النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ سورة النساء: الآية ٣٤ حنيفة: لا يفسخ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وقد تقدَّم القولُ في هذا في هذه السورة(١). الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَالضَّلِحَتُ قَئِنَتُ حَفِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ هذا كلُّه خبر، ومقصودهُ الأمرُ بطاعة الزوج والقيام بحقه في مالِه وفي نفسها في حال غَيبةِ الزوج. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((خير النساء التي إذا نظرتَ إليها سَرَّتْكَ، وإذا أَمرْتَها أطاعتك، وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْكَ في نفسها ومالِك)) قال: وتلا هذه الآية: ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ﴾ إلى آخر الآية(٢). وقال ﴿ لعمر: ((ألا أخبرك بخيرٍ ما يَكْنِزِهُ المرءُ؟ المرأةُ الصالحة؛ إذا نظر إليها سرَّتْه، وإذا أمرها أَطَاعتْهُ، وإذا غاب عنها حفِظَتْهُ)). أخرجه أبو داود(٣). وفي مصحف ابنِ مسعودٍ: ((فالصَّوَالح قوانِتُ حَوَافِظ)). وهذا بناءٌ يختصُّ بالمؤنث. قال ابن جِنِّي(٤): والتكسير أشبهُ لفظاً بالمعنى؛ إذ هو يعطِي الكثرةَ، وهي المقصودُ هاهنا. و(ما)) في قوله: ﴿بِمَا حَفِظَ الله﴾ مصدرية، أي: بحفظ الله لهنَّ. ويصحُّ أن تكونَ بمعنى الذي، ويكون العائدُ في ((حَفِظَ)) ضميرَ نصب(٥). وفي قراءة أبي جعفر: (١) ص٥٩ من هذا الجزء ، وينظر الإشراف ٤/ ٤٣ . (٢) مسند الطيالسي (٢٣٢٥)، وأخرجه أيضاً البغوي في التفسير ٤٢٣/١، وفي إسناده أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني، قال الحافظ في التقريب ص ٤٩١: ضعيف، وأخرجه بنحوه من طريق آخر الحاكم ١٦١/٢ وصححه. ووقع في النسخ الخطية وتفسير البغوي: حفظتك في نفسها ومالها، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في مسند الطيالسي. (٣) في سننه (١٦٦٤)، وأخرجه الحاكم ٤٠٩/١ وصححه. وهو من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) المحتسب ١٨٧/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٧/٢، ونسب ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٦ القراءة لطلحة بن مصرِّف. (٥) المحرر الوجيز ٤٧/٢. والمعنى: بالذي حفظه الله لهنَّ من مهورهن ... كما سيذكره المصنف من كلام النحاس. ٢٨٢ سورة النساء: الآية ٣٤ (بما حفِظ الله)) بالنصب(١). قال النحاس(٢): الرفعُ أبْيَن، أي: حافظاتٌ لغيب(٣) أزواجهنَّ بحفظ اللهِ ومعونته وتسديده. وقيل: بما حفِظهنَّ اللهُ في مهورهنَّ وعِشْرتهنَّ. وقيل: بما استَحْفَظَهنَّ اللهُ مِنْ(٤) أداء الأمانات إلى أزواجهنَ. ومعنى قراءةِ النصب: بحفظهنَّ اللهَ، أي: بحفظهِنَّ أمرَه، أو دينَه؛ وقيل في التقدير: بما حفِظْنَ اللهَ، ثم وُحِّد الفعل(٥)، كما قيل: فإنَّ الحوادث أَوْدَى بها (٦) وقيل: المعنى: بحفظِ الله [أي: بخوف]، مثل: حفظِتُ اللهَ(٧). الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَِّ تََّفُونَ نُوزَهُرَ﴾ اللاتي: جمعُ التي وقد تقدَّم(٨). قال ابن عباس: تخافون بمعنى: تعلمون وتتيقَّنون(٩). وقيل: هو على بابه. والنُّشوز: العصيان، مأخوذٌ من النَّشَز، وهو ما ارتفع من الأرض. يقال: نَشَزَ الرجلُ يَنْشُز وينشِز: إذا كان قاعداً فنهض قائماً، ومنه قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا قِلَ انشُزُوا فَأَنشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] أي: ارتفِعوا وانهضوا إلى حربٍ أو أمرٍ من أمور الله (١) هذه القراءة من العشرة، ينظر النشر ٢٤٩/٢ . (٢) في إعراب القرآن ١/ ٤٥٢. (٣) في (م): لمغيب. (٤) في (م): إياه