النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة النساء: الآية ٤٣
فإنَّما شفاءُ العِيِّ السؤالُ، إنما كان يكفيه أن يتيمَّم ويَعْصِر أو يَعصِبَ - شكَّ موسى -
على جُرحه خِرقةً، ثم يمسح عليها، ويغسِل سائرَ جسده)).
قال الدارَقُظْنيُّ (١): قال أبو بكر: هذه سنَّةٌ تفرَّدَ بها أهلُ مكّة، وحملها أهلُ
الجزيرة، ولم يروِه عن عطاء عن جابر غيرُ الزبير بن خُرَيق، وليس بالقويِّ، وخالفَه
الأوزاعيُّ، فرواه عن عطاء عن ابن عباس، وهو الصواب.
واختلف عن الأوزاعيّ، فقيل: عنه، عن عطاء(٢)، وقيل: عنه، بلغني عن
عطاء(٣)، وأرسل الأوزاعيُّ آخرَه عن عطاء عن النبيِّ ◌َ﴾(٤)، وهو الصواب.
وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي وأبا زُرْعةَ عنه، فقالا: رواه ابنُ أبي العشرين
عن الأوزاعيِّ، عن إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، وأسند
الحديث(٥).
وقال داود: كلُّ مَن انطلق عليه اسمُ المريض فجائزٌ له التيمُّم؛ لقوله تعالى:
﴿وَإِن كُمْ تَرْضَ﴾. قال ابن عطية (٦): وهذا قولٌ خُلْفٌ: وإنَّما هو عند علماء الأمَّة
لمن خاف من استعمال الماء، أو تأذِّيه(٧) به، كالمجدور والمحصوب، والعللِ
المَخُوفِ عليها من الماء، كما تقدَّم عن ابن عباس (٨).
(١) في سننه إثر الحديث (٧٢٩) .
(٢) أخرجه ابن ماجه (٥٧٢)، والدار قطني (٧٣٢).
(٣) أخرجه أحمد (٣٠٥٦)، وأبو داود (٣٣٧).
(٤) أخرجه ابن ماجه إثر الحديث (٥٧٢)، والدار قطني إثر الحديث (٧٣٠).
(٥) علل ابن أبي حاتم ٣٧/١ ووقع فيه: وأفسد الحديث، بدل: وأسند الحديث، وهو الأشبه. وينظر
التلخيص الحبير ١٤٧/١. وقد رواه ابن ماجه (٥٧٢) من طريق ابن أبي العشرين هذا، فلم يذكر فيه
إسماعيل بن مسلم. وللحديث طريق آخر عن عطاء أخرجه ابن خزيمة (٢٧٣)، وابن حبان (١٣١٤)،
والحاكم ١٦٥/١ من طريق الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، عن عطاء، عن ابن عباس. قال الحاكم:
هذا حديث صحيح.
(٦) المحرر الوجيز ٥٨/٢ .
(٧) في (ظ): تأذى.
(٨) ص٣٥٨ من هذا الجزء.

٣٦٢
سورة النساء: الآية ٤٣
الثانية والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ يجوزُ التيمُّم بسبب السفر - طالَ
أو قَصُرَ - عند عُدْم الماء، ولا يُشترطُ أن يكون مما تُقصَرُ فيه الصلاةُ؛ هذا مذهبُ
مالكٍ وجمهورِ العلماء. وقال قومٌ: لا يتيمَّمُ إلا في سفرٍ تُقصرُ فيه الصلاةُ. واشترَطَ
آخرون أن يكون سفرَ طاعة. وهذا كلُّه ضعيف (١). والله أعلم.
الثالثة والعشرون: أجمع العلماءُ على جواز التيمُّم في السفر حسبما ذكرنا،
واختلفوا فيه في الحضر؛ فذهب مالك وأصحابُه إلى أنَّ التيمُّم في الحضر والسفر
جائز؛ وهو قولُ أبي حنيفةَ ومحمد. وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ للحاضر الصحيح أنْ
يتيمَّم إلا أن يخاف التَّلفَ؛ وهو قول الطبري.
وقال الشافعيُّ أيضاً والليثُ والطبريُّ: إذا عُدِم الماءُ في الحضر مع خوفٍ [فَوْتِ]
الوقت للصحيح(٢) والسقيم، تيمَّم وصلَّى ثم أعاد. وقال أبو يوسف وزُفَر: لا يجوزُ
التيمُّمُ في الحضر؛ لا لمرضٍ، ولا لخوفِ الوَقتِ. وقال الحسن وعطاء: لا يتيمَّمُ
المريضُ إذا وَجَدَ الماءَ؛ ولا غيرُ المريض(٣).
وسببُ الخلاف: اختلافُهم في مفهوم الآية؛ فقال مالك ومَن تابعَه: ذِكْرُ اللهِ
تعالى المرضى والمسافرين في شرط التيمُّم خُرِّجَ على الأغلب فيمَن لا يجدُ الماء،
والحاضرون الأغلب عليهم وجوده، فلذلك لم ينصَّ عليهم. فكلُّ مَن لم يجد الماء،
أو مَنَعَه منه مانعٌ، أو خافَ فواتَ وقتِ الصلاة، تيمَّم، المسافرُ بالنص، والحاضرُ
بالمعنى. وكذلك المريضُ بالنصِّ، والصحيح بالمعنى.
وأما مَن مَنعَه في الحضر فقال: إنَّ الله تعالى جعل التيمَّمَ رخصةً للمريض
والمسافر، كالفطر وقَصْر الصلاة، ولم يُبح التيمُّمَ إلا بشرطين، وهما المرضُ
والسفرُ، فلا دخولَ للحاضر الصحيح في ذلك؛ لخروجه من شرط الله تعالى.
(١) المحرر الوجيز ٥٨/٢ .
(٢) في النسخ: الصحيح، والمثبت من التمهيد ٢٩٣/١٩، والكلام منه، وما بين حاصرتين منه.
(٣) تقدم قول الحسن وعطاء في بداية المسألة الحادية والعشرين.

٣٦٣
سورة النساء: الآية ٤٣
وأما قولُ الحسن وعطاء الذي مَنَعَه جملةً مع وجودِ الماء، فقال: إنما شَرَطَه الله
تعالى مع عَدَم الماء؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُوا﴾ فلم يُبح التيمُمَ لأحد إلا
عند فقْدِ الماء.
وقال أبو عمر(١): ولولا قول الجمهور وما رُويَ من الأثر، لكان قولُ الحسن
وعطاء صحيحاً، والله أعلم. وقد أجاز رسول اللـه ﴿ التيمُمَ لعمرو بنِ العاصِ وهو
مسافر إذا خاف الهلاكَ إنِ اغتسل بالماء، فالمريضُ أحرى بذلك.
قلت: ومِن الدليل على جواز التيمُّم في الحضَر إذا خاف فوات الصلاة إنْ ذهبَ
إلى الماء: الكتابُ والسنةُ:
أما الكتابُ: فقولهُ سبحانه: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ يعني المقيم إذا
عَدِمِ الماءَ تيمَّمَ. نصَّ عليه القُشَيْريُّ عبدُ الرحيم، قال: ثم يقطع(٢) النظر في وجوب
القضاء؛ لأنَّ عُدْمَ الماء في الحضر عذرٌ نادرٌ. وفي القضاء قولان.
قلت: وهكذا نصَّ أصحابُنا فيمَن تيمَّمَ في الحضر، فهل يعيدُ إذا وجدَ الماءَ أم
لا؟ المشهور مِن مذهب مالك أنَّه لا يعيدُ، وهو الصحيح(٣). وقال ابنُ حبيب ومحمد
ابنُ عبد الحكم: يُعيدُ أبداً. ورواه ابنُ المُنْذر عن مالك(٤). وقال الوليد عنه: يغتسلُ
وإنْ طلعت الشمسُ(٥).
وأما السُّنَّة: فما رواه البخاريُّ(٦) عن أبي الجُهَيْم(٧) بن الحارث بن الصِّمَّة
(١) التمهيد ٢٩٤/١٩، والكلام الذي قبله منه، وينظر الاستذكار ١٧١/٣ - ١٧٣ .
(٢) في النسخ الخطية: يقع، والمثبت من (م).
(٣) ينظر المنتقى ١/ ١١١ - ١١٢.
(٤) الأوسط ٣٠/٢، وهو في المدونة ١ /٤٤.
(٥) الأوسط ٣٠/٢. والوليد المذكور: هو ابن مسلم الدمشقي الحافظ، كان من أوعية العلم، لكن رديء
التدليس، وهو من رجال التهذيب. مات سنة (١٩٥هـ). السير ٢١١/٩.
(٦) في صحيحه (٣٣٧)، وهو عند أحمد (١٧٥٤١).
(٧) في النسخ الخطية: الجهم، والمثبت من (م)، وهو الصواب، كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح ١/ ٤٤٢ .

