النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة النساء: الآية ٦٥
((اسقِ، ثم احْبِس الماءَ حتى يَبلُغَ الجَدْر))، ونزل: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. الحديث
ثابتٌ صحيح؛ رواه البخاريُّ عن عليّ بنِ عبد الله، عن محمد بن جعفر، عن مَعْمَر.
ورواه مسلمٌ عن قُتَيبَةَ [عن الليث]، كلاهما عن الزُّهريّ(١).
واختلف أهلُ هذا القولِ في الرجل الأنصاري؛ فقال بعضهم: هو رجلٌ من
الأنصار من أهل بدر. وقال مكِّيٍّ والنحاس: هو حاطب بنُ أبي بَلْتَعة(٢). وقال الثعلبيُّ
والواحديُّ والمهدويُّ: هو حاطِب. وقيل: ثعلبة بنُ حاطب(٣). وقيل: غيره.
والصحيحُ القولُ الأوَّل، وأنه (٤) غيرُ معيَّنٍ ولا مُسمَّى، وكذا في البخاريِّ ومسلم
أنه رجلٌ من الأنصار.
واختار الطبريُّ(٥) أن يكون نزولُ الآية في المنافق واليهودي، كما قال مجاهد،
ثم تتناول بعمومها قصَّةَ الزُّبیر.
قال ابن العربي: وهو الصحيح؛ فكلُّ مَن اَّهم رسولَ اللـه:﴿ في الحكم، فهو
كافر، لكنَّ الأنصاريَّ زلَّ زلَّةً، فأعرض عنه النبيُّ ◌َ﴾، وأقال عَثْرتَه؛ لعلمه بصحة
يقينه، وأنها كانت فَلْتَةً، وليست لأحدٍ بعد النبيِّ ﴾، وكلُّ مَنْ لم يرضَ بحكم الحاكم
(١) أسباب النزول للواحدي ص١٥٧، وما بين حاصرتين منه، والحديث عند البخاري من الطريق
المذكورة عنه (٤٥٨٥) وهو عنده من رواية الزهري، عن عروة قال: خاصم الزبير رجلاً ... وهو عند
مسلم من الطريق المذكورة عنه (٢٣٥٧) وهو عنده من رواية الزهري، عن عروة، عن عبد الله بن
الزبير أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير ... ، وكلاهما عند أحمد (١٤١٩) و(١٦١١٦). وسيأتي عن عبد
الله بن الزبير قريباً. قوله: الجَدْر، بفتح الجيم وسكون الدال المهملة: هو ما يُحفر في أصول النخل
ويُرفع حتى يصير يشبه الجدار، فيكون حول الشجرة حوض صغير يُملأ ماءً لتشربه. وروي: الجُدُر،
بضم الدال، وروي غير ذلك، وينظر فتح الباري ٣٧/٥ .
(٢) قول مكي ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٧٥، وقول النحاس في إعراب القرآن ٤٦٨/١.
(٣) أسباب النزول للواحدي ص١٥٦ .
(٤) في (م) لأنه.
(٥) في تفسيره ٧/ ٢٠٤، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن العربي في أحكام القرآن ٤٥٦/١ .

٤٤٢
سورة النساء: الآية ٦٥
وطَعنَ فيه وردَّه، فهو عاصٍ آثم(١). وأما إن طعن في الحاكم نفسِه لا في الحكم، فله
تعزيرُه، وله أن يصفحَ عنه. وسيأتي بيانُ هذا في آخر سورة الأعراف إن شاء الله
تعالی(٢).
الثانية: وإذا كان سببُ نزول هذه الآية ما ذكرناه من الحديث، ففِقْهُها أنه عليه
الصلاة والسلام سلك مع الزبير وخصمِه مَسلكَ الصُّلح، فقال: ((اسْقِ يا زُبير)) لقُربه
من الماء ((ثم أَرسل الماءَ إلى جارك)). أي: تساهلْ في حقِّك ولا تستوفِه، وعجِّلْ في
إرسال الماء إلى جارك. فحضَّه على المسامحة والتيسير، فلمَّا سمع الأنصاريُّ هذا لم
يرضَ بذلك وغضب؛ لأنه كان يريد ألَّا يُمْسَكَ الماءُ أصلاً، وعند ذلك نَطَق بالكلمة
الجائرة المُهلِكة الفاقرة(٣) فقال: آن كان ابنَ عمَّتِك(٤)؟ بمدِّ همزة ((أَنْ)) المفتوحةِ على
جهة الإنكار، أي: أَتَحْكُم له عليَّ لأجْلٍ أنه قرابتُك؟. فعند ذلك تلوَّن وجهُ النبيّ ﴾
غضباً عليه، وحكم للزبير باستيفاء حقِّه من غير مسامحةٍ له.
وعليه لا يقال: كيف حَكَم في حال غضبه وقد قال: ((لا يَقضي القاضي وهو
غضبان(٥)))؟ فإنَّا نقول: لأنه معصومٌ من الخطأ في التبليغ والأحكام، بدليل العقل
الدالٌ على صدقه فيما يبلِّغُه عن الله تعالى، فليس مثلَ غيرهِ من الحكّام.
وفي هذا الحديث إرشادُ الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم وإن ظَهَر الحقّ.
ومَنَعه مالك، واختلف فيه قولُ الشافعي. وهذا الحديث حُجَّةٌ واضحة على الجواز،
(١) في النسخ: فهي ردة يُستتاب، بدل: فهو عاص آثم، والمثبت من أحكام القرآن ٤٥٦/١، والكلام منه.
(٢) عند قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الآية: ١٩٩].
(٣) أي: الداهية؛ يقال: فَقَرتْه الفاقرة، أي: كسرت فَقَّار ظهره. الصحاح (فقر).
(٤) قطعة من حديث البخاري ومسلم المذكور آنفاً. والكلام حتى نهاية هذه المسألة في المفهم
١٥٤/٦ - ١٥٦. وقد قيَّد فيه قوله: آنْ كان، بالمدّ، تبعاً للقاضي عياض، على أنه استفهام على جهة
إنكار، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٣٦/٥: لم يقع لنا في الرواية مدّ، لكن يجوز حذف همزة
الاستفهام، وقال: ((أن)) بفتح الهمزة للتعليل، كأنه قال: حكمت له بالتقديم لأجل أنه ابنُ عمتك.
(٥) أخرجه أحمد (٢٠٣٨٩)، والبخاري (٧١٥٨)، ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة ﴾.

