النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سورة النساء: الآية ٩٢
وأجمع أهلُ السِّيَرِ والعلم أن الدِّيَة كانت في الجاهلية تحملُها العاقلةُ، فأقرَّها
رسول الله ﴿ في الإسلام، وكانوا يتعاقلون بالنُّصرة، ثم جاء الإسلام، فجرى الأمرُ
على ذلك حتى جعلَ عمر الدِّيوان، واتفق الفقهاء على رواية ذلك، والقولِ به.
وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول اللـه﴿، ولا زمنٍ أبي بكر ديوانٌ، وأن عمرَ جعل
الديوان، وجمعَ به (١) الناس، وجعل أهلَ كلِّ ناحية يداً، وجعل عليهم قتالَ مَن يَلِيهم
من العدوِّ.
الثامنة: قلت: ومما ينخرِط في سِلكِ هذا الباب، ويدخلُ في نظامه: قَتْلُ الجَنِين
في بطن أمه، وهو أن يُضربَ بطنُ أُمِّه، فتُلْقِيَه حيًّا ثم يموت؛ فقال كافة العلماء: فيه
الدِّيَّةُ كاملةً في الخطأ وفي العَمْدِ بعد القَسامة. وقيل: بغير قَسامة.
واختلفوا فيما به تُعلم حياتُه، بعد اتفاقهم على أنه إذا استَهلَّ صارخاً، أو
ارتضع، أو تنَفَّس نَفَساً مُحقَّقَةً، حَيٍّ، فيه الدِّيَةُ كاملةً، فإن تحرَّك، فقال الشافعيُّ وأبو
حنيفة: الحركة تدلُّ على حياته. وقال مالك: لا، إلَّا أن يقارنَها طولُ إقامة (٢).
والذكر والأنثى عند كافة العلماء في الحُكْم سواء. فإن أَلْقته ميتاً؛ ففيه غُرَّةٌ: عبدٌ
أو وَلِيدَةٌ، فإن لم تُلْقه، وماتت وهو في جوفها لم يخرج، فلا شيءَ فيه. وهذا كلُّه
إجماعٌ لا خلاف فيه.
ورُوي عن الليث بنِ سعد وداودَ أنهما قالا في المرأة: إذا ماتت مِن ضَرْبٍ
بطنِها، ثم خرج الجنين ميتاً بعد موتها: ففيه الغُرةُ، وسواءٌ رمته قبل موتها، أو بعد
موتها؛ المعتبرُ حياةٌ أمه في وقت ضَرْبها لا غير. وقال سائر الفقهاء: لا شيءَ فيه إذا
خرج ميتاً من بطنها بعد موتها.
قال الطحاوِيُّ محتجًّا لجماعةِ الفقهاء بأنْ قال: قد أجمعوا - والليثُ معهم - على
أنه لو ضُرب بطنُها وهي حيةٌ، فماتت والجنينُ في بطنها ولم يسقط، أنَّه لا شيءَ فيه،
(١) في (م): بين.
(٢) المفهم ٦٠/٥، وينظر الإشراف ٢٠٧/٢ -٢٠٨ .

٢٢
سورة النساء: الآية ٩٢
فكذلك إذا سقط بعدَ موتها (١).
التاسعة: ولا تكون الغُرةُ إلا بيضاء؛ قال أبو عمرو بن العلاء في قول رسول الله ﴾:
(في الجَنِينِ غُرَّةٌ: عبدٌ أو أمَة))(٢): لولا أنَّ رسول اللـه ﴾ أرادَ بالغُرّة معنًى، لقال: في
الجنين عبدٌ أو أمة، ولكنه عَنَى البياضَ، فلا يُقبل في الدِّية إلا غلامٌ أبيضُ، أو جاريةٌ
بيضاء، لا يقبل فيها أسودُ ولا سوداء(٣) ..
واختلف العلماءُ في قيمتها؛ فقال مالك: تقوَّم بخمسين ديناراً، أو ستِّ مئةٍ
درهم؛ نصف عُشْرِ دِيَةِ الحرِّ المسلم، وعُشر دِيَة أُمِّهِ الحرةِ، وهو قول ابنٍ شهاب
وربيعةَ وسائرٍ أهل المدينة. وقال أصحاب الرأي: قيمتُها خمسُ مئة درهم. وقال
الشافعيُّ: سِنُّ الغُرَّةِ سبعُ سنين، أو ثمان سنين، وليس عليه أن يقبلها مَعِيبً (٤).
ومقتضى مذهب مالك أنه مخيَّر بين إعطاءِ غُرَّةٍ، أو عُشْرِ دية الأم؛ من الذهب
خمسون(٥) ديناراً إن كانوا أهلَ ذهب، أو من الوَرِق(٦) - إن كانوا أهلَ ورِق - ستُّ مئةٍ
درهم، أو خمسُ فرائضَ(٧) من الإبل.
قال مالك وأصحابه: هي في مال الجاني؛ وهو قول الحسن بن حَيٍّ. وقال أبو
حنيفة والشافعيُّ وأصحابُهما: هي على العاقلة. وهو أصحُ؛ لحديث المُغِيرة بنِ
شعبة: أن امرأتين كانتا تحت رجل (٨) من الأنصارِ - في رواية: فتغايرتا (٩) - فضربتْ
---
(١) التمهيد ٦/ ٤٨٢-٤٨٤.
(٢) أخرجه أحمد (٧٢١٧)، والبخاري (٦٧٤٠)، ومسلم (١٦٨١): (٣٥) من حديث أبي هريرة بلفظ:
قضى رسول الله # في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرَّةٍ: عبدٍ أو أمة.
(٣) طبقات النحويين واللغويين لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي ص٣٦.
(٤) التمهيد ٦/ ٤٨٢-٤٨٣، وينظر الإشراف ٢٠٥/٢ .
(٥) في النسخ: عشرون، وهو خطأ، والمثبت من المفهم ٥/ ٦١، والكلام منه.
(٦) في (م): ومن الورق.
(٧) في (٥): قلائص. وهي جمع قَلُوص، وهي الناقة الشابة. وأما الفرائض، فهي جمع فريضة، وهو
البعير المأخوذ في الزكاة. النهاية (قلص) (فرض).
(٨) في (م): رجلين، وهو خطأ.
(٩) في مسند أحمد (١٨١٤٩): فغارتا.