٣٦٤
سورة النساء: الآية ٤٣
الأنصاريِّ قال: أقبل النبيُّ ﴿ مِن نحوِ ((بئرِ جَمَلٍ))، فلقِيَه رجلٌ، فسلَّم عليه، فلم يردَّ
عليه النبيُّ # حتى أقبلَ على الجدار، فمسحَ بوجهه ويديه، ثم ردَّ عليه السلام(١).
وأخرجه مُسْلم، وليس فيه لفظ ((بِثر))(٢). وأخرجه الدَّارَقُظْنيُّ(٣) من حديث ابن
عمر، وفيه: ثم ردَّ على الرَّجل السلامَ وقال: ((إنه لم يمنعْني أنْ أردَّ عليك السلامَ(٤)
إلَّا أني لم أكنْ على ◌ُهْرٍ)).
الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَوْ جَآءُ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَايِطِ﴾ الغائطُ أصلُه: ما
انخفضَ من الأرض، والجمعُ: الغِيطان والأغواط؛ وبه سُمِّ غُوطةُ دِمَشْق. وكانت
العربُ تَقصِد هذا الصِّنفَ من المواضع لقضاء حاجتها تَسَتُّراً عن أعين الناس، ثم
سُمِّيَ الحَدَثُ الخارجُ من الإنسان غائطاً للمقارنة. وغاطَ في الأرض يغُوطُ إذا
غاب(٥).
وقرأ الزُّهْرِيُّ: ((من الغَيْطِ)) (٦)، فيحتمل أنْ يكونَ أصلُه: الغيِّط، فخفّفَ، كهيِّن
وميِّت وشبهه. ويحتملُ أنْ يكونَ من الغَوْط؛ بدلالة قولهم: تغوَّط: إذا أتى الغائطَ،
فقُلِبت واوُ الغَوْط ياءً، كما قالوا في لا خَوْل: لا حَيْل(٧).
و ((أو)) بمعنى الواو، أي: إن كنتم مرضى أو على سفر، وجاء أحد منكم من
(١) قال النووي في شرح مسلم ٤/ ٦٤: بئر جمل موضع قرب المدينة، وهذا الحديث محمول على أنه قال﴾
كان عادماً للماء حال التيمم، فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله
(٢) صحيح مسلم (٣٦٩)، وفيه لفظ ((بئر)). وفي قول المصنف رحمه الله: أخرجه مسلم، تجوّز، فقد قال
مسلم في هذا الحديث: وروى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة ... قال النووي في شرح مسلم
٦٣/٤: هكذا وقع في صحيح مسلم من جميع الروايات، منقطعاً بين مسلم والليث، وهذا النوع يسمى
معلقاً ... وفي صحيح مسلم أربعة عشر أو اثنا عشر حديثاً منقطعة هكذا. وينظر المفهم ١/ ٦١٧ .
(٣) في سننه (٦٧٦). ورواه أيضاً أبو داود (٣٣٠) وتكلم فيه.
(٤) لفظة: السلام، من (م).
(٥) تهذيب اللغة ١٦٥/٨ .
(٦) القراءات الشاذة ص٢٦، والمحتسب ١٩٠/١، وزادا نسبتها لعبد الله بن مسعود ﴾.
(٧) المحتسب ١٩٠/١ .

٣٦٥
سورة النساء: الآية ٤٣
الغائط، فتيمَّموا، فالسببُ الموجِبُ للتيمُّم على هذا هو الحدثُ لا المرضُ والسفر،
فدلَّ على جواز التيمم في الحضر كما بيناه.
والصحيحُ في ((أو)) أنها على بابها عند أهل النظر. فلِأَوْ معناها وللواو معناها.
وهذا عندهم على الحذف، والمعنى: وإنْ كنتم مرضى مَرَضاً لا تَقدِرون فیه علی مسِ
الماء، أو على سفرٍ ولم تجدوا ماءً، واحتَجْتم إلى الماء. والله أعلم(١).
الخامسة والعشرون: لفظُ: ((الغائِطِ)) يجمعُ بالمعنى جميعَ الأحداث الناقضةِ
للطهارة الصغرى.
وقد اختلفَ الناسُ في حصرها، وأَنْبَلُ ما قيلَ في ذلك أنَّها ثلاثةُ أنواع، لا
خلافَ فيها في مذهبنا: زوالُ العقل، خارجٌ معتاد، ملامسةٌ. وعلى مذهب أبي حنيفة
ما خرجَ من الجسد من النجاسات، ولا يُراعي المخرجَ، ولا يَعُدُّ اللمس. وعلى
مذهب الشافعيِّ ومحمد بن عبد الحكم: ما خرجَ من السبيلين، ولا يراعي الاعتياد،
ويعدُّ اللمس(٢).
وإذا تقرَّرَ هذا؛ فاعلم أنَّ المسلمين أجمعوا على أنَّ مَن زالَ عقلُه بإغماءٍ أو
جنون أو سُكْر، فعليه الوُضوء(٣). واختلفوا في النوم، هل هو حَدَثٌ كسائر
الأحداث، أو ليس بحَدَثٍ، أو مَظِنَّةُ حَدَثٍ؟ ثلاثةُ أقوال: طرفان وواسطة.
الطرف الأول: ذهب المُزَنِيُّ أبو إبراهيمَ إسماعيلُ إلى أنَّه حَدَثٌ، وأنَّ الوضوء
يجب بقليله وكثيره، كسائر الأحداث(٤). وهو مقتضى قولٍ مالك في الموطأ لقوله:
ولا يتوضأُ إلَّا من حَدَثٍ يخرجُ من ذَكَر أو دُبُر، أو نوم(٥). ومقتضى حديثٍ صفوان بنِ
(١) معاني القرآن للنحاس ٢/ ٩٦ .
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٥٨/٢ .
(٣) الإجماع ص ١٧ ، والأوسط ١٤٤/١ .
(٤) الاستذكار ٢/ ٧٤، وأفرد البيهقي في معرفة السنن والآثار ٣٦٦/١ باباً أسماء: اختيار المزني رحمه
الله، فذكر الأحاديث والآثار التي استشهد بها المزني في هذه المسألة.
(٥) الموطأ ٢٢/١.

