النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة النساء: الآيات ٣٨ - ٤٠
والمعنى: مَن قَبِلَ مِن الشيطان في الدنيا فقد قارَنَه. ويجوزُ أن يكون المعنى: مَن
قُرِن به الشيطان في النار ((فَساء قريناً) أي: فبئسَ الشيطانُ قريناً، وهو نصبٌ على
التمييز(١).
قوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهَ
وَكَانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيمًا
((ما)) في موضع رفع بالابتداء و((ذا)) خبرُه، و((ذا)) بمعنى الذي. ويجوزُ أنْ يكون
((ما)) و((ذا)» اسماً واحداً. فعلى الأوَّل تقديرُه: وما الذي عليهم، وعلى الثاني تقديرُه:
وأيُّ شيءٍ عليهم ﴿لَوْ ءَامَنُواْ بِلَلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ﴾(٢) أي: صدَّقوا بواجب الوجود، وبما
جاء به الرسولُ من تفاصيل الآخرة ﴿وَنَفَقُواْ مِمَّا رَزَقَّهُمُ اللَّهُ﴾. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾
تقدَّم معناه في غيرِ موضع.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِنْ
لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٌ﴾ أي: لا يَبْخَسُهم ولا يَنْقُصُهم من ثواب
عملهم وزنَ ذَرَّة، بل يجازيهم بها ويُئيُهم عليها. والمراد من الكلام: أن الله تعالى لا
يظلم قليلاً ولا كثيراً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤].
والذَّرَّة: النملة الحمراء، عن ابن عباس وغيره، وهي: أصغر النمل. وعنه أيضاً:
رأس النملة. وقال يزيد بن هارون: زعموا أنَّ الذرَّةَ ليس لها وزن(٣).
ويحكى أن رجلاً وضع خبزاً حتى عَلاه الذَّرُّ مقدارَ ما يستره، ثم وَزَنَه، فلم يَزِد
على وزن الخبز شيئاً.
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٥/١ - ٤٥٦ .
(٢) معاني القرآن للزجاج ٥٢/٢ .
(٣) أخرج هذه الآثار الطبري ٢٩/٧ - ٣٠، وينظر المحرر الوجيز ٥٣/٢.

٣٢٢
سورة النساء: الآية ٤٠
قلت: والقرآن والسنة يدلَّان على أن للذرة وزناً؛ كما أن للدينار ونصفِه وزناً.
والله أعلم.
وقيل: الذرَّة: الخَرْدَلَةِ(١)، كما قال تعالى: ﴿فَلَا نُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ
مِثْقَالَ حَبٍَّ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَاْ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. وقيل غيرُ هذا. وهي في الجملة عبارةٌ
عن أقلِّ الأشياء وأصغرها.
وفي صحيح مسلم(٢) عن أنس قال: قال رسول اللـه ﴾]: ((إنَّ اللهَ لا يظلمُ مؤمناً
حسنةً، يُعطَى بها في الدنيا ويُجزَى بها في الآخرة، وأما الكافرُ فَيُطْعَمُ بحسناتِ ما
عمِل لله بها في الدنيا، حتى إذا أَفْضَى إلى الآخرة، لم تكن له حَسَنَةٌ يُجْزَى بها)).
قوله تعالى: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا﴾ أي: يُكثر ثوابها. وقرأ أهل الحجاز:
((حَسَنَةٌ)) بالرفع، والعامَّةُ بالنصب(٣)، فعلى الأوّل: ((تَكُ)) بمعنى: تحدث، فهي تامة.
وعلى الثاني هي الناقصة، أي: إن تك فِعلتُه حسنةً.
وقرأ الحسن: ((نُضَاعفها)) بنون العظمة (٤). والباقون بالياء، وهي أصح؛ لقوله:
((ويؤتٍ)). وقرأ أبو رجاء: (يُضَعِّفْها))(٥)، والباقون: ((يضاعِفها))، وهما لغتان
معناهما: التكثير. وقال أبو عبيدة (٦): ((يضاعفها)) معناه: يجعله أضعافاً كثيرةٌ،
((ويُضَعِّفْها)) بالتشديد: يجعلها ضِعفين.
(١) زاد المسير ٨٤/٢ .
(٢) برقم (٢٨٠٨)، وهو عند أحمد (١٢٢٣٧).
(٣) قرأ ابن كثير ونافع بالرفع، والباقون بالنصب. السبعة ص٢٣٣ ، والتيسير ص٩٦ .
(٤) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٦، والزمخشري ٥٢٧/١ لابن هرمز، وذكر ابن خالويه في
القراءاتِ الشاذة ص٢٦، وابن عطية في المحرر الوجيز ٥٤/٢ أن قراءة الحسن: ((يُضْعِفها)) من
أضعف.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٨٨/٢، وهي قراءة ابن كثير وابن عامر من السبعة. انظر السبعة ص١٨٤- ١٨٥،
والتيسير ص٨١ .
(٦) في مجاز القرآن ١/ ١٢٧.

٣٢٣
سورة النساء: الآية ٤٠
﴿مِن لَُّنَّهُ﴾ من عنده. وفيه أربع لغات: لَدُنْ وَلُذْنُ ولَدُ ولَدَى(١)، فإذا أضافوه إلى
أنفسهم شدَّدوا النون، ودخلت عليه ((مِنْ))، حيث كانت ((مِن)) الداخلة لابتداء الغاية،
و(لَدُنْ)) كذلك، فلما تشاكَلا حسُن دخول ((من)) عليها؛ ولذلك قال سيبويه(٢) في
لدن: إنه الموضع الذي هو أولُ الغاية.
﴿أَجْرًّا عَظِيمًا﴾ يعني الجنة. وفي صحيح مسلم(٣) من حديث أبي سعيد الخُدرِيِّ
الطويل - حديثِ الشفاعة - وفيه: ((حتى إذا خَلَص المؤمنونَ من النارِ، فَوَالذي نَفْسي
بيده! ما من أحد منكم(٤) بأشَدَّ مُناشدةٌ لِله في استقْصَاءِ الحقِّ من المؤمنين(٥) يومَ
القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربَّنا، كانوا يَصُومون مَعَنا ويُصَلُّون
ويَحُجُّون. فيقال لهم: أَخْرِجوا مَن عَرَفْتُم، فَتُحرَّم صُوَرُهم على النار. فَيُخْرِجون خلقاً
كثيراً؛ قد أخذَتِ النارُ إلى نصف ساقَيْهِ وإلى ركبتيه. ثم(٦) يقولون: ربَّنَا، ما بقي فيها
أحدٌ ممن أمرتَنا به، فيقول جلَّ وعزَّ: ارجِعوا، فمن وجدتُم في قلبه مثقالَ دينارٍ من
خيرٍ فَأَخْرِ جوه. فَيُخْرِجون خلقاً كثيراً. ثم يقولون: ربَّنا، لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أمرتَنا
به. ثم يقول: ارجِعوا، فمن وجدْتُم في قلبه مِثْقَالَ نصفِ دِينارٍ من خيرٍ فأخرجوه.
فيُخرِجون خلقاً كثيراً. ثُمَّ يقولون: ربَّنا، لم نذر فيها ممن أمرتَنا أحداً. ثم يقول:
ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقالَ ذَرَّةٍ من خير فأَخْرِ جوه. فيُخرجون خلقاً كثيراً. ثم
يقولون: ربنا، لم نذر فيها خَيْراً (٧). وكان أبو سعيد الخدرِيُّ يقول: إنْ لم تصدِّقوني
(١) ذكر النحاس في إعراب القرآن ٣٥٧/١ - ٣٥٨ تسع لغات، وينظر معاني القرآن للزجاج ٥٣/٢،
وأمالي ابن الشجري ٣٣٩/١ - ٣٤٠ .
(٢) الكتاب ٢٣٣/٤، وينظر المحرر الوجيز ٥٤/٢ .
(٣) برقم (١٨٣)، وقد تقدم ٢٧٢/٤ .
(٤) في (م): ما منكم من أحد.
(٥) في (م): من المؤمنين لله.
(٦) لفظة: ثم، من (م).
(٧) في (د) و(ز): أحداً.

