النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة المائدة: الآية ٥
وهذا القولُ الذي عليه جِلَّةُ العلماءِ(١).
العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِلْإِيَنِ﴾ قيل: لمَّا قال تعالى: ﴿وَالْعُصَنَتُ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ قال نساءُ أهل الكتاب: لولا أن الله تعالى رَضِيَ ديننا لم يُبخ لكم
نكاحَنا؛ فنزلت: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآلْإِيَنِ﴾(٢) أي: بما ◌ُنزل على محمد.
وقال أبو الهيثم (٣): الباء صِلة، أي: ومَن يَكفُرِ الإيمانَ(٤)، أي: يَجْحَدْه ﴿فَقَدْ
خَبِطَ عَمَلُ﴾.
وقرأ ابنُ السَّمَيْفَع: ((فَقَدْ حَبَط)) بفتح الباء(٥).
وقيل: لمَّا ذُكِرَتْ فرائضُ وأحكامٌ يَلزم القيامُ بها، ذُكر الوعيدُ على مُخالفتها ؛
لِمَا في ذلك من تأكيد الزَّجْر عن تَضْبيعها. ورُوي عن ابن عباس ومجاهد أنَّ المعنى:
ومَن يَكفُرْ باللـه (٦)؛ قال الحسين(٧) بن الفضل: إنْ صحَّتْ هذه الروايةُ فمعناها: بربِّ
الإيمان. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعريّ: ولا يجوز أن يُسمَّى اللهُ إيماناً، خِلافاً
للحشَوِية والسّالميّة؛ لأن الإيمانَ مصدرُ آمنَ يُؤْمِن إيماناً، واسمُ الفاعل منه مُؤمِن؛
والإيمانُ التصديق، والتصديقُ لا يكون إلا كلاماً، ولا يجوز أن يكون الباري تعالى
كلاماً (٨).
(١) معاني القرآن للنحاس ٢٦٦/٢ - ٢٦٧ .
(٢) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٢٩٧/٢، وقال: رواه أبو صالح عن ابن عباس ﴾.
(٣) لعله أبو الهيثم الرازي، وسلفت ترجمته ١٣٦/٥.
(٤) في النسخ: بالإيمان، والمثبت من (م).
(٥) أوردها أبو حيان في البحر ٤٣٣/٣ .
(٦) أخرج قول مجاهد الطبري ٨/ ١٥٠ .
(٧) في النسخ: الحسن، وهو خطأ، وسلفت ترجمته ٣٢٧/٥.
(٨) وقع في هامش (ز) ما نصُّه: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِلإِبَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُمُ﴾. قال العلماء: أي: أجر عمله وثوابه؛
لأن الكفر إن وقع - نعوذ بالله منه - وأحبط ما تقدَّم من إيمانه، فلا ينقلب الموجود منه معدوماً من
أصله، وإنما يحبط أجره، ويبطل ثوابه، وفي إجماع المسلمين على إثبات الردة ما دلَّ على ثبوت =

٣٢٢
سورة المائدة: الآية ٦
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصََّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنَّ وَإِن كُنتُمْ
جُنُبًا فَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُمْ فَرْضَىَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَّةَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَّيْطِ أَوْ
لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيْكُمْ
مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهْرَكُمْ وَلِيُتِمَّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾﴾
فيه اثنتان وثلاثون(١) مسألةً:
الأولى: ذكر القشيريُّ وابنُ عطية(٢) أنَّ هذه الآيةَ نزلت في قصَّة عائشةَ حين
فَقَدتْ العِقدَ في غزوة المُرَيْسِيع، وهي آيةُ الوضوءِ(٣).
قال ابن عطية: لكن من حيثُ كان الوضوءُ متقرّراً عندهم مستعمَلاً، فكأنَّ الآيةَ
لم تزدهم فيه إلا تلاوتَه، وإنما أعطتهم الفائدةَ والرُّخصةَ في التّيمّم. وقد ذكرنا في آية
النساء(٤) خلاف هذا، والله أعلم.
= الإيمان قبله، فبان بهذا أن الكفر إذا طرأ على الإيمان قطعه من حين وُجد، إلا أن أجر ما مضى حبط
أجره، لا أن عينه تحبط فيصير كأن لم يكن، وينقلب الموجودُ منه حقيقة معدوماً. وُجد هذا بخط
المصنف، ولم يُنبِّه على موضعها، والله أعلم.
(١) في النسخ: فيه ثلاثون، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما سيذكره المصنف.
(٢) في المحرر الوجيز ١٦٠/٢ .
(٣) خبر فقدٍ عائشةَ رضي الله عنها عقدها في غزوة المريسيع أخرجه أحمد (٢٤٢٩٩) والبخاري (٤١٤١)،
ومسلم (٢٧٧٠) من حديثها رضي الله عنها، وليس عند البخاري ومسلم أن آية الوضوء نزلت في هذه
الغزوة، وعند أحمد: فأنزل الله عزَّ وجلَّ التيمم، وسلف نحوه ٢١٤/٥ - ٢١٦.
وأخرج البخاري (٤٦٠٨)، واللفظ له ومسلم (٣٦٧) عن عائشة قالت: سقطت قلادةٌ لي بالبيداء ...
الحديثَ، وفيه: فالتُمس الماءُ، فلم يوجد، فنزلت: ﴿يَّكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى اَلْضَلَوَةِ﴾،
وقوله: المُرّيسيع اسم ماء في ناحية قديد إلى الساحل، وبه سُميت هذه الغزوة، وفيها كان حديث
الإفك. وينظر معجم البلدان ١١٨/٥ .
(٤) ٥/ ٢٣٣ .

٣٢٣
سورة المائدة: الآية ٦
ومضمونُ هذه الآيةِ داخلٌ فيما أَمَر به من الوَفَاء بالعقود وأحكامِ الشَّرع، وفيما
ذَكَر من إتمام النِّعمة؛ فإنَّ هذه الرّخصةَ من إتمام النِّعم.
الثانية: واختلف العلماء في المعنى المرادِ بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ على
أقوال :
فقالت طائفة: هذا لفظٌّ عامٌّ في كلِّ قيامٍ إلى الصلاة، سواء كان القائم متطهِّراً أو
مُحْدِثاً؛ فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أنْ يتوضَّأ، وكان عليٍّ يفعلُه ويتلو هذه الآيةَ؛
ذكره أبو محمد الدّارِميُّ في مسنده(١)، ورُوي نحوه(٢) عن عِكْرِمة. وقال ابن سِيرين:
كان الخلفاء يتوضَّؤون لكلِّ صلاة(٣).
قلت: فالآية على هذا محكمةٌ لا نسخَ فيها (٤).
وقالت طائفة: الخطاب خاصٌّ بالنبيِّ ﴾؛ قال عبد الله بنُ حَنْظَةَ بن أبي عامرٍ
الغَسِيلِ: إِنَّ النَّبي ﴿ أُمِر بالوضوء عند كلِّ صلاةٍ، فشَقَّ ذلك عليه؛ فأمِر بالسِّواك،
ورُفع عنه الوضوءُ إلا من حَدَث(٥).
وقال عَلْقَمة بنُ الفَغْواء عن أبيه - وهو من الصحابة، وكان دليلَ رسولِ الله ﴾ إلى
تَبُوك -: نزلت هذه الآيةُ رخصةً لرسول الله ﴾؛ لأنه كان لا يعملُ عَمَلاً إلا وهو على
وضوء، ولا يكلّم أحداً، ولا يردُّ سلاماً إلى غير ذلك؛ فأعلمه الله بهذه الآيةِ أن
الوضوءَ إنما هو للقيام إلى الصلاة فقط دونَ سائرِ الأعمال(٦).
(١) برقم (٦٥٧).
(٢) في (د) و(م): مثله، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٦٠/٢.
(٣) المحرر الوجيز ٢/ ١٦٠، وقول عكرمة أخرجه الطبري ١٥٧/٨، وأورده النحاس في ناسخه ٢/ ٢٥٠،
وقول ابن سيرين أخرجه أبو عبيد في الطهور (٤٦)، وابن أبي شيبة ٢٩/١، والطبري ١٥٨/٨.
(٤) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢/ ٢٥٠.
(٥) أخرجه أحمد (٢١٩٦٠)، والبخاري في التاريخ الكبير ٦٨/٥، وأبو داود (٤٨). قال الحافظ ابن كثير
في تفسير الآية (٦) من المائدة: إسناده صحيح.
(٦) المحرر الوجيز ١٦٠/٢، والحديث أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٧٠٢)، والطحاوي =

٣٢٤
سورة المائدة، الآية ٦
وقالت طائفة: المراد بالآية الوضوءُ لكلِّ صلاةٍ طلباً للفضل؛ وحَمَلُوا الأمرَ على
النَّذْب، وكان كثيرٌ من الصحابة - منهم ابنُ عمر(١) - يتوضؤون لكلِّ صلاةٍ طلباً
للفضل(٢)، وكان عليه الصلاة والسلام يفعلُ ذلك إلى أنْ جَمعَ يومَ الفتحِ بين
الصلواتِ الخمسِ بوضوءٍ واحدٍ (٣)، إرادةَ البيانِ لأُمته ◌ِ(٤).
قلت: وظاهرُ هذا القولِ أنَّ الوضوءَ لكلِّ صلاةٍ قبلَ ورودِ الناسخِ كان مستحَبّاً لا
إيجاباً، وليس كذلك؛ فإنَّ الأمرَ إذا ورد؛ مقتضاه الوجوبُ؛ لا سيّما عند الصحابةِ
رضوانُ الله عليهم، على ما هو معروفٌ من سيرتهم.
وقال آخرون: إنَّ الفرضَ في كل وضوءٍ كان لكلِّ صلاةٍ، ثم نُسخ في فتح
مكةَ(٥)؛ وهذا غَلَطٌ لحديث أنسٍ قال: كان النبيُّ ﴾ يتوضأ لكلِّ صلاة، وأنَّ أمّتَه
كانت على خلاف ذلك، وسيأتي(٦)، ولحديث سُوَيد بنِ النعمان أنَّ النبيَّ ◌َ# صلَّى
وهو بالصَّهْباء العصرَ والمغربَ بؤُضوءٍ واحد؛ وذلك في غزوة خيبر، وهي سنةً ستّ،
وقيل: سنة سبعٍ، وفتحُ مكةً كان في سنة ثمان، وهو حديثٌ صحيح رواه مالك في
موّئه، وأخرجه البخاريُّ ومسلم (٧)؛ فبان بهذين الحديثينِ أنَّ الفرضَ لم يكنْ قبلَ
= في شرح معاني الآثار ٨٨/١، والطبري في تفسيره ١٦٤/٨، والطبراني في الكبير ٦/١٨، وفي
إسناده جابر بنُ يزيد الجعفي، قال الحافظ ابن كثير في التفسير: ضعفوه، وهذا حديث غريب جدًّا.
(١) أخرجه أبو داود (٦٢)، والترمذي (٥٩)، وابن ماجه (٥١٢). قال الحافظ في التلخيص ١٤٣/١:
إسناده ضعيف.
(٢) في النسخ الخطية: طلب الفضل، والمثبت من (م).
(٣) سيذكره المصنف قريباً.
(٤) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٥١/٢ - ٢٥٤.
(٥) وذلك في حديث بريدةً الذي سيذكره المصنف قريباً، وانظر الناسخ والمنسوخ ٢٥٣/٢ .
(٦) سيذكره المصنف قريباً.
(٧) الموطأ ٢٦/١، والبخاري (٢٠٩)، ولم نقف عليه عند مسلم، وقوله الصَّهباء: اسمُ موضع بينه وبين
خيبر روحة. معجم البلدان ٤٣٥/٣ .
وسُوَيد بنُ النعمان يُكْنى أبا عقبةَ، شهِد أَحداً، قيل: استُشهد بالقادسية. انظر الإصابة ٣٠٣/٤ - ٣٠٤ .

٣٢٥
سورة المائدة: الآية ٦
الفتحِ لكلِّ صلاة.
فإن قيل: فقد رَوى مسلم عن بُرَيدةَ بنِ الحُصَيب(١) أنَّ رسولَ الله ﴿ كان يتوضأُ
لكلِّ صلاة، فلما كان يومُ الفتح؛ صلَّى الصَّلواتِ بوُضوءٍ واحدٍ، ومَسح على خُفَّيه،
فقال عمر : لقد صَنَعتَ اليومَ شيئاً لم تكن تَصنَعُه؛ فقال: ((عَمْداً صنعتُه یا
عمرُ))(٢). فلِمَ سأله عمرُ واستفهمه؟
قيل له: إنَّما سأله لمخالفته عادته منذُ صلاتِه بخَيبر؛ والله أعلم.
ورَوى الترمذيُّ عن أنس أنَّ النبيَّ # كان يتوضأُ لكلٍ صلاةٍ طاهراً وغيرَ(٣)
طاهر. قال حُمَيد: قلتُ لأنس: وكيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنّا نتوضأ وضوءاً
واحداً، قال: حديثٌ حسنٌ صحيح(٤).
ورُوي عن النبيِّ﴾ أنه قال: ((الوضوءُ على الوضوء نورٌ))(٥). فكان عليه الصلاة
والسَّلام يتوضّأُ مجدّداً لكل صلاة. وقد سلّم عليه رجلٌ وهو یبولُ، فلم يَردَّ عليه حتى
تَيمَّم، ثم ردَّ السَّلامَ، وقال: ((إِنِّي كَرِهتُ أنْ أذكرَ اللهَ إلّا على ظُهْر)) رواه
الدَّار قُطْنِي(٦).
وقال السدِّيُّ وزيد بن أسلم: معنى الآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوَةِ﴾ يريدُ من
(١) في النسخ: الخصيب، والمثبت من (م)، ومصادر التخريج، وبريدةُ أسلم حين مرَّ به النبي ﴾ مهاجراً
بالغميم، وأقام في موضعه حتى مضت بدر وأحد، ثم قدم بعد ذلك، وغزا مع رسول الله8# ست عشرة
غزوةً، مات سنة (٦٣هـ). الإصابة ١/ ٢٤١ .
(٢) أخرجه أحمد (٢٣٠٢٩)، ومسلم (٢٧٧).
(٣) في (د): أو غير.
(٤) كذا قال المصنف رحمه الله، لكن الترمذي قال في سننه في رواية حُميد هذه (٥٨): حديثُ حُميد عن
أنس حديث حسن غريب من هذا الوجه، والمشهور عند أهل الحديث حديث عمرو بن عامر عن أنس.
ثم رواه من طريقه (٦٠)، وقال: حديث حسن صحيح. وهو عند أحمد (١٢٣٤٦)، والبخاري (٢١٤).
(٥) أورده المنذري في الترغيب ٢٢٣/١، وقال: لا يحضرني له أصلٌ من حديث النبي ﴾، ولعله من كلام
بعض السلف، وقال الحافظ في الفتح ٢٣٤/١ : حديث ضعيف.
(٦) في سننه برقم (٦٧٦)، وفي الباب عن أبي جهيم عند البخاري (٣٣٧)، وسلفا ٣٦٤/٦ - ٣٦٥ .

