أن يرجّح أو أن يجمع بينها. وقد أخرج هذه الأخبار الطبري ٢٩٠/٨ - ٢٩٢، ورَدَّها ابن قتيبة في
تأويل مختلف الحديث ص٢٧٨ - ٢٨٦ ، وقال ابن كثير في تفسير الآية: هي من وضع بني إسرائيل،
ونقل أبو شهبة في كتابه الإسرائيليات ص ١٨٤ - ١٨٦ عن ابن القيم قوله: وليس العجب من جرأة مَن
وضّع هذا الحديثَ وكذب على الله، وإنما العجب ممن يُدخل هذا في كتب العلم من التفسير، فكل
ذلك من وضع زنادقة أهل الكتاب. وينظر المنار المنيف ص٧٧ لابن قَيِّم الجوزية.

٣٩٧
سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦
ما يأتي من ذكرِهِ إنْ شاء الله تعالى(١).
وكان طولُ سائرِهم ستةَ أذرعٍ ونصفٍ في قول مقاتلٍ.
وقال الكَلْبِيُّ: كان طولُ كلِّ رجلٍ منهم ثمانينَ ذراعاً (٢)، والله أعلم.
فلما أذاعوا الخبرَ ما عدا يوشعَ وكالب بنَ يوقنا، وامتنعت بنو إسرائيلَ من
الجهاد؛ عوقبوا بالتِّيه أربعينَ سنةً إلى أنْ مات أولئك العصاةُ، ونشأ أولادهم، فقاتلوا
الجبَّارين وغلَبوهم(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَا نَّئَدُواْ عَلَى أَذْبَارِكُمْ﴾، أي: لا ترجِعوا عن طاعتي وما أمرتُكم به
من قتال الجبَّرين. وقيل: لا ترجِعوا عن طاعة اللهِ إلى معصيته، والمعنى واحدٌ (٤).
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَىَ إِنَّ فِيَهَا قَوْمَا جَبَّرِينَ﴾، أي: عظام الأجسام طوالٌ، وقد
تقدّم، يقال: نخلةٌ جَبَّارةٌ، أي: طويلةٌ. والجبَّارُ: المتعّمُ الممتنعُ من الذلِّ والفقرِ (٥).
وقال الزجَّاج (٦): الجبَّارُ من الآدميين العاتي، وهو الذي يُجبِرِ النَّاسَ على ما
يريد؛ وأصلُه على هذا من الإجبار، وهو الإكراهُ؛ فإنه يُجبِرِ غيرَه على ما يريدُه؛
وأجبره، أي: أكرهه.
وقيل: هو مأخوذٌ من جَبْرِ العظم؛ فأصلُ الجبَّارِ على هذا: المصلحُ أمرَ نفسِهِ،
ثم استُعمل في كلِّ من جرَّ لنفسه نفعاً بحقِّ أو باطلٍ. وقيل: إنَّ جبرَ العظمِ راجعٌ إلى
معنى الإكراه(٧).
(١) سيذكره المصنف قريباً.
(٢) أورده أبو الليث في تفسيره ١/ ٤٢٧، وهو قول مردودٌ شرعاً وعقلاً. والكلبيُّ منَّهم. وقد روى البخاري
(٣٣٢٦) عن أبي هريرة عن النبي # أنه قال: ((خلَقَ الله آدم وطوله ستون ذراعاً ... )) وفي آخره:
(فلم يزل الخلقُ ينقص حتى الآن)).
(٣) ينظر تفسير الطبري ٢٤/٢ - ٢٦، وتفسير الرازي ١٩٦/١١.
(٤) ينظر النكت والعيون ٢٥/٢ .
(٥) ينظر معاني القرآن للنحاس ٢٨٨/٢، وتفسير البغوي ٢٥/٢ .
(٦) في معاني القرآن ٢/ ١٦٣ .
(٧) ينظر تفسير الطبري ٢٨٩/٨، والنكت والعيون ٢٥/٢ - ٢٦.

٣٩٨
سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦
قال الفرّاء(١): لم أسمعْ فعَّالاً من أفعلَ إلا في حرفين؛ جَبَّار من أَجبر، ودرَّاك
من أَدرك.