٤٤٣
سورة النساء: الآية ٦٥
فإن اصطلحوا، وإلَّ استَوْفَى لذي الحقِّ حقّه، وبَتَّ(١) الحكم.
الثالثة: واختلف أصحابُ مالكِ في صفة إرسال الماءِ الأعلى إلى الأسفل؛ فقال
ابن حبيب: يُدخل صاحبُ الأعلى جميعَ الماء في حائطه ويَسقي به، حتى إذا بلغ
الماءُ من قاعة الحائط إلى الكعبين مِن القائم فيه، أَغلق مدخلَ الماء، وصرف ما زاد
من الماء على مِقدار الكعبين إلى مَن يليه، فيصنعُ به مثلَ ذلك، حتى يَبلُغَ السيلُ إلى
أقصى الحوائط. وهكذا فسَّره لي مُطَرِّفٌ وابنُ الماجِشُون، وقاله ابنُ وهب.
وقال ابن القاسم: إذا انتهى الماءُ في الحائط إلى مقدر الكعبين، أرسله كلَّه إلى
مَنْ تحتَه ولا يحبسُ منه شيئاً في حائطه.
قال ابن حبيب: وقول مُطَرِّفٍ وابنِ الماجِشون أحبُّ إليَّ، وهم أعلم بذلك؛ لأن
المدينة دارُهما، وبها كانت القضيةُ(٢)، وفيها جرى العمل(٣).
الرابعة: روى مالكٌ عن عبد الله بن أبي بكر أنه بلغه أنَّ رسول الله ﴾ قال في
سَيْلٍ مَهْزورٍ ومُذَيْنِب: ((يُمْسَكُ حتى الكعبين، ثم يُرْسَل الأعلى على (٤) الأسفل(٥)).
قال أبو عمر(٦): لا أعلمُ هذا الحديثَ يتَّصل عن النبيِّ ﴾ من وجهٍ من الوجوه،
وأرفعُ أسانيده ما ذكره محمد بنُ إسحاق، عن أبي مالك بنِ ثعلبة، عن أبيه: أنَّ
النبي ﴾ [أتاه أهلُ مهزور، فقضى أنَّ الماء إذا بلغ الكعبين لم يُحبس الأعلى(٧).
وذكر عبد الرزاق، عن أبي حازم القُرَظيّ، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسول الله ﴿]
قضى في سَيْل مهَزُور أن يُحبس على كلِّ حائط حتى يبلغَ الكعبين ثم يُرْسَل، وغيرُه من
(١) في (د) و(ز) و(م): وثبت، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في المفهم.
(٢) في (د) و(ز): القصة.
(٣) التمهيد ١٧ / ٤١٠ - ٤١١، والاستذكار ٢١٩/٢٢ .
(٤) في النسخ الخطية: إلى، والمثبت من (م)، والموطأ.
(٥) الموطأ ٧٤٤/٢، وعبد الله بن أبي بكر هو ابن محمد بن عمرو بن حزم. ومهزور ومُذَيْنِب: واديان من
أودية المدينة يسيلان بالمطر، ويتنافس أهل الحوائط في سيلهما. التمهيد ١٧ / ٤١٠ .
(٦) التمهيد ١٧ / ٤١٠، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٧) وأخرجه أبو داود (٣٦٣٨)، وابن ماجه (٢٤٨١).

٤٤٤
سورة النساء: الآية ٦٥
السيول كذلك(١).
وسئل أبو بكر البزَّارُ عن حديث هذا الباب، فقال: لست أحفظ فيه عن النبيِّ *
حديثاً يَثْبت.
قال أبو عمر(٢): في هذا المعنى - وإن لم يكن بهذا اللفظ - حديثٌ ثابت مجتمعٌ
على صحّته؛ رواه ابن وهبٍ، عن اللَّيث بنِ سعد ويونسَ بنِ يزيد؛ جميعاً عن ابن
شهابٍ، أن عُرْوَة بنَ الزبير حدَّثه، أن عبد الله بنَ الزبير حدَّثه عن الزبير، أنه خاصَمَ
رجلاً من الأنصار قد شهِد بَدْراً مع رسول اللـه # في شِرَاجِ الحَرَّة؛ كانا يسقيانِ بها
كلاهما النخلَ؛ فقال الأنصاري: سَرِّح الماء، فأبى عليه، فاختصما إلى النبيِّ ﴾،
وذكر الحديث(٣).
قال أبو عمر(٤): وقولُه في الحديث: ((ثم(٥) يرسَل [الأعلى على الأسفل)) ولم
يقل: ثم يرسَل بعضُ الأعلى]، وفي الحديث الآخَر: ((إذا بلغ الماءُ الكعبين لم
يُحبس الأعلى))؛ يشهدُ لقول ابنِ القاسم، ومن جهة النظر أنَّ الأعلى لو لم يُرسل إلَّا
ما زاد على الكعبين، لانْقَطَع(٦) ذلك الماءُ في أقلِّ مُدة، ولم ينتهِ حيث ينتهي إذا
أَرسَل الجميع، وفي إرسال الجميع بعد أخذ الأعلى منه ما بلغ الكعبين أعمُّ فائدةً
وأكثر نفعاً فيما قد جُعِل الناسُ فيه شركاء، فقول ابنِ القاسم أَوْلى على كلِّ حال. هذا
(١) لم نقف عليه في المطبوع من مصنف عبد الرزاق، وعزاه لعبد الرزاق أيضاً عبد الحق في الأحكام
الوسطى ٣٠٠/٣ . قال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٩٣/٥: وهذا الإسناد لا يصح؛ فإن أبا حازم
القرظيّ هذا لا يُعرف، فأبوه وجده أحرى بذلك.
(٢) التمهيد ٤٠٨/١٧ ، والكلام الذي قبله منه.
(٣) أخرجه أحمد (١٦١١٦)، والبخاري (٢٣٥٩، ٢٣٦٠)، ومسلم (٢٣٥٧)، وقد سلف في المسألة
الأولى. قوله: شراج الحرة، قال ابن الأثير في النهاية (شرج): الشرجة مسيل الماء من الحرة إلى
السهل، والشّراج جمع لها.
(٤) التمهيد ١٧ /٤١١ - ٤١٢، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٥) قوله: ثم، ليس في (م).
(٦) في (٥): لم يقطع، وفي باقي النسخ: لا يقطع، والمثبت من التمهيد.

٤٤٥
سورة النساء: الآيات ٦٥ - ٦٨
إذا لم يكن أصله مِلْكاً للأسفل مختصّاً به، فإنَّ ما استُحِقَّ بعملٍ، أو بملكِ صحيح،
أو استحقاقٍ قديم وثبوتِ مِلْكِ، فكلٌّ على حقّه على حسَب ما كان من ذلك بيده،
وعلى أصل مسألته. وبالله التوفيق.
الخامسة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: ضِيقاً
وشَكًا؛ ومنه قيل الشجر الملتفِّ: حَرَجُ وحَرَجَة، وجمعُها حِرَاج. وقال الضحاك:
أي: إثماً بإنكارهم ما قضيت(١).
﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ أي: ينقادوا لأمرك في القضاء. وقال الزجاج(٢): ((تسليماً))
مصدرٌ مؤكِّد؛ فإذا قلت: ضربتُ ضرباً، فكأنك قلتَ: لا أشكُّ فيه، وكذلك
(وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً)) أي: ويُسلِّموا لحكمكَ تسليماً لا يُدخِلون على أنفسهم شكًا.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَنَبِنَا عَلَيْهِمْ أَنْ أَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ أُخْرُجُواْ مِنْ دِيَِكُم مَّا
فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمّ وَلَوْ أَنَهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَُّمْ وَأَشَدَّ تَقْبِيتًا
وَإِذَا لََّتَيْنَهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًّاً عَظِيمًا (﴿ وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا
٦٨
سبب نزولها ما رُوي أن ثابت بنَ قيس بنِ شَمَّاسٍ تفاخر هو ويهوديٌّ؛ فقال
اليهوديُّ: واللهِ لقد كُتِب علينا أن نقتلَ أنفسَنا فقَتَلْنا، وبلغت القَتْلى سبعين ألفاً؛ فقال
ثابت: واللهِ لو كتب اللهُ علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا.
وقال أبو إسحاقَ السَّبِيعيُّ: لمَّا نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَثَبْنَا عَلَهِمْ﴾ الآية، قال رجل:
لو أُمِرنا لفعلنا، والحمدُ لله الذي عافانا. فبلغ ذلك رسولَ الله ◌ِ﴾. فقال: ((إنَّ مِنْ أُمتي
رجالاً، الإيمانُ أثْبَتُ في قلوبهم من الجبال الرواسي)»(٣).
قال ابن وَهْب: قال مالك: القائل ذلك هو أبو بكر الصدِّيق ◌َ﴾ (٤)؛ وهكذا ذكر
(١) أخرجه الطبري ٧/ ٢٠١ ، وأخرج القول الأول عن مجاهد.
(٢) في معاني القرآن له ٢/ ٧١، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي الليث في تفسيره ٣٦٦/١ .
(٣) أخرجه الطبري ٧/ ٢٠٧ وهو مرسل، وأخرج الأثر الذي قبله عن قتادة.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٥٦ .

