النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة النساء: الآية ١٧٦ البنات(١)؛ وإليه ذهب داودُ وطائفة؛ وحجَّتهم ظاهرُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنِ آَمُ وا مَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَّهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾، ولم يورِّث الأختَ إلا إذا لم يكن للميت ولدٌ؛ قالوا: ومعلومٌ أنَّ الابنةَ من الولد، فوجب ألَّا ترثَ الأختُ مع وجودها (٢). وكان ابن الزُّبير يقول بقول ابنِ عباسٍ في هذه المسألةِ حتى أخبرَه الأسود بنُ يزيدَ: أنَّ معاذاً قضى في بنت وأختٍ، فجعل المالَ بينهما نصفين(٣). الرابعة: هذه الآيةُ تُسمَّى بآية الصَّيف؛ لأنها نزلت في زمن الصَّيف؛ قال عمر: إني واللهِ لا أدعُ شيئاً أَهمّ إليّ من أمر الكَلالة، وقد سألتُ رسولَ اللهِ ﴾ عنها، فما أَغلظَ لي في شيء ما أغلَظَ لي فيها، حتى طَعَن بإصبعه في جنبي أو في صدري، ثم قال: ((يا عمر، ألا تكفيك آيَةُ الصَّيفِ التي أُنزلت في آخر سورة النساء)»(٥). وعنه﴾ قال: ثلاثٌ لَأَنْ يكونَ رسولُ اللهِ ﴿ بَيَّنهن أحبُّ إليَّ من الدّنيا وما فيها: الكلالةُ، والرّبا، والخلافة. خرَّجه ابنُ ماجه في سننه (٦). الخامسة: طعن بعضُ الرَّافضةِ بقول عمرَ: واللهِ لا أدع، الحديثَ. السادسة: قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ﴾ قال الكسائي: المعنى: يبيِّنُ الله لكم لِئْلا تَضِلُوا. قال أبو عبيد: فحدّثتُ الكسائيَّ بحديثٍ رواه ابن عمرَ عن النبيِّ# أنه قال: ((لا يَدْعُوَنَّ أحدُكم على ولده أنْ يوافقَ من الله إجابة)»(٧)، فاستَحسنه. قال النحاس(٨): (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٤٥/١١، والبيهقي ٢٣٣/٦. (٢) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٢٠، والقوانين الفقهية ٢٥٨/١. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٤٣/١١ - ٢٤٤، وأخرج قضاء معاذٍ ﴾ البخاريُّ (٦٧٣٤). (٤) قوله: عنها من (م). (٥) أخرجه أحمد (٣٤١)، ومسلم (١٦١٧). (٦) برقم (٢٧٢٧)، وأخرجه أيضاً البخاري (٥٥٨٨)، ومسلم (٣٠٣٢) بنحوه، وعندهما: الجد بدل: الخلافة. (٧) أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية (٣٣٦٦)، وأخرجه مسلم (٣٠٠٩) من حديث جابر بنحوه. (٨) في معاني القرآن ٢٤٣/٢ - ٢٤٤ وما قبله منه، وينظر معاني القرآن للفراء ٢٩٧/١، ومعاني القرآن للزجاج ١٣٧/٢، والوسيط ١٤٦/٢. ٢٤٢ سورة النساء: الآية ١٧٦ والمعنى عند أبي عبيد: لِئلا يوافقَ من الله إجابةً. وهذا القولُ عند البصريين خطأ صُراح(١)؛ لا يُجيزون إضمارَ ((لا))؛ والمعنى عندهم: يُبيِّن الله لكم كراهةَ أنْ تضلوا، ثم حذف؛ كما قال: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وكذا معنى حديث النبيِّ ﴾؛ أي: كراهيةَ أنْ يوافقَ من الله إجابة. ﴿وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ تقدَّم في غير موضع(٢). والله أعلم. نجز تفسير سورة النساء بحول الله تعالى. (١) قوله: صراح، من (م). (٢) ٣٩٠/١. بِسْمِ اللَّهِ الرََّمَنِ الرَّحِيَةِ رَبِّ يَسْوْ تفسير سورة المائدة محول الله تعالى وقوَّته وهي مَدَنيّةٌ بإجماع، ورُوي أنها نزلَتْ مُنْصَرِفَ رسولِ اللهِ ﴾ من الحُدَيبية. وذكر النقَّاش عن أبي سلمةً أنه قال: لمَّا رَجَعَ رسولُ الله ﴾ من الحديبية قال: ((يا عليُّ، أشعرتَ أنه نزلَتْ عليَّ سورةُ المائدة ونعمتِ الفائدة)) (١). قال ابن العربي(٢): هذا حديثٌ موضوعٌ، لا يَحِلُّ لمسلم اعتقادُه؛ أما إنَّا نقول: سورةُ المائدة، ونعمت الفائدة. ولا نَأَثُره(٣) عن أحد، ولكنه كلامٌ حَسَنٌ. وقال ابن عطية: وهذا عندي لا يُشبه كلامَ النبيّ ﴾. ورُوي عنه﴾ أنه قال: ((سورةُ المائدة تُدعَى في مَلَكوت الله المُنْقِذَةَ(٤)؛ تُنقِذُ صاحبَها من أيدي ملائكة العذاب)). ومن هذه السورة ما نَزَلَ في حِجَّةِ الوداعِ، ومنها ما نَزَلَ(٥) عامَ الفتح، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ﴾ الآية [٢]. وكلُّ ما نَزَلَ من القرآن بعد هجرة النبيِّ :﴿ فهو مَدَنيٍّ؛ سواء نزلَ بالمدينة أو في (١) المحرر الوجيز ١٤٣/٢ . (٢) في أحكام القرآن ٢/ ٥٢٣ . (٣) في (م): فلا نأثره، وفي أحكام القرآن: فلا نؤثره. (٤) في (ظ): المبعثرة، وقال في البحر ٣/ ٤١١: تسمى المائدة والعقود والمنقذة والمبعثرة. (٥) في (م): أنزل (في الموضعين). ٢٤٤ سورة المائدة سَفَرٍ من الأسفار. وإنما يُرسَم بالمكيِّ ما نزل قبل الهجرة(١). وقال أبو مَيْسرةَ(٢): ((المائدة)) مِن آخر ما نزلَ، ليس فيها منسوخٌ، وفيها ثمانٍ عشرةَ فريضةً ليست في غيرَها، وهي: ﴿وَالْمُنْخَيِّقَةُ وَالْمَوْقُونَةُ وَالْمُتَّرَدِيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾، ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ﴾ [الآية: ٣]، ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ﴾ [الآية: ٤]، ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ﴾، ﴿وَالْمُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [الآية: ٥] وتمامُ الطَّهور؛ ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ﴾ [الآية: ٦]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [الآية: ٣٨]، و﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرٌ﴾ إلى قوله: ﴿عَزِيزٌ ذُو أَنِقَاءٍ﴾ [الآية: ٩٥] و﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَأَيِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَاٍْ﴾ [الآية: ١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [١٠٦](٣). قلت: وفريضةٌ تاسعةَ عَشْرةَ، وهي قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [الآية: ٥٨] ليس للأذان ذِكْرٌ في القرآن إلا في هذه السورة؛ أمَّا ما جاء في سورة ((الجمعة)) فمخصوصٌ(٤) بالجمعة، وهو في هذه السورةِ عامٌّ لجميع الصَّلوات. ورُويَ عن النبيِّ# أنه قرأ سورة المائدة في حِجَّة الوداع وقال: ((يا أيها الناس، إنَّ سورة المائدة من آخرٍ ما نزلَ، فَأَحِلُّوا حلالَها، وحرِّموا حَرامَها)»(٥)، ونحوه عن عائشةَ رضي الله عنها موقوفاً؛ قال جُبير بن نُفير: دخلتُ على عائشةَ رضي الله عنها فقالت: هل تقرأ سورةَ المائدة؟ فقلت: نعم، قالت: فإنها مِن آخرِ ما أنزلَ اللهُ، فما وجدتُم فيها من حلالٍ فأَحِلُّوه، وما وجدتُم فيها من حرام فَحرِّموه(٦). (١) المحرر الوجيز ١٤٣/٢. (٢) عمرو بن شُرحبيل الهَمْداني، الكوفي. مات في ولاية عبد الله بن زياد. السير ١٣٥/٤. (٣) أخرجه أبو عُبيد في فضائل القرآن ص١٢٩، وفي الناسخ والمنسوخ (٢٥٠) مختصراً على قوله: ((في المائدة ثماني عشرة فريضة، وليس فيها منسوخ))، وأورده بتمامه - مع اختلاف يسير - البغوي في تفسيره ٥/٢، والسيوطي في الدر المنثور ٢٥٢/٢، ونسبه لأبي عُبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ. (٤) في النسخ: أما إنه جاء في سورة الجمعة مخصوص، والمثبت من (م). (٥) أخرجه بنحوه أبو عبيد في فضائل القرآن ص١٢٨ عن عطية بن قيس مرسلاً. (٦) أخرجه أحمد (٢٥٥٤٧)، والنسائي في الكبرى (١١٠٧٣). وجُبير بن نُّفير: أبو عبد الرحمن الحضرمي، الحمصي، الإمام الكبير، أدرك حياة النبي # .. مات سنة (٧٥ هـ). السير ٧٦/٤ . ٢٤٥ سورة المائدة: الآية ١ وقال الشعبيّ: لم يُنسَحْ من هذه السورة إلا قولُه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ اُلْحَرَامَ وَلَا اُلْهَدْىَ﴾ الآية [٢] (١). وقال بعضُهم: نُسِخَ منها ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [الآية: ١٠٦](٢). قوله تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّ مَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ غَرَ تُحِلِّى الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُمُّ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾﴾ فیه سبع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ قال علقمةُ: كلُّ ما في القرآن ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فهو مَدَنِيٌّ، و﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو مَكِيٍّ، وهذا خرج على الأكثر، وقد تقدَّم(٣). وهذه الآيةُ مما تلوحُ فصاحتُها وكَثْرةُ معانيها على قِلَّة ألفاظها لكلِّ ذي بَصيرة بالكلام، فإنها تضمَّنتْ خمسةً أحكام: الأوّل: الأمرُ بالوفاء بالعقود. الثاني: تحليلُ بهيمة الأنعام. الثالث: استثناءُ ما يَلي بعدَ ذلك. الرابع: استثناءُ حالِ الإحرام فيما يُصاد. الخامس: ما تقتضيه الآيةُ من إباحةِ الصيد لمن ليس بِمُخْرِم. وحكَى النَّقاش أن أصحابَ الكِنْدِيّ(٤) قالوا له: أيها الحكيم، اعملْ لنا مِثْلَ هذا (١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٨١، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢٤٨) والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٤٠١). (٢) تفسير أبي الليث ١/ ٤١١. وقال بهذا القول زيد بن أسلم ومالك بن أنس والشافعي وأبو حنيفة. كما في الناسخ والمنسوخ للنحاس ٣٠٤/٢ . (٣) ٣٣٩/١، وينظر المحرر الوجيز ١٤٣/٢. (٤) هو يعقوب بن إسحاق، أبو يوسف، فيلسوف العرب والإسلام في عصره، وأحد أبناء الملوك من كِنْدة. نشأ بالبصرة وانتقل إلى بغداد، فتعلم، واشتهر بالطب والفلسفة والموسيقى والهندسة. ألّف وترجم الكثير. توفي سنة (٢٦٠ هـ). الأعلام ٨/ ١٩٥ . ٢٤٦ سورة المائدة: الآية ١ القرآن، فقال: نعم، أَعْمَلُ مِثْلَ بعضه، فاحتجب أياماً كثيرةً، ثم خرج فقال: والله ما أَقدر، ولا يُطيق هذا أحدٌ، إني فتحتُ المصحفَ، فخرجَتْ سورةُ المائدة، فنظرتُ، فإذا هو قد نَطَقَ بالوفاء، ونهى عن النَّكْث، وحلَّلَ تحليلاً عامًّا، ثم استثنى استثناءً بعد استثناء، ثم أخبرَ عن قُدرته وحِكْمته في سطرين، ولا يَقْدِرُ أحدٌ أنْ يأتيَ بهذا إلا في أجلاء(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ﴾ يقال: وَنَّى وأوفى؛ لغتان(٢)، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْلَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهْ﴾(٣) [التوبة: ١١١] وقال تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ أَلَّذِى وَفَ﴾ [النجم: ٣٧] وقال الشاعر: أَمّا ابنُ طَوْق فقد أَوْفَى بِذِمّتِهِ كما وَفَى بِقِلاصِ النّجْمِ حَادِيها (٤) فجمع بين اللُّغتين(٥). ﴿بَلْعُقُودٍ﴾ العقود: الرُّبوط(٦)، واحدها عَقْد، يقال: عقدتُ العهدَ والحَبْل، وعَقَّدتُ العَسَلَ (٧)، فهو يستعمل في المعاني والأجسام؛ قال الحطيئة: قَوْمٌ إذا عقدوا عقداً لِجارِهِمُ شَدُّوا العِنَاجَ وَشَدُّوا فوقَه الكَرَبا(٨) (١) المحرر الوجيز ١٤٥/٢، وقوله: أجلاد: جمع چِلْد. (٢) ولغة ثالثة، وهي وَفَى، كما ذكر أبو حيان في النهر المادّ بهامش البحر ٤١١/٣، والسمين الحلبي في عمدة الحفاظ ٤/ ٢٨٧٧ . وسترد في البيت الآتي. (٣) كذا أورد المصنف رحمه الله هذه الآية، لكن لفظة ((أوفى)) فيها هي أفعل التفضيل من ((وَفَى)). ولعله أراد قوله تعالى: ﴿ومن أوفى بما عاهد عليه الله﴾ [الفتح: ١٠]. (٤) قائله طُفيل الغنوي، وهو في ديوانه ص ١١٣ . وقلاص النجم: هو العشرون نجماً التي ساقها الدّبَران في خِطْبة الثُّريا كما تزعم العرب. ينظر اللسان (قلص). والدَّبَران: نجمٌ بين القُّريا والجوزاء. (٥) يعني بين (أوفى)) و((وَفَى)) كما في الكامل للمبرّد ٧١٨/٢، وليس بين ((أوفى)) و((وفَّى)، اللتين أوردهما المصنف . (٦) يعني جمع رِباط، وكذا ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٣/٢، وفي المعاجم: جمع رباط: رُبُط ورُبْط. (٧) جاء في اللسان: عقدَ العسلُ والرُّبُّ، يَعقِدُ، وانعقد، وأعقدتُه، فهو مُنعَقِدٌ، وعَقيدٌ: غَلُظَ، وروى بعضهم: عقَّدتُ العسلَ والكلامُ أعقدتُ. (٨) ديوان الحطيئة ص١٢٨، قال شارحه ص١٣٤ : العِناج: حَبْل يُؤْخَذ فيصير صُرَّةً في أسفل الدَّلو، = ٢٤٧ سورة المائدة: الآية ١ فأمرَ الله سبحانه بالوفاء بالعقود، قال الحسن: يعني بذلك عقودَ الدَّيْن(١)، وهو (٢) ما عَقَده المرءُ على نفسه؛ من بيعٍ، وشراءٍ، وإجارةٍ، وكِراءٍ، ومُناكحةٍ، وطلاقٍ، ومزارعةٍ، ومُصالحةٍ، وتَمْليكٍ، وتخييرٍ، وعتقٍ، وتدبيرٍ، وغيرِ ذلك من الأمور، ما كان ذلك غيرَ خارج عن(٣) الشريعة، وكذلك ما عَقَدَه على نفسه لله من الطاعات؛ كالحجِّ، والصِّيام، والاعتكاف، والقيام، والنَّذر، وما أَشْبهَ ذلك من طاعات مِلَّة الإسلام. وأمَّا نَذْرُ المباح؛ فلا يَلزم بإجماع من الأمة، قاله ابن العربي (٤). ثم قيل: إنَّ الآيةَ نزلت في أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ ميثاق الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لِيُبَيِّنُنَّه لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ﴾(٥) [آل عمران: ١٨٧]. قال ابن جُريج: هو خاصٌّ بأهل الكتاب، وفيهم نزلتْ. وقيل: هي عامَّةٌ، وهو الصحيح؛ فإنّ لفظَ المؤمنين يعمُّ مؤمني أهل الكتاب؛ لأنّ بينهم وبين الله عَقْداً في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أَمْرِ محمد #؛ فإنهم مأمورون بذلك في قوله: ﴿أَوْقُواْ بِأَلْعُقُودٍ﴾ وغير موضع. قال ابن عباس: ﴿أَوَفُواْ بِالْعُقُوَّدٍ﴾ معناه: بما أحلَّ وبما حرَّم، وبما فرضَ وبما حدَّ في جميع الأشياء، وكذلك قال مجاهد وغيره(٦). وقال ابن شهاب: قرأتُ كتابَ رسول الله ﴾ الذي كتبه لعمرو بن حَزْم حين بعثَه إلى نَجْران، وفي صَدْره: ((هذا بيانٌ(٧) من الله ورسوله، ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ = يُشَدُّ ذلك الحبل إلى تلك الصُّرَّة، والكَرَب: الحبل الذي يُشَدُّ في وسط عَرَاقي الدّلو، ثم يُثَنَّى ويُئِلِّث ليكون هو الذي يلي الماء، فلا يَعْفَنُ الحبلُ الكبير. (والعَراقي جمع ◌ُرقُوة، وهي خشبة الدلو). (١) أورده الماوردي في النكت والعيون ٦/٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٢٦٨/٢. (٢) في (م): وهي. (٣) في النسخ: في، والمثبت من (م). (٤) في أحكام القرآن ٥٢٨/٢ . (٥) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم في رواية أبي بكر (بالياء فيهما)، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بالتاء فيهما. ينظر السبعة ص٢٢١ . وسلف ٤٥٨/٥ - ٤٥٩ . (٦) أخرجه الطبري ٨/ ٩ . (٧) بعدها في (د) و(ز) و(م): للناس، والمثبت من (ظ) والمصادر. ٢٤٨ سورة المائدة: الآية ١ بِالْعُقُودٍ﴾)) فكتبَ الآياتِ فيها إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الآية: ٣](١). وقال الزجاج (٢): المعنى: أوفوا بعقد الله عليكم وبِعَقْدكم بعضِكم على بعض. وهذا كلُّه راجعٌ إلى القول بالعموم، وهو الصحيح في الباب؛ قال : ((المؤمنون عند شروطهم))(٣)، وقال: ((كلُّ شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإنْ كان مئةَ شرط))(٤) فبيَّن أن الشرطَ أو العقدَ الذي يجب الوفاءُ به ما وافَقَ كتابَ الله، أي: دِينَ الله، فإنْ ظهرَ فيها ما يُخالف؛ رُدَّ، كما قالِ﴾: ((مَنْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدِّ»(٥). ذكر ابن إسحاق قال: اجتمعتْ قبائلُ من قريش في دار عبد الله بن جُدْعان - لِشِرَفِه ونَسَبه - فتعاقدوا وتعاهدوا على ألَّ يجدوا بمكةَ مظلوماً من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى تُردَّ عليه مَظْلِمتُه، فسَمَّتْ قريشٌ ذلك الحِلْفَ حِلْفَ الفُصُول، وهو الذي قال فيه الرسول﴾: ((لقد شَهِدتُ في دار عبد الله بن جُدعان حِلْفاً ما أُحِبُّ أنّ لي به حُمْرَ النَّعَم؛ ولو أُذْعَى به في الإسلام لَأَجَبْتُ))(٦). وهذا الحِلْفُ هو المعنى المُراد في قوله عليه الصلاة والسلام: ((وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهلية لم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً))(٧) لأنه مُوافِقٌ للشرع إذْ أمرَ بالانتصاف من الظالم؛ فأما ما كان من عُهودهم الفاسدةِ وعُقودهم الباطلةِ على الظّلم والغارات، فقد هَدَمه الإسلامُ، والحمد لله. (١) ينظر المحرر الوجيز ١٤٤/٢، وقول ابن شهاب أخرجه النسائي ٥٩/٨، والطبري ١١/٨. (٢) في معاني القرآن له ١٣٩/٢ . (٣) سلف ٣/ ٤١٠ . (٤) قطعة من حديث عائشة رضي الله عنها في خبر مكاتبة بريرة أخرجه أحمد (٢٤٥٢٢) و(٢٥٧٨٦)، والبخاري (٤٥٦) و(٢١٥٥)، ومسلم (١٥٠٤)، وسلف قطعة منه ٦ / ٤٧ . (٥) سلف ٤٦/٢ . (٦) سيرة ابن هشام ١٣٣/١ - ١٣٤. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٣٦٧ عن طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري مرسلاً، وأخرجه الفاكهي في أخبار مكة (١٢٦) (ملحق) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٧) أخرجه أحمد (١٦٧٦١)، ومسلم (٢٥٣٠) من حديث جُبير بن مُطعم ﴾، وفي الباب عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص ﴾ عند أحمد (٢٩٠٩) و(٦٦٩٢). ٢٤٩ سورة المائدة: الآية ١ قال ابن إسحاق(١): تحاملَ الوليدُ بن عُتبة على الحسين بن عليّ في مال له السلطان الوليد - فإنه كان أميراً على المدينة - فقال له الحسين: أَخْلِفُ بالله، لَتُنصفَنِّي من حقِّي، أو لآخُذَنَّ بسيفي، ثم لأقومنَّ في مسجد رسول الله :﴿، ثم لَأَدْعُونَّ بحِلف الفضول. قال عبد الله بن الزبير: وأنا أَحْلِفُ بالله، لئن دعاني لآخذنَّ سيفي(٢)، ثم لأقومنَّ معه حتى ينتصفَ من حَقِّه، أو نموتَ جميعاً؛ وبلغتْ المِسْوَرَ بن مَخْرَمةً، فقال مِثْلَ ذلك؛ وبلغتْ عبد الرحمن بن عثمان بن عُبيد اللـه التَّيْمِيّ، فقال مثلَ ذلك؛ فلما بلغ ذلك الوليدَ أنصفَه. الثالثة: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾ الخِطابُ لكلِّ من التزم الإيمانَ على وَجْهه وكماله؛ وكانت للعرب سُنَنٌ في الأنعام من البَحِيرة والسائبة والوَصيلة والحام، يأتي بيانُها(٣)؛ فنزلت هذه الآيةُ رافعةً لتلك الأوهام الخيالية والآراءِ الفاسدة الباطلة(٤). واختلف في معنى ((بهيمة الأنعام))، والبهيمة اسمٌ لكلِّ ذي أربع؛ سمِّيتْ بذلك لإبهامها من جهةِ نقص نُطْقِها وفَهْمها وعَدَم تمييزها وعَقْلها، ومنه: بابٌ مُبْهَم، أي: مُغلق، وليلٌ بَهِيم، وبُهْمَة للشُّجاع الذي لا يُدرَى من أين يُؤْتَى له(٥). و((الأنعام)): الإبل والبقر والغنم، سُميِّت بذلك لِلِيْن مَشْيها؛ قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأُ لَكُمْ فِيهَا دِفْهٌ وَمَنَفِعُ﴾ إلى قوله: ﴿ وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ﴾ [النحل: ٥-٧]، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُولَةٌ وَفَرْشَاً﴾ [الأنعام: ١٤٢] يعني كباراً وصغاراً، ثم بيَّنها فقال: ﴿ثَمَنِيَّةَ أَزْوَجْ﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ﴾ [الأنعام: ١٤٣ -١٤٤] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنِ جُلُودِ آلْأَنْعَمِ بًُّا تَسْتَخِفُونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ يعني الغنم (١) سيرة ابن هشام ١/ ١٣٤ - ١٣٥. (٢) في (م): بسيفي. (٣) عند تفسير الآية (١٠٣) من هذه السورة. (٤) في (د) و(م): الباطلية، والمثبت من (ز) و(ظ). (٥) ينظر المحرر الوجيز ١٤٤/٢ - ١٤٥. ٢٥٠ سورة المائدة: الآية ١ ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ يعني الإبل ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ [النحل: ٨] يعني المَعْز، فهذه ثلاثةُ أدِلّة تُنبئ عن تضمّن اسم الأنعام لهذه الأجناس؛ الإبل والبقر والغنم؛ وهو قولُ ابن عباس والحسن(١). قال الهرويّ: وإذا قيل: النَّعَم، فهو الإبل خاصّةٌ (٢). وقال الطبريّ(٣): وقال قوم: ((بهيمة الأنعام)): وَخْشِيُّها، كالِّباء، وبقر الوحش، والحُمُر، وغير ذلك. وذكره غير الطبريّ عن السدّي والربيع وقتادة والضحاك، كأنه قال: أُحِلَّت لكم الأنعام، فأضيف الجنس إلى أخَصَّ منه. قال ابن عطية(٤): وهذا قولٌ حسن؛ وذلك أنّ الأنعامَ هي الثمانيةُ الأزواج، وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له: أنعام؛ بمجموعه معها، وكأن المُفترِسَ - كالأسد وكلِّ ذي ناب ـ خارجٌ عن حدِّ الأنعام، فبهيمةُ الأنعام هي الرَّاعي من ذوات الأربع. قلت: فعلى هذا يدخلُ فيها ذواتُ الحوافر؛ لأنها راعيةٌ غير مُفترِسة، وليس كذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأْ لَكُمْ فِيهَا رِفْءٌ وَمَنَفِعُ﴾ [النحل: ٥] ثم عطفَ عليها قوله: ﴿وَاَلَّلَ وَالْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨]، فلما استأنف ذِكرها وعَطَفها على الأنعام، دَلَّ على أنها ليست منها، والله أعلم. وقيل: ((بهيمة الأنعام)): ما لم يكن صيداً؛ لأنَّ الصيدَ يُسمَّى وحشاً لا بهيمةً، وهذا راجعٌ إلى القول الأوّل. ورُوي عن عبد الله بن عمر أنه قال: ((بهيمة الأنعام)) الأَجِنَّةُ التي تخرجُ عند الذبح من بطون الأُمهات، فهي تُؤكّلُ دون ذَكاة، وقاله ابن عباس(٥)، وفيه بُعْدٌ؛ لأن (١) أحكام القرآن لابن العربي ٥٢٩/٢ . وقول ابن عباس * أورده السيوطي في الدر المنثور ٢٥٣/٢ ونسبه للطستي في مسائله، وقول الحسن أخرجه الطبري ١٢/٨ - ١٣. (٢) ينظر تهذيب اللغة ١٣/٣. (٣) في تفسيره ٨/ ١٥ . (٤) المحرر الوجيز ١٤٤/٢ - ١٤٥، وما قبله منه. (٥) أخرجهما الطبري ١٣/٨ - ١٤ . ٢٥١ سورة المائدة: الآية ١ الله تعالى قال: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ وليس في الأجِنّة ما يُستثنى؛ قال مالك: وذَكَاةٌ الذّبيحة ذكاةٌ لجنينها إذا لم يُدرَكْ حيًّ وكان قد نبتَ شعرُه، وتَمَّ خَلْقُه؛ فإن لَم یتِمَّ خَلْقُه، ولم يَنْبُتْ شَعرُه لم يُؤْكَلْ إلّا أن يُدرَكَ حيَّ فيُذكَّى؛ وإنْ بادروا إلى تذكيته فماتَ بنفسه، فقيل: هو ذَكِيٌّ. وقيل: ليس بذَكيّ (١)؛ وسيأتي لهذا مزيدُ بيان إن شاء الله تعالى(٢). الرابعة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يُقرأ عليكم في القرآن والسُّنَّة من قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَّيْتَهُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله عليه الصلاة والسلام: ((وكلُّ ذي نابٍ من السِّباعِ حرامٌ»(٣). فإن قيل: الذي يُتلى علينا الكتابُ ليس السُّنَّة؛ قلنا: كلُّ سُنّة لرسول اللـه 8# فهي من كتاب الله؛ والدّليلُ عليه أمران: أحدهما: حديثُ العَسِيف: ((لأَقْضِيَنَّ بينكما بكتاب الله))(٤) والرَّجمُ ليس منصوصاً في کتاب الله. الثاني: حديث ابن مسعود: وما لي لا أَلْعنُ مَن لَعَن رسولُ الله ◌ِ﴾، وهو في كتاب الله؛ الحديث(٥). وسيأتي في سورة الحشر(٦). ويَحتَمِل ((إِلَّا ما يتلى عليكم)) الآن، أو ((ما يتلى عليكم)) فيما بعدُ مِن مُستقبَل الزمان على لسان رسول اللـه :﴿، فيكون فيه دليلٌ على جواز تأخير البيان عن وقتٍ لا يُفْتَقَرُ فيه إلى تعجيل الحاجة(٧). الخامسة: قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلّى الصَّيْدِ﴾ أي: ما كان صيداً فهو حلالٌ في الإحلال دون الإحرام، وما لم يكن صيداً فهو حلالٌ في الحالين. (١) ينظر النوادر والزيادات ٤/ ٣٦٣ . (٢) ص ٢٧٥ من هذا الجزء وما بعدها. (٣) أخرجه أحمد (٧٢٢٤)، ومسلم (١٩٣٣) من حديث أبي هريرة ، وهو عند البخاري (٥٥٣٠) من حديث أبي ثعلبة الخشني بنحوه. (٤) سلف ٦ / ١٤٥ . (٥) أخرجه أحمد (٤١٢٩)، والبخاري (٥٩٤٨) ومسلم (٢١٢٥) وسلفت قطعة منه ص ١٤٢ من هذا الجزء. (٦) في تفسير الآية (٧) منها. (٧) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٥٣٠/٢ - ٥٣١ . ٢٥٢ سورة المائدة: الآية ١ واختلف النُّحاة في ((إِلَّا مَا يُتْلَى)) هل هو استثناءٌ أَوْ لا؟ فقال البصريون: هو استثناءٌ من ((بهيمة الأنعام))، و((غَيْرَ مُحِلّي الصَّيد)» استثناءٌ آخرُ أيضاً منه، فالاستثناءان جميعاً من قوله: ((بهيمةُ الأنعام)) وهي المستثنَى منها؛ التقدير: إلّا مَا يُتْلَى عليكم إلَّا الصّيدَ وأنتم مُحرِمون؛ بخلاف قوله: ﴿إِنَّ أُزْسِنَا إِلَى قَوْمٍ أُجُرِينَ إِلَّ ءَالَ لُوطٍ﴾ [الحجر: ٥٧-٥٨] على ما يأتي. وقيل: هو مستثنى مما يَليه من الاستثناء؛ فيصير بمنزلةٍ قوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا أُرْسِتَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ﴾ ولو كان كذلك لوجبّ إياحةُ الصَّيد في الإحرام؛ لأنه مستثنّى من المحظور إذْ كان قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَ عَلَيْكُمْ﴾ مُستثنى من الإباحة؛ وهذا وجهٌ ساقطٌ. فإذاً معناه: أُحِلَّتْ لكم بهيمةُ الأنعام غيرَ مُحِلِي الصيد وأنتم ◌ُرُمٌ، إلَّا مَا يُتلى عليكم سِوى الصّيد. ويجوزُ أن يكون معناه أيضاً: أوفوا بالعُقود غيرَ مُحلِّي الصّيد، وأُحِلّتْ لكم بهيمةُ الأنعام إلّا ما يُتلى عليكم(١). وأجاز الفرّاء أن يكون ((إِلَّ مَا يُتلى عليكم)) في موضع رفع على البدل على أن يُعطَفَ بإلَّا كما يُعطَفَ بلا، ولا يُجيزه البصريون إلا في النكرة أو ما قارَبها من [أسماء] الأجناس، نحو: جاء القومُ إلّا زيدٌ. والنصب عنده بأنّ ((غيرَ مُحِلّ الصّيد)) نصب على الحال مما في ((أوفوا)). قال الأخفش: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غيرَ مُحِلِّي الصّيد. وقال غيره: حالٌ من الكاف والميم في ((لكم))، والتقدير: أُحِلَّتْ لكم بهيمةُ الأنعام غيرَ محلّي الصّيد(٢). ثم قيل: يجوز أن يرجعَ الإحلالُ إلى الناس، أي: لا تُحِلُّوا الصّيد في حال الإحرام، ويجوز أن يرجعَ إلى الله تعالى، أي: أَخْللتُ لكم البهيمةَ إلا ما كان صيداً في وقت الإحرام؛ كما تقول: أحللتُ لك كذا غيرَ مُبيحٍ لك يومَ الجمعة. فإذا قلتَ: (١) أحكام القرآن للجصاص ٢٩٩/٢ . (٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٣/٢ -٤، ومعاني القرآن للفراء ٢٩٨/١، ومعاني القرآن للأخفش ٤٥٩/٢، ومعاني القرآن للزجاج ١٤١/٢، والمحرر الوجيز ١٤٥/٢. وما سلف بين حاصرتين منه. ٢٥٣ سورة المائدة: الآيتان ١ - ٢ يرجِعُ إلى الناس، فالمعنى: غير مُحلِّين الصيدَ، فَحُذِفت النّون تخفيفاً. السادسة: قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حٌ﴾ يعني الإحرامَ بالحجّ والعُمرة؛ يقال: رجلٌ حرامٌ، وقومٌ حُرُمٌ: إذا أحرموا بالحجّ، ومنه قول الشاعر: فقلتُ لها فِيشِي إليكِ فإنّني حرامٌ وإنِّي بعد ذاك لَبِيبُ(١) أي: مُلَبِّ. وسُمِّى ذلك إحراماً لما يُحرِّمه مَن دخلَ فيه على نفسه من النساء والطِّيب وغيرهما. ويقال: أحرمَ: دخلَ في الحَرَم؛ فيحرمُ صَيْدُ الحَرَم أيضاً. وقرأ الحسنُ وإبراهيمُ ويحيى بن وَثَّابِ: ((حُرْم)) بسكون الرّاء، وهي لغةٌ تميميّةٌ، يقولون في رُسُل: رُسْل، وفي كُتُب: كُتْب، ونحوه(٢). السابعة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدٌ﴾ تقويةٌ لهذه الأحكامِ الشّرعية المُخالفة لمعهودِ أحكام العرب أي: فأنت يا محمدُ السامع لِنَسْخ تلك التي عَهِدْتَ من أحكامهم تَنَبَّه، فإنَّ الذي هو مالكُ الكُلّ ((يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ»، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، يُشرِّع ما يشاء كما يشاء(٣). قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلُّواْ شَعَكَّيْرَ اَللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ اَلْحَرَامَ وَلَا الْهَدْىَ وَلَا الْقَلَِدَ وَلَّ ءَّقِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ يَبْنَغُونَ فَضْلًا مِن زَّيِهِمْ وَرِضْوَنًا وَإِذَا حَلُْ فَأَصْطَادُواْ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىُّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْإِثْمِ وَاَلْعُدْوَنِّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ المِقَاب فيه ثلاث عشرة مسألة: (١) قائله المُضَرَّب بن كعب بن زهير بن أبي سلمى، وهو في مجاز القرآن ١/ ١٤٥، ومعاني القرآن للزجاج ١٤٢/٢ وأمالي أبي علي القالي ١٧١/٢، والاقتضاب ص ٤٧٥، وأمالي ابن الشجري ٢٥١/١، وخزانة الأدب ٩٦/٢ . ونُسب في شروح سقط الزند ١١٤٣/٣ للمُخبَّل السعدي. (٢) ينظر المحرر الوجيز ١٤٥/٢، وقراءة الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثّاب ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٣١ - دون ذكر إبراهيم - وابن جني في المحتسب ٢٠٥/١ . (٣) المحرر الوجيز ١٤٥/٢ . ٢٥٤ سورة المائدة: الآية ٢ الأولى: قوله تعالى: ﴿لَا تُعِلُواْ شَعَيْرَ اَللَّهِ﴾ خطابٌ للمؤمنين حقّاً؛ أي: لا تَتَعدَّوا حدودَ الله في أمرٍ من الأمور. والشَّعائرُ جمع شَعيرة(١)، على وزن فَعِيلة. وقال ابن فارس (٢): ويقال للواحدة: شِعَارة، وهو أحسن. والشعيرة: البَدَنةُ تُهْدَى، وإشعارُها أنْ يُحَزَّ سَنامُها حتى يسيلَ منه الدَّمُ، فيُعلَمَ أنها هَذيٌ. والإشعار: الإعلامُ من طريق الإحساس، يقال: أَشعرَ هَذْيَهُ؛ أي: جعل له علامةً ليُعرفَ أنه هَدْيٌ. ومنه المشاعر: المعالم، واحدها مَشْعَر، وهي المواضع التي قد أُشعِرت بالعلامات. ومنه الشّعر؛ لأنه يكون بحيث يقع الشُّعور. ومنه الشّاعر؛ لأنه يَشْعر بفطنته لِما لا يَقطن له غيره. ومنه الشَّعير؛ لشَعرته التي في رأسه. فالشَّعائر على قولٍ: ما أُشعر من الحيوانات لتُهْدَى إلى بيت الله. وعلى قولٍ: جميع مناسك الحجِّ، قاله ابنُ عباس(٣). وقال مجاهد: الصَّفا والمَرْوةُ والهَذْيُ والبُدْنُ كلُّ ذلك منَ الشعائر (٤). وقال الشاعر : شَعَائِرَ قُرْبانٍ بِهم(٥) يُتَقَرَّبُ نُقَتِّلُهم جِيلاً فجِيلاً تراهُمُ وكان المشركون يَحُجُون ويَعتمرون ويُهدون، فأراد المسلمون أنْ يُغِيرُوا عليهم؛ فقال(٦) الله تعالى: ﴿لَا ◌ُلُّواْ شَعَتَيْرَ اللَّهِ﴾. وقال عطاء بن أبي رباح: شعائر الله: جمیع ما أمر الله به ونهى عنه(٧). (١) المحرر الوجيز ١٤٥/٢ - ١٤٦. (٢) في مجمل اللغة ٥٠٥/١ . (٣) أخرجه الطبري ٢٢/٨. (٤) أخرجه الطبري ٢٣/٨ . (٥) في (م): بها. والشاعر هو الكميت بن زيد الأسدي، والبيت في شرح الهاشميات ص٦٧ ، وسلف ٤٧٣/٢ . (٦) في (م): فأنزل. (٧) المحرر الوجيز ١٤٦/٢. والقول الأول أخرجه الطبري ٢٢/٨ - ٢٣ عن ابن عباس. وأخرج أيضاً قول عطاء ٨ / ٢١ - ٠٢٢ ٢٥٥ سورة المائدة: الآية ٢ وقال الحسن: دِين الله كلّه، كقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَىَ الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] أي: دِينَ الله(١). قلت: وهذا القول هو الراجح الذي يُقدَّم على غيره لعمومه(٢). وقد اختلف العلماء في إشعار الهذي وهي: الثانية: فأجازه الجمهور، ثم اختلفوا في أيِّ جهة يُشعَر، فقال الشافعي وأحمد وأبو ثَوْر: يكون في الجانب الأيمن؛ ورُوي عن ابن عمر(٣). وثبت عن ابن عباس أنَّ النبيَّ ﴿ أَشْعَرَ ناقتَه في صَفْحةِ سَنامِها الأيمن؛ أخرجه مسلم وغيره(٤)، وهو الصحيح. ورُوي أنه أَشْعَرَ بُذْنَه منَ الجانبِ الأيسر؛ قال أبو عمر بنُ عبد البرِّ: هذا عندي حديث منكرٌ من حديثِ ابنِ عباس؛ والصحيحُ - يعني(٥) - حديثُ مسلم عن ابن عباس، قال: ولا يصحُّ عنه غيره(٦). وصَفْحَةُ السَّنام جانبه، والسَّنام: أعلى الظهر. وقالت طائفة: يكون في الجانب الأيسر، وهو قول مالك، وقال: لا بأس به في الجانب الأيمن. وقال مجاهد: من أيِّ الجانبين شاء؛ وبه قال أحمد في أحد قوليه. ومنع من هذا كلِّه أبو حنيفة، وقال: إنه تعذيب للحيوان، والحديثُ يَردُّ عليه؛ وأيضاً فذلك يجري مجرَى الوَسْم الذي (١) أحكام القرآن للجصاص ٢٩٩/٢ . (٢) رجح الطبري ٢٤/٨، وابن عطية في المحرر ١٤٦/٢ قول عطاء . (٣) أخرج ابن عبد البر في التمهيد ٢٣١/١٧ - ٢٣٢ عن ابن عمر أنه كان يشعر في الشق الأيمن حين يريد أن يحرم. وأخرج أيضاً ٢٣٢/١٧ عن نافع قال: كان ابن عمر يشعر من الجانب الأيسر، وربما أشعر من الجانب الأيمن . وأخرج مالك في الموطأ ٣٧٩/١ : ... ويشعره من الشق الأيسر. وأخرج مالك (رواية محمد بن الحسن) (٤٠١) - ومن طريقه البيهقي ٢٣٢/٥ - عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يشعر بدنته في الشق الأيسر، إلا أن تكون صعاباً مقرنه، فإذا لم يستطع أن يدخل بينها أشعر من الشق الأيمن. قال ابن حجر في فتح الباري ٥٤٣/٣: وتبين بهذا أن ابن عمر كان يطعن في الأيمن تارة، وفي الأيسر أخرى، بحسب ما يتهيأ له ذلك . (٤) صحيح مسلم (١٢٤٣). وأخرجه أيضاً أحمد (١٨٥٥)، وأبو داود (١٧٥٢)، والنسائي ١٧٠/٥ . (٥) ليست في (م) . (٦) التمهيد ٢٣١/١٧. وما قبله منه. وذكر الزيلعي في نصب الراية ١١٦/٣: أن رواية الطعن في الأيسر، رواها أبو يعلى الموصلي في مسنده عن ابن عباس. ٢٥٦ سورة المائدة: الآية ٢ يُعرف به المِلْكُ(١) كما تقدَّم؛ وقد أوْغَل ابن العربي(٢) على أبي حنيفة في الردِّ والإنكار حين لم يَرَ الإشعارَ، فقال: كأنَّه لم يسمعْ بهذه الشَّعيرة في الشّريعة، لَهِي أشهرُ منه في العلماء. قلت: والذي رأيتُه منصوصاً في كتب علماء الحنفية: الإشعارُ مكروهٌ من قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ليس بمكروه ولا سُنَّة، بل هو مباح؛ لأنَّ الإشعارَ لمَّا كان إعلاماً؛ كان سُنَّة بمنزلة التقليد(٣)، ومن حيث أنه جُرح ومُثْلَة؛ كان حراماً، فكان