٣٢٤
سورة النساء: الآية ٤٠
بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا
وَيُؤَّتٍ مِن لَُّنَّهُ أَبْرًا عَظِيمًا﴾ وذكر الحديث.
ورُويَ عن ابن مسعود، عن النبيِّ ﴿ أنه قال: ((يؤتَى بالعبد يوم القيامة، فيُوقَفُ،
وينادِي منادٍ على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان، مَن كان له عليه حقٌّ فليأتِ
إلى حقِّه. ثم يقول: آتِ هؤلاء حقوقَهم. فيقول: يا رب، مِن أين لي وقد ذهبت الدنيا
عنّي؟ فيقول الله تعالى للملائكة: انظروا إلى أعماله الصالحة فأعطوهم منها. فإن بقيَ
مثقالُ ذرّةٍ من حسنةٍ، قالت الملائكة: يا رب - وهو أعلم بذلك منهم - قد أُعطي لكلِّ
ذي حقٌّ حقُّه، وبقي مثقالُ ذرَّةٍ من حسنة. فيقول الله تعالى للملائكة: ضعِّفوها
لعبدي، وأدخلوه بفضل رحمتي الجَنَّة. ومِصداقه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ
حَسَنَةٌ يُضَحِفْهَا﴾. وإن كان عبداً شقيًّا قالت الملائكةُ: إلهنا، فَنِيَتْ حسناتُه، وبقيت
سيئاتُه، وبقي طالبون كثير. فيقول تعالى: خذوا من سيئاتهم فأضيفوه على (١) سيئاته،
ثم صُّوا له صَكّاً إلى النار)). فالآية على هذا التأويل في الخصوم، وأنه تعالى لا
يظلم مثقال ذرَّةٍ للخصم على الخصم، يأخذ له منه، ولا يظلم مثقال ذرّة تبقى له، بل
يُثِيبِه عليها ويضعِّفُها له، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَحِفْهَا﴾(٢).
وروى أبو هريرة قال: سمعت رسولَ اللهِ ﴾ يقول: ((إنَّ الله سبحانه يعطي عبده
المؤمنَ بالحسنة الواحدة ألفي ألفِ حسنةٍ)) وتلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ
حَسَنَةً يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَبْرًا عَظِيمًا﴾. قال أبو عثمان(٣): قال أبو هريرة: وإذا
قال الله: ﴿أَثْرًا عَظِيمًا﴾ فمن الذي يَقْدِرُ قَدْرَه! وقد تقدَّم عن ابن عباس وابن مسعود:
أن هذه الآيةَ إحدى الآياتِ التي هي خيرٌ مما طلعت عليه الشمس(٤).
(١) في (م): فأضيفوها إلى.
(٢) تفسير البغوي ٤٢٩/١، وحديث ابن مسعود أخرجه الطبري ٧/ ٣٢ - ٣٤، وابن أبي حاتم (٥٣٣٥).
(٣) في (د): أبو عبيد، وفي (ز) و(ظ): أبو عبيدة، وفي (ف) و(م): عبيدة، وهو تصحيف، والصواب ما
أثبتناه، وهو أبو عثمان النهدي راوي الحديث عن أبي هريرة، كما في مسند أحمد (١٠٧٦٠)، وأخرجه
أيضاً الطبري ٣٥/٧ .
(٤) ص ٢٦٧ من هذا الجزء .

٣٢٥
سورة النساء: الآية ٤١
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّمٍ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ
شَهِيدًا )
فُتحت الفاء لالتقاء الساكنين، و ((إذا)»: ظرفُ زمان، والعامُل فيه: ((جِثْنَا))(١).
ذكر أبو الليث السمر قنديُّ: حدثنا الخليل بن أحمد، قال حدَّثنا ابنُ مَنيع، قال:
حدثنا أبو كامل، قال: حدَّثنا فُضَيْل، عن يونس بن محمد بن فَضَالة، عن أبيه، أن
رسول الله ﴿ أتاهم في [مسجد] بني ظَفَر، فجلس على الصخرة التي في [مسجد] بني
ظَفَرِ ومعه ابنُ مسعود ومعاذٌ وناسٌ من أصحابه، فأمر قارئاً يقرأ، حتى إذا أتى على
هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا ◌ِثْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِثْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ بكى
رسولُ الله﴿ حتى اخضلَّت وَجْنتاه، فقال: ((يا ربِّ، هذا على مَن أنا بين ظَهْرانَيْهِم،
فكيف مَن لم أَرَهُم(٢)؟)).
وروى البخاريُّ(٣) عن عبد الله، قال: قال لي رسول اللـه ﴿: ((اقْرَأْ عَلَيَّ)). قلتُ:
آقْرَأُ عليكَ وعليك أُنزِل؟ قال: ((إني أحِبُّ أن أسمعه من غيري)). فقرأتُ عليه سورة
((النساء)) حتى بلغتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِثْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيٍ وَجِئْنَا بِكَ عَ هَؤُلَاءِ
شَهِيدًا﴾ قال: ((أَمْسِكْ)). فإذا عيناهُ تذرِفَان.
وأخرجه مسلم (٤) وقال بدل قوله: ((أمسك)): فرفعتُ رأسي - أو غمزني رجلٌ إلى
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٦/١ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣٥٦/١، ابن منيع هو محمد بن القاسم البغوي، وأبو كامل هو الجحدري، وفضيل
هو ابن سليمان البصري، والحديث أخرجه أيضاً الطبراني في المعجم الكبير ٢٤٣/١٩ ، وما بين
حاصرتين منه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٤ : رواه الطبراني ورجاله ثقات. ومسجد بني ظفر،
ونقل الحافظ ابن حجر في الإصابة ٩/ ١٠٥ (في ترجمة محمد بن فضالة) عن البغوي قوله: لا أعلم
روى محمد بن فضالة غير هذا. وقال في الفتح ١ / ٥٧١ : مسجد بني ظفر شرقي البقيع، ويعرف
بمسجد البغلة. وبنو ظَفَر محركة: بطن من بني سليم. القاموس (ظفر).
(٣) في صحيحه (٤٥٨٢)، وهو عند أحمد (٣٦٠٦).
(٤) في صحيحه (٨٠٠): (٢٤٧).

٣٢٦
سورة النساء: الآية ٤١
جنبي فرفعت رأسي ۔ فرأيت دموعه تسيل.
قال علماؤنا(١): بكاء النبيِّ# إنما كان لعظيم ما تضمَّنته هذه الآية من هَوْل
المَظْلِعِ وشدَّةِ الأمر، إذ يؤتى بالأنبياء شهداءَ على أُممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتى
به * يوم القيامة شهيداً.
والإشارةُ بقوله: ﴿عَلَ هَؤُلَاء) إلى كفار قريش وغيرهم من الكفار، وإنما خصَّ
كفار قريشٍ بالذِّكر؛ لأن وظيفةَ العذاب أشدُّ عليهم منها على غيرهم (٢)؛ لعنادهم عند
رؤية المعجزات، وما أَظْهرَه الله على يديه من خوارق العادات.
والمعنى: فكيف يكون حال هؤلاء الكفار يوم القيامة ﴿إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾، أمُعذّبين أم منعَّمين(٣)؟ وهذا استفهامٌ معناه
التوبيخ (٤).
وقيل: الإشارة إلى جميع أمته؛ ذكر ابن المبارك: أخبرنا رجلٌ من الأنصار، عن
المِنْهال بن عمرو، حدَّثه أنه سمع سعيد بن المُسَيِّب يقول: ليس مِن يومٍ إلَّا تُعرَض
على النبيِّ ﴿ أمَّتُه غُدوةً وعَشِيَّةٌ، فيعرفُهم بسِيْماهم وأعمالهم، فلذلك يشهدُ عليهم،
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ﴾ يعني بنبيِّها ﴿وَجِئْنَا
بِكَ عَ هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾(٥).
وموضعُ («كَيْفَ)) نَصْبٌ بفعلٍ مضمَر، التقدير: فكيف يكون حالهم(٦)، كما ذكرنا.
(١) المفهم ٢ / ٤٢٧ .
(٢) المحرر الوجيز ٢/ ٥٥ ، ووقع فيه : ... لأن وطأة الوعيد أشد عليهم ...
(٣) في النسخ الخطية: معاقبين، والمثبت من (م).
(٤) ينظر معاني القرآن للزجاج ٢/ ٥٣ .
(٥) أخرجه نعيم بن حماد في زيادات الزهد لابن المبارك (١٦٦)، قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: فيه
انقطاع؛ فإن فيه رجلاً لم يسم، وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه.
(٦) معاني القرآن للزجاج ٥٣/٢، ويجوز أيضاً أن تكون ((كيف)) في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أي:
فكيف حالُهم أو صُنْعُهم؟ ذكره السمين الحلبي في الدر المصون ٣/ ٦٨٢ - ٦٨٣ .

٣٢٧
سورة النساء: الآيتان ٤١ - ٤٢
والفعلُ المضمَرُ قد يَسُدُّ مَسَدَّ ((إذا))(١). والعامل في ((إذا)): ((جِئْنَا))(٢). و((شهيداً)):
حال.
وفي الحديث من الفقه: جواز قراءة الطالب على الشيخ والعرض عليه(٣)،
ويجوز عكسه. وسيأتي بيانه في حديث أُبَيِّ في سورة ((لم يكن))(٤)، إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَوَذُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوََّى بِهِمُ اٌلْأَرْضُ وَلَا
يَكْتُمُونَ اُللَّهَ حَدِيثًا
ضُمَّتِ الواو في ((عَصَوُا)) لالتقاء السّاكنين، ويجوز كسرها(٥). وقرأ نافع وابن
عامر: (تَسَّوَّى)) بفتح التاء والتشديدِ في السِّين. وحمزةُ والكسائيُّ كذلك، إلَّا أنهما
خفَّفا السِّين. والباقون ضَمُّوا التاء وخفَّفوا السين(٦)، مبنيّاً للمفعول، والفاعل غيرُ
مُسَمَّى. والمعنى: لو يسوِّي الله بهم الأرض، أي: يجعلهم والأرضَ سواء. ومعنى
آخر: تَمَنَّوا لو لم يبعثهم اللهُ، وكانت الأرض مستويةً عليهم؛ لأنهم من التراب
نقلوا(٧) .
وعلى القراءة الأولى والثانية؛ فالأرض فاعلة، والمعنى: تمنَّوْا لو انفتحت لهم
الأرضُ، فساخُوا فيها. قاله فَتادة. وقيل: الباء بمعنى على، أي: لو تسوَّى عليهم،
(١) كذا في النسخ: ولعل صواب العبارة: والفعل المضمر قد سدَّ مسدَّه ((إذا)). قال الزجاج في معاني
القرآن ٥٣/٢ : وحذف: تكون حالهم، لأن في الكلام دليلاً على ما حذف.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٦/١، وفي غيره أن العامل في ((إذا)) هو المضمر، سواء كان مبتدأ، أو فعلاً.
وينظر ما سيرد عند تفسير الآية (٧) من سورة سبأ.
(٣) المفهم ٢/ ٤٢٧، ويشير إلى حديث ابن مسعود في قراءاته على النبي ﴾.
(٤) في مقدمتها قبل تفسير الآية الأولى منها.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٥٧ .
(٦) السبعة ص٢٣٤ ، والتيسير ص٩٦ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ١ / ٤٥٧ .