٣٦٦
سورة النساء: الآية ٤٣
عسَّال؛ أخرجه النَّسائيُّ والدارَقُظْنيُّ والترمِذِيُّ وصحَّحه(١). رَوَوْه جميعاً من حديث
عاصم بن أبي النَّجُود، عن زِرّ بنِ حُبيشٍ، فقال: أتيت صفوان بن عَسَّال المُرَاديَّ
فقلت: جئتُك أسألُك عن المسح على الخُفَّين؛ قال: [نعم]، كنتُ في الجيش الذي
بعثهم رسولُ اللـه ﴿، فأمَرَنا أنْ نمسح على الخفَّين إذا نحن أدخلناهما على ظُهرٍ،
ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلةً إذا أقمنا، ولا نخلَعَهما من بَوْل ولا غائط ولا نوم،
[ولا نخلعهما] إلَّا من جنابة.
ففي هذا الحديث وقولِ مالكٍ التسوية بين الغائطِ والبول والنوم. قالوا: والقياسُ
أنه لمَّا كان كثيرُه وما غلبَ على العقل منه حَدَثاً، وجب أنْ يكون قليلُه كذلك(٢).
وقد رُوي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﴾: ((وِكاءُ السَّهِ العينان،
فمَن نامَ فلْيتوضَّأ)). وهذا عامّ. أخرجه أبو داود(٣)، وأخرجه الدّارَقُظْنيُّ من حديث
معاويةَ بنِ أبي سفيان عن النبيِّ ◌ِ﴾(٤).
وأما الطرفُ الآخرُ ، فرُوِي عن أبي موسى الأَشْعريِّ ما يدلُّ على أنَّ النوم عنده
ليس بحدثٍ على أيِّ حالٍ كان، حتى يُحدِثَ النائمُ حَدَثاً غيرَ النوم؛ لأنه كان يؤكِّلُ
مَن یحرسُه إذا نام.
فإن لم يخرج منه حَدَثٌ، قام من نومه وصلَّى(٥)؛ ورُوي عن عَبيدةَ، وسعيد بن
(١) سنن النسائي (المجتبى) ٩٨/١، وسنن الدارقطني (٧٦١)، وسنن الترمذي (٩٦) و (٣٥٣٥)، واللفظ
للدار قطني، وما سيرد بين حاصرتين منه. وأخرج الحديث مطولاً أحمد (١٨٠٩٥).
(٢) التمهيد ٢٤٦/١٨ . قال أبو عمر: هذا قول شاذ غير مستحسن، والجمهور من العلماء على خلافه.
(٣) في سننه (٢٠٣)، وهو عند أحمد (٨٨٧) وأعله ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٩/٣ بضعف اثنين من
رواته، وجهالة الثالث وهو عبد الرحمن بن عائذ، ويرويه ابن عائذ عن علي ولم يسمع منه. والسَّهُ: اسم
من أسماء الدبر، والوكاء: الرباط الذي يشد به فم القربة ونحوها من الأوعية. معالم السنن ١/ ٧٢ .
(٤) سنن الدار قطني (٥٩٧)، (٥١٨) وهو عند أحمد (١٦٨٧٩)، وفي إسناده أبو بكر بن أبي مريم، قال
الحافظ في التقريب ص ٥٥٠ : ضعيف. وسئل أبو حاتم عن حديث علي ومعاوية فقال: ليسا بقويين.
العلل لابن أبي حاتم ٤٧/١ . وقال ابن عبد البر في الاستذكار ٧٦/٢ : هما حديثان ضعيفان لا حجة
فيهما من جهة النقل.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ١٣٣/١، وابن المنذر في الأوسط ١٥٤/١.

٣٦٧
سورة النساء: الآية ٤٣
المُسَيِّب، والأوزاعِيِّ في رواية محمود بن خالد(١).
والجمهورُ على خلاف هذين الطرفين. فأما جملةُ مذهبٍ مالك؛ فإنَّ كلَّ نائم
استثقل نوماً، وطال نومُه على أيِّ حالٍ كان، فقد وجبَ عليه الوضوءُ(٢)، وهو قول
الزُّهْريِّ وربيعةَ، والأوزاعيٍّ في رواية الوليد بن مسلم.
قال أحمد بن حنبل: فإن كان النوم خفيفاً لا يخامِرُ القلبَ ولا يغمرُه لم يضرَّ.
وقال أبو حنيفة وأصحابُه: لا وضوءَ إلَّا على مَن نام مضطجعاً أو متورِّكاً(٣).
وقال الشافعيُّ: من نام جالساً فلا وضوءَ عليه؛ ورواه ابنُ وهب عن مالك(٤).
والصحيحُ مِن هذه الأقوال مشهورُ مذهبٍ مالكٍ؛ لحديث ابنِ عمرَ أنَّ رسول الله ﴾
شُغِل عنها ليلةً - يعني العِشاءَ - فأخّرها حتى رقدْنا [في المسجد] ثم استيقظنا، ثم رقدْنا،
ثم استيقظنا، ثم خرج علينا النبيُّ ﴿، ثم قال: ((ليس أحَدٌ من أهل الأرض ينتظرُ الصلاةَ
غيرُكم)) رواه الأئمة، واللفظُ للبخاري(٥)؛ وهو أصحُّ ما في هذا الباب من جهة الإسناد
والعمل(٦).
وأما ما قاله مالك في مُوَّئه، وصفوان بنُ عَسَّالٍ في حديثه، فمعناه: ونومٌ ثقيل
غالبٌ على النفس، بدليل هذا الحديث وما كان في معناه. وأيضاً فقد رَوى حديثَ
صفوان: وكِيعٌ، عن مِسْعر، عن عاصم بنِ أبي النَّجُود، فقال: ((أو ريح))، بدل: ((أو
(١) الاستذكار ٢/ ٧٠ و٧٤، والتمهيد ٢٤٢/١٨ و٢٤٥، وذكره ابن المنذر في الأوسط ١٥٥/١ عن
سعيد بن المسيب فقط.
(٢) المنتقى ٤٩/١، ونقل ابن عبد البر قول مالك في الاستذكار ٢/ ٧٠ بلفظ: من نام مضطجعاً أو ساجداً
فليتوضأ، ومن نام جالساً فلا وضوء عليه إلا أن يطول نومه.
(٣) ينظر الأوسط ١٤٨/١، والاستذكار ٢/ ٧٠ - ٧١، والتمهيد ٢٤٢/١٨ - ٢٤٣.
(٤) المنتقى ٤٩/١ .
(٥) صحيح البخاري (٥٧٠)، وما سلف بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٥٦١١)، ومسلم (٦٣٩).
(٦) التمهيد ٢١٨/١٨.

٣٦٨
سورة النساء: الآية ٤٣
نوم))، قال الدارَ قُظْنيُّ (١): لم يقل في هذا الحديث: ((أو ربح)) غيرُ وكيعٍ عن مِسْعر.
قلت: وكِيعٌ ثِقةٌ إمامٌ؛ أخرج له البخاريُّ ومسلم وغيرهما من الأئمة؛ فسقط
الاستدلال بحديث صفوان لمن تمسّك به في أن النوم حَدَث. وأما ما ذهب إليه أبو
حنيفة فضعيف(٢)؛ رواه الدّارَقُظْنيُّ(٣) عن ابن عباس: أن رسول الله * نام وهو
ساجد حتى غَطّ أو نفخ، ثم قام فصلَّى، فقلت: يا رسول الله، إنكَ قد نمت! فقال:
((إن الوضوء لا يجب إلَّا على مَن نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مَفَاصِله)).
تفرَّد به أبو خالدٍ عن قتادةَ، ولا يصحُّ؛ قاله الدارَقُظْنيُّ.
وأخرجه أبو داود وقال: قوله: ((الوضوء على مَن نام مضطجعاً) هو حديث مُنْكَرٌ
لم يَرْوِهِ إلَّا أبو خالد يزيدُ الدَّالانيُّ عن قتادة، وروى أوَّلَه جماعةٌ عن ابن عباس؛ لم
يذكروا شيئاً من هذا (٤).
وقال أبو عمر بن عبد البر(٥): هذا حديث مُنْكَر؛ لم يروِه أحدٌ من أصحاب قتادة
الثقات، وإنما انفرد به أبو خالد الدالاني، وأنكروه [عليه]، وليس بحجة فيما نَقَل.
وأما قول الشافعيّ: على كلِّ نائم الوضوءُ إلَّا على الجالس وحدَه، وأنَّ كلَّ مَن
زال عن حدِّ الاستواء ونام، فعليه الوضوءُ؛ فهو قول الطبريِّ وداود، ورُوي عن عليٍّ
وابنٍ مسعود وابن عمر(٦)؛ لأنَّ الجالس لا يكادُ يَستثقل، فهو في معنى نوم(٧)
(١) في سننه (٤٨٠).
(٢) وهو قول الثوري والحسن بن حي وحماد بن أبي سليمان والحكم بن عتيبة وإبراهيم النخعي كما في
الاستذكار ٢/ ٧١ .
(٣) في سننه (٥٩٦)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٣١٥)، وأبو داود (٢٠٢)، والترمذي (٧٧)، وابن عدي
٧/ ٢٧٣١ .
(٤) سنن أبي داود، إثر الحديث (٢٠٢).
(٥) التمهيد ٢٤٣/١٨، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٦) التمهيد ٢٤٣/١٨ - ٢٤٤، وأخرج الآثار المذكورة عبد الرزاق (٤٨٤) و(٤٨٩).
(٧) في (م): النوم.

