النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ سورة النساء: الآية ١٠١ وأفطروا))(١). وقال الشعبيُّ: إنَّ اللهَ يُحبُّ أنْ يُعملَ برُخَصه كما يحبُّ أنْ يُعمل بعزائمه (٢). وأما سفرُ المعصيةِ؛ فلا يجوزُ القصرُ فيه؛ لأنَّ ذلك يكونُ عوناً له على معصية اللهِ، والله تعالى يقول: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىَّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى اَلْإِثْمِ وَاَلْعُدْوَنِ﴾ (٣) [المائدة: ٢]. الرابعة: واختلفوا متى يَقْصُر، فالجمهور على أنَّ المسافرَ لا يَقصُر حتى يخرجَ من بيوت القريةِ، وحينئذٍ هو ضاربٌ في الأرض، وهو قولُ مالكٍ في المدوَّنة(٤). ولم يَحُدَّ(٥) مالك في القُرب حدًّا. ورُوي عنه إذا كانت قريةٌ يجمع(٦) أهلُها، فلا يَقصُر أهلُها حتى يجاوزوها بثلاثة (١) أخرجه بنحوه الطبراني في الأوسط (٦٥٥٤) من حديث جابر . قال الهيثمي في المجمع ٢/ ١٥٧ : فيه ابن لهيعة، وفيه كلام. وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٣١٨/٧ من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه. وأخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/ ٧٩٠ من حديث أبي هريرة ، وقال: تفرد به محمد بن سليمان، قال أبو حاتم: هو منكر الحديث، وأخرجه عبد الرزاق (٤٤٨٠)، (٤٤٨١) من حديث سعيد ابن المسيب وعروة بن رويم بنحوه مرسلاً، وينظر التلخيص ٢/ ٥١ . (٢) لم نقف عليه من قول الشعبي، وأخرجه عنه عن مسروق ابن أبي شيبة ٩/ ٦٠، وأخرجه بهذا اللفظ مرفوعاً ابن حبان (٣٥٦٨)، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ١٩١، والبيهقي ٣/ ١٤٠ من حديث ابن عمر ﴾. وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير (١٠٠٣٠)، وأبو نعيم في الحلية ١٠١/٣ من حديث ابن مسعود ﴾، وأخرجه أيضاً البزار (كشف الأستار (٩٩٠)، وابن حبان (٣٥٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال المنذري في الترغيب والترهيب ٧٦/٢ : رواه البزار بإسناد حسن. وأخرجه أحمد (٥٨٦٦)، وابن حبان (٢٧٤٢)، والخطيب في تاريخ بغداد ٣٤٧/١٠ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)». قال المنذري في الترغيب ٧٦/٢: رواه أحمد بإسناد صحيح، وينظر مجمع الزوائد ١٦٢/٣. (٣) المفهم ٣٢٦/٢. (٤) ١ / ١١٨ . (٥) في (د) و(ز): يجد، والمثبت من (ظ) و(م). (٦) في (ظ) و(م): تجمع، والمثبت من (د) و(ز). ٨٢ سورة النساء: الآية ١٠١ أميال، وإلى ذلك في الرجوع. وإن كانت لا يجمع(١) أهلُها قَصَروا إِذا جاوزوا بساتینھا. ورُويَ عن الحارث بن أبي ربيعةً أنه أراد سفراً، فصلَّى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بنُ يزيدَ وغيرُ واحدٍ من أصحاب ابن مسعود، وبه قال عطاء بنُ أبي رَباح وسليمان بنُ موسى(٢). قلت: ويكون معنى الآيةِ على هذا: ﴿وَإِذَا ضَرَيْهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: إذا عزمتم على الضرب في الأرض، والله أعلم. ورُويَ عن مجاهدٍ أنه قال: لا يَقصُر المسافرُ يومَه الأوَّلَ حتى الليل. وهذا شاذٌّ؛ وقد ثبت من حديث أنس بن مالكِ أنَّ رسول الله ﴾ صلَّى الظهرَ بالمدينة أربعاً، وصلَّى العصر بذي الحُلَيفةِ ركعتين. أخرجه الأئمة(٣)، وبين ذي الحُليفة والمدينة نحوٌ من ستة أميالٍ، أو سبعةٍ (٤). الخامسة: وعلى المسافر أن يَنْوِيَ القصرَ في (٥) حينِ الإحرامِ؛ فإن افتتَحَ الصلاةَ بِنية القصر، ثم عزَم على المُقام في أضعاف(٦) صلاتِه جعلَها نافلةً، وإن كان ذلك بعدَ أنْ صلَّى منها ركعةً، أضاف إليها أخرى، [وجعلها نافلة] وسلَّم، ثم صلَّى صلاةً مقیم. (١) في (م): تجمع. (٢) المحرر الوجيز ٣٥٦/٢، وينظر المغني ١١١/٣، والمفهم ٣٣٢/٢. والحارث بن أبي ربيعة هو المخزومي المكي الملقب بالقُباع باسم مكيال وضعه، ولاه عبد الله بنُ الزبير البصرةَ، ثم عزله، كان خطيباً بليغاً ديِّناً. ينظر السير ١٨١/٤ . (٣) المحرر الوجيز ١٠٣/٢، وينظر المغني ١١٢/٣، والمفهم ٣٣٢/٢، وحديث أنس ﴾ أخرجه أحمد (١٢٨١٨)، والبخاري (١٥٤٧)، ومسلم (٦٩٠). وأبو داود (١٢٠٢)، والترمذي (٥٤٦)، والنسائي ٢٣٥/١ . (٤) في (ز) و(ظ): وقيل: سبعة. (٥) في (د) و(ز) و(م): من، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للكافي ٢٤٥/١، والكلام منه. (٦) في (د) و(م): أثناء، وهما بمعنى، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق للكافي. ٨٣ سورة النساء: الآية ١٠١ قال الأَبْهَرِيُّ وابنُ الجلَّاب: هذا - والله أعلم - استحبابٌ(١)، ولو بنى على صلاته وأتمّها أجزاته صلاته. قال أبو عمر (٢): وهو عندي كما قالا؛ لأنها ظُهرٌ، سفريَّةً كانت أو حَضَريَّة، وكذلك سائرُ الصلواتِ الخمس. السادسة: واختلف العلماء من هذا البابِ في مدَّة الإقامةِ التي إذا نواها المسافرُ أتمّ؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ واللَّيث بن سعدٍ والطبريُّ وأبو ثور: إذا نوى الإقامةَ أربعةً أيامٍ أتمّ؛ ورُويَ عن سعيد بنِ المُسَيِّب. وقال أبو حنيفة وأصحابُه والثوريُّ: إذا نوى إقامةً خمسَ عشرةَ ليلةً؛ أتمّ، وإن كان أقلَّ؛ قَصر. وهو قولُ ابنِ عمرَ وابن عباس، ولا مخالفَ لهما من الصحابة فيما ذكر الطحاويُّ، ورُويَ عن سعيدٍ أيضاً(٣). وقال أحمد: إذا أجمع(٤) المسافرُ مُقامَ إحدى وعشرين صلاةً مكتوبة؛ قصر، وإن زاد على ذلك؛ أتمّ، وبه قال داود (٥). والصحيح ما قاله مالك؛ لحديث ابنِ الحَضْرَميِّ عن النبيِّ# أنه جعل للمهاجر أن يقيمَ بمكة بعد قضاءٍ نُسُكهِ ثلاثةَ أيام، ثم يَصْدُر. أخرجه الطحاويُّ وابنُ ماجه وغيرُهما(٦). ومعلومٌ أنَّ الهجرةَ إذْ كانت مفروضةً قبل الفتح؛ كان المُقامُ بمكة لا يجوزُ؛ (١) كذا في النسخ، والذي في الكافي: استحسان. (٢) في الكافي ٢٤٥/١، وما قبله وما بين حاصرتين منه. (٣) ينظر التمهيد ١٨١/١١ - ١٨٢، والاستذكار ١٠١/٦ - ١٠٥. (٤) في (د) و(م): جمع. (٥) ينظر التمهيد ١٨٣/١١، والاستذكار ١٠٧/٦. (٦) شرح مشكل الآثار (٢٦٢٥)، وسنن ابن ماجه (١٠٧٣)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٠٥٢٥)، والبخاري (٣٩٣٣)، ومسلم (١٣٥٢)، ابن الحضرمي هو العلاء بن عبد الله، ولّاء رسول الله# البحرين، توفي سنة (٢١ هـ). السير ٢٦٢/١ . ٨٤ سورة النساء: الآية ١٠١ فجعل النبيُّ ﴾ للمهاجر ثلاثةَ أيام لتقضية حوائجه وتھیئة أسبابه، ولم یحکم لها بحكم المُقام، ولا [جعلها] في حيِّز الإقامةِ، وأَبقى عليه فيها حكمَ المسافرِ، ومنعه من مقام الرابعٍ، فحَكّمَ له بحُكم الحاضرِ القاطنِ؛ فكان ذلك أصلاً معتمَداً عليه. ومثلُه ما فعله عمرُ ه حين أجلى اليهودَ لقولِ رسول الله ﴾؛ فجعل لهم مقامَ ثلاثةٍ أيامٍ في قضاء أمورِهم(١). قال ابن العربيّ(٢): وسمعت بعضَ أحبارِ المالكيةِ يقول: إنما كانت الثلاثةُ الأيام خارجةً عن حكم الإِقامةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أرجأ فيها من أنزل به العذابَ، وتيقَّن الخروجَ عن الدنيا؛ فقال تعالى: ﴿تَمَتَّعُواْ فِىِ دَارِكُمْ ثَثَةَ أَّابِ ذَلِكَ وَعْدُ غَيِّرُ مَگذُوپٍ﴾ [هود: ٦٥]. وفي المسألة قولٌ غيرُ هذه الأقوالِ، وهو أنَّ المسافرَ يَقصُر أبداً حتى يرجعَ إلى وطنه، أو ينزلَ وطناً له؛ روي عن أنس أنه أقام سنتين بنّيْسابورَ يَقصُر الصلاة(٣). وقال أبو مِجْلَز: قلت لابن عمرَ: إني (٤) آتي المدينةَ، فأقيمُ بها السبعةَ أشهرٍ والثمانيةَ طالباً حاجةً؛ فقال: صلِّ ركعتين. وقال أبو إسحاقَ السَّبِيعيُّ: أقمنا بِسِستان ومعنا رجالٌ من أصحاب ابنٍ مسعود سنتين نُصلِّي(٥) ركعتين. وأقام ابن عمر بأذربيجان [ستةَ أشهرٍ] يصلي ركعتين(٦)؛ وكان الثلجُ حال بينهم وبين القُفُول. (١) ينظر التمهيد ١٨٥/١١، وما بين حاصرتين منه. خبر إجلاء عمر اليهود أخرجه أحمد (٦٣٦٨)، والبخاري (٢٣٣٨)، ومسلم (١٥٥١) (٦)، وقولُه # في ذلك أخرجه أحمد (٢٠١)، ومسلم (١٧٦٧) من حديث عمر قال: قال رسول الله #: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً)). : (٢) في القبس ٣٣٣/١ - ٣٣٤. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٥٤ . (٤) لفظة: إني، من (ظ) و(م). (٥) في النسخ: ونصلي، والمثبت من (م). (٦) في (د) و(ز) و(م): يصلي ركعتين ركعتين، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للتمهيد ١٨٣/١١، والكلام، وما بین حاصرتین منه. ٨٥ سورة النساء: الآية ١٠١ قال أبو عمر: مَحْملُ هذه الأحاديثِ عندنا على أنْ لا نيَّةً لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المدّة؛ وإنما مثلُ ذلك أنْ يقولَ: أَخرجُ اليومَ، أخرج غداً؛ وإذا كان هكذا(١) فلا عزيمةَ ههنا على الإقامة. السابعة: روى مسلمٌ عن عُروة عن عائشة قالت: فرض اللهُ الصلاةَ حينَ فرضها ركعتين، ثم أتمَّها في الحضر، وأُقِرَّت صلاةُ السفرِ على الفريضة الأولى. قال الزهريُّ: فقلت لعروةَ: ما بالُ عائشةَ تُتُّ في السفر؟ قال: إنها تأوَّلت ما تأوَّلَ عثمان(٢). وهذا جوابٌ ليس بمُوعِب (٣). وقد اختلف الناس في تأويل إتمام عثمانَ وعائشةَ رضي الله عنهما على أقوال: فقال مَعْمَرٌ عن الزهري: إنَّ عثمانَ ﴾ إنما صلَّى بِمنّى أربعاً؛ لأنه أجمع على الإقامة بعدَ الحجِّ. وروى مُغيرة عن إبراهيمَ أنَّ عثمان صلَّى أربعاً؛ لأنه اتخذَها وطناً. وقال يونس عن الزُّهْريّ قال: لما اتخذ عثمانُ الأموالَ بالطائف، وأراد أنْ يقيمَ بها، صلَّى أربعاً، قال: ثم أَخذ به الأئمةُ بعدَه. وقال أيوبُ عن الزُّهْرِيّ: إنَّ عثمانَ بنَ عفان أتَمَّ الصلاة بِمنّى من أجل الأعرابِ؛ لأنهم كثُروا عامَئذٍ(٤)، فصلَّى بالناس أربعاً؛ ليعلِّمَهم أنَّ الصلاةَ أربعٌ. ذكر هذه الأقوالَ كلَّها أبو داود في مصنَّفه في كتاب المناسك في باب الصلاة بِمِنّى(٥). وذكر أبو عمر في التمهيد(٦): قال ابن جريج: وبلغني إنما أوفاها عثمانُ أربعاً بِمِنَّى من أجل أنَّ أعرابيًّا ناداه في مسجد الخَيْفِ بمنّى، فقال: يا أمير المؤمنين، ما (١) في (د) و(ز): هذا، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للتمهيد ١١/ ١٨٤ . (٢) صحيح مسلم (٦٨٥)، وأخرجه أيضاً البخاري (١٠٩٠). (٣) ينظر التمهيد ١٧١/١١. (٤) في النسخ: عليه، والمثبت من (م)، وهو الموافق لسنن أبي داود. (٥) بالأرقام (١٩٦١)، (١٩٦٢)، (١٩٦٣)، (١٩٦٤). (٦) ١١ / ١٦٨ . ٨٦ سورة النساء: الآية ١٠١ زِلتُ أصلِّيها ركعتين منذ رأيتك عامَ الأول؛ فخشيَ عثمانُ أنْ يَظُنَّ جهَّالُ الناسِ أنما الصلاةُ ركعتان، قال ابن جُريج: وإنما أوفاها بِمِنّى فقط. قال أبو عمر(١): وأما التأويلاتُ في إتمام عائشةً؛ فليس منها شيءٌ يُرْوَى عنها، وإنما هي ظنونٌ وتأويلاتٌ لا يَصحَبُها دليلٌ. وأضعفُ ما قيل في ذلك أنها أمُّ المؤمنين، وأنَّ الناس حيثُ كانوا هم بنُوها، وكان منازلُهم منازلَها، وهل كانت أمَّ المؤمنين إلَّا أنها زوجُ النبيِّ أبي المؤمنين (٢) *، وهو الذي سنَّ القصرَ في أسفاره؛ في غزواته وحجِّه وعُمَرِه (٣). وفي قراءة أُبَيِّ بنِ كعب ومصحفِه: ((النبيُّ أَوْلى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتُهم وهو أبٌ لهم)). وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿هَؤُلَآءِ بَنَاتِ هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]، قال: لم يكنَّ بناتِهِ، ولكن كنَّ نساءَ أُمَّتِهِ، وكلُّ نبيِّ فهو أبو أُمَّتِه(٤). قلت: وقد اعتُرض على(٥) هذا بأنَّ النبيَّ :﴿ كان مُشَرِّعاً، وليست هي كذلك، فانفصلا. وأضعفُ(٦) مِن هذا قولُ من قال: إنها حيث أتمَّت لم تكن في سفرٍ جائز. وهذا باطلٌ قطعاً، فإنها كانت أخوفَ لله وأتقى من أنْ تخرجَ في سفرٍ لا يرضاه. وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشّيعة المبتدِعة وتشنيعاتهم؛ سبحانك هذا بهتانٌ عظيم! وإنما خرجت رضي الله عنها مجتهدةً محتسبة تريد أنْ تطفئ نارَ الفتنة، إذ هي أحقُّ أنْ يُستحيا منها، فخرجت الأمورُ عن الضبط(٧). وسيأتي بيانُ هذا المعنى إن شاء الله تعالی. (١) في التمهيد ١٧٠/١١. (٢) قوله: أبي المؤمنين، ليس في (ظ). (٣) في (د) و(ز): عمرته، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للتمهيد. (٤) التمهيد ١٧١/١١ والقراءة نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١١٩ لابن مسعود. (٥) لفظة: على، من (م). (٦) قبلها في (ظ): قلت. (٧) المفهم ٣٢٧/٢ . ٨٧ سورة النساء: الآية ١٠١ وقيل: إنها أتمَّت لأنها لم تكن ترى القصرَ إلا في الحجِّ والعمرة والغزوة، وهذا باطلٌ؛ لأنَّ ذلك لم يُنقلْ عنها؛ ولا عُرِفَ من مذهبها، ثم هي قد أتمَّت في سفرها إلى عليّ(١). وأحسنُ ما قيل في قَصْرِها وإتمامِها أنها أَخَذت برخصة اللهِ؛ لتُريَ الناسَ أنَّ الإتمامَ ليس فيه حرَجٌ وإنْ كان غيرُه أفضلَ. وقد قال عطاء: القصر سُنَّةٌ ورُخصة(٢)، وهو الراوي عن عائشةَ أنَّ رسولَ اللهِلَ﴿ صام وأفطر، وأتمَّ الصلاةَ وقَصَر في السفر، رواه طلحةُ بنُ عمرو (٣). وقالت(٤): كلُّ ذلك كان يفعلُ رسولُ اللهِ ﴾، صام وأفطر، وقصرَ الصلاةَ وأتمّ (٥). ورَوى النَّسائي بإسناد صحيح أنَّ عائشة اعتمرت مع رسولِ اللهِ ﴾ من المدينة إلى مكة [حتى إذا قدمت مكةً] قالت: يا رسولَ اللهِ، بأبي أنتَ وأُمِّي! قَصرتَ وأتممتُ، وأَفطرتَ وصمتُ؟ فقال: ((أحسنتِ يا عائشة))، وما عاب(٦) عليَّ. كذا هو مقيَّدٌ بفتح التاءِ الأولى وضمِّ الثانيةِ في الكلمتين. وروى الدَّارَقُطْنِيُّ عن عائشةَ أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ كان يَقْصُر في السفر، ويُتمُّ ويُفطرُ (١) المفهم ٣٢٧/٢. (٢) التمهيد ١٧٢/١١، وقول عطاء أخرجه عبد الرزاق (٤٢٧٢). (٣) في النسخ الخطية: عمر، وهو خطأ. (٤) في (د) و(ز) و(م): وعنه قال، والمثبت من (ظ). (٥) أخرجه الدار قطني (٢٢٩٧)، والبيهقي ١٤٢/٣، وابن عبد البر في التمهيد ١٧٣/١١ من طريق طلحة ابن عمرو عن عطاء عن عائشة به، قال الدارقطني: طلحة ضعيف، وقال ابن عبد البر: لا يحتج به، وأخرجه أيضاً الدارقطني (٢٢٩٨)، والبيهقي ١٤١/٣ من طريق عمر بن سعيد عن عطاء به، قال الدار قطني : هذا إسناد صحيح. (٦) في النسخ: عابه، والمثبت من (م)، وهو الموافق لسنن النسائي ١٢٢/٣، والكبرى (١٩٩٧)، وما بين حاصرتين منهما. ٨٨ سورة النساء: الآية ١٠١ ويصومُ؛ قال: إسنادُه صحيحٌ(١). الثامنة: قوله تعالى: ﴿أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ ((أنْ)) في موضع نصب، أي: في أنْ تَقْصُروا. قال أبو عبيدةَ(٢): فيها ثلاثُ لغاتٍ: قَصَرتُ الصلاةَ وقصَّرتها وأَقصرتها. واختلف العلماء في تأويله، فذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنه القصرُ إلى اثنتين (٣) من أربع في الخوف وغيره(٤)؛ لحديث يَعْلَى بنِ أمَيَّة على ما يأتي (٥). وقال آخرون: إنما هو قصرُ الركعتين إلى ركعة، والركعتان في السفر إنما هي تمام، كما قال عمر ﴾: تمامٌ غيرُ قصرٍ، وقصرُها أنْ تصيرَ ركعةً. قال السُّدِّيّ: إذا صلَّيت في السفر ركعتين فهو تمامٌ، والقصرُ لا يَحِلُّ إلا أنْ تخافَ، فهذه الآية مبيحةٌ أنْ تصلِّيَ كلُّ طائفةٍ ركعةً لا تزيدُ(٦) عليها شيئاً، ويكون للإمام ركعتان. ورُوي نحوُه عن ابن عمرَ وجابر بنِ عبد اللهِ وكعبٍ(٧)، وفَعلَه حذيفة بطَبَرستان وقد سأله الأمير سعيد بنُ العاص عن ذلك(٨). وروى ابنُ عباس أنَّ النبيَّ :# صلَّى كذلك في غزوة ذي قَرَد ركعةً لكلِّ طائفة، ولم يقضُوا(٩). (١) سنن الدارقطني (٢٢٩٨)، وقد سلف ذكره قريباً. (٢) في (م): أبو عبيد، ونقله عن أبي عبيدة النحاس في