٣٢٨
سورة النساء: الآية ٤٢
أي: تنشقُّ فتسوَّى عليهم. عن الحسن(١).
فقراءة التشديد على الإدغام، والتخفيف على حذف التاء. وقيل: إنما تمنَّوْا هذا
حين رأوا البهائمَ تصير تراباً، وعلموا أنهم مُخلَّدون في النار، وهذا معنى قوله
تعالى: ﴿وَيَقُولُ اَلْكَافِرُ بَلَيْتَنِى كُتُ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٤٠].
وقيل: إنما تمنَّوْا هذا حينَ شهدتْ هذه الأمةُ للأنبياء، على ما تقدَّم في ((البقرة))
عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا﴾ الآية [١٤٣]. فتقول الأمم الخالية: إن
فيهم الزُّناةَ والسُّرَّاق، فلا تقبل شهادتَهم، فيزكيهم النبيُّ #، فيقول المشركون: ﴿وَاللَّهِ
رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فيُختم على أفواههم، وتَشهد أرجلُهم وأيديهم بما كانوا يكسبون،
فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَواْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِمُ الْأَرْضُ﴾ يعني
تُخسف بهم(٢). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْثُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ قال الزجاج (٣): قال بعضهم: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ
اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مستأنَفٌ؛ لأن ما عملوه ظاهرٌ عند الله، لا يقدرون على كتمانه.
وقال بعضهم: هو معطوف، والمعنى: ودُّوا أن(٤) الأرض سُوِيت بهم، وأنهم لم
یکتموا الله حديثاً؛ لأنه ظھر کذبُهم.
وسئل ابن عباس عن هذه الآية، وعن قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
[الأنعام: ٢٣]، فقال: لمَّا رَأَوْا أنه لا يدخلُ الجنةَ إلا أهلُ الإسلام، قالوا: [تعالَوْا
فَلَنَجْحد، فقالوا: ] ﴿وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. فختم الله على أفواههم، وتكلَّمت
أيديهم وأرجلُهم، فلا يكتمون الله حديثاً(٥).
(١) معاني القرآن للنحاس ٢/ ٩٠ - ٩١، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٤٧).
(٢) تفسير أبي الليث ٣٥٥/١ .
(٣) معاني القرآن للزجاج ٢/ ٥٤ .
(٤) في (م) يود لو أن، وفي باقي النسخ: يود أن، والمثبت من معاني القرآن للزجاج.
(٥) أخرجه بهذا اللفظ الطبري ٤٢/٧، وما سلف بين حاصرتين منه، وأخرجه البخاري مطولاً كما في
الفتح ٨/ ٥٥٥ - ٥٥٦ .

٣٢٩
سورة النساء: الآيتان ٤٢ - ٤٣
وقال الحسن وقتادة: الآخرةُ مواطن، يكون هذا في بعضها وهذا في بعضها(١).
ومعناه: أنهم لمَّا تبيَّن لهم وحُوسبوا لم يكتموا. وسيأتي لهذا مزيد بيان في
(الأنعام))(٢) إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا
نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَبِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُمْ فَّضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ
جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْنُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا
طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا
.@
فيه أربع وأربعون(٣) مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ خصَّ
الله سبحانه وتعالى بهذا الخطاب المؤمنين؛ لأنهم كانوا يقيمون الصلاةً وقد أخذوا
من الخمر، وأتلفَتْ (٤) عليهم أذهانَهم، فخُصُّوا بهذا الخطاب؛ إذ كان الكفار لا
يفعلونها صُحَاةً ولا سكارى.
روى أبو داود(٥)، عن عمر بن الخطاب ﴾ قال: لمَّا نزل تحريمُ الخمر قال
عمر: اللهمَّ بيِّنْ لنا في الخمر بياناً شفاءً(٦) فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿يَسْتَلُونَكَ
عَرِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ ﴾ [الآية: ٢١٩]. قال: فدُعِي عمرُ، فقُرئت عليه، فقال: اللهمَّ بيِّن
لنا في الخمر بياناً شفاءً، فنزلت الآيةُ التي في النساء: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ
(١) ذكره النحاس في معاني القرآن ٢/ ٩٢ عن قتادة، وذكره البغوي ١/ ٤٣٠ عن الحسن مطولاً.
(٢) عند تفسير الآية: ٢٣ منها.
(٣) كذا وقع العدد في النسخ، لكنه اختلف في (ز) و(ظ) بدءاً من الخامسة والثلاثين.
(٤) في النسخ الخطية: والتفت. وفي المطبوع من أحكام القرآن لابن العربي ٤٣٢/١ (والكلام منه):
تلفت، والمثبت من (م).
(٥) في سننه (٣٦٧٠) وما سيرد بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٣٧٨)، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي
في المجتبى ٢٨٦/٨ - ٢٨٧ .
(٦) في (د) و(م): شافياً، في جميع المواضع، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق لما في سنن أبي داود.

٣٣٠
سورة النساء: الآية ٤٣
الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾، فكان منادِي رسولِ الله ﴾ إذا أقيمت الصلاة نادى(١): ألَا
لا يقرَبَنَّ الصلاةَ سكرانُ. فدُعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهمَّ بيِّن لنا [في الخمر]
بياناً شفاءً، فنزلت هذه الآية: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، قال عمر: انتهينا.
وقال سعيد بن جبير: كان الناس على أمر جاهليتهم حتى يؤمروا أو يُنْهَوا(٢)،
فكانوا يشربونها أوّلَ الإسلام حتى نزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَاً
إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾. قالوا: نشربها للمنفعة لا للإثم، فشربها رجل فتقدَّم يصلِّي
بهم، فقرأ(٣): قل يا أيها الكافرون أَعبدُ ما تعبدون؛ فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾. فقالوا: في غير عين الصلاة. فقال عمر: اللهم أَنزلْ
علينا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ﴾ الآية. فقال عمر: انتهينا،
انتهينا. ثم طاف منادِي رسولِ الله ◌ِ﴾: ألا إنما (٤) الخمر قد حُرِّمَتْ(٥)؛ على ما يأتي
بيانه في ((المائدة)) إن شاء الله تعالى(٦).
وروى الترمِذيُ(٧)، عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بنُ عوفٍ
طعاماً، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذَتِ الخمرُ منَّا، وحضَرتِ الصلاةُ، فقدَّموني
فقرأتُ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبدُ ما تعبدون. قال: فأنزل
الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح [غريب] .
(١) في (م): ينادي.
(٢) في (د) و(ز): ينتهوا.
(٣) في (د) و(ز): فقال.
(٤) في (م): إن.
(٥) لم نقف عليه، وهو بمعنى الحديث قبله، والحديث بعده.
(٦) الآية : ٩٠ .
(٧) في سننه (٣٠٢٦)، وما سيرد بين حاصرتين منه، وأخرجه بنحوه أبو داود (٣٦٧١).

