النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة النساء: الآيات ٩٥ - ٩٩
والدرجات(١) منازلُ بعضُها أعلى من بعض. وفي الصحيح عن النبيِّ #: ((إن في
الجنة مئةً درجةٍ؛ أعدَّها الله للمجاهدين في سبيله، بين الدرجتين كما بين السماء
والأرض))(٢).
﴿وَكُلَّ وَعَدَ اَللَّهُ الْحُسْنَىَّ﴾ ((كُلَّ)) منصوب بـ ((وَعَدَ))، و((الحُسْنَى)) الجنة؛ أي: وعد
الله كلَّا الحسنى. ثم قيل: المراد بـ ((كل)) المجاهدون خاصةً. وقيل: المجاهدون
وأولو الضرر(٣). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَّهُمُ الْمَلَكَةُّ ◌َالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا
مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأَوْلَكَ مَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمٌ
وَسَآءَتْ مَصِيرًا ◌ْ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا
٩٩
فَأَوْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمَّ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًا غَفُورًا
بَهْتَدُونَ سَبِيلًا
المراد بها جماعةٌ من أهل مكةً كانوا قد أسلموا، وأظهروا للنبيِّ # الإيمانَ به،
فلما هاجر النبيُّ ﴿ أقاموا مع قومِهم، وفُتِن منهم جماعةٌ فافتتنوا، فلما كان أمرُ بَذْرٍ
خرج منهم قومٌ مع الكفار، فنزلت الآية (٤).
وقيل: إنهم لمَّا استحقَروا عددَ المسلمين؛ دخلهم(٥) شكٌّ في دينهم، فارتدُّوا،
فقُتِلوا على الرِّدَّة، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين(٦)، وأُكرِهوا على
الخروج، فاستغفروا لهم؛ فنزلت الآية(٧). والأول أصحّ.
روى البخاريُّ عن محمد بن عبد الرحمن قال: قُطِع على أهل المدينةِ بَعْثٌ،
(١) في (م): فالدرجات.
(٢) أخرجه أحمد (٨٤١٩)، والبخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٨٣/١ - ٤٨٤ .
(٤) أسباب النزول للواحدي ص١٦٩ - ١٧٠، والمحرر الوجيز ٩٩/٢، وعنه نقل المصنف.
(٥) في (د) و(ز): دخل، والمثبت من (ظ) و(م).
(٦) في النسخ: مسلمون، والمثبت من (م).
(٧) ينظر تفسير أبي الليث ١/ ٣٨١، وتفسير الطبري ٣٨١/٧، والمحرر الوجيز ٩٩/٢.

٦٢
سورة النساء: الآيات ٩٧ - ٩٩
فاكْتُتِبْتُ فيه، فلَقِيتُ عِكرمةَ مولى ابنِ عباس فأخبرتُه، فنهاني عن ذلك أشدَّ النَّهي، ثم
قال: أخبرني ابنُ عباس أنَّ ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يُكَثِّرون سَوادَ
المشركين على عهد رسولِ اللهِ﴾، يأتي السهمُ فِيُرْمَى به(١)، فيصيبُ أحدَهم، فيقتلُه
أو يُضربُ فيُقتلُ؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢).
قوله تعالى: ﴿تَوَفَّهُمُ الْمَلَكَةُ﴾ يحتملُ أنْ يكونَ فعلاً ماضياً لم يستند بعلامة
تأنيث، إذ تأنيثُ لفظِ الملائكة غيرُ حقيقي، ويحتملُ أنْ يكونَ فعلاً مستقبلاً على معنى
تتوفاهم، فحُذفت إحدى التاءين. وحكى ابن فُورَك عن الحسن أنَّ المعنى: تحشُرُهم
إلى النار. وقيل: تقبضُ أرواحَهم(٣)، وهو أظهرُ.
وقيل: المراد بالملائكة مَلكُ الموت؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَوَفَّكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى
ؤُكِلَ بِكُمْ﴾ (٤) [السجدة: ١١].
و﴿ظَالِيّ أَنْفُسِهِمْ﴾ نصب على الحال، أي: في حال ظلمِهم أنفسَهم، والمراد:
ظالمين أنفسَهم، فحذَف(٥) النونَ استخفافاً وأضاف؛ كما قال تعالى: ﴿هَدْيَا بَلِغَ
[المائدة: ٩٥].
(٦)
الكعبةِ﴾
وقولُ الملائكة: ﴿فِمَ كُمْ﴾ سؤالُ تقریرٍ(٧) وتوبيخ، أي: أكنتم في أصحاب
(١) في (د) و(ز): يرمى بهم، والمثبت من (ظ) و(م).
(٢) صحيح البخاري (٤٥٩٦)، ومحمد بن عبد الرحمن هو أبو الأسود القرشي، يتيم عروة بن الزبير، كان
أبوه أوصى به إليه، معدود في صغار التابعين، مات سنة بضع وثلاثين ومئة. السير ٦/ ١٥٠، وقوله:
بعثٌ؛ أي جيش، وذلك أنهم أُلزموا في خلافة عبد الله بن الزبير بإخراجهم لقتال أهل الشام، فسأل
محمد عكرمة عن ذلك، فنهاه بأن لا يكثر سواد هذا الجيش، وإن كان لا يريد موافقتهم محتجاً بأن الله
ذَّ من كثر سواد المشركين مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم ينظر فتح الباري ٢٦٣/٨ .
(٣) المحرر الوجيز ١٠٠/٢.
(٤) ينظر تفسير البغوي ١/ ٤٦٩ .
(٥) في (د): فحذفت.
(٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٨٤/١، وتفسير البغوي ٤٦٩/١، والمحرر الوجيز ١٠٠/٢.
(٧) في (م): تقريع.

