النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة المائدة: الآية ٢
السابعة: ولا يجوز بيعُ الهَذْي ولا هبتُه إذا قُلِّد أو أُشعر؛ لأنه قد وجب، وإنْ
مات مُوجِبهُ لم يُورَثْ عنه، ونَفذ لوجهه، بخلاف الأُضحِيَّة، فإنها لا تجب إلا بالذَّبح
خاصَّة عند مالك، إلاّ أنْ يوجبَها بالقول؛ فإنْ أوجبَها بالقول قبل الذَّبح فقال: جعلتُ
هذه الشاةَ أضْحِيَّة؛ تعيَّنت، وعليه؛ إنْ تَلِفِتْ ثم وجدها أيامَ الذَّبح أو بعدَها، ذَبَحَها،
ولم يَجُزْ له بيعُها؛ فإنْ كان اشترَى أُضْحِيَّة غيرها ذبحهما جميعاً في قول أحمد
وإسحاق. وقال الشافعي: لا بَدَل عليه إذا ضلَّت أو سُرِقت، إنما الإبدال في الواجب.
ورُوي عن ابن عبّاس أنه قال: إذا ضَّت فقد أجزأت.
ومَن مات يوم النَّحر قبل أن يُضحِّيَ كانت ضحيَّتُه موروثةً عنه، كسائر مالِهِ،
بخلاف الهَذي. وقال أحمد وأبو ثور: تُذبح بكلِ حال. وقال الأوزاعيُّ: تُذبح إلا أن
يكون عليه دينٌّ لا وفاءَ له إلا من تلك الأضْحِيَّة، فتُباع في دَيْنه. ولو مات بعد ذبحها
لم يرثها عنه ورثتُه، وصنعوا بها من الأكل والصدقة ما كان له أن يَصنعَ بها، ولا
يقتسمون لحمها على سبيل الميراث. وما أصاب الأضحيَّةَ قبل الذَّبح من العيوب كان
على صاحبها بدلُها، بخلاف الهَذي؛ هذا تحصيل مذهب مالك. وقد قيل في الهدي:
على صاحبه البدلُ، والأوَّلُ أصوب. والله أعلم.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَلَ ءَآَمِينَ أَلْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يعين القاصدين له؛ من قولهم:
أَمَّمْتُ كذا؛ أي: قصدتُه. وقرأ الأعمش: ((ولا آمِّي البيتِ الحرامِ(١)) بالإضافة
كقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلّى الصَّدِ﴾.
والمعنى: لا تمنعوا الكفارَ القاصدين البيتَ الحرام على جهة التعبُّد والقُربة،
وعليه فقيل: ما في هذه الآيات من نهي عن مشرك، أو مراعاةٍ حرمةٍ له بِقلادة، أو أمّ
البيت؛ فهو كلُّه منسوخ بآية السيف في قوله: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾
[التوبة: ٥] وقوله: ﴿فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فلا
(١) ذكرها النحاس في إعراب القرآن ٤/٢، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٣٠ وزاد نسبتها لابن
مسعود. ونسبها في المحرر الوجيز ٢/ ١٤٧ لابن مسعود وأصحابه.

٢٦٢
سورة المائدة: الآية ٢
يُمكَّنُ المشركُ من الحج، ولا يؤمّنُ في الأشهر الحُرُم، وإن أَهدَى وقلَّدَ وحجّ؛ رُوي
عن ابن عباس، وقاله ابنُ زيد على ما يأتي ذكره(١).
وقال قوم: الآية مُحْكَّمَة لم تنسخ، وهي في المسلمين، وقد نهَى اللهُ عن إخافة
مَن يقصد بيتَه من المسلمين. والنهيُ عامٌّ في الشهر الحرام وغيرِهِ، ولكنه خصَّ الشهرَ
الحرام بالذكر تعظيماً وتفضيلاً، وهذا يتمشَى على قول عطاء(٢)؛ فإنَّ المعنى: لا
تُحِلُّوا معالم الله؛ وهي أمرُه ونهيُّه، وما أعلمه الناسُ فلا تُحِلُّوه؛ ولذلك قال أبو
ميسرة(٣): هي محكمةٌ. وقال مجاهد: لم ينسخ منها إلا ((القَلَائِدَ))، وكان الرجل يتقلَّد
بشيء من لِحاء الحَرَم فلا يُقرب، فنُسخ ذلك(٤).
وقال ابن ◌ُريج: هذه الآية نهيّ عن الحُجَّاج أن تُقطع سُبُلُهم.
وقال ابن زيد: نزلت الآيةُ عامَ الفتح ورسولُ اللـه # بمكة؛ جاء أناس من
المشركين يحجُّون ويعتمرون، فقال المسلمون: يا رسول الله، إنما هؤلاء مشركون،
فلن ندعَهم إلَّا أن نُغِيرَ عليهم؛ فنزل القرآن: ﴿وَلَآ ءَآَمِينَ أَلْبَيْتَ أْخَرَامَ﴾ (٥) .
وقيل: كان هذا لأَمر شُرَيح بن ضُبَيْعَة البَكْريِّ - ويلقَّب بالحُطَم - أخذته جندُ
رسول الله ﴾ وهو في عُمْرته، فنزلت هذه الآية، ثم نسخ هذا الحكم كما ذكرنا.
وأدرك الحُطَم هذا رِدَّة اليَمَامة، فقُتِل مرتدّاً.
وقد رُوي من خبره أنه أتَى النبيَّ ﴾ بالمدينة، وخلّف خيلَه خارج المدينة، فقال:
إلَّامَ تدعو الناس؟ فقال: ((إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاءِ الزكاة))
(١) ينظر المحرر الوجيز ١٤٧/٢، وتفسير البغوي ٧/٢ - ٨.
(٢) تقدم ص٢٥٤ من هذا الجزء .
(٣) هو عمرو بن شُرحبيل الهمداني الكوفي. وقد أخرج قولَه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢٥٠)،
والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٣٩٧).
(٤) أخرجه الطبري ٣٩/٨. وقال: وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: نسخ الله من هذه الآية
قوله: ﴿وَلَا النَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا اَلْهَذْىَ وَلَا الْقَلَيَدَ وَلَآ ءَآمِينَ أَلْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ لإجماع الجميع على أن الله جلَّ
ثناؤه قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة كلها.
(٥) المحرر الوجيز ١٤٧/٢. وأخرج الطبري ٨/ ٣٣ و ٣٤ قول ابن جريج وابن زيد.