٤٤٦
سورة النساء: الآيات ٦٦ - ٦٨
مَكِّيٍّ: أنه أبو بكر. وذكر النَّقَّاشُ أنه عمرُ بن الخطاب ﴾. وذكر عن أبي بكر ﴾ أنه
قال: لو كُتِب علينا ذلك، لبدأتُ بنفسي وأهلِ بيتي(١).
وذكر أبو اللَّيثِ السَّمَرْ قَنديُّ(٢): أن القائل منهم عمَّار بنُ ياسر وابنُ مسعودٍ وثابت
ابنُ قيس، قالوا: لو أن الله أمَرَنا أن نقتل أنفسنا، أو نَخرجَ من ديارنا، لفعلنا. فقال
النبيُّ ◌َ﴾: ((الإيمانُ أَثبتُ في قلوب الرجال من الجبال الرواسي)).
و(لو)) حرفٌ يَدلُّ على امتناع الشيءٍ لامتناع غيره؛ فأخبر الله سبحانه أنه لم يكتب
ذلك علينا رِفْقاً بنا؛ لئلا تَظهرَ معصيتُنا. فكم من أمرٍ قصَّرنا عنه مع خِفَّتِه، فكيف بهذا
الأمرِ مع ثِقَله؟! لكنْ أَما واللهِ لقد ترك المهاجرون مساكنَهم خاويةً، وخرجوا يطلبون
بها عِيشةً راضية(٣).
﴿مَّا فَعَلُوهُ﴾ أي: القتل والخروج ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ ((قليل)) بدلُ من الواو،
والتقدير: ما فعله أحدٌ إلا قليلٌ. وأهل الكوفة يقولون: هو على التكرير: ما فعلوه ما
فعله إلا قليلٌ منهم.
وقرأ عبد الله بن عامرٍ وعيسى بنُ عمر: ((إلا قلِيلاً))، نصباً (٤) على الاستثناء.
وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بالرفع، والرفعُ أجود عند جميع
النحويين(٥). وقيل: انتصب على إضمار فعل، تقديره: إلَّا أن يكون قليلاً منهم(٦).
وإنما صار الرفع أجودَ؛ لأن اللفظ أَوْلى من المعنى، وهو أيضاً يشتمل على المعنى(٧).
(١) المحرر الوجيز ٧٥/٢ .
(٢) في تفسيره ٣٦٦/١ .
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٥٧ .
(٤) قوله نصباً، من إعراب القرآن للنحاس ٤٦٨/١، والكلام منه، ووقع في (ظ): نصب وليس في باقي
النسخ .
(٥) إعراب القرآن ٤٦٨/١، وقراءة ابن عامر من السبعة، ينظر السبعة ص ٢٣٥، والتيسير ص٩٦.
(٦) تفسير البغوي ٤٤٩/١ .
(٧) إعراب القرآن ٤٦٨/١.

٤٤٧
سورة النساء: الآيات ٦٦ - ٧٠
وكان من القليل أبو بكرٍ وعمرُ وثابت بن قيس، كما ذكرنا. وزاد الحسنُ ومُقاتلٌ :
عمَّاراً وابنَ مسعودٍ، وقد ذكرناهما(١).
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوْ مَا يُؤْعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. ﴿وَأَشَدَّ
تَشْبِيتًا﴾ أي: على الحقّ. ﴿وَإِذَا لََّ تَيْنَهُمْ مِن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثواباً في الآخرة.
وقيل: اللام لامُ الجواب، و((إذا)) دالَّة على الجزاء، والمعنى: ولو فعلوا ما يوعظون
به لآ تیناهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّهِم مِّنَ النَّبِيْنَ
ـ ذَلِكَ اُلْفَضْلُ مِنَ
وَاُلْصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (@)
اُللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ لمَّا ذَكرَ تعالى الأمرَ الذي لو فعلَه
المنافقون حين وُعِظوا به، وأنابوا إليه، لأنعمَ عليهم، ذَكَر بعدَ ذلك ثوابَ مَن يفعلُه.
وهذه الآيةُ تفسيرُ قوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ ﴾ صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾
وهي المرادُ في قوله عليه الصلاة والسلام عند موته: ((اللَّهُمَّ، الرفيقَ الأعلى))(٢).
وفي البخاريّ(٣) عن عائشة قالت: سمعتُ رسول اللـه ﴾ يقول: ((ما مِن نبيِّ
يَمرضُ إلَّا خُيِّر بين الدنيا والآخرة)). وكان(٤) في شكواهُ الذي مرض فيه أَخَذَتْه بُخَّة
شديدةٌ، فسمعتُه يقول: ((مع الذين أَنْعَمَ اللهُ عليهم من النبيين والصِّدِّيقين والشُّهداءِ
والصالحين)). فَعلمِتُ أنه خُيِّر.
(١) ذكره عن الحسن ومقاتل البغوي ٤٤٩/١ .
(٢) قطعة من حديث عائشة رضي الله عنها، أخرجه أحمد (٢٤٥٨٣)، والبخاري (٤٤٣٧)، ومسلم
(٢٤٤٤): (٨٧).
(٣) برقم (٤٥٨٦)، وهو عند مسلم (٢٤٤٤): (٨٦).
(٤) في (د) و(ز) و(م): كان، وفي (ظ): فلما كان، والمثبت من صحيح البخاري.

