النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة المائدة: الآية ٦ الجَوْربين وإنْ كانا مُجلَّدين(١). وفي كتاب أبي داودَ عن المغيرة بن شُعْبةَ أنَّ رسولَ اللهِ # توضأ، ومسح على الجَوْرِبَيْنِ والنَّعلَيْن(٢)؛ قال أبو داود: وكان عبد الرحمن بنُ مهديّ لا يحدِّثُ بهذا الحديث؛ لأنَّ المعروفَ عن المغيرة أنَّ النَّبِيَّ ﴾ مسحَ على الخُفَّين؛ ورُويَ هذا الحديثُ عن أبي موسى الأشعريّ عن النبيِّ ﴾، وليس بالقويّ ولا بالمتَّصل(٣). قال أبو داود: ومَسح على الجَوْربَيْن عليّ بنُ أبي طالب وابنُ مسعود(٤) والبَرَاء بنُ عازِب وأَنَس بنُ مالك وأبو أُمامةَ وسهل بنُ سعد وعمرو بنُ حُرَيث؛ ورُوي ذلك عن عمرَ بنِ الخطاب وابن عباس؛ * أجمعين. قلت: وأما المسحُ على النَّعْلين؛ فروى أبو محمد الدّارِميُّ في مسنده: حدَّثنا أبو نعيم، أخبرنا يونس، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ خيرِ قال: رأيت علِيًّا توضأ ومسحَ على النعلين، فوسَّع ثم قال: لولا أني رأيتُ رسول اللهِ ﴾ فَعَل كما رأيتموني فعلتُ الرأيتُ أنَّ باطنَ القدمينِ أحقُّ بالمسحِ من ظاهرِهما(٥). قال أبو محمد الدَّارميُّ رحمه الله: هذا الحديثُ منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ﴾. قلت: وقولُ عليٍّ ه: لرأيتُ أنَّ باطن القدمينِ أحقُّ بالمسح من ظاهرهما؛ مثلُه قال في المسح على الخُفَّين، أخرجه أبو داود عنه قال: لو كان الدِّينُ بالرأي لكان باطنُ الخفِّ أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيتُ رسولَ اللهِ ﴾﴿ يَمسحُ على ظاهر خُفَّيْه(٦). (١) التمهيد ١٥٦/١١ - ١٥٧، والاستذكار ٢٥٣/٢. (٢) سنن أبي داود (١٥٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٢٠٦) الترمذي (٩٩) وصححه، والنسائي في الكبرى (١٢٩)، وابن ماجه (٥٥٩). وضعفه النووي في المجموع ٥٤١/١، وينظر التلخيص الحبير ١٥٩/١. (٣) أخرجه ابن ماجه (٥٦٠)، وضعفه ابن حجر في التلخيص ١/ ٨٢ . (٤) وقع في بعض نسخ أبي داود (كما في نسخة محمد عوامة): أبو مسعود، ومثله في الدراية ١/ ٨٢، وكلاهما صواب، إذ قد رُوي المسحُ على الجوربين عنهما كما في مصنف عبد الرزاق (٧٧٤) (٧٨١). (٥) سنن الدارمي (٧١٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٦٤). (٦) سنن أبي داود (١٦٢). قال الحافظ في التلخيص ١٦٠/١: إسناده صحيح. ٣٦٢ سورة المائدة: الآية ٦ قال مالك والشافعيُّ فيمن مسح ظهورَ خُفَّيه دونَ بطونِهما: إنَّ ذلك يُجزئه؛ إلا أنَّ مالكاً قال: من فعل ذلك أعاد في الوقت؛ ومن مَسح على باطن الخفينِ دونَ ظاهرِهما لم يَجزه، وكان عليه الإعادةُ في الوقت وبعدَه؛ وكذلك قال جميعُ أصحابِ مالكِ إلا شيءٌ رُوي عن أشهبَ أنه قال: باطنُ الخفينِ وظاهرُهما سواءٌ، ومن مسح باطنَهما دونَ ظاهرِهما(١) لم يُعِدْ إلا في الوقت. ورُوي عن الشافعي أنه قال: يُجزئه مسحُ بطونِهما دونَ ظهورِهما؛ والمشهورُ من مذهبه أنه من مسح بطونَهما دون ظهورِهما، واقتصر(٢) عليهما(٣)، لم يجزه، وليس بماسح. وقال أبو حنيفة والثَّوريُّ: يمسح ظاهرَ(٤) الخفين دونَ باطنِهما؛ وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاقُ وجماعةٌ. والمختارُ عندَ مالك والشافعيِّ وأصحابِهِما مسحُ الأعلى والأسفلِ، وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنٍ شهاب؛ لما رواه أبو داود والدّار قطنيُّ عن المُغيرة بنِ شُعْبةَ قال: وضَّأَتُ رسولَ اللهِ﴿ في غزوة تَبُوك، فمسَحَ أعلى الخفِّ وأسفلَه(٥)؛ قال أبو داود: يُروَى أنَّ ثوراً لم يسمعْ هذا الحديثَ من رجاء بنِ حَيْوةً. الخامسة والعشرون: واختلفوا فيمن نَزع خُفَّيه وقد مسح عليهما على أقوال ثلاثة: الأوّل(٦): يَغسِلُ رجليه مكانَه وإنْ أَخَّر استأنفَ الوضوء؛ قاله مالكٌ والليث، وكذلك قال الشافعيُّ وأبو حنيفةً وأصحابُهما، ورُوي عن الأوزاعيِّ والنَّخَعيِّ، ولم یذکروا مكانه. الثاني: يَستأنفُ الوضوءَ؛ قاله الحسن بنُ حيّ، ورُويَ عن الأوزاعيِّ والنَّخَعيِّ. (١) في النسخ الخطية: ظهورهما، والمثبت من (م)، وهو الموافق للتمهيد ١٤٦/١١. (٢) في (ظ) و(م): بطونهما واقتصر، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق للتمهيد ١٤٧/١١. (٣) في (د) و(ز): عليه. (٤) في (م): ظاهري. (٥) سنن أبي داود (١٦٥)، وسنن الدارقطني (٧٥٢)، وأخرجه أيضاً الترمذي (٩٧)، وابن ماجه (٥٥٠)، وهو عند أحمد (١٨١٩٧)، قال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود ١٢٥/١ - ١٢٦: ضعفه البخاري وأبو زرعة والترمذي وأبو داود والشافعي وابن حزم. (٦) في النسخ: الأولى، والمثبت من (م). ٣٦٣ سورة المائدة: الآية ٦ الثالث: ليس عليه شيءٌ، ويصلِّي كما هو؛ قاله ابنُ أبي ليلى والحسنُ البصريُّ، وهي روايةٌ عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ ﴾(١). السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ وقد مضى في ((النساء)) معنى الجنب(٢). و ((اطَّهَّرُوا)) أمر بالاغتسال بالماء؛ ولذلك رأى عمرُ وابنُ مسعود - رضي الله عنهما - أنَّ الجُنُبَ لا يتيمَّمُ البَّةَ بلَ يَدعُ الصَّلاةَ حتى يجدَ الماء. وقال الجمهورُ من الناس: بل هذه العبارةُ هي لواجد الماءِ، وقد ذكر الجنب بعد في أحكام عادم الماءِ بقولِه: ﴿أَوْ لَمَسْكُمُ النِّسَاءُ﴾، والملامسةُ ههنا الجماع(٣)؛ وقد صحَّ عن عمرَ وابنِ مسعود أنهما رجعا إلى ما عليه الناسُ، وأنَّ الجنبَ يَتَيِّمَّم(٤). وحديثُ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ نصٍّ في ذلك، وهو أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ رأى رجلاً معتزِلاً لم يصلِّ في القوم، فقال: ((يا فلانُ، ما منعك أنْ تُصلِّيَ في القوم))، فقال: يا رسولَ اللهِ أصابتني جنابةٌ ولا ماءَ. قال: ((عليكَ بالصَّعيد، فإنه يكفيك)). أخرجه البخاريُّ(٥). السابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَإِن كُمْ فَرْضَ أَوْ عَى سَفَرٍ أَوْ جَآءُ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ تقدم في ((النساء)) مستوفى(٦)، ونزيدُ هنا مسألةً أصوليةً أغفلناها هناك، وهي تخصيصُ العموم بالعادة الغالبة؛ فإنَّ الغائطَ كنايةٌ عن الأحداث الخارجةِ من المخرجَين كما بيَّنَّاه في ((النساء))، فهو عامٌّ، غير أنَّ جُلَّ علمائِنا خصَّصوا ذلك بالأحداث المعتادةِ الخارجةِ على الوجه المعتادِ، فلو خَرج غيرُ المعتادِ کالحصى والدُّود، أو خرج المعتادُ على وجه السَّلَسِ والمرضِ، لم يكن شيءٌ من ذلك ناقضاً (٧). (١) ينظر التمهيد ١٥٧/١١، والاستذكار ٢٥٣/٢ - ٢٥٤. (٢) ٦/ ٣٣٧ . (٣) المحرر الوجيز ٢/ ١٦٤ . (٤) ينظر مصنف عبد الرزاق ٢٤٢/١، والمجموع ٢٢٦/٢، والمفهم ١/ ٦١٤. (٥) أخرجه مطولاً أحمد (١٩٨٩٨)، والبخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢). (٦) ٦ / ٣٥٤ . (٧) ينظر الاستذكار ٩٢/٢، وعقد الجواهر الثمينة ٥٣/١. ٣٦٤ سورة المائدة: الآية ٦ وإنما صاروا إلى اللفظ؛ لأنَّ اللفظ مهما تقرَّرَ لمدلوله عُرفٌ غالبٌ في الاستعمال؛ سَبَقَ ذلك الغالبُ لفهم السامع حالةَ الإطلاق، وصار غيرُه مما وُضع له اللفظُ بعيداً عن الذِّهن، فصار غيرَ مدلولٍ له، وصار الحالُ فيه كالحال في الدَّابة؛ فإنها إذا أُطلقت سبَقَ منها الذهنُ إلى ذوات الأربع، ولم تَخطُر النملةُ بيال السَّامع، فصارت غيرَ مرادةٍ ولا مدلولة لذلك اللفظِ ظاهراً. والمخالفُ يقول: لا يلزمُ من سبقية الغالبِ أنْ يكونَ النادرُ غيرَ مرادٍ؛ فإنَّ تناوُلَ اللفظِ لهما واحدٌ وضْعاً، وذلك يدلُّ على شعور المتكلِّم بهما قصداً. والأوّلُ أصحُ، وتتمتُه في كُتُب الأصول. الثامنة والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَآءَ﴾؛ روى أبو عبيدةً(١) عن عبد الله بنِ مسعود أنه قال: القُبلةُ من اللمس، وكلُّ ما دونَ الجماع لَمْسٌ؛ وكذلك قال ابن عمر، واختاره محمد بن يزيد قال: لأنه قد ذكر في أوَّلِ الآيةِ ما يجبُ على مَنْ جامعَ في قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾. وقال عبد الله بنُ عبَّاس: اللمسُ والمسُّ والغشيانُ: الجماعُ(٤)، ولكنه عزَّ وجلَّ يَكْني. وقال مجاهدٌ في قول اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُواْ كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. قال: إذا ذَكروا النكاحَ كَنَوا عنه(٥)؛ وقد مضى في ((النساء)» القولُ في هذا البابِ مستوفّى والحمدُ لله(٦). (١) في النسخ: روى عبيدة، ومثله في معاني القرآن للنحاس ٢٧٥/٢، والكلام منه، وهو خطأ، والمثبت من مصادر التخريج. (٢) أخرجه عبد الرزاق (٥٠٠)، وسعيد بن منصور (٦٣٩)، والطبري ٦٩/٧، وابن المنذر ١١٨/١، والطبراني في الكبير (٩٢٢٦)، والدارقطني ١٤٥/١، والبيهقي ١٢٣/١. (٣) أخرجه الطبري ٧/ ٧١ . (٤) في النسخ: والجماع، والمثبت من (م)، وهو الموافق لمعاني القرآن للنحاس ٢٧٥/٢، وأخرج قول ابن عباس ابن منصور في التفسير (٦٤٠)، والطبري ٧/ ٦٣ - ٦٤ بنحوه. (٥) أخرجه الطبري ١٧/ ٥٢٤ . (٦) ٣٦٩/٦ وما بعدها. ٣٦٥ سورة المائدة: الآية ٦ التاسعة والعشرون: قولُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ﴾ قد تقدَّم في ((النساء))(١) أنَّ عدمَه يترتبُ للصَّحيح الحاضرِ؛ بأنْ يُسجنَ أو يُربطَ، وهو الذي يقالُ فيه: إنه إنْ لم يجد ماءً ولا تراباً، وخشيَ خروجَ الوقت؛ اختلف الفقهاء في حكمه على أربعة أقوال : الأوّل: قال ابن خُوَيزِ منداد: الصحيحُ من مذهب مالكِ أنه(٢) لا يُصلي ولا شَيءَ عليه؛ قال: ورواه المدنيُّون عن مالك؛ قال: وهو الصحيحُ من المذهب. وقال ابن القاسم: يُصلِّي ويُعيدُ، وهو قولُ الشافعيِّ. وقال أشهبُ: يُصلي ولا يُعيد. وقال أَصْبَغ: لا يُصلِّي ولا يَقضِي؛ وبه قال أبو حنيفة(٣). قال أبو عمرَ بنُ عبدِ البَرّ(٤): ما أعرفُ كيف أَقْدَمَ ابنُ خُوَيْزِ منداد على أنْ جَعَلَ الصَّحيحَ من المذهب ما ذَكر، وعلى خلافه جمهورُ السَّلفِ وعامةُ الفقهاءِ وجماعةٌ المالكيين، وأظنُّه ذهب إلى ظاهر حديثٍ مالكٍ(٥) في قوله: وليسوا على ماءٍ - الحديثَ - ولم يذكرْ أنهم صلَّوا؛ وهذا لا حجةَ فيه(٦). وقد ذكر هشام بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ في هذا الحديثِ أنهم صلَّوا بغير وضوءٍ (٧)، ولم يذكر إعادةً؛ وقد ذهب إلى هذا طائفةٌ من الفقهاء، قال أبو ثور: وهو القياس. قلت: وقد احتج المُزَنيُّ - فيما ذكر الكَيا الطَّبَريُّ(٨) - بما ذكر في قصة قلادةٍ (١) ٦/ ٣٧٧ . (٢) في (م): على مذهب مالك بأنه. (٣) ينظر التمهيد ٢٧٦/١٩، والاستذكار ١٥٠/٣ - ١٥٣، وأحكام القرآن للجصاص ٣٨٠/٢ - ٣٨١، والنوادر والزيادات ١٠٨/١ - ١٠٩، وأحكام القرآن للكيا ٤٥/٣، وعارضة الأحوذي لابن العربي ٩/١، ولم تذكر المصادر عن أصبغَ القول بعدم القضاء. (٤) في التمهيد ٢٧٥/١٩، وينظر الاستذكار ١٥١/٣. (٥) في الموطأ ٥٣/١ - ٥٤، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٥٤٥٥)، والبخاري (٣٣٤)، ومسلم (٣٦٧). (٦) التمهيد ٢٧٥/١٩ . (٧) سلف ٦/ ٣٥٤ . (٨) في أحكام القرآن ٣/ ٥٥ . ٣٦٦ سورة المائدة: الآية ٦ عائشة رضي الله عنها حينَ ضَلَّتْ، وأنَّ أصحابَ النَّبِيِّ ◌َ # الذين بعثهم لطلب القِلادةِ صلَّوا بغير تيمم ولا وضوء، وأخبروه بذلك، ثم