النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سورة المائدة: الآية ٣ الثانية عشرة: وأجمع العلماء على أنَّ الذَّبحَ مهما كان في الحلق تحت الغَلْصَمَةِ(١) فقد تمَّت الذكاة. واختلف فيما إذا ذُبح فوقَها وجازَها إلى البدن؛ هل ذلك ذكاة أم لا؟ على قولين، وقد رُوي عن مالك أنها لا تؤكل(٢). وكذلك لو ذبَحَها منَ القَفا، واستوفَى القطع، وأنْهَرَ الدَّمَ، وقطعَ الحُلقومَ والوَدَجَيْن؛ لم تؤكل. وقال الشافعي: تؤكل؛ لأن المقصودَ قد حصل. وهذا ينبني على أصل، وهو أنَّ الذَّكاةَ وإن كان المقصودُ منها إنهارَ الدَّم؛ ففيها ضربٌ من التعبُّد؛ وقد ذَبح ﴿ في الحلق ونَحَر في اللَّبَّة، وقال: ((إنَّما الذَّكاةُ في الحَلْقِ واللَّبَّة))(٣). فبيَّنَ محلَّها، وعيَّن موضعها، وقال مبيِّناً لفائدتها: ((ما أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِر اسمُ الله عليه فكُلْ))(٤). فإذا أُهمل ذلك ولم تقع بِنيَّة، ولا بشرط، ولا بصفة مخصوصة؛ زال منها حَظُّ التعبُّد، فلم تؤكلْ لذلك. والله أعلم(٥). الثالثة عشرة: واختلفوا فيمَن رفعَ يدَه قبل تمام الذَّكاة، ثم رجعَ في الفور وأكملَ الذَّكاة؛ فقيل: يُجزئه، وقيل: لا يُجزئه، والأوّل أصحُ؛ لأنه جرحها، ثم ذكّاها بعدُ (١) هي رأس الحلقوم. (٢) المفهم ٥/ ٣٧٠ . (٣) أخرجه الدار قطني (٤٧٥٤)، ومن طريقه ابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (١٩٣٩) من. حديث أبي هريرة مرفوعاً، وفي إسناده سعيد بن سلَّام العطار. قال الزيلعي في نصب الراية ٤/ ١٨٥ : قال في التنقيح: هذا إسناد ضعيف بمرة، وسعيد بن سلام أجمع الأئمة على ترك الاحتجاج به، وكذّبه ابن نمير، وقال البخاري: يذكر بوضع الحديث، وقال الدارقطني: يحدث الأباطيل، متروك. انتهى. وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه موقوفاً على ابن عباس [٨٦١٥]، وعلى عمر [٨٦١٤]. قلنا: وقول ابن عباس علقه البخاري قبل الحديث (٥٥١٠)، ووصله البيهقي ٢٧٨/٩ . وأورده ابن حجر في فتح الباري ٩/ ٦٤١ وقال: هذا إسناد صحيح، وجاء مرفوعاً من وجه واه. قوله: اللَّة، بفتح اللام وتشديد الموحدة: هي موضع القلادة من الصدر، وهي المنحر. وأما قول عمر فأخرجه البيهقي ٢٧٨/٩ . (٤) تقدم من حدیث رافع بن خديج. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٤١ . ٢٨٢ سورة المائدة: الآية ٣ وحياتها مستجمعة فيها(١). الرابعة عشرة: ويستحبُّ ألَّا يَذبحَ إلا مَن تُرضَى حالُه. وكلُّ مَن أطاقَه، وجاءَ به على سُنّته مِن ذَكَر أو أنثى، بالغ أو غير بالغ؛ جازَ ذبحُه إذا كان مسلماً أو كتابيًّا، وذبحُ المسلمِ أفضلُ من ذبْح الكتابيِّ، ولا يذبح نُسكاً إلا مسلم؛ فإنْ ذَبح النُّسكَ كتابيٌّ فقد اختلف فيه؛ ولا يجوز في تحصيل المذهب، وقد أجازه أشهب(٢). الخامسة عشرة: وما استوحش من الإنسيِّ لم يَجُزْ في ذكاته إلَّا ما يجوز في ذكاة الإنسيِّ؛ في قول مالك وأصحابه وربيعة والليث بن سعد؛ وكذلك المتردِّي في البئر لا تكون الذَّكاة فيه إلا فيما بين الحَلْق واللَّبَّة على سنَّة الذَّكاة. وقد خالف في هاتين المسألتين بعضُ أهلِ المدينة وغيرهم (٣). وفي الباب حديث رافع بن خَدِيج وقد تقدَّم، وتمامُه بعد قوله: ((فَمُدَى الحَبَشَة))؛ قال: وأصبنا نَهْبَ إبلٍ وغَنَم، فَندَّ منها بعيرٌ، فرماه رجل بسَهْم فحبسه، فقال رسول اللـه ﴾: ((إنَّ لهذه الإبلِ أَوَابِدَ (٤) كأوَابِدَ الوَحْشِ، فإذا غَلَبَكُم منها شيءٌ فافْعَلُوا به هكذا)). وفي رواية: ((وكُلُوه))(٥). وبه قال أبو حنيفة والشَّافعيُّ؛ قال الشافعي: تسليطُ النبي # على هذا الفعل دليلٌ على أنه ذكاة؛ واحتجَّ بما رواه أبو داود والترمذيُّ عن أبي العُشَرَاء، عن أبيه قال: قلتُ: يا رسول الله، أَمَا تكونُ الذَّكاةُ إلَّ في الحَلْقِ واللَّبَّة؟ قال: ((لو طَعَنْتَ في فَخِذِها لأَجزأَ عنكَ))(٦). (١) الكافي لابن عبد البر ٤٢٧/١. (٢) الكافي لابن عبد البر ٤٣٠/١ . (٣) ينظر الكافي ٤٢٨/١ . (٤) جمع آبدة، وهي التي تأبَّدت، أي: توحشت ونفرت من الإنس. النهاية (أبد). (٥) في (م): ((فكلوه)). وهذه الرواية عند الحميدي في مسنده (٤١١)، والطبراني في المعجم الكبير (٤٣٩١). (٦) سنن أبي داود (٢٨٢٥)، وسنن الترمذي (١٤٨١) وقال: هذا حديث غريب. وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٩٤٧)، والنسائي في المجتبى ٢٢٨/٧، وفي السنن الكبرى (٤٤٨٢)، وابن ماجه (٣١٨٤). قال البخاري في التاريخ الكبير ٢٢/٢: في حديثه (أي: أبي العشراء) واسمه وسماعه من أبيه نظر. قال = ٢٨٣ سورة المائدة: الآية ٣ قال يزيد بن هارون: [هذا في الضرورة](١). وهو حديثٌ صحيح أعجبَ أحمدَ ابن حنبل، ورواه عن أبي داود(٢)، وأشارَ على مَن دخلَ عليه من الحفّاظ أن يكتبَه. قال أبو داود(٣): لا يصلح هذا إلا في المتردِّية والمستوحش. وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ما سقط في مَهْواة، فلا يُوصَل إلى ذكاته إلا بالطّعن في غير موضع الذَّكاة؛ وهو قولٌ انفردَ به عن مالك وأصحابه(٤). قال أبو عمر (٥): قول الشافعيّ أظهر في أهل العلم، وأنه يؤكل بما يؤكل به الوحشيّ؛ لحديث رافع بن خَدِيج، وهو قول ابن عباس وابن مسعود، ومن جهة القياس لمَّا كان الوحشيُّ إذا قُدِر عليه لم يَحِلَّ إلا بما يَحِلُّ به الإنسيُّ؛ لأنه صار مقدوراً عليه؛ فكذلك