إعراب القرآن ١/ ٤٨٥ . (٣) في (د) و(ز): وإلى اثنين. (٤) ينظر المحرر الوجيز ١٠٣/٢ . (٥) في المسألة التاسعة، وسلف في المسألة الأولى، وهو حديث عمر: ((صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم ... )). (٦) في (د) و(ز): يزيد، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٠٣/٢ - ١٠٤ والكلام منه، وأثر عمر أخرجه عبد الرزاق (٤٢٧٨)، وأثر السدي أخرجه الطبري ٤١٥/٧ - ٤١٦. (٧) أخرجه عن ابن عمر ابنُ أبي شيبة ٤٤٩/٢، وعن جابر وكعب أخرجه الطبري ٧/ ٤١٧ . (٨) في (ز) و(ظ) العاص ذلك، والمثبت من (د) و(م)، وأخرج هذا الأثر أحمد (٢٣٢٦٨)، وأبو داود (١٢٤٦)، والنسائي ١٦٨/٣. (٩) أخرجه أحمد (٢٠٦٣)، والنسائي ١٧٤/٣، وذو قَرَد: ماء على ليلتين من المدينة؛ بينها وبين خيبر. معجم البلدان ٤/ ٣٢١ . ٨٩ سورة النساء: الآية ١٠١ وروى جابر بنُ عبد الله أنَّ النبيَّ صلَّى كذلك بأصحابه يومَ مُحارِبٍ (١) خَصَفَةَ(٢) وبني ثعلبةً. وروى أبو هريرة أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ صلَّى كذلك بين ضَجْنان وعُسْفان(٣). قلت: وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: فرض اللهُ الصلاةَ على لسان نبيِّكم # في الحَضَر أربعاً، وفي السَّفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً(٤). وهذا يؤيدُ هذا القولَ ويَعْضُدُه، إلا أنَّ القاضيَ أبا بكر بنَ العربيِّ ذَكر في كتابه المسمَّى بالقبس(٥): قال علماؤنا رحمة الله عليهم: هذا الحديثُ مردودٌ بالإجماع. قلت: وهذا لا يَصِحّ، وقد ذكر هو وغيرُه الخلافَ والنزاعَ، فلم يصحَّ ما ادَّعَوْه من الإجماعِ، وبالله التوفيق. وحكى أبو بكرِ الرازيُّ الحنفيُّ في أحكام القرآنِ(٦): أنَّ المرادَ بالقصر ههنا القصرُ في صفة الصلاةِ بترك الركوع والسجودِ إلى الإيماء، وبترك القيام إلى الركوب (٧). وقال آخرون: هذه الآيةُ مبيحةٌ للقصر من حدود الصلاةِ وهيئتِها عند (١) في (ظ): جارت، وفي (د) و(ز): حارب، ومثله في المحرر الوجيز ١٠٤/٢، والكلام منه، والمثبت من (م)، وهو الموافق لصحيح البخاري (٤١٢٧)، وتفسير الطبري ٧/ ٤٢٠ ، قال الحافظ في الفتح ٧/ ٤١٨: أضيفت محارب إلى خصفة لقصد التمييز عن غيرهم من المحاربين، كأنه قال: محارب الذين ينسبون إلى خصفة ... (٢) لم تجوَّد اللفظة في النسخ الخطية، والمثبت من (م). (٣) أخرجه أحمد (١٠٧٦٥)، والترمذي (٣٠٣٥)، والنسائي ١٧٤/٣، وقوله: ضجنان: جبل بناحية مكة. الفائق ٣٣٠/٢. وقوله: عُسْفان بضم أوله وسكون ثانيه: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة. معجم البلدان ٤ /٠١٢١ (٤) صحيح مسلم (٦٨٧)، وقد سلف في المسألة الأولى. (٥) ٣٢٩/١. (٦) ٢/ ٢٥٢، وأحكام القرآن للكيا ١/ ٤٨٧، وعنه نقل المصنف. (٧) في (م): الركوع. ٩٠ سورة النساء: الآية ١٠١ المسايفةِ(١) واشتعالِ الحرب، فأُبيح لمن هذه حالُه أنْ يصلِّيَ إيماءً برأسه، ويصلِّيَ ركعةً واحدةً حيث توجَّه إلى تكبيرة (٢)؛ على ما تقدَّم في ((البقرة))(٣). ورجَّح الطبرِيُّ(٤) هذا القولَ وقال: إنه يعادلُه قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَةَ﴾ [النساء: ١٠٣]، أي: بحدودها وهيئتها الكاملةِ. قلت: هذه الأقوالُ الثلاثةُ في المعنى متقاربةٌ، وهي مبنيَّةٌ على أنَّ فرضَ المسافرِ القصرُ، وأنَّ الصلاةَ في حقِّه ما نزلت إلا ركعتين، فلا قَصْر. ولا يقال في العزيمة: لا جُناحَ، ولا يقال فيما شُرع ركعتين: إنه قصرٌ، كما لا يقال في صلاة الصبحِ ذلك. وذكر اللهُ تعالى القصرَ بشرطين والذي يُعتبرُ فيه الشرطانِ صلاةُ الخوف. هذا ما ذكره أبو بكر الرازيُّ في أحكام القرآنِ(٥) واحتَّ به، ورُدَّ عليه بحديث يَعْلَى بنِ أميةً على ما يأتي إنْ شاء الله تعالى(٦). التاسعة: قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُ﴾ خرج الكلامُ على الغالب، إذ كان الغالبُ على المسلمين الخوفَ في الأسفار؛ ولهذا قال يَعْلَى بنُ أمية: قلت(٧) لعمر: مالنا نَقْصُر وقد أمِنًا، فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ(٨) رسولَ اللهِ ﴾ عن ذلك فقال: ((صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صَدَقَتَه))(٩). قلت: وقد استدلَّ أصحابُ الشافعيِّ وغيرُهم على الحنفية بحديث يَعْلَى بنِ أميةَ (١) في النسخ: المسابقة، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٠٤/٢، والكلام منه. (٢) في (د): تكبيره، وفي (ز): تكبره، وفي (ظ): تكبير، والمثبت من (م)، وعبارة ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠٤/٢، والكلام منه: حيث توجه إلى تكبيرتين إلى تكبيرة. (٣) ١٩٩/٤، في تفسير الآية (٢٣٩). (٤) في تفسيره ٧/ ٤٢٢ . (٥) ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٤، وأحكام القرآن للكيا ٤٨٧/١، وعنه نقل المصنف. (٦) في (ز) و(ظ) و(م): يأتي آنفاً إن شاء الله تعالى، والمثبت من (د). (٧) لفظة: قلت، من (م). (٨) في (د) و(ز): سألت، والمثبت من (ظ) و(م). (٩) أخرجه أحمد (١٧٤)، ومسلم (٦٨٦)، وسلف في المسألة الأولى. ٩١ سورة النساء: الآية ١٠١ هذا، فقالوا: إنَّ قوله: مالنا نَقصُرُ وقد