النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة النساء: الآية ٤٣ ليس بنجِسٍ))(١). قال ابن المُنْذِر: وبه نقول(٢). وقال ابن عباس أيضاً وابن مسعود وعكرمة والنَّخَعيُّ: عابر السبيل: الخاطِرُ المجتاز(٣)؛ وهو قول عمرو بن دينار ومالك والشافعي (٤). وقالت طائفة: لا يمرُّ الجنبُ في المسجد إلا ألَّ يجِدَ بُدّاً، فيتيمَّم ويمرُّ فيه. هكذا قال الثوريُّ وإسحاق بن رَاهَوَيْه. وقال أحمد وإسحاق في الجنب: إذا توضَّأ؛ لا بأس أن يجلس في المسجد؛ حكاه ابن المُنْذِر (٥). وروى بعضهم في سبب الآية أنَّ قوماً من الأنصار كانت أبوابُ دُورِهم شارِعةً في المسجد، فإذا أصاب أحدَهم الجنابةُ اضطُرَّ إلى المرور في المسجد (٦). قلت: وهذا صحيح، يَعْضُده ما رواه أبو داود(٧) عن جَسْرةَ بنتِ دَجاجةً قالت: سمعتُ عائشة رضي الله عنها تقول: جاء رسول الله ﴾ ووجوهُ بيوتِ أصحابه شارِعةٌ في المسجد، فقال: (وَجِّهُوا هذه البيوت عن المسجد)). ثم دخل النبيُّ ﴾ ولم يصنع القومُ شيئاً رجاءَ أنْ تنزل لهم رخصةٌ، فخرج إليهم فقال: ((وجُّهُوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لَا أُحِلُّ المسجد لحائضٍ ولا جُنُب)). وفي صحيح مسلم: ((لا تَبْقَيَنَّ (١) أخرجه أحمد (٧٢١١)، والبخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١) من حديث أبي هريرة ، وأخرجه أحمد (٢٣٢٦٤)، ومسلم (٣٧٢) من حديث حذيفة . (٢) بنحوه في الأوسط ١١٠/٢. (٣) المحرر الوجيز ٥٧/٢، قال ابن عطية: وهذا يحتاج إلى ما تقدم من القول بأن الصلاة هي المسجد والمصلَّى. وأخرج أقوالهم الطبري ٧/ ٥٤ - ٥٨ . (٤) الأوسط ٢ /١٠٧ . (٥) الأوسط ١٠٧/٢ و١٠٨. (٦) المحرر الوجيز ٢/ ٥٧ . (٧) في سننه (٢٣٢). ٣٤٢ سورة النساء: الآية ٤٣ في المسجد خَوْخةٌ إلا خَوْخَةَ أبي بكر))(١). فأمر # بسدِّ الأبواب لمَّا كان ذلك يؤدِّي إلى اتخاذ المسجد طريقاً والعُبورِ فيه. واستثنى خَوْخةَ أبي بكر إكراماً له وخصوصيةً؛ لأنهما كانا لا يفترقان غالباً(٢). وقد رُوي عن النبيِّ # أنه لم يكن أَذِنَ لأحد أن يمرَّ في المسجد ولا يجلسَ فيه؛ إلا علي بن أبي طالب ﴾؛ رواه عطيَّةُ العَوْفيُّ(٣) عن أبي سعيد الخُذْريِّ قال: قال رسول الله﴾: ((ما ينبغي لمسلم، ولا يَضْلُحُ أن يُجْنِب في المسجد إلا أنا وعليٌّ))(٤). قال علماؤنا: وهذا يجوز أن يكون، ذلك لأنَّ بيتَ عليٍّ كان في المسجد، كما كان بيت النبيِّ ﴿ في المسجد، وإنْ كان البيتان لم يكونا في المسجد، ولكن كانا متَّصِلَيْن بالمسجد، وأبوابُهما كانت في المسجد، فجعلهما رسول الله 28 من المسجد، فقال: ((ما ينبغي لمسلم)). الحديث. والذي يدلُّ على أنَّ بيت عليٍّ كان في المسجد ما رواه ابن شِهاب، عن سالم بن عبد الله قال: سأل رجلٌ أبي عن عليٍّ وعثمان رضي الله عنهما؛ أيُّهما كان خيراً؟ فقال له عبد الله بن عمر: هذا بيتُ رسول الله ﴾ - وأشار إلى بيت عليٍّ إلى جنبه - لم يكن في المسجد غيرُهما، وذكر الحديث(٥). فلم يكونا يُجْنِبان في المسجد، وإنما (١) صحيح مسلم (٢٣٨٢): (٢) من حديث أبي سعيد الخدري وهو عند البخاري (٣٩٠٤)، والخوخة: باب صغير كالنافذة الكبيرة، وتكون بين بيتين يُنصب عليها باب. النهاية (خوخ). وأخرجه أحمد (١١١٣٤) والبخاري (٣٦٥٤) ضمن حديث، وفيه: ((لا يَبْقَيَنَّ في المسجد باب إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكر)). قال الحافظ في الفتح ١٤/٧ : يبقينَّ، بفتح أوله ونون التوكيد، وقد رواه بعضهم بضم أوله. (٢) المفهم ٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤. (٣) هو عطية بن سعد العَوْفي؛ قال الحافظ في تقريب التهذيب: صدوق يخطئ كثيراً. (٤) أخرجه بنحوه الترمذي (٣٧٢٧) وقال: حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمع مني محمد بن إسماعيل (يعني البخاري) هذا الحديث، فاستغربه. وينظر التلخيص الحبير ١٣٦/٣. (٥) لم نقف عليه بهذا الإسناد والسياق، وأخرج البخاري (٣٧٠٤) عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله ... وذكر نحوه، وأخرجه بنحوه أيضاً النسائي في السنن الكبرى (٨٤٣٧) عن العلاء بن عرَّار، وأنه كان هو السائل. ٣٤٣ سورة النساء: الآية ٤٣ كانا يُجْنِبان في بيوتهما، وبيوتُهما من المسجد؛ إذ كان أبوابهما فيه، فكانا يَسْتَظْرِقَانِهِ في حال الجنابة إذا خرجا من بيوتهما. ويجوز أن يكون ذلك تخصيصاً لهما، وقد كان النبيُّ :﴿ خُصَّ بأشياء، فيكون هذا مما خُصَّ به، ثم خَصَّ النبيُّ ل:﴿ عليًّا عليه السلام، فرَخَّصَ له في ما لم يرخِّص فيه لغيره. وإن كانت أبواب بيوتهم في المسجد، فإنه كان في المسجد أبوابُ بيوتٍ غيرِ بَيْتَيْهما، حتى أَمر النبيُّ ◌َ﴾ بسدِّها إلَّا بابَ علي. وروى عمرو بنُ ميمون، عن ابن عباس قال: قال رسول الله :﴿: ((سُدُّوا الأبوابَ إلا بابَ عليٍّ))(١) فخصَّه عليه الصلاة والسلام بأنْ ترك بابه في المسجد، وكان يُجْنِبُ في بيتِه وبيتُه في المسجد. وأما قوله: ((لا تَبْقَيَنَّ في المسجد خوخةٌ إلا خَوْخةَ أبي بكر)) فإنَّ ذلك كانت - والله أعلم - أبواباً تطلع إلى المسجد خوخات، وأبواب البيوت خارجةٌ من المسجد؛ فأمر عليه الصلاة والسلام بسدِّ تلك الخوخات، وترك خوخة أبي بكر إكراماً له. (١) أخرجه أحمد (٣٠٦١)، والترمذي (٣٧٣٢)، والنسائي في الكبرى (٨٣٥٥) و(٨٣٧٣) و(٨٣٧٤)، وابن عدي ٧/ ٢٦٨٥ ، وابن الجوزي في الموضوعات ٢٧٣/١ من طريق أبي بلج (يحيى بن سليم، أو ابن أبي سليم) عن عمرو بن ميمون، به. قال ابن الجوزي: قال أحمد: روى أبو بلج حديثاً منكراً: (سدوا الأبواب))، وكذلك قال الذهبي في الميزان ٣٨٤/٤ . وأخرجه العقيلي في الضعفاء ٢٢٢/٤ من طريق شعبة، عن أبي صالح، عن عمرو بن ميمون به. وقال: ليس بمحفوظ من حديث شعبة، ورواه أبو عوانة عن أبي بلج، ولا يصح عن أبي عوانة. وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص عند أحمد (١٥١١)، وابن الجوزي في الموضوعات ٢٧٢/١ . وعن ابن عمر عند أحمد (٤٧٩٧)، وفي الموضوعات ٢٧٢/١ . وعن زيد بن أرقم عند أحمد (١٩٢٨٧)، وفي الموضوعات ٢٧٣/١ . وعن جابر بن عبد الله في الموضوعات ٢٧٤/١ . وعن جابر بن سمرة عند الطبراني (٢٠٣١). وعن علي عند البزار (٢٥٥٢ - كشف الأستار). قال الشيخ شعيب في حاشية المسند ٣٣١/١ : وليس في أسانيد هذه الأحاديث إسناد صالح، بل هي أسانيد ضعيفة لا تثبت على نقد، ولم يصنع الحافظ ابن حجر رحمه الله شيئاً في تقوية هذا الحديث بمثل هذه الأسانيد، ولم يصب في تنقيد الحافظين ابن الجوزي والعراقي لإيرادهما هذا الحديث في الموضوعات. ينظر القول المسدد ٥ - ٦ و ١٧ - ٢٢ ، وفتح الباري ١٤/٧ - ١٥. ٣٤٤ سورة النساء: الآية ٤٣ والخَوْخاتُ كالكُوَى والمَشَاكي(١)، وبابُ عليٍّ كان بابَ البيت الذي كان يدخل منه ويخرج. وقد فسَّر ابن عمر ذلك بقوله: ولم يكن في المسجد غيرهما. فإن قيل: فقد ثبت عن عطاء بن يسار أنه قال: كان رجالٌ من أصحاب النبيِّ #* تُصيبهم الجنابة، فيتوضَّؤون ويأتون المسجد، فيتحدَّثون فيه. وهذا يدلُّ على أن اللُّبْثَ في المسجد للجنب جائزٌ إذا توضّأ، وهو مذهب أحمد وإسحاق كما ذكرنا. فالجواب أن الوضوء لا يرفع حدثَ الجنابة، وكلُّ موضع وُضِع للعبادة وأُكرِمَ عن النجاسة الظاهرة ينبغي ألَّا يدخلَه مَن لا يُرضَى لتلك العبادة، ولا يصحُّ له أن يتلبَّس بها(٢). والغالبُ من أحوالهم المنقولةِ أنهم كانوا يغتسلون في بيوتهم. فإن قيل: يَبْطُل بالمحْدِث(٣)؛ [فإنه لا يَحِلُّ له فِعْلُ الصلاة ويَدخل المسجد]. قلنا: ذلك يَكْثُر وقوعه فيشقُّ الوضوء منه(٤)، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ ما يُغْني ويكفي. وإذا كان لا يجوز له اللُّبثُ؛ فأحرى ألَّ يجوزَ له مسُّ المصحف، ولا القراءةُ فيه؛ إذ هو أعظمُ حُزْمَة. وسيأتي بيانه في ((الواقعة))(٥) إن شاء الله تعالى. الثانية عشرة: ويُمنع الجُنُب عند علمائنا من قراءة القرآن غالباً، إلَّا الآياتِ اليسيرة للتعوُّذ. وقد روى موسى بنُ عُقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله %: ((لا يقرأ الجُنُبُ والحائضُ شيئاً من القرآن)). أخرجه ابن ماجه(٦). (١) يعني جمع مشكاة، ولم نقف على هذا الجمع في كتب اللغة، والمشكاة: هي الكوَّة غيرُ النافذة. النهاية (مشك). (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤٣٨/١ . (٣) في (د) و(ظ): بالحدث. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤٣٨/١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَثُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [٧٩]. (٦) في سننه (٥٩٦)، وأخرجه أيضاً الترمذي (١٣١)، وابن عدي ٢٩٤/١ . قال الحافظ ابن حجر في = ٣٤٥ سورة النساء: الآية ٤٣ وأخرج الدارقطني من حديث سفيان، عن مِسْعَر وشعبةً، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن سلمة، عن عليٍّ قال: كان رسول اللـه﴾ لا يحجبهُ عن قراءة القرآن شيءٌ، إلا أن يكون جُنُباً. قال سفيان: قال لي شعبة: ما أحدِّث بحديث أحسن منه(١). وأخرجه ابن ماجه قال: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا محمد بن جعفر، حذَّثنا شعبة، عن عمرو بن مُرة، فذكره بمعناه (٢)، وهذا إسنادٌ صحيح(٣). وعن ابن عباس، عن عبد الله بن رَوَاحة؛ أنَّ رسول اللـه ﴾ نهى أن يقرأ أحدُنا القرآنَ وهو جُنُب. أخرجه الدار قطني (٤). ورَوَى عن عكرمة قال: كان ابن رواحة مضطجِعاً إلى جنب امرأته، فقام إلى جاريةٍ له في ناحية الحجرة، فوقع عليها؛ وفزعت امرأتُه فلم تجده في مضجعه، فقامت فخرجت، فرأته على جاريته، فرجعت إلى البيت، فأخذت الشفرة ثم = الدراية ٨٦/١: وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة، وهي ضعيفة، وقال ابن أبي حاتم في العلل [٤٩/١]: الصواب من قول ابن عمر. وقال الحافظ أيضاً في التلخيص الحبير ١٣٨/١: لكن رواه الدارقطني [٤٢٣] من حديث المغيرة بن عبدالرحمن عن موسى، وفيه وجه آخر [٤٢٤] فيه مبهم، عن أبي معشر وهو ضعيف، عن موسى. وصحح ابن سيد الناس طريق المغيرة وأخطأ في ذلك؛ فإن فيها عبد الملك بن مسلمة وهو ضعيف، فلو سلم منه لصح إسناده. (١) سنن الدار قطني ١١٩/١. (٢) سنن ابن ماجه (٥٩٤)، وأخرجه أيضاً أحمد (٦٢٧) و (٦٣٩)، وأبو داود (٢٢٩)، والنسائي ١/ ١٤٤ من طرق عن شعبة به. وأخرجه بنحوه الترمذي (١٤٦) من طريق الأعمش وابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، به، وقال: حديث حسن صحيح. (٣) وقال الحافظ في التلخيص ١٣٩/١: وصححه الترمذي وابن السكن وعبد الحق والبغوي في شرح السنة، وروى ابن خزيمة بإسناده عن شعبة قال: هذا الحديث ثلث رأس مالي. ثم نقل الحافظ عن الشافعي قوله في هذا الحديث: أهل الحديث لا يثبتونه، قال البيهقي: إنما قال ذلك لأن عبد الله بن سلمة روايَهُ قد تغير، وإنما رَوَى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة، وقال الخطابي: كان أحمد يوهن هذا الحديث، وقال النووي في الخلاصة: خالف الترمذيَّ الأكثرون، فضعفوا هذا الحديث. قال الحافظ: وتخصيصه الترمذي بذلك دليل على أنه لم ير تصحيحه لغيره. (٤) في سننه ١٢٠/١ و١٢١ . ٣٤٦ سورة النساء: الآية ٤٣ خرجت، وفرغ فقام، فلقيها تحمل الشفرة، فقال: مَهْيَمْ؟