النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
سورة النساء: الآيتان ٧٥ - ٧٦
المتأوِّلين(١)، ووصَفَها بالظلم وإن كان الفعل للأهل لعُلْقة الضمير. وهذا كما تقول:
مررتُ بالرجل الواسعةِ دارُه، والكريم أبوه، والحسنةِ جاريتُه. وإنما وُصِفَ الرجل بها
للعُلْقة اللفظية بينهما، وهو الضمير، فلو قلت: مررتُ بالرجل الكريم عمرو، لم تَجُز
المسألة؛ لأن الكرم لعمرو(٢)، فلا يجوزُ أن يُجعل صفةً لرجل إلَّا بعُلْقةٍ، وهي الهاء.
ولا تُثَنَّى هذه الصفة ولا تُجمع، لأنَّها تقوم مقامَ الفعل، فالمعنى أي: التي ظَلَم
أهلُها، ولهذا لم يقل: الظالمين. وتقول: مررتُ برجلين كريم أبواهما، حسنةٍ
جاريتاهما، وبرجالٍ كريم آباؤهم، حسنةٍ جواريهم(٣).
﴿وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ﴾ أي: من عندك، ﴿وَلِيًّا﴾ أي: مَن يستنقذنا، ﴿وَأَجْعَل لَّنَا مِن
لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ أي: ينصرُنا عليهم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَلِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَئِلُونَ فِ سَبِيلِ
اُلَّاغُوتِّ فَقَدِلُواْ أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَانِّ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا
٧٦
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُوْ يُقَائِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في طاعته. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ
يُقَطِلُونَ فِى سَبِيلِ الطَّغُونِّ﴾ قال أبو عبيدة والكسائيُّ: الطاغوت يذكَّر ويؤنَّث. قال أبو
عبيدة (٤): وإنما ذُكِّرَ وأُنَّث لأنهم كانوا يسمُّون الكاهن والكاهنة طاغوتاً. قال: حدثنا
حجَّاج، عن ابن جُريج قال: حدثنا أبو الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله، وسئل عن
الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها، فقال: كانت في جُهَينةَ واحدة، وفي أَسْلمَ
واحدة، وفي كلِّ حيٍّ واحدة(٥).
(١) النكت والعيون ١/ ٥٠٦ .
(٢) في (ظ): لأن الكريم صفة لعمرو.
(٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٧٢، ومشكل إعراب القرآن ٢٠٣/١، والدر المصون ٣٨/٤ - ٣٩.
(٤) في (خ) و(د) و(ز) و(م): أبو عبيد، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس
١/ ٤٧٢، والكلام منه.
(٥) أخرجه بهذا الإسناد الطبري ٥٥٨/٤، وذكره البخاري تعليقاً كما في الفتح ٢٥١/٨، قال الحافظ:
وصله ابن أبي حاتم من طريق وهب بن منبه، قال سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت فذكر مثله.

٤٦٢
سورة النساء: الآيتان ٧٦ - ٧٧
قال أبو إسحاق: الدليل على أنه الشيطان قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَقَدِلُواْ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَِّنِّ
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾(١) أي: مكرَه ومكرَ مَن اتَّبعه؛ ويقال: أراد به يومَ بدٍ
حين قال للمشركين: ﴿لَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَّوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِّ جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَا تَرَآءَتِ
اَلْفِتَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِ بَرِىٌّ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨](٢) على ما يأتي.
قوله تعالى: ﴿أَلَ تَّ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَْ كُفُواْ أَيْدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ فَلَمَّا
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفَِّالُ إِذَا فَرِقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْبَةِ الَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا
لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلًا أَخَّرْنَنَا إِلَى أَجَلِ قَرِبِبٍ قُلَّ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ
لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا
W
روى عمرو بن دينار، عن عكرمةً، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عَوْف
وأصحاباً له أَتَوا النبيَّ ﴾ بمكةَ، فقالوا: يا نبيَّ الله، كنا في عِزِّ ونحن مشركون، فلما
آمنًا صرنا أَذِلَّة! فقال: (إني أُمرتُ بالعفو، فلا تقاتلوا القوم)). فلما حوَّله الله تعالى
إلى المدينة، أمره بالقتال، فكَفُّوا، فنزلت الآية. أخرجه النَّسَائيُّ في سُننه(٣)، وقاله
الكَلْبي(٤).
وقال مجاهد: هم يهود(٥). قال الحسن: هي في المؤمنين؛ لقوله: ﴿يَخْشَوْنَ
النَّاسَ﴾ أي: مشركي مكة ﴿كَفَشْيَةِ اللَّ﴾ فهي على ما طُبع عليه البشر من المخافة، لا
على المخالفة(٦).
(١) نقل المصنف قول الزجاج عن النحاس في إعراب القرآن ١/ ٤٧٢، ووقع في معاني القرآن للزجاج
٧٨/٢ الاستدلال على أن الطاغوت هو الشيطان بقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلْ بَعِيدًا﴾
[النساء: ٦٠].
(٢) تفسير أبي الليث ٣٦٩/١ .
(٣) المجتبى ٦/ ٢ .
(٤) هو بنحوه في أسباب النزول للواحدي ص١٥٩ .
(٥) أخرجه الطبري ٧/ ٢٢٣ .
(٦) ينظر النكت والعيون ١/ ٥٠٧، والمحرر الوجيز ٨٠/٢.

٤٦٣
سورة النساء: الآية ٧٧
قال السُّدِّي: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال، فلما فُرض كرِهوه(١).
وقيل: هو وصفٌ للمنافقين (٢)؛ والمعنى: يخشَوْن القتلَ من المشركين كما
يخشون الموت من الله. ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي: عندهم، وفي اعتقادهم.
قلت: وهذا أشبهُ بسياق الآية؛ لقوله: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلَا أَخَرَنَاً
إِلَى أَجَلٍ قَريبٍ﴾ أي: هَلَّا، ولا يَلِيها إلَّ الفعل. ومَعَاذَ الله أن يَصْدُر هذا القول من
صحابيٍّ كريم يعلم أن الآجال محدودةٌ، والأرزاقَ مقسومة، بل كانوا لأوامر الله
ممتثلين سامعين طائعين، يَرَوْن الوصولَ إلى الدار الآجلةِ خيراً من المُقام في الدار
العاجلة، على ما هو معروفٌ من سيرتهم ﴾. اللَّهُمَّ إلَّا أن يكون قائله ممن لم يرسَخ
في الإيمان قدمُه، ولا انشرح بالإسلام جَنَانُه؛ فإن أهل الإيمان متفاضلون، فمنهم
الكامل ومنهم الناقص، وهو الذي تَنفرُ نفسه عما يُؤمَر به فيما تَلْحَقُه فيه المشقّةُ،
وتُدركه فيه الشدَّة. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قُلٌ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ ابتداء وخبر. وكذا ﴿ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اَنَّقَى﴾ أي:
المعاصي (٣)، وقد مضى القول في هذا في ((البقرة))(٤). ومتاعُ الدنيا: منفعتُها
والاستمتاعُ بلذَّاتها، وسمَّاه قليلاً لأنه لا بقاءَ له، وقال النبيُّ ﴾: ((مَثَلِي ومَثَلُ الدنيا
كراكبٍ قال قَيْلُولةً تحت شجرةٍ ثم راحَ وتركها(6))» وقد تقدَّم هذا المعنى في
((البقرة(٦))) مستوفّی.
(١) أخرجه الطبري ٢٣٣/٧ .
(٢) تفسير البغوي ١/ ٤٥٣، والمحرر الوجيز ٧٩/٢.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٧٣/١.
(٤) ١ / ٢٤٨ - ٢٥٠.
(٥) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرجه بنحوه أحمد (٣٧٠٩)، والترمذي (٢٣٧٧) من حديث ابن مسعود ﴾.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه بنحوه أيضاً أحمد (٢٧٤٤) من حديث ابن عباس به.
(٦) ٤ / ٢٥٧ .

