النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة النساء: الآيتان ١٣٦ - ١٣٧
والمعنى: يا أيها الذين صدَّقوا أَقيموا على تصديقكم واثبُتوا عليه. ﴿وَاَلْكِنَبِ الَّذِى
نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾، أي: القرآن. ﴿وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِن قَبْلٌ﴾، أي: كلّ كتاب أنزل
على النبيين(١).
وقرأ ابن كثير وأبو عمرٍو وابنُ عامر: ((نُزِّل))، و((أُنْزِلَ)) بالضم، الباقون: ((نَزَّل))،
و((أَنْزَلَ)) بالفتح(٢).
وقيل: نزلت فيمن آمن بمن تقدَّم محمداً ﴾ من الأنبياء عليهم السلام(٣).
وقيل: إنه خطابٌ للمنافقين، والمعنى على هذا: يا أيها الذين آمنوا في الظاهر
أخلصوا لِله (٤).
وقيل: المرادُ المشركون، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا باللَّاتِ والعُزَّى
والطاغُوتِ آمِنوا بالله؛ أي: صدِّقوا بالله ويكتبه(٥).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُذَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُواْ كُفْرَاً
١١٣٧
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً
قيل: المعنى: آمَنوا بموسى، وكفروا بعُزَيْر، ثم آمنوا بعُزَير، ثم كفروا بعيسى،
ثم ازدادوا كفراً بمحمدٍ 18.
وقيل: إن الذين آمنوا بموسى ثم آمنوا بعُزَير، ثم كفروا بعد عُزيرٍ بالمسيح،
وكفرت النصارى بما جاء به موسى، وآمنوا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمدٍ 8# وما
جاء به من القرآن (٦).
(١) ينظر معاني القرآن للزجاج ١١٩/٢، وتفسير البغوي ٤٩٠/١، وزاد المسير ٢٢٤/٢.
(٢) السبعة ص٢٣٩ ، والتيسير ص٩٨ .
(٣) ينظر أسباب النزول للواحدي ص١٧٨ - ١٧٩، والنكت والعيون ٥٣٦/١، وزاد المسير ٢٢٤/٢.
(٤) معاني القرآن للنحاس ٢١٦/٢. وينظر معاني القرآن للزجاج ١١٩/٢.
(٥) ينظر تفسير البغوي ١/ ٤٩٠ .
(٦) ينظر معاني القرآن للزجاج ١١٩/٢، وتفسير أبي الليث ١/ ٣٩٧.

١٨٢
سورة النساء: الآية ١٣٧
فإن قيل: اللهُ(١) تعالى لا يَغْفِرُ شيئاً من الكفر، فكيف قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ
كَفَرُواْ ثُنَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرَا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَمْ﴾؟ فالجواب: أنَّ الكافر
إذا آمن غُفر له كفرُه، فإذا رجع فكفر، لم يغفر له الكفرُ الأوَّل (٢)؛ وهذا كما جاء في
صحيح مسلم عن عبد الله قال: قال أناسٌ لرسول اللهِ﴾: يا رسولَ الله، أنؤاخَذُ بما
عَمِلْنا في الجاهلية؟ قال: ((أمَّا مَن أحسنَ منكم في الإسلام، فلا يؤاخذُ بها، ومن
أساء أُخذ بعمله في الجاهلية والإسلام)»(٣). وفي رواية(٤): ((ومن أساء في الإسلام
أُخذ بالأوَّلِ والآخر)). الإساءةُ هنا بمعنی الکفرِ؛ إذ لا یصِحُ أنْ یرادَ بها [هنا] ارتكابُ
سيئةٍ، فإنه يلزمُ عليه ألَّ يَهدِمَ الإسلامُ ما سبق قبلَه إلا لمن يُعصمُ من جميع السيئاتِ
إلى(٥) حينٍ موتِهِ، وذلك باطلٌ بالإجماع(٦).
ومعنى ﴿ثُمَّ أَزْدَادُوا كُفْرًا﴾: أصرُّوا على الكفر. ﴿لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا
لِيَهْدِيَهُمْ﴾: يُرشدهم. ﴿سَبِيلًا﴾: طريقاً إلى الجنة.
وقيل: لا يخضُّهم بالتوفيق كما يخصُّ أولياء»(٧) .
وفي هذه الآية ردِّ على أهل القَدَرِ؛ فإنَّ الله تعالى بيَّن أنه لا يهدي الكافرين
طريقَ خيرٍ؛ ليَعْلَم العبدُ أنه إنما يَنال الهدى بالله تعالى، ويُحرَمُ الهدى بإرادة الله
تعالى أيضاً(٨).
(١) في (د) و(ز) و(م): إن الله، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٤٩٦/١،
والكلام منه.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٦/١، وينظر تفسير أبي الليث ٣٩٧/١، وتفسير البغوي ٤٩٠/١.
(٣) صحيح مسلم (١٢٠): (١٨٩)، وأخرجه أيضاً أحمد (٤٤٠٨).
(٤) أخرجها أحمد (٣٥٩٦)، والبخاري (٦٩٢١)، ومسلم (١٢٠): (١٩٠).
(٥) في (م): إلا.
(٦) المفهم ٣٢٧/١ بنحوه، وما بين حاصرتين منه، ومن (م).
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٦/١ .
(٨) ينظر تفسير الرازي ٧٩/١١ .

١٨٣
سورة النساء: الآيات ١٣٧ - ١٣٩
وتضمَّنت الآية أيضاً حكمَ المرتدِّين(١)، وقد مضى القولُ فيهم في ((البقرة)) عند
قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾(٢) [الآية: ٢١٧].
قوله تعالى: ﴿بَشْرِ اَلْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
التبشير: الإخبارُ بما يظهر (٣) أثرُه على البَشَرة، وقد تقدَّم بيانه في ((البقرة)) ومعنى
النفاق(٤).
قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ
اَلْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (٦)﴾
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآَ مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينَّ﴾؛ ((الذين)) نعتٌ
للمنافقين.
وفي هذا دليلٌ على أنَّ مَنْ عمل معصيةً من الموحِّدين ليس بمنافق؛ لأنه لا يتولَّى
الكفار(٥) .
وتضمَّنت المنعَ من موالاة الكافرِ، وأن يُتَّخذوا أعواناً على الأعمال المتعلّقة
بالدِین.
وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رجلاً من المشركين لَحِق بالنبيِّ ﴾
يُقاتلُ معه، فقال(٦): (إِرجع؛ فإنَّا لا نَستعينُ بمشركٍ))(٧).
﴿ اَلْعِزَّةَ﴾، أي: الغلبة، عزَّه يَعِزُّه عَزَّا إذا غلبه.
(١) ينظر تفسير البغوي ١/ ٤٩٠، والنكت والعيون ١/ ٥٣٧.
(٢) في المسألة التاسعة منها.
(٣) في (م): ظهر.
(٤) ١ / ٣٠١ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٦/١ .
(٦) في (م): فقال له.
(٧) صحيح مسلم (١٨١٧)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٣٨٦).