(١) قالت: مَهْيَمْ! لو أدركتُك حيث رأيتُكَ لوَجَأْتُ بين كتفيك بهذه الشفرة. قال: وأين رأيتِني؟ قالت: رأيتُكَ على الجارية. فقال: ما رأيتني؛ وقد نهى رسول اللـه ﴿ أن يقرأ أحدُنا القرآن وهو جُنُب. قالت: فاقرأ ! - وكانت لا تقرأ القرآن(٢) - فقال: كما لاحَ مشهورٌ مِنَ الفجرِ ساطِعُ أتانا رسولُ اللهِ يَثْلُو كتابه به موقِناتٌ أنَّ ما قال واقِعُ أتى بالهُدى بعدَ العَمَی فقلوبنا إذا استثقلَتْ بالمشركين المضاجِعُ يَبِيْتُ يجافي جنبه عن فراشه فقالت: آمنت بالله وكذَّبتُ البصر. ثم غدا على رسولِ الله :﴿، فأخبره، فضحِكَ حتى بدتْ نواجِذُه ◌ِ﴾(٣). الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿حَّى تَنْتَسِلُواْ﴾ نهى الله سبحانه وتعالى عن الصلاة إلَّا بعد الاغتسال؛ والاغتسالُ معنّى معقولٌ، ولفظُهُ عند العرب معلوم، يُعبَّر به عن إمرار اليد مع الماء على المغسول؛ ولذلك فَرَّقَت العرب بين قولهم: غسلتُ الثوب، وبين قولهم: أفَضْتُ عليه الماء، وغمستُه في الماء(٤). وإذا تقرَّر هذا؛ فاعلم أنَّ العلماء اختلفوا في الجُنُب يصبُّ على جسده الماء، أو يَنغمِسُ فيه ولا يتدلَّك، فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يجزئه حتى يتدلَّك؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر الجُنُبّ بالاغتسال، كما أمر المتوضِّئ بغسل وجهه ويديه [إلى المرفقين] ولم يكن للمتوضئ بُدُّ من إمرار يديه مع الماء على وجهه ويديه، فكذلك (١) كلمة يستفهم بها، ومعناها: ما حالك، وما شأنك؟. الصحاح (مهيم). (٢) قوله: وكانت لا تقرأ القرآن. من (م). (٣) سنن الدارقطني (٤٣٢)، وهو مرسل. وذكر ابن عبد البر في بهجة المجالس ٣٦/٣ هذه القصة مختصرة من طريق أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر أن عبد الله بن رواحة وقع على جارية له فاتهمته امرأته .. ، وفيه: إذا استثقلت بالهاجعين المضاجع. وأخرج ابن أبي عاصم عن أبي هريرة ﴾ أنه كان يقول في قصصه: إن أخاً لكم كان يقول شعراً وقولاً ليس من الرفث ... وذكر الأبيات. (٤) المنتقى ١ / ٩٤ . ٣٤٧ سورة النساء: الآية ٤٣ جميع جسدِ الجُنُبِ ورأسه في حكم وجه المتوضِّئ ويديه. وهذا قول المُزَنِيِّ واختيارُه(١). قال أبو الفرج عمرو بن محمد المالكيُّ: وهذا هو المعقول من لفظِ الغسل؛ لأن الاغتسالَ في اللغة هو الافتعال، ومن لم يُمِرَّ يديه، فلم يفعل غيرَ صبِّ الماءِ، لا يسمِّيه أهل اللسان غاسِلاً، بل يسمونه صابّاً للماء ومنغمساً فيه. قال: وعلى نحوٍ هذا جاءت الآثارُ عن النبيِّ :﴿ أنه قال: ((تحت كلِّ شعرةٍ جنابةٌ، فاغسِلوا الشعر وأنْقُوا البَشَرَة)»(٢) قال: وإنقاؤُه - والله أعلم - لا يكون إلا بتَبُّعِه؛ على حدٍّ ما ذكرنا(٣). قلت: لا حجةً فیما استدلَّ به من الحدیث لوجهین: أحدهما: أنه قد خولف في تأويله؛ قال سفيان بن عُيَيْنة: المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: ((وانْقُوا البَشَرَة)) أراد غسلَ الفرج وتنظيفَه(٤)، وأنه كنَى بالبَشَرَةِ عن الفرج. قال ابن وهب: ما رأيتُ أعلمَ بتفسير الأحاديث من ابن عيينة(٥). الثاني: أن الحديث أخرجه أبو داود في سننه، وقال فيه: وهذا الحديث ضعيف(٦)؛ كذا في رواية ابن داسة(٧). وفي رواية اللُّؤْلؤيِّ عنه: الحارثُ بن وَجيه ضعيفٌ، حديثُه منكَر (٨). فسقطَ الاستدلالُ بالحديث، وبقي المعوَّل على اللسان كما (١) التمهيد ٩٥/٢٢ - ٩٦، والاستذكار ٦٣/٣، وما سلف بين حاصرتين منهما. (٢) أخرجه أبو داود (٢٤٨)، والترمذي (١٠٦)، وابن ماجه (٥٩٧) من حديث أبي هريرة ﴾. وفي إسناده الحارث بن وجيه؛ قال أبو داود عقب الحديث: حديثه منكر، وهو ضعيف، وقال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديثه، وهو شيخ ليس بذاك. (٣) التمهيد ٢٢ /٩٦. (٤) في التمهيد: وتضاعيفه. (٥) التمهيد ٩٩/٢٢ . وقال ابن عبد البر عقب قول سفيان: وما رأيت هذا التفسير لغير ابن عيينة. (٦) نقل هذا القول عن أبي داود ابنُ عبد البر في التمهيد ٢٢ /٩٩ . (٧) هو محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق بن داسة، أبو بكر البَصْري التمَّار، وهو آخر من حدث بالسنن عن أبي داود، توفي سنة (٣٤٦ هـ). السير ٥٣٨/١٥ . (٨) سنن أبي داود، إثر الحديث (٢٤٨) واللؤلؤي هو محمد بن أحمد بن عمرو البصري، أبو علي، الإمام المحدِّث الصدوق، توفي سنة (٣٣٣ هـ). السير ٣٠٧/١٥ . ٣٤٨ سورة النساء: الآية ٤٣ بيئًا. ويعْضُدُه ما ثبت في صحيح الحديث: أنَّ النبي ﴿ أُتيَ بصبيٍّ، فبال عليه، فدعا(١) بماءٍ، فأتبعَه بولَه ولم يغسله؛ روته عائشة. ونحوه عن أمِّ قيس بنتِ مِحْصَن؛ أخرجهما مسلم(٢). وقال الجمهور