النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة النساء: الآية ١١٩ السادسة: وإذا تقرر هذا؛ فاعلم أنَّ الوَسْمَ والإشعارَ مستثنّى من نهيه عليه الصلاة والسلام عن شريطة الشيطانِ (١) - وهي ما قدَّمناه - ومن(٢) نهيه عن تعذيب الحيوانِ بالنار(٣). والوَسمُ: الكَيُّ بالنار، وأصلُه العلامةُ، يقال: وَسَمَ الشيءَ يَسِمُه: إذا علَّمه بعلامةٍ يُعرفُ بها، ومنه قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُودِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. فالسِّيما: العلامةُ. والمِيسَمُ: المِكْوَاةُ(٤). وثبت في صحيح مسلم عن أنس قال: رأيتُ في يَدِ رسولِ اللهِ ﴿ المِيسَم، وهو يَسِمُ إِيلَ الصدقةِ والفيء، وغير ذلك حتَّى يعرف كلّ مالٍ، فيؤدّى في حقّه، ولا يتجاوزَ به إلى غيره(٥). السابعة: والوَسْمُ جائزٌ في كلِّ الأعضاءِ غير الوجهِ؛ لما رواه جابرٌ قال: نهى رسولُ اللهِ ﴾ عن الضَّربِ في الوجه، وعن الوَسْم في الوجه، أخرجه مسلم (٦). وإنما كان ذلك لشرفه على الأعضاء، إذْ هو مَقَرُّ الحُسْنِ والجمالِ، ولأنَّ به قِوامَ الحيوانِ، وقد مرَّ النبيُّ ﴾ بِرَجل يضرب عبدَه، فقال: ((اتَّقِ الوجهَ؛ فإنَّ اللهَ خلقَ آدَمَ على صورته))(٧)، أي: على صورة المضروبِ؛ أي: وجهُ هذا المضروبِ يُشبه وجهَ آدمَ، (١) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود (٢٨٢٦) من حديث ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما، وهو عند أحمد (٢٦١٨) من حديثهما بلفظ: ((لا تأكل الشريطة، فإنها ذبيحة الشيطان)). قال الخطابي في معالم السنن ٢٨١/٤: إنما سُمي هذا شريطة من أجل أن الشيطان هو الذي يحملهم على ذلك وأخذت الشريطة من الشرط، وهو شق الجلد بالمبضع ونحوه، وكأنه قد اقتصر على شرطه بالحديد دون ذبحه والإتيان بالقطعِ على حلقه. (٢) في (د) و (ز) و(م): من، والمثبت من (ظ)، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٠١ . (٣) ينظر المفهم ٤٣٨/٥، والحديث سلف ١ / ٤٦٧ . (٤) في النسخ: المكوى، ومثله في المفهم ٤٣٧/٥ - ٤٣٨، والكلام منه، والمثبت من (م)، وهو الموافق للصحاح (وسم)، وتهذيب اللغة ١١٤/١٣ . (٥) صحيح مسلم (٢١١٩): (١١٢) دون قوله: والفيء وغير ذلك .. ، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٠٢٧) (١٢٧٢٥)، والبخاري (١٥٠٢) دون قوله أيضاً: والفيء ... ولم نقف عليه بتمامه الذي ذكره المصنف. (٦) برقم (٢١١٦). وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٤٢٤). (٧) أخرجه أحمد (٧٣٢٣)، ومسلم (٢٦١٢) (١١٥)، من حديث أبي هريرة ﴾ بلفظ: إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)». وأخرج البخاري (٢٥٥٩) القطعة الأولى منه. وقوله: ((خلق الله آدم على صورته)) قطعة من حديث آخر لأبي هريرة أخرجه أحمد (٨١٧٠)، والبخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١). ١٤٢ سورة النساء: الآية ١١٩ فينبغي أنْ يُحترمَ لشبهه. وهذا أحسنُ ما قيل في تأويله، والله أعلم(١). وقالت طائفةٌ: الإشارةُ بالتغيير إلى الوشم وما جَرى مَجراه من التصنُّع للحُسن؛ قاله ابنُ مسعود والحسنُ(٢). ومن ذلك الحديثُ الصحيحُ عن عبد الله قال(٣): ((لعن اللهُ الواشماتِ والمُسْتَوشِماتِ، [والنامصات] والمتنمِّصاتِ، والمُتفلِّجات(٤) للحُسْنِ، المُغيِّراتِ خلقَ الله)). الحديث. أخرجه مسلم(٥)، وسيأتي بكماله في الحشر إنْ شاء الله تعالی(٦). والوَشْمُ يكون في اليدين، وهو أنْ يُغْرزَ ظهرُ كفِّ المرأةِ ومعصِها بإبرة، ثم يُحشَى بالكحل أو بالنَّؤُور (٧)، فيخْضَرّ. وقد وشَمتْ تشِم وَشْماً فهي واشمةٌ. والمستَوشِمةُ (٨) التي يفعلُ ذلك بها؛ قاله الهرويُّ. وقال ابنُ العربيّ(٩): ورجالُ صِقِلِّيَةَ وإفريقيَّةَ يفعلونه؛ ليدلَّ كلُّ واحدٍ منهم على رُجْلَتِهِ(١٠) في حَداثِهِ. (١) ينظر المفهم ٥/ ٤٣٧ . (٢) ينظر المحرر الوجيز ١١٤/٢، وقول ابن مسعود والحسن أخرجه الطبري ٧/ ٥٠١ . (٣) بعدها في (م): قال رسول الله ﴾. (٤) لفظة: المتفلجات، لم ترد في (د) و (ز)، وفي (ظ): المتصلحات، والمثبت من (م)، وهو الموافق لصحيح مسلم. (٥) برقم (٢١٢٥)، وما بين حاصرتين منه، وأخرجه أيضاً أحمد (٤١٢٩)، والبخاري (٤٨٨٦). (٦) عند تفسير الآية السابعة منها. (٧) في (د) و (ظ): بالنورة، وفي (م): بالنور، والمثبت من (ز)، وهو الموافق لغريب الحديث لأبي عبيد ١٦٧/١، والكلام منه، وقوله: النَّؤُور: دخان الشحم، وقيل: حصاة مثل الإئمد تدق فتُسَفُّها اللَّكَةُ، وكان نساء الجاهلية يتَّشمْن بالنؤور، وقال الليث: النؤور: دخان الفتيلة يتخذ كحلاً أو وَشْماً. اللسان. (نار) و(نور). (٨) في (ز): الموتشمة، وفي (ظ): الموشمة، والمثبت من (د) و (م)، وهو الموافق لغريب الحديث ٠١٦٧/١ (٩) في أحكام القرآن ١/ ٥٠١. (١٠) أي: رجولته، يقال: رجل بيّن الرُّجْلة والرجولة. مختار الصحاح (رجل). ١٤٣ سورة النساء: الآية ١١٩ قال القاضي عياض(١): ووقع في رواية الهَوْزنيّ(٢) - أحد رواة مسلم - مكانَ: ((الواشمة والمستوشمة)): ((الواشية والمستوشية)) - بالياء مكانَ الميم - وهو من الوَشْي، وهو التزيُّنُ، وأصلُ الوشيٍ: نسجُ الثوبِ على لونين، وثورٌ مُوشَّى: في وجهه وقوائمه سوادٌ، أي: تَشِي المرأةُ نفسَها بما تفعلُه فيها من التنميص(٣) والتفليج والأشْر. والمتنمّصاتُ جمعُ متنمّصة، وهي التي تقلعُ الشَّعرَ من وجهها بالمِنْمَاص، وهو الذي يَقْلَعُ الشَّعر؛ ويقالُ لها (٤): النامصة. ابن