نزلت آيةُ التيمم، ولم يُنكرْ عليهم فعلَها بلا وُضوءٍ ولا تيمم، والتيممُّ متى لم يكنْ مشروعاً، فقد صلَّوا بلا طهارةٍ أصلاً. ومنه قال المُزَني: لا إعادةَ؛ وهو نصٌّ في جواز الصَّلاةِ مع عدم الطهارةِ مطلقاً عندَ تعذُّرِ الوصولِ إليها. قال أبو عمر (١): ولا ينبغي حملُه على المغمَى عليه؛ لأنَّ المغمَى عليه مغلوبٌ على عقله، وهذا معه عقلُه. وقال ابنُ القاسم وسائرُ العلماء: الصلاةُ عليه واجبةٌ إذا كان معه عقلُه، فإذا زال المانعُ له توضّأ أو تيمَّمَ وصلَّى. وعن الشافعيِّ روايتانِ؛ المشهورُ عنه يُصلِّي كما هو ويُعيد؛ قال المُزَنيُّ: إذا كان محبوساً لا يقدرُ على ترابٍ نظيفٍ صلَّى وأعاد؛ وهو قولُ أبي يوسفَ ومحمدٍ والثوريٍّ والطَّبَريِّ. وقال زُفر بنُ الهُذَيل: المحبوسُ في الحضر لا يُصلِّي وإنْ وَجد تراباً نظيفاً. وهذا على أصله، فإنه لا يُتَيمَّمُ عندَه في الحضَر كما تقدّم(٢). وقال أبو عمر: من قال: يُصلِّي كما هو ويُعيدُ إذا قَدر على الطهارة، فإنهم احتاطوا للصلاة بغير طهورٍ؛ قالوا: وقولُه عليه الصلاة والسَّلام: ((لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغير طَهور))(٣) لمن قَدر على ظهورٍ، فأمّا من لم يَقدرْ فليس كذلك؛ لأنَّ (٤) الوقتَ فرضٌ وهو قادرٌ عليه، فيصلِّي كما قَدر في الوقت، ثم يُعيدُ، فيكون قدأخذ بالاحتياط في الوقت والطهارةِ جميعاً. وذهب الذين قالوا: لا يُصلِّي. لظاهر هذا الحديثِ(٥)؛ وهو قولُ مالكِ وابنِ نافعٍ وأَصْبَغَ؛ قالوا: من عَدِمَ الماءَ والصَّعيدَ لم يصلِ ولم يقضِ إِنْ خرج وقتُ الصَّلاة؛ لأنَّ عدمَ قبولِها لعدم شروطِها يدلُّ على أنه غيرُ مخاطَبٍ بها (١) في التمهيد ٢٧٦/١٩ . (٢) ٢١٨/٥، وينظر التمهيد ٢٧٦/١٩ - ٢٧٧، والاستذكار ١٥٣/٣. (٣) أخرجه أحمد (٤٧٠٠)، ومسلم (٢٢٤) من حديث ابن عمر ﴾. (٤) في النسخ: فإن، والمثبت من (م)، وهو الموافق للتمهيد ٢٧٨/١٩ . (٥) ينظر التمهيد ٢٧٧/١٩ - ٢٧٨، والاستذكار ١٥٤/٣. ٣٦٧ سورة المائدة: الآية ٦ حالةَ عدم شروطِها، فلا يترتَّبُ شيءٌ في الذِّمَّة، فلا يَقضي؛ قاله غيرُ أبي عمرَ، وعلى هذا تكونُ الطهارةُ من شروط الوجوب(١). الموفية ثلاثين: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ قد مضى في ((النساء)) اختلافُهم في الصَّعيد(٢)، وحديثُ عِمرانَ بنِ حُصَينٍ(٣) نصّ على ما يقوله مالك؛ إذْ لو كان الصَّعيدُ الترابَ لقال عليه الصَّلاة والسَّلامُ للرجل (٤): عليك بالتراب، فإنه يكفيك، فلما قال: ((عليك بالصَّعيد)) أحاله على وجه الأرض، والله أعلم. ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ تقدَّم في ((النساء)) الكلامُ فيه، فتأمَّلْه هناك(٥). الحادية والثلاثون: وإذا انتهى القولُ بنا في الآي إلى هنا، فاعلمْ أنَّ العلماءَ تكلَّموا في فضل الوضوءِ والطهارةِ، وهي خاتمةُ البابِ: قال ◌َ﴾: ((الظُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ)) الحديث. أخرجه مسلم(٦) من حديث أبي مالكِ الأشعريِّ، وقد تقدَّم في ((البقرة)) الكلامُ فيه. قال ابن العربي: والوضوءُ أصلٌ في الدِّين، وطهارةُ المسلمين، وخصوصاً(٧) لهذه الأمةِ في العالمين. وقد رُوي أنَّ النَّبيَّ :﴿ توضأ، وقال: «هذا وُضوئي ووضوءُ الأنبياءِ من قَبْلي، ووُضوءُ خليلي (٨) إبراهيمَ))، وذلك لا يصحُ (٩). (١) المفهم ٤٧٨/١ وينظر التمهيد ٢٧٦/١٩، والاستذكار ١٥٢/٣، وأحكام القرآن للكيا ٥٤/٣، وعقد الجواهر الثمينة ٨٢/١ ، وينظر الكلام على قول أصبغ قريباً. (٢) ٣٩٠/٦. (٣) سلف في المسألة السادسة والعشرين. (٤) في (ز) و(ظ): لرجل، والمثبت من (د) و(م). (٥) ٦/ ٣٩٤. (٦) برقم (٢٢٣)، وسلف ٢٠٤/١ و٤٤٣/٢ . (٧) عبارة ابن العربي في القبس ١١٦/١: وخصيصة. (٨) في (م): أبي. (٩) القبس ١١٥/١ - ١١٦، والحديث أخرجه ابن ماجه (٤١٩) من حديث ابن عمر ﴾، وهو عند أحمد (٥٧٣٥) دون قوله: ((ووضوء خليلي إبراهيم)). قال أبو حاتم: لا يصح هذا الحديث، وقال أبو زرعة: حديث واه، العلل لابن أبي حاتم ١/ ٤٥، وقال ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٦٠: لا أصل له. ٣٦٨ سورة المائدة: الآية ٦ قال غيره: ليس هذا بمعارِضٍ لقوله عليه الصَّلاة والسلام: ((لكم سِيما ليست لغيركم)) (١)، فإنهم كانوا يتوضؤون، وإنما الذي خصَّ به هذه الأمة الغُرَّة والتَّحجيل لا بالوضوء(٢)، وهما تفضُّلٌ من الله تعالى اختص بهما هذه الأمة شرفاً لها ولنبيِّها ﴾ كسائر فضائِلها على سائر الأمم، كما فُضِّل نبيُّها* بالمقام المحمودِ وغيرِه على سائر الأنبياء، والله أعلم(٣). قال أبو عمر(٤): وقد يجوزُ أنْ يكونَ الأنبياءُ يتوضؤون، فيكتسِبون بذلك الغُرَّة والتَّحجيلَ، ولا يتوضأُ أتباعُهم كما جاء عن موسى عليه السَّلامُ قال: يا ربِّ، أجِدُ أمّةً كلُّهم كالأنبياء، فاجعلها(٥) أمّتي، فقال: تلكَ أمّةُ محمدٍ. في حديثٍ فيه طولٌ(٦). وقد رَوى سالم بنُ عبد الله بنِ عمرَ عن كعب الأحبار أنه سمع رجلاً يحدِّثُ أنه رأى رؤيا في المنام أنَّ الناس قد جُمِعوا للحساب؛ ثم دُعي الأنبياءُ؛ مع كلِّ نبيٍّ أُمتُه، وأنه رأى لكل نبيِّ نُورينٍ يمشي بينهما، ولمن اتبعَه من أمته نوراً واحداً يمشي به، حتى دُعي بمحمدٍ ﴾، فإذا شَعْرُ رأسِه ووجهُه نُورٌ كلُّه؛ يراه كلُّ من نَظر إليه، وإذا لمن اتبعه من أمته نُورانِ كُنُور الأنبياءِ. فقال كعب(٧) وهو لا يَشعُر أنها رؤيا: (١) قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم (٢٤٧). وقوله: سيما: العلامة، يمد ويهمز، ويقصر ويترك همزه. المفهم ١/ ٥٠٦ . (٢) في المفهم ٥٠٦/١ : لأن الخصوصية بالغرة