٣٢٦
سورة المائدة: الآية ٦
المَضَاجِع، يعني النَّومَ(١)، والقصدُ(٢) بهذا التأويلِ أنْ يعمَّ الأحداثَ بالذِّكر، ولا
سيّما النوم الذي هو مختلفٌ فيه؛ هل هو حَدَثٌ في نفسه أم لا؟ وفي الآية على هذا
التأويلِ تقديمٌ وتأخيرٌ؛ التقدير: يأيها الذين آمنوا إذا قمتُم إلى الصلاة من النَّوم،
أو جاء أَحَدٌ منكم من الغائط؛ أو لامَسْتُمُ النساء - يعني الملامسةَ الصُّغرى - فاغسلوا .
فتَمَّت أحكامُ المُحدِثِ حدثاً أصغرَ، ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ فهذا حكمُ
نوعٍ آخرَ، ثم قال للنَّوعين جميعاً: ((وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء
فتيمموا صعيداً طيباً)) وقال بهذا التأويلِ محمد بنُ مَسْلَمةَ من أصحاب مالك - رحمه
الله - وغیرُه(٣).
وقال جمهورُ أهلِ العلم: معنى الآية: إذا قمتم إلى الصلاة مُحدِثین. وليس في
الآية على هذا تقديمٌ ولا تأخيرٌ(٤)، بل ترتب في الآية حكمُ واجِدِ الماء إلى قوله:
﴿فَاظَهَّرُوا﴾، ودخلت الملامسةُ الصغرى في قوله: مُحدِثين(٥). ثم ذكر بعدَ قولِه:
﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطّهَّرُواْ﴾ حكمَ عادمِ الماءِ من النوعين جميعاً، وكانت الملامسةُ
هي الجماع ولا بدّ(٦)؛ لِيذكُرَ الجُنُبَ العادِمَ للماء(٧) كما ذَكر الواجِدَ. وهذا تأويلُ
الشَّافعيِّ وغيرِهِ، وعليه تجيءُ أقوالُ الصحابةِ؛ كسعد بنِ أبي وقَّاص وابنِ عباس وأبي
موسى الأشعريِّ وغيرِهم(٨).
قلت: وهذان التأويلانِ أحسنُ ما قيل في الآية؛ والله أعلم.
(١) أخرجه الطبري ٨/ ١٥٦ - ١٥٧.
(٢) في النسخ: والمقصد، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٦١/٢، والكلام منه.
(٣) المحرر الوجيز ١٦١/٢، وينظر أحكام القرآن للكيا ٤٨/٣.
(٤) في (ظ) و(م): تقديم وتأخير، والمثبت من (د)، وهو الموافق للمحرر الوجيز.
(٥) يعني في قول جمهور أهل العلم السالف ذكره.
(٦) في النسخ: لابد، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز.
(٧) في (د) و(م): أن يذكر الجنب العادم الماء، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز.
(٨) المحرر الوجيز ١٦٢/٢، وانظر تفسير الطبري ١٥٣/٨.

٣٢٧
سورة المائدة: الآية ٦
ومعنى ((إِذَا قُمْتُمْ)): إذا أردتم، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرَْانَ فَأَسْتَعِذْ﴾
[النحل: ٩٨]، أي: إذا أردت؛ لأنَّ الوضوءَ حالةَ القيام إلى الصلاة لا يُمكن(١).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [ذكر تعالى أربعةً أعضاء: الوجه
وفرضُه الغسل، واليدينٍ كذلك، والرأس وفرضُه المسح اتفاقاً، واختلف في الرجلين
على ما يأتي، لم يذكر سواها، فدلَّ ذلك على أنَّ ما عداها آدابٌ وسُنزٌ، والله
أعلم](٢).
ولا بدَّ في غَسْل الوجهِ في الوضوء(٣) من نَقْلِ الماءِ إليه، وإمرارِ اليدِ عليه؛ وهذه
حقيقةُ الغَسلِ عندَنا (٤)، وقد بَيِّنَاه في ((النساء))(٥).
وقال غيرنا: إنما عليه إجراءُ الماءِ، وليس عليه دَلْكٌ بيده؛ ولا شكَّ أنه إذا
انغَمس الرجلُ في الماء، وغمَس وجهَه أو يدَه ولم يُدَلِّك؛ يقال: غَسَل وجهَه ويَدَه،
ومعلومٌ أنه لا يُعتبرُ في ذلك غيرُ حصولِ الاسم، فإذا حَصَل كَفى(٦).
والوجه في اللغة مأخوذٌ من المواجهة، وهو عضوٌ مشتمِلٌ على أعضاءٍ، وله طولٌ
وعَرْضٌ؛ فحدُّه في الطول من مبتدأ سطحِ الجبهةِ إلى منتهى اللَّحْيَيْنِ، ومن الأذن إلى
الأذن في العرض، وهذا في الأمرد؛ وأما المُلْتَحي؛ فإذا اكتسى الذَّقنُ بالشَّعر، فلا
يخلو أنْ يكونَ خفيفاً أو كثِيفاً؛ فإن كان الأوّلُ بحيثُ تَبِينُ منه(٧) البَشَرةُ؛ فلابدَّ من
إيصال الماءِ إليها، وإن كان كثيفاً؛ فقد انتقل الفرضُ إليه كشَعر الرأسِ(٨)؛ ثم ما زاد
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٥٥٧/٢ .
(٢) ما بين حاصرتين من (م).
(٣) قوله: في الوضوء، ليس في (م).
(٤) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٦٠، والمحرر الوجيز ١٦٠/٢.
(٥) ٣٤٦/٦.
(٦) أحكام القرآن للكيا ٣١/٣ - ٣٢.
(٧) في النسخ: معه، والمثبت من (م).
(٨) ينظر شرح التلقين ١/ ١٤٠، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٦٠/٢ .

٣٢٨
سورة المائدة: الآية ٦
على الذَّقنِ من الشَّعر واسترسل من اللحية؛ فقال سُحنون عن ابن القاسم: سمعت
مالكاً سئل: هل سمعتَ بعضَ أهلِ العلم يقول: إنَّ اللحيةَ من الوجه، فليُمِرَّ عليها
الماء؟ قال: نعم، وتخليلُها في الوضوء ليس من أَمْرِ الناس، وعاب ذلك على من
فَعَلَه.
وذكر ابن القاسم أيضاً عن مالك قال: يحرّك المتوضِّئُ ظاهرَ لحيتِه من غير أنْ
يُدخِلَ يدَه فيها؛ قال: وهي مثلُ أصابعِ الرِّجلين.
قال ابنُ عبدِ الحكم: تخليلُ اللِّحيةِ واجبٌ في الوضوء والغُسْلِ.
قال أبو عمر (١): رُويَ عن النبيِّ # أنه خَلَّل لحيته في الوضوء من وجوه، كلُّها
ضعيفة (٢). وذكر ابنُ خُوَيْزِ مَنْدَاد أنَّ الفقهاءَ اتفقوا على أنَّ تخليلَ اللحيةِ ليس بواجب
في الوضوء، إلا شيءٌ رُوي عن سعيد بنِ جُبير(٣) قوله: ما بالُ الرجلِ يغسِل لِحيتَه،
قبل أنْ تَنْبُتَ، فإذا نَبتتْ لم يغسِلْها، وما بالُ الأمْرَدِ يَغْسِل ذقنَه، ولا يغسِلُه(٤) ذو
اللحية؟.
قال الطحاويُّ: الثَّيمُّم واجبٌ فيه مَسْحُ البَشَرةِ قبلَ نباتِ الشَّعر في الوجه، ثم
سقط بعدَه عندَ جميعهِم، فكذلك الوضوء.
قال أبو عمر(٥): من جَعَل غسلَ اللّحيةِ كلِّها واجباً جَعَلَهَا وَجْهاً؛ لأنَّ الوجهَ
مأخوذٌ من المواجهة، والله قد أَمَر بغسل الوجهِ أَمْراً مطلقاً، لم يَخُصَّ صاحبَ لحيةٍ
من أمردَ؛ فوجب غَسْلُها بظاهر القرآنِ؛ لأنها بدلٌ من البَشّرة.
قلت: واختار هذا القولَ ابنُ العربيّ، وقال(٦): وبه أقولُ؛ لِما رُويَ أنَّ النبيَّ ﴾
(١) في التمهيد ١٢٠/٢٠، وما قبله منه، وينظر الاستذكار ١٧/٢ - ١٩.
(٢) انظر الروايات في ذلك في تفسير الطبري ١٧٦/٨ - ١٧٨ ونصب الراية ٢٧/١، قال الإمام أحمد: قد
رُوي فيه [يعني في تخليل اللحية] أحاديث ليس يثبت فيه حديث. مسائل أبي داود لأحمد ص٧ .
(٣) أخرجه الطبري ٨/ ١٧٥.
(٤) في (د) و(ظ): يغسل، والمثبت من (م)، وهو الموافق للتمهيد ١٢٠/٢٠، والاستذكار ١٨/٢.
(٥) في التمهيد ٢١/٢٠ بنحوه، وقول الطحاوي منه، وينظر الاستذكار ١٩/٢.
(٦) في أحكام القرآن ٢/ ٥٦١ .