٣٦٩
سورة النساء: الآية ٤٣
الخفيف.
وقد روى الدارَقُظْنيُّ(١) من حديث عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ
رسول اللـه ﴿ قال: ((مَن نام جالساً فلا وضوءَ عليه، ومَن وَضَعَ جنبه فعليه الوضوءُ)".
وأما الخارجُ؛ فلنا ما رواه البخاريُّ(٢)، قال: حدثنا قتيبة، حدثنا(٣) يزيد بن
زُريع، عن خالدٍ، عن عِكرمة، عن عائشة قالت: اعتكفَتْ مع رسول اللـه :﴿ امرأةٌ من
أزواجه، فكانت ترى الدَّمَ والصُّفْرة، والطَّسْتُ تحتها، وهي تصلِّي. فهذا خارجٌ على
غير المعتاد، وإنما هو ◌ِرْقٌ انقطع، فهو مرض، وما كان هذا سبيلُه مما يخرجُ من
السبيلين؛ فلا وضوءَ فيه عندنا إيجاباً، خلافاً للشافعيّ كما ذكرنا. وبالله توفيقنا. ويردُّ
على الحنفِيِّ حيث راعَى الخارجَ النَّجِس. فصحَّ ووضَح مذهبُ مالك بن أنس رضي
الله عنه ما تردَّدَ نَفَسٌ، وعنهم أجمعين.
السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قرأ نافعٌ وابنُ كثير وأبو
عمرو وعاصم وابنُ عامر: ﴿لَمَسُْمُ﴾. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: (لَمَسْتُمْ))(٤)؛ وفي
معناه ثلاثةُ أقوال: الأول: أن يكون لَمَسْتُم: جامعتُم. الثاني: لَمَسْتُم: باشرتُم.
الثالث: يجمعُ الأمرين جميعاً. و﴿لَمَسْنُمُ﴾ بمعناه عند أكثر الناس، إلا أنه حُكِي عن
محمد بن يزيد أنه قال: الأَوْلى في اللغة أن يكون ((لا مستم)) بمعنى: قبَّلْتُم أو نظيرِه؛
لأنَّ لكلِّ واحدٍ منهما فِعلاً. قال: و(لَمستم)) بمعنى: غَشِيْتُم ومَسَسْتُم، وليس للمرأة
في هذا فعل(٥).
واختلف العلماءُ في حكم الآية على مذاهبَ خمسةٍ؛ فقالت فرقة: الملامسةُ هنا
(١) في سننه (٥٩٩)، وفي إسناده عمر بن هارون بن يزيد الثقفي، قال الحافظ في التقريب ص٣٥٥:
متروك.
(٢) في صحيحه (٣١٠)، وهو عند أحمد (٢٤٩٩٨).
(٣) في (م): قال حدثنا.
(٤) السبعة ص ٢٣٤ ، والتيسير ص٩٦ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٩/١. محمد بن يزيد: هو المبرِّد، صاحب الكامل.

٣٧٠
سورة النساء: الآية ٤٣
مختصَّةٌ باليد، والجُنُب لا ذِكر له إلّا مع الماء؛ فلم يدخل في المعنى المرادِ بقوله:
﴿وَإِنْ كُمْ فَرْضَ﴾ الآية، فلا سبيل له إلى التيمُّم، وإنما يغتسلُ الجُنُب، أو يَدَعُ
الصلاةَ حتى يجد الماء، رُوي هذا القولُ عن عمرَ وابن مسعود (١).
قال أبو عمر (٢): ولم يقل بقول عمرَ وعبدِ الله في هذه المسألة أحدٌ من فقهاء
الأمصار مِن أهل الرأي وحَمَلة الآثار، وذلك - والله أعلمُ - لحديث عمار وعِمرانَ بن
حُصين وحديث أبي ذَرِّ عن النبيِّ ل﴿ في تيمُم الجُنُب(٣).
وقال أبو حنيفة عكسَ هذا القول، فقال: الملامسةُ هنا مختصةٌ باللمس الذي هو
الجماع. فالجُنُب يتيمَّمُ، واللَّامِسُ بيده لم يَجْرِ له ذِكر، فليس بحدثٍ؛ ولا هو ناقضُ
لوضوئه. فإذا قبَّل الرجلُ امرأتَه للذَّةِ لم يَنتقِضْ وضوءه(٤)؛ وعضَدوا هذا بما رواه
الدارَقُظْنِيُّ (٥) عن عائشة: أنَّ رسول الله :﴿ قَبَّل بعضَ نسائه، ثم خرج إلى الصلاة،
ولم يتوضأ. قال عروةُ: فقلتُ لها: مَن هي إلا أنْتِ؟ فضَحِگَت.
وقال مالك: الملامسُ بالجماع يتيمَّم، والملامس باليد يتيمَّم إذا الْتَذَّ، فإذا
لمسَها بغير شهوةٍ فلا وضوء، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو مقتضى الآية. وقال علي
ابنُ زياد: إنْ كان عليها ثوبٌ كثيفٌ فلا شيءَ عليه، وإنْ كان خفيفاً فعليه الوضوء.
وقال عبد الملك بن الماجِشُون: مَن تعمَّد مسَّ امرأتِه بيده لملاعبةٍ فليتوضَّأُ، التذَّ أو
(١) المحرر الوجيز ٥٨/٢، وأخرجه عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما البخاري (٣٤٥) و(٣٧٦)
و(٣٤٧) ومسلم (٣٦٨).
(٢) التمهيد ٢٧١/١٩، وينظر الاستذكار ١٤٨/٣ .
(٣) حديث عمار أخرجه أحمد (١٨٣٣٢)، والبخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨).
وحديث عمران أخرجه أحمد (١٩٨٩٨)، والبخاري (٣٤٤)، ومسلم (٦٨٢).
وحديث أبي ذر أخرجه أحمد (٢١٣٠٤)، وأبو داود (٣٣٢)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي ١٧١/١.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) المحرر الوجيز ٥٩/٢، وينظر الاستذكار ٥٠/٣، والأوسط ١٢٥/١.
(٥) في سننه ١٣٦/١، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٥٧٦٦)، وأبو داود (١٧٩)، والترمذي (٨٦)، وابن ماجه
(٥٠٢) وسيأتي الكلام عليه قريباً.

