النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سورة النساء: الآية ٩٣ قال: فبعثوا في إثره فوجدوه كذلك(١). وهذا مذهبُ أهل السنة(٢)، وهو الصحيح، وأنَّ هذه الآية مخصوصة، ودليلُ التخصيص آياتٌ وأخبار. وقد أجمعوا على أنَّ الآيةَ نزلت في مِقْيَس بن صُبَّابة(٣)، وذلك أنه كان قد أسلم هو وأخوه هشام بنُ صُبابة، فوجد هشاماً(٤) قتيلاً في بني النجار، فَأَخبر بذلك النبيَّ ﴾، فكتب له إليهم أن يدفعوا إليه قاتلَ أخيه، وأرسل معه رجلاً من بني فِهْر، فقال بنو النجار: واللهِ ما نعلم له قاتلاً، ولكنَّا نُؤدِّي الدِّيَةَ. فأعطَوْه مئةً من الإبل، ثم انصرفا راجعَينِ إلى المدينة، فعدا مِقْيَس على الفهريِّ، فقتله بأخيه، وأخذ الإبلَ وانصرف إلى مكة كافراً مرتدًّا، وجعل ينشد: سراةَ بني النجارِ أربابَ فَارِعِ قَتَلْتُ به فِهراً وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ وكنتُ إلى الأوثان أولَ راجِعٍ حَلَلتُ به وِتْرِي وأدركتُ ثُؤرتي(٥) فقال رسول الله﴾: «لا أؤمِّنه في حلِّ ولا حَرَم)). وأَمر بقتله يوم فتح مكةً وهو متعلّق بالكعبة(٦). (١) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٢٣/٢ - ٢٢٤ وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٩/ ٣٦٢ . (٢) تفسير البغوي ١ / ٤٦٥، والمفهم ٧ / ٩٠ . (٣) في (م) ضبابة في الموضعين، قال الحافظ في الإصابة ٢٤٥/١٠: هو بضم المهملة وموحَّدتين عند أكثر أهل اللغة، وقال ابن دريد بالضاد المعجمة. اهـ. ووقع في المحرر الوجيز ٩٥/٢ ، والقاموس وشرحه: حُبابة، بالحاء. (٤) في (د) و(ز): هشام. (٥) في (م): ثورتي، وهو خطأ، والثؤرة: الثأر، والوِتْر: طلب الثأر. ينظر الإملاء المختصر في شرح غريب السير ٣ /٤١ . (٦) أخرجه مختصراً الطبري ٧/ ٣٤١ من طريق ابن جريج عن عكرمة. وأخرجه الطبري أيضاً ٣٤١/٧، وابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة ٧٦٠/٢ عن ابن جريج، وذكر البيت الأول، وأخرجه البيهقي في الشعب (٢٩٦) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأورده الواحدي في أسباب النزول ص ١٦٣ - ١٦٤ من الطريق نفسها، ورواية البيت الثاني فيهما: وأدركت ثأري واضطجعت موسَّداً ... ، وأخرجه ابن بشكوال ٢/ ٧٦١ من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وسمَّى الفهريَّ، زهير بن عياض، وهو من المهاجرين الأَوَل. والبيتان ذكرهما ابن إسحاق ضمن أبيات؛ كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٣ . وفارع: حصن بالمدينة. معجم البلدان ٢٢٨/٤ . ٤٢ سورة النساء: الآية ٩٣ وإذا ثبت هذا بنقلِ أهلِ التفسير وعلماءِ الدِّين؛ فلا ينبغي أن يُحمل على المسلمين. ثم ليس الأخذُ بظاهر الآية بأوْلى من الأخذ بظاهر قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، وقوله: ﴿وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾ [النساء: ٤٨و١١٦]. والأخذُ بالظاهرَين تَنَاقضٌ، فلا بدَّ من التخصيص. ثم إنَّ الجمع بين آية ((الفرقان)) وهذه الآية ممكنٌ، فلا نسخَ ولا تعارُضَ، وذلك أن يُحمل مطلقُ آيَةِ ((النساء)) على مُقَيَّدٍ آية ((الفرقان))، فيكون معناه: فجزاؤه كذا إلَّا مَن تاب، لاسيما وقد اتَّحد المُوجِب؛ وهو القتل، والمُوجَبُ؛ وهو التوعُد(١) بالعقاب. وأما الأخبار فكثيرةٌ؛ كحديث عُبادةَ بنِ الصامت الذي قال فيه: ((تُبايعوني على ألَّا تشركوا باللهِ شيئاً، ولا تَزْنُوا، ولا تسرِقوا(٢)، ولا تقتلوا النفسَ التي حرَّم اللهُ إلَّا بالحقّ، فَمَن وَفَى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب شيئاً من ذلك فعوقبَ به، فهو كَفَّارةٌ له(٣)، ومَن أصاب مِن ذلك شيئاً فستره اللهُ عليه، فأمرُه إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذَّبه)). رواه الأئمة أخرجه الصحيحان (٤). وكحديث أبي هريرة عن النبيِّ# في الذي قتل مئةَ نَفْس. أخرجه مسلم في صحيحه، وابنُ ماجه في سننه، وغيرُهما(٥). إلى غير ذلك من الأخبار الثابتة. ثم إنهم قد أجمعوا معنا في الرجل يُشهد عليه بالقتل، أو يُقِرُّ(٦) بأنه قَتل عمداً، (١) في (م): التواعد. (٢) قوله: ولا تسرقوا من (م). (٣) في النسخ الخطية: فمن أصاب شيئاً من ذلك فهو كفارة له، بدل: فمن وَفَى منكم ... إلى هذا الموضع والمثبت من (م). (٤) صحيح البخاري (١٨)، وصحيح مسلم (١٧٠٩)، وهو عند أحمد (٢٢٦٧٨). (٥) صحيح مسلم (٢٧٦٦)، وسنن ابن ماجه (٢٦٢٢)، وهو عند أحمد (١١١٥٤)، والبخاري (٢٤٧٠) كلهم رووه من حديث أبي سعيد الخدري ﴾، ولم نقف عليه من حديث أبي هريرة كما ذكر المصنف. .