٣٢٩
سورة المائدة: الآية ٦
كان يَغْسِلُ لحيتَه، خرّجه الترمذيُّ(١) وغيره؛ فعيَّنَ المحتملَ بالفعل.
وحكى ابن المُنْذِر عن إسحاق أنَّ من تَركَ تخليلَ لحيتِه عَامِداً أعاد(٢).
ورَوى الترمذيُّ عن عثمانَ بنِ عِفَّنَ أنَّ النبيَّ :﴿ كان يخلِّلُ لحيتَه؛ قال: هذا
حديثٌ حسن صحيح(٣).
قال أبو عمر(٤): ومن لم يوجبْ غسلَ ما انسدلَ من اللُّحيةِ؛ ذهب إلى أنَّ الأصلَ
المأمورَ بغَسْله البَشَرةُ، فوجب غَسْلُ ما ظهر فوقَ البَشَرةِ، وما انسَدَلَ من اللّحیة لیس
تحتَّه ما يلزمُ غَسْلُه، فيكونُ غَسْلُ اللّحية بدلاً منه.
واختلفوا أيضاً في غَسْل ما وراء العِذارِ إلى الأذن؛ فرَوى ابن وَهْب عن مالك
قال: ليس ما خَلْفَ الصُّدْغ الذي من وراء شعرِ اللحيةِ إلى الأذن(٥) من الوجه.
قال أبو عمر(٦): لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصارِ قال بما رواه ابن وَهْب عن
مالك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: البياضُ بين العِذارِ والأذنِ من الوجه، وغَسْله واجبٌ؛
ونحوُه قال الشافعيُّ وأحمدُ(٧).
وقيل: يَغْسِل البياضَ استحباباً (٨).
(١) سيذكره المصنف لاحقاً.
(٢) الأوسط ٣٨٤/١، وقول إسحاق ذكره أيضاً الترمذي في سننه ٤٤/١ .
(٣) سنن الترمذي (٣١)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٤٣٠)، ونقل الترمذي عن البخاري قوله: أصح شيء في
هذا الباب حديث عثمان، وقال ابن المنذر في الأوسط ٣٨٥/١ : الأخبار التي رُويت عن النبي ﴾ أنه
خلل لحيته قد تكلم في أسانيدها، وأحسنها حديث عثمان.
(٤) في التمهيد ١٢١/٢٠ بنحوه، وينظر الاستذكار ١٩/٢ - ٢٠ .
(٥) في النسخ: الذقن، والمثبت من التمهيد ١١٨/٢٠، والاستذكار ١٥/٢، والنوادر والزيادات ٣٣/١ .
(٦) في التمهيد ١١٨/٢٠ .
(٧) ينظر التمهيد ١١٨/٢٠، والاستذكار ١٥/٢ - ١٦.
(٨) المحرر الوجيز ١٦١/٢.

٣٣٠
سورة المائدة: الآية ٦
قال ابن العربي(١): والصحيحُ عندي أنه لا يلزم غَسْلُه؛ لا للأمرد ولا للمُعَذِّر(٢).
قلت: وهو اختيارُ القاضي عبد الوهّاب؛ وسببُ الخلافِ هل تقع عليه المواجهةُ
أم لا؟ والله أعلم(٣).
وبسبب هذا الاحتمالِ اختلفوا؛ هل يتناولُ الأمرُ بغسل الوجهِ باطنَ الأنفِ والفمِ
أم لا؟ فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وغيرُهما إلى وجوب ذلك في الوضوء
والغُسل، إلا أنَّ أحمدَ قال: يُعيدُ من تَرَك الاستنشاقَ في وضوئه، ولا يعيدُ مَن تركَ
المضمضةَ.
وقال عامّة الفقهاء: هما سنَّتان في الوضوء والغُسل؛ لأنَّ الأمرَ إنما يتناول
الظاهرَ دونَ الباطن، والعربُ لا تُسَمِّي وجهاً إلا ما وقعت به المواجهة، ثم إنَّ الله
تعالى لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبَهما المسلمون، ولا اتفق الجميعُ عليه؛
والفرائضُ لا تثبتُ إلا من هذه الوجوه (٤). وقد مضى هذا المعنى في ((النساء))(٥).
وأما العينانِ؛ فالناسُ كلُّهم مُجمعون على أنَّ داخلَ العينين لا يلزمُ غَسْلُه، إلا ما
رُوي عن عبد الله بن عمرَ أنه كان يَنضَحِ الماءَ في عينيه (٦)؛ وإنما سَقَطْ غَسْلُهما
للتأذِّي بذلك والحرج به؛ قال ابنُ العربي(٧): ولذلك كان عبد الله بنُ عمر لمّا عَمِيَ
يَغْسِل عينيه؛ إذْ كان لا يتأذّى بذلك. وإذا تقرّر هذا من حكم الوجهِ، فلابدَّ من غَسْل
(١) في أحكام القرآن ٢/ ٥٦١ .
(٢) في (د) و(ز) و(م): غسله إلا للأمرد ولا للمعذّر، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن،
وقوله: المعذر، من عذَّرَ الغلام إذا نبت شعرُ عذارِه. القاموس (عذر).
(٣) ينظر شرح التلقين ١٤٠/١، والاستذكار ١٥/٢، وعقد الجواهر الثمينة ٣٨/١.
(٤) ينظر الأوسط لابن المنذر ٣٧٧/١ - ٣٧٨، والتمهيد ٣٤/٤ - ٣٥، والقبس شرح الموطأ ١٢٠/١.
(٥) ٣٥١/٦.
(٦) أخرج عبد الرزاق في المصنف ٢٥٨/١ عن نافع قال : ... لم يكن عبد الله بن عمر ينضح في عينيه الماء
إلا في غسل الجنابة، فأما الوضوء للصلاة، فلا.
(٧) في أحكام القرآن ٢/ ٥٦١ .