٣٣١
سورة النساء: الآية ٤٣
ووجه الاتصال والنَّظْم بما قبل(١) أنه قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا
تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، ثم ذَكَر بعد الإيمان الصلاةَ التي هي رأسُ العبادات؛
ولذلك يُقتل تاركُها، ولا يسقط فرضُها، وانجرَّ الكلام إلى ذكر شروطها التي لا تصحُّ
إلَّا بها.
الثانية: والجمهور من العلماء وجماعةِ الفقهاء على أنَّ المراد بالسُّكْر سُكْرُ
الخمر؛ إلا الضحاكَ، فإنه قال: المراد سكر النوم (٢)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:
((إذا نعسَ أحدُكم في الصلاةِ، فليرقُدْ حتى يذهبَ عنه النوم، فإنه لا يدري لعلَّه يستغفرُ
فيسُبَّ نفسَه(٣)).
وقال عَبِيدةُ السَّلْمانيُّ: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ يعني إذا كنتَ حاقناً؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((لا يُصَلِّيَنَّ أحدُكم وهو حاقِن(٤)) في رواية: ((وهو ضامٌّ بين فخذيه))(٥).
قلت: وقولُ الضحاك وعَبيدة صحيحُ المعنى، فإنَّ المطلوبَ من المصلِّي الإقبالُ
على الله تعالى بقلبه، وتركُ الالتفاتِ إلى غيره، والخلوُّ عن كلِّ ما يشوِّشُ عليه من
نومٍ وحُقْنةٍ وجوع، وكلِّ ما يَشغل البال ويغيِّر الحال. قال :﴿: ((إذا حَضَر العَشاء
(١) في (م): قبله.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤٣٤/١، والمحرر الوجيز ٥٦/٢ . وأخرجه الطبري ٤٨/٧ . قال ابن
عطية: هذا ضعيف. وقال ابن العربي: إن كان أراد أن النَّهيّ عن سُكْر الخمر نَهْيٌّ عن سُكْر النوم فقد
أصاب.
(٣) أخرجه أحمد (٢٥٦٦١)، والبخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦). من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٤) أخرجه أحمد (٢٢١٥٢) من حديث أبي أمامة بلفظ: ((لا يأت أحدكم الصلاة وهو حاقن ... )) وفي
إسناده السَّفْر بن نُسَيْر، قال الحافظ في التقريب: ضعيف. وله شواهد، منها ما أخرجه مسلم (٥٦٠) من
حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: ((لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان)). ومنها ما
أخرجه أبو داود (٩١) من حديث أبي هريرة ﴾ بلفظ: ((لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي
وهو حَقِنٌ حتی یتخفّف».
(٥) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٦٠ عن عمره موقوفاً بلفظ: لا يصلُّين أحدكم وهو ضامٌّ بين وركيه.

٣٣٢
سورة النساء: الآية ٤٣
وأُقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعَشاء))(١). فراعى ﴿ زوالَ كلِّ مشوِّشٍ يتعلَّق به الخاطر،
حتى يُقْبِلَ على عبادة ربِّه بفراغ قلبه، وخالِصٍ لُبِّه، فيخشع في صلاته. ويدخل في هذه
الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَِّيْنَ هُمْ فِ صَلَائِمْ خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] على ما يأتي
بیانُه.
وقال ابن عباس: إنَّ قولَه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ
سُكَرَى﴾ منسوخٌ بآية المائدة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُوا﴾ الآية [المائدة: ٦](٢).
فأُمروا على هذا القول بألّا يصلُّوا سُكارى، ثم أُمِروا بأنْ يصلُّوا على كلِّ حال، وهذا
قبل التحريم (٣).
وقال مجاهد: نُسِخت بتحريم الخمر. وكذلك قال عكرمةُ وقتادة (٤)، وهو
الصحيح في الباب؛ لحديث عليٍّ المذكور. ورُوي أنَّ عمر بن الخطاب ﴾ قال:
أقيمت الصلاة، فنادى منادي رسولِ اللـه ﴾: لا يَقرَبَنَّ الصلاةَ سكران. ذكره
النحاس(٥). وعلى قول الضحاك وعَبيدة الآية مُحكّمةٌ لا نَسْخَ فيها.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُواْ﴾ إذا قيل: لا تقرَب - بفتح الراء - كان معناه: لا
تَلَبَّسْ بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه: لا تَدْنُ منه (٦).
والخطاب لجماعة الأمة الصاحِين. وأما السكرانُ إذا عَدِمِ المَيْز لسكره فليس
بِمُخاطَبٍ في ذلك الوقت لذهابٍ عقله، وإنما هو مُخاطَبٌ بامتثال ما يجب عليه [إذا
(١) أخرجه أحمد (١٢٠٧٦)، ومسلم (٥٥٧) من حديث أنس
(٢) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ ٢٠٧/٢ .
(٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢٠٧/٢ - ٢٠٨.
(٤) أخرجه عن قتادة عبدُ الرزاق في التفسير ١٦٣/١، والطبري ٤٧/٦، والنحاس ٢٠٨/٢ - ٢٠٩،
وعن مجاهد أخرجه الطبري ٦/ ٤٧، وذكره عن عكرمة النحاس في معاني القرآن ٢/ ٩٣ ، وأخرجه أبو
داود (٣٦٧٢) من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٥) في معاني القرآن ٢/ ٩٤، وقد سلف تخريجه قريباً.
(٦) في النسخ الخطية: لا تدنوا منه، والمثبت من (م)، والكلام في أحكام القرآن لابن العربي ٤٣٣/١.

٣٣٣
سورة النساء: الآية ٤٣
صحا]، وبتكفيرِ ما ضيَّعَ في وقت سكره من الأحكام التي تَقَرَّر تكليفُه إياها قبل
السُّكْر(١).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿الصَّلَوَةَ﴾ اختلف العلماء في المراد بالصلاة هنا، فقالت
طائفة: هي العبادةُ المعروفة نفسُها؛ وهو قول أبي حنيفة؛ ولذلك قال: ﴿حَّى تَعْلَمُواْ مَا
نَقُولُونَ﴾. وقالت طائفة: المراد مواضِعُ الصلاة، وهو قول الشافعيِّ، فحذف
المضاف. وقد قال تعالى: ﴿الَّذِمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ﴾ [الحج: ٤٠]. فسمَّى مواضعَ
الصلاة صلاةً. ويدلُّ على هذا التأويل قولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَاِ سَبِيلٍ﴾.
وهذا يقتضي جوازَ العُبُورِ للجُنُب في المسجد لا الصلاةَ فيه. وقال أبو حنيفة: المرادُ
بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ﴾ المسافرُ إذا لم يجد الماء، فإنه يتيمَّم
ويصلِّي(٢)، وسيأتي بيانه(٣).
وقالت طائفة: المراد الموضعُ والصلاةُ معاً؛ لأنهم كانوا حينئذٍ لا يأتون المسجد
إلَّا للصلاة، ولا يُصلُّون إلَّا مجتمعين، فكانا متلازمين(٤).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ ابتداءٌ وخبر، جملةٌ في موضع الحال من
((تَقْرَبوا)). و((سُگاری) جمع سكران، مثل گَسْلان وگُسَالی.
وقرأ النَّخَعيُّ: ((سَكْرى)؛ بفتح السين على مثال: فَعْلى، وهو تكسير سكران،
وإنما كُسِّر على سكرى لأنَّ السُّكر آفةٌ تلحق العقل، فجرى مَجْرى صَرْعَی وبابِهِ.
وقرأ الأعمش: ((سُكْرَى))، كحُبلى، فهو صفةٌ مُفْرَدة، وجاز الإخبار بالصفةِ
(٥)
المفردة عن الجماعة على ما يستعملونه من الإخبار عن الجماعة بالواحد
٠
(١) المحرر الوجيز ٥٦/٢، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) ينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٥٨/٢ - ٤٥٩، ولابن العربي ٤٣٦/١ - ٤٣٧.
(٣) في المسألة الحادية عشرة.
(٤) المحرر الوجيز ٢ / ٥٧ .
(٥) القراءات الشاذة ص٢٦، والمحتسب ١٨٨/١ - ١٨٩، والمحرر الوجيز ٥٦/٢ - ٥٧ .