٤٦٤
سورة النساء: الآية ٧٨
قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْثُ وَلَوْ كُمْ فِىِ بُرُوجِ مُشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ
حَسَنَّةٌ يَقُولُوا هَذِهِهِ مِنْ عِندِ الَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ، مِنْ عِندَِكْ قُلْ كُلٌّ مِنْ
عِندِ اللَّهِ فَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا
٧٨
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ اَلْمَوْتُ﴾ شرطٌ ومُجازاة، و((ما)) زائدة،
وهذا الخطاب عامٌّ وإن كان المراد المنافقين، أو ضَعَفةَ المؤمنين الذين قالوا: ﴿لَوْلَآ
أَخَّرْنَناَ إِلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ﴾ أي: إلى أن نموت بآجالنا، وهو أَشْبَهُ بالمنافقين كما ذكرنا،
لقولهم لمَّا أُصيب أهلُ أُحُد، قالوا: ﴿لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]
فردَّ الله عليهم بقوله(١): ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُچ مُنَيِّئۇ﴾ قاله ابن
عباس في رواية أبي صالح عنه(٢).
وواحدُ البروج: بُرْج، وهو البناء المرتفع والقصرُ العظيم. قال طَرَفة يصف ناقةً:
كأنها بُرْجُ رُوميٍّ تكفَّفها (٣) بانٍ بشِيدٍ(٤) وآجُرٍّ وأحجارٍ (٥)
وقرأ طلحة بن سليمان: ((يُدْرِكُكُم))، برفع الكاف على إضمار الفاء، وهو قليلٌ لم
يأتِ إلا في الشعر(٦) نحو قوله:
(١) لفظ: بقوله، من (ظ).
(٢) أسباب النزول للواحدي ص١٦٠.
(٣) في (ظ): تكنفها.
(٤) الشِّيد، بكسر الشين: الجصّ، وسيذكره المصنف قريباً.
(٥) لم نقف عليه عن طرفة، وهو في ديوان الأخطل برواية:
لُزَّ بِصِّ وآجُرٌ وأحجارٍ
كأنها برج روميٍّ يُشَيِّده
(٦) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٧ ، وابن جني في المحتسب ١٩٣/١ وقال: ضعيف في
العربية، وبابه الشعر والضرورة، إلا أنه ليس بمردود. اهـ. وطلحة بن سليمان ذكره ابن الجزري في
غاية النهاية ص٣٤١ وقال: أخذ القراءة عرضاً عن فياض بن غزوان عن طلحة بن مصرف، وله شواذ
تروى عنه .

٤٦٥
سورة النساء: الآية ٧٨
مَن يفعلِ الحسناتِ اللهُ يشكُرُها (١)
أراد: فالله يشكرها.
واختلف العلماء وأهل التأويل في المراد بهذه البُرُوج، فقال الأكثر، وهو
الأصح: إنه أراد البروجَ في الحصون التي في الأرض المَبْنِيَّةَ؛ لأنها غايةُ البَشَر في
التحصُّن والمَنَعة، فمثَّل الله لهم بها. قال قتادة: في قصور محضَّنة. وقاله ابن جُريج
والجمهور(٢)، ومنه قول الظُّفَيْل بن عمرو (٣) للنبيِّ ﴾: هل لك في حصنٍ حَصِينٍ
ومَنَعة (٤)؟ وقال مجاهد: البروج: القصور(٥). ابن عباس: البروج: الحصون والآطام
والقِلاع.
ومعنى ((مُشَيَّدة)): مطوّلة، قاله الزجَّاج والقُتَبيّ(٦). عكرمة: المزيَّنة بالشِّيدِ، وهو
الحِصّ(٧). قال قتادة: محصّنة.
والمُشَيَّد والمَشِيدُ سواء، ومنه: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]، والتشديد للتكثير.
وقيل: المُشَيَّد: المُطَوَّل، والمَشِيد: المَظْليُّ بالشِّيد. يقال: شاد البنيانَ، وأشاد
بذكره(٨).
وقال السُّدِّي: المراد بالبروج بروجٌ في السماء الدنيا مبنيةٌ(٩). وحكى هذا القولَ
(١) تقدم ٣/ ٩٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٨٠، وقول قتادة وابن جريج أخرجهما الطبري ٢٣٤/٧ و٢٣٦.
(٣) في النسخ: عامر بن الطفيل، وهو خطأ، والطفيل بن عمرو الدوسي هو صاحب رسول الله ﴾.، وكان
يلقب: ذا النور، أسلم قبل الهجرة، واستشهد يوم اليمامة. السير ١/ ٣٤٤ .
(٤) أخرجه أحمد (١٤٩٨٢)، ومسلم (١١٦) من حديث جابر .
(٥) ذكره الماوردي في النكت والعيون ١/ ٥٠٧، وينظر تفسير الطبري ٧/ ٥٣٥ - ٥٣٦.
(٦) معاني القرآن ٧٩/٢، وتفسير غريب القرآن ص ١٣٠.
(٧) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٤٤)، وقول قتادة سلف قريباً.
(٨) ينظر تفسير الطبري ٧/ ٢٣٧، ومعاني القرآن للزجاج ٧٩/٢، والنكت والعيون ٥٠٨/١، وذكر
الزجاج أنه يجوز في البناء شاد، وأشاد، أما في الذِّكْر فأشاد لا غير.
(٩) المحرر الوجيز ٨٠/٢، وأخرجه الطبري ٢٣٦/٧ .