من العلماء وجماعةِ الفقهاء: يُجزئُ الجُنُبَ صَبُّ الماء والانغماسُ فيه إذا أسبغ وعمَّ، وإن لم يتدلَّك(٣)؛ على مقتضى حديث ميمونةً وعائشة في غُسْل النبي ﴾. رواهما الأئمة (٤)، وأنَّ النبيَّ ﴾ كان يُفيض الماءَ على جسده؛ وبه قال محمد بن عبد الحكم، وإليه رجع أبو الفرج، ورواه عن مالك؛ قال: وإنما أَمر بإمرار اليدين في الغسل؛ لأنه لا يكاد مَن لم يُمِرَّ يديه عليه يَسْلَم من تنكُبٍ(٥) الماء عن بعض ما يجب عليه من جسده (٦). قال ابن العربي (٧): واعجبْ لأبي الفرج الذي روى وحكى عن صاحب المذهب أن الغُسْلِ دون ذلك يُجزئ، وما قاله قَطّ مالكٌ نصّاً ولا تَخْريجاً، وإنما هي من أوهامه. قلت: قد رُوي هذا عن مالك نصًّا؛ قال مروان بن محمد الطَّاطري(٨) وهو ثقة : : (١) في (د): فأُتي. (٢) حديث عائشة عند مسلم (٢٨٦)، وأخرجه أحمد (٢٥٧٦٨)، والبخاري (٦٣٥٥). وحديث أم قيس عند مسلم (٢٨٧)، وأخرجه أحمد (٢٦٩٩٦) والبخاري (٢٢٣)، وأم قيس هي أخت عكّاشة بن محصن، كانت ممن أسلم قديماً بمكة، وبايعت وهاجرت، ويقال: إن اسمها أمية. الإصابة ٢٦٩/١٣ . (٣) التمهيد ٩٧/٢٢، والاستذكار ٦٤/٣. (٤) حديث ميمونة رضي الله عنها أخرجه أحمد (٢٦٧٩٩)، والبخاري (٢٦٦)، ومسلم (٣١٧). وحديث عائشة رضي الله عنها أخرجه أحمد (٢٤٧٠٠)، والبخاري (٢٤٨)، ومسلم (٣١٦). (٥) في (د) و(ز): من أن ينكب. (٦) الكافي ١/ ١٧٥ . (٧) أحكام القرآن ٤٣٩/١ . (٨) في النسخ: الظاهري، وهو تصحيف، وهو مروان بن محمد بن حسان، أبو بكر، ويقال: أبو عبد الرحمن الأسدي الدمشقي، قال الطبراني: كل من باع الثياب بدمشق يقال له: الطاطري، توفي سنة (٢١٠ هـ) . السير ٩/ ٥١٠. ٣٤٩ سورة النساء: الآية ٤٣ من ثِقات الشاميين: سألت مالك بن أنس عن رجلٍ انغمس في ماءٍ وهو جُنُب ولم يتوضأ، قال: مضت صلاته. قال أبو عمر (١): فهذه الرواية فيها: لم يتدَلَّك ولا توضأ، وقد أجزأه عند مالك. والمشهور من مذهبه أنه لا يُجزِتُه حتى يتدَلَّك؛ قياساً على غَسْل الوجه واليدين. وحجةُ الجماعة: أنَّ كلَّ مَن صبَّ عليه الماء فقد اغتسل، والعرب تقول: غسلتني السماءُ. وقد حكت عائشة وميمونة صفة غُسْل رسول اللـه ﴾ ولم تذكرا(٢) تَدُّكاً، ولو كان واجباً ما تَرَكه؛ لأنه المبيِّن عن الله مرادَه، ولو فعله لنُقِل عنه كما نُقِل تخليلُ أصولٍ شعره بالماء، وغَرْفُه على رأسه، وغير ذلك من صفة غُسْله ووضوئه عليه الصلاة والسلام. قال أبو عمر (٣): وغيرُ نَكيرٍ أن يكون الغسل في لسان العرب مرةً بالعَرْكِ، ومرة بالصَّبِّ والإفاضة، وإذا كان هذا؛ فلا يمتنع أن يكون الله جلَّ وعزَّ تعبَّد عِبادَه في الوضوء بإمرار أيديهم على وجوهِهم مع الماء ويكون ذلك غَسْلاً، وأن يفيضوا الماء على أنفسهم في غُسل الجنابة والحيض، ويكونُ ذلك غسلاً موافقا للسُّنة، غيرَ خارج من اللغة، ويكون كلُّ واحدٍ من الأمرين أصلاً في نفسه، لا يجب أن يُرَدَّ أحدُهما إلى صاحبه؛ لأن الأصول لا يُردُّ بعضها إلى بعض قياساً، وهذا ما لا خلافَ فيه بين علماء الأمة. وإنما تُردُّ الفروع قياساً على الأصول. وبالله التوفيق. الرابعة عشرة: حديث ميمونة وعائشة يردُّ ما رواه شعبةُ مولى ابن عباس، عن ابن عباس؛ أنه كان إذا اغتسل من الجنابة غَسَل يديه سبعاً، وفرْجَه سبعاً(٤). وقد روي عن (١) التمهيد ٢٢/ ٩٧، وما قبله منه. (٢) في (د) و(ز) و(م): يذكرا. (٣) الاستذكار ٦٦/٣ - ٦٧ . (٤) التمهيد ٩٤/٢٢، وأخرجه أبو داود بلفظ: كان إذا اغتسل يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار، ثم يغسل فرجه، فنسي مرة .. ، وليس فيه كم مرة غسل فرجه. ٣٥٠ سورة النساء: الآية ٤٣ ابن عمر قال: كانت الصلاة خمسين، والغُسْلُ من الجنابة سبعَ مرارٍ، وغَسْلُ البول من الثوب سبعَ مرارٍ؛ فلم يَزَلْ رسول اللـه * يَسأل حتى جُعِلت الصلاةُ خمساً، والغُسْل من الجنابة واحدة (١)، والغَسْل من البول مرة(٢). قال ابن عبد البر(٣): وإسنادُ هذا الحديث عن ابن عمر فيه ضَعْفٌ ولِيْن، وإن كان أبو داود قد خرّجه والذي قبله عن شعبة مولى ابن عباس، وشعبةُ هذا ليس بالقوي، ویردُّهما حديث عائشة وميمونة. الخامسة عشرة: ومَن لم يستطع إمرارَ يده على [جميع] جسده فقد قال سحنون: يَجْعَل مَن يَلي ذلك منه، أو يعالجه بِخرقة. وفي ((الواضحة)): يُمِرُّ يده على ما يدرِكه من جسده، ثم يُفيض الماءَ حتى يعمَّ ما لم تبلغه يداه(٤). السادسة عشرة: واختلف قول مالك في تخليل الجنب لحيتَه: فروى ابن القاسم عنه أنه قال: ليس عليه ذلك. وروى أشهبُ عنه أن عليه ذلك. قال ابن عبد الحكم: ذلك هو أحبُّ إلينا؛ لأنَّ رسول الله # كان يخلِّل شعره في غسل الجنابة، وذلك عامٌ، وإن كان الأظهرُ فيه شعرَ رأسه، وعلى هذين القولين العلماء(٥). ومن جهة المعنى: أن استيعابَ جميع الجسد في الغُسْل واجبٌ، والبشرةُ التي تحت اللحية من جملته، فوجبَ إيصالُ الماء إليها ومباشرتها باليد. وإنما انتقل الفرضُ إلى الشعر في الطهارة الصغرى لأنها مبنيةٌ على التخفيف، ونيابة الأبدال (١) في (م): مرة. (٢) في (ظ): وغسل البول من الثوب مرة، وفي (ز): والغسل من الثوب مرة، وفي التمهيد ٩٤/٢٢ (والكلام منه): وغسل الثوب من البول مرة. والحديث أخرجه أحمد (٥٨٨٤)، وأبو داود (٢٤٧). (٣) التمهيد ٩٥/٢٢ . (٤) المنتقى ٩٤/١، وما