١٨٤
سورة النساء: الآيات ١٣٩ - ١٤١
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، أي: الغلبة والقوّة لله. قال ابن عباس: ((أيَبْتَغُونَ
عِنْدَهُمُ))(١)، يريد: عند بني قَيْنُقَاعِ(٢)؛ فإنّ ابنَ أُبَيِّ كان يُوالِيهم.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ الَّهِ يُكْفَرُ بِهَا
وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِةٍ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمَّ إِنَّ اللَّهَ
جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِينَ فِى جَهَّمَ ◌َمِيعًا (٢٥) الَّذِينَ يَتَرَّبَُّونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ
فَتْحُ مِّنَ اَللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِنَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَ نَسْتَحْوِذْ
عَلَيْكُمْ وَنَمْتَعَّكُمْ مِّنَ اَلْمُؤْمِنِينَّ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ
لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ
بِهَا﴾ الخطابُ لجميع من أَظهر الإيمانَ مِن مُحقِّق(٣) ومنافقٍ؛ لأنه إذا أظهر الإيمانَ،
فقد لَزِمه أن يمتثلَ أوامرَ كتابِ الله.
والمنزّل قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيْ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ
غَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهودِ فيسخَرون من
القرآن (٤).
وقرأ عاصمٌ ويعقوبُ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ بفتح النون والزاي وشدِّها (٥)؛ لتقدُّم اسم الله
جلَّ جلاله في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. وقرأ حُميدٌ كذلك، إلا أنه خفَّف
الزاي (٦). الباقون: ﴿نُزِّلَ﴾ غير مسمَّى الفاعل.
(١) لفظة: عندهم، من (م).
(٢) لم نقف عليه.
(٣) في (ظ) و(م): محق، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٢٥/٢، والكلام منه.
(٤) الوسيط ١٢٩/٢ .
(٥) السبعة ص٢٣٩، والتيسير ص٩٨، والنشر ٢٥٣/٢.
(٦) ذكر هذه القراءة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٢٥/٢، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٩
لعطية العوفي.

١٨٥
سورة النساء: الآيتان ١٤٠ - ١٤١
﴿أَنَّ إِذَا سَمِعْثُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ﴾ موضعُ ((أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ)) على قراءة عاصم ويعقوبَ نصبٌ
بوقوع الفعلِ عليه. وفي قراءة الباقين رفعٌ؛ لكونه اسمَ ما لم يسمَّ فاعلُهَ(١).
﴿يُكْفَّرُ بِهَا﴾، أي: إذا سمعتم الكفرَ والاستهزاءَ بآيات الله؛ فأوقعَ السماعَ على
الآيات، والمراد سماعُ الكفرِ والاستهزاء؛ كما تقول: سمعت عبدَ الله يُلامُ، أي:
سمعت اللومَ في عبد الله(٢).
قوله تعالى: ﴿فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهْ﴾، أي: غير الكفر.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمَّ﴾؛ فدلَّ بهذا على وجوب اجتنابٍ أصحابِ المعاصي إذا ظهر منهم
منكر؛ لأنَّ من لم يجتنبْهم فقد رضِي فعلَهم، والرِّضا بالكفر كفرٌ؛ قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمَّ﴾(٣). فكلُّ مَنْ جلسَ في مجلس معصيةٍ، ولم يُنكِرْ عليهم؛ يكونُ
معهم في الوٍزر سواءً، وينبغي أنْ يُنكِرَ عليهم إذا تكلَّموا بالمعصية وعمِلوا بها؛ فإنْ
لم يَقدِر على النكِير عليهم، فينبغي(٤) أنْ يقومَ عنهم حتى لا يكونَ من أهل هذه الآية.
وقد رُوي عن عمرَ بنِ عبد العزيز ﴾ أنه أَخذ قوماً يشربون الخمرَ، فقيل له عن
أحد الحاضرين: إنه صائمٌ، فحمل عليه الأدبَ، وقرأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا
مِثْلُهُمْ﴾ (٥)، أي: إنَّ الرضا بالمعصية معصيةٌ؛ ولهذا يؤاخذ الفاعلُ والراضي بعقوبة
المعاصي حتى يَهلِكوا بأجمعهم. وهذه المماثلةُ ليست في جميع الصفات، ولكنه
إلزامٌ شُبِّه بحكم الظاهرِ من المقارنة؛ كما قال:
فكلُّ قرينٍ بالمقارِن يقتدي(٦)
وقد تقدَّم. وإذا ثبت تجنُّبُ أصحابِ المعاصي كما بيًّا؛ فتجنُّبُ أهلِ البِدَع والأهواءِ
(١) ينظر مشكل إعراب القرآن ٢١٠/١ - ٢١١.
(٢) ينظر تفسير الرازي ٨١/١١ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤١٨ .
(٤) في (ظ) وتفسير أبي الليث ٣٩٨/١، والكلام منه: ينبغي.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١١١/٨، والطبري ٦٠٣/٧ - ٦٠٤ .
(٦) في (د) و(ز): مقتدي، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٢٦/٢، والكلام منه،
وسلف البيت ٢٧٣/٥ .

١٨٦
سورة النساء: الآيتان ١٤٠ - ١٤١
أَوْلى(١). وقال الكلبيُّ: قوله تعالى: ﴿فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِ﴾ نُسخ
بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَ اُلَّذِينَ يَنَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٩]، وقال عامَّة
المفسرين: هي مُحكمةٌ.
وروى جُويبر عن الضحَّاك قال: دخل في هذه الآيةِ كلُّ محدِثٍ في الدين مُبْتَدِعِ
إلى يوم القيامةِ (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ﴾؛ الأصل ((جامعٌ)) بالتنوين، فحذف
استخفافاً(٣)؛ فإنه بمعنى يجمع.
﴿الَّذِينَ يَتَبَّعُونَ بِكُمْ﴾ يعني المنافقين، أي: ينتظرون بكم الدوائرَ. ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ
فَتْحٌ مِّنَ اَللَّهِ﴾، أي: غلبةٌ على اليهود وغنيمةٌ، ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾، أي: أَعطونا
من الغنيمة. ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَفِينَ نَصِيبٌ﴾، أي: ظَفَر، ﴿قَالُواْ أَلَمَ نَسْتَسْرِذْ عَلَيْكُمْ﴾، أي:
ألم نغلبْ عليكم حتى هابكم المسلمون، وخَذَلناهم عنكم (٤).
يقال: استحوذَ على كذا، أي: غَلَبَ عليه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿أَسْتَعْوَذَ عَلَيْهِمُ
الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩]. وقيل: أصلُ الاستحواذِ الحَوْطُ؛ حاذه يحوذه حَوْذاً إذا
حاطه. وهذا الفعلُ جاء على الأصل، ولو أُعِلَّ لكان: ألم نستحِذْ(٥)، والفعلُ على
الإعلال: استحاذ يَستحيذُ، وعلى غير الإعلال: استحوذَ يَستَحوذُ.
﴿وَنَمْنَعَّكُمْ مِّنَ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: بتخذيلنا إياهم عنكم، وتفريقنا إياهم مما يريدونه
منكم (٦).
والآية تدلُّ على أنَّ المنافقين كانوا يخرجون في الغزوات مع المسلمين، ولهذا
(١) ينظر تفسير البغوي ١/ ٤٩١، والمحرر الوجيز ١٢٥/٢.
(٢) تفسير أبي الليث ٣٩٨/١ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٦/١.
(٤) ينظر تفسير أبي الليث ٣٩٨/١ - ٣٩٩، وتفسير البغوي ٣٩١/١.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٩٧، وينظر تفسير الطبري ٦٠٨/٧ - ٦٠٩، وتهذيب اللغة ٢٠٧/٥.
(٦) ينظر النكت والعيون ١/ ٥٣٧ .