٢٣
سورة النساء: الآية ٩٢
إحداهما الأخرى بعمودٍ فقتلتها، فاختصما(١) إلى النبيِّ ﴾؛ الرجلان، فقال(٢) [أحد
الرجلين: كيف] نَدِي مَن لا صاح [ولا استهلَّ]، ولا أكل ولا شرب (٣)؟، فقال:
((أسَجْعٌ كسَجْعِ الأَعْراب؟)). فقضى فيه غُرَّةً، وجعلها على عاقلةِ المرأة. وهو حديثٌ
ثابتٌ صحيح، نصٍّ في موضع الخلاف، يوجبُ الحكم. ولمَّا كانت دِيَةُ المرأة
المضروبة على العاقلة، كان الجَنِين كذلك في القياس والنظر (٤).
واحتج علماؤنا بقولِ الذي قُضي عليه: كيف أَغْرَمُ(٥)؟ قالوا: وهذا يدلُّ على أن
الذي قُضي عليه معيَّن [وأنه واحد]، وهو الجاني. ولو أنَّ دِيَةَ الجنين قُضِيَ بها على
العاقلة لقال: فقال الذين(٦) قُضي عليهم.
وفي القياس: أن كلَّ جانٍ جنايتُه عليه، إلا ما قام بخلافه الدليلُ الذي لا
معارِضَ له؛ مثلُ إجماع لا يجوز خلافُه، أو نصٍّ، [أو] سنَّةٍ من جهةٍ نقلِ الآحاد
العدول لا معارِضَ لها؛ فيجب الحكم بها، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ
نَفْسِ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىَّ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
العاشرة: ولا خلاف بين العلماء أنَّ الجنين إذا خرج حَيًّا فيه الكفارةُ مع الدِّية.
واختلفوا في الكفارة إذا خرج ميتاً، فقال مالكٌ: فيه الغُرَّة والكفارةُ. وقال أبو حنيفةً
(١) في (م): فاختصم.
(٢) في (د) و (م): فقالا، والمثبت من (ز) و (ظ)، وهو الموافق لما في التمهيد ٤٨٦/٦، والكلام منه،
وقوله: الرجلان، ليس في التمهيد.
(٣) في مطبوع التمهيد: من لا صاح ولا استهلَّ، ولا شرب ولا أكل، وهو الأشبه؛ للسجع. ولفظ المصنف
رواية أخرى للتمهيد كما جاء في حواشيه.
(٤) التمهيد ٦/ ٤٨٤-٤٨٦، وما سلف بين حاصرتين منه، والحديث أخرجه أحمد (١٨١٤٩)، ومسلم
(١٦٨٢)، وجاء فيه عند مسلم: فقال رجل من عَصَبة القاتلة: أنغرم دية من لا أكل ولا شرب ولا
استهلَ، فمثل ذلك يُطَلّ. فقال رسول الله ﴾: ((أسجع ... )) قال الخطابي في معالم السنن ٣٤/٤: لم
يَعِبْه بمجرد السَّجع دون ما تضمَّنه سجعه من الباطل.
(٥) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (١٠٩١٦)، والبخاري (٥٧٥٨)، ومسلم (١٦٨١): (٣٦) من حديث أبي
هريرة ﴾.
(٦) في (د) و (ز) و(م): الذي، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في التمهيد ٤٨٤/٦، والكلام منه،
وما سیرد بین حاصرتين منه.

٢٤
سورة النساء: الآية ٩٢
والشافعيُّ: فيه الغُرَّة ولا كفارةَ.
واختلفوا في ميراث الغُرَّة عن الجنين، فقال مالك والشافعي وأصحابهما: الغُرَّة
في الجنين موروثةٌ عن الجنين على كتاب الله تعالى؛ لأنها دِيَةٌ. وقال أبو حنيفةً
وأصحابه: الغُرَّة للأمِّ وحدَها؛ لأنها جنايةٌ جُنيَ عليها بقطع عضو من أعضائها،
وليست بدِيَة. ومن الدليل على ذلك أنه لم يُعتبر فيه الذَّكَرُ والأنثى كما يلزم في
الدِّيَات، فدلَّ على أنَّ ذلك كالعضو. وكان ابن هُرْمُز يقول: دِيَتُه لأبويه خاصَّةً؛ لأبيه
ثلثاها، ولأمه ثلثُها، مَن كان منهما حَيَّ، كان ذلك له، فإنْ كان أحدهما قد مات،
كانت للباقي منهما أباً كان أو أمَّا، ولا يرث الإخوة شيئاً(١).
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَضَدَّقُوا﴾ أصله: ((أنْ يتصدَّقوا)) فأُدغمت
التاء في الصاد. والتصدُّق: الإعطاء. يعني: إلا أن يُبرئ الأولياءُ ورثةُ المقتول مما
أوجب الله لهم من الدِّية عليهم، فهو استثناء ليس من الأول.
وقرأ أبو عبد الرحمن ونُبيح(٢): ((إلا أنْ تَصَدَّقوا)) بتخفيف الصاد والتاء. وكذلك
قرأ أبو عمرو، إلا أنه شدَّد الصاد(٣). ويجوز على هذه القراءة حذفُ التاء الثانية(٤)،
ولا يجوز حذفُها على قراءة الياء؛ وفي حرف أُبيِّ وابن مسعود: ((إلا أنْ يتصدَّقوا))(٥).
(١) التمهيد ٤٨٦/٦-٤٨٧ .
(٢) قوله: ونبيح، ليس في (ظ)، ونبيح: هو ابن عبد الله العَنَزي، أبو عمرو الكوفي.
(٣) المحرر الوجيز ٩٣/٢، والعبارة فيه: وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن (يعني السلمي) وعبد الوارث عن
أبي عمرو: ((تَصَّدَّقوا)) بالتاء على المخاطبة للحاضر، وقرأ نبيح العنزي: ((تصَدَّقوا)) بالتاء وتخفيف
الصاد. اهـ. والقراءة المشهورة عن أبي عمرو هي: ﴿يَضَدَّقُواْ﴾ مثل قراءة الجمهور، وينظر البحر
٣٢٤/٣.
(٤) يعني في قراءة مَن قرأ: ((تَصَدَّقوا)) بالتاء وتخفيف الصاد. ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٨٠/١.
(٥) ذكرها الطبري ٧/ ٣١٤، والنحاس في إعراب القرآن ١/ ٤٨٠، والزمخشري في الكشاف ٥٥٣/١ ،
عن أبيٍّ ﴾، ووقع في المطبوع من القراءات الشاذة ص٢٨، عن ابن مسعود: ((تتصدقوا)). قال أبو
حيان في البحر ٣٢٤/٣: في حرف أُبي وعبد الله: ((يتصدقوا)) بالياء والتاء.

٢٥
سورة النساء: الآية ٩٢
وأما الكفارة التي هي لله تعالى فلا تسقط بإبرائهم؛ لأنه أَتلف شخصاً في
عبادة(١) الله سبحانه، فعليه أن يخلِّص آخَرَ لعبادة ربِّه(٢)، وإنما تسقط الدية التي هي
حقٌّ لهم، وتجب الكفارة في مال الجاني ولا تُتَحَمَّل.
الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ هذه
مسألة المؤمن يُقتَل في بلاد الكفار، أو في حروبهم على أنه من الكفار. والمعنى عند
ابن عباس وقتادةَ والسُّدِّي وعكرمةَ ومجاهد والنَّخَعيِّ: فإنْ(٣) كان هذا المقتولُ رجلاً
مؤمناً قد آمن وبقي في قومه وهم كَفَرة عَدُوٌّ لكم، فلا دِيَةَ فيه؛ وإنما كفارته تحریرُ
الرقبة (٤). وهو المشهور من قول مالك، وبه قال أبو حنيفة.
وسقطت الدِّيّة لوجهين: أحدهما: أنَّ أولياء القتيل كفار، فلا يصحُّ أن تُدفع
إليهم يتقوَّون(٥) بها. والثاني: أنَّ حرمة هذا الذي آمن ولم يُهاجر قليلةٌ، فلا دِيَةً له(٦)؛
لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّن وَلَبَتِهِم مِن شَىْءٍ حَّ يُهَاجِرُواْ﴾
ج
[الأنفال: ٧٢].
وقالت طائفة: بل الوجه في سقوط الدِّيَة: أنَّ الأولياء كفارٌ فقط، فسواءٌ كان
القتيل(٧) خطأً بين أَظْهُر المسلمين، أو بين قومه لم (٨) يهاجر، أو هاجر ثم رجع إلى
قومه = كفارتُه التحريرُ، ولا دِيَةَ فيه؛ إذ لا يصح دفعُها إلى الكفار، ولو وجبت الدِّيَةُ؛
(١) في (ظ): عباد.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٧٤ .
(٣) في (ظ): بأن.
(٤) المحرر الوجيز ٩٣/٢، وأخرج قولهم الطبري ٣١٥/٧-٣١٦.
(٥) في (د) و(ز): فيتقوون، وفي (م): فيتقوَّوا، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز
٩٣/٢، والكلام منه.
(٦) لفظة: له، من (ظ). وفي المحرر الوجيز: فيه.
(٧) في النسخ: القتل، والمثبت من المحرر الوجيز.
(٨) في النسخ: ولم، والمثبت من المحرر الوجيز.