٣٣١
سورة المائدة: الآية ٦
مُجُزْءٍ من الرأس مع الوجهِ من غير تحديدٍ، كما لا بدَّ على القول بوجوب عمومِ الرأسِ
من مَسْح ◌ُزءٍ معه من الوجه لا يَتقدر؛ وهذا ينبني على أصلٍ من أصول الفقهِ، وهو:
أنَّ ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به واجبٌ مثلُه، والله أعلم.
الرابعة: وجمهورُ العلماءِ على أنَّ الوضوءَ لابدَّ فيه من نيَّة؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((إنما الأعمالُ بالنِّياتِ))(١).
قال البخاريُّ(٢): فدخلَ فيه الإيمانُ والوضوءُ والصلاةُ والزكاة والحجّ والصوم
والأحكامُ؛ وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]، يعني على
نَّته، وقال النبيُّ :﴿: ((ولكِن جِهَادٌ ونِيَّة))(٣).
وقال كثيرٌ من الشَّافعية: لا حاجةَ إلى نيّة؛ وهو قولُ الحنفية(٤)؛ قالوا: لا تجب
النّةُ إلا في الفروض التي هي مقصودةٌ لأعيانها، ولم تُجعلْ سبباً لغيرها، فأمّا ما كان
شرطاً لصحّة فعلٍ آخرَ، فليس يجبُ ذلك فيه بنفس ورودِ الأمرِ إلا بدلالةٍ تُقارنُه،
والطهارة شرطٌ، فإنَّ من لا صلاةَ عليه لا يجبُ عليه فرضُ الطهارةِ، كالحائض
والنُّفَساء(٥).
احتج علماؤنا وبعضُ الشافعيةِ بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ﴾، فلما وَجَب فعلُ الغسلِ كانت النّةُ شرطاً في صحَّة الفعلِ؛ لأنَّ الفرضَ
من قِبَل اللهِ تعالى، فينبغي أنْ يجبَ فِعلُ ما أمر الله به، فإذا قلنا: إنَّ النيةَ لا تجبُ
عليه؛ لم يجبْ عليه القصدُ إلى فعل ما أمره الله تعالى، ومعلومٌ أنَّ الذي اغتسل تَبَرُّدًا
(١) سلف ٣٠٧/٢.
(٢) في صحيحه باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، قبل حديث (٥٤).
(٣) قطعة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه أحمد (١٩٩١)، والبخاري (٢٧٨٢)، ومسلم
(١٣٥٣).
(٤) ينظر الأوسط لابن المنذر ٣٦٩/١ - ٣٧٠ ، وبدائع الصنائع ١٩١/١. ونسبةُ عدم الحاجة إلى نية في
الوضوء إلى كثير من الشافعية، لم نقف عليه، وفيه نظر. فالنية عندهم من فرائض الوضوء.
(٥) أحكام القرآن للكيا ٣/ ٣٣ .

٣٣٢
سورة المائدة: الآية ٦
أو لغرضٍ، ما قَصَدَ أداءَ الواجبٍ(١)؛ وصحَّ في الحديث: أنَّ الوضوءَ يُكفِّر(٢)؛ فلو
صحّ بغير نِيَّةٍ لمَا كفَّر. وقال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ لَهَ مُخْلِينَ لَهُ الّذِينَ﴾ [البينة: ٥].
الخامسة: قال ابن العربي: قال بعضُ علمائنا: إنَّ من خَرَج إلى النهر بنيّة الغُسْلِ
أجزأه وإنْ عَزَبت نيَّتُه في الطريق، ولو خرج إلى الحمّام، فعزبتْ في أثناء الطريقِ،
بَطَلت النيّة(٣).
قال القاضي أبو بكر بنُ العربي ﴾: فرَّبَ على هذا سفاسفةُ المُفْتِين أنَّ نِيّةَ
الصلاةِ تتخرَّجُ على القولين، وأوردوا فيها نصًّا عمّن لا يُفرِّقُ بين الظَّنِّ واليقينِ بأنه
قال: يجوزُ أنْ تتقدَّمَ فيها النيّةُ على التكبير؛ ويا لَلِهِ ويا لَلْعالمينَ من أُمَّةٍ أرادتْ أنْ
تكونَ مُفْتِيةً مجتهدةً، فما وفَّقها الله ولا سدَّدها! اعلموا رَحمكم الله أنَّ النيّةَ في
الوضوء مختلَفٌ في وجوبها بين العلماء، وقد اختلف فيها قولُ مالكٍ؛ فلمّا نزلت عن
مرتبة الاتفاقِ سُومِح في تقديمها في بعض المواضعِ، فأما الصلاةُ فلم يَختلِفْ أحدٌ
من الأئمة فيها، وهي أصلٌ مقصودٌ، فكيف يُحملُ الأصلُ المقصودُ المتَّفَقُ عليه على
الفَرْعِ التَّابعِ المختلَفِ فيه؟! هل هذا إلا غايةُ الغباوة؟ وأما الصومُ فإنَّ الشرعَ رَفَع
الحَرَجَ فيه لمّا كان ابتداؤه في وقت الغَفْلةِ بتقديم النّيةِ عليه (٤).
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، واختلف الناس في دخول
المَرَافِق في التحديد، فقال قوم: نعم؛ لأنَّ ما بعد ((إلى)) إذا كان من نوعِ ما قبلَها
(١) أحكام القرآن للكيا ٣٢/٣ .
(٢) أخرج أحمد (٤٧٦)، ومسلم (٢٤٥) عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله﴾: ((من توضأ
فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره)). وأخرج أيضاً أحمد
(٨٠٢٠)، ومسلم (٢٤٤) عن أبي هريرة أن رسول الله ﴾ قال: ((إذا توضأ العبد المسلم، فغسل
وجهه، خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل
خطيئة بطش بها مع الماء حتى يخرج نقيًّا من الذنوب)).
(٣) أحكام القرآن ٢/ ٥٦٣ .
(٤) أحكام القرآن ٥٦٣/٢ - ٥٦٤ .

٣٣٣
سورة المائدة: الآية ٦
دخلَ فيه؛ قاله(١) سيبويه(٢) وغيره، وقد مضى هذا في ((البقرة)) مبيّناً(٣).
وقيل: لا يدخلُ المَرْفِقانِ في الغسل؛ والرّوايتانِ مرويَّتانِ عن مالك؛ الثانيةُ
لأشهبَ؛ والأُولى عليها أكثرُ العلماء، وهو الصَّحيحُ(٤)، لما رواه الدّار قُظْنيُّ عن
جابر أنَّ النبيَّ ﴾ كان إذا توضأ أدار الماءَ على مَرْفِقَيْه(٥).
وقد قال بعضهم: إنَّ((إِلى)) بمعنى مع (٦)، كقولهم: الذَّوْدُ إلى الذّوْدِ إبلٌ (٧)، أي:
مع الذَّود. وهذا لا يُحتاجُ إليه كما بيَّناه في ((النساء)» (٨)، ولأنَّ اليدَ عندَ العربِ تقعُ
على أطراف الأصابع إلى الكُتِف، وكذلك الرِّجْلُ تقعُ على الأصابع إلى أصل
الفَخِذِ؛ فالمَرْفِقُ داخلٌ تحت اسم اليد، فلو كان المعنى: مع المَرَافق؛ لم يُفِدْ، فلما
قال: ((إلى))؛ اقتطع من حدِّ المَرافِقِ عن الغسل، وبقيت المرافقُ مغسولةً إلى الظُفر،
وهذا كلام صحيحٌ يجري على الأصول لغةً ومعنّى(٩).
قال ابنُ العربي(١٠): وما فَهِم أحدٌ مقطعَ المسألةِ إلا القاضي أبو محمد، فإنه
(١) في النسخ: قال، والمثبت من (م).
(٢) لم نقف على قول سيبويه، وينظر المحرر الوجيز ١٦١/٢ - ١٦٢.
(٣) ٢٠٧/٣.
(٤) ينظر الأوسط لابن المنذر ١/ ٣٩٠، والنوادر والزيادات ٣٤/١ - ٣٥، وأحكام القرآن لابن العربي
٢ /٠٥٦٥
(٥) سنن الدار قطني ٨٣/١، قال الحافظ في التلخيص ٥٧/١ : قد صرح بضعف هذا الحديث ابن
الجوزي والمنذري وابن الصلاح والنووي وغيرهم، ويغني عنه ما رواه مسلم (٢٤٦) من حديث أبي
هريرة: أنه توضأ حتى أشرع في العضد.
(٦) ينظر الأوسط ٣٩١/١، والنوادر والزيادات ٣٥/١.
(٧) هذا مثل قاله أحيحة بن الجلاح في استصلاح المال وتركٍ إضاعته، قال ابن الأعرابي: الذود لا يوحَّد،
وقد يجمع أدواداً، وهو اسم مؤنث يقع على قليل الإبل ولا يقع على الكثير، وهو ما بين الثلاث إلى
العشر. مجمع الأمثال ٢٧٧/١، وفصل المقال ص ٢٨٢ .
(٨) ١٠/٥.
(٩) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٦٥ .
(١٠) في القبس ١٢١/١، وينظر أحكام القرآن له ٢/ ٥٦٥، والمعونة للقاضي أبي محمد عبد الوهاب ١٢٣/١.