والتحجيل، لا بالوضوء. (٣) ينظر التمهيد ٢٥٨/٢٠، والمفهم ١/ ٥٠٦ . (٤) في التمهيد ٢٥٨/٢٠ . (٥) في (د) و(ز): فاجعلهم، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للتمهيد. (٦) كذا ابن عبد البر في التمهيد. وأخرجه الطبري ١٠/ ٤٥٢ - ٤٥٤، وابن أبي حاتم ١٥٦٤/٥ عن قتادة في قوله: ﴿وأخذ الألواح﴾ قال: ربِّ إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، اجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد ... في حديث طويل، وليس فيه لفظ ابن عبد البر، ولعله ذكره بالمعنى. قال ابن كثير عند تفسير الآية (١٥٠) من الأعراف: لا يصح إسناده، وقد رده ابن عطية [في المحرر الوجيز ٢/ ٤٥٧] وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ... وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٨٥/٥ - ٣٨٦ من قول كعب دون هذه اللفظة. (٧) في (د) و(م): فقال له كعب، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق للتمهيد ٢٥٩/٢٠ . ٣٦٩ سورة المائدة : الآية ٦ من حدَّثك بهذا الحديثِ، وما علمك(١) به؟ فأخبره أنها رؤيا؛ فأنشَدَه كعبٌ باللهِ(٢) الذي لا إلهَ إلا هو: لقد رأيتَ ما تقولُ في منامك؟ فقال: نعم واللهِ، لقد رأيتُ ذلك؛ فقال كعبٌ: والذي نفسي بيده - أو قال: والذي بعثَ محمداً بالحقِّ - إنَّ هذه لصفةُ أحمدَ وأُمَّتِهِ، وصفةُ الأنبياءِ في كتاب الله، لكأنَّ ما تقولُه من التوراة. أسنده في کتاب التمهيد. قال أبو عمر (٣): وقد قيل: إنَّ سائرَ الأمم كانوا يتوضؤون، واللهُ أعلم؛ وهذا لا أعرفُه من وجهٍ صحيحٍ. وخرَّج مسلم عن أبي هُرَيرة أنَّ رسولَ اللهِل:﴿ قال: «إذا توضأ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ، فغسلَ وجهَه، خرج من وجهه كلُّ خطيئةٍ نظرَ إليها بعينيه مع الماءِ، أو آخرٍ قَظْرِ الماء، فإذا غَسَل يديه خَرج من يديه كلُّ خطيئةٍ كان بطشتْها يداه مع الماءِ، أو مع آخرِ فَظْرِ الماء، فإذا غسل رجليه خَرجتْ(٤) كلُّ خطيئةٍ كانَ مشتْها رجلاه مع الماءِ، أو مع آخرِ فَظْرِ الماء حتى يَخرِجَ نقِيًّا من الذنوب))(٥). وحديثُ مالك(٦) عن عبد اللهِ الصُّنَابِحِيِّ أكملُ. والصوابُ(٧) أبو عبدِ اللهِ لا عبدُ الله، وهو مما وَهِمَ فيه مالكٌ، واسمه عبدُ الرحمن بنُ عُسَيْلةَ، تابعيٍّ شاميٌ كبيرٌ لإدراكه أوَّلَ خلافة أبي بكر (٨)؛ قال أبو عبد الله (١) في (ظ): ومن علمك، وعبارة ابن عبد البر في التمهيد ٢٥٩/٢٠، والكلام منه: وما أعلمك. (٢) في (د) و(ز) و(م): اللهِ، وفي (ظ): والله، والمثبت من التمهيد. (٣) في التمهيد ٢٥٩/٢٠ ، وما قبله فيه. (٤) في النسخ: خرج، والمثبت من (م)، وهو الموافق لصحيح مسلم (٢٤٤). (٥) صحيح مسلم (٢٤٤)، وهو عند أحمد (٨٠٢٠). (٦) في الموطأ ٣١/١، وأوله: ((إذا توضأ العبد المؤمن، فتمضمضَ، خرجت الخطايا من فيه ... )) وسلفت قطعة منه ص ٣٤٢ من هذا الجزء . (٧) قوله: والصواب ... الخ استطراد من المصنف لتصحيح اسم راوي الحديث ليس إلا. (٨) ينظر التمهيد ٣/٤ - ٥، وفيه: دفنًّا رسول الله ﴾ منذ خمس، وفي صحيح البخاري (٤٤٧٠): خمسة أیام. ٣٧٠ سورة المائدة: الآيتان ٦ - ٧ الصُّنَابِحِيُّ: قدمتُ مهاجراً إلى النَّبِيّ ﴾ من اليمن، فلما وصلْنا الجُحْفةَ؛ إذا براكبٍ قلنا له: ما الخبرُ؟ قال: دفَنَّا رسولَ اللهِ ﴾ منذُ ثلاثةِ أيامٍ. وهذه الأحاديثُ وما كان في معناها من حديث عمر بنِ عَبَسَةٍ (١) وغيره تفيدُك أنَّ المرادَ بها كون الوضوءِ مشروعاً عبادة لدحض الآثام؛ وذلك يقتضي افتقاره إلى نيَّةِ شرعيةٍ (٢)؛ لأنه شُرع لمحو الإثمِ، ورفعِ الدَّرجاتِ عند الله تعالى. الثانية والثلاثون: قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اَللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج﴾، أي: من ضِيقٍ في الدِّين؛ دليلُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الذِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾. و((مِن)) صلةٌ، أي: ليجعلَ عليكم حرجاً. ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لُطَهِرَكُمْ﴾، أي: من الذنوب كما ذكرنا من حديث أبي هُريرةَ والصُّنَابِحِيِّ. وقيل: من الحدث والجنابةِ(٣). وقيل: لتَستحقُّوا الوصفَ بالطهارة التي يُوصفُ بها أهلُ الطاعة. وقرأ سعيد بنُ المسيِّب: ((لِيُظهِركم))(٤) والمعنى واحدٌ، كما يقال: نجَّاه وأنجاه. ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾، أي: بالترخّص(٥) في التيمم عند المَرَضِ والسَّفرِ، وقيل: بتِبْيَانِ الشَّرائعِ، وقيل: بغفرانِ الذنوبِ(٦)؛ وفي الخبر: ((تمامُ النِّعمةِ دخولُ الجنَّةِ، والنجاةُ من النَّار))(٧). ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي لتشكروا نعمتَه، فتُقبِلوا على طاعته. قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَقَّهُ الَّذِى وَاتَّقَكُم بِهِ* إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَعْنَأْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيَّكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاَنَّفَكُم بِهِ﴾. قيل: هو (١) أخرجه أحمد (١٧٠١٩)، ومسلم (٨٣٢) مطولاً. (٢) لفظة: شرعية، من (م). (٣) ينظر تفسير أبي الليث ١/ ٤٢٠، والوسيط ١٦٣/٢ . (٤) القراءات الشاذة ص٣١، والمحرر الوجيز ٢/ ١٦٤. (٥) في (م): بالترخيص. (٦) ينظر زاد المسير ٣٠٦/٢ . (٧) قطعة من حديث معاذ ﴾ أخرجه أحمد (٢٢٠١٧)، والترمذي (٣٥٢٧). ,٠ ٣٧١ سورة المائدة: الآية ٧ الميثاقُ الذي في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَفِيَ ءَآدَمَ﴾؛ قاله (١) مجاهدٌ وغيره. ونحن وإنْ لم نذكرْه فقد أخبرَنا الصَّادقُ به، فيجوزُ أنْ نؤمرَ بالوفاء به. وقيل: هو خطابٌ لليهود بحفظ ما أُخِذَ عليهم في الثَّوراة، والذي عليه الجمهورُ من المفسِّرين كابن عباسٍ والسُّدِّيِّ: هو العهدُ والميثاق الذي جرى لهم مع النبيِّ ﴾ على السَّمع والطّاعةِ في المَنْشَط والمَكْرَه إذ قالوا: سمعنا وأطعنا(٢)، كما جرى ليلةَ العقبة وتحتَ الشجرة(٣)، وأضافه تعالى إلى نفسه كما قال: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، فبايعوا رسولَ اللهِ ﴾ عند العَقَبة على أنْ يمنعوه مما يمنعون منه أنفسَهم ونساءهم وأبناءهم، وأنْ يرحلَ إليهم هو وأصحابُه، وكان أوّلَ من بايعه البَرَاءُ بنُ مَعْرور، وكان له في تلك الليلةِ المقامُ المحمود في التَوثَّق لرسول اللـه ﴾، والشدِّ لعقد أمرِه، وهو القائل: والذي بعثك بالحقِّ لنَمنعنَّك مما نمنعُ منه أُزُرَنا(٤)، فبابِعْنا يا رسولَ الله، فنحن واللهِ أبناءُ الحروبِ وأهلُ الحلْقةِ(٥)؛ ورِثْناها كابراً عن كابر. الخبر المشهور في سيرة ابن إسحاق(٦). ويأتي ذكر بيعةِ الرّضوانِ(٧) في موضعها(٨). وقد اتصل هذا بقوله تعالى: ﴿أَوَقُواْ بِالْعُقُودٍ﴾، فوقَوْا بما قالوا؛ جزاهم الله تعالى عن نبيِّهم وعن الإسلام خيراً، ورضي الله عنهم وأرضاهم. ﴿وَأَتَّقُوا اللَّهَ﴾، أي: في مخالفته، إنه عالمٌ بكل شيء. (١) في النسخ: قال، والمثبت من (م)، وقول مجاهد في تفسيره: ١٨٧، وأخرجه الطبري ٢٢٠/٨ . (٢) تفسير الطبري ٨/ ٢٢٠، والمحرر الوجيز ١٦٥/٢ . (٣) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٤٤٠ - ٤٤٢ و٣١٥/٢، والدرر في اختصار المغازي والسير ص٦١ . (٤) قوله: أُزُرنا، أي: نساءنا وأهلَنا، كنى عنهنَّ بالأُزر، وقيل: أراد أنفسنا. النهاية (أزر). (٥) أي: السلاح. (٦) السيرة النبوية ١/ ٤٤٢ لابن هشام، والدرر في اختصار المغازي والسير ص ٦٢ . (٧) في (ز) و(ظ): الشجرة، والمثبت من (د) و(م). (٨) عند تفسير الآية (١٠ و١٨) من سورة الفتح. ٣٧٢ سورة المائدة: الآيات ٨ - ١٠ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَِّينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلْتَّقْوَنَّ وَأَتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿ وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِّ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ وَالَّذِينَ كَغَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ اَلْجَحِيمِ قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْ فَوَمِينَ﴾ الآية تقدَّم معناها في ((النساء))(١). والمعنى: أتممتُ عليكم نعمتي، فكونوا قوّامين لله، أي: لأجل ثواب الله؛ فقوموا بحقِّه، واشهدوا بالحقّ من غير مَيْلٍ إلى أقاربكم، وحَيْفٍ على أعدائكم، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ﴾ على تَرْك العدل وإيثار العدوان على الحقّ. وفي هذا دليلٌ على نُفوذ حكم العدوّ على عدوّه في الله تعالى ونُفوذ شهادته عليه؛ لأنه أُمِرَ بالعدل وإنْ أبغضه، ولو كان حكمه عليه وشهادتُه لا تجوز فيه مع البُغض له لما كان لأمره بالعدل فيه وَجْهُ(٢). ودلَّت الآيةُ أيضاً على أنّ كفرَ الكافر لا يمنع من العَدْل عليه، وأن يقتصرَ بهم على المستحقّ من القتال والاسترقاق(٣)، وأنّ المُثْلةَ بهم غيرُ جائزة وإنْ قتلوا نساءنا وأطفالنا وغَمُّونا بذلك؛ فليس لنا أن نقتلَهم بمُثْلةٍ قصداً لإيصال الغمِّ والحزن إليهم؛ وإليه أشار عبدُ الله بن رواحة بقوله في القصة المشهورة: [حُبِّ له وبُغضي لكم لا يمنعني من أنْ أعدِلَ فيكم](٤)؛ هذا معنى الآية. وتقدّم في صدر هذه السورة معنى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ﴾(٥). وقرِئ: (وَلَا يُجْرِمَنَّكُمْ)) قال الكسائي: هما لغتان. وقال الزَّجاج: معنى ((لَا (١) في تفسير الآية (١٣٥) منها. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٥٨٣/٢ . (٣) في أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ٦٠ (والكلام منه): من القتل والأسر. وما سيأتي بين حاصرتين منه. (٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه (٥١٩٩)، والبيهقي في السنن الكبرى ١١٤/٦ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مطولاً. (٥) ص٢٦٥ من هذا الجزء . ٣٧٣ سورة المائدة: الآيات ٨ - ١١ يُجْرِمَنَّكُمْ)): لا يُدخِلَنَّكُم في الجُزْم؛ كما تقول: آثمني، أي: أدخلني في الإثم(١). ومعنى ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىَ﴾ أي: لِأَنْ تتقوا الله. وقيل: لِأَنْ تتقوا النار. ومعنى ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: قال اللهُ في حقِّ المؤمنين: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: لا يعرفُ(٢) كُنْهَه أفهامُ الخَلْقِ، كما قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وإذا قال الله تعالى: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ و﴿أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ و﴿أَخْرٌ كَبِيرٌ﴾ فمن ذا الذي يقدر قَدْرَه؟. ولما كان الوعدُ من قَبيل القول حَسُنَ إِذْخالُ اللام في قوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ وهو في موضع نصب؛ لأنه وقع موقعَ الموعود به، على معنى وعدَهم أنّ لهم مغفرةً، أو وعدَهم مغفرةً إلا أن الجملةَ وقعتْ موقعَ المفرد؛ كما قال الشاعر: وَجَدْنا الصَّالحين لهم جزاءٌ وَجَنَّاتٍ وعيناً سلسبيلا(٣) وموضع الجملة نصب، ولذلك عطفَ عليها بالنصب. وقيل: هو في موضع رَفْع على أن يكون الموعودُ به محذوفاً؛ على تقدير: لهم مغفرةٌ وأجرٌ عظيم فيما وعدَهم به (٤). وهذا المعنى عن الحسن. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نزلت في بني النَّضِير. وقيل: في جميع الكفار. قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنِكُمْ وَتَّقُواْ اللَّهَ وَعَلَى اَللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ (١) معاني القرآن للزجاج ١٥٦/٢. ونقله المصنف عنه بواسطة معاني القرآن للنحاس ٢٧٧/٢ . وقراءة: ((ولا يُجرمنَّكم)) بضم الياء لابن مسعود، وهي قراءة شاذة، وسلفت هي وقول الكسائي ص٢٦٦-٢٦٧ من هذا الجزء. (٢) في (م): لا تعرف. (٣) أورده سيبويه في كتابه ٢٨٨/١ . ونسبه لعبد العزيز الكلابي. والمبرد في المقتضب ٢٨٤/٣. (٤) ينظر مجمع البيان ٦/ ٤٥ . ٣٧٤ سورة المائدة: الآية ١١ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾. قال جماعةٌ: نزلتْ بسبب فِعْل الأعرابيّ في غزوة ذات الرِّقَاع حين اخترط(١) سيفَ النبيِّ ﴿ وقال: مَنْ يَعصِمُكَ مني يا محمد؟؛ كما تقدَّم في ((النساء))(٢). وفي البخاري: أنَّ النبيَّ ◌َ# دعا الناسَ فاجتمعوا وهو جالسٌ عند النبي ﴾ ولم يُعاقبه(٣). وذكر الواقديّ وابن أبي حاتم [عن أبيه] أنه أسلم. وذكر قومٌ أنه ضربَ برأسه في ساق الشجرة حتى مات. وفي البخاري في غزوة ذاتِ الرِّقاع أنَّ اسمَ الرجل غَوْرَث بن الحارث(٤)؛ بالغين منقوطة مفتوحة وسكون الواو بعدها [راء و] ثاء مثلثة، وقد ضمَّ بعضُهم الغين، والأوّل أصحُ(٥). وذكر أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي وأبو عبد الله محمدُ بن عمر الواقديّ أن اسمه دُعْثُور بن الحارث، وذكر أنه أسلم كما تقدّم (٦). وذكر محمدُ بن إسحاق أنَّ اسمه عمرو بن جَخَّاش، وهو أخو بني النَّضِيرِ(٧). وذكر بعضُهم أن قصةً عمرو بن جَخَّاش في غير هذه القصة(٨). والله أعلم. (١) أي: سله من غمده. النهاية (خرط). (٢) ٥/ ٣٧٢ . (٣) صحيح البخاري (٤١٣٥) من حديث جابر ﴾، وهو في مسند أحمد (١٤٣٣٥)، وصحيح مسلم ص١٧٨٦ (١٣) كتاب الفضائل، باب توكّله 8# على الله تعالى. (٤) صحيح البخاري إثر الحديث (٤١٣٦)، وينظر المحرر الوجيز ١٦٧/٢، وما بين حاصرتين منه. (٥) ينظر إكمال المعلم ٢٤٧/٧ . (٦) ينظر مغازي الواقدي ١٩٤/١ - ١٩٥، والجرح والتعديل ٣/ ٤٤١ . (٧) السيرة النبوية ٢٠٦/٢، وفيها: أن ابن إسحاق حدَّث عن يزيد بن رومان أن الآية أنزلت في عمرو بن جخَّاش وما همَّ به. وقصته غير قصة غورث بن الحارث، وانظر التعليق التالي. (٨) ينظر السيرة النبوية ٥٦٣/١، والمحرر الوجيز ١٦٦/٢، وقصة عمرو بن جخَّاش - كما في السيرة النبوية - أن رسول الله # خرج إلى بني النضير يستعينهم في ديّة العامريَّين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فلما خلا بعضهم ببعض قالوا: لن تجدوا محمداً أقربَ منه الآن، فمن رجل يظهر على هذا البيت، فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جخَّاش بن كعب: أنا، فأتى رسول الله ﴾ الخبر، فانصرف عنهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُلُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية. ٣٧٥ سورة المائدة: الآيتان ١١ - ١٢ وقال قَتَادة ومجاهد وغيرهما: نزلتْ في قوم من اليهود جاءهم النبيُّ ◌َ﴿ يَستعينهم فِي دِيَةٍ، فَهُمُّوا بقتله :﴿ فمنعه اللهُ منهم(١). قال القُشَيري: وقد تنزل الآيةُ في قصة، ثم ینزلُ ذِكْرها مرةً أخرى لاذکار ما سبق. ﴿أَنْ يَبْسُطُوَأْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: بالسوء ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾ أي: مَنْعَهم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِى إِسْرَِّيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنَّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الضَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِ وَعَزَّرْتُهُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضَا حَسَنًا لَّأُكَفْرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأِْلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَ سَوَآءَ السَّبِيلِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ بَنِى إِسْرَِّيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا﴾ فيه ثلاثُ مسائل : الأولى: قال ابن عطية: هذه الآياتُ المتضمنةُ الخبرَ عن نَقْضهم مواثيقَ الله تعالى تقوِّي أن الآيةَ المتقدِّمة في كفِّ الأيدي إنما كانت في بني النَّضِير. واختلف أهلُ التأويل في كيفية بعثه(٢) هؤلاء النقباءَ بعد الإجماع على أن النَّقيبَ كبيرُ القوم، القائمُ بأمورهم، الذي يُنَقِّب عنها وعن مصالحهم فيها. والنِّقاب: الرجلُ العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة؛ ومنه قيل في عمره: إنه كان لَنِقاباً(٣). (١) قول مجاهد في تفسيره: ١٨٧ - ١٨٨، وأخرجه الطبري ٢٢٨/٨ و٢٢٩، وقول قتادة أخرجه الطبري أيضاً ٨/ ٢٣٢، بنحو قصة الأعرابي السالفة دون ذكر اسمه. وذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٦٧ مختصراً. (٢) في (م): بعث. (٣) المحرر الوجيز ١٦٧/٢ - ١٦٨، والأثر الذي في عمر لم نقف عليه، وأخرج البيهقي في السنن الكبرى ٢٥٢/٦، وأورد الميداني في مجمع الأمثال ١٩/١ وابن الأثير في النهاية ١٢٣/٥ من كلام الحجاج بن يوسف في ابن عباس رضي الله عنهما لما سأل الشعبيَّ عن فريضة أم وأخت وجدّ، فأخبرِه باختلاف الصحابة فيها حتى ذكر ابنَ عباس رضي الله عنهما، فقال الحجاج: إنْ كان ابنُ عباس لَنِقاباً. ورواية