٢٦٣
سورة المائدة: الآية ٢
فقال: حسن، إلّا أنَّ لي أمراءَ لا أقطعُ أمراً دونَهم، ولعلِّ أُسْلِمُ وآتي بهم، وقد كان
النبيُّ ﴿ قال لأصحابه: ((يَدخلُ عليكم رجلٌ يتكلَّمُ بلسانِ شيطان)). ثم خرجَ من عنده
فقال عليه الصلاة والسلام: ((لقد دَخَلَ بوجهٍ كافٍ، وخَرَجَ بقفا غادرٍ، وما الرجلُ
بمسلم)). فمَرَّ بسَرْح المدينة فاستاقه، فطلبوه، فعجزوا عنه، فانطلق وهو يقول:
ليس براعي إِيلٍ ولا غَنَمْ
قد لفَّها الليلُ بسَوَّاقٍ حُطَمْ
باتُوا نِياماً وابنُ هندٍ لم يَنَمْ
ولا بجزَّارٍ على ظَهْرٍ وَضَمْ
خَدَلَّجُ السَّاقِينِ خَفَّاقُ القَدَمْ
باتَ يُقاسِيها غلامٌ كالزُّلَمْ
فلما خرجَ النبيُّ ﴿ عامَ القضِيَّة سمع تلبية حُجَّاج اليمامة، فقال: ((هذا الخُطَمُ
وأصحابُه)). وكان قد قلَّد ما نَهَبَ من سَرْح المدينة، وأهداه إلى مكة، فتوجهوا في
طلبه، فنزلت الآيةُ، أي: لا تُحِلُّوا ما أُشعرَ للهِ وإن كانوا مشركين؛ ذكره ابن
عباس(١).
التاسعة: وعلى أن الآية محكمة؛ قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَّيْرَ اَللَّهِ﴾ يوجب
إتمام أمور المناسك، ولهذا قال العلماء: إنَّ الرجلَ إذا دخل في الحجِّ ثم أفسده؛
فعليه أن يأتيَ بجميع أفعال الحجّ، ولا يجوز أن يتركَ شيئاً منها وإنْ فَسد حُّه، ثم
عليه القضاء في السنة الثانية. قال أبو الليث السَّمر قنديُّ(٢): وقوله تعالى: ﴿وَلَّا الشَّهْرَ
اٌلْحَرَامَ﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقولُه: ﴿وَلَا اُلْمَدْىَ وَلَا
(١) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص١٨١، وابن الجوزي في زاد المسير ٢/ ٢٧٠ عن ابن عباس دون
ذكر الرجز. وأخرجه الطبري ٣١/٨ - ٣٢، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير ٢٧٠/٢ عن السدي،
وأورده ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٧/٢ دون نسبة. وأخرجه أيضاً الطبري ٣٣/٨ عن عكرمة دون
ذكر الرجز.
قوله: السَّرْح: المال السائم. والحُطَم: الراعي الظلوم للماشية يهشم بعضها ببعض. والوَضَم: ما وقيتَ
به اللحم عن الأرض من خشب وحصير. والزُّلَم: سهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية. والخَدَلَّج:
الممتلئ. وخفَّاق القدم: صدرُ قدمِه عريض. القاموس المحيط (سرح - حطم - وضم - زلم - خدج -
خفق).
(٢) في تفسيره ١/ ٤١٣، وما قبله منه.

٢٦٤
سورة المائدة: الآية ٢
الْقَلَيِدَ﴾ محكمٌ لم ينسخ؛ فكلُّ مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ ونوَى الإحرامَ صار مُخْرِماً؛ لا يجوز
له أن يَحِلَّ بدليل هذه الآية؛ فهذه الأحكام معطوفٌ بعضُها على بعض، بعضُها
منسوخٌ، وبعضُها غيرُ منسوخ.
العاشرة: قوله تعالى: ﴿يَبْنَغُونَ فَضْلًا مِن رَّتِهِمْ وَرِضْوَنًا﴾ قال فيه جمهور المفسّرين:
معناه: يبتغون الفضلَ والأرباحَ في التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوانَه في ظنِّهم
وطمعهم(١). وقيل: كان منهم مَن يبتغي التجارة، ومنهم مَن يطلب بالحجِّ رضوان
الله؛ وإنْ كان لا ينالُه. وكان من العرب مَن يعتقد جزاءً بعد الموت، وأنه يبعث، ولا
يبعد أن يَحصُلَ له نوعُ تخفيف في النار. قال ابن عطية (٢): هذه الآية استئلافٌ من الله
تعالى للعرب ولطفٌ بهم؛ لتنبسطَ النفوسُ، ويتداخلَ(٣) الناس، ويرِدون الموسمَ
فيستمعون(٤) القرآن، ويدخل الإيمان في قلوبهم، وتقوم عندهم الحجة كالذي كان.
وهذه الآية نزلت عامَ الفتح، فنسخ الله ذلك كلَّه بعد عامٍ؛ سنةً تسع، إذْ حَجَّ أبو
بكرٍ، ونودِيَ الناسُ بسورة براءة.
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُ فَأَصْطَادُواْ﴾ أمرُ إباحةٍ بإجماع الناس، رَفَعَ
ما كان محظوراً بالإحرام، حكاه كثيرٌ من العلماء، وليس بصحيح، بل صيغة ((افعل))
الواردةُ بعد الحظر على أصلها من الوجوب، وهو مذهب القاضي ابن الطَّيِّب(٥)
وغيره؛ لأن المقتضِي للوجوب قائم، وتقدُّمُ الحظرِ لا يصلح مانعاً؛ دليله قوله تعالى:
﴿فَإِذَا أَنْسَخَ اَلْأَثْهُرُ الْمُرُ فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ فهذه ((افعل)) على الوجوب؛ لأنَّ المرادَ بها
الجهاد، وإنما فُهمت الإباحةُ هناك وما كان مثله من قوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ
فَأَنتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُرَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] من النظر إلى المعنى
(١) المحرر الوجيز ١٤٧/٢.
(٢) المحرر الوجيز ١٤٨/٢ .
(٣) في النسخ: وتتداخل، والمثبت من المحرر الوجيز.
(٤) كذا في النسخ والمحرر: ويردون ... فيسمعون، والوجه: ويردوا ... فيسمعوا.
(٥) في (د) و(م): أبي الطيب، وهو خطأ. وابن الطيب هو الباقلاني، وينظر التقريب والإرشاد له ٩٣/٢ - ٩٦.

٢٦٥
سورة المائدة: الآية ٢
والإجماع، لا من صيغة الأمر . والله أعلم.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَثَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ
الْخَرَامِ﴾ أي: لا يحملنَّكم؛ عن ابن عباس وقتادة(١)، وهو قول الكِسائي وأبي
العبّاس(٢). وهو يتعذَّى إلى مفعولين؛ يقال: جَرَمني كذا على بُغْضك؛ أي: حَمَلني
عليه؛ قال الشاعر:
ولقد طَعَنْتَ أبا عُيَيْنةَ طَعْنةً جَرَمَتْ فَزَارَةَ بَعْدَهَا أن يَغْضَبُوا(٣)
وقال الأخفش: أي: ولا يُحِقَّنَّكم(٤). وقال أبو عبيدة والفرَّاء: معنى ((لَا
يَجْرِ مَنَّكُمْ)) أي: لا يَكسِبِنَّكم بغضُ قومٍ أن تعتدوا الحقَّ إلى الباطل، والعدلَ إلى
الظلم(٥)، قال عليه الصلاة والسلام: ((أَدِّ الأمانةَ إلى مَنِ ائتمنكَ، ولا تَخُنْ مَنْ
خَانكَ))(٦) وقد مضى القول في هذا. ونظير هذه الآية ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيَّهِ
بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقد تقدَّم مستوفَى(٧).
ويقال: فلان جَرِيمة أهله، أي: كاسبُهم؛ فالجريمة والجارم بمعنى الكاسب.
وأجرم فلان، أي: اكتسب الإثم؛ ومنه قول الشاعر:
تَرَى لِعظامٍ ما جَمَعتْ صَلِيبا(٨)
جَرِيمةُ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ
(١) أخرجه الطبري ٨/ ٤٤ .
(٢) نقله عن أبي العباس (وهو المبرّد) الأزهري في تهذيب اللغة ٦٥/١١. والذي في المقتضب ٣٥٢/٢
للمبرد: لا يُحِقّنگُم.
(٣) النكت والعيون ٨/٢، وما قبله منه. والبيت لأبي أسماء بن الضريبة، أو عطية بن عفيف، كما في
اللسان (جرم).
(٤) معاني القرآن للأخفشس ٤٥٩/٢. وفيه: ولا يُحِقِّنَّ لكم. وكذا نسبه الأزهري في تهذيب اللغة ٦٥/١
لأبي العباس عن الأخفش.
(٥) مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ١٤٧، ومعاني القرآن للفراء ٢٩٩/١، وتهذيب اللغة ٦٤/١١ .
(٦) تقدم ٢٤٨/٣، و٤٢٥/٦ .
(٨) قائله أبو خراش الهذلي، كما في مجمل اللغة ١٨٤/١، والصحاح (جرم)، وتهذيب اللغة ٦٧/١١ . =
(٧) ٢٤٨/٣ .