٣٣٤
سورة المائدة: الآية ٦
قال: إنَّ قولَه: ((إلى المرافِق)) حدٌّ للمتروك من اليدين لا للمغسولِ فيهما؛ ولذلك
تدخلُ المَرافِقِ في الغَسْلِ.
قلت: ولما كان اليدُ والرِّجْلُ تنطلقُ في اللغة على ما ذكرنا، كان أبو هريرةَ يَبْلِغُ
بالوضوءِ إبطّه وساقَه، ويقول: سمعتُ خَلِيلِي # يقول: («تَبْلُغُ الحِلْيةُ من المؤمن حيثُ
يَبْلُغُ الوضوء))(١).
قال القاضي عياض(٢): والناسُ مجمِعون على خلاف هذا، وألا يتعدَّى بالوضوء
حدودَه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((فمن زاد فقد تعدَّى وظَلَم))(٣).
وقال غيره(٤): كان هذا الفعلُ مذهباً له ومما انفرد به، ولم يَحْكِه عن النبيِّ ﴿*،
وإنما استنبطه من قوله عليه الصلاة والسلام: ((أنتم الغُرُّ المُحَجَّلُون))(٥)، ومن قوله:
((تبلغُ الحِليةُ))، كما ذكر.
السابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ تقدّم في ((النساء))(٦) أنَّ المسحَ لفظٌ
مشترك.
وأما الرّأسُ فهو عبارةٌ عن الجملة التي يَعْلَمها الناسُ ضرورةً؛ ومنها الوجهُ، فلما
(١) أخرجه أحمد (٨٨٤٠)، ومسلم (٢٥٠).
(٢) في إكمال المعلم ٢/ ٤٤ .
(٣) أخرجه أحمد (٦٦٨٤)، وأبو داود (١٣٥)، والنسائي ٨٨/١، وابن ماجه (٤٢٢) من حديث عبد الله
ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: (( ... فقد أساء وتعدى وظلم)).
(٤) هو أبو العباس في المفهم ٤٩٩/١ .
(٥) قطعة من حديث أبي هريرة # أخرجه مسلم (٢٤٦)، وهو عند أحمد (٩١٩٥)، والبخاري (١٣٦)
بنحوه، وقوله: الغُرُّ، أصل الغُرة لمعة بيضاء في جبهة الفرس، ثم قد استُعمل في الجَمال والشهرة
وطيبِ الذّكر، وقوله: المحجَّلون، من التحجيل، وهو بياض في اليدين والرجلين من الفرس، وأصله
من الحجل، وهو الخلخال، وهو في هذا الحديث مستعار. عبارة عن النور الذي يعلو أعضاء الوضوء
يوم القيامة. المفهم ٤٩٩/١ - ٥٠٠ .
(٦) ٦ / ٣٩٤ .

٣٣٥
سورة المائدة: الآية ٦
ذَكَّره الله عزَّ وجلَّ في الوضوء؛ وعيَّن الوجهَ للغسل؛ بقي باقيه(١) للمسح، ولو لم
يذكرِ الغسلَ لَلَزِمَ مسحُ جميعِه؛ ما عليه شعرٌ من الرأس، وما فيه العينان والأنفُ
والفم؛ وقد أشار مالك في وجوب مسحِ الرأسِ إلى ما ذكرناه؛ فإنه سُئل عن الذي
يتركُ بعضَ رأسِه في الوضوء، فقال: أرأيتَ إنْ تركَ غَسْلَ بعضٍ وجهِهِ، أكان يُجزئه؟
ووضّحَ بهذا الذي ذكرناه أنَّ الأذنين من الرأس(٢)، وأنَّ حكمَهما حكمُ الرأسِ
خلافاً للزهريِّ حيثُ قال: هما من الوجه يُغسَلان معه، وخلافاً للشَّعبيِّ حيثُ قال:
ما أَقبلَ منهما من الوجه، وظاهرُهما من الرّأس؛ وهو قولُ الحسنِ وإسحاقَ، وحكاه
ابنُ أبي هريرةَ عن الشافعيِّ(٣)، وسيأتي بيانُ حَجَّتِّهما.
وإنما سُمِّي الرأس رأساً لعُلوّه، ونباتِ الشَّعر فيه، ومنه رأسُ الجبلِ؛ وإنما قلنا:
إنَّ الرأسَ اسمٌ لجملة أعضاءٍ؛ لقول الشاعر:
إذا احتَمِلُوا رأسي وفي الرأس أَكْثَري وغُودِرَ عندَ المُلْتَقَى ثَمَّ سَائِرِي(٤)
الثامنة: واختلف العلماءُ في تقدير مَسْحِهِ على أحدَ عشرَ قولاً؛ ثلاثةٌ لأبي
حنيفةً، وقولان للشافعي، وستةُ أقوالٍ لعلمائنا؛ والصحيحُ منها واحدٌ، وهو وجوبُ
التَّعميم(٥) لِما ذكرناه.
وأجمع العلماءُ على أنَّ من مَسَحَ رأسَه كلَّه، فقد أحسنَ وفعلَ ما يلزَمُه؛ والباءُ
مؤكّدة زائدةٌ؛ ليست للتبعيض: والمعنى: وامسحوا رؤوسَكم(٦).
وقيل: دخولُها هنا كدخولها في التيمُّم في قوله: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ﴾، فلو كان
(١) في النسخ: ما فيه، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ٥٦٦/٢، والكلام منه.
(٢) ينظر المدونة ١٦/١.
(٣) ينظر الأوسط ٤٠٢/١ - ٤٠٣، والتمهيد ٣٧/٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٥٧٣/٢ - ٥٧٤ .
(٤) قائله الشنفرى، وهو في الحماسة البصرية ٩٤/١، والأغاني ١٨٢/٢١، وفي خزانة الأدب ٣٤٧/٣،
وفيها: احتُملت، بدل: احتملوا.
(٥) القبس شرح الموطأ ١/ ١٢١ - ١٢٢.
(٦) ينظر الاستذكار ٢٥/٢، والمحرر الوجيز ١٦٣/٢.
....--.