٦٣
سورة النساء: الآيات ٩٧ - ٩٩
النبيِّ ﴾، أم كنتم مشركين؟ وقولُ هؤلاء: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضَّ﴾ يعني مكةَ، اعتذارٌ
غيرُ صحيح؛ إذْ كانوا يستطيعون الحِيَلَ، ويهتدون السبيلَ، ثم وقَفتهم الملائكةُ على
ذنبهم(١) بقولهم: ﴿أَلَمْ تَكُنَّ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً﴾.
ويفيدُ هذا السؤالُ والجوابُ أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم
الهجرةَ، وإلّا؛ فلو ماتوا كافرين لم يُقَل لهم شيءٌ من هذا، وإنما أُضرِبَ عن ذكرهم
في الصحابة لشدَّة ما واقعوه، ولعدم تعيُّنِ أحدِهم بالإيمان، واحتمالٍ رَّتِه. والله
أعلم.
ثم استثنى تعالى منهم - من الضمير الذي هو الهاءُ والميم في: ((مَأْوَاهُمْ)) - مَن
كان مستضعَفاً حقيقةً مِن زَمْنَى الرجالِ وضَعَفةِ النساءِ والولدان؛ كعيَّاش بنِ أبي ربيعةً
وسَلَمَةَ بنِ هشام وغيرِهم(٢) الذين دعا لهم الرسولُ ﴾(٣).
قال ابن عباس: كنتُ أنا وأُمي ممن عنَى اللهُ بهذه الآيةِ(٤). وذلك أنه كان
من الولدان إذ ذاك، وأُّه هي أمُّ الفضلِ بنتُ الحارثِ، واسمُها لُبابةُ، وهي أختُ
ميمونةَ، وأختُها الأخرى لبابةُ الصغرى، وهنَّ تسعُ أَخواتٍ، قال النبيُّ :﴿ فيهن :
((الأخواتُ مؤمناتٌ))(٥)، ومنهنَّ سلمى والعصماء(٦) وحُفَيْدَة، ويقال في حُفَيْدَة: أمُّ
(١) في (د) و(ز) و(م): دينهم، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٢/ ١٠٠، والكلام منه.
(٢) ينظر المحرر الوجيز ١٠٠/٢.
(٣) أخرج أحمد (١٠٠٧٢)، والبخاري (٤٥٩٨)، ومسلم (٦٧٥) عن أبي هريرة قال: بينا النبي #
يصلي العشاء؛ إذ قال: ((سمع الله لمن حمده))، ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نجِّ عياش بن أبي ربيعة،
اللهمَّ نجِّ سَلَمَةَ بنَ هشام، اللهم نجِّ الوليد بنَ الوليد ... ))
(٤) أخرجه البخاري (٤٥٨٨) و(٤٥٩٧).
(٥) أخرجه النسائي في الكبرى (٨٣٢٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه: ((الأخوات
مؤمنات: ميمونة زوج النبي ﴾، وأم الفضل بنت الحارث، وسلمى امرأة حمزة، وأسماء بنت عُميس
أختهن لأمهن». وصحح إسناده الحافظ في الإصابة ١٣/ ١٤٠، وأورده في ترجمة لبابة في تهذيب
التهذيب ٦٨٧/٤ - ٦٨٨، ونسبه الدراوردي، بلفظ: ((الأخوات الأربع مؤمنات ... ))
(٦) سماها ابن عبد البر في الاستيعاب ١٤٥/١٣: عصمة، وذكر الحافظ في الإصابة ١١٢/١٣ في ترجمة
لبابة الصغرى أنها تلقب بالعصماء، وينظر الاستيعاب ٢٠١/١٢ - ٢٠٣، و١٤٤/١٣ - ١٤٧.

٦٤
سورة النساء: الآيات ٩٧ - ٩٩
حُفَيْد (١)، واسمها هُزَيْلَة، وهنَّ(٢) ستُّ شقائقَ، وثلاثٌ لأم؛ وهنَّ: سلمى،
وسلامة، وأسماء بنتُ عُميس الخَثْعَمِيَّةُ امرأةٌ جعفر بن أبي طالب، ثم امرأةٌ أبي بكر
الصدِّيق، ثم امرأةٌ عليٍّ رضي الله عنهم أجمعين.
قوله تعالى: ﴿فِيمَ كُمْ﴾ سؤالُ توبيخٍ، وقد تقدَّم(٣). والأصل: ((فيما»، ثم
حذفت الألفُ فرقاً بين الاستفهام والخبر، والوقفُ عليها: ((فِيمه))(٤)؛ لئلا تُحذفَ
الألفُ والحركة.
والمراد: بقوله: ﴿أَلَمّ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً﴾ المدينة؛ أي: ألم تكونوا متمكِّنين
قادرينَ على الهجرة والتباعدِ ممن كان يَستضعِفُكم؟! وفي هذه الآيةِ دليلٌ على هِجْران
الأرضِ التي يُعمل فيها بالمعاصي.
وقال سعيد بن جبير: إذا عُمِل بالمعاصي في أرضٍ فاخرُجْ منها؛ وتلا: ﴿أَلَمْ تَكُنٌ
أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِيَّ﴾ (٥).
ورُوي عن النبيِّ ﴿ أنه قال: ((مَنْ فَرَّ بِدينه من أرضٍ إلى أرضٍ وإنْ كان شِبراً؛
استوجبَ الجنةَ، وكان رفيقَ إبراهيمَ ومحمدٍ)) عليهما السَّلام(٦).
﴿فَلَكَ مَأْوَنُهُمْ جَهٌَّ﴾ أي: مثواهم النارُ. وكانت الهجرةُ واجبةً على كلِّ مَن
أسلم. ﴿وَسَآَتْ مَصِيرًا﴾ نصبٌ على التفسير.
(١) جاء اسم حُفَيْدة في رواية مسلم (١٩٤٦): (٤٤)، وأم حُفَيْد، مصغر، بغير هاء، في الرواية التي تليها
(١٩٤٦): (٤٥)، وهو الصواب، كما ذكر أبو العباس في المفهم ٢٣٣/٥، وذكر أن ما عدا ذلك
اضطراب من الرواة.
(٢) في (د) و(م): هن، والمثبت من (ز) و(ظ).
(٣) قريباً.
(٤) قرأ بها من السبعة البزي بخلف عنه، ومن العشرة يعقوب. التيسير ص٦١ -٦٢، والنشر ١٣٤/١.
وينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٨٤/١، وما سلف ٢٥٤/٢ .
(٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات ٦/ ٢٦٢، والطبري في تفسيره ٤٣٣/١٨.
(٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٦٠/٨ لابن مردويه من حديث أبي الدرداء ، وعزاه الحافظ في
تخريج أحاديث الكشاف ص٤٨ للثعلبي عن الحسن مرسلاً.

٦٥
سورة النساء: الآيات ٩٧ - ١٠٠
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ﴾ الحِيلةُ لفظٌ عامّ لأنواع أسبابِ التخلُّص.
والسَّبيلُ سبيلُ المدينةِ؛ فيما ذكر مجاهدٌ والسُّدِّيُّ وغيرُهما، والصوابُ أنه عامّ
في جميع السُّبُل(١).
وقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾؛ هذا الذي لا حيلةَ له في الهجرة
ا(٢) ذنبَ له حتى يُعفى عنه؛ ولكنَّ المعنى: أنه قد يُتوهم أنه يجبُ تحمُّلُ غايةٍ
المشقَّةِ في الهجرة، حتى إنَّ مَن لم يتحمَّلْ تلك المشقةَ يعاقَب، فأزال اللهُ ذلك
الوهمَ؛ إذْ لا يجبُ تحمُّلُ غايةِ المشقَّةِ، بل كان يجوزُ تركُ الهجرةِ عندَ فقدِ الزاد
والراحلةِ(٣). فمعنى الآيةِ: فأولئك لا يُستقصى عليهم في المحاسبة؛ ولهذا قال:
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. والماضي والمستقبلُ في حقّه تعالى واحدٌ، وقد تقدّم(٤).
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُّهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَغَمَّا كَثِيرًا وَسَمَةٌ وَمَن
يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُ الْوَّتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُؤُ عَلَى اللّهُ
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
فيه خمسُ مسائلَ :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُّهَاجِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ﴾ شرطٌ وجوابُه. ﴿فِىِ الْأَرْضِ
مُرَغَمًا﴾ اختُلِف في تأويل المُراغَمِ؛ فقال مجاهد: المراغَم: المتزَحْزَح.
وقال ابن عباسٍ والضحاك والربيع وغيرُهم: المراغم: المتحوَّل والمَذْهَب.
وقال ابن زيد: والمُراغَم: المهاجَرُ؛ وقاله أبو عبيدةً(٥). قال النحاس(٦): فهذه
(١) في (ز) و(ظ): السبيل، والمثبت من (د) و(م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١٠٠/٢، والكلام منه،
وأخرج أثر مجاهد والسّدي الطبريُّ ٧/ ٣٩٠ - ٣٩١.
(٢) في (د) و(ز): ولا، والمثبت من (ظ) و(م).
(٣) ينظر تفسير الرازي ١٣/١١ - ١٤.
(٤) ٢ / ٢٥٣ .
(٥) في مجاز القرآن ١٣٨/١، وأخرج الآثار السالفة الطبري ٣٩٩/٧ - ٤٠١ .
(٦) في إعراب القرآن ١/ ٤٨٤ - ٤٨٥ .