٢٦٦
سورة المائدة: الآية ٢
معناه: كاسب قوتٍ، والصليب: الوَدَك، وهذا هو الأصل في بناء (ج ر م).
قال ابن فارس(١): يقال: جَرَم وأجْرَم، ولا جَرَم بمنزلة قولك: لا بدَّ ولا
محالة، وأصلُها من جَرَم ، أي: اكتسب، قال:
جَرَمتْ فَزَارةَ بعدها أن يَغْضِبُوا
وقال آخر :
يا أيها المشتكِي ◌ُكْلاً وما جَرَمتْ إلَى القبائِلِ من قَتْلٍ وإيْآسُ (٢)
ويقال: جَرَم يَجْرِمِ جَرْماً: إذا قطع؛ قال الرُّمَّاني عليُّ بنُ عيسى: وهو الأصل،
فَجَرم بمعنى: حَمَلَ على الشيء، لقَطْعِهِ من غيره، وجَرَم بمعنى: كَسَب؛ لانقطاعه
إلى الكسب، وجَرَم بمعنى: حقَّ؛ لأن الحقَّ يقطع عليه. وقال الخليل(٣): ﴿لَا جَرَمَ
أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٢٢]: لقد حقَّ أنَّ لهم العذاب.
وقال الكِسائي: جَرَم وأجْرَم لغتان بمعنّى واحد، أي: اكتسب(٤).
= والبيت في ديوان الهذليين ١٣٣/٢، قال شارحه: جريمة ناهض؛ أي: كاسبة فرخ، وهو الناهض.
ا. هـ. والنّيق: أرفع موضع في الجبل. قال في تهذيب اللغة: يصف عُقاباً تُطعم فرخَها الناهض ما تأكله
من صيد صادته لتأكل لحمه، وبقي عظامُه يسيل منها الودك. اهـ. والوَدّك: دسم اللحم.
(١) في مجمل اللغة ١/ ١٨٤ .
(٢) ذكره الطبري ٤٦/٨، وابن الأنباري في الأضداد ص ١٠١ دون نسبة. ونسبه ثعلب في مجالسه ص ٤٠
للفرزدق. والبيت الذي بعده:
إنَّا كذاك إذا كانت هَمَرَّجَةٌ
نَسْبِي ونقتلُ حتى يُسْلِمَ الناسُ
قال: قلت له: لم قلت: ((من قتلٍ وإبآسُ)). فقال: ويحك فكيف أصنع وقد قلت: ((حتى يُسلم الناسُ)).
قال: قلت: فبمّ رفعته؟ قال: بما يسوؤك وينوؤك. قال أبو العباس: وإنما رفعَه لأن الفعل لم يظهر
بعده، كما تقول: ضربتُ زيداً وعمرٌو، لم يظهر الفعل فرفعت، وكما تقول: ضربت زيداً وعمرو
مضروب. وقال ابن الأنباري: أراد: وإبآس كذاك.
وقوله: عُكْلاً؛ قال في القاموس (عكل): عُكْل بالضم، أبو قبيلة فيهم غباوة، اسمه عوف بن عبد مناة،
حضنته أَمَةٌ تدعى عُكل، فلُقِّب به.
(٣) ينظر كتاب العين ١١٩/٦، والمحرر الوجيز ١٤٨/٢.
(٤) المحرر الوجيز ١٤٨/٢.

٢٦٧
سورة المائدة: الآية ٢
وقرأ ابن مسعود: ((يُجْرِمَنَّكُمْ)) بضم الياء، والمعنى أيضاً: لا يكسبنَّكم، ولا
يعرف البصريون الضَّمَّ، وإنما يقولون: جَرَم لا غير (١). والشَّنآنُ: البغضُ. وقُرئ بفتح
النون وإسكانها(٢)؛ يقال: شَنِئْتُ الرجلَ أَشْنَؤُه شَناً وشَنْأةً وشَنَآناً وشَنْآَناً، بجزم
النون، كل ذلك: إذا أبغضتَه(٣)، أي: لا يكسبنَّكم بغضُ قوم بصدِّهم إياكم أن
تعتدوا؛ والمراد: بغضكم قوماً، فأضاف المصدر إلى المفعول.
قال ابن زيد: لما صُدَّ المسلمون عن البيت عامَ الحديبية؛ مَرَّ بهم ناسٌ من
المشركين يريدون العمرة، فقال المسلمون: نصدُّهم كما صدَّنا أصحابُهم، فنزلت
هذه الآية، أي: لا تعتدوا على هؤلاء ولا تصدُّوهم ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾: أصحابهم(٤)،
بفتح الهمزة مفعول من أجله؛ أي: لأن صدُّوكم.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير بكسر الهمزة: ((إِن صدُّوكم)) وهو اختيار أبي عبيد(٥).
وروي عن الأعمش: ((إِنْ يصدّوكم))(٦).
قال ابن عطية(٧): فإنْ للجزاء، أي: إنْ وقعَ مثلُ هذا الفعل في المستقبل.
والقراءة الأولى أمكن في المعنى.
وقال النحاس(٨): وأما ((إِنْ صدوكم)) بكسر ((إنْ)) فالعلماء الجِلَّة بالنحو والحديث
(١) ينظر المحرر الوجيز ١٤٨/٢ - ١٤٩، وإعراب القرآن للنحاس ٤/٢. ونسب القراءة ليحيى بن وثاب
والأعمش، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٣١ لابن مسعود والأعمش، ونسبها ابن جني في
المحتسب ٢٠٦/١ لابن مسعود.
(٢) قرأ أبو عمرو وابن عامر بإسكان النون، والباقون بفتحها. السبعة ص ٢٤٢، والتيسير ص٩٨ .
(٣) ينظر المحرر الوجيز ١٤٩/٢.
(٤) ينظر أسباب النزول للواحدي ص ١٨١- ١٨٢. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٢٥٤/٢ ونسبه لابن
أبي حاتم .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٥/٢. وانظر السبعة ص٢٤٢، والتيسير ص٩٨ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٥/٢ . ونسبها ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ١٥٠، وابن جني في المحتسب
٢٠٦/١ لابن مسعود وقال: في هذه القراءة ضعف .
(٧) ينظر المحرر الوجيز ١٥٠/٢.
(٨) في إعراب القرآن ٥/٢ .

٢٦٨
سورة المائدة: الآية ٢
والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء: منها أنَّ الآية نزلت عامَ الفتح سنة ثمانٍ، وكان
المشركون صدُّوا المسلمين عام الحديبية سنة سِتِّ، فالصدُّ كان قبل الآية، وإذا قُرئ
بالكسر لم يجزْ أن يكون إلا بَعْدَه؛ كما تقول: لا تُعْطِ فلاناً شيئاً إِنْ قاتَلَكَ؛ فهذا لا
يكون إلا للمستقبل، وإنْ فتحتَ كان للماضي، فوجب على هذا ألا يجوز إلا ((أَنْ
صَدُّوكُمْ)). وأيضاً فلو لم يصحَّ هذا الحديث لكان الفتح واجباً؛ لأنَّ قولَه: ﴿لَا تُلُوا
شَعَبِرَ الَّهِ﴾ إلى آخر الآية يدلُّ على أنَّ مَكَّة كانت في أيديهم، وأنهم لا يُنْهَون عن
هذا إلا وهم قادرون على الصَّدِّ عن البيت الحرام، فوجب من هذا فتحُ ((أَنْ))؛ لأنه
لِمَا مَضَى . ﴿أَن تَعْتَدُواْ﴾ في موضع نصب؛ لأنه مفعول به، أي: لا يَجْرِمنَّكم شَنانُ
قوم الاعتداءَ. وأنكر أبو حاتم وأبو عبيد ((شَنْآن)) بإسكان النون؛ لأن المصادر إنما
تأتي في مثل هذا متحركة، وخالفهما غيرهما وقال: ليس هذا مصدراً، ولكنه اسم
الفاعل على وزن كَسْلان وغضْبان.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىَ﴾ قال الأخفش: هو مقطوع
من أوَّل الكلام، وهو أمرٌ لجميع الخلق بالتعاون على البرِّ والتقوى، أي: لِيُعِنْ
بعضُكم بعضاً، وتحاثُّوا على ما أَمَر اللهُ تعالى واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه
وامتنعوا منه، وهذا موافق لما رُوي عن النبيِّ﴾ أنه قال: ((الدَّالُّ على الخَيْرِ
كَفَاعِلِهِ»(١). وقد قيل: الدَّالُّ على الشَّرِّ كصانعه(٢).
ثم قيل: البِرُّ والتقوى لفظان بمعنى واحد، وكُرِّر باختلاف اللفظ تأكيداً ومبالغة؛
(١) أخرجه أحمد (١٧٠٨٤)، ومسلم (١٨٩٣)، وأبو داود (٥١٢٩)، والترمذي (٢٦٧١) من حديث أبي
مسعود الأنصاري # بلفظ: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله )).
وأخرجه الترمذي (٢٦٧٠) من حديث أنس بلفظ: ((إن الدال على خير كفاعله)) وقال: حديث غريب
من هذا الوجه من حديث أنس عن النبي % .
(٢) أخرجه الإسماعيلي في معجم الشيوخ ١/ ٤٦٥ من حديث أنس مرفوعاً، وفي إسناده زياد بن ميمون،
ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال وقال: قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال يزيد بن هارون: كان
كذّاباً. وقال البخاري: تركوه. ونقل الذهبي عن زياد بن ميمون قوله: لم أسمع من أنس شيئاً.