٣٧١
سورة النساء: الآية ٤٣
لم يلتذّ (١).
قال القاضي أبو الوليد الباحِيُّ في ((المنْتَقَى)) (٢): والذي تحقَّق من مذهب مالكٍ
وأصحابِه، أنَّ الوضوء إنما يجبُ لقَصْدِهِ اللَّذَّةَ دون وجودها؛ فمن قَصَد اللذَّةَ بلمسه
فقد وجب عليه الوضوء، التذَّ بذلك أو لم يلتذَّ، وهذا معنى ما في ((العُتْبِيَّة)) من رواية
عيسى عن ابن القاسم. وأما الإنعاظُ بمجرَّده، فقد روى ابنُ نافع عن مالك أنه لا
يوجبُ وضوءاً ولا غَسْلَ ذَكَرٍ، حتى يكون معه لَمْسٌ أو مَذِيٌّ. وقال الشيخ أبو
إسحاق: مَن أنعظَ إنعاظاً [قويّاً] انتقضَ وضوؤه؛ وهذا قول مالك في ((المدوَّنة))(٣).
وقال الشافعيُّ: إذا أفضى الرجل بشيءٍ من بدَنه إلى بَدَن المرأةِ سواءٌ كان باليد أو
بغيرها من أعضاء الجسد، تعلَّق نقضُ الظُّهر به، وهو قولُ ابنِ مسعود وابنٍ عمر
والزُّهريِّ وربيعة(٤).
وقال الأوزاعيُّ: إذا كان اللمس باليد نقضَ الظُّهر، وإنْ كان بغير اليد لم ينقضه؛
لقوله تعالى: ﴿فَمَسُهُ بِأَيَدِهِمْ﴾ [الأنعام: ٧].
فهذه خمسةُ مذاهبَ أسَدُّها مذهبُ مالك، وهو مرويٌّ عن عمرَ وابنه عبد الله،
وهو قولُ عبد الله بن مسعود، أنَّ الملامسةَ ما دون الجماع، وأنَّ الوضوء يجب
بذلك، وإلى هذا ذهب أكثرُ الفقهاء(٥).
(١) التمهيد ١٧٩/٢١ - ١٨٠.
(٢) ١ / ٩٢، وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) ١/ ١٣ .
(٤) ينظر الأوسط ١١٦/١ - ١٢١، والتمهيد ١٨٠/٢١، والاستذكار ٤٦/٣ - ٤٧، وأخرج قول ابن
عمر مالك في الموطأ ٤٣/١، والدارقطني (٥١٨). وقول ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق (٤٩٩)،
وابن المنذر في الأوسط ١١٨/١ .
(٥) ينظر التمهيد ١٧٦/٢١، وقال ابن عبد البر في التمهيد ١٨١/٢١: الصحيح قول مالك؛ لأن
الصحابة لم يأت عنهم في معنى الملامسة إلا قولان: أحدهما الجماع، والآخر: ما دون الجماع،
والقائلون منهم بأنه ما دون الجماع إنما أرادوا ما يلتذّ به مما ليس بجماع، ولم يريدوا من اللمس:
اللطم، واللمس لغير لذة؛ لأن ذلك ليس من الجماع ولا يشبهه. وينظر الاستذكار ٤٧/٣ - ٤٨ .

٣٧٢
سورة النساء: الآية ٤٣
قال ابن العربي(١): وهو الظاهر من معنى الآية؛ فإنَّ قوله في أوَّلها: ﴿وَلَا
جُنُبًا﴾ أفاد الجِماعَ، وإنَّ قوله: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغََّبِطِ﴾ أفاد الحَدثَ، وإنَّ
قوله: ﴿أَوْ لَمَسُْ﴾ أفاد اللَّمسَ والقُبَل. فصارت ثلاثُ جُملٍ لثلاثة أحكام، وهذه
غايةٌ في العلم والإعلام. ولو كان المرادُ باللَّمس الجماعَ، كان تكراراً في الكلام.
قلت: وأما ما استدلَّ به أبو حنيفةً من حديث عائشةَ، فحديثٌ مُرْسل؛ رواه
وَكِيعٌ، عن الأَغْمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عُروةَ، عن عائشة. قال يحيى بنُ
سعيد، وذَكَر حديثَ الأعمش عن حبيب عن عُروةَ، فقال: أمَا إنَّ سفيان الثَّوْريَّ كان
أعلمَ الناسِ بهذا، زعم أن حيِيباً لم يسمع من عُروةَ شيئاً؛ قاله الدارَقُطْنِيُّ(٢).
فإن قيل: فأنتم تقولون بالمُرْسَل، فيلزمكم قَبولُه والعملُ به. قلنا: تركناه لظاهر
الآية وعملِ الصحابة.
(١) في أحكام القرآن ١/ ٤٤٤ .
(٢) لم نقف على كلامه، ورواه البيهقي ١٢٦/١ من طريقه. وذكر مثله أبو حاتم - كما في مراسيل ابن أبي
حاتم ص٣٤ - عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل. ونقل الترمذي إثر الحديث (٨٦) عن علي بن
المديني قوله: ضعّف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جداً، وقال: هو شبه لا شيء. قال الترمذي:
وسمعت محمد بن إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة.
قال الزيلعي في نصب الراية ٧٢/١ : وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، فقال
[الاستذكار ٥٢/٣]: صححه الكوفيون وثبتوه؛ لرواية الثقات من أئمة الحديث له، وحبيب لا ينكر
لقاؤه عروة لروايته عمن هو أكبر من عروة وأقدم موتاً.
وقال الزيلعي: وأما ما حكاه أبو داود [في سننه إثر الرواية (١٨٠)] عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب
ابن أبي ثابت إلا عن عروة المزني، فهذا لم یسنده أبو داود، بل قال عقیبه: وقد روی حمزة عن حبيب
عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثاً صحيحاً، فهذا يدل على أن أبا داود لم يرض بما قاله الثوري،
ويقدّم هذا لأنه مثپت، والثوري نافٍ.
قلنا: ولم ينفرد حبيب برواية هذا الحديث فقد تابعه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قبَّل
رسول الله # بعض نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ. أخرجه الدارقطني (٤٨٨). وأخرجه البزار (كما في
نصب الراية ٢/ ٧٤) من طريق عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن عائشة أن النبي # كان يقبل بعض
نسائه، ثم يصلي ولا يتوضأ.
قال عبد الحق في الأحكام الوسطى ١/ ١٤٢ بعد أن ذكر الحديث من جهة البزار: لا أعلم له علة توجب
تركه. وقال الحافظ في الدراية ٤٥/١ : ورجاله ثقات.

٣٧٣
سورة النساء: الآية ٤٣
فإن قيل: إنَّ الملامسةَ هي الجماعُ، وقد رُوي ذلك عن ابن عباس(١). قلنا: قد
خالفه الفاروقُ وابنُه، وتابَعَهما عبد الله بن مسعود، وهو كوفيٍّ، فما لكم خالفتموه؟!
فإنْ قيل: الملامسةُ من باب المفاعلة، ولا تكون إلَّا من اثنين، واللمسُ باليد
إنَّما يكونُ من واحد، فثبت أنَّ الملامسة هي الجماعُ [الذي يكون من اثنين]. قلنا :
الملامسةُ مقتضاها التقاءُ البَشَرتين، سواءٌ كان ذلك من واحدٍ أو من اثنين؛ لأنَّ كلَّ
واحدٍ منهما يوصفُ [بأنه] لا مسٌ وملموس(٢).
جواب آخر: وهو أنَّ الملامسة قد تكونُ من واحد؛ ولذلك نَهى النبيُّ ل﴿ عن بيع
الملامسة، والثوبُ ملموسٌ وليس بلامس(٣)، وقد قال ابنُ عمرَ مُخْبِراً عن نفسه: وأنا
يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلام(٤). وتقول العربُ: عاقبتُ اللصَّ وطارقتُ النَّعلَ، وهو
کثیر.
فإن قيل: لمَّا ذَكَرَ الله سبحانه سبَبَ الحَدَث، وهو المجيءُ من الغائط، ذَكرَ
سببَ الجنابةِ، وهو الملامَةُ، فبيَّن حكم الحَدَث والجَنابة عند عدم الماءِ، كما أفادَ
بيانُ حُكمهما عند وجودِ الماء.
قلنا: لا نمنعُ حملَ اللَّفظ على الجِماع واللَّمس، ويفيد الحُكْمين كما بيَّنا. وقد
قُرِئ: ((لَمَسْتم)) كما ذكرنا.
وأما ما ذهب إليه الشافعيُّ مِن لمس الرجلِ المرأةَ ببعض أعضائه لا حائلَ بينه
وبينها، لشهوةٍ أو لغير شَهْوةٍ، وجبَ عليه الوضوءُ، فهو ظاهرُ القرآن أيضاً، وكذلك
(١) المنتقى ٩٢/١، وأثر ابن عباس علقه البخاري كما في الفتح ٢٧١/٨، ووصله ابن أبي شيبة ١٦٦/١
وابن المنذر في الأوسط ١١٦/١ ، وابن أبي حاتم (٥٣٦٧).
(٢) المنتقى ١/ ٩٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) المنتقى ٩٢/١، وأخرج الحديث أحمد (١٠١٦٩)، والبخاري (٢١٤٦)، ومسلم (١٥١١) من حديث
أبي هريرة . وأخرجه البخاري (٢١٤٤)، ومسلم (١٥١٢) من حديث أبي سعيد الخدري ضه.
(٤) لم نقف عليه من كلام ابن عمر، وسلف الكلام عليه ٢٨/١ .