(٦) في النسخ: ويقر، والمثبت من المحرر الوجيز ٩٤/٢، والكلام منه، وينظر الإجماع لابن المنذر ص ٦٧ . ٤٣ سورة النساء: الآية ٩٣ ويأتي السلطانَ [أو] الأولياءَ، فيقامُ عليه الحدُّ ويُقتل قَوَداً، فهذا غيرُ مُتَّبَعٍ في الآخرة، والوعيدُ غيرُ نافذٍ عليه إجماعاً على مقتضى حديث عُبادة، فقد انكسر عليهم ما تعلَّقوا به من عموم قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ودخله التخصيصُ بما ذكرنا، وإذا كان كذلك، فالوجه: أن هذه الآية مخصوصة [في الكافر يقتل المؤمن] كما بيَّنَا (١)، أو تكون محمولةً على ما حُكي عن ابن عباس أنه قال: متعمِّداً، معناه: مُسْتَحِلًا لقتله؛ فهذا أيضاً يؤول إلى الكفر(٢) إجماعاً (٣). وقالت جماعة: إنَّ القاتل في المشيئة؛ تاب أو لم يتُب؛ قاله أبو حنيفة وأصحابه والشافعي (٤). فإن قيل: إنَّ قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ﴾ دليلٌ على كفره؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على كافٍ خارجٍ من الإيمان. قلنا: هذا وعيدٌ، والخُلْفُ في الوعيد كَرَم، كما قال: وإنِّي مَتَى أَوْعَدْتُه أو وَعَدْتُه لَمُخْلِفُ إِيْعادي وَمُنْجِزُ مَوْعِدي وقد تقدم(٥). جوابٌ ثانٍ: [فجزاؤه] إن جازاه بذلك؛ أي: هو أهلٌ لذلك(٦) ومستحِقُّه لعظيم (١) يعني في شأن مِقْيَس بن صُبابة، كما سلف. (٢) المحرر الوجيز ٩٤/٢ - ٩٥، وما سلف بين حاصرتين منه. وخبر ابن عباس ذكره المتَولِّي الشافعيُّ في الغُنية في أصول الدين ص١٧١ . وذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢٢٦/٢ - ٢٢٧ عن عكرمة وقال: هذا القول غلط؛ لأن ((مَن)) عامّ لا يُخَصُّ إلا بتوقيف أو دليل قاطع. (٣) ذكر الإجماع النووي في شرحه لصحيح مسلم ١٧/ ٨٣ . (٤) قوله: والشافعي، من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٢٦/٢ ، والكلام منه. (٥) قائله عامر بن الطفيل، وسلف ٤٧٨/٥، وينظر الوسيط للواحدي ١٠٠/٢ - ١٠١. (٦) في (ز) و(ظ): ذلك. ٤٤ سورة النساء: الآية ٩٣ ذنبه. نصَّ على هذا أبو مِجْلَزِ لاحِقُ بن حُميد وأبو صالح وغيرهما (١). وروى أنسُ بن مالك، عن رسول الله ﴾ أنه قال: ((إذا وَعَد الله لعبدٍ ثواباً، فهو مُنْجِزُه، وإنْ أَوْعَدَ له العقوبةَ، فله المشيئةُ: إن شاء عاقَبه، وإن شاء عفا عنه))(٢). وفي هذين التأويلين دَخَلٌ (٣)؛ أما الأول: فقال القُشَيريُّ: وفي هذا نظر؛ لأنَّ كلام الربِّ لا يقبلُ الخُلْفَ، إلا أنْ يُرادَ بهذا تخصيصُ العامِّ، فهو إذاً جائزٌ في الكلام. وأما الثاني: وإن رُويَ أنَّه مرفوعٌ؛ فقال النحاس: وهذا الوجه: الغلطُ فيه بيِّن، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾ [الكهف: ١٠٦] ولم يقل أحد: إن جازاهم، وهو خطأً في العربية؛ لأن بعده: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، وهو محمولٌ على معنى جازاه(٤). وجواب ثالث: فجزاؤه جهنم إن لم يتب، وأصرَّ على الذنب حتى وَافَى ربَّه على الكفر بشؤم المعاصي. وذكر هبة الله(٥) في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) أن هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨ و١٣٦]، وقال: هذا إجماعُ الناس، إلَّا ابنَ عباس وابنَ عمر؛ فإنهما قالا: هي مُحْكَمة. وفي هذا الذي قاله نظر؛ لأنه (١) المحرر الوجيز ٩٤/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه عن أبي مجلز وأبي صالح أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٤٩٩) و(٥٠٠) والطبري ٧/ ٣٤٠، وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٢٦/٢. أبو صالح هو باذام، ويقال: باذان؛ مولى أم هانئ بنت أبي طالب. (٢) تفسير أبي الليث ١/ ٣٧٧، وأخرجه البزار (كشف الأستار) (٣٢٣٥)، وأبو يعلى (٣٣١٦)، والواحدي في الوسيط ١٠٠/٢ من طريق سهيل بن أبي حزم، عن ثابت، عن أنس به. قال البزار: سهيل لا يتابع على حديثه، وينظر المطالب العالية ٩٩/٣ . (٣) الدَّخَل والدَّخْل: العيب والريبة. الصحاح (دخل). (٤) الناسخ والمنسوخ ٢٢٦/٢، وينظر ردّ أبي عبيد أيضاً لهذا القول في الناسخ والمنسوخ له إثر الخبر (٥٠٠). (٥) ابن سلامة البغدادي، أبو القاسم الضرير المفسِّر، توفي سنة (٤١٠ هـ). تاريخ بغداد ١٤/ ٧٠ . ٤٥ سورة النساء: الآيتان ٩٣ - ٩٤ موضعُ عمومٍ وتخصيصٍ لا موضعُ نَسْخِ؛ قاله ابن عطية (١). قلت: هذا حسن؛ لأن النسخ لا يدخل الأخبار(٢)، إنما المعنى: فهو يجزيه. وقال النحاس في ((معاني القرآن))(٣) له: القولُ فيه عند العلماء أهلِ النظر أنه مُحْكُم، وأنه يجازيه إذا لم يتُب، فإن تاب فقد بيَّن أمره بقوله: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ﴾. فهذا لا يَخْرُج عنه [شيء). والخلود لا يقتضي الدَّوامَ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لَِشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلَدِّ﴾ [الأنبياء: ٣٤] الآية، وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ، أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣]. وقال زهير: ولا خالداً إلَّ الجبالَ الرَّوَاسِيا وهذا كلُّه يدل على أنَّ الخُلْد يُطلَق على غير معنى التأبيد؛ فإنَّ هذا يزول بزوال الدنيا. وكذلك العربُ تقول: لأُخلِّدنَّ فلاناً في السجن؛ والسجنُ ينقطع ويفنَى، وكذلك المسجون. ومِثْلُه قولُهم في الدعاء: خلَّد الله ملكه، وأبَّد أيامه. وقد تقدَّم(٤) هذا كلُّه لفظاً ومعنّى. والحمد لله. قوله تعالى: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيِّئُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ج فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ (٩٤ فَتَبَيَنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيِّنُواْ﴾. هذا متَّصِلٌ بذكر القتل والجهاد. والضرب: السَّيْر في الأرض؛ تقول العرب: ضربتُ في (١) في المحرر الوجيز ٢/ ٩٥ - ٩٦ . (٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢١٧/٢ و٢٢٤. (٣) ١٦٦/٢، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) ١/ ٣٦٢ و١٣٦/٦، وتقدم هناك