٣٣٤
سورة النساء: الآية ٤٣
والسُّكْر: نقيض الصَّحو؛ يقال: سَكِر يَسْكَرِ سَكْراً، من باب حَمِد يحمَد(١).
وسَكَرَتْ عينُه تَسْكُر، أي: تحيَّرت، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَرُنَا﴾
[الحجر: ١٥]. وسَكَرْتُ البثق(٢): سَدَدْتُه. فالسكران قد انقطع عما كان عليه من العقل.
السادسة: وفي هذه الآية دليلٌ بل نصٌّ على أنَّ الشرب كان مباحاً في أول
الإسلام، حتى ينتهيَ بصاحبه إلى السكر. وقال قوم: السكر محرَّمٌ في العقل، وما
أبيحَ في شيء من الأديان، وحَمَلوا السُّكر في هذه الآية على النوم.
وقال القَفَّال: يحتمل أنه كان أُبيح لهم من الشراب ما يحرِّك الطبعَ إلى السخاء
والشجاعة والحَمِيَّة.
قلت: وهذا المعنى موجود في أشعارهم؛ وقد قال حسان:
ونشربُها فتتركُنا ملوكاً (٣)
وقد أشبعنا هذا المعنى في ((البقرة)) (٤) .
قال القَفَّال: فأمَّا ما يزيل العقل حتى يصير صاحبه في حدِّ(٥) الجنون والإغماءِ
فما أُبيحَ قَصْدُه، بل لو اتفق من غير قصدٍ فيكون مرفوعاً عن صاحبه.
قلت: هذا صحيح، وسيأتي بيانه في ((المائدة)) إن شاء الله تعالى في قصة
حمزة (٦).
(١) وفي متن اللغة ١٧٩/٣: سَكِر: سَكَراً وسُكْراً وسَكْراً وسُكُراً وسَكَراناً. وقال ابن الأعرابي كما في
تهذيب اللغة ٥٦/٥: سَكِر من الشراب: يَسْكَر سُكْراً، وسَكِر من الغضب: يَسْكَر سَكَراً.
(٢) في النسخ: السدّ، ولعل الصواب ما أثبتناه، والبَثْق: موضع انبثاق الماء، من نهر ونحوه. وأورد
المصنف العبارة في سورة الحجر (الآية: ١٥) بلفظ: سَكَرْتُ النهر: إذا سددتَه. وينظر تهذيب اللغة
٥٥/١٠ - ٥٦، وأدب الكاتب لابن قتيبة ص ٣٣٤ .
(٣) ديوان حسان ص٨، وقد سلف ٤٤٢/٣، وعجزه: وأُسْداً ما يُنَهْنِهُنا اللقاءُ.
(٤) ٣ / ٤٤٢ .
(٥) في (ظ): في حال.
(٦) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَاَ لْفَتُ وَاَلْمَيْسُ وَالْأَنْصَابُ﴾ [٩٠].

٣٣٥
سورة النساء: الآية ٤٣
وكان المسلمون لمَّا نزلت هذه الآية يجتنبون الشرب أوقات الصلوات، فإذا
صلَّوا العشاء شربوها، فلم يزالوا على ذلك حتى نزل تحريمها في ((المائدة)) في قوله
تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُم ◌ُّنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١](١).
السابعة: قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ أي: حتى تعلَموه متيقِّنين فيه من
غير غلط. والسكرانُ لا يعلم ما يقول؛ ولذلك قال عثمان بن عفان ﴾: إنَّ السكران
لا يلزمه طلاقه(٢). وروي عن ابن عباس وطاوسٍ وعطاء والقاسم وربيعة، وهو قول
الليث بن سعد وإسحاقَ وأبي ثَوْر والمُزَني(٣). واختاره الّحَاويُّ وقال: أجمع
العلماء على أنَّ طلاق المَعْتُوه لا يجوز، والسكرانُ مَعْتُوهٌ، كالمُوَسْوَس معتوهٌ
بالوسواس. ولا يختلفون أنَّ مَن شربَ البَنْج فذهب عقله أنَّ طلاقه غيرُ جائز، فكذلك
من سكِر من الشراب(٤).
وأجازت طائفةٌ طلاقَه؛ رُوي عن عمر بن الخطاب(٥) ومعاويةً وجماعةٍ من
التابعين، وهو قول أبي حنيفة والثَّوْريّ والأوزاعيّ، واختلف فيه قول الشافعيِّ.
وألزمه مالكٌ الطلاقَ [والعتق] والقَوَدَ في الجِراح والقتل، ولم يُلْزِمْه النكاحَ
والبيع.
وقال أبو حنيفة: أفعالُ السكران وعقودُه كلُّها ثابتةٌ كأفعال الصاحي، إلا الرِّدَّةَ،
(١) أخرجه بنحوه عبد الرزاق في التفسير ١/ ١٦٣ عن قتادة.
(٢) المحرر الوجيز ٥٧/٥، وعلقه البخاري. الفتح ٣٨٨/٩، ووصله ابن أبي شيبة ٣٩/٥.
(٣) أثر ابن عباس علقه البخاري كما في الفتح ٣٨٨/٩، ووصله ابن أبي شيبة ٤٨/٥. وباقي الآثار ذكرها
ابن المنذر في الإشراف ١٩١/٤، وابن عبد البر في الاستذكار ١٦٤/١٨، وأخرج ابن أبي شيبة ٣٩/٥
قول طاوس وعطاء والقاسم.
(٤) قول الطحاوي ذكره الجصاص في مختصر اختلاف العلماء ٤٣١/٢ - ٤٣٢، وابن عبد البر في
الاستذكار ١٦٤/١٨، دون ذكر الإجماع على أن طلاق المعتوه لا يجوز، وذكره ابن المنذر الإجماع
ص ٨٧ .
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٨/٥، وقال ابن عبد البر في الاستذكار ١٦٣/١٨: إسناده فيه لين.