١٨٧
سورة النساء: الآيتان ١٤٠ - ١٤١
قالوا: ألم نكن معكم؟ وتدلُّ على أنهم كانوا لا يعطونهم الغنيمةً، ولهذا طلَبوها،
وقالوا: ألم نكن معكم! ويحتملُ أنْ يريدوا بقولهم: ((أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ)) الامتنانَ على
المسلمين، أي: كنا نُعْلِمُكم بأخبارهم، وكنّا أنصاراً(١) لكم.
قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾
فيه ثلاثُ مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ للعلماء فيه
تأويلاتٌ خَمْسٌ :
أحدُها: ما رُوي عن يُسَيْع (٢) الحضرميِّ قال: كنت عند عليّ بن أبي طالب ﴾،
فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، أرأيت قولَ الله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِينَ
سَبِيلًا﴾ كيف ذلك، وهم يقاتلوننا ويَظهَرون علينا أحياناً! فقال عليٍّ ﴾: معنى ذلك يومَ
القيامة يومَ الحكم، وكذا قال ابنُ عباس: ذاك يوم القيامة(٣). قال ابن عطية (٤): وبهذا
قال جميعُ أهلِ التأويل.
قال ابن العربيّ(٥): وهذا ضعيفٌ؛ لعدم فائدةِ الخبرِ فيه، وإن أَوهم صدرُ الكلامِ
معناه؛ لقوله تعالى: ﴿فَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ فَأَخَّر الحكمَ إلى يوم القيامةِ،
وجعل الأمرَ في الدنيا دُوَلاً؛ تَغلِبُ الكفارُ تارةً وتُغلَبُ أخرى؛ بما رأى من الحِكمة،
وسَبَقَ من الكلمة، ثم قال: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِينَ عَلَى الْمُؤْمِينَ سَبِيلًا﴾، فتوهَّم من
توهَّم أنَّ آخِرَ الكلام يَرجعُ إلى أوَّله، وذلك يُسقِط فائدته؛ إذْ يكون تكراراً.
الثاني: إنَّ اللهَ لا يَجعلُ لهم سبيلاً يمحو به دَوْلةَ المؤمنين، ويُذهبُ آثارَهم،
(١) في (ظ): أبصاراً، وينظر تفسير البغوي ١/ ٤٩٢ .
(٢) هو يُسيع بن معدان الحضرمي، ويقال: الكندي الكوفي، ويقال: أُسيع أيضاً، وثقه النسائي. تهذيب
الكمال ٣٠٦/٣٢ .
(٣) أخرج القولين الطبري ٧/ ٦٠٩ - ٦١٠ .
(٤) في المحرر الوجيز ١٢٦/٢ .
(٥) في أحكام القرآن ٥٠٩/١ .

١٨٨
سورة النساء: الآيتان ١٤٠ - ١٤١
ويستبيحُ بَيْضَتَهم؛ كما جاء في صحيح مسلم من حديث ثَوْبَانَ عن النبيِّ # قال:
((وإِنِّي سألتُ ربي ألَّا يُهلكَها بسَنَةٍ عامَّة، وألَّا يُسلِّطَ عليهم عدوًّا من سِوى أنفسِهم،
فيستبيحَ بيضتَهم، وإنَّ ربي قال: يا محمد، إنِّي إذا قضيتُ قضاءً، فإنه لا يُرَدّ، وإني
قد أعطيتُك لأمتك ألَّا أُهلكَهم بسَنَة عامَّةٍ، وألَّ أُسلِّطَ عليهم عدوًّا من سوى أنفسِهم،
فيستبيحَ بيضتَهم ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها حتى يكونَ بعضُهم يُهلِكُ بعضاً،
ويَسْبِي بعضُهم بعضاً))(١).
الثالث: إنَّ الله سبحانه لا يجعلُ للكافرين على المؤمنين سبيلاً [منه] إلَّ أنْ
يتواصَوا بالباطل، ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعَدُوا عن التوبة، فيكونُ تسليطُ العدوِّ
من قِبَلهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾
[الشورى: ٣٠]. قال ابنُ العربي(٢): وهذا نفيسٌ جدًّا.
قلت: ويَدُلُّ عليه قولُه عليه الصلاة والسلام في حديث ثَوْبَان: ((حتى يكونَ
بعضُهم يُهلك بعضاً، ويَسبي بعضُهم بعضاً)) وذلك أنَّ((حتى)) غايةٌ؛ فيقتضي ظاهرُ
الكلامِ أنه لا يُسلِّط عليهم عدوَّهم فيستبيحَهم إلا إذا كان منهم إهلاكُ بعضِهم لبعض،
وسبيُّ بعضهم لبعض، وقد وُجد ذلك في هذه الأزمانِ بالفتن الواقعةِ بين المسلمين؛
فغَلُظَتْ شوكةُ الكافرين، واستولوا على بلاد المسلمين حتى لم يبقَ من الإسلام إلا
أقلُّه؛ فنسألُ اللهَ أنْ يتدارَكَنا بعفوه ونصرِهِ ولطفِهِ (٣).
الرابع: إنَّ الله سبحانه لا يجعلُ للكافرين على المؤمنين سبيلاً شرعاً؛ فإن وُجد
فبخلاف الشرعِ(٤).
الخامس: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، أي: حجَّةً عقليَّة ولا
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٥١٠/١، والحديث في صحيح مسلم (٢٨٨٩)، وأخرجه أيضاً أحمد
(٢٢٣٩٥).
(٢) في أحكام القرآن ١/ ٥١٠، وما بين حاصرتين منه.
(٣) ينظر المفهم ٢١٨/٧.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥١٠ .