٤٤٨
سورة النساء: الآيتان ٦٩ - ٧٠
وقالت طائفةٌ: إنَّما نزلت هذه الآيةُ لمَّا قال عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه الأنصاريُّ
الذي أُرِيَ الأذانَ: يا رسول الله، إذا مِثَّ ومِثْنا؛ كنتَ في عِلِّيين، فلا (١) نراك ولا
نجتمعُ بك. وذكرَ حُزنَه على ذلك، فنزلت هذه الآية.
وذكر مَكِّيٌّ عن عبد الله هذا أنه (٢) لمَّا ماتَ النبيُّ:﴿ قال: اللهم أَعْمِني حتى لا
أرى شيئاً بعدَه، فَعَمِي(٣). وحكاه القُشَيْرِيُّ، فقال: اللَّهُمَّ أَعْمِني فلا أرى شيئاً بعد
حبيبي، حتى ألقى حبيبي، فَعَمِيَ مكانَه.
وحكى الثَّعْلبيُّ: أنها نزلت في ثَوْبان مولى رسولِ اللهِ ﴾، وكان شديدَ الحُبِّ له،
قليلَ الصَّبرِ عنه، فأتاه ذاتَ يومٍ وقد تغيَّر لونُه، ونَحِلَ جسمُه، يُعرَفُ في وجهه
الحزنُ، فقال له: ((يا ثَوْبان، ما غيَّر لونَك؟)) فقال: يا رسول الله، ما بِي ضرٌّ ولا
وجع، غيرَ أني إذا لم أرَكَ اشتقتُ إليك، واستوحَشْتُ وَحشةً شديدةً حتى ألقاك، ثم
ذكرتُ الآخرةَ، وأخاف ألَّ أراك هناك؛ لأني عرفتُ أنَّك تُرفع مع النبيين، وأني إِنْ
دخلتُ الجنة(٤) كنتُ في منزلةٍ هي أدنى من منزلتك، وإنْ لم أدخل؛ فذلك حِينٌ لا
أراك أبداً. فأنزل الله تعالى هذه الآية. ذكره الوَاحِدِيُّ عن الكَلْبيّ(٥).
وأَسند عن مسروقٍ قال: قال أصحابُ رسول الله ﴾: ما ينبغي لنا أنْ نُفارقَك في
الدنيا؛ فإنَّك إذا فارقتنا(٦) رُفعتَ فوقَنا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
فَأُؤْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ﴾ (٧).
(١) في (د) و(ز) و(م): لا نراك، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٧٦/٢، والكلام
منه، والأثر أخرجه الطبري ٢١٤/٧ - ٢١٦ عن سعيد بن جبير، ومسروق، وقتادة، والسدي، والربيع،
أن القائل رجل من الأنصار، وقال بعضهم: ناس من الأنصار، وقال بعضهم: أصحاب النبي ﴾.
(٢) في النسخ: وأنه، والمثبت من المحرر الوجيز.
(٣) بعدها في (م) مكانه، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز.
:
(٤) قوله: الجنة من (م).
(٥) أسباب النزول للواحدي ص١٥٨، وذكره عن الكلبي أيضاً أبو الليث ١/ ٣٦٧، وأخرج القصة بنحوها
الطبري ٧/ ٢١٧، وأبو الليث ١/ ٣٦٧ عن الشعبي، أنها في رجل من الأنصار ولم يسمه.
(٦) في (د) و(ز): فارقت.
(٧) أسباب النزول ص١٥٨، وأخرجه أيضاً الطبري ٢١٤/٧.

٤٤٩
سورة النساء: الآيتان ٦٩ - ٧٠
وفي طاعة الله طاعةُ رسوله، ولكنَّه ذَكَرَه تشريفاً لقَدْرِه، وتنويهاً باسمه ﴾
وعلى آله.
﴿فَأُوْلَيْكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: هم معهم في دارٍ واحدة ونعيمٍ واحد،
يستمتعون برؤيتهم والحضورِ معهم، لا أنَّهم يُساوونهم في الدرجة؛ فإنَّهم يتفاوتون،
لكنَّهم يتَزاورُون؛ للاتِّباع في الدنيا والاقتداءِ. وكلُّ مَن فيها قد رُزق الرِّضا بحاله،
وقد ذهبَ عنه اعتقادُ أنه مفضول(١)؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍ﴾
[الحجر : ٤٧].
والصِّدِّيق؛ فِعِّيل: المُبالِغُ في الصدق أو في التصديق، والصدِّيق: هو الذي
يحقّقُ بفعله ما يقولُه بلسانه. وقيل: هم فُضَلاءُ أَتباعِ الأنبياءِ، الذين يسبقونَهم إلى
التصدِيق كأبي بكر الصدِّيق(٢). وقد تقدَّم في ((البقرة)) اشتقاقُ الصِّديقِ، ومعنى
الشهيد(٣).
والمرادُ هنا بالشهداء: عمرُ وعثمانُ وعليٍّ. ((والصالحين)): سائر الصحابة رضي
الله عنهم أجمعين(٤). وقيل: ((الشهداء)): القتلى في سبيل الله. ((والصالحين)):
صالحي أمة محمدٍ رسولِ الله ﴾.
قلت: واللفظُ يعمُّ كلَّ صالحٍ وشهيد، والله أعلم.
والرِّفق: لِينُ الجانب. وسُمِّي الصاحبُ رفيقاً؛ لارتفاقك بصحبته، ومنه الرُّفْقة
الارتفاق بعضِهم ببعض(٥). ويجوز(٦): وحَسُنَ أولئك رُفَقاءَ.
(١) المحرر الوجيز ٧٦/٢ .
(٢) ينظر تفسير الطبري ٧/ ٢١١ .
(٣) ٣٥١/١، وينظر أيضاً ٣٣٥/٥ - ٣٣٦.
(٤) تفسير البغوي ١/ ٤٥٠ .
(٥) الوسيط للواحدي ٧٨/٢ .
(٦) يعني في غير القرآن.

٤٥٠
سورة النساء: الآيتان ٦٩ - ٧٠
قال الأخفش(١): ((رفيقاً)) منصوبٌ على الحال، وهو بمعنى رفقاء. وقال
[الكوفيون]: انتصبَ على التمييز، فوحَّد لذلك، فكأنَّ المعنى: وحسُن كلُّ واحدٍ
منهم رفيقاً. كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥] أي: نخرجُ كلَّ واحد
منكم طفلاً. وقال تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٌّ﴾ [الشورى: ٤٥].
ويَنْظُر إلى (٢) معنى هذه الآيةِ قولُهُ ﴾: ((خيرُ الرُّفقاءِ أربعةٌ))(٣) ولم يذكرِ اللهُ تعالى
هنا إلَّا أربعةٌ فتأملْه.
الثانية: في هذه الآية دليلٌ على خلافة أبي بكر ﴾، وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا ذَكَر
مراتبَ أوليائه في كتابه، بدأ بالأعلى منهم ووهم النبيُّون، ثم ثَنَّى بالصدِّيقين، ولم
يجعل بينَهما واسطةً. وأجمعَ المسلمون على تسمية أبي بكر الصدِّيقِ ﴾ صدِيقاً، كما
أجمعوا على تسمية محمدٍ عليه الصلاة والسلام رسولاً. وإذا ثبتَ هذا، وصحَّ أنَّه
الصدِّيق، وأنه ثاني رسولِ الله ﴾، لم يَجُز أنْ يتقدَّم بعدَه(٤) أحدٌ. والله أعلم.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ الَّهِ﴾ أخبرَ تعالى أنَّهم لم ينالوا
الدرجةَ بطاعتهم، بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمِه، خلافاً لِمَا قالت المعتزلة: إنَّما
ينالُ العبدُ ذلك بفعله. فلمَّا امتنَّ اللهُ سبحانه على أوليائه بما آتاهم من فضله، وكان لا
يجوز لأحدٍ أنْ يُثْنِيَ على نفسه بما لم يفعلْه، دلَّ ذلك على بُطلان قولهم. والله أعلم.
(١) معاني القرآن ١/ ٤٥٠ له، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٤٦٩/١ . وما سيرد بين
حاصرتين منه .
(٢) قوله: إلى، من (د) و(ز)، وليس في باقي النسخ، والمعنى: ويقابل معنى هذه الآية، وفي اللسان
(نظر): تقول العرب: دور آل فلان تنظر إلى دور آل فلان، أي: هي بإزائها ومقابلة لها.
(٣) قطعة من حديث أنس ، أخرجه ابن ماجه (٢٨٢٧) وفي إسناده أبو سلمة العاملي، قال الذهبي في
الميزان ٥٣٢/٤: قال أبو حاتم: كذاب. اهـ. وأخرج أحمد في المسند (٢٦٨٢) عن ابن عباس
مرفوعاً: ((خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربع مئة ... )). قال الترمذي (١٥٥٥) إنما روي هذا الحديث
عن الزُّهري عن النبي # مرسلاً. وقال أبو حاتم (كما في العلل لابنه ٣٤٧/١): مرسل أشبه، لا
يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي # .
(٤) في (ظ): قبله.