٢٦
سورة النساء: الآية ٩٢
لَوجبت لبيت المال على بيت المال، فلا تجب الدِّيَةُ في هذا الموضع وإنْ جرى القتل
في بلاد(١) الإسلام. هذا قول الشافعيِّ، وبه قال الأوزاعيُّ والثوريُّ وأبو ثَوْر. وعلى
القول الأول؛ إنْ قُتِل المؤمنُ في بلاد المسلمين وقومُه حربٌ، ففيه الدِّيَةُ لبيت المال
والكفارةُ.
قلت: ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم عن أسامةً قال: بعثنا رسول اللـه 18
فِي سَرِيَّة، فصبَّخْنا الحُرَقات من جُهَينةَ، فأدركتُ رجلاً، فقال: لا إله إلا الله، فطعنتُه،
فوقع في نَفْسي من ذلك، فذكرتُه للنبيِّ #، فقال رسول اللـه #: ((أَقال: لا إله إلا الله
وقتلتَه؟!)) قال: قلتُ: يا رسول الله! إنما قالها خوفاً من السلاح. قال: ((أفلا شَقَّقْتَ
عن قلبه؛ حتى تعلَّم أقالها أَمْ لا؟!))(٢). فلم يحكم عليه ﴿ بقصاصٍ ولا دِيّة.
ورُوي عن أسامةَ أنه قال: إنَّ رسول الله :﴿ استغفر لي بعدُ ثلاثَ مرات، وقال:
((أعتِقْ رقبةً))(٣) ولم يحكم عليه (٤) بقصاص ولا دِيّة.
فقال علماؤنا: أما سقوط القصاص فواضحٌ؛ إذ لم يكن القتل عدواناً، وأما
سقوطُ الدية فلاً وجُهِ ثلاثةٍ :
الأول: لأنه كان أذن له في أصل القتال، فكان عنه إتلافُ نفسٍ محترمةٍ غَلَطاً؛
کالخاتن والطبيب.
الثاني: لكونه من العدوِّ، ولم يكن له وليٍّ من المسلمين تكون له ديتُه؛ لقوله
تعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوِّ لَّكُمْ﴾ كما ذكرنا.
الثالث: أنَّ أسامةَ اعترف بالقتل، ولم تَقُم بذلك بينةٌ، ولا تعقِل العاقلة اعترافاً،
(١) في (ظ): دار.
(٢) صحيح مسلم (٩٦)، وهو عند أحمد (٢١٧٤٥)، والبخاري (٤٢٦٩). قوله: الحُرقات: بضم الراء
وفتحها، هو موضع معروف ببلاد جهينة. المفهم ٢٩٦/١ .
(٣) تفسير البغوي ١/ ٤٦٦ .
(٤) قوله: علیه، من (ز) و (ظ).

٢٧
سورة النساء: الآية ٩٢
ولعل أسامةَ لم يكن له مالٌ تكون فيه الديةُ. والله أعلم (١).
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْثَقٌ﴾ هذا
في الذميِّ والمعاهَد يُقتل خطأً، فتجب الدِّيَةُ والكفارةُ؛ قاله ابن عباس والشَّعبيُّ
والنَّخَعي(٢) والشافعي. واختاره الطبري(٣)؛ قال: لأنَّ (٤) الله سبحانه وتعالى أَبْهَمه
ولم يقُل: وهو مؤمن كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب. وإطلاقُه ما
قُيِّد قبلُ يدلُّ على أنه خلافُه.
وقال الحسن وجابر بنُ زيد وإبراهيم أيضاً: المعنى: وإنْ كان المقتول خطأً
مؤمناً من قوم معاهِدين لكم، فعهدُهم يوجب أنهم أحقُّ بدِيَة صاحبهم، فكفارتُه
التحريرُ وأداءُ الدِّيَةِ(٥).
وقرأها الحسن: ((وإن كان من قومٍ بينكم وبينهم ميثاق وهو مؤمِن))(٦). قال
الحسن: إذا قتل المسلمُ الذميَّ فلا كفَّارةَ عليه(٧).
قال أبو عمر (٨): وأما الآية فمعناها عند أهل الحجاز مردودٌ على قوله: ﴿وَمَا
كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّ خَطًَا﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ﴾ يريد
ذلك المؤمنَ. والله أعلم.
قال ابن العربي(٩): والذي عندي أنَّ الجملة محمولةٌ حَمْلَ المطلَق على المقيَّد.
(١) المفهم ٢٩٨/١ .
(٢) أخرج قولهم الطبري ٣١٨/٧-٣١٩.
(٣) في التفسير ٧/ ٣٢١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن العربي في أحكام القرآن ١/ ٤٧٧ .
(٤) في (د) و (ز) و(م): إلا أن، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمصادر.
(٥) المحرر الوجيز ٩٣/٢، وأخرج قولهم الطبري ٧/ ٣٢٠ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١ / ٤٨١، والمحرر الوجيز ٩٣/٢-٩٤ .
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣١٠ .
(٨) في التمهيد ١٧/ ٣٦١ .
(٩) في أحكام القرآن ٤٧٨/١ .