٣٧٤
سورة النساء: الآية ٤٣
إنْ لمَسَته هي، وجبَ [عليها و] عليه الوضوءُ، إلا الشَّعر؛ فإنه لا وضوءً لمن مسَّ
شعرَ امرأته، لشهوةٍ كان أو لغير شهوة، وكذلك السِّنُّ والُفُر؛ فإنَّ ذلك مخالفٌ
للبشرة. ولو احتاط فتوضَّأ إذا مسَّ شعرَها كان حسناً. ولو مسَّها بيده أو مسَّته بيدها من
فوق الثَّوب فالتذَّ بذلك أو لم يلتذَّ؛ لم يكن عليهما شيءٌ حتى يُفضِيّ إلى البشرةُ(١)،
وسواءٌ كان في ذلك متعمِّداً أو ساهياً، كانت المرأة حيَّةً أو ميَِّةً، إذا كانت أجنبية.
واختلفَ قولُه إذا لَمَس صبيَّةً صغيرة أو عجوزاً كبيرة بيده، أو واحدةً من ذوات
محارمه ممن لا يَحِلُّ له نكاحها، فمرةً قال: ينتقضُ الوضوء؛ لقوله تعالى:
﴿أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَاءُ﴾ فلم يفرِّق. والثاني: لا يُنقضُ؛ لأنه لا مدخلَ للشهوة فيهنَّ.
قال المَرْوَزِيّ: قول الشافعيّ أشبهُ بظاهر الكتاب؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ قال:
﴿أَوْ لَمَسُْمُ النِّسَآءُ﴾ ولم يقُل بشهوةٍ ولا من غير شهوة، وكذلك الذين أَوْجبوا الوضوءَ
من أصحاب النبيِّ ﴿ لم يشترطوا الشَّهوة. قال: وكذلك عامَّةُ التابعين.
قال المَرْوَزِيُّ: فأما ما ذهب إليه مالكٌ من مراعاة الشهوةِ واللذّة من فوق الثوب
يوجب الوضوء، فقد وافقه على ذلك اللَّيث بن سعد، ولا نعلمُ أحداً قال ذلك
غيرَهما. قال: ولا يصُِّ ذلك في النظر؛ لأنَّ مَن فعلَ ذلك فهو غيرُ لامسٍ لامرأته،
وغير مُمَاسٌ لها في الحقيقة، إنما هو لامسٌ لثوبها. وقد أجمعوا أنه لو تلذَّذ واشتهى
[دون] أن يلمس، لم يجب عليه وضوء، فكذلك مَن لمس فوق الثوب؛ لأنه غير
مُمَاسٍ للمرأة(٢).
قلت: أما ما ذَكَر من أنه لم يوافق مالكاً على قوله إلا اللَّثُ بن سعد، فقد ذكر
الحافظ أبو عمر بنُ عبد البَرّ أنَّ ذلك قولُ إسحاقَ وأحمد، ورُوِي ذلك عن الشَّعْبيِّ
والنَّخَعيِّ؛ كلُّهم قالوا: إذا لمسَ فالتذَّ، وجبَ الوضوءُ، وإنْ لم يلتذَّ، فلا وضوءَ(٣).
(١) التمهيد ١٨٠/٢١، وما سلف بين حاصرتين منه، وينظر الاستذكار ٤٧/٣.
(٢) التمهيد ٢١/ ١٨٠ - ١٨١، وما سلف بين حاصرتين منه، والمروزي هو أبو عبد الله محمد بن نصر.
(٣) التمهيد ١٧٩/٢١، وهؤلاء وافقوا مالكاً على مراعاة اللذة عند اللمس بغير حائل، أما مراعاة اللذة =

٣٧٥
سورة النساء: الآية ٤٣
وأما قولُه: ولا يصِحُّ ذلك في النظر، فليس بصحيح، وقد جاء في صحيح الخبر
عن عائشة قالت: كنتُ أنام بين يدي رسول اللـه # ورجلايَ في قِبْلته، فإذا سَجَد
غَمزَني، فقبضتُ رجليَّ، وإذا قام بسطتُهما ثانياً، قالت: والبيوتُ يومئذٍ ليس فيها
مصابيحُ(١). فهذا نصٌّ في أنَّ النبيَّ :﴿ كان المُلامِسَ، وأنه غَمزَ رجليْ عائشة، كما في
رواية القاسم عن عائشةً: فإذا أراد أنْ يسجدَ غمزَ رجليَّ فقبضتُهما. أخرجه
البخاريُّ(٢). فهذا يخصُّ عموم قوله: ﴿أَوْ لَمَسُْمُ﴾.
فكان واجباً بظاهر(٣) الآية انتقاضُ وضوءٍ كلِّ ملامسٍ كيف (٤) لا مسَ. ودَلَّت
السُّنة - التي هي البيانُ لكتاب الله تعالى - أنَّ الوضوء على بعض الملامِسِين دون
بعض، وهو مَن لم يلتذَّ ولم يقصِد.
ولا يقال: فلعلَّه كان على قدمَيْ عائشةً ثوبٌ، أو كان يضرِبُ رجليها بكُمِّه، فإنا
نقول: حقيقةُ الغَمْز إنما هو باليد، ومنه غَمْزُك الكبشَ، أي: تَجُسُّه لتنظرَ؛ أهو سمينٌ
أم لا؟ فأمَّا أنْ يكون الغَمِزُ الضَّرْبَ بالكُمِّ؛ فلا. والرِّجلُ من النائم الغالبُ عليها
ظهورُها من النائم، لاسيما مع امتدادِه وضِيْقِ حاله. فهذه كانت الحالُ في ذلك
الوقت، ألا ترى إلى قولها: وإذا قام بسطتُهما، وقولها: والبيوتُ يومئذٍ ليس فيها
مصابيح. وقد جاء صريحاً عنها قالت: كنتُ أمدُّ رجليَّ في قِبْلة النبيِّ ◌َ﴾ وهو يُصلِّي،
فإذا سجد غمزني، فرفعتُهما، فإذا قام مدَدْتُهما. أخرجه البخاريّ(٥). فظهر أنَّ الغمزَ
كان على حقيقته مع المباشرة.
= من فوق الثوب عند المالكية فقد قال ابن عبد البر في الاستذكار ٥٧/٣: جمهور العلماء يخالفونهم
في ذلك، وهو الحق عندي؛ لأن اللذة إذا تعرت من اللمس لم توجب وضوءاً بإجماع، ومن لمس
الثوب والتذَّ فقد التذَّ بغير مباشرة، ولا مماسةٍ، ولا ملامسة. وينظر المغني ٢٦١/١ .
(١) أخرجه أحمد (٢٥١٤٨)، والبخاري (٣٨٢)، ومسلم (٥١٢): (٢٧٢).
(٢) صحيح البخاري (٥١٩)، وهذه الرواية عند أحمد (٢٤١٦٩).
(٣) في (د) و(م): لظاهر، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في التمهيد ١٧١/٢١، والكلام منه.
(٤) في (د): حیث.
(٥) لم نقف على هذا اللفظ عند البخاري، وأخرجه بهذا اللفظ الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٢ .