٦٦
سورة النساء: الآية ١٠٠
الأقوالُ متفِقةُ المعاني. فالمُراغَم: المذهبُ والمتحوَّلُ في حالِ هجرةٍ، وهو اسمُ
الموضعِ الذي يُراغَم فيه، وهو مشتقّ من الرَّغام. ورَغِم أنفُ فلانٍ، أي: لَصِقَ
بالتراب. وراغمتُ فلاناً: هجَرتُه وعاديتُه، ولم أُبالٍ إنْ رغِم أنفُه.
وقيل: إنما سمِّي مُهاجَراً ومُراغَماً؛ لأنَّ الرجلَ كان إذا أسلم عادى قومَه
وهجرَهم (١)، فسُمِّيَ خروجُه مُراغَماً، وسُمِّيَ مصيرُهُ (٢) إلى النبيِّ ﴾ هجرةً(٣).
وقال السُّدِّي: المُراغَم المبتغَى للمعيشة (٤). وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً
يقول: المُراغَم: الذهابُ في الأرض(٥).
وهذا كلُّه تفسيرٌ بالمعنى، وكلُّه قريبٌ بعضُه من بعض؛ فأما الخاصُّ باللفظة؛ فإنَّ
المراغَمَ موضعُ المراغَمة كما ذكرنا، وهو أنْ يُرْغِم كلُّ واحدٍ من المتنازعَين أنفَ
صاحبه؛ بأنْ يغلبَه على مراده، فكأنَّ كفارَ قريشٍ أرغَموا أنوفَ المحبوسين بمكة، فلو
هاجر منهم مهاجِرٌ؛ لأَرغم أنوفَ قريشٍ لحصوله في مَنَعةٍ منهم، فتلك المنعَةُ هي
موضعُ المُراغمةِ(٦). ومنه قولُ النابغة:
كطَوْدِ يُلاذُ بِأركانِه
عَزِيزِ المُراغَمِ والمَهْرَبِ(٧)
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَسَةٌ﴾، أي: في الرزق؛ قاله ابن عباس والربيع
والضخَّاك. وقال قتادة: المعنى: سَعَةً من الضلالة إلى الهدى، ومن العَيْلَةِ إلى الغِنَى.
وقال مالك: السَّعَةُ سَعَةُ البلادِ. وهذا أشبهُ بفصاحة العرب؛ فإنَّ بسعة الأرضِ
وكثرةِ المعاقلِ تكونُ السَّعةُ في الرزق، واتساعُ الصدر لهمومه وفِگره، وغير ذلك من
(١) قوله: وهجرهم، من (ظ) و(م).
(٢) في (ظ): مسيره.
(٣) ينظر تفسير أبي الليث ١/ ٣٨٢، وتفسير البغوي ١/ ٤٧٠.
(٤) أخرجه الطبري ٧ / ٤٠١ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤٨٣/١ .
(٦) المحرر الوجيز ٢/ ١٠٠.
(٧) ديوان النابغة الجعدي ص٣٣، وقوله: كطود، أي: كجبل، القاموس (طود).

سورة النساء: الآية ١٠٠
وجوه الفرَج(١). ونحوُ هذا المعنى قولُ الشاعر:
وجدتُ ورَايَ مُنْفَسَحاً عَرِيضًا (٢)
وكنتُ إذا خلِيلٌ رَامَ قَطْعي
آخر :
لكان لي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ في الأرض ذاتِ الظُولِ والعَرْضِ(٣)
الثالثة: قال مالك: هذه الآيةُ دالَّةٌ على أنه ليس لأحدِ المُقامُ بأرض يُسَبُّ فيها
السَّلَفُ، ويُعملُ فيها بغير الحقِّ. وقال: والمُرَاغَم الذهابُ في الأرض(٤)، والسَّعَةُ
سَعَةُ البلادِ على ما تقدم(٥). واستدل أيضاً بعضُ العلماء بهذه الآيةِ على أنَّ للغازي
- إذا خرج إلى الغَزْوِ، ثم مات قبلَ القتالِ - سهمه(٦) وإنْ لم يَحضُر الحربَ(٧)؛ رواه
ابن لَهِيعةَ عن يزيد بن أبي حبيبٍ عن أهل المدينةِ، ورُوِي ذلك عن ابن المبارك
أيضاً(٨).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ.) الآية. قال عِكرمة
مولى ابنِ عباس: طلبتُ اسمَ هذا الرجلِ أربعَ عشرةَ سنةً حتى وجدتُهُ(٩). وفي قول
(١) في (ز) و(ظ)، والمحرر الوجيز ٤٠١/٢: الفرح، والكلام منه بنحوه، وأخرج الأقوال الطبري
٧/ ٤٠٢ .
(٢) المحرر الوجيز ١٠١/٢، وورد البيت في أمالي القالي ٤٦/١، والأغاني ٢٦٥/٤، وزهر الآداب
القيرواني ١٦٨/١، وزهر الأكم للحسن اليوسي ٢٧١/١ دون نسبة، وروايته في الأمالي وزهر الأكم:
حبيبٌ رام صَرمي، ورواية زهر الآداب: حبيب رام هجري.
(٣) قائله حطان بن المعلى الطائي، والبيت في عيون الأخبار ٣/ ٩٥، وأمالي القالي ١٨٩/٢، وشرح
ديوان الحماسة للتبريزي ١٥٣/١، وبهجة المجالس ٣/ ٧٧٠ ، وقبله:
لولا بنيَّاتٌ كزَغب القَطا
حططن من بعضٍ إلى بعضٍ
(٤) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٨٣ - ٤٨٤، والمحرر الوجيز ١٠١/٢ .
(٥) في المسألة الأولى والثانية.
(٦) في (ظ) و(م): له سهمه.
(٧) ينظر تفسير الرازي ١٦/١١، والمحرر الوجيز ١٠٢/٢.
(٨) تفسير الطبري ٧/ ٤٠٣ .
(٩) سلف ٤٦/١ .