٤٥١
سورة النساء: الآية ٧١
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانِفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ آَنِفِرُواْ
جَمِيعًا
فيه خمس مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ هذا خطابٌ للمؤمنين
المخْلِصين من أمة محمدٍ ﴾، وأمرٌ لهم بجهاد الكفّار، والخروج في سبيل الله،
وحماية الشَّرِع(١).
ووجهُ النَّظْم والاتصال بما قبلُ: أنَّه لمَّا ذَكَرَ طاعةَ اللهِ وطاعةَ رسوله، أمرَ أهلَ
الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاءِ دعوتهِ، وأمرَهم ألَّ يقتحموا على عدوّهم على جَهالة
حتى يتجسَّسوا(٢) إلى ما عندَهم، ويعلموا كيف يَرِدون عليهم، فذلك أثبتُ لهم،
فقال: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾، فعلَّمهم مباشرةَ الحروب. ولا ينافي هذا التوكُّلَ؛ بل هو
مقامٌ عينِ التوكّلِ، كما تقدَّم في ((آل عمران))(٣)، ويأتي (٤).
والحِذْر والحَذَر لغتان، كالمِثْلِ والمَثَل(٥). قال الفرَّاء: أكثرُ الكلام الحَذَر،
والحِذْر مسموعٌ أيضاً؛ يقال: خُذ حذرك، أي: احذَرْ. وقيل: خذوا السلاح حَذَراً؛
لأن به الحَذَرَ. والحذرُ لا يدفعُ القدرَ، وهي :
الثانية: خلافاً للقَدَرية في قولهم: إنَّ الحذر يدفعُ ويمنعُ من مكائد الأعداء، ولو
لم يكن كذلك؛ ما كان لأمرهم بالحَذَر معنیّ.
فيقال لهم: ليس في الآية دليلٌ على أنَّ الحذر ينفعُ من القَدَر شيئاً، ولكنَّا تُعُبِّدنا
بألّا نُلْقِيَ بأيدينا إلى الثَّهلُكة، ومنه الحديثُ: ((اعقِلْها وتوكّلْ)) (٦) وإنْ كان القَدَرُ جارياً
(١) المحرر الوجيز ٢/ ٧٧ .
(٢) في (م): يتحسسوا.
(٣) ٢٩١/٥ و٣٠٠.
(٤) ص ٤٦٦ من هذا الجزء .
(٥) الوسيط ٧٩/٢ .
(٦) أخرجه الترمذي (٢٥١٧)، وفي آخر كتاب العلل الملحق بسننه ٧٦٢/٥ من حديث أنس ، ونقل =

٤٥٢
سورة النساء: الآية ٧١
على ما قضَى، ويفعلُ الله ما يشاء، فالمرادُ منه طمأنينةُ النفس، لا أنَّ ذلك ينفعُ من
القَدَر، وكذلك أخذُ الحذرٍ. والدَّليلُ على ذلك أنَّ الله تعالى أثنى على أصحاب نبيّه ◌ِ﴾
بقوله: ﴿قُل لَّنْ يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥٠]، فلو كان يصيبُهم غيرُ ما
قضَى عليهم، لم يكن لهذا الكلام معنّی.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَنِفِرُواْ ثُبَاتٍ﴾ يقالُ: نَفر يَنْفِرُ - بكسر الفاء - نفيراً. ونفرت
الذَّابةُ تنفُرُ - بضم الفاء - نُفُوراً (١)؛ المعنى: انْهَضُوا لقتال العدوِّ. واستنفرَ الإمامُ
الناسَ: دعاهم إلى النَّفْر، أي: للخروج إلى قتال العدوِّ. والنَّفِير: اسمٌ للقوم الذين
يَنِفرون، وأصلُه من النِّفَار والنُّفور، وهو الفزعُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَدْبَرِهْ
تُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦]، أي: نافرين(٢).
ومنه: نَفَرَ الجِلدُ، أي: وَرِم. وتخلَّل رجَلٌ بالقَصَب، فنفَرَ فمُه، أي: وَرِمِ(٣). قال
أبو عبيد: إنما هو من نِفار الشيء من الشيء، وهو تَجافيه عنه وتباعُدُه منه(٤).
قال ابنُ فارس (٥): النَّفَر ◌ِدَّةُ رجالٍ، من ثلاثةٍ إلى عشرة. والنَّغِير: النَّفَر أيضاً،
وكذلك النّفْر والنَّفْرة، حكاها الفرَّاء بالهاء. ويومُ النَّفْر: يومَ ينْفِر الناس عن مِنِىّ.
و((ثُبَاتٍ)) معناه: جماعات متفرِّقات. ويقال: ثُبِين؛ يُجمع جمعَ السلامة في
التأنيث والتَّذکیر. قال عمرو بن كلثوم:
= عن يحيى بن سعيد قوله: هذا عندي حديث منكر. قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أنس،
لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عمرو بن أمية الضّمري نحو هذا.
وحديث عمرو بن أمية # أخرجه ابن حبان (٧٣١) والحاكم ٦٢٣/٣ ، وقال الذهبي في التلخيص:
إسناده جيد.
(١) المحرر الوجيز ٧٧/٢ .
(٢) ينظر تهذيب اللغة ٢١٠/١٥ - ٢١١، والصحاح (نفر).
(٣) مجمل اللغة ٨٧٩/٣، والصحاح (نفر)، وفي هذا إشارة إلى أثر عن عمره الذي أخرجه أبو عبيد في
غريب الحديث ٢٤٧/٣، وتتمته: فنهى عمر عن التخلُّل بالقصب.
(٤) غريب الحديث ٣/ ٢٤٧ . وتتمة كلامه: فكأن اللحم لمَّا أنكر الداء نفر فمه فظهر، فذلك نِفاره.
(٥) المجمل ٨٧٨/٣.