١٨٩
سورة النساء: الآيتان ١٤٠ - ١٤١
شرعيَّةً يستظهرون بها إلا أَبطلَها، ودحضَت(١).
الثانية: ابنُ العربيّ(٢): ونزعَ علماؤنا بهذه الآية في الاحتجاج على أنَّ الكافرَ لا
يَملِكُ العبدَ المسلمَ، وبه قال أشهبُ والشافعيُّ؛ لأنَّ الله سبحانه نفى السبيلَ للكافر
عليه؛ والمِلْكُ بالشِّراء سبيلٌ، فلا يُشرَعُ له، ولا ينعقدُ العقدُ بذلك.
وقال ابن القاسم عن مالك - وهو قول أبي حنيفةَ -: إن معنى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ
لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ في دوام المِلكِ؛ لأنا نَجدُ ابتداءَه(٣) يكونُ لَه [عليه]،
وذلك بالإرث. وصورتُه أنْ يُسلمَ عبدٌ كافرٌ في يد كافٍ، فيلزمُ القضاءُ عليه ببيعه، فقبْلَ
الحكم عليه ببيعه مات، فيرثُ العبدَ المسلمَ [وارثُ] الكافرِ. فهذه سبيلٌ قد ثَبتتْ(٤)
قهراً، لا قصدَ فيه (٥)، وأنَّ مِلكَ الشراءِ ثبت بقصد النية(٦)، فقد أراد الكافرُ تملُّكَه(٧)
باختياره، فإنْ حُكم بعقد بيعِه، وثبوتِ ملكِه، فقد حقَّق فيه قصدَه، وجُعل (٨) له سبيلٌ
عليه .
قال أبو عمر(٩): وقد أجمع المسلمون على أنَّ عِتَقَ النصرانيّ أو اليهوديِّ لعبده
المسلم صحيحٌ نافذٌ عليه. وأجمعوا أنه إذا أسلم عبدُ الكافرِ، فبيعَ عليه؛ أنَّ ثمنَه يُدفعُ
إليه. فدلَّ على أنه على مِلكه بِيعَ، وعلى مِلكه ثَبتَ العتقُ له، إلَّا أنه مِلكٌ غيرُ مستقِرِّ
لوجوب بيعِه عليه؛ وذلك - واللهُ أعلم - لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ
(١) ينظر معاني القرآن للنحاس ٢٢١/٢ .
(٢) أحكام القرآن ١/ ٥١٠ .
(٣) في (د) و(ز) و(م): الابتداء، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٤) في (م): ثبت.
(٥) أحكام القرآن ١/ ٥١٠ ، وما بين حاصرتين منه.
(٦) في (ظ): إليه، والمثبت من (د) و(ز) و(م)، وفي أحكام القرآن: بقصد اليد.
(٧) في النسخ: بملكه، والمثبت من (م)، وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٨) في (د) و(ز): ويجعل، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق لأحكام القرآن.
(٩) في الاستذكار ٢٢٧/٢٣ .

١٩٠
سورة النساء: الآيات ١٤٠ - ١٤٢
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ يريدُ الاسترقاقَ والمِلكَ والعبوديةَ مِلكاً مستقِرًّا دائماً.
واختلف العلماء في شراء العبدِ الكافرِ العبدَ المسلمَ على قولين: أحدهما: البيعُ
مفسوخٌ. والثاني: البيع صحيحٌ، ويباعُ على المشتري(١).
الثالثة: واختلف العلماء أيضاً من هذا البابِ في رجل نصرانيِّ دَبَّرَ عبداً له
نصرانيًّا، فَأَسلم العبد؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ في أحد قولَيه: يُحالُ بينه وبينَ العبدِ،
ويُخارَجُ على سيِّده النصرانيّ، ولا يُباعُ عليه حتى يتبيَّنَ أمرُه. فإنْ هلك النصرانيُّ
وعليه دَيْنٌ قُضي دَيْنُه من ثمن المدبَّرِ (٢)، إلَّا أنْ يكونَ في ماله ما يحملُ الدين(٣)،
فيعتق المدبّر.
وقال الشافعيُّ في القول الآخر: إنه يُباع عليه ساعةً أَسلمَ؛ واختاره المزنيُّ؛ لأنَّ
المدبَّر وصيةٌ، ولا يجوزُ تركُ مسلم في مِلك مشركٍ يُذِلُّه ويُخارجُه، وقد صار
بالإسلام عدوًّا له.
وقال الليث بنُ سعد: يُباع [على] النصرانيِّ من مسلمٍ، فيُعتقُه، ويكونُ ولا ؤه
للذي اشتراه وأعتقه، ويُدفعُ إلى النصرانيِّ ثمنه. وقال سفيان والكوفيون: إذا أسلم
مدبَّرُ النصرانيّ قُوِّم قيمته، فيسعى في قيمته، فإنْ مات النصرانيُّ قبلَ أنْ يفرُغَ المدبّرُ
من سعايته، عَتَق العبدُ، وبطلت السِّعاية(٤).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ
قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ قد مضى في ((البقرة)) معنى
(١) الاستذكار ٢٢٧/٢٣.
(٢) في (د) و(م): ثمن العبد المدبر، والمثبت من (ظ) و(ز)، وهو الموافق للاستذكار ٣٩٣/٢٣ - ٣٩٤،
والكلام منه.
(٣) في النسخ: المدبر، والمثبت من الاستذكار.
(٤) الاستذكار ٣٩٣/٢٣ - ٣٩٤، وما بين حاصرتين منه.