٣٣٦
سورة المائدة: الآية ٦
معناها التبعيض، لأَفادته في ذلك الموضع، وهذا قاطعٌ.
وقيل: إنما دخلت لتُفيدَ معنّى بديعاً، وهو أنَّ الغَسْلَ - لغةً - يقتضي مغسولاً به،
والمسحَ - لغةً - لا يقتضي ممسوحاً به؛ فلو قال: وامسحوا رؤُوسَكم؛ لأَجزأ المسحُ
باليد إمراراً من غير شيءٍ على الرّأس؛ فدخلت الباءُ لتفيدَ ممسوحاً به؛ وهو الماءُ،
فكأنه قال: وامسحوا برؤوسكم الماءَ؛ وذلك فصيحُ في اللغة على وجهين؛ إما على
القَلْب، كما أنشد سيبويه(١):
كنّوَاحِ رِيشٍ حَمَامةٍ نَجْدِيَّةٍ(٢) وَمَسَحْتٍ بِاللِّئَتَيْنِ عَصْفَ الإِثْمِدِ(٣)
واللِّئَةُ هي الممسوحةُ بعَصْفِ الإِثْمِدِ، فقَلَبَ. وإمَّا على الاشتراكِ في الفعل
والتساوي في نسبته، كقول الشاعر:
مِثْل القَنَافِذِ هَذَّاجون قد بَلَغتْ
نَجرانَ أو بَلَغَتْ سَوْءَاتِھم ھَجَرُ(٤)
فهذا ما لعلمائنا في معنى الباء(٥).
وقال الشافعيُّ: احتمل قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ بعض الرأسِ
ومسحَ جميعِه، فدلّت السُّنَّةُ أنَّ مسحَ بعضِه يُجزئ، وهو أنَّ النبيَّ # مَسحَ بناصِيته(٦).
(١) في الكتاب ١/ ٢٧ .
(٢) في (ظ): تحدية، وفي (م): بخدية، والمثبت من (د) و(ز)، ومصادر التخريج.
(٣) قائله خُفاف بن نُدبة، وهو في اللسان (تيز)، وفي البيت يصف الشاعر شفتي امرأة، فشبَّهها بنواحي
ريش الحمامةِ في رِقَّتهما ولطافتهما، وأراد أن لئاتها تضرب إلى السمرة، فكأنها مُسحت بالإثمد،
وعَصْفُ الإئمد ما سُحق منه. تحصيل عين الذهب ص٥٩ .
(٤) قائله الأخطل، وهو في ديوانه ص١١٠، وفيه: على العِيَارات، بدل: مثل القنافذ، وخُدِّثت بدل:
بُلِّغَت؛ وقوله: قَنافذ: جمع قُنفذ، وهو حيوان معروف يضرب به المثل في سرى الليل، وقوله:
هدَّاجون من الهدج، وهو السَّير السريع، والمعنى: أن رهط جرير كالقنافذ، لمشيهم في الليل للسرقة
والفجور. خزانة الأدب ٩/ ٢٧٠ - ٢٧١، وقوله في رواية الديوان: على العيارت: جمع عَيْر، وهو
الحمار. ينظر القاموس (غير).
(٥) القبس شرح الموطأ ١٢٢/١. وينظر أحكام القرآن ٥٦٩/٢ - ٥٧٠ كلاهما لابن العربي.
(٦) أخرجه أحمد (١٨١٣٤)، ومسلم (٢٧٤): (٨١) من حديث المغيرة بن شعبة ﴾ مطولاً، وسيرد قريباً.

٣٣٧
سورة المائدة: الآية ٦
وقال في موضعٍ آخرَ: فإنْ قيلَ: قَد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ في
التّمّم، أيُجزِئُ بعضُ الوجهِ فيه؟ قيل له: مسحُ الوجهِ في التيمم بدلٌ من غسله؛ فلابدَّ
أنْ يأتيَ بالمسح على جميع موضعِ الغَسْلِ منه، ومسحُ الرأسِ أصلٌ؛ فهذا فرقُ ما
بينهما(١).
أجاب علماؤنا عن الحديث بأنْ قالوا: لعلَّ النبيَّ :﴿ فعل ذلك لعذرٍ؛ لاسيّما
وكان هذا الفعلُ منه ﴿ في السَّفر، وهو مَظِنَّةُ الأعذارِ، وموضعُ الاستعجالِ
والاختصارِ، وحَذْفِ كثيرٍ من الفرائضِ لأجل المشَفَّاتِ والأخطارِ (٢)، ثم هو لم
يكتفِ بالناصية حتى مَسحَ على العِمامة؛ أخرجه مسلم(٣) من حديث المُغِيرة بنِ
شُعْبةَ؛ فلو لم يكنْ مسحُ جميعِ الرأسِ واجباً؛ لَمَا مَسَحَ على العِمامة(٤)؛ والله أعلم.
التاسعة: وجمهورُ العلماءِ على أنَّ مَسْحةً واحدةً مُوعِبةً كاملةً تُجزِئُ.
وقال الشافعيُّ: يمسحُ رأسَه ثلاثاً، ورُوي عن أنسٍ وسعيد بن جبير وعطاء.
وكان ابنُ سِيرین يَمسح مرَّتين(٥).
قال أبو داود: أحاديثُ عثمانَ الصِّحاحُ كلُّها تدلُّ على أنَّ مَسْحَ الرأسِ مرَّةً؛
فإنهم ذكروا الوضوءَ ثلاثاً، قالوا فيها: ومَسَحَ برأسِه، ولم يذكروا عدداً (٦).
العاشرة: واختلفوا من أين يبدأُ بمسحه؛ فقال مالك: يبدأ بمقدَّم رأسِه، ثم
يذهبُ بيديه إلى مؤشّره، ثم يردُّهما إلى مقدَّمه؛ على حديث عبد الله بنِ زيدٍ. أخرجه
مسلم(٧)؛ وبه يقول الشافعيُّ وابن حنبل.
(١) الأم ٢٢/١، ٤٢، والتمهيد ١٢٧/٢٠، وعنه نقل المصنف.
(٢) القبس ١٢٢/١ - ١٢٣.
(٣) برقم (٢٧٤): (٨١)، وسلف قريباً.
(٤) ينظر إكمال المعلم ٩٠/٢ . والمفهم ٥٣٣/١.
(٥) ينظر التمهيد ١٢٤/٢٠، والاستذكار ٢٦/٢ - ٢٧.
(٦) سنن أبي داود ٧٥/١، وحديث عثمان ﴾ أخرجه أحمد (٤١٥)، والبخاري (١٦٤)، ومسلم (٢٢٦).
(٧) برقم (٢٣٥)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٦٤٣١)، والبخاري (١٨٥).