٤٦٦
سورة النساء: الآية ٧٨
مَكِيٍّ عن مالكٍ، وأنه قال: ألا تَرى إلى قوله تعالى: ﴿وَالتَِّ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾
[البروج: ١](١)، و﴿جَعَلَ فِي السَّمَاِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾
[الحجر: ١٦]. وحكاه ابن العربيّ أيضاً عن ابن القاسم عن مالك(٢).
وحكى النقَّاش عن ابن عباس أنَّه قال: ﴿فِ بُوج تُشَيِّدَةٍ﴾ معناه: في قصورٍ من
حديد. قال ابن عطية(٣): وهذا لا يعطيه ظاهرُ اللفظ.
الثانية: هذه الآية تردُّ على القَدَرية في الآجال؛ لقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ
يُدْرِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِى بُرُوجِ تُشَيَّدَةٍ﴾، فعرَّفهم بذلك أن الآجال متى انقضت، فلا بدَّ
من مفارقة الروح الجسدَ، كان ذلك بقتلٍ أو موتٍ، أو غيرِ ذلك مما أَجْرَى الله العادة
بزُهُوقها(٤) . وقالت المعتزلة: إنَّ المقتول لو لم يقتله القاتلُ لعاش - وقد تقدَّم الردُ
عليهم في ((آل عمران))(٥) ويأتي(٦) - فوافقوا بقولهم هذا الكفارَ والمنافقين.
الثالثة: اتخاذ البلاد وبناؤها ليُمتنع بها في حفظ الأموال والنفوس، وهي سُنَّة
الله في عباده. وفي ذلك أدلُّ دليلٍ على ردِّ قولٍ مَن يقول: التوُّلُ تركُ الأسباب، فإنَّ
اتخاذ البلاد من أكبر الأسباب وأعظمِها، وقد أُمِرْنا بها، واتخذَها الأنبياء، وحفروا
حولها الخنادق عُدَّةً وزيادة في التمنُّع(٧). وقد قيل للأحنف: ما حكمةُ السُّور؟ فقال:
لیرْدَعَ السفیه حتی یأتي الحکیمُ فیحمیه.
الرابعة: وإذا تنزَّلنا على قول مالكٍ والسُّدِّيِّ في أنها بروجُ السماء، فبروجُ الفَلَك
(١) المحرر الوجيز ٢/ ٨٠ .
(٢) أحكام القرآن ١/ ٤٦١ .
(٣) المحرر الوجيز ٢/ ٨١، وعنه نقل المصنف قول النقاش.
(٤) في (م): بزهوقها به.
(٥) ٣٤٧/٥ - ٣٤٨.
(٦) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ أَجَلٌ﴾ [الأعراف: ٣٤].
(٧) ينظر المفهم ٦٤٥/٣ .

٤٦٧
سورة النساء: الآية ٧٨
اثنا عَشَرَ بُرْجاً مشيَّدةً من الرفع، وهي الكواكبُ العظام. وقيل للكواكب(١) بروجٌ
لظهورها، من بَرِجِ يَبْرَج: إذا ظهر وارتفع(٢)، ومنه قوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّعَ الْجَاهِلِيَّةِ
الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
وخلقها اللهُ تعالى منازلَ للشمس والقمر وقدَّره فيها، ورتَّب الأزمنة عليها،
وجعلها جنوبيةً وشماليةً دليلاً على المصالح، وعَلَماً على القِبلة، وطريقاً إلى تحصيل
آناء الليل وآناء النهار؛ لمعرفة أوقات التهجّد وغيرِ ذلك من أحوال المعاش(٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ أي: إن يُصِبِ المنافقين
خِصْبٌ قالوا: هذا من عند الله . ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: جَدْبٌ ومَخْلٌ، قالوا: هذا
من عندك، أي: أصابنا ذلك بشُؤمك وشؤم أصحابك (٤).
وقيل: الحسنةُ: السلامة والأمن، والسيئةُ: الأمراضُ والخوف. وقيل: الحسنة:
الغِنَى، والسيئة: الفقر. وقيل: الحسنةُ: النعمة والفتح والغنيمة يومَ بدر، والسيئةُ:
البلية والشدة، وهي القتل والشدة يومَ أُحُد(٥). وقيل: الحسنة: السَّرَّاء، والسيئة:
الضَّرَّاء.
هذه أقوالُ المفسرين وعلماءِ التأويل - ابنِ عباس وغيره - في الآية، وأنها نزلت
في اليهود والمنافقين(٦)، وذلك أنهم لمَّا قَدِمَ رسول اللـه :8* المدينةَ عليهم قالوا: ما
زلنا نَعرفُ النقصَ في ثمارنا ومزارعنا مُذْ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه(٧).
(١) بعدها في (ظ): العظام.
(٢) معاني القرآن للنحاس ١٥/٤.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٤٦١ .
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٤٦) و(٥٦٤٩) عن السدي من قوله.
(٥) في (م): والسيئة البلية والشدة والقتل يوم أحد، والمثبت من النسخ الخطية موافق لما في حز الغلاصم
في إفحام المخاصم لشيث بن إبراهيم ص ٥١ ، والكلام منه.
(٦) ينظر زاد المسير ١٣٧/٢ - ١٣٨.
(٧) تفسير البغوي ١ / ٤٥٤ .

٤٦٨
سورة النساء: الآيتان ٧٨ - ٧٩
قال ابن عباس: ومعنى ﴿مِنْ عِندِكَ﴾ أي: بسوء تدبيرك. وقيل: ((منْ عِنْدِكَ)):
بشؤمك، كما ذكرنا، أي: بشؤمك الذي لَحِقَنا، قالوه على جهة التطَيُّر. قال الله
تعالى: ﴿قُلْ كُلّ مِنْ عِندِ اللَّهُ﴾ أي: الشدَّة والرخاء والّفَر والهزيمةُ من عند الله، أي:
بقضاء الله وقَدَره . ﴿فَالِ هَلُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ يعني المنافقين ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِينًا﴾ أي :
ما شأنهم لا يفقهون أنَّ كُلَّا من عند الله(١).
قوله تعالى: ﴿َّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَيْنِ نَّفْسِكٌ وَأَرْسَلْتَكَ
لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِلِّ شَهِيدًا
قوله تعالى: ﴿قَّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَّةٍ فَيْنَ اَللهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيْتَقِ فَنِ نَّفْسِكٌ﴾ أي: ما
أصابك يا محمدُ من خِصبٍ ورخاءٍ وصحةٍ وسلامةٍ، فبفضلِ الله عليك وإحسانه
إليك، وما أصابك من جَذْب وشدَّة؛ فبذنبٍ أتيتَه عوقبت عليه. والخطاب للنبيّ *
والمرادُ أُمَّتُهُ. أي: ما أصابكم يا معشر الناس من خِضْبٍ واتساع رزق؛ فمِن تفضُّل
الله عليكم، وما أصابكم من جَذْب وضيقٍ رزقٍ؛ فمن أنفسكم، أي: من أجل
ذنوبكم وقع ذلك بكم. قاله الحسن والسدي وغيرهما، كما قال تعالى: ﴿بَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا
طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾ [الطلاق: ١].
وقد قيل: الخطاب للإنسان، والمراد به الجنس؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ
إِنَّ الْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢] أي: إن الناس لفي خسرٍ، ألا تراه استثنى منهم
فقال: ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾، ولا يُستثنَى إلَّا مِن جملةٍ أو جماعة(٢). وعلى هذا التأويل
يكون قوله: ((مَا أَصَابَكَ)) استئنافاً.
وقيل: في الكلام حذفٌ تقديره: يقولون، وعليه يكون الكلامُ متَّصلاً؛ والمعنى:
فمالٍ هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً، حتى يقولوا: ما أصابك من حسنةٍ
(١) حز الغلاصم ص ٥١ - ٥٢ .
(٢) حز الغلاصم ص٥٢ .