مشتملاً على السُّنة والبدعة؛ فُجعلَ مباحاً. ولأبي حنيفة أنَّ الإشعارَ مُثْلَة، وأنه حرام من حيث إنه تعذيب الحيوان؛ فكان مكروهاً؛ وما رُوي عن رسول الله # إنَّما كان في أوَّل الابتداء حين كانت العرب تنتهب كلَّ مالٍ إلَّا ما جُعل هَذْياً، وكانوا لا يعرفون الهَذْيَ إلا بالإشعار، ثم زال لزوال العذر؛ هكذا رُوي عن ابن عباس. وحُكي عن الشيخ الإمام أبي منصور الماتريديِّ رحمه الله تعالى أنه قال: يحتمل أنَّ أبا حنيفة كَرِهَ إشعارَ أهلٍ زمانه، وهو المبالغة في البَضْع (٤) على وجه يخاف منه السِّراية(٥)، أمَّا ما لم يجاوز الحدَّ فُعِل، كما كان يُفعَل في عهد رسول الله :# فهو حسن، وهكذا ذكر أبو جعفر الطَّحاويُّ(٦). فهذا اعتذارُ علماءِ الحنفية لأبي حنيفةً عن الحديث الذي ورد في الإشعار، فقد سمعوه ووصل إليهم وعَلِموه، قالوا: وعلى القول بأنه مكروه لا يصير به أحدٌ مُخرِماً؛ لأنَّ مباشرة المكروه لا تُعدُّ من المناسك(٧). (١) المفهم ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥ (٢) في أحكام القرآن ٣/ ١٢٧٧ . (٣) يعني تقليد الهَذي، وهو أن يُعلَّق بعنق البعير قطعة من جلد؛ ليُعلم أنه هَدْيِّ، فيكفَّ الناس عنه. المصباح المنير (قلد). (٤) البَضْع: الشق. مختار الصحاح (بضع). (٥) قال المطرّزي في المُغرب (سرى): سرى الجرح إلى النفس، أي: أثرّ فيها حتى هلكت، لفظة جارية على ألسنة الفقهاء، إلا أن كتب اللغة لم تنطق بها. (٦) ينظر مختصر اختلاف العلماء ٢/ ٧٢ - ٧٤ . (٧) ينظر مختصر اختلاف العلماء ٧٩/٢ . ٢٥٧ سورة المائدة: الآية ٢ الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ اَلْحَرَامَ﴾ اسم مفرد يدلُّ على الجنس في جميع الأشهر الحُرُم، وهي أربعة: واحدٌ فردٌ، وثلاثةٌ سَرْدٌ(١)، يأتي بيانها في ((براءة))(٢)، والمعنى: لا تستحلُّوها للقتال ولا للغارة، ولا تبدِّلوها؛ فإنَّ استبدالَها استحلالٌ، وذلك ما كانوا يفعلونه من النَّسيء، وكذلك قوله: ﴿وَلَا الْمَدْىَ وَلَا الْقَلَيِدَ﴾ أي: لا تستحلُّوه، وهو على حذف مضاف، أي: ولا ذوات القلائد؛ جمع قِلَادة. فنهَى سبحانه عن استحلال الهَذي جملة، ثم ذَكَر المقلَّدَ منه تأكيداً ومبالغةً في التنبيه على الحرمة في التقليد(٣). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَ الْمَدْىَ وَلَا الْقَلَيِدَ﴾ الهَذْيُ: ما أُهديَ إلى بيت الله تعالى من ناقة أو بقرة أو شاة، الواحدة: هَذْيَةٌ وهَديَّة وهَذْيٌّ. فمَن قال: أراد بالشّعائر المناسك؛ قال: ذَكَرِ الهَذْيَ تنبيهاً على تخصيصها. ومَن قال: الشَّعائرُ الهَدْيُ؛ قال: إِنَّ الشَّعائر ما كان مُشِعَراً، أي: مُعْلَماً بإسالة الدَّمِ من سَنامه، والهَذْيُ ما لم يُشعَر، اكتُفِي فيه بالتقليد. وقيل: الفرقُ أنَّ الشعائر هي البُذْن من الأنعام، والهَذي: البقر والغنم والِياب وكلُّ ما يُهدَى. وقال الجمهور: الهَذْيُ عامٌّ في جميع ما يتقرَّب به منَ الذَّبائح والصَّدقات؛ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((المُبَكِّرُ إلى الجمعة كالمُهْدِي بَدَنة)) إلى أن قال: (كَالمُهدِي بَيْضة))(٤) فسمَّاها هَذياً، وتسميةُ البيضة هَذْياً لا مَحمَل له إلاَّ أنه أراد به الصَّدقة، ولذلك(٥) قال العلماء: إذا قال: جعلتُ ثوبي هَذْياً؛ فعليه أنْ يتصدَّقَ به، إلاَّ أنَّ الإطلاق إنما ينصرف إلى أحد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم، (١) سَرْد: متتابعة. وقد ذكرها ابن عطية في المحرر الوجيز ١٤٦/٢ . وعنه نقل المصنف. وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم. والفرد هو رجب. (٢) عند تفسير الآية (٥) منها. (٣) ينظر المحرر الوجيز ١٤٦/٢ - ١٤٧. (٤) أخرجه أحمد (٧٢٥٩)، والبخاري (٩٢٩)، ومسلم (٨٥٠) (٢٤) ص ٥٨٧، من حديث أبي هريرة ﴾. ولفظه عند أحمد: ((المهجر إلى الجمعة)). ولم نقف عليه بلفظ: المبكر. والمهجر هو المبكّر. النهاية (هجر). وانظر نصب الراية ٩٨/٣ - ٩٩ . (٥) في (د) و(م): وكذلك. ٢٥٨ سورة المائدة: الآية ٢ وسَوْقها إلى الحرم وذبحها فيه، وهذا إنما تُلقِّي من عُرف الشّرع في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَنْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأراد به الشَّاةَ، وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّحَ بِلْمُرَوَ إِلَى المَّ ◌َا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأقلُّه شاةٌ عند الفقهاء(١). وقال مالك: إذا قال: ثوبي هَذْيٌّ؛ يجعل ثمنه في هَذي (٢). ﴿وَلْقَبْدُّ﴾ ما كان الناس يتقلَّدونه أَمَنَّةً لهم؛ فهو على حذف مضاف، أي: ولا أصحاب القلائد، ثم نُسخ. قال ابن عبّاس: آيتان نُسختا من ((المائدة): آية القلائد، وقوله: ﴿فَإِن جَاءُوَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمّ﴾ [الآية: ٤٢]، فأمَّا القلائدُ فنسخَها الأمرُ بقتل المشركين حيث كانوا، وفي أيِّ شهرٍ كانوا. وأمَّ الأُخرى فنسخَها قولُه تعالى: ﴿وَأَنِ اعْكُمْ بَيْتَهُم بِمَّ أَنَزَلَ اَللَّهُ﴾ (٣) [الآية: ٤٩] على ما يأتي. (١) أحكام القرآن للكيا الطبري ١٤/٣. (٢) ينظر المدونة ٩١/٢ ٩٢ . (٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٦٣٣٦)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٤٥٤)، والطبراني في المعجم الكبير ١١/ (١١٠٥٤)، والحاكم ٣١٢/٢ وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي ٢٤٨/٨ - ٢٤٩، وابن عبد البر في التمهيد ٤٠٢/١٤ . وأخرجه أبو داود (٣٥٩٠)، وابن عبد البر في التمهيد ١٤/ ٤٠٤ دون آية القلائد. قال النحاس: وهذا إسناد مستقيم، وأهل الحديث يدخلونه في المسند، وهو مع هذا قول جماعة من العلماء. قال ابن عبد البر ٤٠٣/١٤: هذا خبر إنما يرويه سفيان بن حسين وليس بالقوي، وقد اختلف عليه فيه، فروي عنه موقوفاً على مجاهد، وهو الصحيح من قول مجاهد، لا من قول ابن عباس. قلنا: أخرجه من قول مجاهد: أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢٤٧)، والطبري ٣٩/٨ ، وابن عبد البر في التمهيد ٤٠٣/١٤ . وأخرجه أيضاً النحاس في الناسخ والمنسوخ (٤٥٥)، وابن عبد البر في التمهيد ٤٠٣/١٤، دون آية القلائد. قال النحاس: وهذا أيضاً إسناد صحيح . قال الجصاص في أحكام القرآن ٣٠١/٢ : يريد به نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام، ونسخ القلائد التي كانوا يقلدون بها أنفسهم وبهائمهم من لحاء شجر الحرم ليأمنوا به، ولا يجوز أن يريد نسخ قلائد الهدي؛ لأن ذلك حكم ثابت بالنقل المتواتر عن النبي # والصحابة والتابعين بعدهم. ٢٥٩ سورة المائدة: الآية ٢ وقيل: أراد بالقلائد نفسَ القلائد، فهو نهيّ عن أَخذِ لِحاء شجر الحَرَم حتى يُتَقَلَّد به طَلَباً للأمن؛ قاله مجاهد وعطاء ومُطَرِّف بن الشِّخِّير(١). والله أعلم. وحقيقةُ الهَدْي كلٌّ مُعّى لم يذكر معه عِوَضٌ. واتفق الفقهاء على أنَّ مَن قال: لِله عليَّ هَذْيٌ أنه يبعث بثمنه إلى مكّة. وأما القلائد: فهي كل ما عُلِّق على أسنمة الهدايا وأعناقها علامةً أنه لله سبحانه؛ مِن نَعْلٍ أو غيرِهِ، وهي سُنَّةٌ إبراهيميَّة بقيت في الجاهلية، وأقرَّها الإسلامُ(٢). وهي سنَّة البقر والغنم؛ قالت عائشة رضي الله عنها: أَهْدَى رسول الله ﴾ مرَّة إلى البيت غَنَماً فقلَّدها، أخرجه البخاري ومسلم(٣). وإلى هذا صار جماعةٌ من العلماء: الشافعيُّ وأحمدُ وإسحاق وأبو ثور وابنُ حبيب، وأنكره مالك وأصحاب الرَّأي؛ وكأنهم لم يبلغهم هذا الحديث في تقليد الغنم، أو بَلَغ لكنَّهم ردُّوه لانفراد الأسودَ به عن عائشة رضي الله عنها؛ فالقول به أولَى. والله أعلم. وأما البقر فإن كانت لها أسنمة أُشعرت كالبُدن؛ قاله ابن عمر، وبه قال مالك. وقال الشافعيُّ: تُقلَّد وتُشعر مطلقاً، ولم يفرِّقوا. وقال سعيد بن جُبَير: تُقلَّد ولا تُشعر(٤). وهذا القول أصحُّ؛ إذ ليس لها سَنام ، وهي أشبه بالغنم منها بالإبل. والله أعلم. الخامسة: واتَّفقوا فيمَن قلَّد بَدَنةً على نيّة الإحرام وساقها أنه يصير مُحرماً؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تُحِلُواْ شَعَكَيْرَ اَللَّهِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَأَصْطَادُواْ﴾، ولم يذكر الإحرامَ، لكنْ ج لمَّا ذَكَرِ التّقليدَ؛ عُرِف أنه بمنزلة الإحرام. السادسة: فإن بعث بالهَذْي ولم يَسُقْ بنفسه لم يكن محرماً؛ لحديث عائشة قالت: أنا فتلتُ قلائدَ هَدْي رسولِ الله ﴾ بيديّ، ثم قَلَّدها [رسول الله ﴾] بيديه، ثم بعثَ بها مع أبي، فلم يَحْرُمْ على رسول اللـه ﴾ شيءٌ أحلَّه الله له حتى نُحِرَ الهديُ؛ (١) أخرج هذه الأقوال الطبري في تفسيره ٢٨/٨ - ٢٩. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٥٣٥/٢. (٣) صحيح البخاري (١٧٠١)، ومسلم (١٣٢١): (٣٦٧) واللفظ له. وأخرجه أحمد (٢٤١٥٥). (٤) ينظر المفهم ٣٦٥/٣. ٢٦٠ سورة المائدة: الآية ٢ أخرجه البخاريُ(١)، وهذا مذهب مالك والشافعيّ وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: بصير مُحرِماً؛ قال ابن عباس: مَنْ أهدَى هَذْياً حَرُمَ عليه ما يَحْرُم على الحاجُّ حتى يُنحر الهديُ؛ رواه البخاريُّ(٢)؛ وهذا مذهب ابنِ عمرَ وعطاء ومجاهد وسعيد بن جُبير، وحكاه الخطّابي عن أصحاب الرأي(٣)؛ واحتجُوا بحديث جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبيِّ # جالساً، فقدَّ قميصه من جيبه، ثم أخرجه من رجليه، فنظر القومُ إلى النبيِّ ﴾ فقال: ((إِنِّي أَمَرْتُ بُيُدْنِي التي بَعَثْتُ بها أنْ تُقْلَّدَ وتُشْعَرَ على مكان كذا وكذا، فلبستُ قميصي ونسيتُ، فلم أَكُنْ لأُخرِجَ قَميصي مِنْ رَأُسي)) وكان بعث ببُدْنِهِ وأقام بالمدينة(٤). في إسناده عبد الرحمن بن عطاء بن أبي لِيبة، وهو ضعيف. فإن قلَّد شاءً وتوجَّه معها؛ فقال الكوفيون: لا يصير محرماً؛ لأنَّ تقليدَ الشّاةِ ليس بمسنون ولا منَ الشَّعائر؛ لأنه يُخاف عليها الذئبُ؛ فلا تَصِلُ إلى الحَرَمَ، بخلاف البُذْن؛ فإنها تُتْرك حتى تَرِدَ الماءَ وتَرعَى الشَّجر وتصلَ إلى الحرم(٥). وفي صحيح البخاريِّ: عن عائشة أم المؤمنين قالت: فَتلتُ قلائدها من عِهْنٍ كان عندي(٦). العِهْنِ: الصَّوفُ المصبوغ (٧)؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ اَلْجِبَالُ كَأَلْمِهْنٍ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]. (١) صحيح البخاري (١٧٠٠)، وما بين حاصرتين منه. وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٠٢٠)، ومسلم (١٣٢١): (٣٦٩). (٢) صحيح البخاري (١٧٠٠). وهو قطعة من حديث عائشة رضي الله عنها السابق. وأخرجه أيضاً مسلم (١٣٢١): (٣٦٩). (٣) معالم السنن ٢/ ١٥٥. وينظر المفهم ٤٢١/٣، وإكمال المعلم ٤٠٨/٤. والتمهيد ٢٢٨/١٧ . (٤) أخرجه أحمد (١٥٢٩٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٣٨/٢ و٢٦٤، وابن عبد البر في التمهيد ٢٢٣/١٧. (٥) ينظر الاستذكار ١٨٠/١١. (٦) صحيح البخاري (١٧٠٥). وأخرجه مسلم (١٣٢١): (٣٦٤). (٧) معالم السنن ٢/ ١٥٥ .