٢٨
سورة النساء: الآية ٩٢
قلت: وهذا معنى ما قاله الحسن، وحكاه أبو عمر عن أهل الحجاز.
وقوله: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ على لفظ النكرة ليس يقتضي دِيَّةً بعينها(١).
وقيل: هذا في مشركي العرب الذين كان بينهم وبين النبي عليه الصلاة والسلام
عهدٌ على أن يُسْلِموا أو يؤذَّنوا بحرب إلى أجل معلوم، فمَن قُتِل منهم؛ وجبت فيه(٢)
الديةُ والكفارةُ، ثم نُسخ بقوله تعالى: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ
اُلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١].
الرابعة عشرة: وأجمع العلماء على أنَّ دِيَةَ المرأة على النصف من دِيَة الرجل،
قال أبو عمر (٣): إنما صارت ديتُها - والله أعلم - على النصف من دِيَة الرجل من أَجْلٍ
أنَّ لها نصفَ ميراث الرجل، وشهادةُ امرأتين بشهادة رجل. وهذا إنما هو في دِيَة
الخطأ، وأما العمدُ ففيه القصاصُ بين الرجال والنساء؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿النَّفْسَ
بِالنَّفْسِ﴾. و﴿ الْخُّ بِالْخُ﴾ كما تقدم في ((البقرة))(٤).
الخامسة عشرة: روى الدارقطني من حديث موسى بن عُلَيّ بنِ رَبَاح اللَّخْميِّ قال:
سمعت أبي يقول: إنَّ أعمى كان يُنشد في الموسم في خلافة عمر بن الخطاب ﴾ه وهو
يقول :
يا (٥) أيُّها الناسُ لَقيتُ منكراً. هل يَعْقِل الأعمى الصحيحَ المُبصِرا
خَرَّا معاً كلاهما تَكسَّرا
وذلك أنَّ الأعمى كان يقوده بصيرٌ، فوقعا في بئر، فوقع الأعمى على البصير
فمات البصيرُ، فقَضَى عمرُ بعَقْل البصير على الأعمى(٦).
(١) التمهيد ٣٦١/١٧.
(٢) قوله: فيه، من (م) وليس في باقي النسخ.
(٣) التمهيد ٣٥٨/١٧ ، والكلام الذي قبله منه.
(٤) ٣/ ٦٦ وما بعدها.
(٥) قوله: يا، ليست في (د) و (ز) وسنن الدار قطني.
(٦) سنن الدار قطني (٣١٥٤)، وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة ٩/ ٤٠٢، والذهبي في سير أعلام النبلاء =

٢٩
سورة النساء: الآية ٩٢
وقد اختلف العلماء في الرجل يسقط على آخرَ فيموت أحدهما، فرُوي عن ابن
الزبير: يضمن الأعلى الأسفلَ، ولا يضمن الأسفلُ الأعلى. وهذا قولُ شُرَيح
والنَّخَعيِّ وأحمدَ وإسحاق. وقال مالك في رجلين جَرَّ أحدُهما صاحبه حتى سقطا
وماتا: على عاقلة الذي جَبَذه الديهُ(١).
قال أبو عمر (٢): ما أظُنُّ في هذا خلافاً - والله أعلم - إلا ما قال بعض المتأخرين
من أصحابنا وأصحابِ الشافعي: يضمن نصفَ الدِّيَة؛ لأنه مات مِن فِعْله، ومن
سقوط السَّاقط عليه.
وقال الحكم وابن شُبْرُمَةَ: إنْ سقط رجلٌ على رجل من فوق بيت، فمات
أحدُهما، قالا : يضمن الحيُّ منهما. وقال الشافعيُّ في رجلين يصدِم أحدهما الآخرَ
فماتا، قال: دِيَةُ المصدوم على عاقلة الصادم، ودِيَةُ الصادم هدرٌ (٣).
وقال في الفارِسَيْن إذا اصطدما فماتا(٤): على كلِّ واحد منهما نصفُ دِية
صاحبه؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما مات مِن فِعْل نفسه وفِعْل صاحبه، وقاله عثمان البَتِّي
وزُفَرُ. وقال مالكٌ والأوزاعيُّ والحسن بنُ حَيٍّ وأبو حنيفةَ وأصحابه في الفارسَيْن
يصطدمان فيموتان: على كلِّ واحد منهما دِيَةُ الآخر على عاقلته.
قال ابن خُويز منداد: وكذلك عندنا السفينتان تصطدمان إذا لم يكن للنُّوتيّ(٥)
= ٣١١/١٥، قال الحافظ في التلخيص ٣٧/٤: فيه انقطاع. وقال ابن حزم في المحلى ٥٠٦/١٠ :
الرواية عن عمر لا تصح في أمر الأعمى؛ لأنه عن علي بن رباح والليث؛ كلاهما لم يدرك عمر. قوله:
في الموسم، يعني في الحج. فتح الباري ٧/ ١٥٧ .
(١) الإشراف ١٨٦/٢.
(٢) في الاستذكار ٢١٧/٢٥ .
(٣) الإشراف ١٨٦/٢ -١٨٧.
(٤) قوله: قال في الفارسين ... يعني به الشافعي، ووقع في المطبوع من الاستذكار ٢١٩/٢٥ : الشعبي،
ولم نقف عليه عن الشعبي. ينظر الأم ١٦٥/٦، والإشراف ٢/ ١٨٢، ومختصر اختلاف العلماء
١٥٢/٥- ١٥٣، والمحلى ١٠/ ٥٠٣ .
(٥) في النسخ: النوتي، والمثبت من الاستذكار، وينظر الإشراف ١٨٤/٢ . والنوتي واحد النواتي، وهم
الملاحون في البحر خاصة. الصحاح (نوت).

٣٠
سورة النساء: الآية ٩٢
صرفُ السفينة، ولا الفارسِ صرفُ الفرس. وروي عن مالك في السفينتين
والفارِسَيْن: على كلِّ واحد منهما الضمانُ لقيمة ما أتلف لصاحبه كاملاً.
السادسة عشرة: واختلف العلماء من هذا الباب في تفصيل دِيَة أهل الكتاب،
فقال مالكٌ وأصحابه: هي على النصف من دِيَة المسلم، ودِيَةُ المجوسي ثمان مئة
درهم، ودِيَةُ نسائهم على النصف من ذلك(١). رُوي هذا القولُ عن عمرَ بن عبد العزيز
وعروة بن الزبير وعمرو بن شعيب(٢)، وقال به أحمد بن حنبل. وهذا المعنى قد روى
فيه سليمان بنُ بلال، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عَيَّاش بن أبي ربيعةً، عن عمرو
ابن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّ النبيَّ :# جعل دِيَةَ اليهوديِّ والنصراني على
النصف من دِية المسلم. وعبدُ الرحمن هذا قد روى عنه الثوريُّ أيضاً(٣).
وقال ابن عباس والشَّعبي والنَّخعي: المقتول من أهل العهد خطأً، لا تُبالي مؤمناً
كان أو كافراً على عهد قومه، فيه الدِّيَةُ كِيَة المسلم(٤)، وهو قول أبي حنيفةً والثوريِّ
وعثمان البَتِّي والحسن بن حيٍّ؛ جعلوا الدياتِ كلَّها سواءً، المسلم واليهوديُّ
والنصراني والمجوسي والمعاهد والذِّمِّي، وهو قول عطاء والزُّهريِّ وسعيد بن
المسيِّب. وحجتُهم قوله تعالى: ((فَدِيَةٌ))، وذلك يقتضي الدِّيَةَ كاملةً كدِيَة المؤمن.
وعَضَدُوا هذا بما رواه محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصَين، عن عكرمةَ، عن ابن
عباس في قصة بني قُرَيظةَ والنَّضير: أنَّ رسول اللـه * جعل دِيَتهم سواءً ديَةٌ كاملةٌ(٥).
(١) التمهيد ٣٥٩/١٧.
(٢) الإشراف ٢/ ١٤١ .
(٣) التمهيد ٣٥٩/١٧، والحديث أخرجه أحمد (٧٠١٢)، وابن ماجه (٢٦٤٤)، وأخرجه أبو داود
:
(٤٥٨٣) من طريق محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب به.
(٤) أخرج قول ابن عباس رضي الله عنهما الطبري ٣١٨/٧، والبيهقي ١٠٢/٨، وذكره الواحدي في
الوسيط ٩٥/٢، وأخرج الطبري ٧/ ٣٣٠ قول الشعبي والنخعي.
(٥) التمهيد ٣٥٩/١٧-٣٦١، والحديث أخرجه أحمد (٣٤٣٤)، وأبو داود (٣٥٩١)، والنسائي في
المجتبى ١٩/٨.