٣٣٨
سورة المائدة: الآية ٦
وكان الحسن بنُ حيّ يقول: يبدأُ بمؤخّر الرأس؛ على حديث الرُّبَيِّع بنتٍ مُعَوِّد بنِ
عَفْرَاء، وهو حديثٌ مختلَفٌ(١) في ألفاظه، وهو يدورُ على عبد اللهِ بنِ محمد بن
عَقِيل، وليس بالحافظ عندَهم؛ أخرجه أبو داود من رواية بِشْر بنِ المُفَضَّل عن عبد
الله، عن الرُّبَيِّع(٢).
ورَوى ابن عَجْلانَ عنه، عن الرُّبَيِّع: أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ توضَّأ عندها(٣)، فمسَحَ
الرأسَ كلَّه من قَرْن الشَّعرِ، كلُّ ناحيةٍ بمُنْصَبِّ الشَّعر، لا يحرِّك الشَّعر عن هيئته (٤)؛
ورُويت هذه الصفةُ عن ابن عمرَ، وأنه كان يبدأ من وسط رأسِه (٥).
وأصَحُّ ما في هذا البابِ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ زيد؛ وكلُّ من أجاز بعضَ الرأس،
فإنما يرى ذلك البعضَ في مقدَّم الرأس.
ورُوي عن إبراهيم والشعبيِّ أنهما (٦) قالا: أيُّ نَواحِي رأسِكَ مسحتَ؛ أجزاً
عنك. ومسح ابنُ عمر اليافُوخَ (٧) فقط.
والإجماع منعقِدٌ على استحسان المسح باليدين معاً، وعلى الإجزاءِ إنْ مسح بيدٍ
واحدة.
(١) في (د) و(ز) و(م): يختلف، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للتمهيد ١٢٥/٢٠، والكلام منه.
(٢) سنن أبي داود (١٢٦)، وهو عند أحمد (٢٧٠١٦)، من طريق ابن عقيل به. وابن عقيل هذا قال عنه أبو
حاتم: لين الحديث، وقال ابن معين: ضعيف، وقال الترمذي: صدوق، وتكلم فيه بعضهم من قبل
حفظه، وقال ابن حبان: رديء الحفظ، وقال البخاري: كان أحمد وإسحاق والحميدي يحتجون بحديثه.
ميزان الاعتدال ٤٨٤/٢. والرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ إحدى المبايعات تحت الشجرة، كانت تغزو مع النبي ﴾،
وكان # يزورها في بيتها. ينظر الإصابة ١٢/ ٢٥١ .
(٣) في النسخ: عندنا، والمثبت من المصادر.
.(٤) أخرجه أحمد (٢٧٠٢٤)، وأبو داود (١٢٨). قوله: قرن الشعر؛ ذكر صاحب بذل المجهود ٣١٧/١ أنه
وقع في بعض النسخ بدل قرن: فوق، وفي بعضها: فرق، وقال: أي يبدأ من أعلى الرأس إلى كل
ناحية. وقوله: مُنْصَبّ: هو بضم الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة، أي:
محلّ انصبابه وانحداره، وهو أسفل رأسه.
(٥) ينظر التمهيد ١٢٤/٢ - ١٢٥، والاستذكار ٢٦/٢ - ٢٩.
(٦) لفظة: أنهما، من (م).
(٧) هو مُلتقى عظمٍ مقدم الرأس ومؤخّره. انظر القاموس (أفخ).

٣٣٩
سورة المائدة: الآية ٦
واختُلف فيمن مَسح بإصبعٍ واحدةٍ حتى عمَّ ما يَرى أنه يُجزئه من الرأس؛
فالمشهورُ أنَّ ذلك يُجزئ، وهو قولُ سفيانَ الثوريِّ؛ قال سفيان: إنْ مسحَ رأسَه
بإصبعٍ واحدةٍ أجزأه.
وقيل: إنَّ ذلك لا يُجزِئ؛ لأنه خروجٌ عن سُنَّة المسح، وكأنه لَعِبٌ؛ إلا أنْ يكون
ذلك عن ضرورةٍ مرضٍ، فينبغي ألَّ يُختلفَ في الإجزاء.
قال أبو حنيفةَ وأبو يوسف ومحمد: لا يُجزِئُ مسحُ الرأسِ بأقلَّ من ثلاثٍ
أصابعَ.
واختلفوا في ردِّ اليدين على شعر الرأسِ: هل هو فرضٌ أو سنةٌ؟ - بعد الإجماع
على أنَّ المسحةَ الأولى فرضٌ بالقرآن - فالجمهور على أنه سنةٌ، وقيل: هو فرضٌ(١).
الحادية عشرة: فلو غَسَل متوضِّئٌ رأسَه بدلَ المسح، فقال ابن العربي(٢): لا
نعلم خلافاً أنَّ ذلك يُجزئه، إلا ما أخبرنا الإمام فخرُ الإسلامِ الشَّاشِيُّ في الدرس عن
أبي العباس بن القاصُ(٣) من أصحابهم قال: لا يُجزئه. وهذا توَلَّجٌ(٤) في مذهب
الدَّاوديَّةِ الفاسدِ من اتِّباع الظاهرِ المبطلِ للشريعة الذي ذمَّه(٥) الله في قوله: ﴿يَعْلَمُونَ
ظَاهِرًا مِنَ الْحَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]، وقال تعالى: ﴿أَمَ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوّلْ﴾ [الرعد: ٣٣]،
وإلا فقد جاء هذا الغاسلُ بما أُمِر وزيادة.
فإن قيل: هذه زيادةٌ خَرجت عن اللفظ المتعبَّدِ به. قلنا: ولم تخرج (٦) عن(٧)
(١) ينظر الأوسط ٣٩٧/١ - ٣٩٩، والتمهيد ١٢٧/٢٠ - ١٢٨، والاستذكار ٣٤/٢ - ٣٥، والمحرر
الوجيز ١٦٢/٢ - ١٦٣، وأخرج الأقوال الطبري ١٨٦/٨.
(٢) في أحكام القرآن ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١ .
(٣) هو أحمد بن أبي أحمد الطبري شيخ الشافعية، صنف كتاب المفتاح وكتاب أدب القاضي والمواقيت،
توفي بطرسُوس مرابطاً سنة (٣٣٥هـ). السير ٣٧١/١٥.
(٤) أي: دخول، ولم تجود الكلمة في النسخ، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن ٢/ ٥٧٠ .
(٥) في النسخ: التي ذم، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٦) في (د) و(ز) و(م): يخرج، والمثبت من (ظ).
(٧) في النسخ: من، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن.

٣٤٠
سورة المائدة: الآية ٦
معناه في إيصالِ الفعلِ إلى المحلِّ، وكذلك لو مسح رأسَه، ثم حَلَقَه؛ لم يكن عليه
إعادةٌ المسح.
الثانية عشرة: وأما الأذنانِ؛ فهما من الرأس عند مالكٍ وأحمدَ والثوريٍّ وأبي
حنيفةَ وغيرهم، ثم اختلفوا في تجديد الماء؛ فقال مالك وأحمد: يَستأنفُ لهما ماءً
جديداً سوى الماءِ الذي مَسَحَ به الرأسَ، على ما فَعَل ابنُ عمر (١). وهكذا قال
الشافعيُّ في تجديد الماء، وقال: هما سُنّةٌ على حيالهما(٢)؛ لا من الوجه ولا من
الرأس؛ لاتفاق العلماءِ على أنه لا يَحلقُ ما عليهما من الشَّعر في الحجّ؛ وقولُ أبي
ثور في هذا كقول الشافعيّ.
وقال الثوريُّ وأبو حنيفة: يُمْسَحان مع الرأس بماء واحدٍ؛ ورُوي عن جماعة من
السَّلَف مثلُ هذا القولِ من الصحابة والتابعين.
وقال داود: إنْ مسح أذنيه فحسنٌ، وإلا فلا شيء عليه(٣)؛ إذ ليستا مذكورتين في
القرآن. قيل له: اسمُ الرأسِ تضمَّنهما كما بيَّناه.
وقد جاءت أحاديثُ صحيحةٌ(٤) في كتاب النَّسائيِّ وأبي داود وغيرهما: أن(٥)
النبيَّ * مسح ظاهرَهما وباطنَهما، وأَدخلَ أصابعَه في صِمَاخَيه(٦)، وإنما يدلُّ عدمُ
ذكرِهما من الكتاب على أنهما ليستا بفرضٍ كغَسْل الوجهِ واليدين، وثبتت سُنّةُ
مسحهما بالسنة.
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٦).
(٢) في (م): حالهما.
(٣) ينظر الأوسط ٣٠٢/١ - ٣٠٤، والتمهيد ٣٦/٤ - ٣٧.
(٤) في (د) و(ز) و(م): الأحاديث الصحيحة، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمفهم ٤٨٩/١. والكلام منه.
(٥) في (ظ) و(م): بأن، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق للمفهم.
(٦) رواه أبو داود (١٢١) (١٢٣) من حديث المقدام بن معدي كرب ه وهو عند أحمد (١٧١٨٨) والنسائي
في المجتبى ٧٤/١، والكبرى (١٠٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. بنحوه. وانظر تخريج
الأحاديث في ذلك آخر هذه المسألة.