٤٥٣
سورة النساء: الآية ٧١
فأمَّا يومَ خَشْيَتِنا عليهمْ فتُصبح خيلُنا عُصَباً ثُبِينًا (١)
فقوله تعالى: ﴿ثُبَاتٍ﴾ كنايةٌ عن السَّرايا، الواحدة: ثُبَة، وهي العِصابةُ من
الناس. وكانت في الأصل: الثُّبَة. وقد ثَبَّيتُ الجيشَ: جعلتُهم ثُبَةً تُبَةً. والثُّبَة: وَسَطُ
الحوض الذي يثوبُ إليه الماء، أي: يرجع(٢).
قال النحاس(٣): وربَّما توهّم الضعيفُ في العربية أنَّهما واحد، وأنَّ أحدَهما من
الآخَر. وبينَهما فرق، فتُبَة الحوض يقال في تصغيرها: ثُوَيْبَة؛ لأنها من ثابَ يثَوبُ.
ويقال في [ثبة] الجماعة: ثُبِيَّة.
قال غيره: فثبة الحوض محذوفةُ الواو، وهو عين الفعل، وثبةُ الجماعة معتلٌ
اللام من ثَبًا يثبو(٤)، مثل: خلا يخلو. ويجوزُ أنْ يكون الثُّبَة بمعنى الجماعة، من ثُبة
الحوض؛ لأنَّ الماء إذا ثاب اجتمع، فعلى هذا تصغَّر به الجماعة: ثُوَيْبَة، فيدخل
أحد البابين في الآخَر(٥). وقد قيل: إنَّ ثبة الجماعة إنما اشتُقَّت من ثبَّيتُ على
الرَّجل، إذا أثنيتَ عليه في حياته وجمعت محاسنَ ذكرهِ، فيعودُ إلى الاجتماع (٦).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾ معناه: الجيش الكثيف مع الرسول عليه
الصلاة والسلام؛ قاله ابن عباس وغيره(٧). ولا تخرج السرايا إلا بإذن الإمام؛ ليكون
(١) المعلقة بشرح ابن كيسان ص٧٨، وجاء في شرحه: الثبون: الجماعات، وأصلها من ثاب بعضهم إلى
بعض، أي: اجتمعوا بعد أن كانوا متفرقين، والمعنى: أنا إذا خشينا عدوًّنا على أولادنا تجمع بعضنا
إلی بعض لندفع عنهم.
(٢) تهذيب اللغة ١٥٦/١٥ .
(٣) في إعراب القرآن ١/ ٤٧٠ . وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٤) ينظر تهذيب اللغة ١٥٦/١٥ .
(٥) في (د) و(ز) و(م): فتدخل إحدى الياءين في الأخرى، والمثبت من (ظ).
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤٥٨/١ .
(٧) المحرر الوجيز ٧٧/٢، وأخرجه الطبري ٢١٨/٧ عن ابن عباس، وابن أبي حاتم (٥٥٨٤ - ٥٥٨٦)
عن ابن عباس والسدي ومسلم بن حيان.

٤٥٤
سورة النساء: الآيات ٧١ - ٧٣
متجسِّساً لهم، عَضُداً من ورائهم، وربما احتاجوا إلى دَرْئه(١). وسيأتي حكمُ السَّرايا
وغنائمِهم، وأحكامُ الجيوش ووجوب النَّفير في ((الأنفال))(٢) و((براءة))(٣) إن شاء الله
تعالى.
الخامسة: ذكر ابن خُوَيْزِ مَنْداد: وقيل: إنَّ هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى:
﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، وبقوله: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩].
ولَأَن يكون: ﴿أَنْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ منسوخاً بقوله: ﴿فَأَنِفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾
وبقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] أَوْلى؛ لأنَّ فَرْضَ الجهاد
تقرَّر على الكفاية، فمتى سدَّ الثغورَ بعضُ المسلمين أَسقط(٤) الفرضَ عن الباقين.
والصحيحُ: أنَّ الآيتين جميعاً مُحْكَمتان، إحداهما في الوقت الذي يُحتاج فيه
إلى تعيُّن الجميع، والأخرى عن الاكتفاء بطائفة دون غيرها(٥).
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيْبَلْتٌَّّ فَإِنْ أَصَبَتَّكُ مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَى إِذْ
وَلَبِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلُ مِّنَ اَللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَّمْ تَكُ بَيْنَكُمْ
لَمَّ أَكُن مَعَهُمْ شَهِيدًا فَ
وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَلَيْتَنِ كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُوْ لَمَنْ لَيُبَطََّةٌ﴾ يعني المنافقين. والتَّطِئة والإبطاء: التأخُُّر،
تقول: ما أبطأ بك(٦) عنا؟ فهو لازم. ويجوزُ: بَطَّأتُ فلاناً عن كذا، أي: أخَّرته، فهو
مُتَعدِّ. والمعنيان مراد(٧) في الآية، فكانوا يقعدون عن الخروج، ويُقْعِدون غيرَهم.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٤٥٨/١ .
(٢) الآية: ١٦ .
(٣) الآية: ٤١ .
(٤) في النسخ: أسقطوا، والمثبت من (م).
(٥) ينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ٤٣٦/٢. ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص ١٣٢.
(٦) في (م): ما أبطأك.
(٧) في (ظ): يراد.

٤٥٥
سورة النساء: الآيتان ٧٢ - ٧٣
والمعنى: إنَّ من دُخلائكم وجِنسكم وممن أَظْهَرَ إيمانَه لكم. فالمنافقون في ظاهر
الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم.
واللام في قوله: (لَمَن)) لامُ توكيد، والثانية لام قسم، و(مَن) في موضع نصب،
وصِلَتُها: ((لُبِطِّنَّ)) لأنَّ فيه معنى اليمين، والخبرُ ((مِنكم))(١).
وقرأ مجاهد والنَّخَعِيُّ والكَلْبِيُّ: ((وإنَّ منكم لمَن لَيُبْطِئَنَّ) بالتخفيف (٢)، والمعنى
واحد.
وقيل: المرادُ بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُرْ لَمَنْ لَِّبَطْفَةٌ﴾ بعضُ المؤمنين(٣)؛ لأنَّ الله
خاطبهم بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُرْ﴾. وقد فرَّق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله:
﴿وَمَا هُم مِّنْكُ﴾ [التوبة: ٥٦]، وهذا يأباه مَسَاقُ الكلام وظاهرُه. وإنما جمعَ بينهم في
الخطاب من جهة الجِنس والنَّسب ـ كما بيَّنا - لا مِن جهةِ الإيمان. هذا قول الجمهور
وهو الصحيح إنْ شاءَ الله تعالى، والله أعلم. يدلُّ عليه قولُه: ﴿فَإِنْ أَصَبَتَّكُ تُصِيبَةٌ ﴾
أي: قَتْلٌ وهزيمة ﴿قَالَ قَدْ أَنْهُمَ اَللَّهُ عَلَىّ﴾ يعني بالقعود، وهذا لا يَصدرُ إلَّا من منافق؛
لاسيَّما في ذلك الزمان الكريم، بعيدٌ أنْ يقوله مؤمن.
ويَنْظُر إلى هذه الآية (٤) ما رواه الأئمة عن أبي هريرة، عن النبيِّ﴾ إخباراً عن
المنافقين: ((إنَّ أثقلَ صلاةٍ عليهم صلاةُ العشاء وصلاةُ الفجرِ، ولو يعلمون ما فيهما
لِأَتَوْهُما ولو حَبْواً)) الحديث(٥).
في رواية: ((ولو عَلم أحدُهم أنه يجدُ عَظْماً سَمِيناً لشهدَها)). يعني صلاةً
(١) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٧٠ .
(٢) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٧، والنحاس في إعراب القرآن ١/ ٤٧٠ عن مجاهد، ولم
نقف عليها عن النخعي والكلبي.
(٣) ذكره ابن الجوزي في زاد المسير ٢/ ١٣٠.
(٤) أي: ويقابل معنى هذه الآية، وسلف مثله آخر المسألة الأولى من تفسير الآية (٧٠)، ووقع في (ظ):
ونظير هذه الآية.
(٥) أخرجه أحمد (٩٤٨٦)، والبخاري (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١): (٢٥٢).