ثم قيل: كان هؤلاء من بقايا عاد. وقيل: هم من ولد عِيص بنِ إسحاقَ، وكانوا
من الروم، وكان معهم ◌ُوج الأعنقُ، وكان طولُه ثلاثةَ آلافٍ ذراع وثلثمائة وثلاثة
وثلاثينَ ذراعاً؛ قاله ابن عمر(٢)، وكان يَحتجِنُ السَّحابَ، أي: يَجذِبُه بِمحجنه،
ويشربُ منه، ويتناولُ الحوتَ من قاع البحرِ، فيشويه بعين الشَّمسِ؛ يرفعُه إليها، ثم
يأكلُه. وحضَر طوفان نوحٍ عليه السَّلام، ولم يجاوِزْ ركبتيه، وكان عمرُه ثلاثةَ آلاف
وستمائة سنة، وأنه قَلع صخرةً على قَدَر عسكرٍ موسى ليرضخَهم بها، فبعث الله
طائراً، فنقرَها ووقعت في عُنقه، فصَرَعتْه. وأقبل موسى عليه السلام وطولُه عشرةٌ
أذرعٍ؛ وعصاه عشرةُ أذرعٍ، وترقّى في السماء عشرةَ أذرعٍ، فما أصاب إلا كعبَه وهو
مصروعٌ، فقتلَه. وقيل: بل ضربه في العِرق الذي تحتّ كعبِهِ، فصرعه فمات، ووقع
على نيل مصرَ، فجسَرَهم سنةً(٣). ذكر هذا المعنى باختلافِ ألفاظٍ محمد بنُ إسحقَ
والطّبريُّ ومکيٍّ وغیرُهم(٤).
وقال الكَلْبِيُّ: عوج من ولد هاروتَ وماروتَ حيث وقعا بالمرأة، فحمَلت(٥).
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا﴾ يعني البلدةَ إيلياء، ويقال: أَرِيحاء ﴿حَّ يَخْرُجُوا
مِنْهَا﴾، أي: حتى يُسلموها لنا من غير قتال. وقيل: قالوا ذلك خوفاً من الجبَّارين،
ولم يقصِدوا العِصيانَ، فإنهم قالوا: ﴿فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.
(١) نقله عنه الرازي في تفسيره ١٩٨/١١ .
(٢) لعله محمد بن عمر الواقدي، وأورده الثعلبي في عرائس المجالس ص٢٤٣ - ٢٤٤ . وثمة فروق نسخ
أهملناها في هذا الخبر؛ لانعدام قيمته.
(٣) أي: كان جسراً لأهل النيل سنة !! كما في رواية الطبري ٣١٥/٨.
(٤) الخبر من الإسرائيليات التالفة كما سلف ذكره، وهو في تفسير الطبري ٣١٥/٨، وتاريخه ٤٣١/١،
وعرائس المجالس ص٢٤٣ - ٢٤٤، وتفسير البغوي ٢٠/٢!
(٥) سلف خبر هاروت وماروت ٢/ ٢٨٤ .

٣٩٩
سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ قال ابن عباس وغيره: هما يوشع
وكالب بنُ يوقنا، ويقال: ابن قانيا، وكانا من الاثني عشرَ نقيباً. و((يَخَافُونَ))، أي: من
الجبَّارين. فَتَادَة: يخافون الله تعالى.
وقال الضحاك: هما رجلانٍ كانا في مدينة الجبّارينَ على دين موسى(١)، فمعنى
((يَخَافُونَ)) على هذا، أي: من العمالقة من حيثُ الطبعُ؛ لئلا يَطّلعوا على إيمانهم،
فيفتنوهم، ولكن وثِقًا بالله. وقيل: يخافون ضعفَ بني إسرائيلَ وجُبنَهم.
وقرأ مجاهدٌ وابن جُبير: ((يُخَافُونَ)) بضم الياء(٢)، وهذا يُقَوِّي أنهما من غير قوم
موسى.
﴿أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، أي: بالإسلام، أو باليقينِ والصَّلاحِ.
﴿أَدْخُلُواْ عَلَهِمُ الْبَابٌَّ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونَ﴾ قالا لبني إسرائيل: لا يَهولَنَّكم
عِظَمُ(٣) أجسامِهم، فقلوبُهم مُلئتْ رُغْباً منكم، فأجسامهم عظيمةٌ، وقلوبُهم ضعيفةٌ،
وكانوا قد عَلِموا أنهم إذا دَخلوا من ذلك البابِ كان لهم الغَلَبُ.
ويحتمل أنْ يكونا قالا ذلك ثقةً بوعد اللهِ، ثم قالا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَّكَُّواْ إِن كُتُم
مُؤْمِنِينَ﴾: مصدِّقين به، فإنه ينصرُكم. ثم قيل على القول الأوّل: لما قالا هذا أرادَ
بنو إسرائيلَ رجمَهما بالحجارة، وقالوا: نُصدِّقُكما ونَدَعُ قولَ عشرةٍ (٤)! ثم قالوا
لموسى: ﴿إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدَأَ مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾. وهذا عِنادٌ وحَيْدٌ عن القتال، وإياسٌ
من النَّصر. ثم جهلوا صفةً الربِّ تبارك وتعالى، فقالوا: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾
وصفوه بالذَّهاب والانتقالِ، واللهُ متعالٍ عن ذلك. وهذا يدلُّ على أنهم كانوا مُشَبِّهةً؛
وهو معنى قولِ الحسن؛ لأنه قال: هو كفرٌ منهم بالله(٥)، وهو الأظهرُ في معنى هذا
(١) أخرج قول الضحاك وابن عباس الطبري ٢٩٦/٨ - ٢٩٧ .
(٢) القراءات الشاذة ص٣١، والمحتسب ٢٠٨/١.
(٣) في النسخ: عظام، والمثبت من (م).
(٤) ينظر تفسير الطبري ٣٠١/٨، والوسيط ١٧٣/٢، وتفسير الرازي ١٩٩/١١.
(٥) أورده الواحدي في الوسيط ٢/ ١٧٣، وينظر تفسير الرازي ١٩٩/١١.

٤٠٠
سورة المائدة: الآيات ٢٠ - ٢٦
الكلام. وقيل: إنَّ(١) نصرةَ ربِّك لك أحقُّ من نُصرتنا، وقتالَه معك - إنْ كنت رسولَه -
أولى من قتالِنا؛ فعلى هذا يكونُ ذلك منهم كفراً (٢)؛ لأنهم شُوا في رسالته.
وقيل المعنى: اذهب أنت، فقاتِل ولْيُعِنْك ربُّك.
وقيل: أرادوا بالربِّ هارونَ؛ وكان أكبرَ من موسى، وكان موسى يُطيعه.
وبالجملة؛ فقد فسَقُوا بقولهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِفِينَ﴾ أي: لا
تحزنْ عليهم(٣).
﴿إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾، أي: لا نبرحُ ولا نقاتِلُ. ويجوز: ((قاعدينَ))(٤) على
الحال؛ لأنَّ الكلامَ قد تمَّ قبلَه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِ لَا أَمْلِكُ إلَّا نَفْسِى وَأَخِىٌ﴾ لأنه كان يُطیعه. وقیل
المعنى: إني لا أملِكُ إلا نفسي، ثم ابتدأ فقال: ((وَأَخِي))، أي: وأخي أيضاً لا يملِكُ
إلا نفسَه؛ فأخي على القول الأوّلِ في موضع نصب عطفاً على ((نفسي))، وعلى الثاني
في موضع رفع، وإنْ شئتَ عطفتَ على اسم إنَّ، وهي الياءُ، أي: إني وأخي لا
نَملِكُ إلا أنفسَنا. وإنْ شئتَ عطفتَ على المضمر في ((أملِك))، كأنه قال: لا أملك أنا
وأخي إلا أنفسَنا(٥).
﴿فَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، يقال: بأيِّ وجهٍ سأل(٦) الفرقَ بينَه وبينَ
هؤلاءِ القوم؟ ففيه أجوبةٌ:
الأوّل: بما يدلُّ على بُعدِهم عن الحقِّ، وذهابِهِم عن الصَّواب فيما ارتكبوا من
العصيان، ولذلك أُلْقُوا في التِّيه.
(١) في (م): أي إن.
(٢) في (د) و(ظ) و(م): كفر، والمثبت من (ز).
(٣) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٦٠/١، وتفسير الرازي ١١/ ٢٠٠، والمحرر الوجيز ١٧٥/٢.
(٤) أي: في اللغة، لا في القراءة، وينظر إعراب القرآن للنحاس ١٥/٢.
(٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ١٦٤/٢ - ١٦٥، وإعراب القرآن للنحاس ١٥/٢.
(٦) في (م): سأله.