٣٣٦
سورة النساء: الآية ٤٣
فإنه إذا ارتدّ(١) لا تَبِينُ منه امرأته إلَّا استحساناً. وقال أبو يوسف: يكون مُرْتَدّاً في
حال سكره. وهو قول الشافعيِّ إلا أنه لا يقتله في حال سكره ولا يَسْتَتِيبه.
وقال الإمام أبو عبد الله المازَريُّ: وقد رُويت عندنا روايةٌ شاذة: أنه لا يلزم
طلاق السكران. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يلزمه طلاقٌ ولا عِتاق. قال ابن
شاس(٢): ونزَّل الشيخ أبو الوليد(٣) الخِلافَ على المُخَلِّط الذي معه بقيّةٌ من عقله،
إلا أنه لا يملك الاختلاط من نفسه، فيخطئُ ويصيب. قال: فأما السكرانُ الذي لا
يعرفُ الأرض من السماء، ولا الرجلَ من المرأة، فلا اختلافَ في أنه كالمجنون في
جميع أفعاله وأحوالهِ فيما بينه وبين الناس، وفيما بينه وبين الله تعالى أيضاً، إلا فيما
ذهب وقتُه من الصلوات، فقيل: إنها لا تسقط عنه، بخلاف المجنون؛ من أجل أنه
بإدخاله الشُّكْر علی نفسه کالمتعمِّد لترکها حتى خرج وقتها.
وقال سفيان الثوريُّ: حدُّ السكر اختلالُ العقل(٤)، فإذا استُقرئ فخلَّطَ في
قراءته، وتكلَّم بما لا يَعرفُ، جُلِد. وقال أحمد: إذا تغيَّر عقلُه عن حال الصحّة فهو
سكران. وحُكي عن مالك نحوه.
قال ابن المنذر(٥): إذا خلَّط في قراءته فهو سكران؛ استدلالاً بقول الله تعالى:
﴿حَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾. فإذا كان بحيث لا يعلم ما يقول؛ يُجَنَّبُ(٦) المسجدَ مخافةً
التلويث؛ ولا تصحُّ صلاتُه، وإن صلَّى قضى. وإن كان بحيث يعلم ما يقول؛ فأتى
بالصلاة؛ فحكمُه حُكم الصاحي.
(١) بعدها في النسخ: فإنه، والمثبت من الاستذكار ١٦٢/١٨، والكلام منه، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٢) في عقد الجواهر الثمينة ١٦١/٢، والكلام الذي قبله منه.
(٣) هو القاضي سليمان بن خلف أبو الوليد الباجي، صاحب المنتقى.
(٤) في الإشراف ١٩١/٤ (والكلام منه): اختلاس العقل.
(٥) الإشراف ١٩١/٤ .
(٦) في (م): تجنّب.

٣٣٧
سورة النساء: الآية ٤٣
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ عطف على موضع الجملة المنصوبة في قوله:
﴿وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾(١) أي: لا تصلُّوا وقد أجنبتُم.
ويقال: تَجَنَّبتم وأَجْنَبتم وجَنُبتم بمعنَى. ولفظ الجُنُب لا يُؤَنَّث ولا يُثَتَّى ولا
يُجمع؛ لأنه على وزن المصدر، كالبُعْد والقُرْب. وربما خفَّفوه فقالوا: جُنْب؛ وقد
قرأه كذلك قوم(٢).
وقال الفَرَّاء: يقال: جَنُّب الرجل وأَجْنَبَ [وجئَّب وتَجَّب] من الجنابة(٣).
وقيل: يُجمع الجنُبُ في لغة على أجناب؛ مثل عُنُق وأعناق، وطُنُب وأطناب.
ومَن قال للواحد: جانب، قال في الجمع: جُنَّاب؛ كقولك: راكب ورُّاب. والأصل
البعد، كأنَّ الجُنُبَ بَعُدَ بخروج الماء الدَّافق عن حال الصلاة(٤)، قال(٥).
فإني امْرُؤٌ وَسْطَ القِبَابِ غَريبُ
فلا تَحْرِمَنِّي نائِلاً عن جنابةٍ
ورجل جُنُب: غريب. والجنابة مخالطة الرجل المرأة.
التاسعة: والجمهور من الأمة على أن الجُنُب هو غيرُ الطاهر من إنزالٍ أو مجاوزةٍ
خِتَان. وروي عن بعض الصحابة: أن لا غُسْلَ إلَّا من إنزال(٦)؛ لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((إنما الماءُ من الماء)). أخرجه مسلم(٧).
وفي البخاريِّ عن أُبَيّ بن كعب أنه قال: يا رسول الله، إذا جامَعَ الرجل المرأةَ
فلم يُنْزِل؟ قال: ((يَغسِل ما مَسَّ المرأةَ منه، ثم يتوضَّأُ ويُصلِّي)). قال أبو عبد الله:
(١) وقع في النسخ بدلاً منها: ﴿حَّ تَعْلَمُوا﴾، وهو سبق قلم من المصنف رحمه الله. ينظر إعراب القرآن
للنحاس ٤٥٧/١، ومشكل إعراب القرآن ١٩٨/١، والمحرر الوجيز ٥٧/٢، والدر المصون ٦٨٩/٣.
(٢) ذكر هذه القراءة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٧/٢ دون نسبة.
(٣) تهذيب اللغة ١١/ ١١٧ وما بين حاصرتين منه.
(٤) ينظر مقاييس اللغة ٤٨٣/١، والصحاح (جنب)، والكشاف ٥٢٨/١، وعمدة الحفاظ ٥٥٩/١ - ٥٦٠ .
(٥) علقمة الفحل، وقد سلف ص ٣٠٣ من هذا الجزء.
(٦) المحرر الوجيز ٢/ ٥٧، وينظر الأوسط ٧٧/٢ - ٧٨، والاستذكار ٧٩/٣ وما بعدها.
(٧) في صحيحه (٣٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري ، وهو عند أحمد (١١٤٣٤).

٣٣٨
سورة النساء: الآية ٤٣
الغُسْل أحوطُ، وذلك الآخِر، [و] إنما بيناه لاختلافهم (١).
وأخرجه مسلم في صحيحه بمعناه(٢)، وقال في آخره: قال أبو العلاء بن
الشِّخِّير: كان رسول اللـه ﴿ يَنسُ حديثُه بعضُه بعضاً، كما يَنسخُ القرآنُ بعضُه
بعضاً(٣). قال أبو إسحاق: هذا منسوخ (٤). وقال الترمذيُّ: كان هذا الحُكم في أول
الإسلام، ثم نُسِخ(٥).
قلت: على هذا جماعةُ العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاءِ الأمصار، وأنَّ
الغُسْل يجب بنفس التقاء الختانين. وقد كان فيه خِلافٌ بين الصحابة، ثم رجعوا فيه
إلى رواية عائشةً عن النبيِّ :﴿ قال: ((إذا جلسَ بين شُعَبِها الأربع، ومَسَّ الختانُ
الختانَ، فقد وَجَبَ الغُسْل)). أخرجه مسلم(٦).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﴾ قال: ((إذا قَعد بين شُعَبِها
الأربع، ثم جَهَدَها، فقد وَجَبَ (٧) الغسل)). زاد مسلم: ((وإنْ لم يُنْزِل))(٨).
(١) صحيح البخاري (٢٩٣)، وما سلف بين حاصرتين منه، وأبو عبد الله هو البخاري رحمه الله تعالى.
وأخرجه أيضاً أحمد (٢١٠٨١).
(٢) برقم (٣٤٦).
(٣) صحيح مسلم (٣٤٤)، وقد وقع قول أبي العلاء فيه قبل حديث أبيٍّ ﴾، وليس في آخره كما ذكر
المصنف، قال النووي في شرحه لصحيح مسلم ٢٧/٤: أبو العلاء اسمه يزيد بن عبد الله بن الشخِّيِّر،
وهو تابعي، ومراد مسلم بروايته هذا الكلام عن أبي العلاء أن حديث ((الماء من الماء)) منسوخ.
(٤) المفهم ٦٠١/١. وأبو إسحاق هو إبراهيم بن محمد بن سفيان، راوي صحيح مسلم. وينظر صحيح
مسلم بشرح النووي ٢١٨/١٠ .
(٥) سنن الترمذي، إثر الحديث (١١١).
(٦) في صحيحه (٣٤٩)، وهو عند أحمد (٢٤٢٠٦).
(٧) في (م): وجب عليه.
(٨) صحيح البخاري (٢٩١)، وصحيح مسلم (٣٤٨)، وهو عند أحمد (٧١٩٨). قوله: ثم جَهَدها، قال
صاحب النهاية (جهد): أي: دفعها وحفّزها، يقال: جهد الرجل في الأمر: إذا جدَّ فيه وبالغ.