٣٧٦
سورة النساء: الآية ٤٣
ودليلٌ آخر، وهو ما روته عائشةُ أيضاً رضي الله عنها قالت: فقَدْتُ رسولَ الله ﴿
ليلةٌ من الفراش، فالتمستُه، فوقعَتْ يدي على بَطْن قدمَيه وهو في المسجد، وهما
منصوبتان، الحديث(١). فلما وضعَتْ يدها على قدمه وهو ساجد، وتمادَى في
سجوده، كان دليلاً على أنَّ الوضوء لا ينتقضُ إلَّا على بعض الملامِسِيْنَ دون بعض.
فإن قيل: كان على قدمه حائلٌ، كما قاله المُزَنيُّ. قيل(٢): القَدَم قَدَمٌ بلا حائل
حتى يثبت الحائلُ(٣)، والأصل الوقوفُ مع الظاهر، بل بمجموعِ ما ذكرنا يجتمعُ منه
کالنَّص.
فإن قيل: فقد أجمعت الأمَّةُ على أنَّ رجلاً لو استكره امرأةً، فمسَّ خِتانُه خِتانَها،
وهي لا تلتذُّ لذلك، أو كانت نائمةً، فلم تلتذَّ ولم تشتهِ، أنَّ الغُسْلَ واجبٌ عليها،
فكذلك حُكْمُ مَن قَبَّل أو لامسَ لشهوة (٤) أو لغير شهوة، انتقضَتْ طهارتُه ووجب عليه
الوضوء؛ لأنَّ المعنى في الجسَّة واللمس والقُبْلةِ: الفعلُ لا اللَّذةُ (٥).
قلنا: قد ذكرنا أنَّ الأعمش وغيرَه قد خالف فيما اذَّعيتُموه من الإجماع(٦).
سلَّمناه، لكن هذا استدلالٌ بالإجماع في محلِّ النزاع؛ فلا يلزمُ، وقد استدلَلْنا على
صحَّة مذهبنا بأحاديثَ صحيحةٍ.
وقد قال الشافعيُّ - فيما زعمتم أنه لم يُسبَق إليه، وقد سبقَه إليه شيخُه مالك، كما
هو مشهور عندنا -: إذا صحَّ الحديثُ فخذوا به ودَعُوا قولي، وقد ثبت الحديثُ
بذلك، فلِمَ لا تقولون به؟!
ويلزمُ على مذهبكم أنَّ مَن ضربَ امرأتَه، فلطمَها بيده تأديباً لها، وإغلاظاً
(١) أخرجه أحمد (٢٥٦٥٥)، ومسلم (٤٨٦).
(٢) في (م): قيل له.
(٣) التمهيد ١٧١/٢١ .
(٤) في (د) و(م): بشهوة.
(٥) التمهيد ٢١ /١٨٠ - ١٨١.
(٦) ينظر ص٣٣٩ من هذا الجزء.

٣٧٧
سورة النساء: الآية ٤٣
عليها، أنْ ينتقض وضوءه؛ إذ المقصودُ وجودُ الفعل، وهذا لا يقولُه أحدٌ فيما
أعلم(١)، والله أعلم. وروى الأئمةُ مالكٌ وغيرُه(٢): أنَّه ﴿ كان يُصلِّي، وأُمامةُ بنتُ
أبي العاص ابنةُ زينبَ بنتِ رسولِ الله﴾ على عاتقه، فإذا رَكَع وضعَها، وإذا رفع من
السجود أعادها. وهذا يردُّ ما قاله الشافعيُّ في أحد قولَيْه: لو لَمسَ صغيرةً لانتقضَ
طُهْرُه؛ تمسُّكاً بلفظ النساء، وهذا ضعيف؛ فإنَّ لَمْسَ الصغيرة كلمسٍ الحائط.
واختلف قولُه في ذوات المحارم؛ لأجل أنَّه لا يَعتبرُ اللَّذَّة، ونحن اعتبرنا اللذَّة،
فحيث وُجِدَتِ وُجِدَ الحكمُ، وهو وجوبُ الوضوء(٣).
وأمَّا قولُ الأوزاعيِّ في اعتباره اليدَ خاصَّةً؛ فلأِنَّ اللمسَ أكثرُ ما يستعملُ باليد،
فقَصَره عليه دون غيرِه من الأعضاء، حتى إنَّه قال(٤): لو أدخلَ الرَّجلُ رجلَيه في ثياب
امرأته فمسَّ فرجَها أو بطنَها؛ لا ينتقضُ بذلك وضوؤه. وقال في الرجل يقبِّلُ امرأته:
إنْ جاء يسألني قلتُ: يتوضأ، وإنْ لم يتوضأ لم أَعِبْه.
وقال أبو ثَوْر: لا وضوءَ على مَن قبَّل امرأتَه أو باشرَها أو لمسَها(٥). وهذا يُخرَّج
على مذهب أبي حنيفةً، والله أعلم.
السابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَآءُ﴾ الأسبابُ التي لا يجد
المسافرُ معها الماءَ هي: إما عُدْمُه جملةً، أو عُدْمُ بعضِه، وإمَّا أن يخاف فواتَ الرفيق
[بسبب طلبه]، أو [خوفاً] على الرَّحْل بسبب طلبه، أو يخاف لصوصاً أو سِباعاً (٦)،
أو فواتَ الوقت، أو عطشاً على نفسه أو على غيره، وكذلك لطبيخ يَطْبُخُه لمصلحة
بدَنِهِ، فإذا كان أحدُ هذه الأشياء، تيمَّم وصلَّى.
(١) ينظر التمهيد ١٨١/٢١، والاستذكار ٤٨/٣.
(٢) الموطأ ١/ ١٧٠، وأخرجه أحمد (٢٢٥١٩)، والبخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٤٥ .
(٤) قوله: قال، من (ظ) وليس في باقي النسخ.
(٥) التمهيد ٢١/ ١٧٢ - ١٧٣ .
(٦) المحرر الوجيز ٥٨/٢، وما سلف بين حاصرتين منه.

٣٧٨
سورة النساء: الآية ٤٣
ويترتَّبُ عُدْمُه للمريض بألّا يجد مَن يُناوِلُه، أو يخاف من ضَرَرِهِ. ويترتَّبُ أيضاً
عُدْمُه للصحيح الحاضر بالغَلَاء الذي يَعُمُّ جميع الأصناف، أو بأن يُسجَن أو يُربَط.
وقال الحسن: يشتري الرجلُ الماءَ بماله كلِّه ويبقى عديماً. وهذا ضعيف، لأنَّ دِين
الله يُسْرٌ. وقالت طائفةٌ: يشتريه ما لم يَزِد على القيمة؛ الثلثَ فصاعداً. وقالت طائفة:
يشتري قيمة (١) الدرهم بالدرهمين والثلاث، ونحو هذا. وهذا كلَّه في مذهب مالكٍ
رحمه الله. وقيل لأشهبَ: أتُشترَى القِرْبةُ بعشرة دراهم؟ فقال: ما أرى ذلك على
الناس(٢). وقال الشافعيُّ بعدم الزيادة.
الثامنة والعشرون: واختلف العلماء: هل طَلَبُ الماءِ شَرْطٌ في صحَّة التيمُّم أم
لا؟ فظاهرُ مذهبٍ مالكِ أنَّ ذلك شرطٌ؛ وهو قول الشافعيِّ. وذهب القاضي أبو محمد
ابن نصر إلى أنَّ ذلك ليس بشرط في صحَّة التيمُم؛ وهو قولُ أبي حنيفة(٣). ورُوي عن
ابن عمرَ أنَّه كان يكونُ في السفر على غَلْوتين من طريقه، فلا يَعدِل إليه (٤). قال
إسحاقُ: لا يلزمُهُ الطّلبُ إلا في موضعه، وذكر حديثَ ابنِ عمرَ(٥).
والأوَّل أصحُّ، وهو المشهورُ من مذهب مالكٍ في الموظّأ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ
(١) بعدها في (ز) بياض بمقدار خمسة أسطر.
(٢) المحرر الوجيز ٥٩/٢ .
(٣) العبارة في المنتقى ١/ ١١٠ (والكلام منه): وروى القاضي أبو الفرج عن مالك: أنه لا بأس أن يجمع
بين الصلاتين من الفوائت بتيمم واحد، وذهب القاضي أبو محمد بن نصر وغيره من أصحابنا إلى أن
وجه ذلك أن طلب الماء ليس بشرط في صحة التيمم. قلنا: وقول القاضي أبي محمد عبد الوهاب بن
محمد بن نصر هو وجوب طلب الماء، كما في المعونة ١٤٩/١، وشرح التلقين ٢٧٤/١، وقال
المازري في شرح التلقين ٢٧٥/١: أما الطلب فالمشهور من المذهب إثباته، وخرج بعض أصحابنا من
القول بإجازة الجمع بين صلاتين فائتتين بتيمم واحد سقوط الطلب؛ إذ لو كان واجباً لأمر بالطلب
للصلاة الثانية، وجَعَل المذهب على قولين: إيجاب الطلب، وإسقاطه. وفي هذا التخريج نظر، لأنه قد
يكتفى بالطلب الكائن عن الصلاة الأولى عن استئناف طلبٍ للصلاة الثانية، ويجعل حكم الطلب الأول
منسحباً على الصلاة الثانية.
(٤) أخرجه ابن المنذر في الأوسط ٣٥/٢، والغَلْوة: قدر رميةٍ بسهم. النهاية (غلا).
(٥) الأوسط ٣٥/٢ .