أمِنًّا، دليلٌ قاطعٌ على أنَّ مفهومَ الآيةِ القصرُ في الركعات. قال الكيا الطبريُّ(١): ولم يذكر أصحابُ أبي حنيفة على هذا تأويلاً يساوي الذِّكْر. ثم إنَّ صلاةَ الخوفِ لا يُعتبرُ فيها الشرطان؛ فإنه لو لم يُضربْ في الأرض، ولم يوجَد السفرُ، بل جاءنا الكفارُ وغزَونا في بلادنا، فتجوز صلاةُ الخوفِ؛ فلا يعتبرُ وجودُ الشرطين على ما قاله. وفي قراءة أُبَيّ: ((أَنْ تَقْصُرُوا من الصلاة أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)) بسقوط: ((إن خفتم)). والمعنى على قراءته: كراهيةَ أنْ يفتنَكم الذين كفروا(٢)، وثبت في مصحف عثمانَ ﴾: ﴿إِنْ خِنْتُ﴾. وذهب جماعةٌ إلى أنَّ هذه الآيةَ إنما هي مبيحةٌ للقصر في السفر للخائف من العدوِّ؛ فمن كان آمناً فلا قَصْرَ له؛ رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول في السفر: أتمُّوا صلاتكم؛ فقالوا: إنَّ رسولَ اللهِ ﴿ كان يَقْصُر، فقالت: إنه كان في حربٍ وكان يخافُ، وهل أنتم تخافون؟. وقال عطاء: كان يُتمُّ من أصحاب رسول اللـه * عائشةُ وسعد بن أبي وقاص، وأَتمَّ عثمانُ، ولكن ذلك معلَّلٌ بعللٍ تقدَّم بعضها(٣). وذهب جماعة إلى أنَّ الله تعالى لم يُبح القصرَ في كتابه إلا بشرطين: السفر والخوف، وفي غير الخوفِ بالسنَّة، منهم الشافعيُّ وقد تقدَّم(٤). (١) في أحكام القرآن ١ / ٤٨٧ - ٤٨٨، وما قبله منه. (٢) معاني القرآن للنحاس ١٧٨/٢، والمحرر الوجيز ١٠٤/٢، وقراءة أُبيّ أخرجها الطبري ٧/ ٤٠٨ . ونسبها الزمخشري في الكشاف ٥٥٩/١ لعبد الله بن مسعود ﴾﴾. (٣) المحرر الوجيز ١٠٤/٢، وأخرج أثر عائشة وعطاء الطبري ٧/ ٤١٠ - ٤١١. وخبر إتمام عثمان ﴾ سلف في المسألة السابعة. (٤) في المسألة الأولى. ٩٢ سورة النساء: الآية ١٠١ وذهب آخرون إلى أنَّ قوله تعالى: ((إِنْ خِفْتُم)) ليس متصلاً بما قبلُ، وأنَّ الكلامَ تمَّ عند قولهِ: ((من الصلاة)، ثم افتتح فقال: ﴿إِنْ خِفْتُ أَن يَفْئِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ فأقِم لهم يا محمدُ صلاةَ الخوفِ، وقولُه: ﴿إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُواْ لَكُنْ عَدُوًّا ◌ُبِينًا﴾ كلامٌ معترِض، قاله الجُرْجانيُّ، وذكره المهدويُّ وغيرُهما. وردَّ هذا القولَ القُشَيْرِيُّ والقاضي أبو بكر بنُ العربي(١). قال القُشَيْرِيُّ أبو نصر: وفي الحملِ على هذا تكلُّفٌ شديدٌ، وإنْ أطنب الرجل - يريد الجرجانيَّ - في التقدير وضربِ الأمثلةِ. وقال ابن العربيّ(١): وهذا كلُّه لم يفتقر إليه عمرُ ولا ابنُه ولا يَعْلَى بنُ أميّة معهما. قلت: قد جاء حديثٌ بما قاله الجُرْجانيُّ - ذكره القاضي أبو الوليد بنُ رشدٍ في مقدِّماته(٢)، وابنُ عطية أيضاً في تفسيره - عن عليٍّ بن أبي طالب ﴾ أنه قال: سأل قومٌ من التجار رسولَ اللهِ ﴾، فقالوا: إنا نَضرِبُ في الأرض، فكيف نصلِّي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَيُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ﴾، ثم انقطع الكلام. فلمَّا كان بعدَ ذلك بحَوْلٍ غزا رسولُ اللـه ﴾، فصلَّى الظهر، فقال المشركون: لقد أَمْكَنَكُم محمدٌ وأصحابه من ظهورهم، هَلَّا شَدَدْتُم عليهم؟ فقال قائلٌ منهم: إنَّ لهم أخرى في أَثرها، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُ أَن يَفْيِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى آخر صلاة الخوفِ(٣). فإن صحَّ هذا الخبرُ؛ فليس لأحدٍ معه مقالٌ، ويكونُ فيه دليلٌ على القصر في غير الخوفِ بالقرآنِ. وقد رُوي عن ابن عباس أيضاً مثلُه، قال: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْثُمُ (١) في أحكام القرآن ١/ ٤٩٠ . (٢) ١/ ١٥٣. (٣) المحرر الوجيز ١٠٣/٢ - ١٠٤، وأخرج الحديث الطبري ٧/ ٤٠٧، وفي إسناده سيف بنُ عمر، قال عنه الحافظ في التقريب ص٢٠١ : ضعيف الحديث. ٩٣ سورة النساء: الآية ١٠١ فِيِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ نزلت في الصَّلاة في السفر، ثم نزل: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ في الخوف بعدَها بعام(١). فالآية على هذا تضمَّنت قضيتين وحُكمين؛ فقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَيُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَُّ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ يعني به في السفر؛ وتمَّ الكلامُ، ثم ابتدأ فريضةٌ أخرى، فقدَّم الشَّرطَ؛ والتقديرُ: إنْ خفتم أنْ يفتنَكم الذين كفروا، وإذا كنتَ فيهم، فأقمتَ لهم الصلاة. والواو زائدةٌ، والجواب: ﴿فَلَنَّهُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا غُيًا﴾ اعتراضٌ. وذهب قوم إلى أنَّ ذِكْرَ الخوفِ منسوخٌ بالسُّنة (٢)، وهو حديثُ عمرَ؛ إذْ رَوى أنَّ النبيَّ ﴾ قال له(٣): ((هذه (٤) صدقةٌ تصدَّق اللهُ بها عليكم، فاقبَلُوا صدقَتَه)). قال النحاس(٥): من جَعلَ قَصْرَ النبيِّ ◌َ # في غير خوفٍ وفِعْلَه ذلك(٦) ناسخاً للآية فقد غلِط؛ لأنه ليس في الآية منعٌ للقصر في الأمن، وإنما فيها إباحةُ القصرِ في الخوف فقط. العاشرة: قوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْئِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قال الفراء: أهلُ الحجاز يقولون: فَتَنتُ الرجلَ. وربيعةُ وقيسٌ وأسد وجميعُ أهلِ نجدٍ يقولون: أفتنتُ الرجلَ. وفرقَ الخليلُ وسيبويه بينهما، فقالا: فتنتُهُ: جعلتُ فيه فتنةً، مثل: كحَلتُه(٧)، وأفتنتُه: جعلتُه مُفْتَتِناً. وزعم الأصمعيُّ أنه لا يُعرفُ أَفتنتُه. (١) لم نقف عليه من قول ابن عباس، وأورده البغوي ١/ ٤٧٢ من قول أبي أيوب الأنصاري. (٢) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٢٧/٢. (٣) لفظة: له، من (م). (٤) في النسخ: إن هذه، والمثبت من (م)، وقد سلف هذا الحديث في المسألة الأولى. (٥) في الناسخ والمنسوخ ٢٢٧/٢ - ٢٢٨. (٦) في (م): فعله في ذلك. (٧) أي: جعلتُ فيه كحلاً، كما في الكتاب ٥٦/٤، ووقع في (م): أكحلته، وعبارة النحاس في إعراب القرآن ١/ ٤٨٥: عجلته، وهو تحريف . ٩٤ سورة النساء: الآية ١٠٢ ﴿إِنَّ الْكَفِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُِينًا﴾؛ ((عدوًّا)) ههنا بمعنى أعداء. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَهُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمّ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُهَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِن مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَّْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا فيه إحدى عشرةً مسألةً: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ﴾؛ روى الدَّارَ قُظْنِيُّ عن أبي عيَّاش الزُّرَقيِّ قال: كنَّا مع رسولِ اللـه :﴿ بعُسْفان، فاستقبلَنا المشركون؛ عليهم خالد بنُ الوليد، وهم بيننا وبين القبلةِ، فصلَّى بنا النبيُّ:﴿ الظهرَ، فقالوا: قد كانوا على حالٍ لو أصبْنا غِرَّتَهم، قال: ثم قالوا: تأتي الآن عليهم صلاةٌ هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأنفسِهم، قال: فنزل جبريلُ عليه السَّلام بهذه الآيةِ بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الضَّلَوَةَ﴾. وذكر الحديث(١). وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى(٢). وهذا كان سببَ إسلام خالدٍ ﴾(٣). وقد اتصلت هذه الآيةُ بما سبقَ من ذكْر الجهاد. وبيَّن الربُّ تبارك وتعالى أَنَّ الصَّلاةَ لا تسقطُ بعُذر السفرِ، ولا بعذر الجهادِ، وقتال العدوِّ، ولكن فيها رُخَصٌ على (١) سنن الدارقطني (١٧٧٧)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٦٥٨٠)، وأبو داود (١٢٣٦)، والنسائي ١٧٦/٣ -١٧٧ . قال الحافظ في الإصابة ٢٧٣/١١ : أخرجه أبو داود والنسائي بسند جيد. وأبو عيَّاش بالشين المعجمة الزرقي الأنصاري اسمه زيد بن الصامت ويقال: ابن النعمان، ويقال: اسمه عبيد بن معاوية، شهد أحداً وما بعدها، وعاش إلى خلافة عثمان رضي الله عنهما. وسلف التعريف بعُسفان ص٨٩ . (٢) في المسألة الثالثة. (٣) ينظر دلائل النبوة للبيهقي ٣٤٩/٤، والنكت والعيون ٥٢٤/١ . ٩٥ سورة النساء: الآية ١٠٢ ما تقدمَ في ((البقرة)) وهذه السورةِ(١) بيانُه من اختلافِ العلماء. وهذه الآيةُ خطابٌ للنبيِّلَ﴾، وهو يتناولُ الأُمراءَ بعدَه إلى يوم القيامةِ، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]. هذا قولُ كافةِ العلماءِ(٢). وشذَّ أبو يوسف وإسماعيل ابن عُلَيَّة فقالا: لا تُصَلَّى صلاةُ الخوفِ بعد النبيِّ﴾(٣)؛ فإنَّ الخطابَ كان خاصّاً له بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ﴾، وإذا لم يكن فيهم، لم يكن ذلك لهم؛ لأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ ليسَ كغيره في ذلك، وكلُّهم كان يُحبُّ أنْ يأتَّ به ويصلِّيَ خلفَه، وليس أحدٌ بعدَه يقومُ في الفضل مَقامَه، والناسُ بعدَه تستوي أحوالُهم وتتقاربُ؛ فلذلك يصلي الإمام بفريقٍ، ويأمرُ من يصلِّ بالفريق الآخرِ، وأمَّا انْ یصُّوا بإمامٍ واحدٍ فلا. وقال الجمهور: إنَّا قد أُمرِنا باتباعه والتأسِّي به في غير ما آيةٍ وغير حديثٍ، فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمِّةٍ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ﴾ [النور: ٢٣]، وقال لَ﴿: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي)»(٤)؛ فلزِمَ اتباعُه مطلقاً حتى يدلَّ دليلٌ واضحٌ على الخصوص، ولو كان ما ذكروه دليلاً على الخصوص؛ للزم قَصرُ الخطاباتِ على من توجهتْ له، وحينئذٍ كان يلزمُ أنْ تكونَ الشريعة قاصرةً على من خُوطبَ بها. ثمَّ إنَّ الصحابةَ رضوانُ الله عليهم أجمعين الظَّرَحوا توهُّمَ الخصوصِ في هذه الصلاةِ، وعَدَّوه إلى غير النبيِّ﴾، وهم(٥) أعلمُ بالمقال وأقعدُ بالحال؛ وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيِّ ءَايَِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وهذا خطابٌ له، وأُمَّته داخلٌ فیه، ومثلُه کثیرٌ. (١) ١٩٩/٤، ص٧٢ من هذا الجزء. (٢) ينظر تفسير الرازي ٢٤/١١، والمحرر الوجيز ١٠٥/٢. (٣) يعني بإمام واحد (على هذا القول) وإنما تُصلَّى بإمامين؛ يصلي كل إمام بطائفة ركعتين، كما في التمهيد ٢٧٩/١٥، والاستذكار ٧ /٧٩ - ٨٠ . (٤) سلف ١ / ٦٧ . (٥) في (ز) و (ظ): وهو، والكلام في المفهم ٣٦٩/٢، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤٩٣/١. ٩٦ سورة النساء: الآية ١٠٢ وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وذلك لا يوجبُ الاقتصارَ عليه وحدَه، وأنَّ مَن بعده يقوم في ذلك مَقامَه؛ فكذلك قوله(١): ﴿وَإِذَا كُنْتَ نِهِمْ﴾؛ ألا ترى أنَّ أبا بكر الصدِّيق في جماعة الصحابةِ ﴾ قاتلوا من تأوَّل في الزكاة مثلَ ما تأوَّلوه(٢) في صلاة الخوفِ. قال أبو عمر(٣): ليس في أخذ الزكاة التي (٤) قد استوى فيها النبيُّ# ومن بعده من الخلفاء ما يشبهُ صلاةَ من صلَّى خلفَ النبيِّ ◌َ﴾، وصلَّى غيرُه خلفَ(٥) غيرهٍ؛ لأنَّ أخذَ الزكاةِ فائدتُها توصيلُها للمساكين، وليس فيها فضلٌ للمعطَى كما في الصلاة فضلٌ للمصلَّى خلفَه. الثانية: قوله تعالى: ﴿فَلَنَهُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ يعني: جماعةً منهم تقف معك في الصلاة. ﴿وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ يعني: الذين يصلُّون معك. ويقال: ﴿ وَلْيَأْخُذُّوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾: الذين هم بإزاء العدوِّ، على ما يأتي بيانه(٦). ولم يذكر الله تعالى في الآية لكلِّ طائفةٍ إلا ركعةً واحدةً، ولكن رُوي في الأحاديث أنَّهم أضافوا إليها أخرى(٧)، على ما يأتي(٨). وحُذِفت الكسرة من قوله: ((فلْتَقُمْ))، و ((فَلْيكونوا))(٩) لثقلها، وحكى الأخفش والفرَّاء والكسائيُّ أنَّ لامَ الأمرِ ولامَ كي ولام الجحودِ يُفْتَحْن. وسيبويه يمنعُ من ذلك (١) في (م): في قوله. (٢) في (ظ) و (م): تأولتموه. (٣) في التمهيد ١٥/ ٢٨٠، وما قبله منه. (٤) في (د) و (ز): الذي. (٥) في (ظ) و(م): وصلى خلف، والمثبت من (د) و (ز)، وهو الموافق للتمهيد. (٦) في المسألة الثامنة. (٧) ينظر تفسير أبي الليث ٣٨٢/١-٣٨٣. (٨) قريباً. (٩) في النسخ: ليكونوا، والمثبت من (م). ٩٧ سورة النساء: الآية ١٠٢ لعلَّةٍ موجبة، وهي الفرقُ بينَ لامِ الجرِّ ولام التأكيد(١). والمراد من هذا الأمرِ الانقسامُ، أي: وسائرهم وُجاهَ العدوِّ حَذَراً من توقُّع (٢) حملتِه(٢). وقد اختلفت الروايات في هيئة صلاةِ الخوفِ، واختلف العلماء لاختلافها؛ فذكر ابن القَصَّار أنَّهِ ﴾ صلَّاها في عشرة مواضعَ (٣). قال ابن العربي: رُوي عن النبيِّ # أنَّه صلَّى صلاةَ الخوفِ أربعاً وعشرين مرَّةٍ(٤). قال الإمام أحمد بن حنبل - وهو إمامُ أهلِ الحديثِ والمقدَّمُ في معرفة علل النقلِ فيه - : لا أعلمُ أنَّهِ رُويَ في صلاةِ الخوفِ إلَّا حديثٌ ثابت. هي كلُّها صحاحٌ ثابتةٌ، فعلى أيِّ حديثٍ صلَّى منها المصلي صلاة الخوفِ أجزأهُ إنْ شاء الله، وكذلك قال أبو جعفر الطبريُّ(٥). وأما مالكٌ وسائرُ أصحابِه إلا أشهب؛ فذهبوا في صلاة الخوفِ إلى حديثٍ سهل ابنِ أبي حَثْمَةَ(٦)، وهو ما رواه في موَّئه عن يحيى بنِ سعيد، عن القاسم بنِ محمد، عنْ صالحٍ بن خَوَّاتِ الأنصاريِّ أنَّ سهلَ بنَ أبي حَثْمَةَ حدَّثه؛ أنَّ صلاةَ الخوفِ أنْ يقومَ الإمامُ ومعه طائفةٌ منْ أصحابه، وطائفةٌ مواجهةُ العدُوّ، فيركعُ الإمامُ ركعةٌ، ويسجدُ بالذين معه، ثم يقوم، فإذا استوى قائماً ثبَت، وأَتَمُّوا لأنفسهم الركعةَ الباقيةَ، ثُمَّ يُسلِّمون وينصرفون، والإمامُ قائمٌ، فيكونونَ وُجاهَ العدوِّ، ثُمَّ يُقبلُ الآخرون الذين لم يصلُّوا؛ فيكبِّرون وراءَ الإمام، فيركعُ بهم الركعة (٧)، ويسجدُ، ثمَّ يسلِّمُ، فيقومونَ (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٨٥/١-٤٨٦، وكلام الفراء في معاني القرآن ٢٨٥/١ . (٢) المحرر الوجيز ١٠٥/٢ . (٣) المفهم ٢/ ٤٧٣ . (٤) القبس ٣٧٥/١، وينظر أحكام القرآن له ١ / ٤٩١ . (٥) التمهيد ٢٦٩/١٥، وكلام الطبري في تفسيره ٤٤٤/٧. (٦) في (د) و (ظ): خيئمة، وفي (ز): خثمة، والمثبت من (م)، وهو الموافق للمصادر. (٧) قوله: الركعة، من (م)، وهو الموافق للموطأ. ٩٨ سورة النساء: الآية ١٠٢ ويركعون لأنفسهم الركعةَ الباقية، ثم يسلِّمون(١). قال ابن القاسم صاحبُ مالك: والعملُ عند مالكٍ على حديثِ القاسم بنٍ محمد، عن صالح بن خوَّات. قال ابنُ القاسم: وقد كانَ يأخذُ بحديثٍ يزيدَ بن رُومان(٢)، ثم رجعَ إلى هذا. قال أبو عمر (٣): حديثُ القاسم وحديثُ يزيدَ بن رُومان كلاهما عن صالحٍ بن خوَّات: إلَّا أنَّ بينهما فصلاً في السلام، ففي حديث القاسم أنَّ الإمامَ يُسلِّم بالطائفة الثانيةِ، ثم يقومون فيقضُون لأنفسهم الركعةَ، وفي حديثٍ يزيدَ بن رُومان أنَّه ينتظرُهم ويسلّمُ بهم. وبه قال الشافعيُّ وإليه ذهب؛ قال الشافعيّ(٤): حديثُ يزيدَ بنِ رُومان عن صالح بن خوَّاتِ هذا أشبهُ الأَحاديثِ في صلاةِ الخوفِ بظاهر كتابِ الله، وبه أقول. ومن حُجَّة مالكِ في اختياره حديثَ القاسمِ القياسُ(٥) على سائرِ الصلوات، في أنَّ الإمامَ ليس له أنْ ينتظرَ أحداً سبقهُ بشيء منها، وأنَّ السنَّة المجتمعَ عليها أنْ يقضيَ المأمومون ما سُبِقوا بهِ بعدَ سَلامِ الإمام . وقولُ أبي ثور في هذا البابِ كقول مالك، وقال أحمدُ كقولِ الشافعيِّ في المختار عندَه؛ وكان لا