ينبغي في القياس إذا توخّش، أو صار في معنى الوحشيٍّ من الامتناع، أن يَحِلَّ بما يَحِلُّ به الوحشيُّ. قلت: أجاب علماؤنا عن حديث رافع بن خَدِيج بأن قالوا: تسليطُ النبيِّ# إنما هو على حبسه لا على ذكاته، وهو مقتضَى الحديث وظاهرُه؛ لقوله: ((فحَبَسَه)) ولم يقل: إنَّ السَّهم قتله، وأيضاً فإنه مقدورٌ عليه في غالب الأحوال، فلا يراعَى النَّادرُ منه، وإنما يكون ذلك في الصَّيد(٦). وقد صرَّح الحديث بأنَّ السَّهمَ حبسه، وبعد أن = ابن حجر في تهذيب التهذيب ٥٥٦/٤ : قال الميموني: سألت أحمد عن حديث أبي العشراء في الذكاة، قال: هو عندي غلط، ولا يعجبني، ولا أذهب إليه إلا في موضع الضرورة. قال ابن حجر: قال أبو داود في موضع آخر: سمعه مني أحمد بن حنبل فاستحسنه جداً. (١) ما بين حاصرتين هو قول يزيد بن هارون، وما بعده ليس من قوله، إنما هو لابن العربي في أحكام القرآن ٥٣٧/٢ . فوهم المصنف رحمه الله، ونسبه ليزيد، وسيكرر نسبته إليه فيما يأتي. وقد ذكر الترمذي قول يزيد بإثر الحديث المذكور. (٢) رواية الإمام أحمد عن أبي داود هي من رواية الأكابر عن الأصاغر، فالإمام أحمد من شيوخ أبي داود. (٣) بإثر الحديث (٢٨٢٥). (٤) المفهم ٣٧٤/٥ . (٥) في الاستذكار ٢٧٠/١٥ - ٢٧٢ . (٦) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٣٧ . ٢٨٤ سورة المائدة: الآية ٣ صار محبوساً صار مقدوراً عليه؛ فلا يؤكل إلا بالذَّبح والنَّحر(١). والله أعلم. وأما حديث أبي العُشَراء فقد قال فيه التِّرمذيُّ: حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلَّا من حديث حمَّاد بن سَلَمة، ولا نعرف لأبي العُشَرَاء عن أبيه غير هذا الحديث. واختلفوا في اسم أبي العشراء؛ فقال بعضهم: اسمه أسامة بن قِهْطِم، ويقال: اسمه يَسار بن بَرْز - ويقال: بَلْز - ويقال: اسمه عُطَارِد؛ نُسِب إلى جدّه. فهذا سند مجهول لا حجَّة فيه؛ ولو سُلِّمت صحته - كما قال يزيد بن هارون - لَمَا كان فيه حُجَّة؛ إذ مقتضاه جواز الذَّكاة في أيِّ عضوٍ كان مطلقاً؛ في المقدور وغيره، ولا قائل به في المقدور؛ فظاهره ليس بمراد قطعاً. وتأويل أبي داود وابن حبيب له غير متفق عليه؛ فلا يكون فيه حُجَّة، والله أعلم(٢). قال أبو عمر (٣): وحُجَّة مالك أنهم قد أجمعوا أنه لو لم ينِدَّ الإنسيُّ أنه لا يُذكَّى إلا بما يُذكَّى به المقدور عليه، ثم اختلفوا، فهو على أصله حتى يتَّفِقوا. وهذا لا حُجَّة فيه؛ لأن إجماعهم إنما انعقد على مقدور عليه، وهذا غير مقدور عليه. السادسة عشرة: ومن تمام هذا الباب قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذا قَتَلتُم فأَحْسِنوا القِتْلَة، وإذا ذَبَحتُم فأحسِنوا الذّبح، ولْيُحِدَّ أحدُكم شَفْرَتَه، وليُرِخْ ذبيحته)» رواه مسلم (٤) عن شدّاد بن أوس قال: ثِنتان حفظتُهما عن رسول الله ﴿ قال: ((إنَّ اللهَ كَتَبَ)) فذكره. قال علماؤنا: إحسانُ الذَّبح في البهائم: الرِّفق بها؛ فلا يَصْرَعها بعُنْف، ولا يَجرُّها من موضع إلى آخر، وإحدادُ الآلة، وإحضارُ نيَّة الإباحة والقُرْبة، وتوجيهُها إلى القبلة، والإجْهَاز وقَظْع الوَدَجَيْن والحُلقُومِ، وإراحتُها وتركُها إلى أن تبرد، (١) ينظر المفهم ٣٧٣/٥ . (٢) المفهم ٥/ ٣٧٤ . دون قوله: كما قال يزيد بن هارون، فقد زاده المصنف، وهو وهم منه رحمه الله، كما سلف ذكره. وقول الترمذي أورده عقب الحديث (١٤٨١) ونقله المصنف عنه بواسطة المفهم. (٣) في الاستذكار ٢٧٢/١٥. (٤) صحيح مسلم (١٩٥٥). وهو في مسند أحمد (١٧١١٣). ٢٨٥ سورة المائدة: الآية ٣ والاعترافُ لله بالمِنَّة، والشكرُ له بالنعمة؛ بأنه سخّر لنا ما لو شاء لسلَّطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرَّمه علينا. وقال ربيعة: مِن إحسان الذَّبح ألَّا يذبح بهيمة وأخرى تنظرُ إليها؛ وحُكِيَ جوازُه عن مالك، والأوَّل أحسن. وأما حُسْنُ القِتْلة فعامٌّ في كل شيءٍ منَ التَّذكية والقِصاص والحدود وغيرها(١). وقد رَوَى أبو داود عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: نَهَى رسولُ اللـه ﴾ عن شَرِيطة الشيطان. زاد ابنُ عيسى في حديثه: وهي التي تُذبح فتُقطع ولا تُفْرَى الأوداجُ، ثم تُترك فتموت(٢). السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَ النُّصُبِ﴾ قال ابن فارس (٣): النُّصُب: حَجَر كان يُنْصَب فيُعبد، وتُصبُّ عليه دماء الذّبائح، وهو النَّصْب أيضاً. والنَّصَائِب: حِجارة تُنصَب حَوَالي شَغير البئر فتُجعل عَضَائِدَ. وغُبار مُنْتَصب: مرتفع. وقيل: ((النُّصُب)) جمع، واحدُه نِصاب، كحمار وحُمُر. وقيل: هو اسم مفرد، والجمع أنصاب؛ وكانت ثلاث مئة وستِين حَجَراً (٤). وقرأ طلحة: ((النُّصْبِ)) بجزم الصَّاد(٥). ورُوِي عن أبي عمرو (٦): ((النَّصْبِ)) بفتح (١) المفهم ٢٤١/٥ - ٢٤٢ . وما قبله منه. (٢) سنن أبي داود (٢٨٢٦). وأخرجه أحمد (٢٦١٨) بنحوه. وابن عيسى هو الحسن بن عيسى مولى ابن المبارك، أحد رجال الإسناد. وفي إسناده عمرو بن عبد الله اليماني؛ قال المنذري في مختصر السنن ١١٨/٤: قد تكلم فيه غير واحد. قال الخطابي في معالم السنن ٢٨١/٤ : إنما سمي هذا شريطة الشيطان؛ من أجل أن الشيطان هو الذي يحملهم على ذلك، ويُحَسِّن هذا الفعل عندهم. وأخذت الشريطة من الشرط؛ وهو شقُّ الجلد بالمبضع ونحوه، كأنه قد اقتصر على شرطه بالحديد دون ذبحِه والإتيانِ بالقطع على حَلْقِه. (٣) مجمل اللغة ٤ / ٨٧٠ . (٤) ينظر المحرر الوجيز ١٥٢/٢. (٥) المحرر الوجيز ١٥٣/٢، والقراءات الشاذة ص٣١. (٦) في (م): ابن عمر. وهو خطأ. والمثبت من النسخ. وذكر هذه القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣١ من رواية أبي عبيدة عن أبي عمرو. ٢٨٦ سورة المائدة: الآية ٣ النون وجزم الصَّاد. الجَحْدرِيّ: بفتح النون والصاد (١)، جعله اسماً موحَّداً؛ كالجبل والجمل، والجمع أنصاب؛ كالأجمال والأجبال. قال مجاهد: هي حجارةٌ كانت حوالي مكة يذبحون عليها(٢). قال ابن جُرَيج: كانت العربُ تَذبحُ بمكةَ، وتَنضح بالدَّم ما أقبل من البيت، ويشرّحون اللَّحم ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلامُ قال المسلمون للنبيٍ ﴾: نحنُ أحقُّ أن نعظّم هذا البيت بهذه الأفعال، فكأنَّه عليه الصلاة والسلام لم يكره ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧]، ونزلت: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ المعنى: والنّيَّة فيها تعظيم النُّصُب(٣)، لا أنَّ الذَّبح عليها غير جائز، وقال الأعشى: وَذَا النُّصُبَ المنصوبَ لا تَتْسُكَنَّهُ لِعاقبةٍ (٤) واللهَ رَبَّكَ فَاعْبُدا وقيل: ((على)) بمعنى اللام، أي: لأجلها؛ قاله(٥) قُطْرُب. قال ابن زيد: ما ذُبح على النُّصُب وما أُهِلَّ به لغير الله شيءٌ واحد (٦). قال ابن عطية (٧): ما ذُبح على النُّصُب جزءٌ مما أُهِلَّ به لغير الله، ولكن خُصَّ بالذِّكْرِ بعد جنسه؛ لشُهْرة الأمر، وشَرَف الموضع، وتعظيم النفوس له. الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِّ﴾ معطوف على ما قبله، و((أَنْ)) في محل رفع، أي: وحُرِّم عليكم الاستقسامُ(٨). (١) نسبها في المحرر الوجيز ٢/ ١٥٣ لعيسى بن عمر. (٢) تفسير مجاهد: ١٨٥ . (٣) المحرر الوجيز ٢/ ١٥٢ - ١٥٣. وأخرج قوليهما الطبري ٨/ ٧٠ - ٧١. (٤) في (م) واللسان (نصب): لعافية. والمثبت من النسخ موافق للصحاح (نصب) والكشاف ٥٩٣/١ . والبيت في ديوان الأعشى ص١٨٧ في مدح النبي #، وفيه: ((ولا تعبد الأوثان والله فاعبد)). قال في اللسان: وذا النصبَ؛ بمعنى: إياك وذا النصبَ. (٥) في (م): قال. وهو خطأ. وينظر تفسير البغوي ٩/٢ . (٦) أخرجه الطبري ٨/ ٧٢ . (٧) في المحرر الوجيز ١٥٣/٢ . (٨) ينظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/ ١٤٦ . ٢٨٧ سورة المائدة: الآية ٣ والأزلام: قِداح المَيْسِر، واحدها زَلَم وزُلَم؛ قال: باتَ يُقَاسِيها غلامٌ كالزَّلَمْ(١) وقال آخر فجمع: فَلَئِنْ جَذِيمةٍ قَتَّلت سَرَواتِها فنساؤها يَضْرِبِن بالأزلامِ(٢) وذكر محمد بن جرير (٣): أن ابن وَكِيعِ حدَّثهم، عن أبيه، عن شَرَيك، عن أبي حُصَين، عن سَعِيد بن جُبير: أنَّ الأزلامِ حَصَى بِيضٌ كانوا يضربون بها. قال محمد بن جرير: قال لنا سفيان بن وكيع: هي الشِّطرَنْجِ. فأما قول لَبِيد: تَزِلُّ عن الشَّرَى أزلامُها فقالوا: أراد أظلافَ البقرة الوحشيّة(٤). والأزلام للعرب ثلاثة أنواع: منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه، على أحدها: افْعَلْ، وعلى الثاني: لا تفعل، والثالث مُهْمَل لا شيءَ عليه، فيجعلها في خريطة(٥) معه، فإذا أراد فِعْلَ شيء أدخل يده - وهي متشابهة - فإذا خَرَج أحدُها؛ الْتَمَر وانتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القِدْحُ الذي لا شيءَ عليه أعاد الضَّرب. وهذه هي التي ضَرَب بها سُرَاقَة بن مالك بن جُعْشُم حين اتَّبع النبيَّ ◌َ﴾ وأبا بكر وقت الهجرة (٦). وإنما قيل لهذا الفعل: استقسام؛ لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون، (١) ينظر تهذيب اللغة ٢١٩/١٣، والصحاح (زلم). والرجز سلف ص٤٣. (٢) لم نقف عليه. (٣) هو الطبري، والكلام في تفسيره ٧٣/٨ . (٤) مجمل اللغة ٤٣٨/١ . وقول لبيد في ديوانه ص١٧٢ ، والبيت بتمامه: بَكْرَتْ تزلُّ عن الثَّرى أزلامُها حتى إذا انحسرَ الظلامُ وأسفرَتْ (٥) الخريطة: وعاء من جلد أو نحوه يُشَدُّ على ما فيه. المعجم الوسيط (خرط). (٦) ذكر خبره ابن هشام في السيرة ١/ ٤٩١ . ٢٨٨ سورة المائدة: الآية ٣ كما يقال: الاستسقاء؛ في الاستدعاء للسَّقي. ونظير هذا الذي حرَّمه الله تعالى قول المُنَجِّم: لا تخرج من أجل نَجْم كذا، واخرج من أجل نَجْم كذا. وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَاذَا تَحْكُسِبُ غَذَا﴾ [لقمان: ٣٤] الآية. وسيأتي بيان هذا مستوفّى إن شاء الله. والنوع الثاني: سبعة قِداح كانت عند هُبَل في جوف الكعبة؛ مكتوبٌ عليها ما يدور بين الناس من النَّوازِل، كل قِدْح منها فيه كتاب؛ قِدح فيه العَقْل(١) من أمر الدِّيات، وفي آخر: ((منكم))، وفي آخر: ((من غيرِكم))، وفي آخر: ((مُلْصَقِ))(٢)، وفي سائرها أحكام المياه(٣) وغير ذلك، وهي التي ضَرَب بها عبد المطّلب على بَنِيه؛ إذ كان نَذَرَ نَحْرَ أحدِهم إذا کملوا عشرة؛ الخبر المشهور ذكره ابن إسحاق (٤). وهذه السبعة أيضاً كانت عند كل كاهِن من كُمَّان العرب وحُّامهم؛ على نحو ما كانت في الكعبة عند ◌ُبَل. والنوع الثالث: هو قِداح المَيْسِر، وهي عشرة؛ سبعة منها فيها خُطُوظ (٥) [لها بعددها حظوظ]، وثلاثة أغفال(٦)، وكانوا يضربون بها مقامرةً لَهْواً ولَعِباً، وكان (١) العَقْل: الدية. قال ابن هشام في السيرة ١٥٢/١: إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم، ضربوا بالقداح السبعة، فإن خرج العقل؛ فعلى مَن خرج حمله. (٢) قال ابن هشام في السيرة ١/ ١٥٢: كانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاماً، أو ينكحوا منكحاً، أو يدفنوا ميتاً، أو شكّوا في نسب أحدهم؛ ذهبوا إلى هبل وبمئة درهم وجَزور، فأعطوها صاحب القِداح الذي يضرب بها، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون، ثم قالوا: يا إلهنا، هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا، فأخرج الحقَّ فيه. ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فإن خرج عليه: ((منكم))؛ كان منهم وسيطاً [أي خالص النسب فيهم]، وإن خرج عليه: ((من غيركم))؛ كان حليفاً، وإن خرج عليه: «ملصق))؛ کان على منزلته فیھم، لا نسب له ولا حلف. (٣) قال ابن هشام في السيرة ١٥٢/١: إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح، وفيها ذلك القدح، فحیثما خرج عملوا به. (٤) نقله عنه ابن هشام في السيرة ١٥٣/١. (٥) في (م): حظوظ. والمثبت موافق للمحرر الوجيز ٢/ ١٥٣، وما قبله وما بين حاصرتين منه. (٦) أغفال: جمع غُفْل وهو ما لا علامة فيه من قداح الميسر، فلا غُنْم له ولا غُرْم عليه. المعجم الوسيط (غفل). وانظر ما سلف عن الميسر ٤٤٢/٣ - ٤٤٤. ٢٨٩ سورة المائدة: الآية ٣ عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين والمُعْدِم في زمن الشِّتاء وكَلَبٍ(١) البَرْد وتعذُّر التَّحرُّف(٢). وقال مجاهد: الأزلام هي كِعاب فارس والرُّوم التي يتقامرون بها(٣). وقال سفيان بن وكيع(٤): هي الشِّطرَنْج. فالاستقسام بهذا كله هو طلب القَسْم والنَّصِيب كما بيَّنًّا، وهو من أكل المال بالباطل، وهو حرام. وكلُّ مُقَامَرة بحَمَام، أو بنَرْد، أو شِطرنج، أو بغير ذلك من هذه الألعاب؛ فهو استقسام كما(٥) هو في معنى الأزلام، حرامٌ كلُّه (٦)؛ وهو ضربٌ من النَّكهُّن والتعرُّض لدعوَى عِلْمِ الغَيْب. قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولهذا نَهَى أصحابُنا عن الأمور التي يفعلها المُنَجِّمون على الطرقات من السهام التي معهم، ورِقاع الفأل في أشباه ذلك. وقال الكِيَا الطبريُّ(٧): وإنما نَهَى الله عنها فيما يتعلَّق بأمور الغيب؛ فإنه لا تدري نفسٌ ماذا يُصِيبُها غَدًا، فليس للأزلام في تعريف المغيَّبات أثر. فاستنبط بعضُ الجاهلين من هذا الردّ على الشافعي في الإقراع بين المماليك في العِثْق، ولم يعلم هذا الجاهلُ أن الذي قاله الشافعيُّ بُني على الأخبار الصحيحة، وليس مما يُعْتَرض عليه بالنهي عن الاستقسام بالأزلام، فإنَّ العِتقَ حكم شرعيٍّ، يجوز أن يجعل الشَّرعُ خروجَ القُرْعَة عَلَماً على إثبات حكم العِتق؛ قَطْعاً للخصومة، أو لمصلحة يراها، ولا يساوي ذلك قولَ القائل: إذا فَعَلت كذا، أو قُلْت كذا؛ فذلك يدلُّك في المستقبل على (١) الكَلَب: الشدة. القاموس (كلب). (٢) أي: التكسُّب. معجم متن اللغة (حرف). (٣) تفسير الطبري ٧٤/٨ . والكِعاب: فصوص النَّرد، واحدها: كعب وكعبة. النهاية (كعب). (٤) في النسخ: سفيان ووكيع، وهو خطأ. والقول في تفسير الطبري ٧٣/٨، وسلف أول هذه المسألة. (٥) في (م): بما. (٦) المحرر الوجيز ١٥٣/٢. (٧) في أحكام القرآن له ٢/ ٢١ . ٢٩٠ سورة المائدة: الآية ٣ أمر من الأمور، فلا يجوز أن يُجعَل خروجُ القِدَاحِ عَلَماً على شيء يتجدَّدُ في المستقبل، ويجوز أن يُجعَل خروجُ القُرْعَة عَلَماً على العثْقِ قَطْعاً، فظهرَ افتراقُ البابین. التاسعة عشرة: وليس من هذا الباب طلب الفأل، وكان عليه الصلاة والسلام يُعجبه أن يسمع: يا راشد، يا نَجيح؛ أخرجه الترمذيُّ، وقال: حديث [حسن] صحيح غريب(١)؛ وإنما كان يعجبه الفأل؛ لأنه تنشرح له النَّفْس، وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل؛ فيُحسن الظنّ بالله عزَّ وجلَّ، وقد قال: ((أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي))(٢) . وكان عليه الصلاة والسلام يكره الطَّرَةَ (٣)؛ لأنها من أعمال أهل الشِّرْك، ولأنها تجلب ظنَّ السّوء بالله عزَّ وجلَّ. قال الخطّابي(٤): الفرق بين الفَأْل والطَّرَة؛ أنَّ الفأل إنما هو من طريق حُسن الظَّنِّ بالله، والطََّرَة إنما هي من طريق الاتِّكال على شيء سواه. وقال الأصمعيُّ: سألتُ ابنَ عَوْن عن الفأل فقال: هو أن يكون مريضاً؛ فيسمع: يا سالم، أو يَكون باغياً(٥)؛ فیسمع : یا واجد؛ وهذا معنى حديث الترمذيّ. وفي صحيح مسلم (٦): عن أبي هريرة قال: سمعت النبيَّ # يقول: ((لا طِيَرَةَ، (١) سنن الترمذي (١٦١٦) من حديث أنس بن مالك ه. وما بين حاصرتين منه ومن تحفة الأحوذي ٥/ ٢٤٢، وتحفة الأشراف ١/ ١٨٢. (٢) قطعة من حديث قدسي أخرجه أحمد (٧٤٢٢)، والبخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﴾. (٣) أخرجه أحمد (٨٣٩٣)، وابن ماجه (٣٥٣٦) من حديث أبي هريرة بلفظ: كان رسول الله ﴾ يحبُّ الفأل الحسن، ويكره الطَّيْرَة. (٤) ينظر معالم السنن ٢٣٥/٤ . (٥) في معالم السنن: طالباً. وهما بمعنَّى واحد. (٦) رقم (٢٢٢٣). وأخرجه أيضاً أحمد (٧٦١٨)، والبخاري (٥٧٥٤) . ٢٩١ سورة المائدة: الآية ٣ وخَيْرُها الفَأْلُ)). قيل: يا رسول الله، وما الفأُلُ؟ قال: ((الكَلِمَةُ الصَّالحةُ يَسْمَعُها أحدُكم» . وسيأتي لمعنى الطّيرة مزيد بيان إن شاء الله تعالى(١) . رُويَ عن أبي الدَّرداء ﴾ أنه قال: إنما العِلْمُ بالنَّعَلُّم، والحِلْمُ بالتَّحَلُّم، ومَنْ يَتَحرَّ الخيرَ يُعْطَهُ، ومَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُؤْقَهُ، وثلاثةٌ لا يَنالون الدرجاتِ العُلا: مَنْ تَكَّهَّنَ، أو اسْتَقْسَمَ، أو رَجَعَ مِن سَفَرٍ مِن طِيْرَةٍ(٢). الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌّ﴾ إشارة إلى الاستقسام بالأزلام. والفِسْقُ: الخروج(٣)، وقد تقدّم(٤). وقيل: يرجع إلى جميع ما ذُكر من الاستحلال لجميع(٥) هذه المحرَّمات، وكلُّ شيء منها فِسقٌ وخروجٌ من الحلال إلى الحرام، والانكفافُ عن هذه المحرَّمات من الوفاء بالعقود؛ إذ قال: ﴿أَوْفُواْ بِآلْعُقُودِ﴾. الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَلْيَّوْمَ بَيْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ يعني أن ترجعوا إلى دينهم كفَّاراً. قال الضَّحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة؛ وذلك أنَّ رسول الله ﴿ فَتحَ مكة لثمانٍ بَقين من رمضان سنة تسع، ويقال: سنة ثمان، ودخلها ونادَى منادي رسول اللـه ﴾: ((أَلَا مَنْ قال: لا إله إلَّ الله؛ فهو آمِن، ومَنْ وضَع (١) في الأعراف عند تفسير الآية (١٣١). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٤٣، وهنّاد في الزهد (١٢٩٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٧٣٩)، وفي المدخل إلى السنن الكبرى (٣٨٥) موقوفاً على أبي الدرداء. قال الدارقطني في العلل ٢١٩/٦: وهو المحفوظ. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٢٦٨٤)، وأبو نعيم في حلية الأولياء ١٧٤/٥، والخطيب البغدادي في تاريخه ٢٠١/٥، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١١٨٤) عن أبي الدرداء وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله *، والمتهم به محمد بن الحسن. وقال الخطيب: غريب من حديث الثوري عن عبد الملك، تفرد به محمد بن الحسن. (٣) المحرر الوجيز ١٥٣/٢. (٤) ١/ ٣٦٧ . (٥) قوله: لجميع، من (م). ٢٩٢ سورة المائدة: الآية ٣ السّلاح؛ فهو آمِن، ومَنْ أغلق بابه؛ فهو آمِن))(١). وفي ((يَئْس)) لغتان: يَئِس يبَيْئَس بأساً، وأَيِس يَأْيَسُ إِياساً وإِياسَةً؛ قاله النضر بن شُمَیْل. ﴿فَلَا تَّهْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ﴾ أي: لا تخافوهم وخافوني، فإني أنا القادر على نصركم. الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وذلك أنَّ النبيَّ # حين كان بمكة لم تكن إلا فريضةُ الصلاة وحدَها، فلما قَدِم المدينة؛ أنزل الله الحلالَ والحرامَ إلى أنْ حَّ؛ فلما حجَّ وكَمُل الدينُ؛ نزلت هذه الآية: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية؛ على مانبيّتُه(٢): رَوَى الأئمة: عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا أُنزلت معشرَ اليهود؛ لأنَّخذنا ذلك اليومَ عيداً؛ قال: وأيُّ آية؟ قال: ﴿ٌلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينً﴾ فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أُنزلت فيه، والمكان الذي أنزلت فيه؛ نزلت على رسول الله # بعَرَفَة في يوم جُمعة. لفظ مسلم. وعند النسائي: ليلة جمعة(٣). : ورُوِيَ أنها لما نزلت في يوم الحجِّ الأكبر، وقرأها رسول الله #؛ بكى عمر، فقال له رسول الله ﴾: ((ما يُبْكِيك))؟ فقال: أبكاني أنَّا كنَّا في زيادة من ديننا، فأمَّا إِذْ(٤) كَمُلَ؛ فإنه لم يكمل شيءٌ إلا نَقَص. فقال له النبي ﴿: ((صَدَقْتَ))(٥). (١) تفسير أبي الليث ٤١٥/١ . (٢) تفسير أبي الليث ١/ ٤١٥ . (٣) صحيح مسلم (٣٠١٧)، وسنن النسائي في المجتبى ٢٥١/٥ و١١٤/٨، وفي الكبرى (٣٩٨٣). وهو عند أحمد (١٨٨)، والبخاري (٤٥)، والترمذي (٣٠٤٣). (٤) في النسخ: إذا، والمثبت من (م). (٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٥٠/١٣ - ٢٥١، والفاكهي في أخبار مكة (٧٨٠)، والطبري ٨/ ٨١، والواحدي ١٥٤/٢. من طريق هارون بن أبي وكيع عن أبيه، وهو عنترة بن عبد الرحمن الكوفي . = ٢٩٣ سورة المائدة: الآية ٣ ورَوَى مجاهد أنَّ هذه الآية نزلت يومَ فتح مكةً. قلت: القول الأوَّل أصحُ، أنها نزلت في يوم جُمعة، وكان يوم عَرَفة بعد العصر في حجَّة الوداع سنة عشر؛ ورسول اللـه ﴿ واقف بعَرَفَة على ناقته العَضْبَاء، فكاد(١) عضُد الناقة يَنْقَدُّ من ثقلها، فبركت(٢). و((اليوم)) قد يُعبَّر بجزء منه عن جميعه، وكذلك عن الشهر ببعضه؛ تقول: فعلنا في شهر كذا كذا، وفي سنة كذا كذا، ومعلوم أنك لم تستوعب الشهرَ ولا السَّنَة؛ وذلك مستعمل في لسان العرب والعَجَم. والدِّين عبارة عن الشرائع التي(٣) شرع وفتح لنا؛ فإنها نزلت نُجُوماً، وآخر ما نَزَل منها هذه الآية، ولم ينزل بعدها حُكْم، قاله ابن عباس والسُّدِّي(٤). وقال الجمهور: المراد معظم الفرائض والتحليل والتحريم، قالوا: وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير، ونزلت آيةُ الرِّبا، ونزلت آية الكَلَالة، إلى غير ذلك، وإنما كمل معظم الدين وأمرُ الحجّ، إذ لم يَطْف معهم في هذه السَّنَة مُشرك، ولا طاف بالبيت عُريان، ووقف الناس كلّهم بعرفة (٥). وقيل: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ بأن أهلكتُ عدوَّكم، وأظهرتُ دينكم على الدين كلِّه؛ كما تقول: قد تمَّ لنا ما نريد: إذا كُفِيتَ عدوَّك(٦). الثالثة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَأَّمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِىِ﴾ أي: بإكمالِ الشرائعِ = والخبر مرسل، لأن عنترة هذا تابعي؛ قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: وَهِمَ من زعم أن له صحبة . (١) في النسخ الخطية: فكادت، والمثبت من (م). (٢) ينظر الوسيط للواحدي ١٥٣/٢. والخبر أخرجه أحمد (٢٧٥٧٥) من حديث أسماء بنت يزيد، ولفظه: إني لآخذة بزمام العضباء - ناقة رسول الله # - إذ أنزلت عليه المائدة كلها، فكادت من ثقلها تدقّ بعضد الناقة. وأخرج نحوه (٦٦٤٣) من حديث عبد الله بن عمرو. قوله: (ينقدُّ)؛ من الانقداد، وهو القطع المستطيل. لسان العرب (قدد). (٣) في النسخ: الذي. والمثبت من (م). (٤) ينظر تفسير الطبري ٨/ ٨٠. (٥) ينظر المحرر الوجيز ١٥٤/٢. (٦) معاني القرآن للنحاس ٢/ ٢٦١ . ٢٩٤ سورة المائدة: الآية ٣ والأحكام، وإظهارٍ دين الإسلام كما وَعَدِتُكم؛ إذ قلت: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وهي دخول مكة آمنين مطمئنين، وغير ذلك مما انتظمته هذه الملَّة الحنيفيَّة إلى دخول الجنة في رحمة الله تعالى. الرابعة والعشرون: لعلَّ قائلاً يقول: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ الدين كان غيرَ كامل في وقت من الأوقات، وذلك يوجب أن يكون جميعُ مَن مات من المهاجرين والأنصار، والذين شَهدوا بَدْراً والحُدَيبية، وبايعوا رسول الله ﴾ البيعتين جميعاً، وبَذَلوا أنفسَهم لِله مع عظيم ما حَلَّ بهم من أنواع المِحَن؛ ماتوا على دين ناقص، وأنَّ رسولَ الله﴾ في ذلك كان يدعو الناس إلى دِين ناقص، ومعلوم أن النَّقْص عَيْب، ودينُ الله تعالى قِيَم، كما قال تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١]. فالجواب أن يقال له: لِمَ قلتَ: إِنَّ كلَّ نقصٍ فهو عَيْب؟ وما دليلُك عليه؟ ثم يقال له: أرأيت نقصانَ الشهر؛ هل يكون عَيْباً؟ ونقصان صلاة المسافر؛ أهو عَيْب لها؟ ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله: ﴿وَمَا يُعَتَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾﴾ [فاطر: ١١]، أهو عَيْب له؟ ونُقصان أيام الحيض عن المعهود، ونُقْصان أيام الحمل، ونقصان المال بسَرِقة أو حرِيق أو غَرَق؛ إذا لم يَفْتقر صاحبه، فما أنكرتَ أنَّ نقصان أجزاء الدِّين في الشرع قبل أن تلحق به الأجزاء الباقية في علم الله تعالى هذه ليست بِشَيْن ولا عيب. وما أنكرتَ أنَّ معنى قولِ الله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يُخَرَّج علی وجھین: أحدهما: أن يكون المراد: بلغتُه أقصى الحدِّ الذي كان له عندي فيما قضيتُه وقدَّرتُه، وذلك لا يوجب أن يكون ما قبل ذلك ناقصاً نُقْصان عيب، لكنه يُوصف بنقصانٍ مُقَيَّدٍ فيقال: إنه كان ناقصاً عمَّا كان عند الله تعالى أنه مُلْحِقُه به وضَامُّه إليه، كالرجل يُبلغه اللهُ مئةَ سنة فيقال: أكمل اللهُ عمرَه؛ ولا يجب عن ذلك أن يكون عُمره حين كان ابنَ ستين كان ناقصاً نقص قصور وخلل، فإن النبيَّ ﴾(١) يقول: ((مَنْ عَمَّرَهُ (١) بعدها في (م): كان. ٢٩٥ سورة المائدة: الآية ٣ اللهُ سِتِّينَ سنةً؛ فقد أَعْذَرَ إليه في العُمُر))(١). ولكنَّه يجوز أن يوصفَ بنقصانٍ مقيّد فيقال: كان ناقصاً عمَّا كان عند الله تعالى أنه مُبلغه إياه ومُعَمِّره إليه. وقد بلغ الله بالظهر والعصر والعشاء أربع ركعات، فلو قيل عند ذلك: أكملها؛ لكان الكلام صحيحاً، ولا يجب عن ذلك أنها كانت - حين كانت ركعتين - ناقصةً نقصَ قصور وخلَلَ، ولو قيل: كانت ناقصة عمَّا عند الله أنه ضَامُّه إليها وزائدُه عليها؛ لكان ذلك صحيحاً، فهكذا هذا في شرائع الإسلام وما كان شُرع منها شيئاً فشيئاً إلى أن أنهَى اللهُ الدِّينَ منتهاه الذي کان له عنده. والله أعلم. والوجه الآخر: أنه أراد بقوله: ﴿ اَلْيَّوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أنه وفَّقهم للحجِّ الذي لم يكن بقيَ عليهم من أركان الدِّين غيرُه، فَحُجُّوا، فاستجمع لهم الدِّين؛ أداءً لأركانه، وقياماً بفرائضه، فإنه يقول عليه الصلاة والسلام: ((بُنيَ الإسلامُ على خَمْس)) الحديثَ(٢). وقد كانوا تشهَّدوا وصلَّوا وزَّوا وصاموا وجاهدوا واعتمروا، ولم يكونوا حجّوا؛ فلمّا حجّوا ذلك اليوم مع النبيِّ # أنزلَ اللهُ تعالى وهم بالموقف عَشِيَّة عرفة: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَغَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِىِ﴾ فإنَّما أرادَ: أكملَ وَضْعَه لهم، وفي ذلك دلالة على أنَّ الطاعات كلَّها دِينٌ وإيمانٌ وإسلام. الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينَا﴾ أي: أعلمتُكم برضاي به لكم ديناً، فإنه تعالى لم يزلْ راضياً بالإسلام لنا ديناً، فلا يكون لاختصاص الرِّضا بذلك اليوم فائدة إنْ حملناه على ظاهره. و((دِيناً)) نُصِب على التمييز، وإن شئت علی مفعول ثان. وقيل: المعنى: ورضيت عنكم إذا انقدتم لي بالدين الذي شَرعتُه لكم. ويحتمل أن يريد: ﴿رَضِيتُ لكم الإسلامَ ديناً﴾ أي: رَضِيت إسلامَكم الذي أنتم (١) أخرجه أحمد (٩٣٩٤)، والبخاري (٦٤١٩) من حديث أبي هريرة ﴾، واللفظ لأحمد. (٢) أخرجه أحمد (٤٧٩٨)، والبخاري (٨)، ومسلم (١٦) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وسلف ١٢١/٣ . ٢٩٦ سورة المائدة: الآية ٣ عليه اليوم ديناً باقياً بكماله، إلى آخر الأبد (١)، لا أنسخ منه شيئاً. والله أعلم. و((الإسلام)) في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّه الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩] وهو الذي يفسَّر في سؤال جبريل للنبي عليهما الصلاة والسلام، وهو الإيمان والأعمال والشُّعَب(٢). السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَخْطُرَّ فِي ◌َخْبَصَةٍ﴾ يعني مَنْ دَعَتْه ضرورةٌ إلى أكل المَيتة وسائر المحرَّمات في هذه الآية(٣). والمَخْمَصة: الجوع، وخَلَاءُ البَظْن من الطعام. والخَمْصُ: ضمورُ البطن. وَرَجُلٌ خَمِيصٌ وخُمْصَان، وامرأةٌ خَمِيصَةٌ وخُمْصَانة، ومنه أخمص القدم، ويستعمل كثيراً في الجُوعِ والغَرَث(٤)، قال الأعشى(٥): وجاراتُكم غَرْثَى يَبِثْنَ خَمّائِصا تَبِیتون في المَشْتَی مِلاءً بُطُونُكُم أي: منطويات على الجوع قد أضمّر بطونَهنَّ(٦). وقال النابغة في خَمْص البطن من جهة ضُمْره: والبطنُ ذو عُكٍّ خَمِيصٌ لَيِّنٌ والنَّخْرُ تَنْفُجُهُ بِثَذْىٍ مُفْعَدٍ(٧) (١) في النسخ: الآية، والمثبت من البحر المحيط ٤٢٧/٣ . (٢) المحرر الوجيز ١٥٥/٢. وسؤال جبريل للنبي عليهما الصلاة والسلام الذي أشار إليه المصنف أخرجه أحمد (١٨٤)، ومسلم (٨) من حديث عمر بن الخطاب . وأخرجه أحمد (٩٥٠١)، والبخاري (٥٠)، ومسلم (٩) من حديث أبي هريرة . وقد سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان والإسلام والساعة والإحسان؛ ليعلّم الناس دينهم. وسلف قطعة منه ٢١١/١ . (٣) المحرر الوجيز ١٥٥/٢ . (٤) أي: الجوع؛ قال في القاموس (غرث): غرث: جاع، فهو غرثانُ من غَرْثى وغَرائى وغِراث، وهي غَرْئی من غراث. (٥) دیو انه ص١٩٩ . (٦) المحرر الوجيز ١٥٥/٢. (٧) ديوان النابغة الذبياني ص٣٩ ، وفيه: والبطن ذو عُكّنٍ لطيفٌ طيّه والإتب تنفجه بندي مقعد وقوله: عُكّن؛ جمع عكنة، وهي الطيُّ الذي في البطن من السَّمَن. مختار الصحاح (عكن). وقوله: تنفجه؛ يعني: ترفعه. القاموس (نفج). ٢٩٧ سورة المائدة: الآية ٣ وفي الحديث: خِمَاصُ البُطُونِ خِفافُ الظُهُور(١). الخِمَاص: جمع الخميص البطن، وهو الضَّامر. أخبر أنهم أعِفَّاءُ عن أموال الناس؛ ومنه الحديث: ((إنَّ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصاً، وتَرُوحُ بِطاناً»(٢). والخَمِيصة أيضاً ثوب؛ قال الأصمعيُّ: الخَمَائِص ثياب خَزٍّ أو صوفٍ مُعْلَمَة، وهي سوداء، كانت من لباس الناس(٣). وقد تقدَّم معنى الاضطرار وحكمه في البقرة (٤). السابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَائِفٍ لِّإِثْمٍ﴾ أي: غير مائل لحرام، وهو بمعنى ﴿غَيّرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] وقد تقدَّم. والجَنَّف: الميل، والإثم: الحرام، ومنه قول عمر ﴾: ما تَجَانَفْنَا فيه لإئم(٥)؛ أي: مَا مِلْنا ولا تعمَّدنا ونحن نعلمه. وكل مائل فهو مُتَجَانِف وجَنِف. وقرأ النَّخَعيُّ ويحيى بن وَتَّاب والسُّلَمي: ((مُتَجَنِّف)) دون ألف(٦)، وهو أبلغ في (١) قطعة من حديث أبي برزة الأسلمي ، أخرجه الحاكم ٤/ ٤٧٠ - ٤٧١، وأبو نعيم في الحلية ٣٢/٢ - ٣٣، والبيهقي ١٩٣/٨ موقوفاً بلفظ: خماص البطون من أموال الناس، خفاف الظهور من دمائهم . (٢) أخرجه أحمد (٢٠٥)، والترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب ﴾، بلفظ: ((لو أنكم تَوَكّلون على الله حق توكله؛ لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) غريب الحديث لأبي عبيد ٢٢٦/١ . (٤) ٣/ ٣٥ . (٥) أخرجه عبد الرزاق (٧٣٩٥)، وابن أبي شيبة ٢٤/٣، والبيهقي ٢١٧/٤، من حديث زيد بن وهب. ولفظه عند عبد الرزاق: أفطر الناس في زمان عمر، قال: فرأيت عِساساً أُخرجت من بيت حفصة، فشربوا في رمضان، ثم طلعت الشمس من سحاب، فكأن ذلك شقَّ على الناس، وقالوا: نقضي هذا اليوم، فقال عمر: ولِمَ؟ فوالله ما تجنّفنا لإثم. وفي حديث عمر الآخر: أمر بقضائه. العِساس: جمع العُسّ، وهو القَدَح الكبير. النهاية (عسس). قال البيهقي: وفي تظاهر هذه الروايات عن عمر بن الخطاب في القضاء دليل على خطأ رواية زيد بن وهب في ترك القضاء ... ثم قال: وزيد ثقة إلا أن الخطأ غير مأمون. (٦) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣١، وابن جني في المحتسب ١/ ٢٠٧ ليحيى وإبراهيم، وزاد نسبتها للسلمي ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٥٥ والكلام منه. ٢٩٨ سورة المائدة: الآيات ٣ - ٤ المعنى؛ لأن شَدَّ العينِ يقتضي مبالغةً وتوغُّلاً في المعنى وثبوتاً لحُكمه؛ وتفاعلَ إنما هو محاكاةُ الشيء والتَّقرُّب منه، ألا ترى أنك إذا قلت: تمايلَ الغُصْنُ؛ فإنَّ ذلك يقتضي تأوُّدًا(١) ومقاربةَ مَيْل، وإذا قلت: تمَيَّل؛ فقد ثبت حكم المَيْل، وكذلك تَصاون الرَّجلُ وتَصوَّن، وتعاقل وتعقّل. فالمعنى: غير متعمِّد لمعصية في مقصده؛ قاله قتادة والشافعي(٢). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فإن الله له غفور رحيم؛ فحذف، وأنشد سيبويه: عَلَيَّ ذَنْباً كلُّهُ لم أضْنَعِ (٣) قد أصْبَحَتْ أمُّ الخِيارِ تَذَّعِي أراد: لم أصنعه؛ فحذف. والله أعلم قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُحِلَ لَكُمُ الطِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْوَارِجِ مُكَلِينَ تُعَلِمُونَهُنَّ ◌ِمَا عَلََّكُمُ اللهُ فَكُواْ مِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَذَّكُرُواْ أَسْتَمَ الَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّقُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ فيه ثماني عشرة مسألة (٤): الأولى: قوله تعالى: ﴿يَسْلُونَكَ﴾ الآية نزلتْ بسبب عَدِيّ بن حاتم وزيد بن مُهَلْهِل - وهو زيدُ الخيل الذي سمَّاه رسولُ اللـه # زيدَ الخير(٥) - قالا: يا رسولَ الله، إنَّا قومٌ نَصيدُ بالكلاب والبُزاة، وإنَّ الكلابَ تأخذُ البقرَ والحُمُر والظُّباء، فمنه ما نُدرِكُ ذكاتَه، ومنه ما تَقتله فلا نُدرِكُ ذكاتَه، وقد حرَّم اللهُ الميتةَ، فماذا يَحِلُّ لنا؟ فنزلت الآية (٦). (١) أي: تعوُّجاً. (٢) ذكر البغوي ٢/ ١١ قول قتادة. (٣) كتاب سيبويه ١/ ٨٥، والبيت لأبي نجم العِجْلي، وهو في ديوانه ص ١٣٢. وأم الخيار زوجته. (٤) كذا في النسخ، غير (ظ) فليس فيها ذلك، وقد بلغ العدد تسع عشرة مسألة. (٥) ذكره ابن حجر في الإصابة ٦٨/٤ ونقل عن أبي حاتم قوله فيه: ليس يروى عنه حديث. (٦) أورده الواحدي في أسباب النزول ص ١٨٤ - ١٨٥، والبغوي في تفسيره ١١/٢ ، وابن الجوزي في = ٢٩٩ سورة المائدة: الآية ٤ الثانية: قوله تعالى: ﴿مَاذَا أُحِلَّ ◌َّ قُلْ أَعِلَّ لَكُمُ الَِّبَتُ﴾ ((ما)) في موضع رَفْعِ بالابتداء، والخبرُ: ((أُحِلَّ لهم))، و((ذا)) زائدة، وإنْ شئتَ كانت بمعنى الذي، ويكون الخبرُ: ((قُلْ أُحِلَّ لكم الطَّيِّباتُ))، وهو الحلالُ، وكلُّ حرام فليس بطيِّب. وقيل: ما التَذَّه آكِلُه وشارِبُه، ولم يكن عليه فيه ضررٌ في الدنيا ولا في الآخرة(١). وقيل: الطَّيِّبات الذبائح، لأنها طابتْ بالتذكية. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ أي: وصَيْدُ ما علَّمتم؛ ففي الكلام إضمارٌ لا بدَّ منه، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحِلُّ المسؤولُ عنه مُتناوِلاً للمعلَّم من الجوارح المُكلَّبين، وذلك ليس مذهباً لأحد؛ فإنَّ الذي يُبيح لحمَ الكلب فلا يُخصِّص الإباحة بالمُعلَّم(٢)، وسيأتي ما للعلماء في أكل الكلب في ((الأنعام))(٣) إن شاء الله تعالی. وقد ذكر بعضُ مَن صنَّف في أحكام القرآن أن الآيةَ تدلُّ على أن الإباحةَ تناولتْ ما علَّمنا(٤) من الجوارح، وهو ينتظمُ الكلبَ وسائرَ جوارحِ الطير، وذلك يُوجب إباحةَ سائر وجوه الانتفاع، فدلَّ على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصَّه الدليلُ، وهو الأكلُ من الجوارح(٥) أي: الگواسِب من الكلاب وسباع الطير. وكان لِعَدِيِّ كلابٌ خمسةٌ قد سمَّاها بأسماء أعلام، وكان أسماءُ أَكْلُبِهِ: سلهب، = زاد المسير ٢/ ٢٩١، ونسبوه لسعيد بن جُبير. وقيل: إن سبب نزولها أن النبي # لما أمر أبا رافع ﴾ بقتل الكلاب، قال الناس: يا رسول الله، ما أُحِلَّ لنا من هذه الأُمّة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، أخرجه الطبري ٨/ ١٠٠ - ١٠١، والحاكم ٣١١/٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٣٥/٩ والواحدي في أسباب النزول ص ١٨٣ . قال البغوي: والأول أصحّ في سبب نزول الآية. (١) إعراب القرآن للنحاس ٨/٢. (٢) أحكام القرآن للكيا الهراسي ٢٤/٣ . (٣) في تفسير الآية (١٤٥) منها. (٤) في (م): تتناول ما علَّمناه. (٥) أحكام القرآن ٢٤/٣ للكيا الهراسي، وينظر أحكام القرآن للجصاص ٣١٢/٢ . ٣٠٠ سورة المائدة: الآية ٤ وغلاب، والمُختلِس، والمُتناعس؛ قال السُّهيلي(١): وخامسٌ أشكُ، أقال(٢) فيه: أَخْطَب، أو قال: فيه وَثَّاب. الرابعة: أجمعتِ الأُمَّةُ على أن الكلبَ إذا لم يكن أسودَ، وعلَّمه مسلمٌ، فَيَنْشَلي إذا أُشْلي(٣)، ويُجيب إذا دُعي، وينزجر بعد ظَفَرِهِ بالصيد إذا زُجِرَ، وأن يكون لا يأكلُ من صيده الذي صاده وأثَّر فيه بجرح أو تَنْبِيبٍ، وصاد به مسلمٌ، وذكرَ اسمَ الله عند إرساله، أن صيدَه صحيحٌ يُؤكّل بلا خِلاف؛ فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخِلاف. فإنْ كان الذي يُصاد به غيرَ كلب، كالفَهْد وما أشبهه، وكالبازِي والصَّقْر ونحوهما من الطير؛ فجمهور الأُمَّة على أن كلَّ ما صاد بعد التعليم فهو جارحٌ كاسب. يقال: جَرَح فلانٌ واجترح: إذا اكتسب، ومنه الجارحة، لأنها يُكتَسب بها؛ ومنه اجتراحُ السَّيِّئات(٤). وقال الأعشى: ذا جُبَارٍ مُنْضِجاً مِيسَمُهُ يُذْكِر الجارمَ(٥) ما كان اجتَرَحْ (٦) وفي التنزيل: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِلنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]. الخامسة: قوله تعالى: ﴿مُكَلِّينَ﴾ معنى ((مُكلِّبين)»: أصحاب الكلاب، وهو (١) في التعريف والإعلام ص٤٧، وفيه: سلهاب، بدل: سلهب. (٢) في (د): أو قال، وفي (م): قال، والمثبت من (ز) و(ظ) والتعريف والإعلام. (٣) في اللسان (شلو): أشليت الكلب، وأشلى الشاة والكلب واستشلاهما: دعاهما بأسمائهما، وقيل: أشليت الكلب على الصيد بمعنى أغریتُه. (٤) ينظر المحرر الوجيز ١٥٦/٢ . (٥) في (م): الجارح. (٦) ديوان الأعشى ص ٢٩٥، والشطر الأول في النسخ: ذات جد منضج ميسمها، والمثبت من الديوان وقوله: جُبار، أي: هَدَر، يقال: ذهب دمُه جُباراً، أي: هدراً. مختار الصحاح (جبر). والميسم: المكواة أو الشيء الذي يُوسَم به الدوابّ. والجارم: الجاني. اللسان (وسم) و(جرم).