سلف بين حاصرتين منه. والواضحة كتب في السنن والفقه لعبد الملك بن حبيب، كما ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك ٣٥/٣، وقال: لم يؤلف مثلها. (٥) التمهيد ٩٥/٢٢ . ٣٥١ سورة النساء: الآية ٤٣ فيها(١) من غير ضرورة؛ ولذلك جاز فيها المسح على الخفّين، ولم يجز في الغسل . قلت: ويَعْضُد هذا قولُه ◌َ﴾: ((تحت كلِّ شعرةٍ جنابة))(٢). السابعة عشرة: وقد بالغ قوم فأوجبوا المضمضة والاستنشاق؛ لقوله تعالى: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُواْ﴾ منهم أبو حنيفة؛ ولأنهما من جملة الوجه وحُكْمهما حكم ظاهر الوجه، كالخدِّ والجَبِين(٣)، فَمَن تَرَكهما وصلَّى أعاد، كمن ترك لُمْعَة (٤)، ومَن ترکهما في وضوئه فلا إعادة عليه(٥). وقال مالك: ليستا بفرضٍ؛ لا في الجنابة ولا في الوضوء؛ لأنهما باطنان كداخل الجسد (٦). وبذلك قال محمد بن جرير الطبريُّ، والليث بن سعد، والأوزاعي، وجماعة من التابعين. وقال ابن أبي ليلى وحمَّاد بن أبي سليمان: هما فرض(٧) في الوضوء والغسل جميعاً، وهو قول إسحاق وأحمد بن حنبل، وبعضٍ أصحاب داود. ورُوي عن الزُّهريِّ وعطاءٍ مثلُ هذا القول. وروي عن أحمد أيضاً أنَّ المضمضة سنَّةٌ والاستنشاقَ فرض، وقال به بعضُ أصحاب داود. وحجَّةُ مَن لم يوجبهما: أنَّ الله سبحانه لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما (١) في (ز) و (ظ): وبيانه الأبدال فيها، وفي (د): وبيانه أن لا تذلك فيها، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المطبوع من المنتقى ٩٤/١، والكلام منه. (٢) سلف في المسألة الثالثة عشرة. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤٣٩/١ . (٤) اللمعة: الموضع الذي لا يصيبه الماء في الغسل والوضوء. اللسان (لمع). (٥) التمهيد ٣٤/٤ والاستذكار ١٢/٢، وهذا قول الثوري أيضاً. (٦) في (م): لأنهما باطنان فلا يجب كداخل الجسد. (٧) في (ظ): فرضان. ٣٥٢ سورة النساء: الآية ٤٣ رسولُه، ولا اتَّفق الجميع عليه، والفرائض لا تثبتُ إلا بهذه الوجوه. احتجَّ مَن أوجبَهما بالآية، وقولِه تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فما وجبَ في الواحد من الغَسْل وجبَ في الآخَر، والنبيُّ ﴾ لم يُحفظ عنه أنه ترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه ولا في غُسله من الجنابة، وهو المبيِّن عن الله مرادَه قولاً وعملاً. احتجَّ مَن فَرَّق بينهما بأنَّ النبيَّ ﴾ فَعَلَ المضمضةَ ولم يأمر بها، وأفعالُه مندوبٌ إليها ليست بواجبة إلا بدليل، وفَعَلَ الاستنشاقَ(١) وأمرَ به، وأمْرُه على الوجوب أبداً (٢). الثامنة عشرةَ: قال علماؤنا: ولا بدَّ في غسل الجنابة من النيّة، لقوله تعالى: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُواْ﴾ وذلك يقتضي النيةً، وبه قال مالك والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور، وكذلك الوضوءُ والتيمُّم. وعضدوا هذا بقوله تعالى: ﴿وَمَّا أُمِرُوّا إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ﴾ [البينة: ٥]. والإخلاصُ: النيةُ في التقرُّب إلى الله تعالى، والقصدُ له بأداء ما افْتَرضَ على عباده المؤمنين، وقال عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال بالنيات))(٣) وهذا عمل. وقال الأوزاعيُّ والحسن: يُجزِئُ الوضوء والتيمم بغير نية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: كلُّ طهارة بالماء فإنَّها تُجزِئ بغير نيَّة، ولا يُجزِئ التيمم إلا بنية؛ قياساً على إزالة النَّجاسة بالإجماع من الأبدان والثياب بغير نية (٤). ورواه الوليد بن مسلم عن مالك(٥). (١) في (ظ): الاستنثار. (٢) التمهيد ٣٤/٤ - ٣٦، والاستذكار ١١/٢ - ١٤. (٣) تقدم ٣/ ٢٧٠ . (٤) الاستذكار ٣/ ٦٧ - ٧٠ . (٥) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٤٤٠ . ٣٥٣ سورة النساء: الآية ٤٣ التاسعة عشرة: وأما قَدْرُ الماء الذي يُغتسل به؛ فروى مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها: أنَّ رسول اللـه 8# كان يغتسل من إناءٍ؛ هو الفَرَق من الجنابة (١). ((الفَرَقُ)) تحرَّكُ راؤه وتسكّن(٢). قال ابن وَهْب: ((الفَرَق)) مكيالٌ من خشب، كان ابن شهاب يقول: إنه يَسَعُ خمسةَ أقساطٍ بأقساط بني أمية. وقد فسَّر محمد بن عيسى الأعشى (٣) ((الفَرَق))، فقال: ثلاثةُ آصُع، قال: وهي خمسةُ أقساط، قال: وفي الخمسة أقساط اثنا عَشَر مُدَّا بِمُدِّ النبيِّ ﴾(٤). وفي صحيح مسلم(٥): قال سفيان: ((الفَرَقَ)) ثلاثةُ آصُع . وعن أنس قال: كان النبيُّ# يتوضأ بالمُدِّ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد (٦). وفي رواية: يغتسل بخمسة مَكَاكيك، ويتوضأ بمَكُوك(٧). وهذه الأحاديث تدلُّ على استحباب تقليل الماء من غير كيلٍ ولا وزن، يأخذ منه الإنسان بقَدْرِ ما يكفي، ولا يُكثِرِ منه، فإنَّ الإكثارَ منه سَرَفٌ، والسرفُ مذمومٌ. ومذهبُ الإباضية الإكثارُ من الماء، وذلك من الشيطان (٨). (١) الموطأ ٤٤/١، ومن طريق مالك أخرجه مسلم (٣١٩): (٤٠). وأخرجه أحمد (٢٤٠٨٩) ، والبخاري (٢٥٠)، ومسلم (٣١٩): (٤١) من طرق عن الزهري به. (٢) جمهرة اللغة ٢ / ٤٠٠ (٣) أبو عبد الله المعافري، قرطبي، معروف بالأعشى، رحل في العام الذي مات فيه مالك وذلك سنة سبع