البيهقي: لَمِثْقباً. ٣٧٦ سورة المائدة: الآية ١٢ فالنُّقباء: الضُّمَّان، واحدُهم نقيب، وهو شاهدُ القوم وضَمِينُهم؛ يقال: نَقَب عليهم، وهو حَسَنُ النُّقْبَةُ (١)، أي: حَسَنُ الخَليقة. والنَّقْب والنُّقْب: الطريق في الجبل. وإنما قيل: نقيب؛ لأنه يعلم دخيلةً أمر القوم، ويعرِف مناقِيَهم، وهو الطريقُ إلى معرفة أمورهم. وقال قومٌ: النُّقباء: الأُمَناء على قومهم. وهذا كلُّه قريبٌ بعضُه من بعض. والنَّقيب أكبرُ مكانةً من العَريف(٢). قال عطاء بن يسار: حَمَلةُ القرآن عُرفاءُ أهل الجنة. ذكره الدَّارميّ في («مسنده))(٣). قال قَتَادة رحمه الله وغيره: هؤلاء النُّقباء قومٌ كِبار من كل سِبْط، تكفَّل كلُّ واحد بسِبْطه(٤) بأنْ يؤمنوا ويتَّقوا الله. ونحو هذا كان الُّقباء ليلةَ العَقَبة؛ بايع فيها سبعون رجلاً وامرأتان، فاختار رسولُ الله ﴿ من السبعين اثني عشر رجلاً، وسمَّاهم النُّقباءَ اقتداءً بموسى ﴾(٥). وقال الربيع والسُّدِّيّ(٦) وغيرهما: إنما بُعِثَ الُّقباءُ من بني إسرائيل أُمناءَ على الاطلاع على الجبَّارين والسَّبْر لقوَّتهم ومَنَّعَتهم، فساروا لِيختبروا حالَ من بها، ويُعلِموه بما اطّلعوا عليه فيها حتى ينظرَ في الغزو إليهم، فاطّلعوا من الجبّارين على قوَّة عظيمة - على ما يأتي(٧) - وظنُّوا أنهم لا قِبَلَ لهم بها؛ فتعاقدوا بينهم على أن (١) في (م): النقيبة. (٢) ينظر تهذيب اللغة ٩/ ١٩٧، ومجاز القرآن لأبي عبيدة ١٥٦/١، وتفسير الطبري ٢٣٥/٨. (٣) الحديث (٣٤٨٥). وفي إسناده إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، وهو ضعيف، كما في تهذيب التهذيب ٨٨/١. وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٨٩٩) وابن الجوزي في الموضوعات ١٨٤/١ من حديث الحسين بن علي رضي الله عنهما مرفوعاً، وفي إسناده إسحاق بن إبراهيم بن سعيد المدني، قال فيه أبو زرعة: منكر الحديث، ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: لَيِّن. انظر ميزان الاعتدال ١٧٦/١ . وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصحّ. ثم أخرجه عن أنس﴾ وقال: هذا حديث موضوع على رسول الله ﴾. (٤) في (د) و(ظ): يكفل كل واحد سِبْطَه، وفي (ز): فكفل كل واحد سبطه، والمثبت من (م)، والمحرر الوجيز ١٦٨/٢ والكلام منه إلى آخر هذه المسألة. (٥) ينظر السيرة النبوية ١/ ٤٤٢ وما بعدها. (٦) أخرج قولهما الطبري ٢٤٢/٨ و ٢٣٧ . (٧) انظر ص٣٩٦-٣٩٧ من هذا الجزء. ٣٧٧ سورة المائدة: الآية ١٢ يُخفوا ذلك عن بني إسرائيل، وأنْ يُعلموا به موسى عليه السلام، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرةٌ، فعرَّفوا قراباتِهم ومن وَثِقوه على سِرِّهم، ففشا الخبرُ حتى اعوجَّ أمرُ بني إسرائيل فقالوا: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. الثانية: ففي الآية دليلٌ على قَبول خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء، ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدِّينية والدُّنيوية، فتُركّب عليه الأحكام، ويرتبط به الحلالُ والحرام؛ وقد جاء أيضاً مثله في الإسلام، قال :﴿ لهَوَازِن: ((ارجِعوا حتى يَرفع إلينا عُرفاؤكم أمرَكم)) أخرجه البخاري(١). الثالثة: وفيها أيضاً دليلٌ على اتّخاذ الجاسوس. والتَّجسُّسُ: التَّبحُّث. وقد بعثَ رسولُ اللـهِ:﴿ بُسَيْسَةَ عيناً؛ أخرجه مسلم(٢). وسيأتي حكمُ الجاسوس في ((الممتحنة)) إن شاء الله تعالى(٣). وأما أسماءُ نُقَباء بني إسرائيل؛ فقد ذكر أسماءَهم محمدُ ابن حبيب(٤) في (المُحبَّر))(٥)، فقال: من سِبط روبيل: شموع بن زكّور، ومن سبط شمعون: شوقوط (١) الحديث (٢٣٠٧) و(٢٣٠٨) من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة رضي الله عنهما. وهو في مسند أحمد (١٨٩١٤). والمسألة في أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٨٤ . (٢) الحديث (١٩٠١)، وهو في مسند أحمد (١٢٣٩٨). وقوله: بُسيسة، وقع في (ظ): وسيسة، وهو تحريف، وفي (م) والإصابة ٢٤٢/١: بَسْبَسَة، ولم تجوَّد في (ز)، والمثبت من (د) وصحيح مسلم. قال القاضي عياض في إكمال المعلم ٣٢٢/٦ : كذا في جميع النسخ بياء باثنتين تحتها بين السينين، مصغّراً، وكذا ذكره أبو داود [٢٦١٨] وأصحاب الحديث، والمعلوم في كتب السير: بسبس، بباء واحدة غير مصغّر، وهو بسبس بن عمرو، ويقال: ابن بشر من الأنصار من الخزرج. وقال الإمام النووي في شرح مسلم ٤٤/١٣ : يجوز أن يكون أحد اللفظين اسماً له والآخر لقباً. (٣) في تفسير الآية الأولى منها. (٤) عالم بالنسب وأخبار العرب، مُكثِرٌ من رواية اللغة، موثّقاً في روايته، وحبيب اسم أمه. توفي سنة (٢٤٥ هـ). إنباه الرواة ١١٩/٣. (٥) ص ٤٦٤ . ٣٧٨ سورة المائدة: الآية ١٢ ابن حوري، ومن سبط يهوذا كالب بن يوقنّا، ومن سبط الساحر(١): يغوول بن يوسف، ومن سبط أفراثيم بن يوسف: يوشع بن نون، ومن سبط بنيامين: يلطى بن روقو، ومن سبط ربالون: كرابيل بن سودا، ومن سبط منشا بن يوسف: كدى بن سوشا، ومن سبط دان: عمائيل بن كسل، ومن سبط شير: ستور بن ميخائيل، ومن سبط نفتال: يوحنا بن وقوشا، ومن سبط كاذ: كوال بن موخى. فالمؤمنان منهم يوشع وكالب، ودعا موسى عليه السلام على الآخرين فهلكوا مَسخوطاً عليهم؛ قاله الماورديّ(٢). وأما نُقباءُ ليلة العَقَبة فمذكورون في سيرة ابن إسحاق فَليُنظَرْ هناك(٣). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الضَّلَوَةَ﴾ الآية. قال الربيع بن أنس: قال ذلك للنُّقباء. وقال غيره: قال ذلك لجميع بني إسرائيل(٤). وكُسِرتْ ((إنّ)) لأنها مُبتدأة. ((معكم)) منصوبٌ لأنه ظرف، أي: بالنصر والعَوْن. ثم ابتدأ فقال: ﴿لَبِنَّ أَقَمْتُمُ الضَّلَوَةَ﴾ إلى أن قال: ﴿لَأُكَفِرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: إنْ فعلتُم ذلك ﴿وَلَأُدِْنَّكُمْ جَنَّتٍ﴾. واللام في ((لَئِنْ)) لامُ توكيد، ومعناها القَسم؛ وكذا ﴿لَأُكَفِرَنَّ عَنكُمْ﴾، ﴿وَلَأُِّلَّكُمْ﴾(٥). وقيل: المعنى لئن أقمتم الصلاة لأكفرن عنكم سيئاتكم، وتضمن شرطاً آخر لقوله: (لَأُكَفِّرَنَّ)، أي: إنْ فعلتُم ذلك لأكفرنَّ. وقيل: قوله: ((لَئِن أَقمتُم الصلاةَ» جزاءٌ لقوله: ((إنِّي معكم)) وشرطٌ لقوله: ((لَأُكَفِّرَنَّ)). (١) في المحبَّر: إساخر. قال أبو حيان في البحر المحيط ٣/ ٤٤٤: ذكر محمد بن حبيب في المحبر أسماء هؤلاء النقباء الذين اختارهم موسى في هذه القصة بألفاظ لا تنضبط حروفها ولا شكلها، وذكرها غيره مخالفة في أكثرها لما ذكره ابن حبيب، لا تنضبط أيضاً. ١هـ. وينظر تفسير الطبري ١١٤/١٠ - ١١٦ (تحقيق الشيخ محمود شاكر رحمه الله). (٢) نقله عنه المصنف بواسطة السهيلي في التعريف والإعلام ص٤٨، وينظر النكت والعيون ٢٦/٢ . (٣) السيرة النبوية ٤٤٣/١ . (٤) ينظر المحرر الوجيز ١٦٨/٢، وقول الربيع أخرجه الطبري ٢٤٢/٨. (٥) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٢/ ١١ . ٣٧٩ سورة المائدة: الآيتان ١٢ - ١٣ والتَّعْزير: التَّعظيم والتوقير؛ وأنشد أبو عُبيدة: وكم من ماجِد لهمُ كريم ومن ليثٍ يُعَزَّرُ في النَّديّ(١) أي: يُعّم ويُوقَّر. والتّعزير: الضربُ دون الحدّ، والرّدُّ؛ تقول: عَزَّرتُ فلاناً إذا أَذَّبَتَه وردَدْتَه عن القبيح. فقوله: ((عَزَّرتُموهم)) أي: رَدَدْتُم عنهم أعداءَهم. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني الصَّدقات؛ ولم يقل: إقراضاً، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف الصدر (٢) كقوله: ﴿وَاَللَّهُ أَنْبَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، ﴿فَقَبَِّهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] وقد تقدَّم (٣). ثم قيل: ((حسناً)) أي: طيّبة بها نفوسُكم. وقيل: يبتغون بها وجه الله. وقيل: حلالاً. وقيل: ((قرضاً)) اسم لا مصدر (٤). ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ أي: بعد الميثاق. ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَبِيلِ﴾ أي: أخطأ قَصْدَ الطريق. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّينَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَنْسِيَةٌ يُحَرَفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَنَسُواْ حَظًا مِّمَا ذُكِرُواْ بِّ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَيْنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ١٣ قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ﴾ أي: فبنقضهم ميثاقهم، ((ما)) زائدة للتوكيد، عن قتادة(٥) وسائر أهل العلم؛ وذلك أنها تُؤكِّد الكلام؛ بمعنى تُمكِّنه في النفس من جِهة حُسْنِ النّظم، ومن جهة تكثيره للتوكيد، كما قال: لِشيء ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسودُ(٦) (١) مجاز القرآن ١/ ١٥٧. وقوله: النَّديّ: هو مجلس القوم ومتحدَّثُهم، ومثله النادي والمُنْتَدى والنَّدوة. مختار الصحاح (ندا). (٢) في (م): المصدر. (٣) ١٠٤/٥، وينظر تفسير الطبري ٢٤٥/٨، وتفسير الرازي ١٨٦/١١. (٤) ينظر معاني القرآن للزجاج ٣٢٥/١، وتفسير الرازي ١٧٩/٦ . (٥) أخرجه الطبري ٢٤٩/٨ . (٦) قائله أنس بن مدرك الخثعمي، وصدره: عزمت على إقامة ذي صباح. وهو في كتاب سيبويه ١/ ٢٢٧، والبيان والتبيين ٣٥٢/٢، وخزانة الأدب ٩١/٣. ووقع عند بعضهم؛ لأمرٍ ما، بدل: لشيء ما. ٣٨٠ سورة المائدة: الآية ١٣ فالتأكيدُ بعلامةٍ موضوعة کالتأكيد بالتکریر. ﴿لَعَنَّهُمْ﴾ قال ابن عباس: عَذَّبناهم بالجِزية. وقال الحسن ومقاتل: بالمَسخ. عطاء: بَعَّدْناهم (١)، واللَّغْنُ: الإبعادُ والطّرد من الرحمة. ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ فَاسِيَّةٌ﴾ أي: صُلبة لا تعِي خيراً ولا تفعلُه، والقاسية والعاتية بمعنی واحد. وقرأ الكِسائي وحمزة: ((قَسِيَّة)) بتشديد الياء من غير ألف(٢)؛ وهي قراءةُ ابن مسعود والنَّخَعِيّ ويحيى بن وثّاب(٣). والعامُ القَسِيّ: الشديدُ الذي لا مطرَ فيه. وقيل: هو من الدَّراهم القَسِيّات، أي: الفاسدة الرديئة؛ فمعنى ((قَسِيَّة)) على هذا: ليست بخالصةِ الإيمان، أي: فيها نِفاق (٤). قال النحاس(٥): وهذا قولٌ حسن؛ لأنه يقال: درهم قَسِيٍّ: إذا كان مغشوشاً بنُحاس أو غيره. يقال: درهم قَسِيّ مخفّف السين مشدَّد الياء، مثال شَقِيّ، أي: زائف؛ ذگر ذلك أبو عُبيد وأنشد : لها صَوَاهِلُ(٦) في صُمِّ السِّلامِ كما صاحَ القَسِيَّاتُ في أيدِي الصَّيارِيفِ يَصِفُ وَقْعَ المَساحي(٧) في الحجارة. وقال الأصمعيّ وأبو عُبيد: درهمٌ قَسِيٍّ كأنه مُعرَّب قاشيّ(٨). قال القُشَيريّ: وهذا بعيدٌ؛ لأنه ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب، بل (١) في (م): أبعدناهم، وتنظر هذه الأقوال في الوسيط ٢/ ١٦٧، وتفسير الرازي ١٨٦/١١. (٢) السبعة ص ٢٤٣ ، والتيسير ص٩٩ . (٣) الكشاف ٦٠٠/١، البحر ٤٤٥/٣ . (٤) ينظر تفسير الطبري ٢٥٠/٨ . (٥) في معاني القرآن ٢٨١/٢ . (٦) جمع صاهلة، مصدر على فاعلة، بمعنى الصهيل. اللسان (صهل). (٧) جمع مِسْحاة، وهي المجرفة من الحديد. (٨) ينظر غريب الحديث ٦٨/٤ . والبيت لأبي زُبَيد الطائي في قصيدة يرثي بها أمير المؤمنين عثمان عفان ، وهو في أمالي أبي علي القالي ٢٨/١، وتفسير الطبري ٨/ ٢٥٠، والمحرر الوجيز ١٦٩/٢