٢٦٩
سورة المائدة: الآية ٢
إذ كلُّ بِرِّ تقوى، وكلُّ تقوى بِرٍّ. قال ابن عطية(١): وفي هذا تسامح ما، والعُرف في
دلالة هذين اللفظين أنَّ البِرَّ يتناول الواجبَ والمندوب إليه، والتقوى رعاية الواجب،
فإنْ جُعل أحدُهما بدلَ الآخر فبتجوُّز. وقال الماورديُّ(٢): ندب الله سبحانه إلى
التعاون بالبِرِّ، وقرنه بالتقوى له؛ لأنَّ في التقوى رضا الله تعالى، وفي البِرِّ رضا
الناس، ومَن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس؛ فقد تمَّتْ سعادتُه، وعمَّتْ
نعمته.
وقال ابن خُويزِ مَنداد في أحكامه: والتعاون على البرِّ والتقوى يكون بوجوه (٣)؛
فواجب على العالِم أن يعِينَ الناسَ بعِلمه، فيعلِّمُهم ويعينُهم، والغنِيُّ بماله، والشجاعُ
بشجاعته في سبيل الله، وأن يكون المسلمون متظاهرين باليد(٤) الواحدة، ((المؤمنون
تَتَكافَأُ دماؤهم، ويَسْعَى بذِمَّتِهم أدناهم، وهم يَدٌ على مَنْ سِواهم))(٥). ويجب
الإعراضُ عن المتعدِّي، وتركُ النصرة له، وردُّه عما هو عليه.
ثم نهى فقال: ﴿وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْرِ (٦) ) وهو الحكم اللاحق عن الجرائم، وعن
((الْعُذْوَانِ)): وهو ظلم الناس. ثم أمر بالتقوى، وتوعَّدَ توعُّداً مُجملاً فقال: ﴿وَأَثَّقُوا
اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْمِقَابِ﴾ .
(١) المحرر الوجيز ٢/ ١٥٠ . وما قبله منه.
(٢) أدب الدنيا والدين، فصل البرّ ص١٦٨.
(٣) في (ظ): بوجوده.
(٤) في (م): كاليد.
(٥) قطعة من حديث علي ، أخرجه أحمد (٩٥٩)، وأبو داود (٤٥٣٠)، والنسائي في المجتبى ١٩/٨
و٢٠ و٢٤، وفي الكبرى (٦٩١٠) و(٨٦٢٨). وهو بنحوه عند البخاري (١٨٧٠)، ومسلم (١٣٧٠).
وأخرجه من حديث عبد الله بن عمرو: أحمد (٦٦٩٢)، وأبو داود (٢٧٥١) و(٤٥٣١)، وابن ماجه
(٢٦٨٥)، بلفظ: المسلمون. وأخرجه ابن ماجه (٢٦٨٣) من حديث ابن عباس، و(٢٦٨٤) من حديث
معقل بن يسار. بلفظ: المسلمون.
(٦) بعدها في النسخ: ((والعدوان)) والأنسب حذفها لسياق الكلام، وهو في المحرر الوجيز ٢/ ١٥٠.

٢٧٠
سورة المائدة: الآية ٣
قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَهُ وَاَلَّمُ وَمُ الْخِنِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللَّهِ بِهِ.
وَالْمُنْخَيِقَةُ وَالْمَوْقُودَةُ وَالْمُتَرَدِيَةُ وَاَلنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى
النُّهُبٍ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِلْأَزْلَمِ ذَلِكُمْ فِسْقُ الْيَوْمَ بَيِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَ
تَخْشَوْهُمْ وَأَخْتَوْنَ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَنََّمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ
دِينًا فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْبَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْهِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾﴾
فيه ستُّ وعشرون مسألة (١):
الأولى: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَلَّمُ وَتْمُ الْخِزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾
تقدَّم القولُ فيه في البقرة(٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَقَةُ﴾ هي التي تموتُ خَنْقاً، وهو حَبْسُ النَّفَس؛
سواء فعل بها ذلك آدميٌّ، أو اتَّفق لها ذلك في حَبْلٍ أو بين عودَيْن أو نحوه.
وذكر قتادة: أن أهلَ الجاهليَّة كانوا يخنُقون الشاةَ وغيرها، فإذا ماتت أكلوها.
وذكر نحوَه ابن عباس(٣).
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُونَةُ﴾ الموقوذة: هي التي تُرمى أو تُضرَب بحجر أو
عصا حتى تموتَ من غير تَذْكية، عن ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك
والسديّ(٤)، يُقال منه: وَقَذَهُ يَقِذُه وَقْذًا، وهو وَقيذٌ. والوَقْذُ: شِدَّةُ الضَّربِ، وفلانٌ
وَقِيذٌ، أي: مُثْخَنٌ ضَرْباً.
قال قتادة: كان أهل الجاهليّة يفعلون ذلك ويأكلونه(٥).
وقال الضحاك: كانوا يضربون الأنعامَ بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها
(١) كذا في النسخ، وهي في العدّ سبع وعشرون مسألة.
(٢) ٣/ ٢٢ .
(٣) المحرر الوجيز ١٥٠/٢ - ١٥١، وأخرج القولين الطبري ٨/ ٥٦.
(٤) أخرجه عنهم الطبري ٨/ ٥٧ - ٥٨ .
(٥) المحرر الوجيز ١٥١/٢.