وسبعين ومئة، فسمع من العراقيين والمدنيين. وكان الغالب عليه الحديث والأثر، توفي سنة (٢١٨ هـ) وقيل غير ذلك. ينظر ترتيب المدارك ٢٣/٣ - ٢٥ . (٤) الاستذكار ٣/ ٧٥، والتمهيد ١٠٢/٨، وهو ما يعادل ٤,٩٤٨ كغ. ينظر معجم متن اللغة ١ / ٨٧ . (٥) إثر الحديث (٤١٩): (٤١)، وقد سلف قريباً. (٦) أخرجه البخاري (٢٠١)، ومسلم (٣٢٥): (٥١). (٧) أخرج هذه الرواية أحمد (١٢١٠٥)، ومسلم (٣٢٥): (٥٠). قال ابن الأثير في النهاية (مكك): أراد بالمكوك المد ... والمكوك اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد. (٨) التمهيد ١٠٣/٤، والاستذكار ٧٢/٣ - ٧٣. قال ابن عبد البر: وهو مذهب ظهر قديماً وسئل عنه بعض الصحابة والتابعين، فلذلك سيق هذا الحديث ومثله (يعني حديث عائشة رضي الله عنها السالف). ٣٥٤ سورة النساء: الآية ٤٣ الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنُم ◌َّرْضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ هذه آية التيمُّم، نزلت في عبد الرحمن بن عوف؛ أصابته جنابةٌ وهو جريح، فُرُخِّص له في أنْ يتيمَّم (١)، ثم صارت الآيةُ عامَّةً في جميع الناس. وقيل: نزلت بسبب عُدْمِ الصحابةِ الماءَ في غزوة المُرَيْسِيع حين انقطعَ العِقدُ لعائشة(٢). أخرجَ الحديثَ مالك من رواية عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة(٣). وترجم البخارِيُّ هذه الآيةَ في كتاب التفسير: حدثنا محمدٌ، قال: أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: هلكت قِلادةٌ الأسماء، فبعثَ النبيُّ ﴾ في طلبها رجالاً، فحضرت الصلاةُ وليسوا على وضوء، ولم يَجدوا ماءً، فصلَّوا وهم على غير وضوء؛ فأنزل اللهُ تعالى آية التَّهُم(٤). قلت: وهذه الرواية ليس فيها ذكرٌ للموضع، وفيها أنَّ القلادة كانت لأسماء، (١) ذكره الحافظ ابن حجر في العجاب ٢/ ٨٨١ عن مقاتل، وأورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٨/٢ مختصراً عن النقاش. (٢) المحرر الوجيز ٢/ ٥٧ . (٣) الموطأ ٥٣/١، ومن طريق مالك أخرجه أحمد (٢٥٤٥٥)، والبخاري (٣٣٤)، ومسلم (٣٦٧): (١٠٨)، وليس فيه ذكر اسم الغزوة، وجاء فيه: حتى إذا كنَّا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عِقْد لي ... قال الحافظ في الفتح ٤٣٢/١: قال ابن عبد البر في التمهيد [٢٦٧/١٩]: يقال: إنه (يعني نزول آية التيمم) كان في غزاة بني المصطلق، وجزم بذلك في الاستذكار [١٤١/٣]، وسبقه إلى ذلك ابن سعد [الطبقات ٦٥/٢] وابن حبان [الثقات ٢٦٣/١]. وغزاةُ بني المصطلق هي غزوة المرَيْسيع، وفيها وقعت قصة الإفك لعائشة، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضاً، فإن كان ما جزموا به ثابتاً، حُمل على أنه سقط منها في تلك السَّفرة مرتين لاختلاف القصتين كما هو مبين في سياقهما، واستبعد بعض شيوخنا ذلك ... وانظر تتمة كلامه فيه. (٤) لفظة آية، من (م)، والحديث في صحيح البخاري (٤٥٨٣). ٣٥٥ سورة النساء: الآية ٤٣ خلاف حديث مالك. وذَكر النَّسائيُّ من رواية علي بن مُسْهِر، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة: أنها استعارت من أسماء قلادةً لها وهي في سفرٍ مع رسول الله ﴾، فانسلَّت منها، وكان ذلك المكان يقال له: الصُّلْصُل، وذكر الحديث(١). ففي هذه الرواية عن هشام أنَّ القِلادة كانت لأسماء، وأنَّ عائشةَ استعارتها من أسماء. وهذا بيانٌ لحديث مالك إذ قال: انقطع عِقد لعائشة، ولحديث البخاريِّ إذ قال: هلكت قلادةٌ لأسماء. وفيه أنَّ المكان يقال له: الصُّلْصُل. وأخرجه الترمذيُّ: حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ(٢)، حدَّثنا سفيان، حدَّثنا هشام بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة: أنَّها سقطت قِلادتُها ليلةَ الأَبْواء، فأرسل رسولُ اللـه ل﴾ رجلين في طلبها، وذكر الحديث. ففي هذه الرواية عن هشام أيضاً إضافةُ القِلادة إليها، لكنْ إضافةُ مُستعيرٍ بدليل حديث النَّسائي. وقال في المكان: ((الأبواء)) كما قال مالك، إلا أنَّه من غير شكِّ(٣). وفي حديث مالك قالت (٤): وبَعَثْنا البعيرَ الذي كنتُ عليه، فوجدنا العِقْد تحته. (١) لم نقف عليه عند النسائي، ونسبه الحافظ ابن حجر في الفتح ١/ ٤٣٢ لجعفر بن محمد الفريابي في كتاب الطهارة له، ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٦٧/١٩ . وأخرجه البخاري (٣٣٦)، ومسلم (٣٦٧): (١٠٩) من طرق عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت ... وذكر الحديث دون ذكر اسم المكان الذي حدثت فيه الحادثة. والصلصل: اسم موضع بنواحي المدينة. معجم البلدان ٤٢١/٣. (٢) في قول المصنف: أخرجه الترمذي، إيهام، فليس هو بالترمذي صاحب السنن، إنما هو شيخهُ محمد ابن اسماعيل بن يوسف، وقد أخرجه ابن عبد البَرّ في التمهيد ٢٦٨/١٩ من طريقه، عن الحميدي، به، وهو في مسند الحميدي (١٩٥). (٣) تقدم حديث مالك من الموطأ والصحيحين، وليس فيه ذكر الأبواء، وجاء فيه: حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش. والبيداء كما سلف ذكره قريباً في الحواشي، وجاء ذكر الأبواء في مدح ابن عباس رضي الله عنهما للسيدة عائشة رضي الله عنها وهي تُحتضر، فكان مما قال لها وسقطت قلادتك ليلة الأبواء، فنزلت فيك آيات من القرآن. أخرجه أحمد (١٩٠٥). والأبواء