٤٦٩
سورة النساء: الآية ٧٩
فمن الله(١) ...
وقيل: إنَّ أَلِفِ الاستفهام مُضْمَرة، والمعنى: أفَمِن نفسك؟ ومثله قوله تعالى:
﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُهَا عَّ ﴾ [الشعراء: ٢٢] والمعنى: أَوَ تلك نعمةٌ(٢)؟ وكذا قوله تعالى:
﴿فَمَّا رَءَا الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّ﴾ [الأنعام: ٧٧] أي: أهذا ربي؟ قال أبو خِراشٍ
الهُذَليُّ:
رَفَوْني(٣) وقالوا يا خُوَيلدُ لم تُرَع فقلت وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ (٤)
أراد: ((أَهُم))، فأضمر ألف الاستفهام(٥)، وهو كثير، وسيأتي(٦).
قال الأخفش: ((ما)) بمعنى الذي. وقيل: هو شرط. قال النحاس(٧): والصوابُ
قول الأخفش؛ لأنَّه نزل في شيء بعينه من الجَذْب؛ وليس هذا من المعاصي في
شيء، ولو كان منها لكان: وما أَصبتَ من سيئة(٨).
وروى عبد الوهّاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس وأُبَيِّ وابٍ مسعود: ((ما
(١) المحرر الوجيز ٨٢/٢، وذكر ابن عطية أنه على هذا القول يكون معنى الآية كمعنى التي قبلها في قوله
تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَّةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ﴾.
(٢) زاد المسير ١٣٩/٢، ونسب ابن الجوزي هذا القول لابن الأنباري، ونسبه ابن عطية في المحرر
الوجيز ٢/ ٨٢ للمهدوي.
(٣) في النسخ: رموني، والمثبت من المصادر.
(٤) شرح ديوان الهذليين ١٤٤/٢، والمعاني الكبير لابن قتيبة ٩٠٢/٢، وفيه: لا ترع، بدل: لم ترع،
وجمهرة الأمثال ٢٠٦/١، وإصلاح المنطق ص ١٧٣، والاشتقاق لابن دريد ٤٨٨/٢ . قال ابن قتيبة:
رفَوْني، أي: سَكَّنوني، لا تُرَع: لا تخف، هم هم: أي هم هم الذين أخاف.
(٥) تفسير الطبري ٩/ ٣٦٠ .
(٦) عند تفسير الآيتين السالفتين من سورة الأنعام وسورة الشعراء، وسيذكر المصنف هناك البيت برواية:
رفوني.
(٧) في إعراب القرآن ١/ ٤٧٣، وعنه نقل المصنف كلام الأخفش.
(٨) ينظر تفصيل هذه المسألة في الدر المصون ٤/ ٤٧ .

٤٧٠
سورة النساء: الآية ٧٩
أصابك مِن حسنةٍ فمن الله وما أصابكَ مِن سيئةٍ فمِن نَفْسِك وأنا كتبتُها عليك))(١) فهذه
قراءةٌ على التفسير، وقد أثبتَها بعضُ أهل الزيغ من القرآن، والحديثُ بذلك عن ابن
عباس(٢) وابن مسعود وأُبيِّ منقطع؛ لأنَّ مجاهداً لم ير عبدَ الله ولا أُبَيًّا (٣).
وعلى قول مَن قال: الحسنة: الفتحُ والغنيمةُ يومَ بدر، والسيئةُ: ما أصابهم يوم
أُحُد(٤)، فكأنَّهم(٥) مُوقبوا عند خلافِ الرُّماة الذين أمرهم رسول الله ﴿ أن يحمُوا
ظهره، ولا يَبرحوا من مكانهم، فرأوا الهزيمةَ على قريشٍ والمسلمون يغنمون
أموالَهم، فتركوا مَصَافَّهم (٦)، فنظر خالد بن الوليد - وكان مع الكفار يومئذٍ - ظَهْرَ
رسول اللـه * قد انكشف من الرماة، فأخذ سَريَّةً من الخيل، ودار حتى صار خلفَ
المسلمين، وحمل عليهم، ولم يكن خلفَ رسول الله ﴾ من الرُّماة إلَّا صاحبُ
الراية، حَفِظَ وصيةَ رسول اللـه ﴾، فوقف حتى استُشهد مكانَه، على ما تقدَّم في (آل
عمران))(٧) بيانُه. فأنزل الله تعالى نظير هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمَّ أَصَبَتْكُمْ
مُصِيبَةٌ﴾ يعني يوم أُحُد ﴿قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَيْهَا﴾ يعني يوم بدر ﴿قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
ولا يجوز أن تكون الحسنةُ هاهنا الطاعة، والسيئةُ المعصية، كما قالت القدرية؛
(١) ذكرها النحاس في إعراب القرآن ٤٧٤/١، ومعاني القرآن ١٣٦/٢ عن ابن عباس، وأخرجها ابن
المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، كما في الدر المنثور ٢/ ١٨٥ عن أَبي وابن مسعود. وذكرها ابن
عطية في المحرر الوجيز ٨٢/٢ عن ابن مسعود بلفظ: ((وأنا قضيتُها)) قال: وروي أن أبيًّا وابن مسعود
قرأا: ((وأنا قدَّرْتُها عليك)).
(٢) قوله: عن ابن عباس، من (ظ).
(٣) ينظر المراسيل لابن أبي حاتم ص١٦٢ .
(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٢٤٢ عن ابن عباس.
(٥) في (م): أنهم، وفي باقي النسخ: وكأنهم، والمثبت من حز الغلاصم ص٥٢ ، والكلام حتى آخر هذه
المسألة منه.
(٦) جمع مصفّ: وهو موضع الصف في الحرب، تقف فيه الصفوف. معجم متن اللغة (صفف).
(٧) ٥/ ٣٥٨ .