٣٣٩
سورة النساء: الآية ٤٣
قال ابن القَصَّار(١): أجمع التابعون ومَن بعدَهم، بعد خلافٍ مَن قَبْلَهم، على
الأخذ بحديث: ((إذا التقى الخِتانان))(٢) وإذا صحَّ الإجماع بعد الخلاف كان مُسْقِطاً
للخلاف.
قال القاضي عياض(٣): لا نعلم أحداً قال به بعد خلافِ الصحابة، إلا ما حُكي
عن الأعمش، ثم بعده داود الأصبهاني. وقد روي أنَّ عمره حمل الناس على ترك
الأخذ بحديث ((الماء من الماء)) لمَّا اختلفوا(٤). وتأوَّله ابنُ عباس على الاحتلام(٥)،
أي: إنما يجب الاغتسال بالماء من إنزال الماء في الاحتلام. ومتى لم يكن إنزالٌ.
وإنْ رأى أنه يجامع. فلا غُسْلَ. وهذا ما لا خلافَ فيه بين كافة العلماء(٦).
العاشرة: قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ﴾ يقال: عَبَرتُ الطريق، أي: قطعتُه من
جانب إلى جانب. وعَبَرتُ النهرَ عُبوراً، وهذا عِبْرُ النهر، أي: شَظُه، ويقال: عُبْر
بالضم. والمِعْبَر: ما يُعْبَر عليه من سفينة أو قَنْطَرة. وهذا عابرُ السبيل، أي: مارُّ
الطريق. وناقة عُبْرُ أَسْفارٍ: لا تزال يُسافَر عليها(٧)، ويُقطَّع بها الفلاةُ والهاجرةُ لسرعة
مَشيها. قال الشاعر:
(١) علي بن عمر بن أحمد البغدادي، القاضي، أبو الحسن، شيخ المالكية، توفي سنة (٣٩٧هـ). السير
١٧/ ١٠٧ . وكلامه في إكمال المعلم ٢/ ١٩٥، والمفهم ١/ ٦٠٠.
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٢٤٩١٤)، وابن ماجه (٦٠٨)، وقد سلف قريباً بلفظ: ((ومس الختان الختان))
قال الحافظ في الفتح ٣٩٥/١: والمراد بالمس والالتقاء: المحاذاة، ويدل عليه رواية الترمذي بلفظ:
((إذا جاوز))، وليس المراد بالمس حقيقته ... ولو حصل المس قبل الإيلاج لم يجب الغسل بالإجماع.
(٣) إكمال المعلم ١٩٦/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي العباس في المفهم ١/ ٦٠٠ .
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٨٨/١ ، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٥٨ - ٥٩ .
(٥) أخرجه الترمذي (١١٢)، قال الحافظ في التلخيص الحبير: وفي إسناده لين؛ لأنه من رواية شريك عن
أبي الجَخَّاف (واسمه داود بن أبي عوف).
(٦) الاستذكار ٨٦/٣ .
(٧) مجمل اللغة ٦٤٣/٣. وحكى الفيروز أبادي فيها تثليث العين. القاموس (عبر).

٣٤٠
سورة النساء: الآية ٤٣
عُبْرُ الهَوَاجِرِ كالهِزَفِّ (١) الخاضِبِ(٢)
عَيْرانَةٌ سُرُحُ اليدَيْنِ شِمِلَّةٌ
وعَبَر القومُ: ماتوا. وأنشد:
ويلعب بالجَزُوعِ وبالصَّبُورِ
قضاءُ الله يغلبُ كلَّ شيءٍ
وإن نَغْبُرْ فنحن على نُذُورِ(٣)
فإِن نَعْبُرْ فإنَّ لنا لُمَاتٍ
يقول: إنْ مِثْنَا فلنا أَقْران، وإنْ بقِينا فلا بدَّ لنا من الموت، حتى كأنَّ علينا في
إتيانه نُذوراً (٤).
الحادية عشرة: واختلف العلماء في قوله: ﴿إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ﴾ فقال عليٍّ ﴾ وابن
عباس وابن جُبير ومُجاهد والحَكَم: عابِر السبيل: المسافر، ولا يصحُّ لأحدٍ أن
يَقْرَبَ الصلاة وهو جُنُبٌ إلَّا بعد الاغتسال، إلا المسافر، فإنه يتيمَّم(٥). وهذا قول
أبي حنيفة؛ لأن الغالب في الماء لا يُعدَم في الحضر، فالحاضِر يغتسل لوجود الماء،
والمسافر يتيمَّم إذا لم يجده.
قال ابن المُنْذِر(٦): وقال أصحاب الرأي في الجنب المسافرِ يمرُّ على مسجدٍ فيه
عينُ ماء: يتيمم الصعيدَ، ويدخلُ المسجد ويستقي منها، ثم يُخرج الماء من المسجد.
ورخَّصت طائفةٌ في دخول الجنب المسجدَ، واحتجَّ بعضهم بقول النبيِّ#: ((المؤمن
(١) في (ظ): کالھروف.
(٢) قائله خويلة الرِّئامية كما في أمالي القالي ١٢٧/١. قوله: عيرانة، أي: الناقة تشبَّه بالعير في سرعتها
ونشاطها، والسُّرُح: الناقة السريعة، والشّمِلَّة: الخفيفة. الصحاح (عير) و(سرح) و(شمل). والهِزَفُّ:
الجافي من الظُّلمان، والظلمان جمع ظليم، وهو الذكر من النعام. والخاضب: هو الظليم الذي اغتلم،
فاحمرت ساقاه. اللسان (هزف) و(ظلم) و(خضب).
(٣) لم نقف على قائلهما، والبيتان في المجمل ٦٤٣/٣، والبيت الثاني في تهذيب اللغة ٣٨٠/٢،
والصحاح (عبر). قوله: لُمات، جمعَ لُمَّة، واللُّمة هنا: المِثْل .
(٤) مجمل اللغة ٦٤٣/٣ .
(٥) المحرر الوجيز ٥٧/٢، وأخرج أقوالهم الطبري ٧/ ٥٠ - ٥٣، وخبرا علي وابن عباس ) أخرجهما
أيضاً ابن أبي شيبة ١/ ١٥٧، وابن المنذر في الأوسط ١٠٨/٢.
(٦) الأوسط ٢ / ١٠٧ .