يعيبُ مَن فَعَلَ شيئاً من الأوجهِ المرويَّةِ في صلاة الخوفِ(٦). وذهبَ أشهبُ (٧) من أصحاب مالكٍ إلى حديث ابن عمر قال: صلَّى رسولُ الله ◌ِ(٨) (١) الموطأ ١/ ١٨٣، وأخرجه بنحوه أحمد (١٥٧١٠)، والبخاري (٤١٣١) مرفوعاً وموقوفاً. (٢) أخرجه أحمد (٢٣١٣٦)، والبخاري (٤١٢٩)، ومسلم (٨٤٢) من طريق يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن شهد رسول الله # يوم ذات الرقاع .. ، ويزيد بن رومان هو أبو رَوْح الأسدي المدني مولى آل الزبير، كان عالماً كثير الحديث مات سنة (١٣٠ هـ). تهذيب التهذيب ٤١١/٤ . (٣) في التمهيد ٢٦٢/١٥-٢٦٤، وما قبله منه. (٤) في الأم ١/ ٢١١ . (٥) في (د) و (ظ): للقياس. (٦) التمهيد ٢٦٤/١٥. (٧) ينظر التمهيد ٢٦٩/١٥، والمفهم ٤٧٠/٢. (٨) في (ظ): قال النبي # وفي (د): قال: قال*، وفي (ز): قال #، والمثبت من (م)، وهو الموافق لمصادر التخريج. ٩٩ سورة النساء: الآية ١٠٢ صلاةَ الخوفِ بإحدى الطائفتينِ ركعةً، والطائفةُ الأخرى مواجهةُ العدوِّ، ثم انصرفوا، وقاموا مقامَ أصحابِهم مقبلين على العدوّ، وجاءَ أولئك، ثم صلَّى بهم النبيُّ﴾ ركعةً، ثم سلَّم النبيُّ ◌َ﴾، ثم قضى هؤلاء ركعةً وهؤلاء ركعةً، وقال ابن عمر: فإذا كان خوفٌ أكثرَ مِنْ ذلك صلَّى(١) راكباً أوقائماً؛ يومئُ إيماءً، أخرجه البخاريُّ ومسلم ومالكٌ وغيرُهم(٢). وإلى هذه الصفةِ ذهب الأوزاعيُّ، وهو الذي ارتضاه أبو عمرَ بنِ عبد البَرّ (٣)، قال: لأنَّه أصحُها إسناداً، وقد ورد بنقلِ أهلِ المدينة، وبهم الحجةُ على من خالفهم، ولأنَّه أشبهُ بالأصول، لأنَّ الطائفةَ الأولى والثانيةَ لم يقضُوا الركعةَ إلَّا بعدَ خروج النبيِّ ﴾ منَ الصلاة، وهو المعروفُ من سُنَّته المجتَمعِ عليها في سائر الصلوات. وأمْا الكوفيون - أبو حنيفةَ وأصحابُه إلَّا أبا يوسف القاضيَ يعقوبَ - فذهبوا إلى حديث عبدِ الله بن مسعود(٤) - أخرجه أبو داود والدار قطني - قال: صلَّى رسول الله ﴾ صلاةَ الخوفِ، فقاموا صفَّين؛ صفًّا خلفَ النبيِّ ◌َ﴾، وصفًّا مستقبِلَ العدوِّ، فصلَّى بهم النبيُّ # ركعةٌ، وجاءَ الآخرون، فقاموا مقامَهم، واستقبلَ هؤلاء العدوَّ، فصلِّى بهم رسولُ اللهِ ﴿، ثم سلَّم، فقام هؤلاء فصلَّوا لأنفسهم ركعةً، ثم سلَّموا، ثم ذهبوا؛ فقاموا مقامَ أولئك مستقبلي(٥) العدوِ، ورجع أولئك إلى مقامهم، فصلَّوا لأنفسهم ركعةً، ثم سلَّموا(٦). وهذه الصفةُ والهيئةُ هي الهيئةُ المذكورةُ في حديثِ ابنِ عمرَ إلّا أنَّ بينهما فرقاً ؛ (١) في النسخ: فصلى، والمثبت من (م)، والذي في مصادر التخريج: فصلِّ. (٢) صحيح البخاري (٩٤٣) (٤١٣٣)، وصحيح مسلم (٨٣٩): (٣٠٥) (٣٠٦)، والموطأ ١/ ١٨٤، وأخرجه أيضاً أحمد (٦٣٥١)، وليس عنده قول ابن عمر ﴾. (٣) في التمهيد ٢٦٩/١٥، ٢٧٦، وينظر المفهم ٢/ ٤٧٠ . (٤) ينظر التمهيد ٢٧٠/١٥، والمفهم ٤٧١/٢ . (٥) في (د) و(م): مستقبلين، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لمصادر التخريج. (٦) سنن أبي داود (١٢٤٤)، وسنن الدارقطني (١٧٨٤)، وهو عند أحمد (٣٥٦١). ١٠٠ سورة النساء: الآية ١٠٢ وهو أنَّ قضاءَ أولئك في حديث ابن عمرَ يظهرُ أنَّه في حالةٍ واحدةٍ، ويبقى الإمامُ كالحارسِ وحده، وها هنا قضاؤهم متفرِّقٌ على صفةٍ صلاتهم. وقد تأوَّل بعضهم حديثَ ابن عمرَ على ما في(١) حديث ابنِ مسعود . وقد ذهب إلى حديث ابن مسعودٍ الثوريُّ - في إحدى الروايات الثلاثِ عنه - وأشهبُ بنُ عبد العزيز فيما ذكرَ أبو الحسن اللخميُّ عنه، والأولُ(٢) ذكره أبو عمر، وابن يونس، وابنُ حبیب عنه. وروى أبو داود من حديث حذيفةً وأبي هريرةً وابنٍ عمرَ: أنَّه عليه الصلاة والسلام صلَّى بكل طائفةٍ ركعةً، ولم يقضوا(٣)، وهو مقتضى حديثِ ابنِ عباس: وفي الخوفِ ركعةٌ، وهذا قولُ إسحاق(٤). وقد تقدَّم في ((البقرة))(٥) الإشارةُ إلى هذا، وأنَّ الصلاةَ أولى ما(٦) احتيظَ لها، وأنَّ حديثَ ابنِ عباس لا تقومُ به حجةٌ. وقوله في حديث حذيفةً وغيرهٍ: ولم يقضوا؛ أي: في علم منْ رَوى ذلك، لأنه قد رُوي أنهم قَضَوا ركعةً في تلكَ الصلاةِ بعينها، وشهادةُ من زادَ أَوْلى. ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ: لم يقضوا، أي: لمْ يَقْضوا إذْ(٧) أمِنوا، وتكون فائدةُ(٨) أنَّ الخائفَ إذا أَمِنَ لا يقضي ما صلى على تلك الهيئةِ من الصلواتِ في الخوف، قال جميعَه أبو عمر. (١) في (د) و(م): على ما جاء في، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق للمفهم ٢/ ٤٧١ ، والكلام منه، وينظر إكمال المعلم ٢٢٢/٣ . (٢) أي قول أشهب الموافق لحديث ابن عمر ﴾ السابق، وينظر التمهيد ٢٦٩/١٥، والنوادر والزيادات ٤٨٣/١، والمحرر الوجيز ١٠٦/٢. (٣) سنن أبي داود (١٢٤٦) من حديث حذيفة، قال أبو داود بإثره: وكذا رواه عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة، وكذلك رواه سماك الحنفي عن ابن عمر، وقد سلف تخريج هذه الأخبار ص٨٨ من هذا الجزء . (٤) ينظر المفهم ٣٢٨/٢، ٤٧٣ وحديث ابن عباس سلف ص٧٣ من هذا الجزء. (٥) ١٩٩/٤ - ٢٠١ . (٦) في (م): بما، وينظر التمهيد ٢٧٣/١٥ . (٧) في (د) و (م): إذا. (٨) كذا في النسخ، والذي في التمهيد: فائدته.