٤٥٦
سورة النساء: الآيتان ٧٢ - ٧٣
العشاء(١).
يقول: لو لاح شيءٌ من الدنيا يأخذونه، وكانوا على يقينٍ منه، لبادروا إليه. وهو
معنى قوله: ﴿وَلَبِنّ أَصَبَّكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اَللَّهِ﴾ أي: غنيمة وفتح ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا المنافق
قولَ نادمٍ حاسدٍ: ﴿يَلَيَّتَنِىِ كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿كَأَنْ لم يَكُنْ بينكم وبينهُ
مودَّةٌ﴾ فالكلام فيه تقديمٌ وتأخير، وقيل: المعنى: ﴿لَيَقُولَنَّ كأَنْ لم يَكُنْ بينكم وبينه
مودّةٌ﴾ أي: كأن لم يعاقدكم على الجهاد(٢).
وقيل: هو في موضع نصب على الحال(٣).
وقرأ الحسن: (ليقولُنَّ)) بضمِّ اللام على معنى ((مَن))(٤)؛ لأنَّ معنى قوله: ((لمن
لَيُبطّئْنَّ) ليس يعني رجلاً بعينه. ومَن فتح اللام أعادَ الضميرَ(٥) على لفظ ((مَن)) فوحَّد (٦).
وقرأ ابنُ كَثير، وحفصٌ عن عاصم: ﴿كَأَنْ لَّمْ تَكُلُ﴾ بالتاءِ (٧) على لفظ المودّة.
ومَن قرأ بالياء جعل ((موذَّة)) بمعنَى الوُدِّ(٨).
وقول المنافق: ((يا ليتني كنتُ معهم)) على وجه الحسد، أو الأسف على فَوْت
الغنيمة، مع الشَّك في الجزاء من الله.
﴿فَفُوزَ﴾ جوابُ الثَّمِنِّي، ولذلك نُصب. وقرأ الحسنُ: ((فأفوزُ)) بالرفع(٩) على أنه
(١) أخرج هذه الرواية البخاري (٦٤٤)، ومسلم (٦٥١): (٢٥١).
(٢) معاني القرآن للزجاج ٧٦/٢ .
(٣) الإملاء للعكبري ٢٨٣/٢، وفيه: ((كأن لم)) وما يتصل بها حال من ضمير الفاعل في ((ليقولن)). وقال أبو
حيان في البحر ٢٩٣/٣: هو كقولك: مررتَ بزيد وكأن لم يكن بينك وبينه معرفة فضلاً عن مودّة.
(٤) المحتسب ١٩٢/١ .
(٥) في (م): أعاد فوحّد الضمير.
(٦) قوله: فوخَّد، من (ظ).
(٧) السبعة ص٢٣٥، والتيسير ص٩٦ .
(٨) إعراب القرآن للنحاس ٤٧١/١، وينظر الكشف عن وجوه القراءات ٣٩٢/١.
(٩) نسب ابن جني في المحتسب ١/ ١٩٢ القراءة للحسن ويزيد النحوي، ونسبها ابن خالويه في القراءات
الشاذة ص٢٧ لیزید وحده.

٤٥٧
سورة النساء: الآية ٧٤
تمتَّى الفوز، فكأنه قال: يا ليتني أفوزُ فوزاً عظيماً. والنَّصبُ على الجواب، والمعنى:
إنْ أكنْ معهم أَفُزْ. والنصبُ فيه بإضمار ((أنْ)) لأنه محمول على تأويل المصدر،
التقديرُ: يا ليتني كان لي حضورٌ ففوزٌ.
قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةَّ
وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
VE
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الخطاب للمؤمنين، أي: فلْيقاتل
في سبيل الله الكفارَ(١). ﴿الَّذِينَ يَثْرُونَ﴾ أي: يبيعون، أي: يبذلون أنفسهم
وأموالَهم لله عزّ وجلّ. ﴿بِالْآَخِرَةِ﴾ أي: بثواب الآخرة(٢).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ شرطٌ، ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبٌ﴾
عطفٌ عليه، والمجازاة: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾(٣). ومعنى ((فيُقتل)): يُسْتَشْهد.
((أَوْ يَغْلِبْ)): يظفر فيغنم.
وقرأت فرقة: ﴿فَلْيُقَتِلْ﴾ (٤) بسكون لام الأمر. وقرأت فرقةٌ: ((فِلِيقاتلْ)) بكسر لام
(٥)
الأمر(٥).
فذكر تعالى غايتَيْ حالةِ المقاتل، واكتفى بالغايتين عمَّا بينَهما؛ ذكره ابن عطية (٦).
الثالثة: ظاهر الآية يقتضي التسويةً بين مَن قُتل شهيداً، أو انقلب غانماً. وفي
صحيح مسلم (٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: «تضمَّنَ الله لمن خرجَ في
(١) قوله: الكفار، ليس في (ظ).
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٧١ .
(٣) المصدر السابق.
(٤) في النسخ: وقرأت طائفة ((ومن يقاتل)) ((فليقاتل))، والمثبت من المحرر الوجيز ٧٨/٢، والكلام منه.
(٥) وقراءة الجمهور: ((فلْيقاتل)) بسكون اللام. ينظر البحر ٢٩٥/٣.
(٦) في المحرر الوجيز ٧٨/٢ .
(٧) برقم (١٨٧٦)، وهو عند أحمد (٧١٥٧).