١٩١
سورة النساء: الآية ١٤٢
الخَدعُ(١). والخَدْعُ (٢) من الله مجازاتُهم على خداعهم أولياءَه ورسله(٣).
قال الحسن: يُعْطَى كلُّ إنسانٍ مِن مؤمن ومنافقٍ نوراً يومَ القيامةِ، فيفرح
المنافقون، ويظنون أنهم قد نَجَوا؛ فإذا جاؤوا إلى الصِّراط طفئ نورُ كلِّ منافقٍ،
فذلك قولهم: ﴿أَنْظُرُونَا نَقَْيِسْ مِن نُرِّكُمْ﴾ (٤) [الحديد: ١٣].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، أي: يُصلُّون مُراءاةً وهم
متكاسلون متثاقلون، لا يَرجُون ثواباً، ولا يعتقدون على تركها عقاباً.
وفي صحيح الحديث: ((إنَّ أثقلَ صلاةٍ على المنافقين العَتَمةُ والصبحُ))(٥). فإنَّ
العتمةَ تأتي وقد أَنصَبَهم (٦) عملُ النهارِ، فَيَثْقُلُ عليهم القيامُ إليها، وصلاةُ الصبح تأتي
والنومُ أحبُّ إليهم من مَفروحٍ به، ولولا السيفُ ما قاموا.
والرِّياء: إظهارُ الجميلِ ليراه الناس، لا لاتِباع أمرِ اللهِ؛ وقد تقدَّم بيانه(٧) .
ثم وصفَهم بقلَّة الذِّكرِ عند المراءاةِ وعندَ الخوفِ. وقال:﴿ ذامًّا لمن أخَّر
الصلاة: ((تلك صلاةُ المنافقين - ثلاثاً - يجلسُ أحدُهم يرقُبُ الشمسَ، حتى إذا كانت
بينَ قَرْنَي الشيطانِ، - أو على قرني الشيطانِ - قام فنَقَر أربعاً لا يذكر الله فيها إلَّا
قليلاً)). رواه مالك(٨) وغيره. فقيل: وصفهم بقلَّة الذكر؛ لأنهم كانوا لا يذكرون الله
بقراءةٍ ولا تسبيحٍ، وإنما كانوا يذكرونه بالتكبير.
وقيل: وصفه بالقلة؛ لأنَّ الله تعالى لا يَقبَلُه. وقيل: لعدم الإخلاصِ فيه (٩).
(١) ١ / ٢٩٧ .
(٢) في (م): والخداع.
(٣) ينظر تفسير البغوي ١/ ٤٩٢، والنكت والعيون ٥٣٨/١.
(٤) أخرجه الطبري ٧ / ٦١٢ .
(٥) سلف ٤ / ١٨٠.
(٦) في (د) و(ز) و(م): أتعبهم، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥١١ ،
والكلام منه.
(٧) ٤ / ٣٣١ .
(٨) في الموطأ ١/ ٢٢٠ من حديث أنس ، وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٥٠٩)، ومسلم (٦٢٢) بنحوه.
(٩) ينظر النكت والعيون ٥٣٨/١، وزاد المسير ٢٣٢/٢ .

١٩٢
سورة النساء: الآية ١٤٢
وهنا مسألتان:
الأولى: بيَّن الله تعالى في هذه الآيةِ صلاةَ المنافقين، وبيَّنَها رسولُه محمدٌ عَ﴾؛
فمن صلَّى كصلاتهم، وذكر كذكرهم، لَحِقَ بهم في عدم القَبول، وخرج من مقتضى
قولِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَاِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ -٢]. وسيأتي.
اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يكونَ له عذرٌ فيقتَصِر على الفرض حَسْب ما علَّمه النبيُّ ﴾
للأعرابيّ(١) حين رآه أخَلَّ بالصلاة فقال له: ((إذا قمتَ إلى الصلاة، فأسبغ الوضوءَ،
ثُمَّ استقبلِ القِبلةَ فكِّر، ثم اقرأ ما تيسّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تَطمئنَّ راكعاً،
ثم ارفَعْ حتى تعتدلَ قائماً، ثم اسجُدْ حتى تَطمئنَّ ساجداً، ثم ارفَعْ حتى تطمئنَّ
جالساً، ثم افعلْ ذلك في صلاتك كلِّها)). رواه الأئمة(٢).
وقال ﴾: ((لا صلاةَ لمنْ لم يقرأُ بأُمّ القرآنِ))(٣). وقال: ((لا تُجزئُ صلاةٌ لا يقيمُ
الرجلُ فيها صُلْبَه في الركوع والسجودِ)). أخرجه الترمذي(٤) وقال: حديثٌ حسن
صحيح، والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلم من أصحاب النبيِّ ﴿ ومَنْ بعدَهم، يَرَون
أنْ يقيمَ الرجلُ صُلْبه في الركوع والسجود؛ قال الشافعيُّ وأحمدُ وإسحاق: من لا
يقيمُ صُلْبَه في الركوع والسجودِ فصلاتُه فاسدةٌ؛ لحديث النبيِّ ﴾: ((لا تُجزئُ صلاةٌ لا
يقيمُ الرجلُ فيها صُلْبَه في الركوع والسجودِ)).
قال ابن العربيّ(٥): وذهب ابن القاسم وأبو حنيفةً إلى أنَّ الظُّمأنينةَ ليست
بفرضٍ، وهي روايةٌ عراقيَّةٌ لا ينبغي لأحدٍ من المالكيين أنْ يَشتغلَ بها، وقد مضى في
((البقرة)) هذا المعنى(٦).
(١) في (ظ): الأعرابي.
(٢) سلف ٢٦٢/١ .
(٣) سلف ١/ ١٨١ .
(٤) برقم (٢٦٥) من حديث أبي مسعود الأنصاري ، وما بعده منه، وأخرجه أيضاً أحمد (١٧٠٧٣)،
وأبو داود (٨٥٥)، والنسائي ١٨٣/٢.
(٥) في أحكام القرآن ١/ ٥١٢ .
(٦) ١ / ٢٦٢ .

١٩٣
سورة النساء: الآيتان ١٤٢ - ١٤٣
الثانية: قال ابن العربيّ: إنَّ مَن صلَّى صلاةً ليراها الناسُ ويرَونه فيها، فيشهدون
له بالإيمان، أو أراد طلبَ المنزلةِ والظهورِ لقبول الشهادةِ وجوازِ الإمامةِ، فليس ذلك
الرِّياءَ(١) المنهيَّ عنه، ولم يكن عليه حَرَجٌ؛ وإنما الرياءُ المعصيةُ أنْ يُظهِرَها صَيْداً
للناس وطريقاً إلى الأكل(٢)، فهذه نيَّةٌ لا تجزئُ، وعليه الإعادةُ.
قلت: قولُه: وأراد طلبَ المنزلةِ والظهور لقبول الشهادة، فيه نظرٌ. وقد تقدَّم بيانه
في ((النساء))(٣) فتأمَّله هناك.
ودلَّت هذه الآيةُ على أنَّ الرِّياءَ يدخلُ الفرضَ والنفلَ؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا
قَامُواْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُوا﴾ فعمَّ.
وقال قومٌ: إنما يدخلُ في النفل(٤) خاصَّةً؛ لأنَّ الفرضَ واجبٌ على جميع
الناسِ، والنفلَ عُرْضَةٌ لذلك. وقيل بالعكس؛ لأنه لو لم يأتِ بالنوافلِ لم يؤاخذْ
بها(٥).
قوله تعالى: ﴿مُّذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءٍ وَلَآ إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنَ
تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا
١٤٣١
المُذَبْذَبُ: المتردِّدُ بين أمرين؛ والذَّبْذَبةُ: الاضطرابُ. يقال: ذَبْذَبْتُه فتَذَبْذَبَ(٦)؛
ومنه قولُ النابغة (٧) :
ألم ترَ أنَّ اللهَ أعطاك سُورَةً تَرى كلَّ مَلْكِ دونَها يَتَذَبْذَبُ
(١) في (م): بالرياء.
(٢) في أحكام القرآن ١/ ٥١١ (والكلام منه): صيداً للدنيا إلى الأكل بها.
(٣) ٦/ ٢٩٧ فما بعد.
(٤) في (م): يدخل النفل.
(٥) ينظر تنبيه الغافلين ص١٦ .
(٦) ينظر الصحاح (ذبب)، والمحرر الوجيز ١٢٧/٢.
(٧) في ديوانه ص١٨، وسلف ١٠٦/١ .