٢٧١
سورة المائدة: الآية ٣
فيأكلوها(١)، ومنه المقتولةُ بِقَوْسِ البُنْدُق(٢). وقال الفرزدق:
شَغَّارةٍ تَقِذُ الفصيلَ بِرِجْلِها فَطَّارةٍ لِقَوادِمِ الأبكارِ(٣)
وفي صحيح مسلم عن عديٍّ بن حاتم قال: قلتُ: يا رسول الله، فإني أرمي
بالمِعْراض الصيدَ فأصيبُ، فقال: ((إذا رميتَ بالمِعْراض فَخَزَقَ، فَكُلْه، وإن أصابه
بِعَرْضِه فلا تأكلْه)) وفي رواية: ((فإنه وَقيذْ))(٤).
قال أبو عمر(٥): اختلف العلماء قديماً وحديثاً في الصَّيد بالبُنْدُق والحجر
والمِغْراض، فمَن ذهب إلى أنه وَقِيذ لم يُجِزْه؛ إلا ما أُدرِك ذكاتُه، على ما رُوي عن
ابن عمر(٦)، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابِه والثوريِّ والشافعيِّ. وخالفهم
الشاميُّون في ذلك؛ قال الأوزاعيُّ في المعراض: كُلْه، خَزَق أو لم يَخزِق؛ فقد كان
(١) معاني القرآن للنحاس ٢٥٦/٢، وأخرج الطبري ٨/ ٥٧ - ٥٨ قول قتادة والضحاك.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٣٦ . والبُنْدق: كرةٌ في حجم البُنْدقة؛ يُرمى بها في القتال والصيد.
(المعجم الوسيط).
(٣) في النسخ الخطية: الأظفار، والمثبت من (م)، والبيت في ديوانه ٣٦١/١، وتفسير الطبري ٨/ ٥٧،
والمحرر الوجيز ١٥١/٢، وهو من قصيدة يهجو بها جريراً، ويصف عمّته وخالته بأقبح وصف، ثم
يزعم أنها إذا قامت تحلب الناقة، ودنا ولد هذه الناقة من أمه شَغَرَتْ برجلها أي: رفعتها كما يرفع
الكلب رجله وهو يبول إلى خَلْف؛ فضربَتْه ضربة يشرف بها على الهلاك، كأن ساقها رمح أو هراوة،
وقوله: فطارة لقوادم الأبكار؛ فالأبكار: جمع بِكْر، وهي الناقة التي ولدت بطناً واحداً فأخلافها صغار
قصار، لا يستمكن الحالب أن يحلبها ضَبًّا، وهو الحَلْبُ بالكفّ كلها، بل تُحلب فطراً؛ أي: بالسبابة
والوسطى ويُستعان بطرف الإبهام، والقوادم من النُّوق لكل ناقة قادمان، وهما خِلْفَا الضّرع المقدَّمان.
قاله الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على تفسير الطبري ٤٩٦/٩ .
(٤) صحيح مسلم (١٩٢٩): (١) (٢)، وأخرجه أحمد (١٨٢٤٥)، والبخاري (٥٤٧٥).
قوله: المعراض: سهم لا ريش فيه ولا نَصْل، وقيل: خشبة ثقيلة، أو عصا غليظة في طرفها حديدة،
وقد تكون بغير حديدة؛ غير أنها محدَّدٌ طرفُها. وخزق: خرق ونفذ. بعرضه: العَرْض خلاف الطول.
المفهم ٢٠٩/٥ .
(٥) في الاستذكار ٥/ ٤٨٥ - ٤٨٦ (ط مؤسسة النداء).
(٦) فيما أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٤٩١ عن نافع أنه قال: رميتُ طائرَيْن بحجرَيْن وأنا بالجُرْف،
فأصبتُهما؛ فأما أحدهما فمات، فطرحه عبد الله بن عمر، وأما الآخر فذهب عبد الله بن عمر يُذَكِّيه
بقَدوم فمات قبل أن يذكيه، فطرحه عبد الله أيضاً.

٢٧٢
سورة المائدة: الآية ٣
أبو الدَّرداء، وفَضالةٌ بن عبيد، وعبد الله بن عمر، ومكحول، لا يَرون به بأساً.
قال أبو عمر(١): هكذا ذكر الأوزاعيُّ عن عبد الله بن عمر، والمعروف عن ابن
عمر ما ذكره مالك، عن نافع، عنه. والأصلُ في هذا الباب، والذي عليه العملُ، وفيه
الحجة لمن لَجَأ إليه [على مَن خالفه] حديثُ عديٌّ بن حاتم وفيه: ((وما أصاب بعَرْضِه
فلا تأكل(٢)، فإنما هو وَقِيذَ)).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَالْمُقَرَّدِيَةُ﴾ المتردِّيّةُ: هي التي تَتَردَّى من العُلْوِ إلى السُّفْلِ
فتموت، كان ذلك من جبل، أو في بئرٍ، ونحوه، وهي مُتَفَعِّلة من الرَّدى، وهو
الهلاك(٣)، وسواء تَردَّت بنفسها أو رَدَّاها غيرُها.
وإذا أصاب السهمُ الصيدَ، فتردَّى من جبل إلى الأرض؛ حَرُم أيضاً؛ لأنه ربما
مات بالصَّدمةِ والتردِّي لا بالسهم، ومنه الحديث ((وإن وجدْتَه غريقاً في الماء فلا
تأكله؛ فإنك لا تدري؛ الماءُ قتله أو سهمُك)) أخرجه مسلم (٤).
وكانت الجاهليّةُ تأكل المتردِّيَ، ولم تكن [العرب] تعتقد مِيتةً إلا ما مات بالوجع
ونحوه دون سببٍ يُعرف، فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذَّكاة، فحَصر الشّرعُ
الذَّكاة في(٥) صفةٍ مخصوصة على ما يأتي بيانُها، وبقيت هذه كلُّها مَينةً، وهذا كلُّه من
المُحْكّم المتَّفْقِ عليه. وكذلك النَّطيحةُ وأكيلَةُ السَّبُع التي فات نَفَسها بالنَّطح والأكل.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَالنَِّيسَةُ﴾ النَّطيحةُ: فَعِيلَةٌ بمعنى مفعولة، وهي الشَّاةُ
تَنطَحها أخرى أو غير ذلك؛ فتموت قبل أن تُذَتَّى. وتأوَّل قومُ النَّطيحة بمعنى
النَّاطحة؛ لأن الشاتين قد تتناطحان فتموتان(٦).
(١) الاستذكار ٥/ ٤٨٧ وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٢) في (د) و(م): فلا تأكله، وسلف حديث عدي قريباً.
(٣) المحرر الوجيز ١٥١/٢.
(٤) برقم (١٩٢٩): (٦) (٧) من حديث عدي بن حاتم، وأخرجه أحمد (١٩٣٨٨)، والبخاري (٥٤٨٤).
(٥) في النسخ: إلى، والمثبت من (م).
(٦) المحرر الوجيز ١٥١/٢ وما سلف قبل المسألة الخامسة منه وينظر تفسير الطبري ٨/ ٦٠ .

٢٧٣
سورة المائدة: الآية ٣
وقال(١): نَطِيحة ولم يقل: نطِيح، وحَقُّ فَعِيل لا يُذكر فيه الهاء، كما يقال: كفّ
خَضِيب، ولحيةٌ دَهِين، لكن ذَكَر الهاء ههنا؛ لأن الهاء إنما تُحذف من الفَعِيلة إذا
كانت صفةً لموصوف مَنطوقٍ به، يقال: شاةٌ نطيح، وامرأةٌ قَتِيل، فإن لم تَذكر
الموصوفَ أَثبَتَّ الهاء فتقول: رأيت قتِيلَة بني فلان، وهذه نَطيحَةُ الغنم؛ لأنك لو لم
تَذْكُر الهاء فقلت: رأيت قَتِيلَ بني فلان لم يُعرف أرجلٌ هو أم امرأة.
وقرأ أبو مَيْسرة: ((والمَنْطوحة))(٢).
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾ يريد كلّ ما افترَسَه ذو نابٍ وأظفارٍ من
الحيوان، كالأسد والنّمر والثَّعلب والذئب والضَّبُع ونحوها، هذه كلُّها سِباع(٣).
يقال: سَبَع فلانٌ فلاناً، أي: عَضَّه بِنَّه، وسَبَعه، أي: عابَه ووقع فيه (٤). وفي الكلام
إضمارٌ، أي: وما أكل منه السَّبُع؛ لأن ما أكله السَّبُع فقد فَنِي.
ومن العرب من يُوقِفُ اسمَ السَّبُع على الأسد، وكانت العرب إذا أخذ السَّبُع
شاةً، ثم خَلَصت منه أكلوها، وكذلك إن أَكَل بعضَها. قاله قتادة وغيره(٥).
وقرأ الحسن وأبو حَيْوة: ((السَّبْع)) بسكون الباء، وهي لغةٌ لأهل نَجْد (٦). وقال
حسان في عُثْبةَ بن أبِي لَهَب:
مَن يَرجِعِ العامَ إلى أهلِهِ فما أَكِيلُ السَّبْعِ بِالرَّاجِعِ(٧)
وقرأ ابن مسعود: ((وأَكيلَةُ السَّبُع))، وقرأَ عبد الله بن عباس: ((وأكِيلُ السّبُع))(٨).
(١) في (د) و(ز) و(م): وقيل.
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ١٥١، وذكرها ابن العربي في أحكام القرآن ٢/ ٥٣٧.
(٣) المحرر الوجيز ٢/ ١٥١ .
(٤) تهذيب اللغة ١١٨/٢ .
(٥) أخرجه الطبري ٨/ ٦٢ .
(٦) المحرر الوجيز ١٥١/٢، وينظر إعراب القرآن للنحاس ٧/٢، والبحر المحيط ٤٢٣/٣.
(٧) ديوان حسان ٤٢٩/١ (ط. عرفات).
(٨) المحرر الوجيز ١٥١/٢، وذكر قراءة ابن عباس الطبري ٦٣/٨، وابن خالويه في القراءات الشاذة
ص٣١، وابن جني في المحتسب ٢٠٧/١ .