٤٧١
سورة النساء: الآية ٧٩
إذْ لو كان كذلك لكان: ما أصبتَ، كما قدَّمنا، إذ هو بمعنى الفعلِ عندهم والكسبِ
عندنا، وإنما تكون الحسنةُ الطاعةَ، والسيئةُ المعصيةَ، في نحو قوله: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَّةِ
فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن ◌َجَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَ يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
وأمَّا في هذه الآية؛ فهي كما تقدَّم شَرْحُنا له من الخِصْب والجَذْب، والرَّخاء
والشدَّة، على نحو ما جاء في آية ((الأعراف)) وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ
فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الآية: ١٣٠]. ﴿بِاَلْسِنِينَ﴾: بالجَدْب
سنةً بعد سَنَة، حَبَس المطر عنهم، فنقصت ثمارُهم، وغَلَت أسعارهم. ﴿فَإِذَا جَاءَ تْهُمُ
اَلْمَسَنَّةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن ◌َّعَهُ﴾ أي: يتشاءمون بهم،
ويقولون: هذا من أجل اتِّباعنا لكَ وطاعتِنا إياك، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿أَلَآ إِنَّمَا
طَبِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] يعني أنَّ طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر
والنفع والضرِّ من الله تعالى، لا صُنْعَ فيه لمخلوق، فكذلك قوله تعالى فيما أَخبرَ
عنهم أنهم يُضِيفونه للنبيِّ ◌َ﴿ حيثُ قال: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَهِتَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِلَكْ قُلْ كُلٌّ
مِنْ عِندِ اللّهِ﴾ كما قال: ﴿أَلَآ إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وكما قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَبَكُمْ يَوْمَ اُلْتَّقَى الْجَمْعَانِ فَإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] أي: بقضاء الله وقَدَره
وعلمه، وآياتُ الكتاب يشهد بعضُها لبعض .
قال علماؤنا(١): ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشكُّ في أنَّ كلَّ شيء
بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيَّرِ فِتْنَةٌ﴾
[الأنبياء: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَ مَرَدَّ لَهُمْ وَمَا لَهُم مِّن دُونِ، مِنْ
وَالٍ﴾ [الرعد: ١١].
مسألة: وقد تجاذَبَ بعضُ جُهَّالِ أهلِ السُّنة هذه الآية واحتجَّ بها، كما تجاذبها
القَدَرية واحتجُّوا بها، ووجهُ احتجاجهم بها: أنَّ القَدَرية يقولون: إنَّ الحسنة هاهنا
(٢) هو شيث بن إبراهيم، وكلامه في حز الغلاصم ص٥٤ .

٤٧٢
سورة النساء: الآية ٧٩
الطاعةُ، والسيئة المعصية، قالوا: وقد نَسب المعصية في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن
سَبِّئَةٍ فَن نَّفْسِكٌ﴾ إلى الإنسان دون الله تعالى. فهذا وجهُ تعلُّقِهم بها.
ووجه تعلُّقِ الآخَرين منها قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ قالوا: فقد أضاف
الحسنة والسيئة إلى نفسه دون خلقه.
وهذه الآية إنما يتعلَّق بها الجھَّالُ من الفريقين جميعاً؛ لأنهم بنَوْا ذلك على أن
السيئة هي المعصية [هاهنا]، وليست كذلك لِمَا بَيَّاه. والله أعلم.
والقدريةُ إن(١) قالوا: ((ما أصابك من حسنةٍ)) أي: من طاعة ((فمِن الله))، فليس
هذا اعتقادَهم؛ لأن اعتقادهم الذي بنَوْا عليه مذهبهم أنَّ الحسنةَ فعلُ المُحْسِن،
والسيئةَ فعلُ المسيء. وأيضاً فلو كان لهم فيها حجةٌ لكان يقول: ما أصبتَ من حسنةٍ،
وما أصبتَ من سيئة؛ لأنه الفاعلُ للحسنة والسيئة جميعاً، فلا يضافان(٢) إليه إلَّا بفعله
لهما، لا بفعلٍ غيره. نَصَّ على هذه المقالة الإمامُ أبو الحسن شيتُ بن إبراهيم بن
محمد بن خَيْدَرة في كتابه المسمَّى بـ ((حزِّ الغَلاصم في إفحام المخاصم))(٣).
قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ مصدر مؤكِّد، ويجوز أن يكون المعنى: ذا
رسالة ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ نصبٌ على البيان(٤)، والباء زائدة، أي: كفى اللهُ شهيداً على
صدق رسالة نبيّه وأنه صادق.
(١) في (ظ): وإن.
(٢) في النسخ: يضاف، والمثبت من حز الغلاصم.
(٣) ص٥١-٥٤، وما سلف بين حاصرتين منه، ووقع في النسخ: أبو الحسن شبيب، وهو تصحيف، وهو
شيث بن إبراهيم ضياءُ الدين، المعروف بابن الحاج، القِنَاوي القِفْطي، النحوي اللغوي العروضي، من
تصانيفه: تهذيب ذهن الواعي في إصلاح الرعية والراعي، صنفه للملك الناصر صلاح الدين يوسف،
توفي سنة (٥٩٨ هـ). معجم الأدباء ٢٧٧/١١، وفوات الوَفَيات ١٠٨/٢.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٧٤ .

٤٧٣
سورة النساء: الآيات ٨٠ - ٨٢
قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ
حَفِيظًا
قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ أعلمَ الله تعالى أنَّ طاعة رسوله ◌ِ﴾
طاعةٌ له. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيِّ # أنه قال: ((مَن أطاعني فقد
أطاعَ الله، ومَن يَعْصِني فقد عصَى الله، ومَن يُطعِ الأمير فقد أطاعني، ومَن يَعْصِ
الأمير فقد عصاني)) (١) في رواية: ومَن أطاع أميري، ومَن عصى أميري(٢).
قوله تعالى: ﴿وَمَن تَوَلَّى﴾ أي: أَعْرَض ﴿فَمَآ أَرْسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: حافظاً
ورقيباً لأعمالهم، إنما عليك البلاغ. وقال القُتَبِيُّ: محاسباً (٣). فنسخَ الله هذا بآية
السيف، وأمره بقتال مَن خالف الله ورسوله(٤).
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ أَلَّذِى
تَقُولٌ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّئُونَّ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الَّهِ وَكَفَى بَِلَّهِ وَكِيلًا
٨١
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانُّ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرً (﴾﴾
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ أي: أمْرُنا طاعةٌ، ويجوز: ((طاعةً)) بالنصب،
أي: نطيع طاعة(٥)، وهي قراءة نصر بنِ عاصم والحسن والجَحْدرِي(٦).
(١) صحيح مسلم (١٨٣٥): (٣٢)، وهو عند أحمد (٧٤٣٤)، والبخاري (٢٩٥٧)، وقد سلفت قطعة منه
٦ /٤١٧ ٠
(٢) صحيح مسلم (١٨٣٥): (٣٣)، وهو عند أحمد (٧٦٥٦)، والبخاري (٧١٣٧).
(٣) تفسير غريب القرآن له ص١٣١ .
(٤) تفسير البغوي ١/ ٤٥٥، وآية السيف هي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُ فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية
[التوبة: ٥]. ينظر الإتقان ٢/ ٧١٤.
(٥) معاني القرآن للأخفش ١/ ٤٥١، وإعراب القرآن للنحاس ٤٧٤/١. والكشاف للزمخشري ٥٤٦/١ .
(٦) لم نقف على هذه القراءة، وذكرت على أنها وجه من وجوه الإعراب كما في التعليق السابق. ويفيد
كلام أبي حيان في البحر أنه لم يقرأ بها أحد، فقال في البحر ٣/ ٣٠٤ متعقّباً الزمخشري على توجيه
(طاعةٌ)) بالنصب: لا حاجة لذكر ما لم يُقرأ به، ولا لتوجيهه، ولا لتنظيره بغيره.