١٩٤
سورة النساء: الآية ١٤٣
آخر:
مَسيرةُ شَهْرٍ للبريد المذَبْذِبِ(١)
خيالٌ لأُمِّ السّلْسَبِيلِ ودونَها
كذا رُوي بكسر الذال الثانية. قال ابن جِنِّي: أي: المهتزُّ(٢) القلِقُ الذي لا يثبُتُ
ولا يتمهَّلُ. فهؤلاءِ المنافقون متردِّدون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين
الإيمانَ، ولا مصرِّحين بالكفر. وفي صحيح مسلم من حديث ابنِ عمرَ عن النبيِّ ﴾:
((مَثَلُ المنافقِ كمثل الشاةِ العائرةِ بين الغنمين؛ تَعِيرُ إلى هذه مرَّةً وإلى هذه أخرى)) (٣).
وفي رواية: (تَكُرُّ) بدل: ((تَعير) (٤). وقرأ الجمهور: ﴿مُذَبّذَبِنَ﴾ بضمِّ الميم وفتحِ
الذالين. وقرأ ابن عباس بكسر الذالِ الثانية(٥). وفي حرف أُبَيّ: ((مُتَذَبْذِبِين))(٦)،
ويجوزُ الإدغامُ على هذه القراءةِ: ((مَذَّبْذِبِين)) بتشديد الذال الأولى وكسرِ الثانية، وعن
الحسن: ((مَذَبْذَبِين)) بفتح الميم والذالين(٧).
(١) قائله البَعيث بن حريث، وهو في المحتسب ٢٠٣/١، وشرح الحماسة المرزوقي ٣٧٦/١، والمحرر
الوجيز ١٢٧/٢، وخزانة الأدب ٢٧٧/٢. قال في الخزانة: أم السلسبيل: امرأة، والبريد: الدابة
المركوبة.
(٢) في النسخ: الممتر، والمثبت من المحتسب ٢٠٣/١، والمحرر الوجيز ١٢٧/٢، وعنه نقل المصنف.
(٣) صحيح مسلم (٢٧٨٤). وأخرجه أيضاً أحمد (٥٠٧٩).
(٤) وهي عند مسلم أيضاً (٢٧٨٤). قال القاضي عياض في إكمال المعلم ٣١٣/٨: قوله: ((الشاة العائرة
بين الغنمين)) قال الإمام: يريد المترددة بينهما لا تدري لأيهما تتبع. وقوله ((تَعير إلى هذه مرة وإلى هذه
مرة)) أي: تتردد وتذهب ... وقوله في الحديث الآخر: ((تكرُّ في هذه مرة)) كذا في بعض الروايات، وعند
العذري: ((تكِرُّ) بكسر الكاف، وعند الفارسي: ((تكير)) بزيادة ياء باثنتين تحتها، وعند ابن ماهان:
(تَكْبُن)» بسكون الكاف وباء بواحدة مرفوعة وآخره نون، وهذا الوجه هو الصواب في هذا الحرف إن
شاء الله، وهو بمعنى ((تعير)) في الحديث الأول، قال صاحب العين: الكبن: عَدْو ليِّن، كبن يكبن
كبوناً. ولرواية العذري وجه بمعنى تعير أيضاً، يقال: كرَّ على الشيء وإليه: عطف عليه، وكَّ عنه:
ذهب، والكسر في مستقبله أصل المضاعف غير المعدى. ولرواية الفارسي أيضاً وجه بمعناه، يقال: كار
الفرس إذا جری ورفع ذنبه عند جریه.
(٥) القراءات الشاذة ص٢٩، والمحتسب ٢٠٣/١ . قال ابن خالويه: أراد: متذبذبين.
(٦) وذكرها أبو حيان في البحر المحيط ٣٧٨/٣، وقال: وكذا في مصحف عبدالله.
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٨/١، والمحرر الوجيز ١٢٧/٢، وقراءة الحسن نسبها ابن خالويه في
القراءات الشاذة ص٢٩ لابن عباس رضي الله عنهما.

١٩٥
سورة النساء: الآيتان ١٤٤ - ١٤٥
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَنَّخِذُوا الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ
أَتْرِدُونَ أَنْ تَّجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ الْكَفِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ مفعولان؛ أي: لا
تجعلوا خاصَّتَكم وبطانتكم منهم؛ وقد تقدَّم هذا المعنى(١). ﴿أَثْرِدُونَ أَنْ تَجْمَلُواْ لِلَّهِ
عَلَيَكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، أي: في تعذيبه إياكم بإقامته حُجَّتَه عليكم؛ إذْ قد نهاكم(٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اٌلَُْفِقِينَ فِ الذَّرَكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنَ تَجِدَ لَهُمْ
نَصِیرًا
قوله تعالى: ﴿في الدَّرَك﴾ قرأ الكوفيون: ((الدَّرْكِ)) بإسكان الراء(٣)، والأول (٤)
أفصحُ؛ لأنه يقال في الجمع: أَدْرَاكٌ، مثل: جَمَل وأَجْمَال؛ قاله النحاس(٥).
وقال أبو عليّ: هما لغتان، كالشَّمْع والشَّمَع(٦) ونحوه، والجمعُ: أدراك(٧).
وقيل: جمع الدَّرْك: أدْرُك؛ كفَلْس وأقْلُس(٨).
والنارُ دَرَكاتٌ سبعةٌ، أي: طبقاتٌ ومنازل، إلّا أنَّ استعمالَ العربِ لكلِّ ما
تسافَلَ: أدراك. يقال: للبئر أدراك، ولِما تعالى: دَرَج؛ فللجنَّة دَرَجٌ، وللنار أدْرَاكٌ(٩).
وقد تقدَّم هذا (١٠).
(١) ٤ / ١٧٨ .
(٢) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٩٨/١ .
(٣) الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ الباقون من السبعة بفتح الراء . السبعة ص٢٣٩ ، والتيسير
ص٩٨ .
(٤) في (د) و(ز) و(م): والأولى، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس.
(٥) في إعراب القرآن ١/ ٤٩٨ .
(٦) الحجة ١٨٨/٣، والمحرر الوجيز ١٢٨/٢.
(٧) ينظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١٤٢/١، ومعاني القرآن للزجاج ١٢٤/٢.
(٨) ينظر تفسير الرازي ١١/ ٨٧ .
(٩) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٩٨ .
(١٠) ٣٩٩/٥.