٣١
سورة النساء: الآية ٩٢
قال أبو عمر (١): هذا حديث فيه لِيْنٌ، وليس في مثله حجةٌ.
وقال الشافعي: دِيَةُ اليهودي والنصراني ثلثُ دِيَة المسلم، ودِيَة المجوسي ثمان
مئة درهم، وحجتُه أنَّ ذلك أقلُّ ما قيل في ذلك، والذمة بريئةٌ إلا بيقينٍ أو حجة(٢).
وروي هذا القول عن عمرَ وعثمانَ، وبه قال ابن المسيب وعطاء والحسن وعكرمة
وعمرو بن دينار وأبو ثَوْر وإسحاق(٣).
السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَ لَّمْ يَهِدٌ﴾ أي: الرقبة، ولا اتَّسع ماله لشرائها
﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ أي: فعليه صيام شهرين. ﴿مُتَتَابِعَيْنٍ﴾ حتى لو أفطر يوماً
استأنف، هذا قول الجمهور. وقال مكِّي عن الشعبي: إنَّ صيام الشهرين يجزئ عن
الدِّية والعتق لمَن لم يجد. قال ابن عطية (٤): وهذا القول وَهَمِّ؛ لأنَّ الدِّيَة إنما هي
على العاقلة، وليست على القاتل. والطبريُّ حكى هذا القولَ عن مسروق(٥).
الثامنة عشرة: والحَيْض لا يمنع التتابع من غير خلاف، وأنها إذا طَهُرت ولم
تؤخِّر، وَصَلَت باقي صيامها بما سلف منه، لا شيءَ عليها غير ذلك، إلا أنْ تكون
طاهراً قبل الفجر، فتتركَ صيامَ ذلك اليوم عالمةً بُطُهرها، فإنْ فعلت، استأنفتْ عند
جماعة العلماء؛ قاله أبو عمر(٦).
واختلفوا في المريض الذي قد صام من شهري التتابع بعضَهما(٧) على قولين؛
فقال مالك: وليس لأحد وجَب عليه صيامُ شهرين متتابعين في كتاب الله تعالى أنْ
(١) في التمهيد ١٧/ ٣٦١ .
(٢) التمهيد ٣٥٩/١٧ .
(٣) الإشراف ١٤١/٢، وقول عمره أخرجه عبد الرزاق (١٨٤٧٩)، وأخرجه عن عمر وعثمان رضي الله
عنهما ابن أبي شيبة ٢٨٨/٩-٢٨٩ .
(٤) في المحرر الوجيز ٢/ ٩٤ .
(٥) تفسير الطبري ٣٣٥/٧ .
(٦) الاستذكار ١٣٧/١٠، ووقع في (م): جماعة من العلماء.
(٧) في (ظ) و (م): بعضها.

٣٢
سورة النساء: الآية ٩٢
يُفطر إلا من عُذر: مرضٍ أو حيضة(١)، وليس له أن يسافرَ فيُفطرَ. وممَّن قال: يبني في
المرض، سعيد بنُ المُسيِّب وسليمان بن يسار، والحسن والشَّعبي، وعطاء ومجاهد،
وقتادة وطاوس. وقال سعيد بن جُبير والنَّخَعي والحكم بن عتيبة(٢) وعطاء
الخراساني: يستأنف في المرض، وهو قول أبي حنيفةً وأصحابه والحسن بن حيٍّ،
وأحدُ قولي الشافعي، وله قول آخر: أنه يبني، كما قال مالك. وقال ابن شُبْرُمةَ:
يقضي ذلك الیوم وحده إنْ کان عذرٌ غالبٌ، کصوم رمضان.
قال أبو عمر (٣): حجّة مَن قال: يبني؛ لأنه معذورٌ في قطع التتابع لمرضه (٤) ولم
يتعمَّد، وقد تجاوز الله عن غير المتعمِّد. وحجَّةُ مَن قال: يستأنف؛ لأن التتابع فرضٌ
لا يسقط بعذر(٥)، وإنما يسقط [فيه] المأثم؛ قياساً على الصلاة؛ لأنها ركعاتٌ
متتابعات، فإذا قطعَها عذرٌ، استأنف ولم يَبْنِ.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿تَوْبَةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر، ومعناه:
رجوعاً [بكم إلى التيسير والتسهيل] (٦) وإنما مسَّت حاجةُ المخطئ إلى التوبة؛ لأنه لم
يتحرَّز، وكان من حقه أنْ يتحقَّظ.
وقيل: أي: فليأتِ بالصيام تخفيفاً من الله تعالى عليه بقَبول الصوم بدلاً عن
الرَّقبة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾
[البقرة: ١٨٧] أي: خفَّف، وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخْصُوهُ فَذَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠].
الموفية عشرين (٧): ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ أي: في أزَله وأَبَدِه. ﴿عَلِيمًا﴾ بجميع
(١) في (د) و (ز) و(م): إلا من عذر أو مرض أو حيض، وفي الموطأ ٣٠١/١، والاستذكار ١٥٦/١٠،
والكلام منه: إلا من علة: مرض أو حيضة، والمثبت من (ظ).
(٢) في (د) و(ظ) و(م): عيينة، وهو خطأ.
(٣) في الاستذكار ١٥٨/١٠، وما قبله منه، ما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٤) في الاستذكار: بمرضه.
(٥) في (م): لعذر، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في الاستذكار.
(٦) المحرر الوجيز ٩٤/٢، وما بين حاصرتين منه.
(٧) قوله: الموفية عشرين، من (م)، وليس في باقي النسخ.