٤٧٤
سورة النساء: الآيتان ٨١ - ٨٢
وهذا في المنافقين في قول أكثر المفسرين، أي: يقولون إذا كانوا عندك: أمْرُنا
طاعَةٌ(١)، أو: نطيع طاعةً، وقولهم هذا ليس بنافعٍ؛ لأنَّ مَن لم يعتقد الطاعةً ليس
بمطيعٍ حقيقةً؛ لأنَّ الله تعالى لم يحقِّق طاعتهم بما أظهروه، فلو كانت الطاعة بلا
اعتقادٍ حقيقةً(٢)، لَحَكَم بها لهم، فثبت أنَّ الطاعة بالاعتقاد مع وجودها.
﴿فَإِذَا بَرَزُواْ﴾ أي: خرجوا ﴿مِنْ عِندِكَ بَيِّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ فذكَّر الطائفة، لأنها في
معنی رجال(٣).
وأدغم الكوفيون التاء في الطاء(٤)؛ لأنهما من مخرج واحد، واستقبح ذلك
الكسائيُّ في الفعل، وهو عند البصريين غيرُ قبيح(٥).
ومعنى (بَيَّتَ)): زَوَّر ومَوَّه. وقيل: غيَّر وبدَّل وحرَّف؛ أي: بدَّلوا قول النبيِّ ل﴾*
فيما عَهِده إليهم وأَمَرهم به. والتَّبيت: التبديل(٦)، ومنه قول الشاعر:
وكانوا أتّوْني بأمرٍ نُكُرْ
أتَوْني فلم أرْضَ ما بَيَّتُوا
وهل يُنكِح العبدَ حُرٌّ(٧) لِحُرّ(٨)
لأُنكِحَ أَيِّمَهم مُنْذِراً
(١) المحرر الوجيز ٨٢/٢.
(٢) قوله: حقيقة، ليس في (د).
(٣) معاني القرآن للأخفش ١/ ٤٥١، وإعراب القرآن للنحاس ٤٧٤/١ .
(٤) وهي قراءة أبي عمرو وحمزة، وقرأ الباقون بفتح التاء من غير إدغام. السبعة ص ٢٣٥، والتيسير ص٩٦ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٧٤/١ واستقباح الكسائي للإدغام هذا - والمعروف بالإدغام الكبير - لا يقدح
في صحة القراءة، فهي متواترة، والإدغام الكبير من أصول أبي عمرو البصري.
(٦) تفسير الطبري ٢٤٨/٧ .
(٧) في النسخ الخطية: حراً، والمثبت من (م).
(٨) قائلهما عبيدة بن همَّام أحد بني العَدَويَّة كما في مجاز القرآن ١٣٣/١، والحيوان ٢٧٦/٤، وتفسير
الطبري ٢٤٧/٧، ونسبهما صاحب اللسان (نكر) للأسود بن يعفر، وذكرهما المبرد في الكامل ٩٢٠/٢
و١٠٧٧/٣ بلا نسبة. ومنذر هو أخو النعمان بن المنذر - كما ذكر الجاحظ - خطب ابنة عبيدة بن همام،
فردّه أقبح الرد. ومعنى بيَّتوا هنا: قَدَّروا وأبرموا ليلاً.
وحقُّ هذين البيتين أن يذكرا شاهداً لقوله: ((بيَّت الرجل الأمر إذا دبره ليلاً)) الآتي، وكذلك وردا في
المصادر السابقة. وينظر تفسير غريب القرآن ص١٣١ .

٤٧٥
سورة النساء: الآيتان ٨١ - ٨٢
آخر :
وبيَّتَ(١) قولِيَ عبدُ الملي لك قاتله الله عبداً كفوراً (٢)
وبيَّت الرجل الأمر: إذا دَبَّره ليلاً؛ قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ
اُلْقَوْلِ﴾. والعربُ تقول: أمرٌ بُيِّت بليل: إذا أُحْكِم. وإنما خُصَّ الليل؛ بذلك لأنه
وقتٌ يُتفرَّغ فيه(٣).
قال الشاعر (٤):
أجمعوا أمرهم بليلٍ فلمَّا أصبحوا أصبحتْ لهم ضَوضَاءُ
ومن هذا: بيَّت الصيام.
والبَيُّوت: الماء يبِيت ليلاً. والبَيُّوت: الأمر يُبَيِّت عليه صاحبُه مُهْتَمًّا به؛ قال
الهذليُّ :
وأَجعلُ فُقْرَتَها عُدَّةً إذا خِفْتُ بَيُّوتَ أمْرٍ عُضالٍ(٥)
والتَّبْييتُ والبَيَات: أن يأتي العدوَّ ليلاً. وبات يفعل كذا: إذا فعلَه ليلاً؛ كما
(١) في النسخ: بَيَّت، والمثبت من المصادر.
(٢) في النسخ الخطية: عبد كفور، والمثبت من (م)، والبيت للأسود بن عامر بن جُوّين الطائي، كما في
تفسير الطبري ٧/ ٤٧٢، وهو بلا نسبة في تفسير غريب القرآن ص ١٣٢، وهو فيهما برواية:
ـك قاتلك الله عبداً كفوراً
وبيَّتَّ قوليَ عبدُ المليـ
ووقع عند الطبري: کنودا، بدل: کفورا.
(٣) معاني القرآن للنحاس ١٣٧/٢.
(٤) هو الحارث بن حِلِّزة اليَشْكُري، والبيت في شرح القصائد العشر للتبريزي ص٢٩٨، والأزمنة والأمكنة
المرزوقي ١٥٠/١، ومعاني القرآن للنحاس ١٣٧/٢.
(٥) قائله أمية بن أبي عائذ، والبيت في شرح ديوان الهذليين ٢/ ١٩٠، وخزانة الأدب ٤٣٥/٢، قال
البغدادي: بعير ذو فقرة: إذا كان قويًّا على الركوب، وبيُّوت: هو أمر جاء بياتاً، وعضال: شديد،
يقول: أجعلها عُدَّةً، إذا نزل بي أمر معضل هربت عليها.