٦٨
سورة النساء: الآية ١٠٠
عِكرمة هذا دليلٌ على شرف هذا العلم قديماً، وأنَّ الاعتناءَ به حَسَنٌ، والمعرفةَ به
فضلٌ؛ ونَحْوٌ منه قولُ ابنِ عباس: مكثتُ سنتين(١) أريدُ أنْ أسألَ عمرَ عن المرأتينِ
اللتينِ تظاهرتا على رسولِ الله ﴾، ما يمنعني إلا مهابتُه(٢).
والذي ذكره عِكرمةُ هو ضَمْرة بنُ العِيص، أو العِيصُ بنُ ضمرةَ بن زِنْبَاع (٣)؛
حکاه الطبرئُّ عن سعيد بن جبير.
ويقال فيه: ضُمَيرةُ أيضاً. ويقال: جُنْدَع(٤) بنُ ضَمْرة من بني ليث، وكان من
المستضعَفين بمكة، وكان مريضاً، فلما سَمع ما أنزل الله في الهجرة قال:
أخرجوني؛ فهيئ له فرس(٥)، ثم وُضِع عليه، وخَرج به، فمات في الطريق
بالتَّنْعيم(٦)، فأنزل الله فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا﴾ الآية.
وذكر أبو عمر (٧): أنه قد قِيل فيه: خالد بنُ حِزَام بنٍ خُوَيْلد ابن أخي خديجةً،
وأنه هاجر إلى أرض الحبشةِ، فنهشتْه حيَّةٌ في الطريق، فمات قبل أنْ يبلغَ أرضَ
الحبشةِ؛ فنزلت فيه الآية، والله أعلم.
وحكى أبو الفرج الجَوْزِيُّ أنه حبيب بنُ ضمرة(٨).
وقيل: ضمرة بن جُنْدب الضَّمريُّ؛ عن السدِّي(٩).
٠٠
(١) في (ظ) و(م): سنين .
(٢) بنحوه في البخاري (٤٩١٥)، وسلف ١/ ٤٧ .
(٣) في (د) و(ز): ربيع، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق لتفسير الطبري ٣٩٣/٧.
(٤) في النسخ: جندح، والمثبت من (م)، وينظر تفسير أبي الليث ٣٨٢/١، وتفسير الطبري ٣٩٧/٧.
(٥) في (د) و(ز) و(م): فراش. والمثبت من (ظ). وجاء في المحرر الوجيز ١٠١/٢: فأخرج في سرير.
(٦) قوله: التنعيم: موضع بمكة في الحل. معجم البلدان ٤٩/٥ .
(٧) في الاستيعاب بهامش الإصابة ١٧١/٣ .
(٨) ذكر ابن الجوزي في زاد المسير ٢/ ١٨٠ - ١٨١ في ذلك ستة أقوال ليس هذا منها، وإنما ذكر هذا
القول الواحدي في أسباب النزول ص ١٧٠، ونقل المصنف ١/ ٤٧ عن ابن عبد البر أن هذه الآية نزلت
في ضمرة بن حبيب.
(٩) أخرجه الطبري ٣٩٦/٧ .

٦٩
سورة النساء: الآية ١٠٠
وحُكي عن عِكرمة أنه جندبُ بنُ ضمرةَ الجُنْدَعِيُّ(١). وحُكي عن ابن جابرٍ (٢) أنه
ضمرة بنُ بَغِيضِ الذي من بني ليث. وحكى المَهدويُّ أنه ضمرة بنُ نُعيم (٣). وقيل:
ضمرة بنُ خُزَاعَةَ، والله أعلم.
وروى معمر عن قتادةً قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَفَّهُمُ الْمَلَكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾
الآية، قال رجلٌ من المسلمين وهو مريضٌ: واللهِ ما لي من عذرٍ! إني لدليلٌ في
الطريق(٤)، وإني لَموسِر، فاحمِلوني، فحمَلوه(٥)، فأدركه الموتُ في الطريق؛ فقال
أصحاب النبيِّ﴾: لو بلغ إلينا لتَمَّ أجره؛ وقد مات بالتنعيم، وجاء بنوه إلى النبيِّ ﴾،
وأخبروه بالقصة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجٌ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا﴾ الآية(٦).
وكان اسمه ضَمْرة بنَ جُنْدب، ويقال: جُندب بنُ ضمرةً على ما تقدَّم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ
غَفُورًا﴾ لما كان منه في الشِّرك(٧). ﴿رَحِيًا﴾ حين قَبِل توبتَهُ(٨).
الخامسة: قال ابن العربي(٩): قَسم العلماء ﴾ الذهابَ في الأرض قسمين:
هرباً، وطلباً؛ فالأوَّل ينقسم إلى ستة أقسام:
الأوّل: الهجرة، وهي الخروجُ من دار الحربِ إلى دار الإسلام، وكانت فرضاً
في أيام النبيِّ ﴾، وهذه الهجرةُ باقيةٌ مفروضةٌ إلى يوم القيامةِ، والتي انقطعت بالفتح
(١) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ١٠١/٢، ووقع في المطبوع من تفسير الطبري ٣٩٦/٦:
الخزاعي، وأشير في حواشيه إلى أنه في بعض النسخ: الجندعي.
(٢) كذا في النسخ، والذي في المحرر الوجيز ١٠١/٢، والكلام منه: ابن جبير.
(٣) في (د) و(ز) و(م): ضمرة بن ضمرة بن نعيم، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٢/ ١٠١.
(٤) عبارة الطبري في تفسيره ٧/ ٣٩٤: لدليل بالطريق.
(٥) لفظة: فحملوه، من (م)، ومصادر التخريج.
(٦) تفسير الطبري ٣٩٤/١، وتفسير أبي الليث ١/ ٣٨٢.
(٧) في (م): من الشرك.
(٨) تفسير أبي الليث ١/ ٣٨٢.
(٩) في أحكام القرآن ١/ ٤٨٤ .

٧٠
سورة النساء: الآية ١٠٠
هي القصدُ إلى النبيِّ# حيث كان؛ فإنْ بقي في دار الحرب عصى؛ ويُخْتَلفُ في
حاله.
الثاني: الخروجُ من أرض البدعةِ؛ قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لا
يَحِلُّ لأحدٍ أن يُقِيمَ بأرضٍ يُسَبُّ فيها السَّلَفُ(١).
قال ابن العربي: وهذا صحيحٌّ؛ فإنَّ المنكّر إذا لم تقدر أنْ تغيِّرَه فَزُل عنه؛ قال
الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ ءَايَِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الَِّمِينَ﴾
[الأنعام: ٦٨].
الثالث: الخروجُ من أرضٍ غَلب عليها الحرامُ، فإنَّ طلبَ الحلالِ فرضٌ على كلِّ
مسلم.
الرابع: الفِرار من الإذايةِ (٢) في البدن؛ وذلك فضلٌ من الله أَرخصَ فيه، فإذا
خشيَ على نفسه؛ فقد أَذِن الله في الخروج عنه، والفِرارِ بنفسه ليخلِّصَها من ذلك
المحذور.
وأوَّلُ مَن فعلَه إبراهيمُ عليه السلام؛ فإنه لمَّا(٣) خاف من قومه قال: ﴿إِنِّ مُهَاجِرُ
إِلَى رَبِّ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقال: ﴿إِّ ذَاهِبُ إِلَى رَبِّ سَيَهْدِينٍ﴾ [الصافات: ٩٩]، وقال
مُخْبراً عن موسى: ﴿فَرَجَ مِنْهَا خَبِفًا يَتَرَقَّبٌ﴾ [القصص: ٢١].
الخامس: خوفُ المرضِ في البلاد الوَخِمةِ، والخروج منها إلى الأرض النَّزِهة.
وقد أذن ﴿ للرُّعاة حينَ استَوْخَموا المدينةَ أنْ يخرجوا إلى المَسرَح(٤)، فيكونوا فيه
حتى يصِحُوا(٥).
(١) ينظر أحكام القرآن ١/ ٤٨٤ .
(٢) في (م): الأذية.
(٣) في (د) و(ز): فإنه فعله لما.
(٤) هو الموضع الذي تسرح إليه الماشية بالغداة للرعي. النهاية (سرح). ووقع في (ظ): المسروح ..
(٥) سلف ٣/ ٤٤ .