٤٥٨
سورة النساء: الآية ٧٤
سبيله، لا يُخرِجُه إلَّا جهادٌ في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسلي(١)، فهو عليَّ
ضامِنٌ أنْ أُدخِلَه الجنةَ، أو أَرْجِعَه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نالَ مِن أجرٍ
أو غنيمة)). وذكر الحديث.
وفيه(٢) عن عبد الله بن عمرو، أنَّ رسولَ الله﴾ قال: «ما مِن غازيةٍ تَغْزُو في
سبيل الله، فيصيبون الغنيمةَ، إلا تعجَّلوا ثلثي أجرِهم من الآخرة، ويَبقى لهم الثلثُ،
وإنْ لم يُصيبوا غنيمةً تمَّ لهم أَجْرُهم)).
فقوله: ((نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمةٍ)) يقتضي أنَّ لمن لم يُستشهد من المجاهدين
أحدَ الأمرين؛ إما الأجرَ إنْ لم يَغنم ، وإمَّا الغنيمةَ ولا أجرَ، بخلاف حديث عبد الله
ابن عمرو، ولمَّا كان هذا قال قوم: حديثُ عبد الله بن عمرو ليس بشيء؛ لأنَّ في
إسناده حُمَيْد بن هانئ، وليس بمشهور، ورجَّحوا الحديث الأول عليه لشهرته(٣).
وقال آخرون: ليس بينَهما تعارضٌ ولا اختلاف. و ((أو)» في حديث أبي هريرة
بمعنى الواو، كما يقولُه الكوفيون، وقد دلَّت عليه رواية أبي داود؛ فإنه قال فيه: ((من
أجرٍ وغنيمة)) بالواو الجامعة. وقد رواه بعضُ رواة مسلم بالواو الجامعة أيضاً(٤).
وحُمَيْد بن هانِئ مصريٍّ؛ سمع أبا عبد الرحمن الحُبْليَّ، وعمرو بن مالك،
وروى عنه حَيْوة بنُ شُريح وابن وهب، فالحديث الأوَّلُ محمولٌ على مجرَّد النيّة
والإخلاص في الجهاد؛ فذلك الذي ضمن الله له؛ إما الشهادةَ، وإما ردَّه إلى أهله
مأجوراً غانماً، ويُحمَل الثاني على ما إذا نَوَى الجهادَ، ولكن مع نَّيْلِ المَغْنَم، فلمَّا
(١) في النسخ الخطية: برسولي، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في صحيح مسلم، ووقع فيه أيضاً:
جهاداً ... وإيماناً ... وتصديقاً، بالنصب. قال النووي في شرحه لصحيح مسلم ٢٠/١٣: هكذا هو في
جميع النسخ، وهو منصوب على أنه مفعول له، وتقديره: لا يخرجه المخرج ويحركه المحرك، إلا
للجهاد والإيمان والتصديق.
(٢) صحيح مسلم (١٩٠٦)، وهو عند أحمد (٦٥٧٧)، والبخاري (٣٦).
(٣) المفهم ٧٤٨/٣ .
(٤) المفهم ٧٠٦/٣، ورواية أبي داود في سننه (٢٤٩٤) من حديث أبي أمامة الباهلي ﴾.

٤٥٩
سورة النساء: الآيتان ٧٤ - ٧٥
انقسمت نيته انحظّ أجرُه؛ فقد دلَّت السنَّة على أنَّ للغانم أجراً كما دَلَّ عليه الكتابُ،
فلا تعارض(١).
ثم قيل: إن نقصَ أجر الغانم على مَن لم(٢) يغنم، إنَّما هو بما فتح الله عليه من
الدُّنيا، فتمتَّع به، وأزالَ عن نفسه شَظَفَ عَيشِه، ومَن أخفقَ فلم يُصِب شيئاً؛ بقي على
شَظَف عيشه والصَّبرِ على حالته، فبقي أجرُه [وافياً] مُؤَفَّراً، بخلافِ الأوَّل. ومثلُه قوله
في الحديث الآخَر: فمنا مَن مات لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مُصْعَب بن عُمَير،
ومِنَّا مَن أَيْنَعَت له ثَمَرَتُه، فهو يَهْدِبُها(٣).
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُرْ لَا نُقَِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَاَلْنِسَآءِ
وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الَّالِمِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَنَا مِن لَّدُنكَ
وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا
فيه ثلاث مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُرْ لَا تُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حَضٌّ على الجهاد، وهو
يتضمَّن تخليص المستضعَفين من أيدي الكَفَرة المشركين الذين يسومونهم سوءَ
العذاب، ويفتِنونهم عن الدِّين، فأوجبَ تعالى الجهاد لإعلاء كلمته، وإظهارٍ دينه،
واستنقاذِ المؤمنين الضُّعفاءِ من عباده، وإن كان في ذلك تَلَفُ النفوس.
وتخليصُ الأسارى واجبٌ على جماعة المسلمين، إما بالقتال، وإما بالأموال؛
وذلك أَوْجَبُ؛ لكونها دون النفوس؛ إذ هي أهونُ منها. قال مالك: واجبٌ على
الناس أن يَفْدُوا الأسارى بجميع أموالهم. وهذا لا خلافَ فيه؛ لقوله عليه الصلاة
(١) المفهم ٧٤٩/٣ .
(٢) قوله: لم، ليس في (م).
(٣) المفهم ٧٤٩/٣، وما سلف بين حاصرتين منه، وإكمال المعلم ٣٣١/٦، والحديث أخرجه البخاري
(١٢٧٦)، ومسلم (٩٤٠) من حديث خباب بن الأرتِّ ﴾. قوله: يهدبها، أي: يجنيها. النهاية (هدب).

٤٦٠
سورة النساء: الآية ٧٥
والسلام: ((فُكُوا العاني))(١) وقد مضى في ((البقرة))(٢). وكذلك قالوا: عليهم أن
يُواسُوهم، فإنَّ المواساة دون المفاداة. فإن كان الأسيرُ غنّاً، فهل يرجع عليه الفادي
أم لا؟ قولان للعلماء، أصحُّهما الرجوع(٣).
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالْمُتَضْعَفِينَ﴾ عطفٌ على اسم الله عزَّ وجلَّ، أي: وفي
سبيل المستضعفين، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله. وهذا اختيار الزجاج(٤)
وقاله الزهري(٥).
وقال محمد بن يزيد: أختارُ أن يكون المعنى: وفي المستضعفين، فيكون عطفاً
على السبيل، أي: وفي المستضعفين لاستنقاذهم؛ فالسبيلان مختلفان(٦).
ويعني بالمستضعفين مَن كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كَفَرةٍ قريشٍ وأذاهم،
وهم المَعْنِيُّون بقوله عليه الصلاة والسلام: ((اللهمَّ أَنْج الوليدَ بنَ الوليد، وسَلَمةً بن
هشام، وعيَّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين(٧)).
وقال ابن عباس: كنت أنا وأمِّي من المستضعفين(٨). في البخاريِّ(٩) عنه: ﴿إِلَّا
الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ﴾ فقال: كنتُ أنا وأمِّي ممن عَذَر اللـهُ، أنا مِن
الولدان، وأمِّي من النساء.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَّةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ القرية هنا مكةُ بإجماعٍ من
(١) أخرجه أحمد (١٩٦٤١)، والبخاري (٣٠٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري
(٢) ٢ / ٢٤٢.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤٥٩/١ - ٤٦٠.
(٤) في معاني القرآن له ٢/ ٧٧ - ٧٨ .
(٥) أخرجه الطبري ٧/ ٢٢٧ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٧١ .
(٧) أخرجه أحمد (٧٤٦٥)، والبخاري (٤٥٦٠)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﴾.
(٨) أخرجه البخاري (١٣٥٧).
(٩) برقم (٤٥٨٨).