١٩٦
سورة النساء: الآيتان ١٤٥ - ١٤٦
فالمنافقُ في الدرك الأسفلِ، وهي الهاويةُ؛ لِغِلَظ كفرِه وكثرة غوائله وتمگُّنِه من
أذى المؤمنین.
وأعلى الدركات: جَهَنَّمُ، ثم لَظَىُ، ثم الحُطَمَةُ، ثم السَّعِير، ثم سَقَر، ثم
الجحيمُ، ثم الهاوية. وقد يسمَّى جميعُها باسم الطبقةِ العليا (١)، أعاذنا الله من عذابها
بمَنّه و کرمِه.
وعن ابن مسعودٍ في تأويل قولِه تعالى: ﴿فِ الذَّرّكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، قال:
تَوَابِيت من حديدٍ مقفلة في النار، مُطبقٌ(٢) عليهم(٣).
وقال ابن عمر: إِنَّ أشدَّ الناسِ عذاباً يومَ القيامةِ ثلاثةٌ: المنافقون، ومَن كفر من
أصحاب المائدة، وآلُ فرعون(٤). وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى(٥): ﴿إِنَّ الْتُفِقِينَ
فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، وقال تعالى في أصحاب المائدة: ﴿فَإِّ أُعَذِّبُ عَذَابًا لَّآ
أُعَذِّبُهُ: أَحَدًا مِّنَ الْعَلَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، وقال في آل فرعون: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ
أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ثَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ
فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَّ وَسَوْفَ يُؤْتِ اَللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا
استثناءٌ ممن نافق. ومِن شرط التائبٍ من النفاق أنْ يُصلحَ في قوله وفعلِه،
ويَعتصمَ بالله، أي: يجعله مَلجاً ومَعاذاً، ويُخلص دينَه لله؛ كما نصَّت عليه هذه
الآيةُ؛ وإلا فليس بتائب؛ ولهذا أَوقعَ أجرَ المؤمنين في التَّسويف لانضمامِ المنافقين
(١) في (د) و(ز) و(م): الأولى، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٢٨/٢، والكلام منه.
(٢) وفي (م): تقفل.
(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٠٠ زوائد نُعيم)، وابن أبي شيبة ١٥٣/١٣ - ١٥٤، والطبري
٧/ ٦٢٠-٦٢١ .
(٤) أخرجه عبد بن حُميد وأبو الشيخ، والطبري [في تفسيره ١٣٢/٩]، كما في الدر المنثور ٣٤٩/٢ من
قول عبد الله بن عمرو، ولم نقف عليه من قول ابن عمر ﴾.
(٥) بعدها في (ز) و(م): قال الله تعالى.

١٩٧
سورة النساء: الآيتان ١٤٦ - ١٤٧
إليهم، والله أعلم(١).
روى البخاريُّ(٢) عن الأسود قال: كنا في حَلْقة عبدِ اللهِ، فجاء حُذِيفَةُ حتى قام
علينا، فسلّم، ثم قال: لقد نزل النفاقُ على قوم خيرٍ منكم. قال الأسود: سبحانَ
الله! إنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. فتبسَّم عبدُ الله،
وجلس حذيفةُ في ناحية المسجدِ، فقام عبد الله، فتفرَّق أصحابه، فرماني بالحصى،
فأتيتُه. فقال حذيفة: عجبتُ من ضَحِكه وقد عرفَ ما قلتُ، لقد أُنزل النفاقُ على قومٍ
كانوا خيراً منكم، ثم تابوا فتابَ الله عليهم.
وقال الفرَّاء(٣): معنى ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِينَ﴾: أي: من المؤمنين.
وقال القُتبي(٤): حاد عن كلامهم غَضَباً عليهم، فقال: ((فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)»،
ولم يقل: هم المؤمنون.
وحُذفت الياءُ من ((يُؤْتِ)) في الخَطِّ كما حُذفت في اللفظ (٥)؛ لسكونها وسكونٍ
اللام بعدَها، ومثلُه: ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾(٦) [ق: ٤١]، و﴿سَنَدْعُ الزَّانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] و﴿ يَوْمَ
يَدْعُ الدَّاعِ﴾ [القمر: ٦] حُذفت الواوانِ(٧) لالتقاء الساكنَين.
قوله تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ
شَاكِرًا عَلِيمًا
استفهامٌ بمعنى التقريرِ للمنافقين. التقدير: أيُّ منفعةٍ له في عذابكم إنْ شكرتم
وآمنتُم؛ فنبَّه تعالى أنه لا يعذِّب الشاكرَ المؤمنَ، وأنَّ تعذيبَه عبادَه لا يَزِيدُ في مُلکه،
(١) ينظر تفسير أبي الليث ١/ ٤٠٠، وتفسير الرازي ١١/ ٨٨.
(٢) في صحيحه (٤٦٠٢).
(٣) في معاني القرآن ٢٩٣/١.
(٤) في تأويل مشكل القرآن ص٦
(٥) يعني وصلاً ووقفاً للجمهور غير يعقوب، فقد وقف عليها بالياء. النشر ٢٥٣/٢ .
(٦) أثبت ابن كثير بخلف عنهُ ويعقوب الياء في ((يناد)) وقفاً. التيسير ص ٢٠٢، والنشر ٢/ ١٤٠.
(٧) في (د) و(ز) و(م): الواوات، والمثبت من (ظ)، وينظر معاني القرآن للزجاج ١٣٥/٢، وإعراب
القرآن للنحاس ٤٩٩/١، والمحرر الوجيز ١٢٨/٢.

١٩٨
سورة النساء: الآيات ١٤٧ - ١٤٩
وتَركَه عقوبتَهم على فعلهم لا يَنقُصُ من سلطانه(١).
وقال مکحول: أربعٌ من کُنَّ فیه ◌ُنَّ له، وثلاثٌ من كُنَّ فیه ◌ُنَّ علیه؛ فالأربعُ
اللاتي له: فالشكرُ والإيمانُ، والدعاءُ والاستغفارُ، قال الله تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ
بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُأ
يَكُ رَّ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]. وأما الثلاثُ اللاتي عليه: فَالمَكْرُ والبَغْيُ
والنَّكْثُ؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُتُ عَلَى نَفْسِهٌِ﴾ [الفتح: ١٠]. وقال تعالى:
﴿َلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ،﴾ [فاطر: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَ أَنْفُسِكُمْ﴾
[يونس: ٢٣](٢).
﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾، أي: يشكرُ عبادَه على طاعته. ومعنى يشكرهم:
يُثِبُهم؛ فيتقبَّلُ العملَ القليلَ، ويُعطي عليه الثوابَ الجزيلَ، وذلك شكرٌ منه لعباده(٣).
والشُّكر في اللغة: الظهورُ، يقال: دابَّةٌ شَكورٌ: إذا أظهرت من السِّمَن فوقَ ما
تُعطَى من العلفِ، وقد تقدَّم هذا المعنى مستوفّى(٤). والعربُ تقول في المثل: أَشْكَرُ
مِنْ بَرْوَقَةٍ (٥)؛ لأنها - يقال - تخضَرُّ وتنضُرُ بظلِّ السَّحابِ دونَ مطر. والله أعلم (٦).
قوله تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اَللَّهُ اَلْجَهْرَ بِلُوَهِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِّ وَكَانَ اللَّهُ
إِن نُبِّدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا
سَمِيعًا عَلِيمًا (g)
قَدِيرًا (59)﴾
فيه ثلاث مسائل :
(١) ينظر تفسير البغوي ١/ ٤٩٣ .
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٨١/٥ - ١٨٢.
(٣) في (م): على عبادته.
(٤) ٢ / ١٠٤ .
(٥) المستقصى للزمخشري ١٩٦/١، والقاموس (برق) وفيه: البَرْوَقَة: شُجيرة ضعيفة، إذا غامت السماء
اخضرّت.
(٦) ينظر المحرر الوجيز ١٢٩/٢ .