من. (٥) قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٧/٢: وفي حذفه (يعني الضمير) قبح، لا يجوز إلا في الشعر. (٦) قال أبو حيان في البحر ٣/ ٢٤٠: يريد: أَوْدَيْنَ، والبيت للأعشى ميمون بن قيس، وهو في ديوانه ص٢٢١، والكتاب ٤٦/٢، وصدره في الديوان: فإن تعهديني ولي لِمَّةٌ (٧) إعراب القرن للنحاس ١/ ٤٥٢. وينظر الدر المصون ٦٧١/٣. (٨) ص١٣٧ من هذا الجزء . (٩) ذكره ابن الجوزي في التفسير ٢/ ٧٥ . ٢٨٣ سورة النساء: الآية ٣٤ تعالى(١). فالمعنى: أي: تخافون ◌ِصيانَهن وتعاليَهن عما أوجب اللهُ عليهن من طاعة الأزواج. قال أبو منصورٍ اللُّغَوِيُّ(٢): النُّشوزُ: كراهيةُ كلِّ واحدٍ من الزوجين صاحبَه؛ يقال: نَشَزَتْ تنشِز، فهي ناشِزٌ، بغير هاءٍ. ونَشَصت تنشِص، وهي السيئةُ العِشْرة. وقال ابن فارس (٣): ونَشَزَت المرأةُ: استَصْعَبت على بَعْلها، ونَشَزَ بعلُها عليها: إذا ضرَبَها وجفاها. قال ابن دُرَيدٍ (٤): نَشَزت المرأة ونَشَسَت ونَشَصَت، بمعنىّ واحد. السادسة: قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَ﴾ أي: بكتاب الله، أي: ذكِّروهنَّ ما أَوجبَ اللهُ عليهنَّ من حُسْنِ الصُحبةِ وجميلِ العِشرة للزوج، والاعترافِ بالدرجة التي له عليها، ويقول: إن النبيَّ :﴿ قال: ((لو أَمَرْتُ أحداً أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أنْ تسجدَ لزوجها)»(٥). وقال: ((لا تَمْنَعْه نفسَها وإن كانت على قَتَبٍ))(٦). وقال: «أيُّما امرأةٍ باتت هاجرةً فراش زوجها؛ لعنتها الملائكةُ حتى تُصبح))(٧) في رواية: ((حتى تُراجعَ وتضعَ يدَها في يده)»(٨). وما كان مِثلَ هذا. السابعة: قوله تعالى: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ﴾ وقرأ ابنُ مسعود والنَّخَعِيُّ (١) ينظر تهذيب اللغة ٣٠٤/١١، والصحاح (نشز). (٢) هو الأزهري، وكلامه بنحوه في تهذيب اللغة ٢٩٦/١١، ٣٥٠. (٣) مجمل اللغة ٨٦٩/٣ . (٤) جمهرة اللغة ٢٤/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن فارس في المجمل. (٥) أحكام القرآن لابن العربي، والحديث تقدم ٤٣٧/١، وما بعده قطعة منه. (٦) في (م): على ظهر قتب، والقتب: رحل صغير على قدر السنام. الصحاح (قتب). وقيل: إن نساء العرب كن إذا أردن الولادة جلسن على قتب، ويقال: إنه أسلس لخروج الولد. النهاية (قتب). (٧) أخرجه أحمد (١٠٩٤٦)، والبخاري (٥١٩٤)، ومسلم (١٤٣٦) من حديث أبي هريرة ﴾. (٨) أخرجه البيهقي في الشعب (٨٧٣٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: (( ... ونساؤكم من أهل الجنة الودود العؤود على زوجها، التي إذا غضب جاءت حتى تضع يدها في يده، ثم تقول: لا أذوق غمضاً حتی ترضی». ٢٨٤ سورة النساء: الآية ٣٤ وغيرهما: ((في المَضْجع)) على الإفراد (١)؛ كأنه اسمُ جنسٍ يؤدِّي عن الجمع. والهجرُ في المضاجع هو أن يضاجعَها ويُولِيَها ظهرَه ولا يجامعَها؛ عن ابن عباسٍ وغيره. وقال مجاهدٌ: جنِّبوا مَضاجِعَهن؛ فيتقدَّر(٢) على هذا الكلام حذف [تقديره: واهجروهن برفض المضاجع، أو بترك المضاجع](٣)، ويَعضُده ((اهجروهنَّ) من الهِجران، وهو البعد؛ يقال: هَجَره، أي: تباعَد ونأى عنه. ولا يمكن بُعْدُها إلا بترك مُضاجعتها. وقال معناه إبراهيمُ النخَعِي والشعبيُّ وقَتادةُ والحسن البصري(٤)، ورواه ابنُ وهبٍ وابنُ القاسم عن مالك، واختاره ابن العربيّ، وقال(٥): حَمَلُوا الأمرَ على الأكثر المُوفي، ويكون هذا القولُ كما تقول: اهجره في الله. وهذا أصلُ مالك. قلت: هذا قولٌ حَسَن؛ فإن الزوج إذا أَعرض عن فراشها؛ فإن كانت محبةً للزوج فذلك يشقُّ عليها، فترجِع للصلاح، وإن كانت مُبغِضةً، فيظهر النشوزُ(٦) منها؛ فيتبيّن أنَّ النشوز من قِبلَها. وقيل: ((اهجروهنَّ) من الهُجْر، وهو القبيحُ من الكلام، أي: غلِّظوا عليهنَّ في القول، وضاجِعوهن للجماع وغيره؛ قال معناه سفيانُ، ورُوي عن ابن عباس(٧). وقيل: أي: شدُّوهن وثَاقاً في بيوتهن، مِنْ قولهم: هجرَ البعيرَ، أي: رَبَطه بالهِجار، وهو حبلٌ يُشدُّ به البعير. وهو اختيارُ الطبريِّ، وقَدَحَ في سائر الأقوال. وفي (١) القراءات الشاذة ص٢٦ . (٢) في النسخ الخطية: فيتقرر، والمثبت من (م). (٣) المحرر الوجيز ٤٨/٢، وما بين حاصرتين منه، والآثار عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أخرجها الطبري ٦/ ٧٠٠ - ٧٠٢ . (٤) أخرج أقوالهم الطبري ٦/ ٧٠٢ - ٧٠٣ . (٥) أحكام القرآن ١/ ٤١٩ . (٦) في تفسير أبي الليث ٣٥٢/١ (والكلام منه): فيظهر السرور. (٧) أخرج قوليهما الطبري ٦/ ٧٠٤ - ٧٠٥ . ٢٨٥ سورة النساء: الآية ٣٤ كلامه في هذا الموضع نظر (١). وقد ردَّ عليه القاضي أبو بكر بنُ العربي في أحكامه(٢) فقال: يا لها من هفوةٍ من عالم بالقرآن والسنة! والذي حمله على هذا التأويلِ حديثٌ غريب رواه ابن وهبٍ عن مالكِ: أنَّ أسماء بنت أبي بكر الصدِّيقِ امرأةً الزبير بنِ العوَّامِ كانت تخرج، حتى عوتب في ذلك. قال: وعتَبَ عليها وعلى ضَرَّتها، فعَقدَ شعر واحدةٍ بالأخرى، ثم ضربهما ضرباً شديداً، وكانت الضَّرة أحسنَ اتِّقاءً، وكانت أسماء لا تتَّقي، فكان الضربُ بها أكثر، فشكَتْ إلى أبيها أبي بكر ﴾، فقال لها: أيْ بُنِيَّة، اصبِري، فإن الزبير رجلٌ صالح، ولعلَّه أنْ يكونَ زوجَك في الجنة، ولقد بلغني أنَّ الرجل إذا ابتكر بالمرأة (٣) تزوَّجها في الجنة. فرأى الربطَ والعقد، مع احتمال اللفظِ، مع فعل الزبيرِ، فَأَقدمَ على هذا التفسير! وهذا الهجرُ غايته عند العلماء شهرٌ، كما فعل النبيُّ﴾ حين أسَرَّ إلى حفصةً فَأَفْشَته إلى عائشة، وتَظَاهرتا عليه (٤). ولا يبلغ به الأربعةَ الأشهرِ التي ضَرَب اللهُ أَجلاً عذراً للمُؤلي. الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبُوهُنِّ﴾ أمرَ اللهُ أنْ يبدأ النساءَ بالموعظة أولاً، ثم بالهجران، فإن لم يَنْجَعا؛ فالضربُ؛ فإنه هو الذي يُصلِحها له، ويحملها على تَوْفِية حقِّه. والضربُ في هذه الآية هو ضربُ الأدب غيرُ المُبرِّح، وهو الذي لا يَكسِر عظماً ولا يَشين جارحةً(٥)، كاللَّكْزة ونحوها؛ فإن المقصود منه الصلاحُ لا غير. فلا جَرَمَ إذا أدَّى إلى الهلاك وجبَ الضمان، وكذلك القولُ في ضرب المؤدِّبِ غلامَه لتعليم (١) المحرر الوجيز ٤٨/٢، وقول الطبري في التفسير ٧٠٦/٦-٧٠٧ . (٢) ٤١٨/١ . (٣) في (م): بامرأة. (٤) أخرجه البخاري (٥١٩١)، ومسلم (١٤٧٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٥) المحرر الوجيز ٤٨/٢ . ٢٨٦ سورة النساء: الآية ٣٤ القرآن والأدب(١). وفي صحيح مسلم: ((اتَّقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهنَّ بأمانة اللهِ، واستحللتُم فروجَهن بكلمة الله، ولكم عليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحداً تكرهونه، فإنْ فعلنَ؛ فاضرِبوهن ضَرْباً غيرَ مُبَرِّح)) الحديث. أخرجه من حديث جابرٍ الطويل في الحج(٢)، أي: لا يُذْخِلْن منازلكم أحداً ممِن تكرهونه من الأقارب والنساء والأجانب(٣). وعلى هذا يُحمل ما رواه الترمذيُّ وصحَّحه(٤)، عن عمرو بنِ الأخْوَص أنه شهد حَجَّةَ الوداع مع رسول الله ﴾، فحمِد الله وأثنى عليه، وذكَّر ووعظَ [فذكر في الحديث قصة] فقال: ((ألا واستَوْصُوا بالنساء خيراً، فإنهنَّ عَوَانٍ عندكم(٥) لیس تملكون منهنَّ شيئاً غيرَ ذلك إلَّا أن يأتينَ بفاحشة مُبَيِّنة، فإن فعلن؛ فاهجروهنَّ في المضاجع، واضربوهنَّ ضرباً غيرَ مُبَرِّح، فإن أطَعْنَكم فلا تَبْغُوا عليهن سبيلاً، ألا إنَّ لكم على نسائكم حقّاً، ولنسائكم عليكم حقّاً، فأما حقُّكم على نسائكم