العربي(٥): وأهلُ مصرَ يَنتِفُون شعر العانةِ، وهو منه؛ فإنَّ السُّنّةَ حلقُ العانةِ، ونَتْفُ الإِبطِ، فأمّا نتفُ الفرْج؛ فإنه يُرخيه ويؤذيه، ويُبْطِل كثيراً من المنفعة فيه. والمُتَفَلِّجاتُ جمع متفلِّجة، وهي التي تفعلُ الفَلَج في أسنانها؛ أي: تعانيه حتى ترجعَ المُصْمَتَةُ الأسنان خِلقَةً فَلْجَاءَ صَنْعَةٌ. وفي غير كتاب مسلم: ((الوَاشِرَات))(٦)، وهي جمعُ وَاشِرة، وهي التي تَشِرُ (١) في إكمال المعلم ٦/ ٦٥٤ . (٢) في النسخ: الهروي، وهو خطأ، والمثبت من إكمال المعلم، والمفهم ٤٤٤/٥، وهو أبو حفص عمر ابن الحسن من أهل إشبيلية، كان متفنناً في العلوم. قتله المعتضد بالله ظلماً، وتناول قتله بيده ودفنه بقصره من غير غسل ولا صلاة رحمه الله قال ابن بشكوال، والله المطالب بدمه. الصلة ص ٤٠٢، وقال القاضي عياض في مشارق الأنوار ص ١٠: فأما رواية القلانسي (أحد رواة مسلم] فحدثني بها الفقيه أبو محمد عبد الله الخشني بقراءتي عليه لجميع الكتاب [صحيح مسلم] بمرسية عن أبيه، عن أبي حفص عمر بن الحسن الهوزني ... عن القلانسي عن مسلم وينظر الغنية ص٣٧، ١٥٣ . (٣) في النسخ: التنمص، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمفهم ٤٤٤/٥، والكلام منه. (٤) في (ز) و (ظ): عليها، ومثله في المفهم، والمثبت من (د) و (م). (٥) في أحكام القرآن ١/ ٥٠١ . (٦) أخرج هذه الرواية الطبري ٧/ ٥٠٢، وهي عند أحمد (٣٩٤٥) عن ابن مسعود: قال: إني سمعت رسول الله # نهى عن النامصة والواشرة .... وفي الباب من حديث أبي ريحانة ﴾ عند أحمد (١٧٢٠٨)، وأبي داود (٤٠٤٩)، والنسائي في المجتبى ٨/ ١٤٣. ومن حديث معاوية بن أبي سفيان ﴾ أخرجه الباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (٢٩)، (٨٤). وينظر الكلام على هذه الرواية في التلخيص الحبير ٢٧٦/١ . ١٤٤ سورة النساء: الآية ١١٩ أسنانَها؛ أي: تصنع فيها أُشْراً، وهي التحزيزاتُ التي تكون في أسنان الشبَّانِ تفعلُ ذلك المرأةُ الكبيرةُ تَشَبُّهاً بالشَّابَّة. وهذه الأمورُ كلُّها قد شهِدت الأحاديثُ بلعن فاعلها، وبأنها(١) من الكبائر. واختلف في المعنى الذي نُهي لأجلها، فقيل: لأنها من باب التدليس. وقيل: من باب تغييرِ خلقِ الله تعالى؛ كما قال ابنُ مسعود(٢)، وهو أصحُّ، وهو يتضمنُ المعنى الأوّل. ثم قيل: هذا المنهيُّ عنه إنما هو فيما يكونُ باقياً؛ لأنه من باب تغييرٍ خلقِ الله تعالى، فأما ما لا يكونُ باقياً كالكُحل والتزيّن به للنساء، فقد أجازه العلماءُ؛ مالكٌ(٣) وغيره، وکرهه مالكٌ للرجال. وأجاز مالكٌ أيضاً أن تَشِيَ المرأةُ يدَيها بالحِنّاء. ورُوي عن عمر إنكارُ ذلك، وقال: إمّا أنْ تَخْضِبَ يدَيها كلَّها، وإما أنْ تَدَعَ(٤). وأنكر مالك هذه الروايةَ عن عمر. ولا تَدع الخضابَ بالحِنّاء؛ فإنَّ النبيَّ ◌َ﴾ رأى امرأةً لا تَخْتَضِبُ، فقال: ((تدعُ(٥) إحداكُن يدَها كأنها يدُ رَجل!))، فما زالت تختَضِبُ وقد جاوزتِ التسعين حتى ماتت(٦). قال القاضي عياضٌ(٧): وجاء حديثٌ بالنهي عن تسويد الحناءِ، ذكره صاحبُ (١) في (د) و(ز) و(م): وأنها، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمفهم ٥/ ٤٤٤ . (٢) المفهم ٤٤٤/٥ . (٣) في (م): أجاز العلماء ذلك مالك. (٤) المفهم ٤ / ٤٤٥ . وأثر عمر ﴾ أخرجه عبد الرزاق (٧٩٢٩). (٥) في (د) و(م): لا تدع. (٦) أخرجه أحمد (١٦٦٥٠) عن امرأة كانت صلت القبلتين مع رسول الله# قالت: دخل عليَّ رسول الله ﴾ فقال لي: ((اختضبي، تترك إحداكن ... )). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٧١/٥: فيه من لم أعرفهم، وابن إسحاق، وهو مدلس. (٧) في إكمال المعلم ٦ / ٦٥٥، وينظر المفهم ٤٤٥/٥ . ١٤٥ سورة النساء: الآية ١١٩ النَّصائح(١). ولا تتعطّلُ(٢)، ويكونُ في عُنقها قِلادةٌ من سَيْرٍ في خَرَزٍ؛ فإنه يُروى عن النبيّ ﴾ أنه قال لعائشةَ رضي الله عنها: «إنه لا ينبغي أن تكوني بغير قلادةٍ؛ إما بخيط وإما بسَيْرِ))(٣). وقال أنس: يُستحبُّ للمرأة أنْ تُعلّقَ في عنقها في الصلاة ولو سَيْراً(٤). قال أبو جعفر الطبريُّ: في حديث ابنٍ مسعود دليلٌ على أنه لا يجوزُ تغييرُ شيءٍ من خَلْقِها الذي خَلَقَها الله عليه بزيادة أو نقصٍ(٥)، التماسَ الحُسنِ لزوجٍ أو غيره، سواءٌ فلَّجت أسنانها أو وَشَرَتْها، أو كان لها سنٌّ زائدةٌ فأزالتها، أو أسنانٌ طِوالٌ، فقطعت أطرافَها، وكذلك(٦) لا يجوزُ لها حلقُ لِحيةٍ أو شاربٍ أو عَنْفَقَةٍ إن نبتت لها؛ لأنَّ كلَّ ذلك تغييرُ خلقِ اللهِ(٧). قال عياض: ويأتي على ما ذكره أنَّ من خُلق بأصبعِ زائدةٍ أو عضوِ زائدٍ لا يجوزُ له قطعُه، ولا نزعُه؛ لأنه من تغيير خلقِ اللهِ تعالى، إلا أنْ تكونَ هذه الزوائدُ تؤلمُه، فلا بأس بنزعها عندَ أبي جعفر وغيرِه(٨). الثامنة: قلت: ومن هذا الباب قولُهُ ﴾: «لَعَنَ اللهُ الواصلةَ والمستوصِلةَ والواشِمةَ والمستوشِمةَ)). أخرجه مسلم(٩). فنهى ﴿ عن وصلِ المرأةِ شعرَها؛ وهو أنْ (١) في (م): المصابيح. (٢) تَعَطَّلَتْ المرأة: إذا لم يكن عليها حُلِيّ. القاموس (عطل). (٣) لم نقف عليه. (٤) لم نقف عليه. (٥) في (د) و(ز) و(م): نقصان، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لإكمال المعلم ٦٥٥/٦، والمفهم ٤٤٥/٥ . (٦) في (د) و(م): وكذا . (٧) في إطلاق هذا الحكم نظر، فقد جوزه بعض الأئمة بإطلاق، وقيد جوازه آخرون بموافقة الزوج. ينظر شرح مسلم للنووي ١٠٦/١٢، والمجموع له ٣٤٩/١، ومواهب الجليل للحطاب ٢١٧/١ ، والفروع لابن مفلح ١٠٨/١، وفتح الباري ٣٧٨/١٠، وحاشية ابن عابدين ٦/ ٣٧٣ . (٨) إكمال المعلم ٦/ ٦٥٦، والمفهم ٥٤٥/٥، وعنه نقل المصنف. (٩) برقم (٢١٢٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٤٧٢٤)، والبخاري (٥٩٤٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ١٤٦ سورة النساء: الآية ١١٩ يُضافَ إليه شَعرٌ آخرُ يكثرُ به، والواصلةُ هي التي تفعلُ ذلك، والمستوصِلةُ هي التي تستدعي من يفعلُ ذلك(١) بها. مسلم عن جابر قال: زجر النبيُّ# أنْ تَصِلَ المرأةُ بشعرها شيئاً (٢). وخرَّج عن أسماءً بنتِ أبي بكر قالت: جاءت امرأةٌ إلى النبيِّ ﴾، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ لي ابنة عُرَيِّساً أصابتها حَصْبَةٌ، فتمرَّقَ(٣) شعرُها، أفأصِله؟ فقال: ((لعن اللهُ الواصلةَ والمستوصِلةَ))(٤). وهذا كلُّه نصٌّ في تحريم وصلِ الشعرِ، وبه قال مالكٌ وجماعةُ العلماء. ومنعوا الوصلَ بكلِّ شيءٍ من الصُّوف والخِرَقِ وغيرِ ذلك؛ لأنه في معنى وصلِه بالشعر. وشذّ الليث بنُ سعد؛ فأجاز وصلَه بالصُّوف والخِرَق وما ليس بشعر؛ وهذا أشبهُ بمذهب أهلِ الظاهر. وأباح آخرون وضعَ الشعر على الرأس، وقالوا: إنما جاء النهيُ عن الوصل خاصَّةً، وهذه ظاهريةٌ مَخْضةٌ، وإعراضٌ عن المعنى. وشذ قومٌ فأجازوا الوصلَ مطلقاً، وهو قولٌ باطلٌ قطعاً، ترده الأحاديثُ. وقد روي عن عائشة رضي الله عنها ولم يصحّ(٥). ورُوي عن ابن سيرينَ أنه سأله رجلٌ (١) المفهم ٥/ ٤٤٣ . (٢) صحيح مسلم برقم (٢١٢٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤١٥٥)، وعندهما: برأسها بدل: بشعرها، وذكره مثل رواية المصنف أبو العباس القرطبي في المفهم ٤٤٣/٥ ، وعنه نقل المصنف. (٣) في النسخ: فتخرق، والمثبت من (م)، وهو الموافق لصحيح مسلم. يعني: انتفَ. المفهم ٥/ ٤٤٢. (٤) صحيح مسلم (٢١٢٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٨٠٤)، والبخاري (٥٩٣٥)، قوله: عُرَيِّساً؛ تصغير عروس، قُلبت الواو ياءً، وزيدت عليها ياء التصغير، وأدغمت إحداهما في الأخرى، ويقال: عروس للذكر والأنثى. المفهم ٥/ ٤٤٢ . (٥) المفهم ٥/ ٤٤٣، وينظر إكمال المعلم ٦٥٢/٦، وأثر عائشة رضي الله عنها أخرجه العقيلي في الضعفاء (٧١٧)، والخطيب في تاريخ بغداد ٤٠٥/٧، وفي إسناده شملة بن هزَّال، قال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن المديني: هو عندنا ضعيف، وقال أبو حاتم: لا بأس به. الميزان ٢٨٠/٢ . ١٤٧ سورة النساء: الآية ١١٩ فقال: إنَّ أمي كانت تَمشُط النساء، أتراني آكلُ من مالها؟ فقال: إنْ كانت تصلُ فلا(١). ولا يدخلُ في النهي ما رُبطَ منه بخيوط الحريرِ الملوّنةِ على وجه الزِّينةِ والتَّجَمُّل(٢)، والله أعلم. التاسعة: وقالت طائفةٌ: المرادُ بالتغيير لخلقِ الله هو (٣) أنَّ اللهَ تعالى خلق الشمسَ والقمرَ، والأحجارَ والنار، وغيرها من المخلوقات؛ ليُعتَبَر بها ويُنتفعَ بها، فغيَّرها الكفارُ بأنْ جعلوها آلهةً معبودةً. قال الزجاج(٤): إنَّ الله تعالى خلق الأنْعامَ لتُركبَ وتؤكلَ، فحرّموها على أنفسهم، وخلق(٥) الشمسَ والقمرَ والحجارةَ مسخَّرةً للناس، فجعلوها آلهةً يعبدونها ، فقد غيَّروا ما خلقَ الله. وقال(٦) جماعةٌ من أهل التفسيرِ: مجاهد، والضحاك، وسعيد ابنُ جبير، وقتادةُ، ورُوي عن ابن عباس: ﴿فَلَيُغَيُِّكَ خَلْقَ اللَّهِ﴾: دينَ الله: وقاله النَّخَعِيُّ، واختاره الطبريّ(٧). قال: وإذا كان ذلك معناه؛ دخل فيه فعلُ كلِّ ما نهى اللهُ عنه من خِصاء، ووَشْم، وغير ذلك من المعاصي؛ لأنَّ الشيطانَ يدعو إلى جميع المعاصي، أي: فليغيرنَّ ما خلق اللهُ(٨) من دينه. (١) أورده ابن عبد البر في التمهيد ٢١٩/٧ . (٢) في (م): التجميل، وينظر الإكمال ٦/ ٦٥٢، والمفهم ٤٤٣/٥. (٣) المحرر الوجيز ١١٤/٢ . (٤) في معاني القرآن ٢/ ١١٠ . (٥) في (د) و(م): وجعل، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لمعاني القرآن للزجاج، وتفسير أبي الليث ٣٨٩/١، وعنه نقل المصنف. (٦) في (م): وقاله، وينظر معاني القرآن ١٩٥/٢، وإعراب القرآن ٤٩٠/١ كلاهما للنحاس، وتفسير البغوي ١/ ٤٨١ - ٤٨٢ . (٧) في تفسيره ٧/ ٥٠٢ ، والأقوال السالفة منه. (٨) في (د) و(ز) و(م): في، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لتفسير الطبري ٧/ ٥٠٢ ومعاني القرآن للنحاس ١٩٦/٢ - ١٩٧، وعنه نقل المصنف. ١٤٨ سورة النساء: الآية ١١٩ وقال مجاهدُ أيضاً (١): ((فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ)): فطرة الله التي فطرَ الناسَ عليها؛ يعني: أنهم وُلدوا على الإسلام(٢)، فأمَرَهم الشيطانُ بتغييره، وهو معنى قولهِ عليه الصلاة والسلام: ((كلُّ مولودٍ يُولَد على الفِظرة، فأبواه يُهوِّدانِه ويُنصِّرانِه ويُمجِّسانِهِ))(٣). فيرجعُ معنى الخلقِ إلى ما أوجدَه فيهم يومَ الذَّرِّ من الإيمان به في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قال ابنُ العربي(٤): رُويَ عن طاوس أنه كان لا يحضُرُ نكاحَ سوداءَ بأبيضَ، ولا بيضاءَ بأسودَ، ويقولُ: هذا من قول الله: ﴿فَلَيُغَيُِّكَ خَلْقَ اللَّهَّ﴾. قال القاضي: وهذا وإنْ كان يحتمِلهُ اللفظُ؛ فهو مخصوصٌ بما أَنفذَه النبيّ ﴾ من نكاح مَؤلاء زيدٍ - وكان أبيضَ - بظئره بَرَكةَ الحبشيةِ أمِّ أسامةً، وكان أسود من أبيضَ(٥)، وهذا مما خفي على طاوس مع علمِه. قلتُ: ثم أنكح أسامةَ فاطمةَ بنتَ قيس وكانت بيضاءَ قرشيةً(٦). وقد كانت تحتَ بِلالِ أختُ عبدِ الرحمن بنِ عوف زُهْريَّةٍ(٧). وهذا أيضاً يخصُّ، وقد خفي عليهما. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي يطيعه ويدع أمر الله ﴿فَقَدْ خَسِرَ﴾ أي: نَقَصَ نفسَه وغَبَنَها بأن أعطى الشيطانَ حقَّ الله تعالى فيه وترگه من أجله(٨). (١) تفسير مجاهد ١٧٤ - ١٧٥ وأخرجه الطبري ٤٩٩/٧ . (٢) في (ظ): على فطرة الإسلام. (٣) أخرجه أحمد (٧١٨١)، والبخاري (١٣٨٥)، ومسلم (٢٦٥٨) من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) في أحكام القرآن ١/ ٥٠٢ . (٥) أخرجه الحاكم ٦٣/٤، وبركة هي أم أيمن مولاة رسول الله # وحاضنته أعتقها رسول الله # لمّا تزوج بخديجة، كانت من المهاجرات الأول، ماتت في خلافة عثمان رضي الله عنهما. السير ٢/ ٢٢٣ . (٦) أخرجه أحمد (٢٧١٠٠)، ومسلم (١٤٨٠) من حديث فاطمة بنت قيس. (٧) أخرجه الدارقطني (٣٧٩٧)، والبيهقي ١٣٣/٧، وأخت عبد الرحمن هي حالة، كما صرَّح بذلك ابن حجر في الإصابة ١٥٧/١٣، والتلخيص الحبير ١٦٥/٣. (٨) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٩٠، والمحرر الوجيز ١١٥/٢. ١٤٩ سورة النساء: الآيات ١٢٠ - ١٢٣ قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِمّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُورًا (١٥) أُوْلَكَ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا يَِيصًا (١٨) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقَّأْ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (﴾﴾. قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾؛ المعنى: يعدُهم أباطيلَه وتُرَّهاتِه من المال والجاهِ والرِّياسةِ، وأنْ لا بَعْثَ ولا عقابَ، ويُوهِمُهم الفقرَ حتى لا يُنفِقوا في الخير ﴿وَيُمَنِّيِهِمْ﴾ كذلك ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرًا﴾ أي: خديعة(١). قال ابنُ عرفة(٢): الغرورُ ما رأيتَ له ظاهراً تُحبُّه، وفيه باطنٌ مكروه أو مجهولٌ. والشيطان غَرورٌ؛ لأنه يَحملُ على مَحابِّ النَّفْس، ووراءَ ذلك ما يسوءه(٣). ﴿أُوْلَئِكَ﴾ ابتداء ﴿مَأْوَنُهُمْ﴾ ابتداءٌ ثانٍ ﴿جَهَنَّهُ﴾ خبر الثاني، والجملة خبرُ الأول. و﴿يَحِيصًا﴾ مَلْجَأ، والفعلُ منه: حاص يَحيصُ. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَّهِ قِيلًا﴾ إبتداء وخبر. ((قيلاً)) على البيان؛ قال قِيلاً وقَوْلاً وقَالاً (٤). بمعنّى، أي: لا أحدَ أصدقُ من الله. وقد مضى الكلام على ما تَضمَّنته هذه الآيُ من المعاني، والحمدُ لله. قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآَ أَمَانِيّ أَهْلِ الْكِتَبُّ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، ١٢٣ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيَّكُمْ وَلَا أَمَانِّ أَهْلِ الْكِتَبُ﴾. وقرأ أبو جعفر المدنيُّ: ﴿ليس بأمانيكم ولا أمانِي أهل الكتاب﴾ بتخفيف الياءِ فيهما جميعاً (٥). (١) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٩٠، وتفسير البغوي ١/ ٤٨٢، والمحرر الوجيز ١١٥/٢. (٢) لم نقف على قوله، وسلف أيضاً ٥/ ٤٥٥ . (٣) في (م): يسوء. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٠/١ . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٩٠/١ - ٤٩١، وينظر المحرر الوجيز ١١٥/٢، والنشر ٢١٧/٢. ١٥٠ سورة النساء: الآية ١٢٣ ومن أحسنٍ ما رُويَ في نزولها ما رواه الحكم بن أبَان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قالت اليهود والنصارى: لنْ يدخل الجنةَ إلَّا من كان منَّا. وقالت قريش: ليس نُبْعَثُ(١)، فأنزل الله: ﴿ليس بأمانيكم ولا أمانِي أهل الكتاب﴾. وقال قتادةُ والسديُّ: تفاخر المؤمنون وأهلُ الكتابِ، فقال أهلُ الكتّاب: نبيُّنا قبلَ نبيِّكم، وكتابُنا قبلَ كتابِكم، ونحنُ أحقُّ بالله منكم. وقال المؤمنون: نبيّنا خاتمُ النبيين، وكتابُنا يقضي على سائر الكتب، فنزلت الآية(٢). قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. السُّوءُ ها هنا الشركُ، قال الحسن: هذه الآيةُ في الكافر، وقرأ: ﴿وهل يُجازَى إلا الكفورُ﴾(٣) [سبأ: ١٧]. وعنه أيضاً: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: ذلك لمن أراد الله هَوَانَه، فأمَّا من أراد كرامتَه فلا، قد ذكر الله قوماً فقال: ﴿أولئك الذين يُتَقَبَّلُ عنهم أحْسَنُ ما عملوا ويُتجاوزُ عن سيِّئاتهم في أصحابِ الجنةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الذي كانوا يوعدون﴾(٤) [الأحقاف: ١٦]. وقال الضحاك: يعني اليهود والنصارى، والمجوسَ وكفارَ العرب(٥). وقال الجمهور: لفظُ الآيةِ عامٌّ، والكافرُ والمؤمنُ مجازَى(٦) بعمله السوء(٧)، (١) في النسخ: ببعث، والمثبت من (م)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٤٩١/١، والكلام منه، وينظر تفسير الطبري ٧/ ٥١٢، وتفسير البغوي ١/ ٤٨٢ . (٢) أخرج قول قتادة والسدي الطبري ٧/ ٥٠٨، وينظر أسباب النزول للواحدي ص١٧٤، والمحرر الوجيز ١١٦/٢. (٣) أخرجه الطبري ٧/ ٥١٧ . والقراءة المذكورة هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية شعبة. السبعة ص٥٢٨ ، والتيسير ص١٨١ . (٤) أخرجه النحاس في معاني القرآن ١٩٩/٢، والطبري ٥١٨/٧ . والقراءة المذكورة هي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية شعبة. السبعة ص ٥٩٧ ، والتيسير ص١٩٩ . (٥) المحرر الوجيز ١١٦/٢، وأخرج قول الضحاك الطبري ٥١٨/٧ . (٦) في (د) و(ز) و(م): مجاز، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١١٦/٢، والكلام