٧١
سورة النساء: الآية ١٠٠
وقد استُثنيَ من ذلك الخروجُ من الطاعون؛ فمنع الله سبحانه منه بالحديث
الصحيحِ عن نبيه ﴿، وقد تقدَّم بيانه في ((البقرة))(١). بَيْدَ أنَّ علماءنا قالوا: هو مكروه.
السادس: الفِرارُ خوفَ الإذايةِ (٢) في المال؛ فإنَّ حُرمةَ مالِ المسلمِ كحرمة دمِهِ،
والأهل مثلُه وأوكد(٣).
وأما قِسم الطلبٍ فينقسم قسمين :
طلب دِينٍ، وطلب دُنْيا؛ فأما طلبُ الدينِ؛ فيتعدَّدُ بتعدُّد أنواعِه إلى تسعة أقسام:
الأوّل: سفرُ العِبرة؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِ اَلْأَرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الروم: ٩]، وهو كثيرٌ. ويقال: إنَّ ذا القرنين إنما طاف الأرضَ(٤)
ليرى عجائبَها. وقيل: لينفذ الحقَّ فيها.
الثاني: سفرُ الحجِّ. والأولُ وإنْ كان ندباً؛ فهذا فرضٌ.
الثالث: سفرُ الجهاد، وله أحکامُه.
الرابع: سفرُ المعاشِ؛ فقد يتعذّر على الرجلِ معاشُه مع الإقامة، فيخرُجُ في طلبه
لا يزيدُ عليه؛ من صيدٍ أو احتطاب أو احتشاشٍ؛ فهو فرضٌ عليه.
الخامس: سفرُ التجارةِ والكسبِ الزائد على القُوت، وذلك جائزٌ بفضل اللهِ
سبحانه وتعالى؛ قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن
زَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. يعني التجارةَ، وهي نِعمةٌ مَنَّ الله بها في سفر الحج، فكيف
إذا انفردت؟
السادس: في طلب(٥) العِلم، وهو مشهورٌ.
(١) ٤ / ٢١٢ .
(٢) في (م): الأذية.
(٣) في أحكام القرآن ٤٨٦/١: أو آكد.
(٤) لفظة: الأرض، من أحكام القرآن.
(٥) في (ظ): السفر في طلب.
..-----

٧٢
سورة النساء: الآيتان ١٠٠ - ١٠١
السابع: قصدُ البِقاع؛ قال ﴿: ((لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ))(١).
الثامن: الثغورُ للرِّباط بها؛ وتكثيرٍ سوادِها للذَّبِّ عنها.
التاسع: زيارةُ الإخوانِ في الله تعالى(٢)؛ قال رسول الله ﴾: ((زار رجلٌ أخاً له
في قريةٍ، فأرصدَ الله له مَلَكاً على مَدْرَجَتِّهِ، فقال: أين تريد؟ فقال: أريدُ أخاً لي في
هذه القريةِ، قال: هل لك مِن نعمةٍ تَرُبُّها عليه؟ قال: لا، غيرَ أني أحببتُه في الله عزَّ
وجلَّ، قال: فإني رسولُ اللهِ إليك بأنَّ(٣) الله قد أحبَّك كما أحببتَه فيه)). رواه مسلم(٤)
وغيره.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِى الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ
◌ِخِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَفِينَ كَانُوْ لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا
فيه عشر مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿ضَرَبْتُمْ﴾ سافرتم، وقد تقدَّم(٥).
واختلف العلماء في حكم القصرِ في السفر؛ فروي عن جماعةٍ أنه فرضٌ، وهو
قولُ عمرَ بنِ عبد العزيز والكوفيينَ والقاضي إسماعيلَ وحماد بنِ أبي سليمان.
واحتجُّوا بحديث عائشةَ رضي الله عنها: ((فُرضت الصلاة ركعتين ركعتين))،
الحديث(٦)، ولا حجَّةَ فيه لمخالفتها له، فإنها كانت تُتمُّ في السفر(٧)، وذلك
(١) قطعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه أحمد (٧١٩١)، والبخاري (١١٨٩)، ومسلم
(١٣٩٧).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤٨٦/١.
(٣) في (د) و(ز): فإن.
(٤) برقم (٢٥٦٧) من حديث أبي هريرة ﴾، وأخرجه أيضاً أحمد (٩٩٥٨)، قوله: مَدْرجته: هو الموضع
التي يُدرَج فيها؛ أي: يُمشى. وقوله: تربُّها، أي: تحفظُها وتُراعيها وتُربِّيها. النهاية (درج) (ربب).
(٥) ص ٤٥-٤٦ من هذا الجزء.
(٦) سلف ٤/ ١٢٧.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (٤٤٦٢)، وابن أبي شيبة ٤٥٢/٢ .

٧٣
سورة النساء: الآية ١٠١
يُوهِنُهُ(١)، وإجماع فقهاءِ الأمصارِ على أنه ليس بأصلٍ يُعتبرُ في صلاة المسافرِ خلفَ
المقيم(٢)؛ وقد قال غيرُها من الصحابة؛ كعمرَ وابنِ عباس وُجُبير بن مُطعِم: إنَّ
الصلاة فُرِضت في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً. رواه مسلم
عن ابن عباس(٣).
ثم إنَّ حديثَ عائشةَ قد رواه ابنُ عَجْلان عن صالح بن كَيْسانَ، عن عُروةً، عن
عائشة قالت: فرض رسولُ اللهِ﴾ الصلاةَ ركعتين ركعتين.
وقال فيه الأوزاعيُّ: عن ابن شهابٍ عن عروةً عن عائشةَ قالت: فَرضَ الله
الصلاةَ على رسول اللـهِ ﴾ ركعتين ركعتين؛ الحديث، وهذا اضطرابٌ. ثم إنَّ قولَها:
فُرضت الصلاة، ليس على ظاهره؛ فقد خَرج عنه صلاةُ المغربِ والصُّبحِ؛ فإنَّ
المغربَ ما زِيد فيها ولا نُقص منها، وكذلك الصبحُ، وهذا كلُّه يضعِّف متنَه لا
سندَهُ(٤). وحكى ابنُ الجَهْمِ: أنَّ أشهبَ روى عن مالكِ: أنَّ القصرَ فرضٌ، ومشهورُ
مذهبهِ وجُلِّ أصحابِه وأكثرِ العلماء من السلف والخلفِ أنَّ القصْرَ سُنَّةٌ، وهو قولُ
الشافعيّ(٥)، وهو الصحيحُ على ما يأتي بيانه إن شاء الله.
ومذهب عامَّةِ البغداديين من المالكيين أنَّ الفرضَ التخييرُ؛ وهو قولُ أصحابٍ
الشافعيِّ.
ثم اختلفوا في أيُّهما أفضلُ؛ فقال بعضهم: القصر أفضلُ؛ وهو قولُ الأبْهَريّ(٦)
وغيره.
وقيل: إنَّ الإِتمامَ أفضلُ؛ وحُكيَ عن الشافعيِّ(٧).
(١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤٨٨/١، والمفهم ٣٢٣/٢ - ٣٢٤.
(٢) التمهيد ١٧٤/١١ .
(٣) المفهم ٣٢٣/٢، والحديث في صحيح مسلم (٦٨٧).
(٤) ينظر التمهيد ٢٩٣/١٦ - ٢٩٤.
(٥) المفهم ٢/ ٣٢٤.
(٦) هو محمد بن عبد الله أبو بكر الأبهري الكبير.
(٧) المفهم ٣٢٤/٢.