٢٧٤
سورة المائدة: الآية ٣
السابعة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَيْتُمُ﴾ نصب على الاستثناء المثَّصل عند الجمهور
من العلماء والفقهاء، وهو راجعٌ على كلِّ ما أُدرك ذكاتُه من المذكورات وفيه حياة؛
فإن الذَّكاةَ عاملةٌ فيه؛ لأن حقَّ الاستثناء أن يكون مصروفاً إلى ما تقدَّم من الكلام،
ولا يُجعلُ مُنقطعاً إلا بدلیل یجب التسلیمُ له.
روى ابنُ عيينة، وشريك، وجرير، عن الرُّكَين بن الرَّبيع، عن أبي طلحةَ الأسديّ
قال: سألتُ ابنَ عباس عن ذئبٍ عدا على شاة، فشقَّ بطنَها حتى انتثرَ قُضْبُها(١)،
فأدركْتُ ذكاتَها فذَكَّيتُها، فقال: كُلْ، وما انتثر من قُضِها فلا تأكل(٢).
قال إسحاق بن راهويه: السُّنةُ في الشاة على ما وصف ابنُ عباس، فإنها وإنْ
خرجت مَصارينُها فإنها حيَّةٌ بعدُ، ومَوضعُ الذَّكاة منها سالمٌ، وإنما يُنظَر عند الذَّبح
أحيَّةٌ هي أم مَيتة، ولا يُنظَر هل(٣) يَعيشُ مثلُها؟ وكذلك المريضة. قال إسحاق: ومن
خالف هذا فقد خالف السنَّة من جمهور الصحابة وعامة العلماء.
قلت: وإليه ذهب ابنُ حبیب، وذکره عن أصحاب مالك، وهو قول ابن وهب،
والأشهر من مذهب الشافعيِّ؛ قال المُزَنيُّ: وأحفظ للشافعيِّ قولاً آخر؛ أنها لا تُؤكل
إذا بلغ منها السَّبُع أو التردِّي إلى ما لا حياةَ معه، وهو قولُ المدنيين(٤)، والمشهورُ
من قول مالك، وهو الذي ذكره عبد الوهّاب في ((تلقينه))، ورُوي عن زيد بن ثابت؛
ذكره مالك في موّئه(٥)، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، وجماعةُ المالكيِّين
البغداديين. والاستثناء على هذا القول منقَطعٌ؛ أي: حُرِّمت عليكم هذه الأشياء، لكن
(١) القصب بالضم: المعَى، وقيل: اسم للأمعاء كلها. النهاية (قصب).
(٢) التمهيد ١٤٠/٥ - ١٤١ وعنه نقل المصنف من بداية المسألة السابعة، والاستذكار ٤٦٥/٥
(ط. النداء)، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦١٣).
(٣) في (ظ) و(ف) والتمهيد ١٥٠/٥: ولا ينظر إلى هل، وفي (م): إلى فعل هل، والمثبت من (د) و(ز)
والاستذكار ٤٧٥/٥ (ط. النداء)، ٢٤٨/١٥ (ط. الرسالة).
(٤) التمهيد ١٤١/٥ - ١٤٢، والاستذكار ٢٢٩/١٥ و٢٢٧ - ٢٢٨.
(٥) ٢ /٤٩٠ .

٢٧٥
سورة المائدة: الآية ٣
ما ذَكَيتُم فهو الذي لم يُحرَّم.
قال ابن العربي(١): اختلف قولُ مالك في هذه الأشياء؛ فرُويَ عنه أنه لا يُؤْكَل
إلا ما ذُكِّيَ بذكاة صحيحة، والذي في ((الموظّأ))(٢) أنه إن كان ذَبَحها ونَفَسُها يَجري
وهي تضطرب(٣) فليأكل. وهو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على الناس من
كل بلد طولَ عمره، فهو أولى من الروايات النَّادرة.
وقد أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهبَ جوازُ تذكيتِها ولو أشرفت على
الموت إذا كانت فيها بقِيَّةُ حياة. وليت شِعري، أيُّ فرقٍ بين بقيَّةِ حياةٍ من مرض،
وبقيَّةِ حياةٍ من سَبُع لو اتَّسق النَّظر، وسلمت من الشُّبهة الفِكَر !.
وقال أبو عمر(٤): قد أجمعوا في المريضة التي لا تُرجى حياتُها؛ أن ذبحَها ذكاةٌ
لها إذا كانت فيها الحياةُ في حين ذبحِها، وعُلِم ذلك منها بما ذكروا من حركة يدِها أو
رجلِها أو ذَنبِها، أو نحو ذلك، وأجمعوا أنها إذا صارت في حال النَّزْعِ ولم تُحرِّك يداً
ولا رِجلاً أنه لا ذكاةَ فيها، وكذلك ينبغي في القياس أن يكون حكمُ المتردِّيةِ وما ذُكر
معها في الآية. والله أعلم.
الثامنة: قوله تعالى: ((ذَّيْتُمْ))؛ الذَّكاة في كلام العرب الذَّبحُ، قاله قُطُرُب(٥).
وقال ابن سِيده في ((المُحكّم)): والعرب تقول: ذَكاةُ الجنين ذكاءُ أُمِّه، قال ابن
عطية: وهذا إنما هو حديث. وذَكَّى الحيوان: ذَبَحَه(٦)، ومنه قول الشاعر: يذَكِيها
الأَسَل(٧).
(١) في أحكام القرآن ٥٣٩/٢ .
(٢) ٢ / ٤٩٠ .
(٣) في الموطأ وأحكام القرآن: تطرف.
(٤) في الاستذكار ٢٤٩/١٥ - ٢٥٠ .
(٥) المحرر الوجيز ١٥٢/٢ وفيه: قاله ثعلب. وينظر لسان العرب (ذكا).
(٦) في اللسان (ذكى) عن ابن سيده: وذكاءُ الحيوان ذَبْحُه.
(٧) كذا في النسخ والمحرر الوجيز، ولم نقف عليه. وجاء في اللسان (ذكى): ((ومنه قوله: يذكيها =