٤٧٦
سورة النساء: الآيتان ٨١ - ٨٢
يقال: ظلَّ بالنهار. وبُيِّت الشيءُ: قدِّر(١).
فإن قيل: فما وجهُ الحكمةِ في ابتدائه بذكرٍ جُمْلَتهم، ثم قال: ﴿بَيِّتَ طَآئِفَةٌ
مِّنْهُمْ﴾؟ قيل: إنما عبّر عن حال مَن عَلم أنَّه بقي على كفره ونفاقه، وصَفَحَ عمَّن علِم
أنه سيرجع عن ذلك. وقيل: إنما عبّر عن حالٍ مَن شَهِد وحار(٢) في أمره، وأمَّا من
سمع وسكت فلم يذكره(٣). والله أعلم.
﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّئُونَ﴾ أي: يثبّته في صحائف أعمالهم ليجازيَهم عليه. وقال
الزَّجَّاج (٤): المعنى: ينزله عليك في الكتاب.
وفي هذه الآية دليل على أنَّ مجرَّدَ القول لا يفيد شيئاً كما ذكرنا؛ فإنهم قالوا :
طاعةٌ، ولَفَظُوا بها، ولم يُحقِّق الله طاعتهم، ولا حَكَم لهم بصحتها؛ لأنهم لم
يعتقدوها. فثبت أنه لا يكونُ المطيع مطيعاً إلَّا باعتقادها مع وجودها.
قوله تعالى: ﴿فَأَغْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِلَّهِ وَكِيلًا أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ قوله
تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تخبر بأسمائهم؛ عن الضَّحَّاك؛ يعني المنافقين(٥).
وقيل: لا تعاقبهم. ثم أمرَه بالتوكُّل عليه، والثقةِ به في النصر على عدوِّه. ويقال: إنَّ
هذا منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣].
ثم عاب المنافقين بالإعراض عن التدبُّر في القرآن، والتفكّرٍ فيه وفي معانيه.
تدبَّرتُ الشيء: فكّرتُ في عاقبته. وفي الحديث: ((لا تَدَابَرُوا))(٦) أي: لا يولِّي
(١) مجمل اللغة ١٤٠/١ .
(٢) في (ز): وحاز، وفي (ظ): وجاز، والمثبت من (د) و(م).
(٣) ينظر تفسير الرازي ١٠/ ١٩٥، وجاء القول الثاني فيه بلفظ: إن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في
التبييت، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلا جرم لم يُذكروا.
(٤) في معاني القرآن له ٢/ ٨١ ، وما قبله منه.
(٥) معاني القرآن للنحاس ١٣٩/٢.
(٦) قطعة من حديث أنس ﴾ أخرجه أحمد (١٤٠١٦)، والبخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٩). وأخرجه
أحمد (١٠٠٦٢)، والبخاري (٦٠٦٦)، ومسلم (٢٥٦٣) من حديث أبي هريرة ﴾.

٤٧٧
سورة النساء: الآيتان ٨١ - ٨٢
بعضكم بعضاً دُبُرَه. وأدبر القومُ: مضى أمرُهم إلى آخره (١). والتدبير: أن يُدبِّر الإنسان
أمرَه كأنَّه ينظر إلى ما تصيرُ إليه عاقبتُه(٢).
ودلَّت هذه الآيةُ، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
[محمد: ٢٤] على وجوب التدبُّر في القرآن(٣) ليُعرف معناه. فكان في هذا ردٌّ على فساد
قولٍ مَن قال: لا يؤخذُ من تفسيره إلَّا ما ثبت عن النبيِّ لَ﴿(٤)، ومنع أن يُتْأوَّل على ما
يُسوِّغُه لسانُ العرب. وفيه دليلٌ على الأمرِ بالنظر والاستدلال وإبطالِ التقليد، وفيه
دليلٌ على إثباتِ القياس.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَفًا كَثِيرًا﴾ أي: تفاوتاً
وتناقضاً؛ عن ابن عباس وقتادةً وابن زيد(٥). ولا يَدْخُل في هذا اختلافُ ألفاظِ
القراءاتِ، وألفاظِ الأمثال والدلالات، ومقادير السُّوَر والآيات. وإنما أرادَ اختلافَ
التناقض والتفاوت(٦). وقيل: المعنى: لو كان ما تُخْبَرون به من عند غير الله
لا ختلف.
وقيل: إنه ليس من متكلِّم يتكلّم كلاماً كثيراً إلّا وُجِدَ في كلامه اختلافٌ كثير؛ إمَّا
في الوصف واللفظ، وإمَّا في جَودة المعنى، وإما في التناقض، وإما في الكذب.
فأنزل الله عزَّ وجلَّ القرآن، وأمرهم بتدبُّره؛ لأنهم لا يجدون فيه اختلافاً في وَصْفٍ،
ولا رُذَالةً(٧) في معنّى، ولا تناقضاً ولا كذباً فيما يخْبَرون به من الغيوب وما يُسِرُّون.
(١) معاني القرآن للزجاج ٨٢/٢ .
(٢) مجمل اللغة ٣٤٥/٢ .
(٣) في (ظ): للقرآن.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٧٤ .
(٥) زاد المسير ٢/ ١٤٤، وأخرجه الطبري ٢٥١/٧ بمعناه عن قتادة وابن زيد.
(٦) الوسيط ٨٦/٢ .
(٧) في (د) و(ز) و(م): ردًّا له، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٤٧٥/١،
والكلام منه. وفي الصحاح (رذل): رُذال كلِّ شيءٍ: رديئه.