٣٣
سورة النساء: الآية ٩٣
المعلومات . ﴿حَكِيمًا﴾ فيما حكم وأبرم.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا
وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا
فيه سبع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ﴾ ((مَن)) شرطٌ، وجوابه ﴿فَجَزَآؤُهُ﴾
وسيأتي(١).
واختلف العلماء في صفة المتعمِّد في القتل، فقال عطاء والنَّخَعيُّ وغيرهما: هو
مَن قَتل بحديدة، كالسيف والخنجر وسِنان الرمح، ونحو ذلك من المشحون(٢) [المُعَدِّ
للقطع] أو بما يُعلم أن فيه الموتَ؛ من ثِقال الحجارة ونحوها. وقالت فرقة: المتعمِّد
كلُّ مَن قَتَلَ، بحديدةٍ كان القتل أو بحجر أو بعصاً أو بغير ذلك، وهذا قول
(٣)
الجمهور (٣).
الثانية: ذكر اللهُ عزَّ وجلَّ في كتابه العمدَ والخطأ، ولم يذكر شِبْهَ العمد، وقد
اختلف العلماء في القول به، فقال ابن المنذر(٤): أَنكر ذلك مالكٌ وقال: ليس في
كتاب الله إلا العمدُ والخطأ. وذكره الخَطَّابِيُّ(٥) أيضاً عن مالك، وزاد: وأما شِبْهُ
العمد فلا نعرفه.
قال أبو عمر: أنكر مالك، والليث بن سعد، شبه العمد، فمَن قُتل عندهما بما لا
يَقتل مثلُه غالباً؛ كالعَضّة واللّظمة وضربة السوط والقَضِيب(٦)، وشبه ذلك، فإنه عَمْد
(١) في المسألة السابعة.
(٢) في (ظ): المحدد.
(٣) المحرر الوجيز ٩٤/٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٤) في الإشراف ١٠٨/٢ .
(٥) في معالم السنن ٤/ ٢٧ .
(٦) في (ز) و(ظ): والقصب.

٣٤
سورة النساء: الآية ٩٣
وفيه القَوَد. قال أبو عمر: وقال بقولهما جماعة من الصحابة والتابعين. وذهب جمهور
فقهاء الأمصار إلى أن هذا كلَّه شبهُ العمد(١)، وقد ذُكر عن مالك، وقاله ابن وهب
وجماعة من الصحابة والتابعين (٢).
قال ابن المنذر: وشبهُ العمد يُعمل به عندنا(٣). وممن أثبت شِبْهَ العَمْد: الشَّعْبيُّ
والحَكَم وحمَّاد، والنَّخَعيُّ، وقَتادةٌ، وسفيان الثَّوْرِيّ، وأهلُ العراق والشافعيُّ
[وأصحاب الرأي]، وروينا ذلك عن عمر بنِ الخطاب، وعليّ بنِ أبي طالب رضي
الله عنهما (٤).
قلت: وهو الصحيح؛ فإن الدماء أحقُّ ما احتِيطَ لها، إذ الأصل صيانتُها في
أُهُبِها(٥)، فلا تُستباح إلا بأمرٍ بَيِّنِ لا إشكالَ فيه، وهذا فيه إشكال؛ لأنه (٦) لمَّا كان
متردِّداً بين العَمْد والخطأ، حُكم له بشبه العمد، فالضرب مقصودٌ، والقتل غيرُ
مقصود، وإنما وقع بغير القصد، فيسقط القَوَد وتُغلَّظ الدّيَة(٧). وبمثل هذا جاءت
(١) في (ظ): شبه عمد.
(٢) لم نقف على هذا القول لابن عبد البر في كتبه التي بين أيدينا، ولعله في كتابه: الأجوبة عن المسائل
المستغربة، كما ذكر هو في التمهيد ٤٨١/٦ و٣٥٤/١٧ أنه ذكر هذه المسألة مفصلة هناك. وقد ورد
قريب من كلامه هذا في الاستذكار ٢٤٨/٢٥ .
(٣) كذا قال المصنف رحمه الله، وهذا صحيح عند غير مالك والليث، لكن أصل الكلام إنما هو لمالك
فيما نقله عنه ابن المنذر في الإشراف ١٠٨/٢، ولفظه: وشبه العمد لا يُعملُ به عندنا. ونقل عنه قبل
ذلك قوله: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ. وقد سلف قريباً. وينظر المغني ١١/ ٤٤٥ .
(٤) الإشراف ٢/ ١٠٨ وما سلف بين حاصرتين منه. وخبر عمر أخرجه أبو داود (٤٥٥٠) من طريق مجاهد
قال: قضى عمر في شبه العمد ثلاثين حقة .. ، ومجاهد لم يسمع من عمر. ينظر المراسيل لابن أبي حاتم
ص١٦٢ . وخبر علي أخرجه أبو داود أيضاً (٤٥٥١)، وينظر الاستذكار ٢٣/٢٥ و٢٧ .
(٥) في النسخ الخطية: في أهلها، والمثبت من (م). والأُهُب جمع إهاب: وهو الجلد، ومنه قول عائشة
في صفة أبيها رضي الله عنهما: وحقن الدماء في أُهُبها. أي: في أجسادها. النهاية (أهب).
(٦) في (ظ): فإنه.
(٧) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤٧٩/١-٤٨٠ .

٣٥
سورة النساء: الآية ٩٣
السنة؛ روى أبو داود(١) من حديث عبد الله بن عمرو، أن رسول الله﴾ قال: ((ألَا
إنَّ دِيَةَ الخطأ شِبْهِ العمد ما كان بالسوط والعصا مئةٌ من الإبل: منها أربعون، في
بطونها أولادُها».
وروى الدارَ قُظْنيُ(٢) عن ابن عباس، قال: قال رسول اللـه ﴾: «العَمْدُ قَوَدُ اليد،
والخطأُ عَقْلٌ لا قَوَدَ فيه، ومَن قُتل في عِمِّيَّة(٣) بحجرٍ أو عصاً أو سَوْطِ، فهو دِيَةٌ
مغلَّظةٌ في أسنان الإبل)).
وروى أيضاً من حديث سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن
جدِّه، قال: قال رسول الله ﴾: «عَقْلُ شِبْهِ العَمْدِ مغلَّظُ(٤) مثلُ عَقْلٍ (٥) العمد، ولا
يُقتل صاحبه))(٦). وهذا نصٌّ.
وقال طاوس في الرجل يصابُ في الرِّمِّيًّا (٧) في القتال بالعصا أو السوط أو
الترامي بالحجارة: يُودَى ولا يقتلُ به؛ مِن أجلِ أنه لا يُدْرَى مَن قاتله(٨).
وقال أحمد بن حنبل: العِمِّيَّا هو الأمرُ الأعمى للعَصَبِيَّةَ(٩) لا يستبينُ ما وجهُه.
وقال إسحاق: هذا في تحارب(١٠) القوم، وقتلِ بعضِهم بعضاً. فكأنَّ أصلَه من
(١) في سننه (٤٥٤٧)، وهو عند أحمد (٦٥٣٣)، والنسائي في المجتبى ٤٠/٨، وابن ماجه (٢٦٢٧).
(٢) في سننه (٣١٣٨).
(٣) العِمِّيَّة: أن يوجد بينهم قتيل يعمى أمره ولا يبين قاتله. اللسان (عمى).
(٤) في النسخ الخطية: مغلظة، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المصادر.
(٥) في (م): قتل.
(٦) سنن الدارقطني (٣١٤٤)، وهو عند أحمد (٦٧١٨) وأبي داود (٤٥٦٥).
(٧) الرِِّّيا بوزن الهجِّيرا، من الرمي، وهو مصدر يراد به المبالغة. النهاية (رمى). ووقع بدلاً منها في (ظ):
العمیا.
(٨) سنن الدار قطني (٣١٤١).
(٩) في (د) و(ز): كالعصبة، وفي (ظ): كالأمر، وفي تهذيب اللغة، ٢٤٧/٣ (وفيه قول أحمد): العصبة،
والمثبت من (م)، واللسان (عمى).
(١٠) (في (ز) و(ظ): مخارج، وفي (د): تجارح، وفي (م): تحارج، والمثبت من تهذيب اللغة واللسان.