٣٧٩
سورة النساء: الآية ٤٣
تَجِدُواْ مَآءُ﴾. وهذا يقتضي أنَّ التيمُّم لا يُستعملُ إلَّا بعد طلب الماء.
وأيضاً من جهة القياس، أنَّ هذا بدلٌ مأمورٌ به عند العجز عن مُبْدَله، فلا يُجزِئُ
فعلُه إلا مع تيقُّن عُدْمٍ مُبْدَله، كالصوم مع العتق في الكفارة(١).
التاسعة والعشرون: وإذا ثبت هذا وعُدِم الماءُ، فلا يخلو أنْ يغلب على ظنِّ
المكلَّف اليأسُ من وجوده في [جميع] الوقت، أو يغلبَ على ظنِّه وجودُه ويَقْوَى
رجاؤه له، أو يتساوى عنده الأمران، فهذه ثلاثة أحوال:
فالأول: يُستَحبُّ له التيمُّمُ والصلاةُ أوَّل(٢) الوقت؛ لأنَّه إذا فاتَتْه فضيلةُ الماء،
فإنه يُستحبُّ له أنْ يُخْرِز(٣) فضيلةَ أوَّل الوقت.
الثاني(٤): يتيمَّم وسَطَ الوقت؛ حكاه أصحابُ مالكٍ عنه، فيؤخِّر الصلاةَ رجاءَ
إدراكِ فضيلة الماء ما لم تَفُته فضيلةُ أولِ الوقت؛ فإنَّ فضيلةَ أوَّلِ الوقت قد تُدْرَك
بوسطِه؛ لقُرْبه منه.
الثالث: يؤخّر الصلاةَ إلى أنْ يجد الماءَ في آخر الوقت؛ لأنَّ فضيلةَ الماءِ أعظمُ
من فضيلة أوَّلِ الوقت، لأنَّ فضيلةَ أوَّلِ الوقت مختلَفٌ فيها، وفضيلة الماء متَّفقٌ
عليها، وفضيلةُ أوَّلِ الوقت يجوزُ تركُها دون ضرورةٍ، ولا يجوزُ تركُ فضيلة الماء إلَّا
الضرورة، والوقتُ في ذلك هو آخِرُ الوقت المختار. قاله ابنُ حبيب. فلو عَلِم وجودَ
الماء في آخر الوقت؛ فتيمَّم في أوَّله وصلَّى؛ فقد قال ابنُ القاسم: يُجزِئه، فإنْ وجد
الماء؛ أعاد في الوقت خاصَّة. وقال عبد الملك بن الماجِشُون: إنْ وجدَ الماءَ
بَعْدُ(٥)؛ أعاد أبداً (٦).
(١) المنتقى ١١٠/١. وما سيرد بين حاصرتين منه ١١٣/١.
(٢) في (م): في أول.
(٣) في (ظ): يحوز.
(٤) يعني بقوله: الثاني، ما ذكره آخِراً، وهو حالة أن يتساوى عنده الأمران، وسيتكلم عند قوله: الثالث،
عن حالة تغليب الظن بوجود الماء. ينظر المنتقى ١١٣/١، والمعونة ١٤٨/١ .
(٥) في (ز) و(ظ): فلم يعد.
(٦) المنتقى ١١٣/١ .

٣٨٠
سورة النساء: الآية ٤٣
الموفية ثلاثين: والذي يُراعَى من وجود الماء أن يجد (١) ما يكفيه لطهارته، فإن
وَجَد أقلّ من كفايته؛ تيمَّم ولم يستعمل ما وَجَد منه. هذا قولُ مالكٍ وأصحابه، وبه
قال أبو حنيفة (٢)، والشافعيُّ في أحد قوليه، وهو قول أكثر العلماء؛ لأنَّ الله تعالى
جعلَ فرْضَه أحدَ الشيئين، إمَّا الماءُ، وإما الترابُ. فإن لم يكن الماء مُغنِياً عن التيمُم؛
كان غيرَ موجودٍ شرعاً؛ لأنَّ المطلوب من وجوده الكفايةُ(٣).
وقال الشافعيُّ في القول الآخر: يَستعملُ ما معه من الماء ويتيمَّمُ؛ لأنَّه واجِدُ
ماءٍ، فلم يتحقَّق شرطُ التيمُّم، فإذا استعمله وفَقَّدَ الماء، تيمَّم لِما لم يجد ..
واختلف قولُ الشافعيِّ أيضاً فيما إذا نَسِيَ الماء في رَحْله فتيمَّم، والصحيحُ أنَّه
يعيد؛ لأنَّه إذا كان الماءُ عنده، فهو واجدٌ وإنما فرَّط. والقولُ الآخرُ: لا يعيد، وهو
قول مالك؛ لأنَّه إذا لم يعلمْه فلم يَجدْه(٤).
الحادية والثلاثون: وأجاز أبو حنيفةً الوضوءَ بالماء المتغيِّر؛ لقوله تعالى:
﴿مَآءُ﴾ فقال: هذا نفيٌّ في نَّكِرة، وهو يَعُمُّ لغةً؛ فيكون مفيداً جوازَ الوضوء بالماء
المتغيِّرِ وغيرِ المتغيِّر(٥)؛ لانطلاق اسم الماء عليه. قلنا: النفي في النَّكِرة يعمُّ كما
قلتُمُ، ولكن في الجنس، فهو عامٌّ في كلِّ ماءٍ كان من سماءٍ أو نهرٍ أو عينٍ، عذبٍ أو
مِلْحٍ. فأمَّا غيرُ الجنس، وهو المتغيِّر، فلا يدخل فيه، كما لا يدخلُ فيه ماء الباقِلَاءِ(٦)
ولا ماءُ الورد، وسيأتي حكم(٧) المياه في ((الفرقان))(٨)، إن شاء الله تعالى.
(١) في (م): أن يجد منه.
(٢) المنتقى ١١٠/١.
(٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٥١/٣ .
(٤) المصدر السابق، وينظر الأوسط ٢/ ٧٢ .
(٥) قوله: وغير المتغير، ليس في (د) و(ز).
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤٤٦/١ .
(٧) في (ظ) حدّ.
(٨) عند تفسير الآية: ٤٨.