٧٤
سورة النساء: الآية ١٠١
وحَكى أبو سعيدِ القَزوينيُّ (١) المالكيُّ أنَّ الصحيحَ في مذهب مالكِ التخييرُ
للمسافر في الإتمام والقصر.
قلت: وهو الذي يظهرُ من قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُوا مِنَ
الصَّلَوَةِ﴾ إلا أنَّ مالكاً رحمه الله يَستحِبُّ له القصرَ، وكذلك(٢) يَرى عليه الإعادةَ في
الوقت إنْ أَتمَّ.
وحكى أبو مُصْعَبٍ في مختصره عن مالكِ وأهلِ المدينةِ قال: القصرُ في السفر
للرجال والنساء سُنَّةٌ(٣).
قال أبو عمر (٤): وحسبُك بهذا في مذهب مالكٍ، مع أنه لم يَختلِفْ قوله: إنَّ مَن
أتمَّ في السفر يعيدُ ما دام في الوقت؛ وذلك استحبابٌ عند مَن فَهِم، لا إيجابٌ.
وقال الشافعيُّ: القصر في غير الخوف بالسُّنَّة، وأما في الخوف مع السفرِ
فبالقرآن والسنَّةِ؛ ومَن صلى أربعاً فلا شيءَ عليه، ولا أُحبُّ لأحدٍ أن يُتِمَّ في السفر
رغبةً عن السنة.
وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: قلت لأحمدَ بنِ حنبل: للرجل أنْ يصلِّيَ في السفر أربعاً؟
قال: لا، ما يُعجبني، السنةُ ركعتان(٥).
وفي موطأ مالكٍ عن ابنِ شهابٍ، عن رجلٍ من آل خالد بن أَسِيد، أنه سأل عبد
الله بنَ عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنَّا نجِدُ صلاةَ الخوفِ وصلاةَ الحضر في
(١) في النسخ الخطية: القروي، وفي (م): الفروي، والمثبت من التمهيد ٣١٧/١٦، وهو الصواب، وهو
أحمد بن محمد بن زيد، تفقه بأبي بكر الأبهري، وهو من كبار أصحابه، له المعتمد في الخلاف،
والإلحاف في مسائل الخلاف. توفي سنة نيف وتسعين وثلاث مئه. ترتيب المدارك ٦٠٤/٤، والديباج
المذهب ١٦٢/١.
(٢) في (ظ): ولذلك.
(٣) ينظر التمهيد ١٧٥/١١، و٣١٧/١٦. أبو مصعب: هو أحمد بن القاسم الزُّهريّ.
(٤) في التمهيد ١١/ ١٧٥ .
(٥) التمهيد ١١/ ١٧٧ - ١٧٨ .

٧٥
سورة النساء: الآية ١٠١
القرآن، ولا نجدُ صلاةَ السفر؟ فقال عبد الله بنُ عمر: يا ابنَ أخي، إنَّ الله تبارك
وتعالى بعث إلينا محمداً ﴿ ولا نعلمُ شيئاً، فإنا نفعلُ كما رأيناه يفعَلُ(١).
ففي هذا الحديثِ(٢) قَصْرُ الصلاةِ في السفر من غير خوفٍ سُنَّةٌ لا فريضةٌ؛ لأنها
لا ذِكر لها في القرآن، وإنما القصرُ المذكورُ في القرآن إذا كان سفراً وخوفاً واجتمعا؛
فلم يُبِح القصرَ في كتابه إلا مع هذين الشرطين. ومثله في القرآن: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ﴾ [النساء: ٢٥] الآية، وقد تقدَّم(٣).
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَطْمَأْتَنْتُمْ فَقِيمُواْ الصَّلَوَةٌ﴾ [الآية: ١٠٣]، أي: فأَتمُّوها؛
وقصرَ رسولُ الله ﴿ من أربع إلى اثنتين إلا المغربَ في أسفاره كلِّها آمناً لا يَخافُ إلا
اللهَ تعالى؛ فكان ذلك سُنَّةً مسنونةً منه ﴾، زيادةً في أحكام اللهِ تعالى كسائر ما سنَّه
وبَّنه، مما ليس له في القرآن ذِكْرٌ (٤).
وقوله: كما (٥) رأيناه يفعل، معَ حديثٍ عمرَ حيثُ سألَ رسولَ الله ﴾ عن القصر
في السفر من غير خوفٍ؛ فقال: ((تلك صدقةٌ تصدَّقَ الله بها عليكم، فاقبلُوا صدقتَه))
يدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى قد يبيحُ الشَّيءَ في كتابه بشرطِ، ثم يُبيحُ ذلك الشيءَ على لسان
نبيِّه من غير ذلك الشَّرْطِ (٦).
وسأل [أبو] حنظلةَ ابنَ عمرَ عن صلاة السفرِ، فقال: ركعتان، قلتُ: فأين قولُه
تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ونحن آمنون؟ فقال(٧): سُنَّةُ رسولِ الله ◌ِ﴾.
(١) الموطأ ١٤٥/١ - ١٤٦، وأخرجه أيضاً أحمد (٥٦٨٣)، والرجل الذي لم يسمّ في سند الحديث هو
أمية بن عبد الله بن خالد كما سيذكر المصنف.
(٢) في (د) و(ز) و(م): الخبر، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للتمهيد ١٦٤/١١، والكلام منه.
(٣) ٢٢٨/٦.
(٤) التمهيد ١٦٥/١١ .
(٥) في النسخ: إنما، والمثبت من (م).
(٦) التمهيد ١٦٥/١١، وحديث عمر أخرجه أحمد (١٧٤)، ومسلم (٦٨٦).
(٧) في (د) و(ز) و(م): قال، والمثبت من (ظ).