٣٦
سورة النساء: الآية ٩٣
التَّعمية، وهو التلبيس؛ ذكره الدار قُطْني(١).
مسألة: واختلف القائلون بشبه العمد في الدِّيَة المغلّظة، فقال عطاء والشافعيُّ:
هي ثلاثون حِقَّةٌ، وثلاثون جَذَعةً، وأربعون خلفة. وقد رُوي هذا القول عن عمر وزيد
ابن ثابت والمغيرة بن شعبة وأبي موسى الأشعري(٢)؛ وهو مذهبُ مالكٍ حيث يقول
بشبه العمد، ومشهورُ مذهبه أنه لم يقل به إلَّا في مثل قصة المُدْلِجي بابنه؛ حيث
ضَرَبه بالسيف(٣).
وقيل: هي مُرَبَّعةٌ : ربعٌ بناتُ لبون، وربعٌ حِقاقٌ، وربعٌ جِذَاعٌ، وربعٌ بناتُ
مخاض. هذا قول النعمان ويعقوب (٤)؛ وذكره أبو داود عن سفيان، عن أبي إسحاق،
عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي(٥).
وقيل: هي مُخمَّسة: عشرون بنتَ مخاض، وعشرون بنتَ لَبُون، وعشرون ابنَ
لَبُون، وعشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً؛ هذا قول أبي ثَوْر(٦).
وقيل: أربعون جَذَعةً إلى بازِلٍ عامِها(٧)، وثلاثون حِقَّة، وثلاثون بناتٍ لَبون.
(١) لم نقف عليه عند الدار قطني.
(٢) الإشراف ١٣٦/٢ . قوله: حِقَّة: هو من الإبل ما دخل في السنة الرابعة إلى آخرها، وسمِّي بذلك لأنه
استحق الركوب والتحميل، والجَذَّعة: هو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز
ما دخل في السنة الثانية - وقيل البقر في الثالثة - ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل: أقل منها.
والخلفة، بفتح الخاء وكسر اللام: الحامل من النوق. النهاية (حق) (جذع) (خلف).
(٣) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٤٧٩/١، وقد سلفت قصة المدلجي مع ابنه ٧٤/٣ .
(٤) الإشراف ١٣٦/٢ .
(٥) سنن أبي داود (٤٥٥٣). قال المنذري في مختصر السنن ٣٥٦/٦ : عاصم بن ضمرة تكلم فيه غير
واحد. اهـ. وأخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ١٣٤ من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علي. وهو
مرسل؛ فإن إبراهيم النخعي لم يسمع من علي ﴾. المراسيل لابن أبي حاتم ص١٨، غير أن هذا
الحديث روي عن علي ه في قتل الخطأ، وليس في شبه العمد، وسيأتي قوله في الدية في شبه العمد.
(٦) الإشراف ١٣٦/٢.
(٧) البازل من الإبل ما أتم ثماني سنين ودخل في التاسعة، وحينئذ يَطْلع نابه وتكمل قوته، ثم يقال له بعد
ذلك: بازل عام، وبازل عامين. النهاية (بزل).

٣٧
سورة النساء: الآية ٩٣
ورُوي عن عثمان بن عفان، وبه قال الحسن البصريُّ وطاوسٌ والزُّهرِيُّ(١).
وقيل: أربعٌ وثلاثون خَلِفة إلى بازِلٍ عامِها، وثلاثٌ وثلاثون حِقَّة، وثلاث
وثلاثون جَذَعةً؛ وبه قال الشعبيُّ والنَّخَعِيُّ(٢)، وذكره أبو داود عن أبي الأَخْوَص، عن
أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي(٣).
الثالثة: واختلفوا فيمَن تلزمُه دِيَةُ شِبْهِ العمد؛ فقال الحارث العُكْلِيُّ وابن أبي لَيْلَى
وابن شُبْرُمة وقَتادةُ وأبو ثَوْر: هو عليه في ماله. وقال الشَّعْبيُّ والنَّخَعيُّ والحَكم
والشافعيُّ والثَّوْريُّ وأحمدُ وإسحاق وأصحاب الرأي: هو على العاقلة. قال ابن
المنذر(٤): قولُ الشّعبيِّ أصحّ؛ لحديث أبي هريرة أنَّ النبيَّ ﴾ جَعَلَ دِيَةَ الجنينِ على
عاقلةِ الضارِبة (٥).
الرابعة: أجمع العلماء على أن العاقلة لا تحمل دِيةَ العمد، وأنها في مال
الجاني؛ وقد تقدَّم ذكرها في ((البقرة))(٦).
وقد أجمعوا على أنَّ على القاتل خطأً الكفارةَ، واختلفوا فيها في قتل العمد،
فكان مالك والشافعيُّ يَرَيانِ على قاتل العمد الكفارةَ(٧)، كما في الخطأ. قال
الشافعيُّ: إذا وجبت الكفارة في الخطأ؛ فَلَأَنْ تجبَ في العمد أوْلى. وقال: إذا شُرع
السجود في السهو؛ فلأن يُشرع في العمد أوْلى، وليس ما ذكره الله تعالى في كفارة
(١) الإشراف ١٣٦/٢، وأخرجه عن عثمان أبو داود (٤٥٥٤).
(٢) الإشراف ١٣٦/٢ .
(٣) سنن أبي داود (٤٥٥١)، وأخرجه عبد الرزاق (١٧٢٢٢) من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم،
عن علي ﴾.
(٤) في الإشراف ٢/ ٢٠٢ والكلام الذي قبله منه.
(٥) أخرجه أحمد (٧٧٠٣)، والبخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١): (٣٦) وقد سلف تخريج بعض رواياته
ص٢٢ من هذا الجزء.
(٦) ٨٥/٣ - ٨٦، وينظر الإشراف ١٩٩/٢.
(٧) الإشراف ٢/ ٢١٠ .