٤٧٨
سورة النساء: الآية ٨٣
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى
الرَّسُولِ وَإِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنَِّطُونَهُ مِنْهُمُّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّ قَلِيلًا
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ﴾ في ((إذا)) معنى الشرط، ولا يُجازَى بها
وإن زِيْدَت عليها ((ما))، وهي قليلةُ الاستعمال. قال سيبويه: والجيِّد ما قال كعبُ بن
زهير:
وإذا ما تشاءُ تَبعثُ منها مغرِبَ الشمسِ ناشِطاً مذعورا(١)
يعني: أن الجيِّد ألا (٢) يُجزَمَ بإذا(٣) كما لم يَجزِمْ في هذا البيت، وقد تقدَّم في
أوَّل ((البقرة)).
والمعنى: أنهم إذا سمعوا شيئاً من الأمور فيه أمْنٌ، نحوُ ظَفَرِ المسلمين، وقتل
عدوّهم، ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾ وهو ضدُّ هذا ﴿أَذَاعُواْ بِهِ.﴾ أي: أَفْشَوْه وأظهروه، وتحدَّثوا
به قبل أن يَقِفوا على حقيقته(٤). فقيل: كان هذا من ضَعَفَةِ المسلمين؛ عن الحسن(٥)؛
لأنهم كانوا يُفشون أمر النبيِّ ﴾، ويظنُّون أنَّهم لا شيءَ عليهم في ذلك. وقال
الضحاكُ وابنُ زيد: هو في المنافقين(٦)، فنُهُوا عن ذلك لِمَا يلحقُهم من الكذب في
الإرجاف.
(١) الكتاب ٣/ ٦٢، وهو في الديوان ص ٣٣ برواية:
وإذا ما أشاء أبعث منها
مطلع الشمس ناشطاً مذعورا
وقد سلف ١/ ٣٠٥ .
(٢) في النسخ: لا، والمثبت مما تقدم ١/ ٣٠٥ في تفسير سورة البقرة.
(٣) بعدها في (خ) و(د) و(ظ) و(م): ما، والمثبت من (ز)، وهو الموافق لما تقدم ١/ ٣٠٥.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٧٥ .
(٥) النكت والعيون ١/ ٥١١ .
(٦) أخرج قوليهما الطبري ٧/ ٢٥٤، ولفظ خبر ابن زيد فيه: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ،﴾ قال: نشروه، والذين أذاعوا به
قوم؛ إما منافقون، وإما آخرون ضعفوا.

٤٧٩
سورة النساء: الآية ٨٣
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُوُهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىَ أُوْلِ آلْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي: لم يحدِّثوا به ولم
يُفشوه حتى يكون النبيُّ# هو الذي يُحَدِّث به ويُفشيه. أو أولو الأمر، وهم أهلُ العلمِ
والفقه؛ عن الحسن وقتادة وغيرهما. السُّدِّيّ وابنُ زيد: الوُلاةُ. وقيل: أمراءُ
السرايا(١).
﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَخْبِطُونَهُ مِنْهُمّ﴾ أي: يستخرجونه، أي: لعلموا ما ينبغي أن يُفْشَى
منه، وما ينبغي أن يُكتَم .
والاستنباطُ مأخوذٌ من استنبطتُ الماء: إذا استخرجتَه. والنَّبَطُ: الماء المستنبط
أَوَّلَ ما يخرجُ من ماء البئر أوَّلَ ما تُحفَر. وسُمِّي النَّبَطُ نبطاً لأنهم يستخرجون ما في
(٢)
الأرض(٢).
والاستنباطُ في اللغة: الاستخراج، وهو يدلُّ على الاجتهاد إذا عُدِمَ النَّصُّ
والإجماعُ كما تقدَّم.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اُللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ رفع بالابتداء عند سيبويه(٣)، ولا
يجوزُ أنْ يَظْهَر الخبر عنده. والكوفيون يقولون: رفع بـ (لولا)).
﴿لَأَ تَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ في هذه الآية ثلاثةُ أقوال؛ قال ابن عباس وغيره:
المعنى: أذاعوا به، إلَّا قليلاً منهم لم يُذِعِ ولم يُفشِ (٤). وقاله جماعة من النحويين:
الكسائيُّ والأخفشُ وأبو عبيد وأبو حاتم والطبري(٥).
وقيل: المعنى: لَعلمَه الذين يستنبطونه منهم إلّا قليلاً منهم؛ عن الحسن
(١) النكت والعيون ٥١١/١، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق ١٦٦/١، وأخرج باقي الأقوال الطبري
٢٥٦/٧ - ٢٥٨ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٧٥/١، ومعاني القرآن له ١٤١/٢.
(٣) الكتاب ١٢٩/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٧٥/١، والكلام الآتي منه.
(٤) أخرجه الطبري ٧/ ٢٦٣ عن ابن عباس وابن زيد.
(٥) ينظر قولهم في معاني القرآن للأخفش ١/ ٤٥١، وتفسير الطبري ٢٦٥/٧ - ٢٦٦، ومعاني القرآن
للنحاس ١٤٢/٢، وإعراب القرآن له ١/ ٤٧٥ .

٤٨٠
سورة النساء: الآيتان ٨٣ - ٨٤
وغيره(١)، واختاره الزجَّاج؛ قال: لأنَّ هذا الاستنباطَ الأكثرُ يعرفه؛ لأنه استعلامُ
(٢)
خبر(٢).
واختار الأولَ الفرَّاءُ(٣)؛ قال: لأن علم السرايا إذا ظهر؛ عَلِمه المستنبط وغيره،
والإذاعةُ تكون في بعضٍ دون بعض. قال الكَلْبيُّ عنه (٤): فلذلك استحسنتُ الاستثناء
من الإذاعة.
قال النحاس(6): فهذان قولان على المجاز - يريد أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً -
وقولٌ ثالث بغير مجاز: يكون المعنى: ولولا فضلُ الله عليكم ورحمته؛ بأن بعث
فيكم رسولاً أقام فيكم الحجة، لكفرتُم وأشركتم إلا قليلاً منكم، فإنه كان يُوَحِّد.
وفيه قولٌ رابع: قال الضحاك: المعنى: لاتَّبعتم الشيطان إلا قليلاً، أي: إنَّ
أصحاب محمدٍ ﴿ حدَّثوا أنفسهم بأمرٍ من الشيطان إلا قليلاً(٦)، يعني الذين امتحن
الله قلوبَهم للتقوى. وعلى هذا القول يكون قوله: ((إلَّا قَلِيلاً)) مستثنّى من قوله:
(لَا تَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ)). قال المهدويُّ: وأنكر هذا القولَ أكثرُ العلماء؛ إذ لولا فضلُ الله
ورحمتُهُ لاتَّبِع الناسُ كلُّهم الشيطانَ.
قوله تعالى: ﴿فَقَئِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَّ عَسَى اللَّهُ
أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا ﴾﴾
قوله تعالى: ﴿فَقَئِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذه الفاء متعلقةٌ بقوله: ﴿وَمَن يُقَتِلْ فِ سَبِيلِ
(١) ذكره الماوردي ١/ ٥١١ عن الحسن وقتادة، وأخرجه عبد الرزاق ١٦٦/١، والطبري ٢٦٢/٧ عن
قتادة.
(٢) معاني القرآن للزجاج ٨٤/٢ ، وعبارة الزجاج فيه: لأن هذا الاستنباط ليس بشيءٍ يستخرج بنظر
وتفكر، إنما هو استنباط خبر، فالأكثر يعرف الخبر إذا خبِّر به.
(٣) في معاني القرآن له ٢٧٩/١ - ٢٨٠ .
(٤) كذا وقعت هذه العبارة في النسخ، وليست في معاني القرآن للفراء، وهي إن صح مكانها هنا، فليس
المقصود به محمد بن السائب الكلبي المعروف.
(٥) في إعراب القرآن ٤٧٥/١ - ٤٧٦ .
(٦) أخرجه الطبري ٢٦٤/٧ .