منه. (٧) لفظة: السوء، من (ظ) و(م)، وعبارة ابن عطية في المحرر الوجيز ١١٦/٢: مجازّى بالسوء يَعملُه، وينظر معاني القرآن للنحاس ١٩٩/٢ . ١٥١ سورة النساء: الآية ١٢٣ فأما مجازاةُ الكافرِ فالنار؛ لأنَّ كفرَه أَوْبَقَه، وأما المؤمنُ فبنَكبات الدُّنيا، كما روى مسلمٌ في صحيحه عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بَلَغَتْ مِن المسلمين مَبْلَغاً شديداً، فقال رسولُ اللهِ لَ﴾: ((قارِبُوا وسَدِّدُوا، ففي كلِّ ما يُصَابُ به المسلمُ كفارةٌ، حتَّى النكبةِ يُنْكَبُهَا، والشوكةِ يُشاكُها))(١). وخرّج الترمذيُّ الحكيم في نوادر الأصولِ (٢) في الأصل(٣) الخامس والتسعين: حدّثنا إبراهيم بن المستمرّ الهُذلي، قال: حدّثنا عبد الرحمن بنُ سَليم بن حيان(٤) أبو زيد، قال: سمعت أبي يذكر عن أبيه قال: صحبتُ ابنَ عمر من مكةً إلى المدينة، فقال لنافع: لا تَمُرَّ بي على المصلوب - يعني ابنَ الزبيرِ - قال: فما فجِئه(6) في جوف الليلِ أنْ صكَّ(٦) محملُه جِذعَه؛ فجلس، فمسح عينيه، ثم قال: يرحمُكَ الله أبا خبيبٍ، أنْ كنتَ، وأنْ كنتَ! ولقد سمعتُ أباك الزبيرَ يقول: قال رسولُ اللهِعَ﴾: ((مَن يعملْ سوءاً يُجْزَ به في الدنيا، أو في الآخرة))، فإن يكُ هذا بذاك، فهَهْ (٧). (١) صحيح مسلم (٢٥٧٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٧٣٨٠). (٢) ص ١٣٢ . (٣) في (د) و(م): الفصل: والمثبت من (ز) و(ظ). (٤) قال الحافظ في التقريب ص١٨٩ : سَليم، بفتح أوله، ابن حيَّان، بمهملة وتحتانية الهذلي البصري ثقةٌ من السابعة. وذكر المزي في تهذيب الكمال ٣٤٨/١١ : أن سَليم بن حيان حدث عن أبيه حَيَّان بن بِسطام، وروى عنه ابنه عبدُ الرحمن. (٥) في (د) و(ز): فجئته، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق لنوادر الأصول. (٦) في النسخ: صل، والمثبت من (م)، وهو الموافق لنوادر الأصول. (٧) في (د): فهيئة، وفي (م): فهمه، ومثله في النوادر والأصول، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهي كلمة تذكرة ووعيد، وتكون بمعنى التحذير أيضاً. تاج العروس (هوه). وينظر فيض القدير ٢٤٤/٦، وأخرجه أيضاً البزار (كشف الأستار) (٢٢٠٥) بنحوه، قال الهيثمي في المجمع ١٢/٧ : فيه عبد الرحمن بن سَليم بن حيَّان، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. وأخرجه أيضاً أبو يعلى (١٨) من طريق مجاهد عن ابن عمر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بنحوه، وهو عند أحمد (٢٣) دون القصة وليس عنده وعند أبي يعلى قولُه: ((أو في الآخرة))، وفي إسناده زياد الجصَّاص - وهو ابن أبي زياد - وعلي بن زيد - وهو ابن جُدْعان - وهما ضعيفان. التقريب ص١٥٩، ٣٤٠ . وأصل الخبر عند مسلم (٢٥٤٥) دون قوله: من يعمل سوءاً يجز به .... إلى آخر الخبر. ١٥٢ سورة النساء: الآية ١٢٣ قال الترمذي أبو عبد الله: فأما في التنزيل فقد أجمله، فقال: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَّ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ فدخل فيه البَرُّ والفاجر، والعدوُّ والولِيُّ، والمؤمنُ والكافرُ؛ ثم مَيَّزَ رسولُ اللـه﴾ في هذا الحديثِ بين الموطنينِ، فقال: ((يُجز بِهِ في الدنيا أو في الآخرة)). وليس يُجمعُ عليه الجزاءُ في الموطنينِ(١)؛ ألا ترى أنَّ ابن عمر قال: فإن يك هذا بذاك فهه(٢)؛ معناه: أنه قاتل في حرم اللهِ، وأحدَثَ فيه حدثاً عظيماً حتى أحرقَ البيتَ، ورَمى الحجرَ الأسودَ بالمَنْجَنِيقِ، فانصدَعَ حتى ضُبِّب بالفضَّة، فهو إلى يومنا هذا(٣) كذلك، وسمع للبيت أنيناً: آه آه! فلما رأى ابنُ عمر فِعْلَه، ثم رآه مقتُولاً مصلوباً، ذَكر قولَ رسولِ الله ◌ِ﴾: ((مَن يعملْ سوءاً يُجْزَ بِهِ)). ثم قال: إنْ يكُ هذا القتلُ بذاك الذي فَعَلَه فههْ(٤)؛ أي: كأنه جوزي بذلك السوءِ هذا القتل والصلبَ. رحمه الله! ثم مَيّز رسولُ اللهِ ﴾ في حديثٍ آخرَ بَيْنَ الفريقين : حدّثنا أبي - رحمه الله - قال: حدّثنا أبو نُعيم قال: حدّثنا محمد بنُ مسلم، عن يزيدَ بنِ عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ قال: لما نزلت ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أبو بكر الصدّيق ﴾: ما هذه بمبقيةٍ منا؛ قال: ((يا أبا بكر، إنما يُجزى بها المؤمنُ في الدنيا(٥)، ويُجزَى بها الكافرُ يومَ القيامةِ»(٦). حدّثنا الجارود قال: حدّثنا وكيعٌ وأبو معاويةً وعبدَةُ، عن إسماعيل بنِ أبي خالد، عن أبي بكر بنِ أبي زهيرِ الثقفيّ قال: لمَّا نزلتَ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ.﴾، قال أبو بكر: كيف الصلاحُ يا رسولَ اللهِ مع هذا؟ كلُّ شيء عملناه جُزِينا به. فقال: (١) في النسخ: في أحد الموطنين، والمثبت من (م)، وهو الموافق للنوادر ص١٣٢. (٢) في (د) و(م): فهمه، ومثله في النوادر، والمثبت من (ز) و(ظ). (٣) لفظة: هذا، من (م). (٤) في (د) و(م): فهيه، والمثبت من (ز) و(ظ)، والكلام في النوادر والأصول بنحوه. (٥) في (م): يُجزى المؤمن بها في الدنيا. (٦) لم نقف عليه من هذه الطريق، وهو في نوادر الأصول ص١٣٢، وينظر تخريج الحديث الآتي. ١٥٣ سورة النساء: الآية ١٢٣ ((غَفَر الله لك يا أبا بكر، ألست تَنصَبُ، ألست تَحزَنُ، ألست تُصيبُك اللَّأُوَاءُ))؟ قال: بلى. قال: ((فذلك ما(١) تُجزَونَ(٢) به)). ففسَّر رسولُ اللهِ ﴾ ما أجملَه التنزيلُ من قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. ورَوى الترمذيُّ(٣) عن أبي بكر الصدِّيق ﴾ أنها لمَّا نزلت، قال له النبيُّ ﴾: ((أمَّا أنتَ يا أبا بكرٍ والمؤمنون فتُجزَون بذلك في الدنيا حتى تَلْقَوا اللهَ وليس لكم ذُنُوبٌ، وأما الآخَرُون فَيُجْمَعُ ذلك لهم حتى يُجْزَوْا به يومَ القيامةِ)). قال: هذا حديثٌ غريبٌ، وفي إسناده مَقالٌ، وموسى بنُ عُبَيْدةَ يضغَّفُ في الحديثِ، ضعَّفه يحيى بنُ سعيد القطانُ وأحمد بن حنبل. ومولی بنُ سَبَّاعِ مجهولٌ، وقد رُوي هذا الحديثُ من غيرِ وجهٍ (٤) عن أبي بكر، وليس له إسنادٌ صحيحٌ أيضاً؛ وفي الباب عن عائشةً. قلت: خرّجه إسماعيل بنُ إسحاقَ القاضي قال: حدّثنا سليمان بنُ حرب قال: حدّثنا حماد بن سلمةَ، عن عليّ بنِ زيدٍ (٥)، عن أُمّه، أنها سألتْ عائشةَ عن هذه الآية: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِىَ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وعن هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقالت عائشة: ما سألني عنها(٦) أحد منذُ سألتُ رسولَ اللهِ ﴾ عنها؛ فقال: ((يا عائشة، هذه مبايعةُ اللهِ [العبدَ] بما يصيبه من الحُمَّى والنكبةِ (١) في (د) و(ز) و(م): مما، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لمصادر التخريج. (٢) أخرجه أحمد (٧١)، وأبو يعلى (٩٩)، والطبري في تفسيره ٥٢٢/٧ من طريق وكيع به، وليس في سند أبي يعلى أبو بكر بنُ أبي زهير. وأخرجه أيضاً أحمد (٧٠)، وأبو يعلى (١٠٠)، وابن حبان (٢٩١٠) وابن السني في عمل اليوم والليلة (٣٩٢) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به، قوله: اللأواء: الشدة وضيق المعيشة. النهاية (لأو). وفي الباب من حديث أبي هريرة ﴾ عند أحمد (٧٣٨٦)، ومسلم (٢٥٧٤). (٣) في سننه (٣٠٣٩). (٤) كذا في النسخ، وعند الترمذي: وقد رُوي هذا الحديث من غير هذا الوجه. (٥) في (د) و(ز) و(م): يزيد، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لمصادر التخريج. (٦) قوله: عنها، ليس في (م). ١٥٤ سورة النساء: الآيتان ١٢٣ - ١٢٤ والشوكةِ، حتى البضاعة يضعُها في كُمّه، فيفقِدُها(١) فيَفزَعُ، فيجدُها في عَيْبَته، حتى إنَّ المؤمنَ ليخرجُ من ذنوبه كما يَخرجُ التِبْر من الكِير))(٢). واسمُ ((ليس)) مضمرٌ فيها في جميع هذه الأقوال؛ والتقديرُ: ليس الكائنُ من أموركم ما تتمثَّونه(٣)، بل من يعملْ سوءاً يجزَ به. وقيل: المعنى: ليس ثوابُ اللهِ بأمانيِّكم؛ إذ قد تقدّم: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ [النساء: ٥٧](٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يعني المشركين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾ [غافر: ٥١]. وقيل: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَّ بِهِ﴾ إلا أنْ يتوبَ. وقراءةُ الجماعة: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ﴾ بالجزم عطفاً على ﴿يُجْزَ بِهِ﴾. ورَوى ابنُ بكّار عن ابن عامر: ﴿ولا يَجِدُ﴾ بالرفع استئنافاً (٥). فإن حملتَ الآيةَ على الكافر؛ فليس له غداً وليٍّ ولا نصيرٌ. وإنْ حَملتَ على المؤمن؛ فليس له ولِيٍّ ولا نصيرٌ دونَ الله(٦). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ اُلْضَلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَأُوْلَكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ( ﴾. شرطَ الإيمانَ؛ لأنَّ المشركين أدلَوا بخدمة الكعبةِ وإطعامِ الحجيجِ وقِرَى (١) في (د) و(ز): فيَتَفَقَّدها، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق لمصادر التخريج. (٢) أخرجه أحمد (٢٥٨٣٥)، والترمذي (٢٩٩١)، والطيالسي (١٥٨٤)، والطبري ٧/ ٥٢٤ وما بين حاصرتين من المصادر، ووقع عند الترمذي والطيالسي: معاتبة، بدل: مبايعة، وعند أحمد: متابعة، وعند الطبري: مثابة، وذكره بمثل رواية المصنف المنذري في الترغيب ١٨٩/٤، والهيثمي في المجمع ٧/ ١٢ . وعلي بن زيد - وهو ابن جُدعان - ضعيف، وأمه هي أم محمد امرأةٌ والد علي بن زيد بن جدعان. وليست بأمه، وهي مجهولة. ينظر تعجيل المنفعة ٢ / ٦٤٧ ، والتقريب ص ٦٦٢ . (٣) في النسخ: تتمنوه، والمثبت من (م). (٤) ينظر معاني القرآن للزجاج ١١١/٢، ومعاني القرآن للنحاس ٢/ ١٩٧. (٥) المحرر الوجيز ١١٦/٢، وذكر هذه القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٩ وقال: رواية عن ابن عامر، و((يجدُ» لغة؛ غير قراءة. اهـ. والقراءة المشهورة عن ابن عامر كقراءة الجماعة. (٦) ينظر الوسيط ١٢٠/٢. ١٥٥ سورة النساء: الآيتان ١٢٤ - ١٢٥ الأضيافِ، وأهل الكتاب بسبقهم وقولهم: نحن أبناءُ اللهِ وأحباؤه؛ فبيَّن تعالى أنَّ الأعمالَ الحسنةَ لا تُقبلُ من غير إيمان (١). وقرأ: ﴿يُدْخَلُون الجنة﴾ الشيخان أبو عمرو وابنُ كثير - بضم الياء وفتح الخاء - على ما لم يسمَّ فاعلُه. الباقون: بفتح الياء وضمِّ الخاء (٢)؛ يعني: يدخلون الجنةَ بأعمالهم. وقد مضى ذِكرُ النَّقِير (٣) وهي النُّكتَةُ في ظَهر النَّواة. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَأَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (٢٥)﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾ فضَّل دينَ الإسلام على سائر الأديان، و(أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلّهِ)) معناه: أَخلَصَ دينَه لله، وخَضَع له، وتوجّه إليه بالعبادة (٤) . قال ابنُ عباس: أراد أبا بكر الصدِّيقَ ﴾(٥). وانتصب ((دِيناً)) على البيان. ((وَهُوَ مُحْسِنٌ)) ابتداءٌ وخبرٌ في موضع الحالِ(٦)، أي: موحِّدٌ(٧)، فلا يدخلُ فيه أهلُ الكتاب؛ لأنهم تركوا الإيمانَ بمحمد عليه الصلاة والسلام. والمِلَّةُ: الدينُ، والحَنِيفُ: المسلمُ، وقد تقدَّم(٨). قوله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اللَّهُ إِنْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ قال ثعلب: إنما سُمِّيَ الخليلُ خليلاً؛ لأنَّ محبَّتَه تتخلَّلُ القلبَ، فلا تدعُ فيه خَلَلاً إلَّا ملأته؛ وأنشد قولَ بشار: (١) ينظر تفسير الرازي ٥٦/١١، وزاد المسير ٢١١/٢ . (٢) ووافقهما عاصم في رواية شعبة. السبعة ص٢٣٧-٢٣٨ ، والتيسير ص ٩٧ . (٣) ٦ / ٤١٣ - ٤١٤ . (٤) ينظر تفسير الطبري ٧/ ٥٢٨ . (٥) لم نقف عليه. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٩١/١ . (٧) تفسير أبي الليث ٣٩١/١، وتفسير البغوي ١/ ٤٨٤. (٨) ٢ / ٤١٤ . ١٥٦ سورة النساء: الآية ١٢٥ قد تخلَّلْتَ مسلكَ الرُّوحِ مِنِّي وبه سُمِّيَ الخليلُ خليلَا (١) وخليلٌ: فعيلٌ بمعنى فاعل، كالعليم بمعنى العالم. وقيل: هو بمعنى المفعولِ كالحبيب بمعنى المحبوب، وإبراهيمُ كان محِباً لله، وكان محبوباً لله. وقيل: الخليلُ من الاختصاص، فاللهُ عزَّ وجلَّ اختصَّ(٢) إبراهيمَ في وقته للرسالة. واختار هذا النحاسُ؛ قال(٣): والدليلُ على هذا قولُ النبيِّ ﴾: ((وقد اتَّخذَ اللهُ صاحبَكم خليلاً)) (٤)، يعني نفسَه. وقال ﴾: «لو كنت متَّخذاً خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً))(٥) أي: لو كنتَ مختَصّاً أحداً بشيءٍ لاختَصصْتُ أبا بكر ﴾. وفي هذا ردِّ على من زعم أنَّ النبيَّ ﴾ اختصَّ بعضَ أصحابه بشيءٍ من الدين. وقيل: الخليل: المحتاجُ؛ فإبراهيم خليلُ الله؛ على معنى أنه فقيرٌ محتاجٌ إلى الله تعالى؛ كأنه الذي به الاختلالُ(٦). وقال زُهيرٌ يمدح هَرِمَ بنَ سِنان(٧): وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مَسْغَبَةٍ يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ أي: لا ممنوعٌ. قال الزَّجاج(٨): ومعنى الخليل: الذي ليس في محبَّتَه خَلَلٌ؛ فجائزٌ أنْ يكون سُمِّي خليلاً لله؛ بأنه الذي أحبَّه واصطفاه محبةً تامَّةً، وجائزٌ أنْ يُسمَّى خليلَ الله، أي: فقيراً إلى الله تعالى؛ لأنه لم يجعلْ فقرَه ولا فاقته إلَّ إلى الله تعالى مخلصاً في ذلك. (١) أدب الدنيا والدين ص١٤٧، والبيت في ديوان بشار ٢/ ٤٧٥، وفيه: ولذا، بدل: وبه. (٢) في (د) و (ز) و(م): فالله عز وجل أعلم اختص، والمثبت من (ظ). (٣) في إعراب القرآن ١/ ٤٩١ . (٤) هو قطعة من الحديث الآتي تخريجه. (٥) أخرجه أحمد (٣٥٨٠)، ومسلم (٢٣٨٣) من حديث ابن مسعود ، وأخرجه أيضاً أحمد (١١١٣٤)، والبخاري (٣٦٥٤)، ومسلم (٢٣٨٢) من حديث أبي سعيد الخدري ه دون قوله: ((وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً)). (٦) ينظر معاني القرآن للنحاس ٢/ ٢٠٠. (٧) ديوان زهير ص ١٥٣، والكتاب ٦٦/٣ . (٨) في معاني القرآن ١١٢/٢، وينظر تفسير البغوي ٤٨٤/١، والوسيط ١٢١/٢. ١٥٧ سورة النساء: الآية ١٢٥ والاختلالُ: الفقرُ؛ فرُوي أنه لمَّا رُمي بالمَنْجَنِيق، وصار في الهواء، أتاه جبريلُ عليه السَّلام، فقال: ألك حاجةٌ؟ قال: أمَّا إليكَ فلا (١). فخُلَّةُ اللهِ تعالى لإبراهيمَ نُصرتُه إياه. وقيل: سُمي بذلك بسبب أنه مضى إلى خليلٍ له بمصر - وقيل: بالموصل - لِيمتارَ من عنده طعاماً، فلم يجدْ حاجته(٢)، فملأ غَرائرَه(٣) رملاً، وراح به إلى أهله، فحظّه ونام؛ ففتَحه أهلُه، فوجدوه دقيقاً (٤)، فصنعوا له منه، فلما قدَّموه إليه قال: من أينَ لكم هذا؟ قالوا: من الذي جئتَ به من عند خليلِك المصريّ؛ فقال: هو من عند خليلي؛ يعني اللهَ تعالى، فسُمِّيَ خليلَ الله بذلك(٥). وقيل: إنه أضاف رؤساءَ الكفار، وأَهدى لهم هدايا، وأحسن إليهم، فقالوا له: ما حاجتُك؟ فقال(٦): حاجتي أنْ تسجُدوا لله سجدة(٧)؛ فسجدوا، فدعا الله تعالى، وقال: اللهم إني قد فعلتُ ما أمكنني، فافعل اللهمَّ ما أنت أهلٌ (٨) لذلك. فوقَّقهم الله تعالى للإسلام، فاتَّحْذَه اللهُ خليلاً لذلك(٩). ويقال: لمَّا دخلت عليه الملائكةُ بشِبه الآدميِّين، وجاء بعجلٍ سمينٍ، فلم يأكلُوا منه، وقالوا: إنا لا نأكلُ شيئاً بغير ثمن، فقال لهم: أَعُوا ثمنَه وكُلُوهُ (١٠)، قالوا: (١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٠ من قول مقاتل وسعيد. (٢) في (د) و (م): صاحبه، وفي (ز): حاجة، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لتفسير الطبري ٥٢٩/٧ . (٣) جمع غِرارة، وهو الوعاء. القاموس (غرر) (جلق). (٤) في (ظ): طعاماً. (٥) أورده الزجاج في معاني القرآن ١١٣/١، والطبري ٥٢٩/٧، والواحدي في أسباب النزول ص١٧٥، والبغوي في تفسيره ٤٨٤/١، ونسباه لابن عباس، قال ابن كثير عند تفسير الآية (١٢٦) من النساء: وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون إسرائيلياً لا يصدَّق ولا يكذَّب. (٦) في (د) و (م): قال: والمثبت من (ز) و (ظ). (٧) في (م): تسجدوا سجدة. (٨) في النسخ: أهلاً، والمثبت من (م). (٩) تفسير أبي الليث ١/ ٣٩٢ . (١٠) في (د) و(ز) و(م): وكلوا، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لتفسير أبي الليث ٣٩١/١ - ٣٩٢، والكلام منه. ١٥٨ سورة النساء: الآية ١٢٥ وما ثمنُه؟ قال: أنْ تقولوا في أوَّله: بسم الله، وفي آخره: الحمدُ لله، فقالوا فيما بينهم: حقٌّ على الله أنْ يَتَّخِذَه خليلاً؛ فاتَّخذَه الله خليلاً. وروى جابر بنُ عبد الله عن رسول الله ﴾ قال: ((اتخذَ الله إبراهيم خليلاً الإطعامه الطعامَ، وإنشائه السَّلام، وصَلاتِه بالليل والناسُ نيامٌ)) (١). وروى عبد الله بنُ عمرو بنِ العاص أنَّ النبيَّ # قال: ((يا جبريل، لِمَ اتَّخِذَ اللهُ إبراهيمَ خليلاً)»؟ قال: لإطعامه الطعامَ يا محمد(٢). وقيل: معنى الخليل: الذي يوالي في الله، ويعادي في الله. والخُلَّةُ بين الآدميِين: الصَّداقةُ؛ مشتقةٌ مِن تخلُّل الأسرارِ بين المتخالِّين. وقيل: هي من الخَلَّة؛ فكلُّ واحدٍ من الخليلين يَسدُّ خَلَّةَ صَاحِبِهِ(٣). وفي مصنَّف أبي داودَ(٤) عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ لَ﴾ قال: «الرَّجلُ على دين خليله، فلينظرْ أحدُكم من يُخالِل)). ولقد أحسن من قال: من لم تكنْ في الله خُلَّتُه فخليلُه منه على خطر(٥) آخر: فلا تَثِقَنْ بكلِّ أخي إخاءٍ إذا ما كنتَ مُتَّخِذاً خليلاً بأهل العقلِ منهم والحَياءِ فإنْ خُيِّرتَ بينهمُ فألصِقْ تفاضلَتِ الفضائلُ منْ كِفاءٍ (٦) فإنَّ العقلَ ليس له إذا ما (١) أورده أبو الليث في تفسيره ٣٩٢/١، ولم نقف عليه في المصادر. (٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٩٦١٦)، والواحدي في أسباب النزول ص١٧٤ والوسيط ١٢٢/٢. وفي إسناده موسى بن إبراهيم المروزي كذَّبه يحيى، وقال الدارقطني وغيره: متروك. الميزان ١٩٩/٤. (٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ١١٣/٢، وتهذيب اللغة ٦/ ٥٧٣، وزاد المسير ٢١١/٢ - ٢١٢. (٤) برقم (٤٨٣٣)، وسلف ٢٧٣/٥ . (٥) أورده الماوردي في أدب الدنيا والدين ص ١٥٣ دون نسبة. (٦) قائل الأبيات أفلح بن يسار أبو عطاء السندي، ووردت في البيان والتبيين ٢٤٤/١، والأغاني ٣٢٩/١٧، وأدب الدنيا والدين ص ١٥٢، وفي الأغاني: تُذُوكِرت، بدل: تفاضلت. ١٥٩ سورة النساء: الآيات ١٢٥ - ١٢٧ وقال حسان بن ثابتٍ ﴾ : ولكن في البلاء هُمُ قليلٌ أخِلَّاءُ الرجالِ هُمُ كثيرٌ فمالَكَ عندَ نائبةٍ خليلُ فلا يَغْرُرْك خُلَّةُ مَن تُؤاخي ولكن ليس يفعل ما يقولُ وكلُّ أخٍ يقول أنا وفِيٍّ فذاك لِما يقولُ هو الفَعُول(١) سوى خِلٌّ له حَسَبٌ ودِينٌ قوله تعالى: ﴿وَلِّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضَِّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطًاً قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ﴾ أي: مُلكاً واختراعاً. والمعنى: إنه اتخذ إبراهيم خليلاً لحسن(٢) طاعته، لا لحاجته إلى مخالَّته ولا للتَّكثير به والاعتضادِ؛ وكيف وله ما في السماوات والأرض؟ وإنما أَكرمه(٣) لامتثاله لأمره. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ تُحِيطَا﴾ أي: أحاط علمُه بكلِّ الأشياء(٤). قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَقْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِ اُلْكِتَبِ فِ يَتَى الْنِسَاءِ الَّتِ لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَعَى بِالْقِسْطِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ گان پِهِ، عَلِیمًا نزلت بسبب سؤالِ قوم من الصحابة عن أمر النساءِ وأحكامِهنَّ في الميراث وغيرِ ذلك؛ فأمر اللهُ نبيَّه عليه الصلاة والسلام أنْ يقولَ لهم: اللهُ يُفتيكم فيهنَّ؛ أي: يُبيِّنُ (١) ديوان حسان ص١٩٩، وفيه: الرخاء، بدل: الرجال، وأورده بمثل رواية المصنف الوطواط في غرر الخصائص الواضحة ص٤٢٦ ، وفيه: تصافي بدل: تؤاخي، وكل خل، بدل: كل أخ. (٢) في (د) و(ز) و(م): بحسن. (٣) ينظر تفسير الرازي ١١/ ٦٠. (٤) تفسير البغوي ١/ ٤٨٥ . ١٦٠ سورة النساء: الآية ١٢٧ لكم حُكْمَ ما سألتُم عنه(١). وهذه الآيةُ رجوعٌ إلى ما افتُتحت به السورةُ من أمر النساءِ(٢)، وكان قد بقيت لهم أحكامٌ لم يعرِفوها، فسألوا، فقيل لهم: إنَّ الله يُفتيكم فیھن(٣). وروى أشهب عن مالك قال: كان النبيُّ # يُسألُ، فلا يُجيبُ حتى يَنزلَ عليه الوَحْيُ، وذلك في كتاب الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْبَثَلَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، و﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ (٤) [طه: ١٠٥]. قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ ((ما)) في موضعٍ رفع، عطفٌ على اسم اللهِ تعالى. والمعنى: والقرآنُ يُفتيكم فيهن، وهو قولُه: ﴿فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَآمِ﴾ (٥) وقد تقدَّم(٦) وقولُه تعالى: ﴿وَتَرْعَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾، أي: وترغبون عن أنْ تنكحوهنَّ، ثم حُذفت ((عن))(٧). وقيل: وترغبون في أنْ تنكحوهنَّ، ثم حذفت ((في)»(٨). قال سعيد بن جبير ومجاهد: ويُرغبُ في نكاحها إذا كانت كثيرةَ المال(٩) . وحديثُ عائشةَ يُقوِّي حذفَ ((عن))؛ فإنَّ في حديثها: وترغبون أنْ تنكحوهنَّ رغبةً أحدِكم عن يتيمته التي تكون في حِجْره حينَ تكونُ قليلةَ المالِ والجمال؛ وقد تقدَّم (١) ينظر أسباب النزول ص ١٢٧، وزاد المسير ٢١٢/٢ . (٢) من قوله: وأحكامهن في الميراث ... إلى هذا الموضع، سقط من (د) و (ز). (٣) ينظر المحرر الوجيز ١١٨/٢. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٠٣ . (٥) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٥٩٢/١، والمحرر الوجيز ١١٨/٢. (٦) ٦ / ٢٥. (٧) ينظر معاني القرآن للزجاج ١١٥/٢، والوسيط ١٢٣/٢. (٨) ينظر تفسير البغوي ١ /٤٨٥، والمحرر الوجيز ١١٨/٢. (٩) أخرجه الطبري ٥٣٣/٧ ، ٥٣٤ بنحوه.