٣٨
سورة النساء: الآية ٩٣
العمد بمُسْقِطٍ ما قد وجب في الخطأ(١).
وقد قيل: إنَّ القاتل عمداً إنما تجبُ عليه الكفارة إذا عُفِيَ عنه فلم يُقتل، فأما إذا
قُتل قَوَداً فلا كفارةً عليه تُؤخذ من ماله. وقيل: تجب. ومَن قَتَل نفسَه فعليه الكفارةُ في
ماله.
وقال الثوريُّ وأبو ثَوْر وأصحابُ الرأي: لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله
تعالى. قال ابن المُنْذِر (٢): وكذلك نقول؛ لأن الكفارات عباداتٌ، ولا يجوز التمثيل
[عليها]. وليس يجوز لأحدٍ أن يفرض فرضاً يُلزمُه عبادَ الله إلَّا بكتابٍ أو سنَّةِ
أو إجماع، وليس مع مَن فَرض على القاتل عمداً كفارةً حجةٌ من حيث ذَكَرْت.
الخامسة: واختلفوا في الجماعة يقتلون الرجل خطأً؛ فقالت طائفة: على كلِّ
واحدٍ منهم الكفارةُ. كذلك قال الحسن، وعكرمةُ والنَّخَعيُّ، والحارث العُكْلِيُّ
ومالك، والثوريُّ والشافعيُّ، وأحمد وإسحاق، وأصحاب الرأي(٣).
.. وقالت طائفة: عليهم كلِّهم كفارةٌ واحدة. هكذا قال أبو ثور، وحُكيَ ذلك عن
الأوزاعيِّ.
وفَرَّق الزهريُّ بين العتق والصوم؛ فقال في الجماعة يَرِمُون بالمَنْجَنيق، فيقتلون
رجلاً: عليهم كلِّهم عتقُ رقبة، وإن كانوا لا يجدون؛ فعلى كلِّ رجلٍ (٤) منهم صومُ
شهرين متتابعين.
السادسة: رَوى النّسائِيُّ: أخبرنا الحسن بن إسحاق المَرْوزِيُّ - ثقةٌ - قال: حدَّثني
خالد بن خِدَاشٍ، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن بشير بن المهاجر، عن عبدالله
ابن بُرَيْدَةَ، عن أبيه قال: قال رسول اللـه ﴾: ((قَتْلُ المؤمنِ أعظمُ عند اللهِ من زَوَالِ
(١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٨٣/٢ .
(٢) في الإشراف ٢/ ٢١١ ، والكلام الذي قبله وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) قبلها في النسخ: وأبو ثور، والمثبت من الإشراف ٢١٠/٢، والكلام منه. وسيرد بعده قولُ أبي ثور.
(٤) في (د) و(ز) و(م): فعلى كل واحد، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في الإشراف.

٣٥
سورة النساء: الآية ٩٣
الدُّنيا))(١).
ورَوَى عن عبد الله قال: قال رسول اللـه﴾: ((أَوَّلُ ما يُحاسَبُ به العبدُ الصلاةُ،
وأولُ ما يُقْضَى بين الناسِ في الدماء)»(٢).
وروى إسماعيل بن إسحاق، عن نافع بن جبير بن مُطعِم، عن عبد الله بن
عباس: أنه سأله سائل فقال: يا أبا العباس، هل للقاتل توبةٌ؟ فقال له ابن عباس
كالمتعجّب من مسألته: ماذا تقول؟! مرتين أو ثلاثاً. ثم قال ابن عباس: ويحك! أنَّى
له توبة! سمعتُ نبيَّكم # يقول: ((يأتي المقتول معلَّقٌ(٣) رأسُه بإحدى يديه، مُتَلَيِّباً
قاتلَه بيده الأخرى، تَشْخُبُ أوداجُه دَماً، حتى يُوقفا (٤)، فيقول المقتول لله سبحانه
وتعالى: ربِّ هذا قتلني. فيقول الله تعالى للقاتل: تَعِسْتَ، ويُذهبُ به إلى النار))(٥).
وعن الحسن قال: قال رسول اللـه﴾: «ما نازلتُ ربِّي في شيءٍ ما نازلته في قَتْل
المؤمن، فلم يُجبني))(٦).
السابعة: واختلف العلماء في قاتل العمد؛ هل له من توبة؟ فروى البخاريُّ(٧) عن
سعيد بن جُبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة(٨)، فرحلتُ فيها إلى ابن عباس، فسألتُه
(١) سنن النسائي (المجتبى) ٨٣/٧، وأخرجه النسائي أيضاً ٧/ ٨٢ من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما مرفوعاً وموقوفاً، وأخرجه ابن ماجه (٢٦١٩) من حديث البراء بن عازب ﴾.
(٢) المجتبى ٨٣/٧، وأخرجه البخاري (٦٥٣٣)، ومسلم (١٦٧٨) بذكر الدماء فقط، دون ذكر الصلاة،
ولقوله: ((أول ما يحاسب به العبد الصلاة)) شاهد من حديث أبي هريرة عند الترمذي (٤١٣)، والنسائي
٢٣٣/١ - ٢٣٤.
(٣) في (م): معلقاً.
(٤) بعدها في (ظ): بين يدي الله تعالى.
(٥) أخرجه ابن أبي عاصم في الديات (٤٠)، والطبراني في الكبير (١٠٧٤٢) من طريق عبد الله بن الفضل
عن نافع بن جبير به، وأخرجه أحمد (١٩٤١) بنحوه من طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس
رضي الله عنهما.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٩/ ٣٥٧ وهو مرسل. وقوله: نازلت، أي: راجعته وسألته مرة بعد أخرى.
(٧) برقم (٤٥٩٠)، وهو عند مسلم (٣٠٢٣).
(٨) في (ظ): علماء أهل الكوفة.

٤٠
سورة النساء: الآية ٩٣
عنها، فقال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾
هي آخرُ ما نزل، وما نَسَخَها شيءٌ.
وروى النَّسائيُّ عنه قال: سألتُ ابنَ عباس: هل لمن قَتَل مؤمناً متعمِّداً من توبة؟
قال: لا. وقرأتُ عليه الآيةَ [٦٨] التي في الفرقان: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَاخَرَ﴾ قال: هذه آيةٌ مكيةٌ؛ نسختها آية مدنية: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا
فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾(١).
ورَوَى عن زيد بن ثابت نحوَه، وأنَّ آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر،
وفي روايةٍ بثمانية أشهر، ذكرهما النَّسائيُّ عن زيد بن ثابت(٢).
وإلى عموم هذه الآية مع هذه الأخبار عن زيد وابن عباس ذهبت المعتزلةُ،
وقالوا: هذا مخصِّصٌ(٣) عمومَ قولِه تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾
[النساء: ٤٨ و ١١٦] ورأَوْا أنَّ الوعيدَ نافذٌ حتماً على كلِّ قاتل، فجمعوا(٤) بين الآيتين
بأن قالوا: التقدير: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، إلا مَن قَتل عمداً (٥).
وذهب جماعة من العلماء منهم عبد الله بن عمر(٦) - وهو أيضاً مرويٍّ عن زيدٍ(٧)
وابن عباس - إلى أنَّ له توبةً؛ روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالكِ الأَشْجَعيُّ،
عن سعد بن عبيدة، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباس، فقال: أَلِمَن قَتل مؤمناً متعمِّداً
توبة؟ قال: لا، إلَّا النار. قال: فلما ذهب قال له جُلَساؤه: أهكذا كنتَ تُفتينا؟ كنت
تفتينا أنَّ لمن قتل توبةً مقبولة، قال: إني لأَحْسَبُه رجلاً مُغْضَباً يريد أن يقتل مؤمناً.
(١) المجتبى ٧/ ٨٥ - ٨٦، والحديث بتمامه عند مسلم (٣٠٢٣): (٢٠) وبنحوه عند البخاري (٤٧٦٢).
(٢) المجتبى ٧/ ٨٧، وأخرج الرواية الأولى أبو داود (٤٢٧٢)، وسلفت ٤٠٦/٦.
(٣) في (ظ): يخصص.
(٤) في (د) و(ز): وجمعوا.
(٥) ينظر المحرر الوجيز ٩٤/٢ .
(٦) أخرجه عنه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢/ ٢٢٣، وذكره ابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ١٣٧.
(٧) أخرجه النسائي في المجتبى ٨٨/٧، وذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢٢٣/٢.