وذات الجيش هي أسماء مواضع بين مكة والمدينة. ينظر فتح الباري ١/ ٤٣٢ . (٤) في النسخ: قال، والمثبت من موطأ مالك ١/ ٥٤. ٣٥٦ سورة النساء: الآية ٤٣ وجاء في البخاريِّ: أنَّ رسولَ اللهِ ﴾ وَجَدَه(١). وهذا كلُّه صحيح المعنى، وليس اختلافُ النَّقَلَة في العِقْدِ والقِلادة، ولا في الموضع، ما يَقدحُ في الحديث، ولا يُؤْهِنُ شيئاً منه؛ لأنَّ المعنى المرادَ من الحديث والمقصودَ به إليه هو نزول التيمم (٢)، وقد بَيَّنت الروايات أمر القِلادة(٣). وأما قولُه في حديث التِّرمِذِيِّ: فأرسل رجلين، قيل: أحدُهما أُسَيد بن حُضَير (٤). ولعلهما المرادُ بالرجال في حديث البخاريِّ، فعبّر عنهما بلفظ الجمع؛ إذ أقلُّ الجمع اثنان، أو أردفَ في أثرهما غيرَهما، فصحَّ إطلاقُ اللفظ، والله أعلم. فُبُعثوا في طلبها، فطلبوا، فلم يَجِدوا شيئاً في وٍجهتهم، فلمَّا رجَعوا أثاروا البعيرَ، فوجدوه تحته(٥). وقد رُوي أنَّ أصحاب رسول اللـه ◌َ﴿ أصابتهم جِراحة، فَفَشت فيهم، ثمَّ ابتُلُوا بالجنابة، فشكّوْا ذلك لرسول اللـه﴾، فنزلت هذه الآية (٦). وهذا أيضاً ليس بخلافٍ لِمَا ذكرنا؛ فإنهم ربَّما أصابتهم الجراحةُ في غَزاتهم تلك التي قفَلوا منها؛ إذْ كان فيها قتالٌ، فشكَوْا، وضاع العِقدُ، ونزَلت الآيةُ. وقد قيل: إنَّ ضَياع العِقْد كان في غَزاة بني المُصْطَلق. وهذا أيضاً ليس بخلافٍ لقول مَن قال: في غزاة المُرَيْسِيع، إذ هي غَزاةٌ واحدةٌ؛ فإنَّ النبيَّ # غزا بني (١) يشير إلى حديث البخاري السالف، وقول عائشة رضي الله عنها فيه: فبعث رسول اللـه 8# في طلبها رجالاً ... وفي رواية أخرى عند البخاري (٣٣٦): فبعث رسول الله # رجلاً فوجدها، وفي رواية ثالثة (٣٧٧٣): فأرسل رسول الله # ناساً من أصحابه في طلبها. وينظر المفهم ١/ ٦١١ . (٢) التمهيد ٢٦٨/١٩. (٣) في (م): وقد ثبتت الروايات في أمر القلادة. (٤) أخرجه أبو داود (٣١٧)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٦٨/١٩ من حديث عائشة رضي الله عنها. (٥) المفهم ١/ ٦١٢ . (٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١٠١/١، والطبري ٧٥/٧ عن إبراهيم النخعي. ٣٥٧ سورة النساء: الآية ٤٣ المُصْطَلِقِ في شعبان من السنة السادسة من الهجرة، على ما قالَه خليفة بن خَيَّاط(١) وأبو عمر بنُ عبد البر(٢)، واستعملَ على المدينة أبا ذَرِّ الغِفَاريَّ. وقيل: بل نُمَيلة بن عبد الله اللَّيني(٣). وأغارَ رسولُ اللهِ﴾ على بني المُضْطَلِقِ وهم غارُّون، وهم على ماء يقال له: المُرَيْسِيع من ناحية قُدَيدٍ مما يلي الساحلَ، فقَتَل مَن قَتَل، وسَبَى (٤) النساءَ والذرِّيَّة، وكان شعارُهم يومئذٍ: أمِتْ أمِت. وقد قيل: إنَّ بني المُصْطَلِقِ جمعوا لرسول اللـه * وأرادوه، فلما بلغَه ذلك خرجَ إليهم، فلقِيَهم على ماء [يقال له: المريسيع، فاقتتلوا، فهزمهم الله](٥). فهذا ما جاء في بدء التيمُّم والسببِ فيه. وقد قيل: إنَّ آيَةَ المائدة آيةُ التيمم، على ما يأتي بيانه هناك(٦). قال أبو عمر (٧): فأنزل الله تعالى آية التيمم، وهي آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة، أو الآية التي في سورة النساء. ليس التيمُّم مذكوراً في غير هاتين الآيتين وهما مَدَنَّتان. الحادية والعشرون: قوله تعالى: ﴿مَّضَ﴾ المرضُ عبارةٌ عن خروج البدنِ عن (١) نقله عنه ابن العربي في أحكام القرآن ١/ ٤٤٢، والمزي في تهذيب الكمال ١٤٦/٣٥، والحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٤٣٠ . (٢) الاستذكار ٣/ ١٤١، وقاله أيضاً ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٢٨٩/٢، وفيها قول آخر؛ أنها كانت سنة خمس، وهو ما رجحه الحاكم، والحافظ ابن حجر. ينظر الفتح ٧/ ٤٣٠ . (٣) سيرة ابن هشام ٢٨٦/٢، والدرر في اختصار المغازي والسير ص ٢١٧، ونميلة ابن عبد الله الليثي هو الذي قتل مِقْيَسَ بن صُبابة يوم الفتح، وكان النبي # أهدر دمه. الإصابة ١٨٨/١٠. (٤) بعدها في (م): مَن سبى. والمثبت من النسخ الخطية، موافق لما في الدرر ص ٢١٧ ، والكلام منه. (٥) الدرر في اختصار المغازي والسير ص٢١٧ ، وما بين حاصرتين منه، وينظر ما أخرجه البخاري (٢٥٤١)، ومسلم (١٧٣٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والطبراني في الأوسط (٦٠١٢)، والكبير (٦٤٩٦) من حديث سنان بن وبرة ، في قصة هذه الغزوة. (٦) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ﴾ [الآية: ٦]. (٧) التمهيد ٢٧٩/١٩ . ٣٥٨ سورة النساء: الآية ٤٣ حدِّ الاعتدال والاعتياد، إلى الاعوجاج والشذوذ. وهو على ضَرْبين: كثير ويسير(١)؛ فإذا كان كثيراً بحيث يخافُ الموتَ لبرد الماء، أو للعلَّة التي به، أو يخاف فَوْتَ(٢) بعض الأعضاء، فهذا يتيمَّم بإجماع، إلا ما رُوي عن الحسن وعطاء أنه يتطهّرُ وإنْ مات. وهذا مردودٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾(٣) [النساء: ٢٩]. وروى الدارَقُظْنيُّ عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن كُمْ تَّضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قال: إذا كانت بالرجل الجِراحةُ في سبيل الله، أو القروحُ، أو الجُدَرِيُّ، فَيُجْنِبُ، فيخافُ أنْ يموت إن اغتسل، تَيمَّم (٤). وعن سعيد بن جُبير أيضاً، عن ابن عباس قال: رُخِّص للمريض