٧٦
سورة النساء: الآية ١٠١
فهذا ابنُ عمرَ قد أطلقَ عليها سُنَّةً؛ وكذلك قال ابن عباس، فأين المذهبُ عنهما (١)؟.
قال أبو عمر: ولم يُقِم مالكٌ إسنادَ هذا الحديثِ؛ لأنه لم يُسمِّ الرجلَ الذي سأل
ابنَ عمر، وأَسقط من الإسناد رجلاً، والرجلُ الذي لم يسمِّه هو أمَيَّة بنُ عبد اللهِ بنِ
خالد بن أَسِيد بن أبي العِيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، والله أعلم(٢).
الثانية: واختلف العلماء في حدِّ المسافةِ التي تُقصَرُ فيها الصلاةُ؛ فقال داود:
تُقصَرُ في كلِّ سفرٍ طويلٍ أو قصير، ولو كان ثلاثةَ أميالٍ من حيثُ تؤتى الجمعة؛
متمسِّكاً بما رواه مسلمٌ عن يحيى بن يزيدَ الهُنَائِيِّ قال: سألتُ أنس بن مالكٍ عن قَصْر
الصلاة، فقال: كان رسول اللـه * إذا خرج مسيرةَ ثلاثةِ أميالٍ، أو ثلاثةٍ فراسخَ
- شُعْبَةُ الشاكُّ - صلَّى ركعتين(٣). وهذا لا حُجةَ فيه؛ لأنه مشكوٌ فيه، وعلى تقدير
أحدهما؛ فلعلَّه حدَّ المسافةَ التي بدأ منها القصر، وكان سفراً طويلاً زائداً على ذلك،
والله أعلم(٤).
قال ابن العربي: وقد تلاعبَ قومٌ بالدِّين فقالوا: إنَّ مَن خرج من البلد إلى ظاهره
قَصرَ وأكل، وقائلُ هذا أعجميٍّ لا يعرِفُ السَّفَر عندَ العربِ، أو مستخِفٍّ بالدِّين،
ولولا أنَّ العلماء ذكروه لما رضِيتُ أنْ أَلْمَحَه بمُؤْخِرٍ عيني، ولا أفكِّرَ فيه بفُصُول
قلبي(٥).
(١) التمهيد ١٦٧/١١، وحديث ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٤٧، وأحمد (٤٧٠٤)، والخطيب
في الكفاية ١/ ١٨١، وما بين حاصرتين منهما، وأبو حنظلة هو حكيم الحذاء، قال الحافظ في تعجيل
المنفعة ٤٤٤/٢: لا أعلم فيه جرحاً، وذكره ابن خلفون في الثقات، وأثر ابن عباس رضي الله عنهما
أخرجه أحمد (١٨٦٢)، وابن خزيمة (٩٥١)، وابن حبان (٢٧٥٥).
(٢) التمهيد ١٦١/١١.
(٣) صحيح مسلم (٦٩١)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٣١٣).
(٤) ينظر المفهم ٣٣٢/٢ .
(٥) أحكام القرآن ٤٨٨/١ .

٧٧
سورة النساء: الآية ١٠١
ولم يُذكَرْ (١) حدُّ السفرِ الذي يقع به(٢) الفرقُ(٣)؛ لا في القرآن ولا في السنةِ،
وإنما كان كذلك؛ لأنها كانت لفظةً عربية (٤) مستَقِرٌّ علمُها عندَ العربِ الذين خاطبهم
الله تعالى بالقرآن؛ فنحن نعلم قطعاً أنَّ مَن برز عن الدُّور لبعض الأمورِ أنه لا يكونُ
مسافراً لغةً ولا شرعاً. وإنْ مشى مسافراً ثلاثةَ أيام؛ فإنه مسافرٌ قطعاً (٥).
كما أنا نحكم على أنَّ من مشى يوماً وليلة كان مسافراً؛ لقول النبيِّ لَ﴾: ((لا يَحِلُّ
لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليوم الآخر أنْ تسافرَ مسيرةَ يومٍ إلا مع ذي مَحْرَمِ منها))(٦)، وهذا
هو الصحيحُ؛ لأنه وسَطٌ بين الحالين، وعليه عوَّل مالك، ولكنه لم يَجِدْ هذا الحديثَ
متَّفَقاً عليه، ورُويَ مرة: ((يوماً وليلة))(٧) ومرَّةً: ((ثلاثة أيام)) (٨)، فجاء إلى عبد الله بنِ
عمرَ، فعوَّل على فعله، فإنه كان يَقْصُر الصلاةَ إلى رِيم(٩)، وهي أربعة بُرُد؛ لأنَّ ابنَ
عمرَ كان كثيرَ الاقتداءِ بالنبيِّ ﴾(١٠).
قال غيره: وكافَّةُ العلماءِ على أنَّ القصرَ إنما شُرع تخفيفاً، وإنما يكونُ في السفر
الطويلِ الذي تَلحَقُ به المشقةُ غالباً، فراعى مالكٌ والشَّافعيُّ وأصحابُهما والليثُ
والأوزاعيُّ وفقهاءُ أصحابِ الحديث أحمدُ وإسحاق وغيرُهما يوماً تامًّاً.
(١) في (د): يذكروا، وفي (ز): يذكره، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للقبس ٣٣١/١، والكلام منه.
(٢) في (د) و(ز): فيه.
(٣) يعني الفرق بين صلاة السفر وصلاة الحضر، كما في القبس ٣٣١/١، ووقع في (م): القصر، بدل:
الفرق .
(٤) يعني لفظة السفر.
(٥) القبس لابن العربي ٣٣١/١.
(٦) أخرجه أحمد (٧٤١٤)، ومسلم (١٣٣٩): (٤٢٠) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٧) هي عند أحمد (٧٢٢٢)، والبخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٩): (٤٢١).
(٨) هي عند أحمد (٨٥٦٤)، ومسلم (١٩٣٣): (٤٢٢).
(٩) في (م): رِئم، وهو واد لمزينة قرب المدينة. معجم البلدان (ريم). وأخرج هذا الأثر مالك في الموطأ
١/ ١٤٧، وعبد الرزاق (٤٣٠١).
(١٠) القبس ٣٣١/١ - ٣٣٢.