١٩٩
سورة النساء: الآيتان ١٤٨ - ١٤٩
الأولى: قوله تعالى: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ وتمّ الكلام، ثم قال
جلَّ وعزَّ: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾ استثناء ليس من الأوّل في موضع نصب؛ أي: لكن مَن ◌ُظُلم
فله أنْ يقول: ظلمني فلان. ويجوز أنْ يكونَ في موضع رفع، ويكون التقدير: لا
يحبُّ الله أنْ يجهرَ أحدٌ بالسُّوء إلا مَن ظُلم(١).
وقراءة الجمهورِ: ((ظُلِم)) بضم الظاء وكسر اللام، ويجوزُ إسكانها(٢).
ومن قرأ: ((ظَلَمَ)) بفتح الظاءِ وفتحِ اللامَ - وهو زيد بنُ أسلم وابنُ أبي إسحاقَ
وغيرُهما على ما يأتي - فلا يجوزُ له أنْ يسكِّنَ اللامَ لخفَّة الفتحة(٣).
فعلى القراءة الأولى قالت طائفة: المعنى: لا يحبُّ الله أنْ يجهر أحدٌ بالسُّوء من
القول إلا مَنْ ظُلم، فلا يُكره له الجهرُ به.
ثم اختلفوا في كيفية الجهرِ بالسوء، وما هو المباحُ من ذلك، فقال الحسن: هو
الرجلُ يظلم الرجلَ، فلا يَدْعُ عليه، ولكن ليقل: اللهم أعِنِّي عليه، اللهم استخرجْ
حقِّي، اللهم خُلْ بيني(٤) وبين ما يريدُ من ظلمي. فهذا دعاءٌ في المدافعة، وهي أقلُّ
منازلِ السُّوء.
وقال ابن عباس وغيره: المباحُ لمن ظُلم أنْ يدعوَ على من ظلمه، وإن صبر فهو
خيرٌ له؛ فهذا إطلاقٌ في نوع الدعاءِ على الظالم.
وقال أيضاً هو(٥) والسُّدي: لا بأسَ لمن ظُلِم أنْ ينتصرَ ممن ظلمه بمثل ظُلمِه،
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٩/١ .
(٢) يعني في غير القرآن، وقال النحاس بعدها: ومن قرأ: ((إلا من ظَلَمَ)) فلا يجوز له أن يسكّن اللام لخفة
الفتحة .
(٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس. والقراءة وردت في القراءات الشاذة ص ٣٠، والمحتسب ٢٠٣/١،
والمحرر الوجيز ١٢٩/٢ .
(٤) في (خ) و (ظ) و (م): بينه، والمثبت من (د)، وهو الموافق لتفسير الطبري ٦٢٦/٧، والمحرر الوجيز
١٢٩/٢، والكلام منه.
(٥) لفظة: هو، من (م).

٢٠٠
سورة النساء: الآيتان ١٤٨ - ١٤٩
ويجهرَ له بالسُّوء من القول(١).
وقال ابن المستنير: ((إلا من ظُلِم)) معناه: إلا مَن أُكره على أنْ يَجهرَ بسوء من
القولِ؛ كفرٍ أو نحوه، فذلك مباحٌ. والآيةُ على هذا في الإكراه(٢)؛ وكذا قال
قُظُرُب (٣): ((إلَّا مَنْ ظُلِمَ))، يريدُ المُكره؛ لأنه مظلومٌ، فذلك موضوعٌ عنه وإِنْ كفر؛
قال: ويجوز أنْ يكونَ المعنى: ((إلا من ظُلِم)) على البدل؛ كأنه قال: لا يحبُّ الله إلا
مَن ظُلِم، أي: لا يحبُّ الله (٤) الظالم؛ فكأنه يقول: يحب مَن ظُلِم، أي: يأجُر مَن
ظُلِم. والتقديرُ على هذا القول: لا يحبُّ اللهُ ذا الجهرِ بالسُّوء إلا مَن ظُلم، على
البدل(٥).
وقال مجاهد: نزلت في الضيافة، فرخص له أن يقولَ فيه (٦).
قال ابن جُريج عن مجاهد: نزلت في رجل ضاف رجلاً بفلاةٍ من الأرض، فلم
يُضيِّفْه، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِ﴾. ورواه ابنُ أبي نجيح أيضاً عن مجاهد؛ قال: نزلت
هذه الآيةُ: ﴿لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِلُّوْءِ مِنَ الْقَوّلِ إِلَّا مَنْ ظُلِّ﴾ في الرجل يمرُّ بالرجل،
فلا يُضيفه، فرخص له أنْ يقولَ فيه: إنه لم يُحسِنْ ضيافته(٧).
وقد استدلَّ من أوجبَ الضِّيافةَ بهذه الآيةِ؛ قالوا: لأنَّ الظلمَ ممنوعٌ منه، فدلَّ
على وجوبها؛ وهو قولُ الليثِ بنِ سعد (٨). والجمهورُ على أنها من مكارم الأخلاق،
وسيأتي بيانها في ((هود))(٩).
(١) المحرر الوجيز ١٢٩/٢. والأقوال السالفة أخرجها الطبري ٦٢٥/٧ - ٦٣٠ .
(٢) المحرر الوجيز ١٢٩/٢ - ١٣٠.
(٣) هو محمد بن المستنير المذكور سابقاً، وقد كرَّر المصنف قوله هذا حيث نقله هنا عن النحاس في معاني
القرآن ٢٢٧/٢ .
(٤) لفظة: الله، من (م).
(٥) معاني القرآن للنحاس ٢٢٧/٢ .
(٦) تفسير مجاهد: ١٧٩ .
(٧) تفسير مجاهد: ١٧٩ - ١٨٠ وينظر تفسير الطبري ٦٢٧/٧ - ٦٢٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١١٠٠.
(٨) ينظر مختصر اختلاف العلماء ٢٢٧/٥، والتمهيد ٤٣/٢١.
(٩) عند تفسير الآية (٦٩) منها.