٢٧٦
سورة المائدة: الآية ٣
قلت: الحديث الذي أشار إليه أخرجه الدَّارقطنيُّ من حديث أبي سعيد وأبي
هريرة وعليّ وعبد الله عن النبيِّ﴾ قال: ((ذكاةُ الجنين ذكاءُ أمِّه))(١). وبه يقول جماعة
أهل العلم، إلا ما رُويَ عن أبي حنيفة أنه قال: إذا خرج الجنين من بطن أُمِّه ميتاً لم
يحلَّ أكلُه؛ لأنَّ ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين(٢) .
قال ابن المُنذر: وفي قول النبيِّ ﴾: ((ذكاءُ الجنين ذكاةٌ أُمِّه)» دليلٌ على أنَّ الجنين
غيرُ الأم، وهو يقول: لو أُعتقت أَمَةٌ حامل؛ أنَّ عتقَه عتقُ أُمِّه، وهذا يلزمه أنَّ ذكاتَه
ذكاةٌ أُمِّه، لأنه إذا جاز(٣) أن يكون عِثْقُ واحدٍ عِثْقَ اثنين؛ جاز أن يكون ذكاءُ واحد
ذكاةَ اثنين، على أنَّ الخبر عن النبي ﴾، وما جاء عن أصحابه، وما عليه جلّ(٤)
الناس مستغنّی به عن كل قول(٥).
وأجمع أهل العلم على أن الجنين إذا خرج حيًّا أنَّ ذكاةً أُمّه ليست بذكاة له.
واختلفوا إذا ذُكِّيت الأمُّ وفي بطنها جنين؛ فقال مالك وجميع أصحابه: ذكاتُه
ذكاءُ أمّه إذا كان قد تمَّ خَلْقُه، ونبتَ شعرُه، وذلك إذا خرج ميتاً، أو خرج به رَمَقٌ من
الحياة، غير أنه يستحبُّ أنْ يُذْبِحَ إِنْ خَرج يتحرَّك، فإنْ سبقهم بنفسه أُكِلَ(٦).
= الأسَل)) دون لفظة ((الشاعر). وجاء في مجالس ثعلب ص٨٣: وفي الحديث: يذكّيها بالأَسَل، أي:
يذبحها بالحديد. وقد أخرج عبد الرزاق في المصنف (٨٦٣١)، عن عمر بن الخطاب قال: لا ذكاة
إلا في الأسَل.
(١) سنن الدار قطني ٢٧٣/٤ - ٢٧٤، وأخرج حديث أبي سعيد الخدري ه الإمام أحمد (١١٢٦٠).
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٥٧/٤: وأما حديث أبي هريرة [ففيه] عمر بن قيس
ضعيف، وهو المعروف بسندل. وأما حديث علي ففيه الحارث الأعور، والراوي عنه أيضاً ضعيف. وأما
حديث ابن مسعود فرواه الدارقطني بسند رجاله ثقات إلا أحمد بن الحجاج بن الصلت، فإنه ضعيف
جداً، وهو علّته.
(٢) ينظر مختصر اختلاف العلماء ٢٢٦/٣، والاستذكار ٢٥٧/١٥ .
(٣) في (د) و(م): أجاز.
(٤) في النسخ: حمل.
(٥) في (م): عن قول كل قائل.
(٦) ينظر الاستذكار ٢٥٣/١٥، والنوادر والزيادات ٣٦٣/٤، والبيان والتحصيل ٢٩١/٣. وسلف قول
مالك ص٢٥١ من هذا الجزء.

٢٧٧
سورة المائدة: الآية ٣
وقال ابن القاسم: ضخَّيتُ بنعجة، فلما ذبحتُها جعل يركض ولدُها في بطنها،
فأمرتُهم أن يتركوها حتى يموتَ في بطنها، ثم أمرتُهم فشقُّوا جوفَها، فأُخرج منها(١)،
فذبحته فسال منه دم، فأمرتُ أهلي أن يشووه ...
وقال عبد الله بن كعب بن مالك: كان أصحاب رسول الله 8# يقولون: إذا أشعر
الجنين فذكاته ذكاة أمّه(٢).
قال ابن المنذر: وممن قال: ذكاتُه ذكاةُ أمِّه؛ ولم يذكر أَشْعَر أوْ لم يُشعر عليُّ بنُ
أبي طالب ه وسعيدُ بنُ المسيِّب والشافعي وأحمد وإسحاق(٣).
قال القاضي أبو الوليد الباجي: وقد رُوي عن النبي # أنه قال: ((ذَكاةُ الجنينِ
ذَكَاةُ أُمِّهِ؛ أَشْعَرَ أو لم يُشْعِر)) (٤) إلا أنه حديث ضعيف. فمذهب مالك هو الصحيح من
الأقوال، الذي عليه عامَّة فقهاء الأمصار. وبالله التوفيق.
التاسعة: قوله تعالى: ﴿ذَكَيْثُ﴾ الذَّكاةُ في اللغة أصلُها التَّمام، ومنه تمام السِّنّ.
والفرس المُذكِّي الذي يأتي بعد تمام القُرُوحِ(٥) بسنة، وذلك تمامُ استكمالِ القوَّة.
ويقال: ذَكَّى يُذَكِّي. والعرب تقول: جَرْيُ الْمُذَكِيَاتِ غِلَاب(٦).
(١) في (م): منه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٨٦٤١)، وابن عبد البر في الاستذكار ٢٥٣/١٥ - ٢٥٤.
وأخرجه ابن حزم في المحلى ٤١٩/٧ ولم يذكر الإشعار. وانظر التلخيص الحبير ١٥٨/٤، ونصب
الراية ٤ /١٩١ .
(٣) ينظر الاستذكار ٢٥٣/١٥.
(٤) أخرجه الدار قطني (٤٧٣١)، والبيهقي ٩/ ٣٣٥ و٣٣٦ ، وابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف
(١٩٤٨) من حديث ابن عمر مرفوعاً. قال البيهقي: ورفعه عنه ضعيف، والصحيح موقوف. وقال ابن
الجوزي: قال الدارقطني: الصواب أنه من قول ابن عمر. وأخرجه عبد الرزاق (٨٦٤٩) من حديث عبد
الرحمن بن أبي ليلى مرفوعاً. وأورده أيضاً المباركفوري في تحفة الأحوزي ٥٢/٥ وقال: فيه ضعف.
(٥) قال الجوهري في الصحاح (قرح): قرح الحافر قروحاً، إذا انتهت أسنانه، وإنما تنتهي في خمس
سنين، لأنه في السنة الأولى حَوْلَيّ، ثم جذع، ثم ثَنيّ، ثم رباع، ثم قارح.
(٦) ذكره العسكري في جمهرة الأمثال ٢٩٩/١ وقال: أراد أن المَسانَّ تؤخذ بالمغالبة والقوة، والصغار =

٢٧٨
سورة المائدة: الآية ٣
والذّكاء: حِدَّة القلب؛ قال الشاعر(١):
يُفَضِّله إذا اجتهدوا عليه تَمَامُ السِّنِّ منه والذَّكَاءُ
والذَّكاء: سرعة الفِطنة، والفعل منه: ذَكِي يَذْكَى ذَكاً، والذَّكْوَةُ ما تذكُو به النار،
وأَذْكَيتُ الحربَ والنارَ: أوقدتُهما. وذُكاء: اسم الشمس؛ وذلك أنها تذكو كالنار،
والصُّبْحِ: ابنُ ذُكاء؛ لأنه من ضوئها(٢) .
فمعنى ((ذَكَّيْتُمْ)): أدركتم ذكاتَه على النَّمَام؛ ذكَّيت الذبيحةَ أُذكِّيها؛ مشتقة من
التَّطَيُّب؛ يقال: رائحة ذكِية؛ فالحيوان إذا أُسيل دمه فقد طُيِّب، لأنه يتسارع إليه
التجفيف، وفي حديث محمد بن عليٍّ رضي الله عنهما: ((ذَكاةُ الأرضِ يَيَسُها))(٣) يريد
طهارتَها من النجاسة، فالذكاة في الذبيحة تطهيرٌ لها، وإباحةٌ لأكلها، فجعل يَبْسَ
الأرض بعد النجاسة تطهيراً لها، وإباحةَ الصلاة فيها بمنزلة الذكاة للذبيحة، وهو قول
أهل العراق.
وإذا تقرَّر هذا فاعلم أنها في الشرع عبارة عن إنهار الدَّم، وفَرْي الأوْدَاج في
المذبوح، والنحر في المنحور، والعَقْر في غير المقدور، مقروناً بنية القَصْد لله،
وذِكرِه عليه، على ما يأتي بيانه(٤).
العاشرة: واختلف العلماء فيما يقع به الذَّكاة؛ فالذي عليه الجمهور من العلماء
أنَّ كلَّ ما فَرَى(٥) الأوداج وأنهر الدَّم فهو من آلات الذكاة، ماخلا السِّنَّ والعَظْم؛
= تدارى ولا تحمل على غلظ ومشقة. وروي: ((غلاء))، يراد أنها تتغالى في الجري، أي تتباعد ...
والمثل لقيس بن زهير العبسي، وذلك أنه راهن حذيفة بن بدر الفزاري على داحس والغبراء. وهما
فرسان. وراهنه حذيفة على الخَطَّر والحَتْفاء (وهما فرسان أيضاً)، والخَطَر (يعني الرَّهْن) بينهما عشرون
من الإبل. وينظر اللسان (حنف) (خطر).
(١) هو زهير بن أبي سلمى، والبيت في شرح ديوانه ص٦٩ .
(٢) مجمل اللغة ٣٥٩/١، وما قبله منه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١/ ٥٧ . قال الزيلعي في نصب الراية ٢١١/١: غريب. وقال ابن حجر في
تلخيص الحبير ١/ ٣٧ : لا أصل له في المرفوع.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٤٠ .
(٥) في (م): أفری.