٧٨
سورة النساء: الآية ١٠١
وقولُ مالكٍ: يوماً وليلةً راجعٌ إلى اليوم التامّ(١)، لأنه لم يُرِد بقوله: مسيرة يوم
وليلة أنْ يسيرَ النهارَ كلَّه والليلَ كلَّه، وإنما أراد أنْ يسيرَ سيراً يبيتُ فيه عن أهله، ولا
يمكنهُ الرجوعُ إليهم (٢).
وفي البخاري: وكان ابنُ عمرَ وابنُ عباس يُفطران ويَقصُران(٣) في أربعة بُرُدٍ،
وهي ستةَ عشرَ فرسخاً(٤)، وهذا مذهبُ مالك.
وقال الشافعيُّ والطبريُّ: ستةٌ وأربعون مِيلاً.
وعن مالكٍ في العُتبِيَّة؛ فيمن خرج إلى ضَيْعته على خمسة وأربعينَ مِيلاً؛ قال:
يقصُر. وهو أمرٌ متقارِبٌ.
وعن مالك في الكتب المنثورة: أنه يقصر في ستة وثلاثين مِيلاً، وهي تَقْرُبُ من
يوم وليلةٍ.
وقال يحيى بنُ عمر: يعيدُ أبداً. ابن عبد الحكم: في الوقت.
وقال الكوفيون: لا يَقْصُر في أقلّ من مسيرة ثلاثة أيام؛ وهو قولُ عثمانَ وابنٍ
مسعودٍ وحذيفة(٥).
وفي صحيح البخاريِّ عن ابن عمر أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ قال: (( لا تسافر المرأةُ ثلاثةَ أيام
إلا مع ذي مَحْرَم))(٦).
(١) المفهم ٣٢٦/٢.
(٢) القبس ٣٣٢/١.
(٣) لفظة: ويقصران من (ظ) و(م)، وصحيح البخاري.
(٤) صحيح البخاري قبل الحديث (١٠٨٦)، وأثر ابن عمر سلف قريباً، وأثر ابن عباس وصله مالك
١٤٨/١، والبيهقي ١٣٧/٣.
(٥) ينظر النوادر والزيادات ٤٢٣/١، والبيان والتحصيل ٤٢٩/١ - ٤٣٠، والقبس ٣٣٢/١، والمفهم
٣٢٧/٢، والمحرر الوجيز ١٠٣/٢ ويحيى بن عمر هو أبو زكريا الكناني من أهل الأندلس، سكن
القيروان، سمع من أصحاب ابن وهب وابن القاسم وأشهب، توفي سنة (٢٨٩ هـ). ترتيب المدارك
٢٣٤/٣ .
(٦) صحيح البخاري (١٠٨٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (٤٦١٥)، ومسلم (١٣٣٨).

٧٩
سورة النساء: الآية ١٠١
قال أبو حنيفة: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومَشْي الأقدام.
وقال الحسن والزُّهْريُّ: تُقصَر الصلاةُ في مسيرة يومين؛ وروي هذا القولُ عن
مالك(١)، ورواه أبو سعيد الخُدْريُّ عن النبيَِّ ﴾ قال: ((لا تسافر المرأة مسيرةً ليلتين
إلا مع زوجٍ أو ذي مَحْرَمِ»(٢). وقَصر ابنُ عمر في ثلاثينَ مِيلاً، وأنسٌ في خمسةَ عشرَ
ميلاً(٣). قال الأوزاعيُّ: عامَّةُ العلماءِ في القصر على اليوم التَّام، وبه نأخذ.
قال أبو عمر (٤): اضطربت الآثارُ المرفوعةُ في هذا البابِ كما ترى في ألفاظها؛
ومَحْمَلُها (٥) عندي - والله أعلم - أنها خَرَجت على أجوبة السائلين، فحدَّث كلُّ واحدٍ
بمعنى ما سَمع، كأنه قيل له:# في وقت ما: هل تسافر المرأة مسيرةَ يومٍ بغير
مَحْرَم(٦)؟ فقال: لا. وقيل له في وقتٍ آخر: هل (٧) تسافر المرأةُ يومين بغير محرم؟
فقال: لا. وقال له آخر: هل تسافر المرأة مسيرةً ثلاثةِ (٨) أيام بغير مَحْرَمِ؟ فقال: لا.
وكذلك معنى الليلةِ والبريدِ على ما رُوي، فأدَّى كلُّ واحدٍ ما سَمِع على المعنى، والله
أعلم.
ويجمع معانيَ الآثار في هذا الباب - وإن اختلفت ظواهرُها - الحظرُ على المرأة
أنْ تسافرَ سفراً يُخاف عليها فيه الفتنةُ بغير مَحْرَم، قصيراً كان أو طويلاً. والله أعلم.
الثالثة: واختلفوا في نوع السفرِ الذي تُقصَر فيه الصلاة، فأجمع الناس على
(١) المحرر الوجيز ١٠٣/٢، وينظر التمهيد ٥٣/٢١ - ٥٤ .
(٢) أخرجه أحمد (١١٦٨١)، والبخاري (١١٩٧)، ومسلم باب سفر المرأة مع محرم إلى حجّ وغيره
(٨٢٧).
(٣) أثر ابن عمر سلف قريباً، وأثر أنس ذكره ابن حزم في المحلى ٦/ ٢٤٤ .
(٤) في التمهيد ٢١/ ٥٥ ، وقول الأوزاعي منه.
(٥) في (ظ) و(م): مجملها، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق للتمهيد.
(٦) في (د) و(ز): بلا محرم، والمثبت من (ظ) و(م).
(٧) لفظة: هل، من (ظ) و(م).
(٨) في (د) و(ز): المرأة ثلاثة، والمثبت من (ظ) و(م)، وهو الموافق للتمهيد.

٨٠
سورة النساء: الآية ١٠١
الجهاد والحجِّ والعُمْرة، وما ضارَعها من صِلة رَحِم وإحياءِ نفس. واختلفوا فيما سوى
ذلك، فالجمهور على جواز القصرِ في السفر المباحٍ؛ كالتجارة ونحوِها.
ورُوي عن ابن مسعودٍ أنه قال: لا تُقصَر الصلاة إلا في حجّ أو جهاد.
وقال عطاء: لا تقصر إلا في سفرٍ طاعةٍ وسبيلٍ من سُبُل الخير. وروي عنه أيضاً:
تُقصر في كلِّ السفر المباح، مثل قولِ الجمهورِ(١).
وقال مالك: إن خرج للصَّيد لا لمعاشه، ولكن مُتنزهاً، أو خرج لمشاهدة بلدةٍ
متنزِّهاً ومتلذٌذاً، لم يَقْصُر.
والجمهور من العلماء على أنه لا قَصْر في سفر المعصية؛ كالباغي وقاطع الطريقِ
وما في معناهما.
ورُوي عن أبي حنيفةً والأوزاعيِّ إباحةُ القصرِ في جميع ذلك، ورُوي عن
مالك(٢). وقد تقدَّم في ((البقرة))(٣).
واختلف عن أحمدَ، فمرةً قال بقول الجمهورِ، ومرةً قال: لا يَقصُر إلا في حجّ
أو عمرة.
والصحيح ما قاله الجمهور؛ لأنَّ القصر إنما شُرع تخفيفاً عن المسافر للمشقَّات
اللاحقةِ فيه، ومعونةً(٤) على ما هو بصدده مما يجوز، وكلُّ الأسفارِ في ذلك سواءٌ؛
لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيُمْ فِى الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُرْ جُنَاحُ﴾، أي: إثم ﴿أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾
فعمّ. وقال عليه الصلاة والسلام: ((خير عبادِ الله الذين إذا سافروا قَصَروا
(١) المحرر الوجيز ١٠٣/٢، وينظر الاستذكار ٥٢/٦ - ٥٤، والمفهم ٣٢٥/٢.
(٢) المحرر الوجيز ١٠٣/٢، وينظر التمهيد ١٨٠/١١ - ١٨١ والاستذكار ٦/ ٥٥ - ٥٦، وأحكام القرآن
للكيا ٤٨٨/٢، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٤٨٧ .
(٣) ١٢٩/٣ .
(٤) في (د) و(ز) و(م): ومعونته، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمفهم ٣٢٦/٢، والكلام منه.