بيت زهير. ٤٦ سورة النساء: الآية ٩٤ الأرض: إذا سرتَ لتجارةٍ أو غَزْوٍ أو غيره، مقترنةً بـ ((في)) وتقول: ضربتُ الأرضَ، دون ((في)): إذا قصدتَ قضاءَ حاجة الإنسان، ومنه قول النبيِّ#: ((لا يخرج الرجلان يَضْربان الغائطَ يتحدَّثان كاشفَيْن عن فَرْجَيْهما، فإنَّ الله يمقُتُ على ذلك))(١). وهذه الآيةُ نزلتْ في قومٍ من المسلمين مَرُّوا في سَفَرهم برجلٍ معه جملٌ وغُنَيمةٌ يبيعُها، فسلَّم على القوم وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ فحمل عليه أحدهم فقتلَه. فلما ذكر ذلك للنبيِّ ﴾؛ شقَّ عليه، ونزلت الآية(٢). وأخرجه البخاريُّ عن عطاءٍ عن ابن عباس قال: قال ابن عباس: كان رجلٌ في غُنَيمةٍ له، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنَيمتَه، فأنزل الله تعالى ذلك إلى قوله: ﴿عَرَضَ اٌلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ تلك الغُنَيمة. قال: قرأ ابن عباسٍ: ((السلام))(٣). في غير البخاريِّ: وحَمَلَ رسول اللـه ﴾ دِيَتَه إلى أهله، وردَّ عليهم(٤) غُنيماتِه. واختُلِف في تعيين القاتل والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه الأكثر - وهو في سِيَر ابن إسحاقَ، ومصنَّف أبي داود، والاستيعابِ لابن البر - أنَّ القاتل مُحلِّم بنُ جَتَّامة(٥)، والمقتولَ عامر بنُ الأَضْبط(٦). فدعا عليه الصلاة والسلام على محلِّم، فما (١) المحرر الوجيز ٩٦/٢، والحديث أخرجه أحمد (١١٣١٠)، وأبو داود (١٥)، والنسائي في السنن الكبرى (٣٥)، وابن ماجه (٣٤٢) عن أبي سعيد الخدري ﴾. (٢) المحرر الوجيز ٩٦/٢ . (٣) صحيح البخاري (٤٥٩١)، وهو عند مسلم (٣٠٢٥). قوله: غُنيمة، بالتصغير. وقراءة ابن عباس: ((السلام)) هي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم والكسائي، كما سنذكر ص٤٩ . (٤) في النسخ: عليه، والمثبت من أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٨٤/٢، والكلام منه، ومن تفسير الطبري ٣٥٦/٧ - ٣٥٧، وفيه رواية ابن عباس رضي الله عنهما. (٥) الليثي أخو الصعب بن جثامة، قال الحافظ في الإصابة ٩/ ١٠٢ : وقيل: إن محلّماً غير الذي قَتَل، وإنه نزل حمص ومات بها أيام ابن الزبير. (٦) المحرر الوجيز ٩٦/٢، ورواه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٦٢٦/٢ من حديث عبد الله بن أبي حدرد، ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (بهامش الإصابة) ٢٢٥/١٠، وهو في مسند أحمد (٢٣٨٨١)، وأخرجه أبو داود (٤٥٠٣) من حديث سعد بن ضميرة قال الحافظ في التهذيب ٦٩٣/١: في إسناد حديثه اختلاف. وينظر مسند أحمد (٢١٠٨١) و(٢٣٨٧٩). ٤٧ سورة النساء: الآية ٩٤ عاش بعد ذلك إلَّا سبعاً، ثم دُفِن فلم تقبله الأرضُ، ثم دفن فلم تقبله، ثم دفن ثالثةً فلم تقبله، فلما رأَوْا أن الأرض لا تقبله، ألقَوْه في بعضٍ تلك الشِّعاب، وقال عليه الصلاة والسلام: ((إنَّ الأرضَ لتقبَلُ مَن هو شَرٌّ منه)(١). قال الحسن: أمَا إنها تُجِنُّ(٢) مَن هو شرٌّ منه، ولكنْ(٣) وُعظ القوم ألَّا يعودوا (٤). وفي سنن ابن ماجه عن عمران بن حُصين قال: بعث رسول اللـه ﴾ جيشاً من المسلمين إلى المشركين، فقاتلوهم قتالاً شديداً، فمنحوهم أكتافَهم، فحمل رجلٌ من لُحْمَتي(٥) على رجلٍ من المشركين بالرمح، فلما غَشِيَهُ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، إِنِّي مسلم. فطعنه فقتله، فأتَى رسولَ الله ﴾ فقال: يا رسول الله، هلكتُ! قال: ((وما الذي صنعتَ؟)) مرةً أو مرتين، فأخبره بالذي(٦) صنع. فقال له رسول الله ﴾: «فهلَّا شققتَ عن (٧) بطنه، فعلمتَ ما في قلبه)) قال: يا رسول الله! لو شَقَفْتُ بطنه أكنتُ أعلم ما في قلبه؟ قال: ((لا، فلا أنت قَبِلتَ ما تَكلَّمَ، ولا أنت تَعلم ما في قلبه)). قال: فسكت عنه رسول الله ﴾، فلم يلبث إلا (٨) يسيراً حتى مات فدفنَّاه، فأصبح على ظهر(٩) الأرض. فقلنا: لعل عدوًّا نبشه، فدفنَّاه، ثم أمرنا غلماننا يحرسونه، (١) أخرجه الطبري ٧/ ٣٥٣ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وتمام المرفوع منه: ((إن الأرض لتقبل من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظّم من حرمتكم)) وفي إسناده سفيان بن وكيع، وهو ضعيف وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤ /٥٤٨ - ٥٤٩ عن الحسن مرسلاً. وسيأتي نحوه عن الحسن من قوله. (٢) في (د): تحشر، وفي (ز): تحس، وفي (م): تحبس، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمصادر. وتُجن من أَجَنَّ الميتَ، أي: واراه. معجم متن اللغة (جنن). (٣) في (ظ) و(م): ولكنه، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لمصادر التخريج. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٢٤)، وأورده الواحدي في أسباب النزول ص١٦٦ . (٥) لُحمتي بضم اللام: أي قرابتي. شرح سنن ابن ماجه للسندي ٢/ ٤٥٩ . (٦) في النسخ الخطية: الذي، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في سنن ابن ماجه. (٧) قوله: عن، من (م). (٨) قوله: إلا، من (م). (٩) في (د) و(ز) و(م): وجه، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في سنن ابن ماجه. ٤٨ سورة النساء: الآية ٩٤ فأصبح على ظهر الأرض. فقلنا: لعل الغلمان نَعَسُوا(١)، فدفنَّاه، ثم حرسناه بأنفسنا، فأصبح على ظهر الأرض، فألقيناه في بعض تلك الشِّعاب(٢). وقيل: إنَّ القاتل أسامةُ بن زيد، والمقتولَ مِرْداس بنُ نَهِيك الغَطَفانيُّ ثم الفَزَاريُّ، من بني مُرَّة من أهل فَدَك(٣). وقاله ابن القاسم عن مالك(٤). وقيل: كان مرداس هذا قد أسلم من الليلة، وأخبر بذلك أهله. ولمَّا عظّم النبيُّ # الأمرَ على أُسامة، حلف عند ذلك ألَّ يقاتل رجلاً يقول: لا إله إلا الله(٥). وقد تقدَّم القول فيه(٦). وقيل: القاتلُ أبو قتادة. وقيل: أبو الدرداء. ولا خلافَ أنَّ الذي لفظته الأرض حين مات هو مُحَلِّم الذي ذكرناه(٧). ولعل هذه الأحوال جَرَتْ في زمانٍ متقارِبٍ، فنزلت الآية في الجميع. وقد رُوي أن النبيَّ ﴿ ردَّ على أهل المسلم الغَنَم والجمل، وحَمَلَ ديته على طريق الائتلاف(٨). والله أعلم. (١) في (د): نبشوه، وفي (ز) و(ظ): نبشوا، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في سنن ابن ماجه. (٢) سنن ابن ماجه (٣٩٣٠)، وهو عند أحمد (١٩٩٣٧) بنحوه، وإسناده ضعيف. (٣) المحرر الوجيز ٩٦/٢، وذكره البغوي ٤٦٦/١ مطولاً من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرجه أبو نعيم في طبقات المحدثين بأصبهان (٥٣٤) من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ، والطبري ٣٥٨/٧ عن السدي، ووقع فيهما أن قوم القتيل بنو ضمرة. وينظر حديث أسامة بن زيد ص٢٦ من هذا الجزء . (٤) ذكره ابن العربي ١/ ٤٨٠ عن ابن القاسم عن مالك ولم يذكر اسم القاتل ولا اسم المقتول، قال ابن العربي: هذا الذي ذكره مالك مطلقاً هو أسامة بن زيد ... وذكر الطبري أن اسم الذي قتله أسامة مرداس ابن نهيك. (٥) أخرجه الطبري ٣٥٨/٧ عن السدي. (٦) ص٢٦ من هذا الجزء. (٧) المحرر الوجيز ٩٦/٢، والقول بأن القاتل هو أبو الدرداء أخرجه الطبري ٧/ ٣٦٠ عن ابن زيد. (٨) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٨١ . ٤٩ سورة النساء: الآية ٩٤ وذكر الثعلبيُّ أنَّ أمير تلك السريّة رجل يقال له: غالب بن فَضالة الليثي(١). وقيل: المقداد(٢). حكاه السُّهَيْلِيُّ. الثانية: قوله تعالى: ﴿فَتَبَيِّنُوا﴾ أي: تأمَّلوا. و((تَبَيَّنُوا)) قراءةُ الجماعةِ(٣)، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم(٤)، وقالا: مَن أُمر بالتبيّن فقد أُمر بالتثُبُّت؛ يقال: تبيَّنْتُ الأمرَ، وتبيَّنَ الأمرُ بنفسه، فهو متعدٍّ ولازم. وقرأ حمزة: ((فتثَبَّتوا)) من التثُبُّت بالثاء مثلثةً، وبعدها باءٌ بواحدة(٥). و ((تبيَّنوا)) في هذا أَوْكَدُ؛ لأنَّ الإنسان قد يتثبّت ولا يتبيَّن. وفي ((إذا)) معنى الشرط، فلذلك دخلت الفاء في قوله: ((فتبينوا)). وقد يُجازَى بها كما قال: وإذا تُصِبْكَ خَصاصةٌ فتَجَمَّلٍ(٦) والجيِّدُ ألَّا يُجازَى بها كما قال الشاعر(٧): والنفسُ راغِبةٌ إذا رغَبْتَها وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ (١) ذكره البغوي ١/ ٤٦٦ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مطولاً، وقد سلف ذكره قريباً. (٢) أخرجه البزار (٢٢٠٢)، والطبراني في الكبير (١٢٣٧٩) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه ابن أبي شيبة ٣٧٧/١٢ ، والطبري ٧/ ٣٦٠ عن سعيد بن جبير. (٣) السبعة ص٢٣٦، والتيسير ص٩٧، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم من السبعة . (٤) وذكره عنهما مكي في الكشف عن وجوه القراءات ٣٩٥/١، والذي في غريب الحديث لأبي عبيد ٣٣/٢ قوله: والمعنى قريب بعضه من بعض، ونقل عنه ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز ٩٦/٢ فقال: وقال أبو عبيد: هما متقاربان، والصحيح ما قال أبو عبيد. (٥) وهي قراءة الكسائي من السبعة أيضاً. السبعة ص٢٣٦ ، والتيسير ص٩٧ . (٦) في النسخ الخطية: فتحمل، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصادر، وهذا عجز بيت لعبد قيس بن خفاف كما في الأصمعيات ص ٢٣٠، والمفضليات ص ٣٨٥ وصدره: واستغن ما أغناك ربك بالغنى (٧) هو أبو ذؤيب الهذلي، والبيت في ديوان الهذليين ٣/١، وإعراب القرآن للنحاس ٤٨٢/١، والكلام منه. ٥٠ سورة النساء: الآية ٩٤ والتبيُّن والتثبُتُ(١) في القتل واجبٌ حَضَراً وسفراً لا(٢) خلافَ فيه، وإنما خصَّ السفر بالذكر؛ لأن الحادثة التي فيها نزلت الآية وقعت في السفر. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ السَّلَم والسِّلْم والسَّلام واحد، قاله البخاريُّ(٣). وقُرئ بها كلِّها (٤). واختار أبو عبيد القاسمُ بن سلَّام: ((السلامَ)). وخالفه أهلُ النظر فقالوا: ((السَّلَمَ)) ههنا أَشْبُهُ؛ لأنه بمعنى الانقياد والتسليم(٥)، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿فَلْقَوَأْ السَّلَمَ مَا كُنَّاً نَعْمَلُ مِن سُوْءٍ﴾ [النحل: ٢٨]. فالسَّلَمُ: الاستسلام والانقياد(٦). أي: لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهرَ دعوتكم (٧): لستَ مؤمِناً. وقيل: ((السلام)) قولُه: السلام عليكم. وهو راجعٌ إلى الأول؛ لأنَّ سلامه بتحية الإسلام مُؤْذِنٌ بطاعته وانقياده، ويحتمل أن يُراد به: الانحيازُ والترك. قال الأخفش. يقال: [فلان] سلام: إذا كان لا يخالط أحداً. والسِّلْم - بشدِّ السين وكسرها وسكون اللام - : الصُّلْح(٨). الرابعة: ورُويَ عن أبي جعفر أنه قرأ: ((لستَ مُؤمَنا)) بفتح الميم الثانية(٩)، من (١) في (د) و(ز) و(م): والتبين التثبت. (٢) في (م): ولا. (٣) فتح الباري ٢٥٨/٨ . (٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي، وعاصم: ((السلام)) بالألف، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة: ((السَّلَم)) بغير ألف. السبعة ص٢٣٦ والتيسير ص٩٧ . ووقع في مطبوعه زيادة الكسائي مع نافع وابن عامر وحمزة؛ وهو خطأ. وأما قراءة ((السِّلْم)) فقد نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٨ لأبان عن عاصم، ونسبها النحاس في إعراب القرآن ٤٨٢/١ لأبي رجاء. (٥) في النسخ الخطية: والتسلم. (٦) معاني القرآن للنحاس ١٦٧/٢ و١٦٩، وعنه نقل المصنف قول أبي عبيد. (٧) في (د): دعوته. (٨) المحرر الوجيز ٩٦/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٩) هي من رواية ابن وردان عنه كما في تحبير التيسير ص ١٠٥ . وأيضاً من رواية ابن جماز كما في النشر ٢٥١/٢. ٥١ سورة النساء: الآية ٩٤ آمَنْتُه: إذا أجَرْتَه، فهو مؤمن. الخامسة: والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهدَ له؛ جاز له قتلُه، فإن قال: لا إله إلا الله، لم يجزُ قتله؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله، فإن قتله بعد ذلك قُتل به. وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام، وتأوَّلوا أنه قالها متعوِّذاً وخوفاً من السلاح، وأنَّ العاصم قولُها مُطمئنًا، فأخبر النبيُّ :﴿ أنه عاصمٌ كيفما قالها(١)؛ ولذلك قال لأسامةَ: ((أفلا شقَقْتَ عن قلبه حتى تعلَم أَقالها أم لا؟)). أخرجه مسلم(٢). أي: تنظر (٣) أصادقٌ هو في قوله أم كاذب؟ وذلك لا يمكن، فلم يبق إلّا أنْ يُبين عنه لسانه. وفي هذا من الفقه بابٌ عظيم، وهو أن الأحكام تُناط بالمظانِّ والظواهر، لا على القطع واطلاع السرائر. السادسة: فإن قال: سلامٌ عليكم، فلا ينبغي أن يُقْتَل أيضاً حتى يُعلَم ما وراء هذا؛ لأنه موضعُ إشكال. وقد قال مالك في الكافر يوجد(٤) [عند الذَّرب] فيقول: جئتُ مستأمِنا أطلب الأمان: هذه أمور مُشكِلةٌ، وأرى أن يردَّ إلى مأمنه، ولا يُحكَمَ له بحكم الإسلام؛ لأنَّ الكفر قد ثبت له، فلابد أن يَظهر منه ما يدلُّ على قوله، ولا يكفي أن يقول: أنا مسلمٌ: ولا: أنا مؤمنٌ، ولا أن يصلِّيَ، حتى يتكلّم بالكلمة العاصمة التي علَّق النبيُّ :﴿ الحكمَ بها عليه في قوله: ((أُمرت أنْ أقاتلَ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلا الله))(٥). السابعة: فإن صلَّى أو فعل فعلاً من خصائص الإسلام، فقد اختلف فيه علماؤنا؛ فقال ابن العربيّ(٦): نرى أنه لا يكون بذلك مسلماً، أمّا إنه يقال له: ما وراءَ هذه (١) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٨١ . (٢) في صحيحه (٩٦)، وقد سلف ص٢٦ من هذا الجزء. (٣) في (ظ): انتظر. (٤) في (د) و(ز): يؤخذ. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤٨٢/١، وما سلف بين حاصرتين منه، والحديث سلف ١/ ٢٩٤ . (٦) في أحكام القرآن ١/ ٤٨٢ . ٥٢ سورة النساء: الآية ٩٤ الصلاة؟ فإن قال: صلاة مسلم، قيل له: قل لا إله إلا الله محمد رسول الله(١)، فإن قالها تبيَّن صدقُه، وإن أبَى علمنا أن ذلك تَلَاعُب، وكانت عند مَن يرى إسلامه رِدَّةً، والصحيح أنه كفْرٌ أصليٍّ ليس بردّة. وكذلك هذا الذي قال: سلامٌ عليكم، يكلّف(٢) الكلمةَ، فإن قالها تحقَّق رشادُه، وإِنْ أَبَى تبيَّن ◌ِنادُه وقُتِل. وهذا معنى قوله: ((فتبيَّنوا)) أي: الأمرَ المُشْكِل، أو ((تثبتوا(٣)) ولا تَعْجَلوا؛ المعنيان سواء. فإن قتله أحدٌ فقد أتى منهيًّا عنه. فإن قيل: فتغليظُ النبيِّ ﴾ على مُحلِّم، ونَبْدُه من قبره؛ كيف مخرجُه؟ قلنا: لأنَّه علم من نيَّتَه أنه لم يبالِ بإسلامه، فقتله متعمِّداً لأجل الحِنَة التي كانت بينهما في الجاهلية. الثامنة: قوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ أي: تبتغون أَخْذَ ماله. ويسمَّى متاعُ الدنيا عَرَضاً لأنه عارِضٌ زائلٌ غيرُ ثابت. قال أبو عبيدة(٤): يقال: جميع متاع الدنيا(٥) عَرَضٌ - بفتح الراء - ومنه: ((الدنيا عَرَضٌ حاضِرٌ، يأكل منها البَرُّ والفاجر))(٦). والعَرْض - بسكون الراء - : ما سِوى الدنانيرِ والدراهم؛ فكلُّ عَرْضٍ عَرَضٌ، وليس كلُّ عَرَضٍ عَرْضاً(٧). وفي صحيح مسلم عن النبيِّ ﴾: «ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض، إنما الغِنى غِنَى (١) قوله: محمد رسول الله، من (ظ)، وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في أحكام القرآن. (٢) في (د) و(ز): تكلف. (٣) في النسخ الخطية: وتثبتوا، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن. (٤) كذا في النسخ وتفسير الرازي ٤/١١، والذي في تهذيب اللغة ٤٥٥/١، والمفهم ٩٥/٣، وإكمال المعلم ٥٨٦/٣ : أبو عبيد. (٥) في (م): الحياة الدنيا، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المصادر. (٦) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٧١٥٨). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٩/٢: فيه أبو مهدي سعید بن سنان، وهو ضعيف جدًّا. (٧) تهذيب اللغة ١/ ٤٥٥ . ٥٣ سورة النساء: الآية ٩٤ النفسِ))(١). وقد أخذ بعض العلماء(٢) هذا المعنى فنظَمه: فإنك لا تدري أتُصبحُ أم تُمسي تقنَّعْ بما يكفيكَ واستعملٍ (٣) الرضا يكون الغنى والفقرُ من قِبَل النفسِ فليس الغِنَى عن كثرة المال إنما وهذا يصحِّح قولَ أبي عبيدة؛ فإنَّ المال يشملُ كلَّ ما يُتْمَوَّل. وفي كتاب ((العين)) (٤): العَرَض ما نِيل من الدنيا، ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]، وجمعُه: عُروض. وفي ((المجمل) لابن فارس(٥): والعَرَض: ما يعرضُ للإنسان(٦) من مرض أو نحوِهِ، وعَرَض الدنيا: ما كان فيها من مالٍ قلَّ أو كثُر. والعَرْضُ من الأثاثِ: ما كان غيرَ نقد. وأَعْرَضَ الشيءُ: إذا ظهر وأمكن. والعَرْضُ خِلافُ الُول. التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ عِدَة من الله تعالى بما يأتي به على وجهه ومِن حِلِّهِ دون ارتكاب محظور، أي: فلا تتهافتوا. ﴿ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ﴾ أي: كذلك كنتم تُخفون إيمانكم عن قومكم خوفاً منكم على أنفسكم، حتى منَّ الله عليكم بإعزاز الدين وغَلَبة المشركين، فهم الآن كذلك، كلُّ واحدٍ منهم في قومه متربِّصٌ(٧) أن يَصِل إليكم، فلم (٨) يَصْلُخْ إذ وَصَل (١) صحيح مسلم (١٠٥١)، وهو عند أحمد (٧٣١٦) و(٩٠٦٢)، والبخاري (٦٤٤٦)، وهو من حديث أبي هريرة ﴾. (٢) هو محمد بن سعدان، كما في بهجة المَجالس وأنس المُجالس ٢١١/١ ، وهو نحويٌّ كوفيٍّ مقرئ، توفي سنة (٢٣١هـ). (٣) في بهجة المجالس: والتمس. (٤) ٢٧٦/١، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي العباس في المفهم ٣/ ٩٥. (٥) ٦٥٩/٣ - ٦٦٠ . (٦) في (م): يعترض الإنسان، وفي النسخ الخطية: يعترض للإنسان، والمثبت من المجمل. (٧) في المحرر الوجيز ٩٧/٢ (والكلام منه): كل واحد منهم خائف من قومه متربص ... (٨) في (د) و(م): فلا، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز. ٥٤ سورة النساء: الآية ٩٤ إليكم أن تقتلوه حتى تتبيَّنوا أمره. وقال ابن زيد: المعنى: كذلك كنتم كَفَرةٍ(١). ﴿فَمَرَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بأن أسلمتُم، فلا تنكروا أن يكون هو كذلك، ثم يُسْلم لحينه حين(٢) لَقِيَكم، فيجب أن تتثبَّتوا في أمره. العاشرة: استدلَّ بهذه الآية مَن قال: إن الإيمان هو القول؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾. قالوا: ولمَّا منع أن يقال لمن قال: لا إله إلا الله: لستَ مؤمناً، منع من قتلهم بمجرَّد القول. ولولا الإيمانُ الذي هو هذا القول لم يعب قولهم(٣). قلنا: إنما شكَّ القوم في حالة أن يكون هذا القول منه تعوُّذاً فقتلوه، والله لم يجعل لعباده غيرَ الحكم بالظاهر، وقد قال :﴿: ((أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله))(٤) وليس في ذلك أن الإيمانَ هو الإقرارُ فقط؛ ألا ترى أنَّ المنافقين كانوا يقولون هذا القول وليسوا بمؤمنين؟ حَسْبَ ما تقدَّم بيانُه في ((البقرة)»(٥)، وقد كشف البيانَ في هذا قولُهُ عليه الصلاة والسلام: ((أفلا شقَقْتَ عن قلبه؟)) (٦) فثبَتَ أنَّ الإيمان هو الإقرار وغيرُه، وأن حقيقتَه التصديقُ بالقلب، ولكن ليس للعبد طريقٌ إليه إلّا ما سَمع(٧) منه فقط. واستدلَّ بهذا أيضاً مَن قال: إن الزِّندِيق تُقبل تويتُه إذا أظهر الإسلام، قال: لأنَّ الله تعالى لم يفرِّق بين الزنديق وغيره متى أظهر الإسلام(٨). وقد مضى القولُ في هذا (١) أخرجه الطبري ٧/ ٣٦٣ - ٣٦٤ . (٢) في النسخ الخطية: حتى، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز. (٣) في (د) و(ز): قتلهم، وفي (ظ): قبلهم، والمثبت من (م). (٤) سلف ١/ ٢٩٤ . (٥) ١/ ٢٩٤. (٦) سلف ص٢٦ من هذا الجزء . (٧) في (د) و(ز): سمعه، وفي (ظ): يسمعه. (٨) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٤٨٤ . ٥٥ سورة النساء: الآيات ٩٤ - ٩٦ في أول البقرة (١). وفيها ردِّ على القدرية، فإنَّ الله تعالى أخبر أنه منَّ على المؤمنين من بين جميع الخلق بأن خصَّهم بالتوفيق، والقدريةُ تقول: خَلَقَهم كلَّهم للإيمان. ولو كان كما زعموا، لَمَا كان لاختصاص المؤمنين بالمِنَّة من بين الخلق معنى. الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿فَتَبَيِّنُوا﴾ أعاد الأمرَ بالتبيين للتأكيد. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ تحذيرٌ عن مخالفة أمر الله، أي: احفظوا أنفسكم وجنِبوا(٢) الزَّلل المُؤْبِقَ لكم. قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ الَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى اُلْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلُّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىِّ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا ٩٦ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا عَظِيمًا (٥) فيه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس: لا يستوي القاعدون عن بدرٍ والخارجون إليها(٣). ثم قال: ﴿غَيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ والضَّرَرُ: الزَّمَانة(٤). روى الأئمة، واللفظ لأبي داود(٥)، عن زيد بن ثابت قال: كنتُ إلى جنب رسول اللـه ﴾ فغشِيَتْه السكينةُ، فوقعتْ فَخِذُ رسول اللـه : ﴿ على فخذي، فما وجدتُ ثِقَلَ شيءٍ أثقلَ من فخذ (١) ٣٠٢/١ . (٢) في (م): وجنبوها، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٩٧/٢، والكلام منه. وفي القاموس (جنب): جنبه وتجنبه واجتنبه وجانبه وتجانبه: بعد عنه. (٣) أخرجه البخاري (٣٩٥٤). (٤) معاني القرآن للنحاس ٢/ ١٧٠. (٥) مسند أحمد (٢١٦٦٤)، وصحيح البخاري (٢٨٣١) و(٢٨٣٢)، وصحيح مسلم (١٨٩٨)، وسنن أبي داود (٢٥٠٧). ٥٦ سورة النساء: الآيتان ٩٥ - ٩٦ رسول اللـه *، ثم سُرِّيَ عنه، فقال: ((اكتب)) فكتبتُ في كَتِفٍ: ((لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله)) إلى آخر الآية؛ فقام ابنُ أمِّ مكتومٍ - وكان رجلاً أعمى - لمَّا سمع فضيلةً(١) المجاهدين، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضى كلامه، غشِيَتْ رسولَ الله﴾ السكينةُ، فوقعت فخذُه على فخذي، ووجدتُ من ثِقَلها في المرة الثانية كما وجدتُ في المرة الأولى، ثم سُرِّيَ عن رسول اللـه ﴾ فقال: ((اقرأ يا زيدُ)). فقرأت(٢): ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال رسول اللـه ه: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ الآيةَ كلَّها. قال زيد: فأنزلها الله وحدها فألحقتُها، والذي نفسي بيده لكأنِي أنظر إلى مُلْحَقِها عند صَدْعِ في گتِف(٣). وفي البخارِيِّ عن مِقْسَم مولى عبد الله بن الحارث، أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدرٍ، والخارجون إلى بدر (٤). قال العلماء: أهلُ الضرر هم أهل الأعذار؛ إذْ قد أضرَّت بهم حتى منعتهم الجهاد(٥). وصحَّ وثبت في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال - وقد قَفَل عن(٦) بعض غزواته -: ((إنَّ بالمدينة رجالاً ما قطعتُم وادِياً، ولا سِرتُم مَسِيراً، إلا كانوا معكم، أولئك قومٌ حَبَسهم العُذْر))(٧). (١) في (د) و(ز): فضل. (٢) قوله: فقرأت: من (م) وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في سنن أبي داود. (٣) وقعت العبارة في مسند أحمد: عند صدع كان في الكتف. والكتف: عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان، كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم. النهاية (كتف). (٤) صحيح البخاري (٣٩٥٤)، وقد سلف أول المسألة. (٥) المحرر الوجيز ٩٨/٢، وذكر ابن عطية هذا القول عن ابن عباس، وأخرجه ابن أبي حاتم عنه (٥٨٤٥). (٦) في (م): من. (٧) أخرجه أحمد (١٢٠٠٩)، والبخاري (٢٨٣٩) من حديث أنس ﴾. وأخرجه أحمد (١٤٢٠٨)، ومسلم (١٩١١) من حديث جابر ﴾. ٥٧ سورة النساء: الآيتان ٩٥ - ٩٦ فهذا يقتضي أنَّ صاحب العذر يُعطَى أجرَ الغازي، فقيل: يحتمل أن يكون أجره مساوياً، وفي فضل الله متَّسَعٌ، وثوابُه فضلٌ لا استحقاقٌ؛ فيُئيب(١) على النية الصادقة ما لا يثيبُ(٢) على الفعل. وقيل: يُعطَى أجرَهُ من غير تضعيف؛ فيفضُلُه الغازي بالتضعيف للمباشَرة. والله أعلم. قلت: والقول الأول أصح - إن شاء الله - للحديث الصحيح في ذلك: ((إنَّ بالمدينة رجالاً)) ولحديث أبي كَبْشَة الأنماريِّ؛ قولُه عليه الصلاة والسلام: ((إنما الدنيا لأربعة نَفَر)) الحديثَ، وقد تقدم في سورة آل عمران (٣). ومن هذا المعنى ما ورد في الخبر: ((إذا مرض العبدُ قال الله تعالى: اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأَ، أو أقبضَه إليَّ))(٤). الثانية: وقد تمسّك بعض العلماء بهذه الآية بأنَّ أهل الديوان(٥) أعظمُ أجراً من أهل التطوُّع (٦)؛ لأنَّ أهل الديوان لمَّا كانوا متملَّكين بالعطاء، ويُصَرَّفون(٧) في الشدائد، وتروِّعهم البعوث والأوامر، كانوا أعظمَ من المتطوِّع؛ لسكون جأشه ونعمة باله في الصوائف الكبار ونحوها(٨). قال ابن محيرِيز: أصحاب العطاء أفضلُ من المتطوِّعة لِمَا يروَّعون. قال (١) في (ظ): فیثبت. (٢) في (ظ) و(م): ما لا يثبت. (٣) ٣٣١/٥، وينظر المفهم ٧٢٨/٣ - ٧٢٩ . (٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٣١/٣ من طريق عطاء بن يسار عن النبي # مرسلاً، وله شاهد من حديث أبي موسى الأشعري عند البخاري (٢٩٩٦) بلفظ: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً). وآخر من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عند أحمد (٦٤٨٢). (٥) الديوان: اسم للدفتر الذي يجمع فيه أسماء أنواع الجند المجاهدين بعطاء من بيت المال. الشرح الكبير لأبي البركات الدردير ١٨٢/٢. (٦) في (ظ): أعظم أجراً من المتطوع. (٧) في (د) و(ز): ويتصرفون. (٨) في (ظ): الضوائق، وفي (د) و(ز): الطوائف، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٩٨/٢، والكلام منه. والصوائف جمع صائفة: وهي الغزوة في الصيف. ٥٨ سورة النساء: الآيتان ٩٥ - ٩٦ مكحول: رَوْعاتُ البعوث تنفي روعاتِ القيامة(١). الثالثة: وتعلَّق بها أيضاً مَن قال: إنَّ الغنَى أفضلُ من الفقر؛ لذكر الله تعالى المال الذي يوصَلُ به(٢) إلى صالح الأعمال. وقد اختلف الناس في هذه المسألة مع اتفاقهم أنَّ ما أَخْوَجَ من الفقر مكروه، وما أَبْطَرَ من الغِنى مذموم. فذهب قومٌ إلى تفضيل الغنى؛ لأن الغنيَّ مقتدرٌ، والفقيرَ عاجزٌ، والقدرةُ أفضلُ من العجز؛ قال الماوَرْديُّ(٣): وهذا مذهبُ مَن غَلَبَ عليه حبُّ النباهة. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر؛ لأنَّ الفقير تاركٌ والغنيَّ مُلابِسٌ، وتركُ الدنيا أفضلُ من مُلاَبَسَتِها؛ قال الماوَرْدِيُّ: وهذا مذهبُ مَن غَلَبَ عليه حبُّ السلامة. وذهب آخرون إلى تفضيل التوسُّط بين الأمرين، بأن يَخرج عن حدِّ الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصِلَ إلى فضيلة الأمرين، ويَسْلمَ (٤) من مذمَّةِ الحالين، قال الماورديُّ: وهذا مذهبُ مَن يرى تفضيلَ الاعتدال، وأنَّ خيار(٥) الأمور أَوْساطُها(٦). ولقد أحسن الشاعر الحكيم حيث قال: ألا عائذاً بالله من عَدَم الغِنى ومن رغبةٍ يوماً إلى غير مُرْغِب(٧) الرابعة: قوله تعالى: ﴿غيّرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ قرأه(٨) أهل الكوفة وأبو عمرو: ((غيرُ)) (١) المدونة ٢ / ٤٣ . (٢) قوله: به، ليس في (ظ). (٣) في أدب الدنيا والدين ص ٢٠٣، والكلام الذي قبله منه. (٤) في (م): وليسلم. (٥) في (د) و(م): خير، والمثبت من (ظ) و(ز)، وهو الموافق لما في أدب الدنيا والدين. (٦) في (م) أوسطها، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في أدب الدنيا والدين. (٧) المرغب: الموسر له مال كثير. وذكره الحسن اليوسي في محاضرات في الأدب واللغة ٤٨٧/٢ برواية: ومن رغب يوماً إلى غير راغب ألا عائذ بالله من عدم الغنى (٨) في (د) و(ظ) و(م): قراءة، والمثبت من (ز). ٥٩ سورة النساء: الآيتان ٩٥ - ٩٦ بالرفع(١)؛ قال الأخفش: هو نعتٌ للقاعدين(٢)؛ لأنهم لم يُقْصَد بهم قومٌ بأعيانهم، فصاروا كالنكرة، فجاز وصفُهم بغير(٣)، والمعنى: لا يستوي القاعدون غيرُ أولي الضرر، أي: لا يستوي القاعدون الذين هم غيرُ أولي الضرر. والمعنى: لا يستوي القاعدون الأصحاءُ؛ قاله الزجاج (٤). وقرأ أبو حيوة: ((غيرٍ)) جعله نعتاً للمؤمنين(٥)، أي: من المؤمنين الذين هم غيرُ أولي الضرر، [أي] من المؤمنين الأصحاءِ(٦). وقرأ أهلُ الحَرَمين: ((غيرَ)) بالنصبِ (٧) على الاستثناء من القاعدين، أو من المؤمنين، أي: إلَّا أُولي الضررِ؛ فإنهم يستوون مع المجاهدين. وإنْ شئتَ على الحال من القاعدين، أي: لا يستوي القاعدون أصحَّاءَ(٨)، أي: في حال صحتهم، وجازت الحالُ منهم؛ لأنَّ لفظهم لفظُ المعرفة، وهو كما تقول: جاءني زيدٌ غيرَ مريض. وما ذكرناه من سبب النزول يدلُّ على معنى النصب، والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾. وقد قال بعد هذا: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةٌ وَرَحْمَةٌ﴾ فقال قوم: التفضيلُ بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغةٌ وبيانٌ وتأكيد(٩). (١) هي قراءة عاصم وحمزة من الكوفيين، وقرأ بها أيضاً من السبعة ابن كثير وأبو عمرو. السبعة ص٢٣٦ ، والتيسير ص٩٧ . وسيرد ذكر قراءة النصب. (٢) في معاني القرآن له ١/ ٤٥٣، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٨٣/١ . (٣) مشكل إعراب القرآن ٢٠٦/١ . (٤) في معاني القرآن له ٢/ ٩٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في معاني القرآن ١٧٠/٢. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٨٣/١، وزاد ابن عطية في المحرر الوجيز ٩٧/٢ نسبتها للأعمش. (٦) معاني القرآن للنحاس ١٧١/٢، وما بين حاصرتين منه. (٧) قرأ بها من أهل الحرمين نافع المدني، ووافقه الكسائي من الكوفيين، وابن عامر الشامي. ورُويت عن ابن كثير المكي من طريق شبل عنه، كما ذكر ابن مجاهد في السبعة ص٢٣٦ . (٨) في (م) القاعدون من الأصحاء، وفي (د) و(ظ): القاعدون الأصحاء، والمثبت من (ز)، وهو الموافق لما في معاني القرآن للنحاس ٢/ ١٧٠ - ١٧١، والكلام منه، وينظر مشكل إعراب القرآن ٣٤٤/١ . (٩) المحرر الوجيز ٩٨/٢. ٦٠ سورة النساء: الآيتان ٩٥ - ٩٦ وقيل: فضَّل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجةٍ واحدة، وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين من غير عُذْرٍ درجات؛ قاله ابن جُريج(١) والسدِيُّ وغيرهما. وقيل: إنَّ معنى ((درجة)): عُلُوًّا(٢)، أي: أَعْلى ذِكْرَهم، ورفعَهم بالثناء والمدح والتَّقْريظ. فهذا معنى(٣) ((درجة)). و((درجات)) يعني: في الجنة. قال ابن مُحَيْريز: سبعين درجة؛ بين كل درجتين حُضْرُ الفرسِ الجوادٍ سبعين سنة(٤). و((درجات)) بدلٌ من أجر وتفسيرٌ له. ويجوز نصبُه أيضاً على تقدير الظرف، أي: فضَّلهم بدرجات(٥)، ويجوز أن يكون توكيداً لقوله ((أَجْراً عَظِيماً))؛ لأنَّ الأجرَ العظيم هو الدرجاتُ والمغفرة والرحمة(٦). ويجوز الرفع(٧): أي: ذلك درجات. و((أجراً)) نصب بـ ((فَضَّلَ))، وإن شئتَ كان مصدراً (٨)، وهو أحسن، ولا ينتصب بـ ((فضَّل))؛ لأنه قد استوفى مفعوليه(٩)؛ وهما قوله: ((المجاهدين)) و((على القاعدین)). وكذا ((درجة)). (١) أخرجه الطبري ٣٧٥/٧ و٣٧٦ . (٢) في (د) و(م): علو، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٤٨٣/١، والكلام منه. (٣) في النسخ الخطية: بمعنى. (٤) أخرجه الطبري ٣٧٨/٧، وابن أبي حاتم (٥٨٥٧). والحُضْر بالضم: العَدْو. النهاية (حضر). (٥) كذا قال المصنف رحمه الله، والذي ذكره أبو حيان وغيره أن النصب بتقدير الظرف يكون بتقدير ((في)) أي: في درجات، أما النصب بتقدير الباء، فهو نصب على إسقاط الخافض. ينظر الإملاء للعكبري ٣٠٩/٢ و٣١١، والبحر ٣٣٣/٣، والدر المصون ٧٦/٤ - ٧٧ . (٦) معاني القرآن للزجاج ٩٤/٢ . (٧) يعني لغةً، وليس قراءةً. (٨) إعراب القرآن للنحاس ٤٨٤/١، قال العكبري في الإملاء ٣١٠/٢ : هو مصدر من غير لفظ الفعل؛ لأن معنى فضَّلهم: أَجَرهم. وينظر البحر ٣٣٣/٣، والدر المصون ٤/ ٧٧ . (٩) وجوَّزه العكبري في الإملاء ٢/ ٣١٠، وأبو حيان في البحر ٣٣٣/٣، والسمين في الدر ٤/ ٧٧. قال السمين: النصب على أنه مفعول ثان؛ لأنه ضمَّن («فضَّل)»: أعطى، أي: أعطاهم أجراً.