٢٧٩
سورة المائدة: الآية ٣
على هذا تواترت الآثار، وقال به فقهاء الأمصار.
والسنّ والظّفْر المنهيُّ عنهما في التذكية هما غير المنزوعين؛ لأنَّ ذلك يصير
خَنْقاً؛ وكذلك قال ابن عباس: ذلك الخَنق(١)؛ فأما المنزوعان فإذا فَرَيا الأوداجَ؛
فجائز الذكاةُ بهما عندهم. وقد كره قوم السنَّ والظّفرَ والعظمَ على كلِّ حال؛ منزوعةً
أو غير منزوعة؛ منهم إبراهيم والحسن(٢) والليث بن سعد، ورُوي عن الشافعيِّ؛
وحجتهم ظاهرُ حديثٍ رافع بن خَدِيج قال: قلتُ: يا رسول الله، إنا لاقو العَدُوِّ غداً،
وليست معنا مُدّى - في رواية - فنذكِّي باللِيط(٣)؟.
وفي موطأ مالك: عن نافع، عن رجل من الأنصار، عن معاذ بن سعد، أو سعد
بن معاذ: أنَّ جاريةً لكعب بن مالك كانت ترعَى غنماً له بسَلْع، فأُصيبت شاةٌ منها ،
فَأَدْرَكَتْها فذَكَّتْها بحجر، فسئل رسولُ اللـه:﴾ عن ذلك، فقال: ((لا بأسَ بها،
وكُلُوها))(٤).
وفي مصنف أبي داود: أفنذبح(٥) بالمَرْوَة وشِقَّة العصا؟ قال: «أَعْجِلْ أو أرِنْ، ما
أَنهرَ الدَّمَ وذُكر اسمُ الله عليه فكُلْ، ليس السِّنَّ والظفر، وسأُحَدِّثُك: أمّا السِّنُّ
فعَظُم، وأمّا الظّفرُ فَمُدَى الحَبَشَة)) الحديث، أخرجه مسلم (٦).
(١) أخرج نحوه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦١٧).
(٢) إبراهيم هو النخعي، والحسن هو ابن حي، كما في الاستذكار ٢٣٢/١٥ - ٢٣٣. والتمهيد ١٥٣/٥.
والكلام منه.
(٣) أخرجه أحمد (١٥٨٠٦)، والبخاري (٢٤٨٨)، ومسلم (١٩٦٨): (٢٢) واللفظ له. قوله: ((اللِّيط))
يعني: قشر القصب والقناة، وكل شيء كانت له صلابة ومتانة، والقطعة منه ليطة. النهاية (ليط).
(٤) موطأ مالك ٤٨٩/٢ . وأخرجه من طريقه البخاري (٥٥٠٥).
وسَلْع: جبل بالمدينة. القاموس (سلع).
(٥) في النسخ: فنذبح، وفي (م): أنذبح، والمثبت من سنن أبي داود.
(٦) صحيح مسلم (١٩٦٨): (٢٠)، وسنن أبي داود (٢٨٢١) من حديث رافع بن خديج، وتقدم. قوله:
((المروة)): حجر أبيض برّاق. النهاية (مرو). وقوله: أعْجِلْ أو أرن؛ قال النووي في شرح صحيح مسلم
١٢٢/١٣ - ١٢٣: أما أعْجِلْ فهو بكسر الجيم، وأما أرِنْ، فبفتح الهمزة وكسر الراء إسكان النون، =

٢٨٠
سورة المائدة: الآية ٣
ورُوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما ذُبح باللِّيطة والشَّطِير والظُرَر فحِلٌّ
ذكيّ(١). الليطة: فِلقة القَصَبة، ويمكن بها الذبحُ والنحر. والشَّطِير: فِلقة العود، وقد
يمكن بها الذبح؛ لأنَّ لها جانباً دقيقاً. والظُرَر: فِلفة الحجر، يمكن الذَّكاة بها ولا
يمكن النحر؛ وعكسه الشِّظاظ(٢) يُنْحَر به؛ لأنه كطرف السِّنان(٣)، ولا يمكن به
الذبح.
الحادية عشرة: قال مالك وجماعة: لا تصحُّ الذَّكاة إلا بقطع الحُلقوم والوَدَجينْ.
وقال الشافعي: يصحُّ بقطع الحُلقوم والمَريء، ولا يحتاج إلى الوَدَجَيْن؛ لأنهما
مجرَى الطعام والشراب الذي لا يكون معهما حياة، وهو الغَرَض من الموت. ومالك
وغيره اعتبروا الموتَ على وجهٍ يطيب معه اللحم، ويفترقُ فيه الحلالُ، وهو اللحم ،
من الحرام [وهو الدم] الذي يخرج بقطع الأوداج، وهو مذهب أبي حنيفة؛ وعليه
يدلُّ حديث رافع بن خَدِيج في قوله: ((ما أَنْهَرَ الدَّمَ)) (٤). وحكى البغداديون عن مالك
أنه يشترط قطع أربع: الحلقوم والوَدَجَيْن والمَريء، وهو قول أبي ثور، والمشهور ما
تقدّم، وهو قول اللیث.
ثم اختلف أصحابنا(٥) في قطع أحد الوَدَجَيْن والحُلقوم، هل هو ذكاءٌ أو لا؟ على
قولین.
= ورُوي بإسكان الراء وكسر النون، ورُوي: أرْني، بإسكان الراء وزيادة ياء ... قال الخطابي [في
معالم السنن ٢٧٨/٤]: صوابه: أَأُرِنْ، على وزن أعجل، وهو بمعناه من النشاط والخفة، أي: أعجل
ذبحها لئلا تموت خنقاً. قال: وقد يكون: أرِنْ، على وزن: أطِعْ، أي: أهلكها ذبحاً، من: أرانَ القوم:
إذا هلكت مواشيهم. قال: وقد يكون أزْنٍ، على وزن: أعْطٍ، بمعنى: أدم الحزَّ ولا تفتر، من قولهم:
رنوت: إذا أدمت النظر.
(١) أورده ابن عبد البر في التمهيد ١٣٩/٥، والاستذكار ٢٣١/١٥.
(٢) الشِّظاظ: خشبة محددة الطرف، تدخل في عروتي الجُوَالِقَيْن (والجُوالق: وعاء من الخيش ونحوه)
لتجمع بينهما عند حملها على البعير، والجمع أشِظَّة. النهاية (شظظ).
(٣) أي: سِنان الرُّمح.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٤٠ - ٥٤١ . وما بين حاصرتين منه. وحديث رافع تقدم.
(٥) في النسخ: أصحابه، وفي المفهم ٥/ ٣٧٠ - والكلام منه -: أصحاب مالك.