في التيمُّم بالصَّعيد(٥). وتيمَّم عمرو بن العاص لمَّا خاف أن يَهلِك من شدة البرد، ولم يأمره ﴾] بِغُسْلٍ ولا إعادةٍ(٦). فإن كان يسيراً إلاّ أنه يخافُ معه حدوثَ علَّة، أو زيادَتها، أو بُطْءَ بُرْءٍ، فهؤلاء يتيمَّمون بإجماع من المذهب. قال ابن عطية (٧): فيما حفظت. (١) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٤٠ . (٣) ينظر الأوسط ٢٠/٢ - ٢١ و٢٦، والمحرر الوجيز ٥٨/٢، وأثر عطاء أخرجه عبد الرزاق (٨٦٤). (٢) في (د) و(ز): فوات. (٤) سنن الدارقطني (٦٧٨)، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٠١، وأخرجه مرفوعاً ابن خزيمة (٢٧٢)، وابن الجارود (١٢٩)، والحاكم ١٦٥/١، قال البزار كما في التلخيص الحبير ١٤٦/١: لا نعلم رفعه عن عطاء من الثقات إلا جريراً، وذكر ابن عدي عن ابن معين أن جريراً سمع من عطاء بعد الاختلاط. (٥) سنن الدارقطني (٦٧٩)، وهو في مصنف عبد الرزاق (٨٦٩). قال الدارقطني: رواه علي بن عاصم عن عطاء ورفعه إلى النبي #، ووقفه ورقاء وأبو عوانة وغيرهما، وهو الصواب. اهـ. وقد صحح الموقوف أيضاً أبو زرعة وأبو حاتم، كما في علل ابن أبي حاتم ٢٥/١ - ٢٦ . (٦) تقدم ص٢٥٩ من هذا الجزء ، وسيأتي قريباً. (٧) في المحرر الوجيز ٥٨/٢ . ٣٥٩ سورة النساء: الآية ٤٣ قلت: قد ذكر الباجيُّ(١) فيه خلافاً؛ قال القاضي أبو الحسن(٢): مثل أن يخاف الصحيحُ نَزْلَةً أو حُمَّى، وكذلك إن كان المريضُ يخافُ زيادةً مرض، وبنحو ذلك قال أبو حنيفة. وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ له التيمُم مع وجود الماء إلَّا أنْ يخافَ التَّلف، ورواه القاضي أبو الحسن عن مالك. قال ابن العربي (٣): قال الشافعيُّ: لا يباحُ التيمُمُ للمريض إلا إذا خاف التلف؛ لأنَّ زيادةَ المرض غيرُ متحقِّقة؛ لأنَّها قد تكون وقد لا تكون، ولا يجوزُ تركُ الفرض المتيقَّن للخوف (٤) المشكوك. قلنا: قد ناقضتَ؛ فإنك قلتَ(٥): إذا خاف التلفَ من البرد تيمَّم، فكما يبيح التيمُّمَ خوفُ التلفِ، كذلك يبيحُه خوفُ المرض؛ لأنَّ المرض محذورٌ، كما أنَّ التَّلفَ محذور. قال: وعجباً للشافعي يقول: لو زاد الماء على قَدْر قيمته حبَّةً؛ لم يلزمْه شراؤه صيانةً للمال ويلزمُه التيمُّمُ، وهو يخافُ على بدنه المرض! وليس لهم [عليه] كلامٌ يساوي سماعه. قلت: الصحيحُ من قول الشافعيِّ فيما قال القشيرِيُّ أبو نصرٍ عبدُ الرحيم في تفسيره: والمرض الذي يباحُ له التيمُّمُ هو الذي يَخافُ(٦) فيه فَوْتَ الروح، أو فواتَ بعضٍ الأعضاء لو استعمَلَ الماءَ. فإنْ خاف طول المرض؛ فالقولُ الصحيح للشافعيِّ : جوازُ التيمُّم. روى أبو داود والدّارَقُظْنيُ (٧)، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن (١) في المنتقى ١١٠/١. (٢) هو علي بن عمر بن القصار. (٣) في أحكام القرآن ١/ ٤٤١، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في (ظ): للمخوف. (٥) في النسخ الخطية: إذا قلت، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن. (٦) كلمة يخاف، ليست في (ز) و(ظ). (٧) سنن أبي داود (٣٣٤)، وسنن الدارقطني (٦٨١)، وهو عند أحمد (١٧٨١٢)، وذكره البخاري تعليقاً = ٣٦٠ سورة النساء: الآية ٤٣ عمرانَ بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال: احتلمتُ في ليلةٍ باردة في غزوة ذاتِ السَّلاسل، فأشفقتُ إنِ اغتسلتُ أنْ أهلِكَ، فتيمَّمتُ ثم صلَّيتُ بأصحابي الصبحَ؛ فذكروا ذلك لرسول الله ﴾، فقال: ((يا عمرو! صلَّيتَ بأصحابك وأنت جُنُبٌ؟)) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمِعتُ الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فضحك نبيُّ الله ﴾ ولم يقُل شيئاً. فدلَّ هذا الحديثُ على إباحة التيمُّم مع الخوف لا مع اليقين(١)، وفيه إطلاقُ اسم الجنب على المتيمِّم، وجوازُ صلاة المتيمِّم بالمتوضِّئين، وهذا أحد القولين عندنا، وهو الصحيح، وهو الذي أَقْرأَه(٢) مالكٌ في موظّئه، وقُرِئ عليه إلى أن مات(٣). والقول الثاني: أنَّه لا يصلي(٤)؛ لأنَّه أنقصُ فضيلةً من المتوضِّئ، وحُكُمُ الإمام أن یکون أعلی رُتبةً، وقد روى الدارقطنيُّ من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﴾: ((لا يؤمّ المتيمِّمُ المتوضِّئين)). إسنادُه ضعيف(٥). وروى أبو داود والدار قُظْنيُّ(٦) عن جابر قال: خرجنا في سفر، فأصابَ رجلاً منا حجرٌ، فشجَّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابَه: هل تَجدون لي رخصةً في التيمم؟ فقالوا: ما نجدُ لك رخصةً، وأنت تقدِرُ على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدِمنا على النبيِّ ◌َ﴿ أُخبِرَ (٧) بذلك فقال: ((قتلوه قتلَهم الله، ألا سألوا إذْ لم يعلموا، = كما في الفتح ١/ ٤٥٤ مختصراً، قال الحافظ: وإسناده قوي، لكنه علقه بصيغة التمريض لكونه اختصره، وقد سلف ص٢٥٩ من هذا الجزء . (١) ينظر الإشراف ٢٦/٢ . (٢) في (ظ): أقرّه. (٣) الموطأ ١/ ٥٥، وفيه: سئل مالك عن رجل تيمم، أَيَوْمُّ أصحابه وهم على وضوء؟ قال يؤمهم غيره أَحبُّ إلي، ولو أَمَّهم هو لم أر بذلك بأساً. (٤) وهو قول الأوزاعي ومحمد بن الحسن والحسن بن حي. ينظر الاستذكار ٣/ ١٧٧ . (٥) سنن الدار قطني (٧١٣). (٦) سنن أبي داود (٣٣٦)، وسنن الدار قطني (٧٢٩). (٧) في (ظ): أخبرناه.