فلا يُوطِئْنَ فُرُشَكم مَن تكرهون، ولا يَأْذَنَّ في بيوتكم لمَن(٦) تكرهون، ألَّا وحقُّهنَّ عليكم أن تُحسِنوا إليهن في كِسوتهنَّ وطعامهنَّ». قال: هذا حديثٌ حسن صحيح. فقوله: ((بفاحشة مبيّنة)) يريد: لا يُدخِلْنَ مَن يَكْرهُه أزواجُهن، ولا يُغْضِبنَهم. وليس المرادُ بذلك الزنى؛ فإن ذلك محرَّمٌ [مع مَن يكرهه الزوج ومع مَن لا يكرهه] (١) أحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٤٥٠ . (٢) صحيح مسلم (١٢١٨)، وتقدم حديث جابر الطويل ٣٧٥/٢، وتقدم المقطع المذكور منه ص ١٧٠ من هذا الجزء . (٣) في (خ) و(ظ) و(م): الأقارب والنساء الأجانب، وفي المفهم ٣٣٤/٣ (والكلام منه): الرجال والنساء، الأقارب والأجانب. (٤) في سننه (١١٦٣)، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٥) قوله: عوان عندكم، قال الترمذي: يعني أسرى في أيديكم. (٦) في (خ) و(ظ) و(م): من، والمثبت من (د) و(ز)، وهو الموافق لما في سنن الترمذي. ٢٨٧ سورة النساء: الآية ٣٤ ويلزم عليه الحدّ(١). وقد قال عليه الصلاة السلام: ((اضرِبوا النساءَ إذا عَصَيْنكم في معروفٍ ضَرْباً غيرَ مُبَرِّح))(٢). قال عطاء: قلت لابن عباسٍ: ما الضربُ غيرُ المُبَرِّح؟ قال: بالسِّواك (٣) ونحوه (٣). وروي أن عمر ضرب امرأته، فعُذِل في ذلك، فقال: سمعتُ رسول الله ﴾ يقول: ((لا يُسألُ الرجلُ فِيمَ ضَربَ أَهْلَه))(٤). التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ أي: تركوا النُّشوز ﴿فَلَ نَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: لا تَجْنُوا عليهنَّ بقولٍ أو فعلٍ. وهذا نهيٌّ عن ظلمهنَّ بعد تقرير الفضلِ عليهن والتمكينٍ من أَدَبهنَّ. وقيل: المعنى: لا تكلِّفوهن الحُبَّ لكم، فإنه ليس إلیھن(٥). العاشرة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ إشارةٌ إلى الأزواج بخفض الجناح ولينِ الجانب، أي: إن كنتم تقدِرون عليهن؛ فتذكَّروا قدرةَ اللـه، فيَدُه بالقدرة فوق كلِّ يد. فلا يَستعلي أحدٌ على امرأته، فاللهُ بالمرصاد(٦)؛ فلذلك حَسُنَ الاتِّصافُ هنا بالعلوِّ والكبر. الحادية عشرة: وإذا ثبت هذا؛ فاعلم أنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يأمر في شيءٍ من كتابه (١) المفهم ٣٣٤/٣، وما بين حاصرتين منه. (٢) أخرجه الطبري ٧٠٩/٦ عن عكرمة مرسلاً. (٣) أخرجه الطبري ٦/ ٧١٢ . (٤) أخرجه أحمد (١٢٢)، وابن ماجه (١٩٨٦)، وأخرج أبو داود (٢١٤٧)، والنسائي في الكبرى (٩١٢٣) شطره الأخير. وفي إسناده عبد الرحمن المُسْلي، ذكر الذهبي في الميزان ٦٠٢/٢ أنه لا يعرف إلا بهذا الحدیث، تفرد عنه داود بن عبد الله الأودي. وذكره أبو الفتح الأزدي - كما في تهذيب التهذيب ٥٦٩/٢ - في الضعفاء، وقال: فيه نظر، وأورد له هذا الحديث. (٥) ينظر تفسير الطبري ٦/ ٧١٤ . (٦) المحرر الوجيز ٤٨/٢. ٢٨٨ سورة النساء: الآية ٣٤ بالضرب صُراحاً إلا هنا، وفي الحدود العِظَام، فسَاوَى معصِيتَهن بأزواجهن بمعصية الكبائر، وولَّى الأزواجَ ذلك دون الأئمة، وجَعَلَه لهم دون القُضاةِ بغير شهودٍ ولا بيِّناتٍ، ائتماناً من الله تعالى للأزواج على النساء. قال المهلَّب : إنما جُوِّز ضربُ النساء من أجل امتناعِهنَّ على أزواجهنَّ في المباضعة. واختلِف في وجوب ضربها في الخدمة، والقياسُ يوجِب أنَّه إذا جاز ضربُها في المباضعة، جاز(١) في الخدمة الواجبةِ للزوج عليها بالمعروف. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: والنشوزُ يُسقِط النفقةَ وجميعَ حقوقٍ(٢) الزوجية، ويجوز معه أن يضرِبَها الزوجُ ضربَ الأدب غيرَ المُبَرِّح، والوعظُ والهجرُ حتى ترجِعَ عن نشوزها، فإذا رجعت عادت حقوقُها. وكذلك كلُّ ما اقتضَى الأدبَ؛ فجائزٌ للزوج تأديبُها. ويختلف الحالُ في أدب الرفيعة والدنيئة، فأدبُ الرفيعة العَذْلُ، وأدب الدنيئة السَّوْط. وقد قال النبيُّ ◌َ﴾: ((رَحِمَ اللهُ امرأً علَّقَ سَوْطَه وأدَّبَ أهله))(٣). وقال: ((إنَّ أبا جهم لا يضع عصاهُ عن عاتِقه)»(٤). وقال بشار: الحرُّ يُلْحَى والعصا للعبدِ(٥) يُلْحَى، أي: يلام، وقال ابن دُرَيد(٦): (١) في (م): جاز ضربها. (٢) في (م): الحقوق. (٣) أخرجه ابن عدي ١٦٤٢/٤ من حديث جابر ﴾، وفي إسناده عباد بن كثير، قال ابن معين: ليس بشيء. وقال البخاري: سكن مكة، تركوه. وقال النسائي: متروك. الميزان ٣٧٢/٢ . (٤) أخرجه أحمد (٢٧٣٣٣)، ومسلم (١٤٨٠): (٣٦) من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، قال أبو العباس في المفهم ٤/ ٢٧٢ : قيل: معناه أنه ضرَّاب للنساء، كما جاء مفسَّراً في الرواية الأخرى [(١٤٨٠): (٤٧)]، وفي أخرى [(١٤٨٠): (٤٨)]: ((فيه شدة على النساء)»، وقيل: المراد به أنه كثير الأسفار، وقد جاء في بعض رواياته في غير كتاب مسلم ما يدل على ذلك، غير أن التأويل الأول أحسن. (٥) المقصورة لابن دريد بشرح اللخمي ص ٣٦٥، وهو في ديوان بشار ٥٥٨/١ برواية: يوصى، بدل: یلحی، وبعده: وليس للمُحْلِف مثل الرَّدِّ. (٦) المقصورة ص ٣٦٥، والمفهم ١٢٠/٥. ٢٨٩ سورة النساء: الآيتان ٣٤ - ٣٥ والعبدُ لا يَرْدَعهُ إلا العصا واللَّوْمُ للحرِّ مُقيمٌ رائِعٌ قال ابن المنذر(١): اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجاتِ على أزواجهن إذا كانوا جميعاً بالِغِين، إلا الناشزَ منهنَّ الممتنعة. وقال أبو عمر (٢): مَنْ نَشَزت عنه امرأته بعد دخوله [بها] سقطت عنه نفقتُها إلا أن تكونَ حاملاً. وخالف ابنُ القاسم جماعةَ الفقهاء في نفقة الناشِز، فأَوْجَبها. وإذا عادت الناشزُ إلى زوجها وَجَبَ في المستقبل نفقتُها. ولا تَسقط نفقةُ المرأة عن زوجها لشيءٍ غيرِ النشوز، لا من مرضٍ ولا حَيضٍ ولا نفاس، ولا صوم ولا حجِّ، ولا مَغِيبٍ زوجها، ولا حَبْسِه عنها في حقٌّ أو جَوْرٍ غيرِ ما ذكرنا. والله أعلم(٣). قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَبْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاْ إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) فيه خمس مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ قد تقدَّم معنى الشِّقاقِ في ((البقرة))(٤). فكأنَّ كلَّ واحدٍ من الزوجين يأخذ شِقّاً غيرَ شِقٌّ صاحبه، أي: ناحيةً غيرَ ناحيةٍ صاحبه، والمراد: إن خِفتم شِقاقاً بينَهما، فأُضيف المصدر إلى الظرف كقولك: يعجبني سَيْرُ الليلة المُقْمِرةُ(٥)، وصومُ يوم عرفة. وفي التنزيل: ﴿بَلْ مَكْرُ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣]. وقيل: إنَّ (بَيْنَ)) أُجرِي مجرى الأسماء، وأُزِيل عنه الظرفيةُ؛ إذ هو بمعنى حالهما (١) في الإشراف ١٣٨/٤. (٢) في الكافي ٥٥٩/٢ ، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٣) نهاية الجزء من (خ)، ويبدأ الجزء الذي يليه بالآية (٦٠) من المائدة. (٤) ٢/ ٢٠٨ و٤١٩ . (٥) ينظر البحر المحيط ٢٤٣/٣. ٢٩٠ سورة النساء: الآية ٣٥ وعِشرتهما (١)، أي: وإن خِفْتُم تَبَاعُدَ عِشْرَتهما وصحبتهما ((فابعثوا)). و((خِفْتُمْ)) على الخلاف المتقدِّم(٢). قال سعيد بن جُبير: الحُكْم أن يعِظَها أولاً، فإنْ قبِلت وإلّا هجرها، فإن هي قبلت وإلَّا ضربها، فإن هي قبلت وإلَّا بعث الحاِم حَكَماً من أهله وحَكَماً من أهلها، فينظران ممَّن الضررُ، وعند ذلك يكون الخُلْع(٣). وقد قيل: له أن يضرب قبل الوعظ. والأول أصحُ؛ لترتيب ذلك في الآية. الثانية: الجمهور من العلماء على أنَّ المخاطَبَ بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الحُكّامُ والأمراء. وأنَّ قوله: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ يعني الحكمين(٤)؛ في قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما(٥). أي: إن يُرد الحكمان إصلاحاً، يُوَفِّق الله بین الزوجين. وقيل: المراد الزوجان، أي: إن يُرد الزوجان إصلاحاً وصِدقاً فيما أَخبرا به الحكمين، يُوَفِّقِ اللهُ بينهما(٦). وقيل: الخطاب للأولياء(٧). يقول: ﴿إِنْ خِفْتُ﴾ أي: علمتُم خلافاً بين الزوجين ﴿ فَبَعَنُواْ حَكَمَا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاْ﴾. والحَكَمان لا يكونان إلَّ من أهل الرجل والمرأة؛ إذ هما أقعدُ بأحوال الزوجين، ويكونان من أهل العدالة وحُسن النظر والبصر بالفقه. فإن لم يُوجد من أهلهما مَن (١) المحرر الوجيز ٤٩/٢ . (٢) ص٢٤ من هذا الجزء. (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤٢٠، وأخرجه الطبري ٧١٦/٦ . قال ابن العربي: وهو أحسن ما سمعت. (٤) المنتقى ١١٣/٤، وينظر الاستذكار ١١١/١٨. (٥) أخرجه عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما ابن أبي شيبة ٢١٢/٥، والطبري ٦/ ٧٣٠. (٦) المحرر الوجيز ٤٩/٢ . (٧) المنتقى ١١٣/٤ . ٢٩١ سورة النساء: الآية ٣٥ يَصلحُ لذلك، فيُرسِلُ من غيرهما عَدْلَين عالِمين؛ وذلك إذا أَشكل أمرُهما ولم يُذْرَ مِمن الإساءة منهما. فأمَّا إنْ عُرِف الظالم، فإنه يُؤخذ له الحقُّ من صاحبه، ويُجبر على إزالة الضرر (١). ويقال: إنَّ الحَكَم من أهل الزوج، يخلو به ويقول له: أَخِرني بما في نفسِك، أتهواها أم لا، حتى أَعْلَم مُرادك؟ فإن قال: لا حاجةً لي فيها، خذ لي منها ما استطعت(٢)، وفرِّق بيني وبينَها، فيُعرف أنَّ مِن قِبَله النشوز. وإن قال: إنِّي أهواها فأرضها من مالي بما شِئت، ولا تفرِّق بيني وبينها، فُعلم أنه ليس بناشِز. ويخلو [وليُّ المرأة] بالمرأة ويقول لها: أَتَهوَيْنَ زوجَك أم لا؟ فإن قالت: فرِّق بيني وبينَه، وأعطِه من مالي ما أراد، فيُعلم أنَّ النشوز من قِبَلها. وإن قالت: لا تفرِّق بيننا، ولكنْ حُثَّه على أن يزيد في نفقتي ويُحسِن إليَّ، عُلم أن النشوز ليس من قبلها. فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قِبَله، يُقبِلان عليه بالعِظةِ والزجر والنهي؛ فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَاً﴾(٣). الثالثة: قال العلماء: قسَّمتْ هذه الآيةُ النساءَ تقسيماً عقليّاً؛ لأنهنَّ إمَّا طائعة، وإمَّا ناشز. والنشوز إما أن يرجع إلى الطّواعِية أوْ لَا(٤)، فإن كان الأول تُرِكًا؛ لمَا رواه النَّسائي: أن عَقِيل بن أبي طالب تزوَّج فاطمةَ بنتَ عُتبةَ بنِ ربيعة [فقالت: اصبر عليَّ وأُنفق عليك] وكان إذا دخل عليها تقول: يا بني هاشم، واللهِ لا يحِبُّكم قلبي أبداً، أين الذين أعناقهم كأباريق الفِضة، تَرِدُ أنوفُهم قَبْلَ شِفاهِهم(٥). أين عُتبةُ بنُ ربيعةً؟ أين شَيْبةُ بنُ ربيعة؟ فيسكت عنها، حتى دخل عليها يوماً وهو بَرِمٌ، فقالت له: (١) الكافي ٢ / ٥٩٦ . (٢) في تفسير أبي الليث ٣٥٢/١ (والكلام منه): خذ مني لها ما استطعت. (٣) تفسير أبي الليث ١/ ٣٥٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٤) المحرر الوجيز ٤٩/٢ . (٥) يعني تَرِدُ أنوفُهم الماءَ قبل شفاههم، وهو وصفٌ بالشَّمَم، والعربُ تمدحُ بطول الأنف. ٢٩٢ سورة النساء: الآية ٣٥ أين عُتبة بن ربيعة؟ فقال: على يَساركِ في النار إذا دخلتِ، فَنَشرت(١) عليها ثيابها، فجاءت عثمان، فذكرت له ذلك، فأرسل ابنَ عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لَأُفرِّقنَّ بينهما. وقال معاوية: ما كنتُ لِأُفرِّقَ بين شيخين من بني عبد مناف. فأَتَياهما، فوجداهما قد سدًّا عليهما أبوابهما، وأصلحا أمرهما(٢). فإن وجداهما قد اختلفا ولم يصطلحا، وتفاقمَ أمرُهما، سَعَيَا في الأُلفة جهدَهما، وذَكَّرا بالله وبالصُّحبة. فإن أنابا ورجعا؛ تركاهما، وإن كانا غيرَ ذلك، ورأَيا الفُرقة، فرَّقا بينهما(٣). وتفريقُهما جائزٌ على الزوجين، وسواءٌ وافق حُكْمَ قاضي البلد أو خالفه، وَلَهما الزوجان بذلك أو لم يؤكِّلاهما. والفِراقُ في ذلك طلاقٌ بائن(٤). وقال قوم: ليس لهما الطلاقُ ما لم يوكِّلْهما الزوج في ذلك، وليعرِّفا الإمام، وهذا بناءٌ على أنهما رسولان شاهدان(٥). ثم الإمامُ يفرِّق إن أراد، أو يأمر(٦) الحَكَمَ بالتفريق. وهذا أحدُ قولي الشافعيِّ، وبه قال الكوفيون، وهو قول عطاء وابن زيد والحسن، وبه قال أبو ثور. والصحيح الأوَّل، وأنَّ للحَكَمين التطليقَ دونَ توكيل، وهو قول مالك والأوزاعيِّ وإسحاق، ورُوي عن عثمان وعليٍّ وابن عباس، وعن الشَّعْبيِّ والنَّخَعيِّ، وهو قول (١) كذا في النسخ، وأحكام القرآن لابن العربي، والكلام منه مصادر الخبر: فشدَّت. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤٢٤/١، وما سلف بين حاصرتين منه، ولم نقف عليه عند النسائي، وأخرجه الشافعي في الأم ١٠٤/٥، وعبد الرزاق (١١٨٨٧)، وابن سعد ٢٣٨/٨ . وانظر عيون الأخبار ٠٦٠/٤ (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤٢٤/١. (٤) الكافي ٢/ ٥٩٦ . (٥) في (د) و(ز): لا شاهدان. (٦) في (ظ) و(م): ويأمر. ٢٩٣ سورة النساء: الآية ٣٥ الشافعي(١)؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاً﴾ وهذا نصٌّ من الله سبحانه بأنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان. وللوكيل اسمٌ في الشريعة ومعنىّ، ولِلحَكَم اسم في الشريعة ومعنىّ؛ فإذا بيَّن الله كلَّ واحد منهما، فلا ينبغي الشادٍ - فكيف لِعالم - أن يركِّب معنَى أحدِهما على الآخر(٢)! وقد روى الدَّارَقُطْنِيُّ من حديث محمد بن سِيرين، عن عَبيدةً في هذه الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَاً﴾ قال: جاء رجل وامرأة إلى عليٍّ مع كلِّ واحد منهما فِئامٌ من الناس، فأمرهم، فبعثوا حَكَماً من أهله وَحَكَماً من أهلها، وقال للحَكَمين: هل تَدْرِيان ما عليكما؟ عليكما إنْ رأيتُما أن تُفرِّقا؛ فرَّقتُما. فقالت المرأة: رضيتُ بكتاب الله بما عليَّ فيه ولي. وقال الزوج: أمَّا الفُرْقَةُ فلا. فقال عليٍّ: كذبتَ، والله لا تبرحُ حتى تُقِرَّ بمثل الذي أقرَّت به(٣). وهذا إسناد صحيح ثابت رُوي عن عليٍّ من وجوه ثابتة، عن ابن سيرين، عن عَبيدةً؛ قاله أبو عمر (٤). فلو كانا وكيلَيْن أو شاهدَيْن، لم يقل لهما: أتدريان ما عليكما؟ إنما كان يقول: أتدريان بما وُكِّلْتما(٥)؟ وهذا بيِّن. احتجَّ أبو حنيفة بقول عليٍّ ﴾ للزوج: لا تَبْرَحْ حتى ترضى بما رضيَتْ به. فدلَّ على أنَّ مذهبه أنَّهما لا يُفرِّقان إلَّا برضا الزوج، وبأنَّ الأصلَ المجتمعَ عليه أنَّ الطلاق بيد الزوج، أو بيد مَن جعل ذلك إليه. وجعله مالك ومَن تابعه مِن باب طلاق (١) ينظر الإشراف ٢٢٥/٤، والاستذكار ١١٢/١٨، والمنتقى ١١٤/٤، وأحكام القرآن للكيا الطبري ٤٥١/١، وذكر الكيا أن أصح القولين للشافعي هو اشتراط توكيل الزوجين للحكمين بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك. وهو الذي في الأم ١٠٤/٥ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤٢٤/١ . وقوله: لشادٍ، الشادي: الذي تعلَّم شيئاً من العلم ونحو ذلك، أي: أخذ طرفاً منه. اللسان (شدا). (٣) سنن الدار قطني (٣٧٧٨)، وأخرجه عبد الرزاق (١١٨٨٣). عبيدة: هو السَّلْماني. (٤) في الاستذكار ١٠٩/١٨ . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٤٢٤/١ . ٢٩٤ سورة النساء: الآية ٣٥ السلطان على المَوْلى والعِنِين(١). الرابعة: فإن اختلف الحَكَمان لم يَنْفُذْ قولُهما، ولم يلزم من ذلك شيء، إلا ما اجتمعا عليه. وكذلك كلُّ حكمين حَكَمًا في أمر. فإنْ حكم أحدهما بالفُرقة، ولم يحكم بها الآخر، أو حكم أحدهما بمال وأبَى الآخر، فليسا بشيء حتى يتَّفقا (٢). وقال مالك في الحَكّمين يطلِّقان ثلاثاً قال: تلزم(٣) واحدةٌ، وليس لهما الفراق بأكثرَ من واحدة بائنة، وهو قول ابن القاسم. وقال ابن القاسم أيضاً: تلزمه الثلاثُ إن اجتمعا عليها(٤)، وقاله المغيرة وأشهبُ وابن الماجِشُون وأَضْبَغ. وقال ابن المؤَّاز: إنْ حَكَم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث، فهي واحدة. وحَكى ابنُ حبيب عن أَصْبَغ أنَّ ذلك ليس بشيء(٥). الخامسة: ويُجزِئ إرسال الواحد؛ لأنَّ الله سبحانه حكم في الزنى بأربعة شهود، ثم قد أرسل النبيُّ# إلى المرأة الزانية أُنَيْساً وحده وقال له: ((إن اعترفَتْ فارجُمْها)) وكذلك قال عبد الملك في ((المدوَّنة))(٦). قلت: وإذا جاز إرسال الواحد، فلو حكّم الزوجان واحداً لأجزأ، وهو بالجواز أَوْلى إذا رضيا بذلك، وإنما خاطب الله بالإرسال الحُكَّامَ دون الزوجين. فإن أرسل(٧) الزوجان حَكَمين، وحَكّما، نَفَذَ حُكْمُهما؛ لأن التحكيم عندنا جائز، وينفُذ فعلُ الحَكَم في كلِّ مسألة. هذا إذا كان كلُّ واحد منهما عدلاً. ولو كان (١) الاستذكار ١١٣/١٨ . (٢) الكافي ٢/ ٥٩٧ . (٣) في (ظ): تكون. (٤) في (د) و(ظ): عليه. (٥) ينظر النوادر والزيادات ٢٨٢/٥، والكافي ٥٩٧/٢، والاستذكار ١١٣/١٨، والمنتقى ١١٤/٤. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٤٢٧/١، وتقدم الحديث ص ١٤٤ من هذا الجزء، وينظر المدونة ٣٦٨/٢. (٧) في (د): السادسة: فإن أرسل ... ٢٩٥ سورة النساء: الآية ٣٥ غير عدل؛ قال عبد الملك: حُكمُه منقوض؛ لأنهما تَخاطَرًا(١) بما لا ينبغي من الغَرَر. قال ابن العربي(٢): والصحيح نفوذُه؛ لأنه إن كان توكيلاً، ففِعْلُ الوكيل نافذٌ، وإنْ كان تحكيماً، فقد قدَّماه على أنفسهما، وليس الغرر بمؤثِّرٍ فيه، كما لم يؤثِّر في باب التوكيل، وبابُ القضاء مبنيٌّ على الغَرَر كلُّه، وليس يلزم فيه معرفةُ المحكوم عليه بما يؤول إليه الحكم. قال ابن العربي (٣): مسألة الحَكَمَين نصَّ اللهُ عليها، وحَكَم بها عند ظهور الشِّقاق بين الزوجين، واختلافِ ما بينَهما، وهي مسألةٌ عظيمة اجتمعت الأمة على أصلها في البعث، وإن اختلفوا في تفاصيل ما يترتَّب عليه. وعجباً لأهل بلادنا (٤) حيث غَفَلوا عن موجب الكتاب والسنة في ذلك، وقالوا: يُجعلان على يدي أمين، وفي هذا من معاندة النصِّ ما لا يَخْفَى عليكم(٥)، فلا بكتاب الله ائتمروا، ولا بالأقْيِسة اجتَزَوْا. وقد نَدَبْتُ إلى ذلك؛ فما أجابني إلى بَعْثِ الحَكَمين عند الشقاق إلَّا قاضٍ واحدٌ، ولا بالقضاء باليمين مع الشاهد إلا آخَر، فلمَّا ملَّكني الله الأمر أَجْريتُ السُّنَّة كما ينبغي. ولا تَعْجَبْ لأهل بلدنا لِما عندهم (٦) من الجهالة، ولكنِ اعْجَبْ لأبي حنيفة؛ ليس للحَكَمين عنده خبر! بل اعجَبْ مرَّتين للشافعيِّ(٧) فإنَّه قال: الذي يُشبِه ظاهر (١) في (ظ): تخاطوا. (٢) في أحكام القرآن ١/ ٤٢٧، وما قبله منه. (٣) في القبس ٧٥٨/٢ . (٤) في (خ) و(د) و(م): بلدنا، والمثبت من (ز) و(ظ) وهو الموافق لما في القبس. (٥) إلى هذا الموضع كلام ابن العربي من القبس، وما بعده من أحكام القرآن ٤٢١/١، وما سيأتي بين حاصرتین منه. (٦) في أحكام القرآن: غمرهم. (٧) في أحكام القرآن: بل اعجب أيضاً من الشافعي. ٢٩٦ سورة النساء: الآية ٣٥ الآية أنه فيما عمَّ الزوجين معاً حتى يَشتبِه فيه حالاهما. قال: وذلك أنِّي وجدت الله عزَّ وجلَّ أَذِن في نشوز الزوج بأَنْ يصطَلِحا، [وأَذن في نشوز المرأة بالضرب]، وأَذِن في خوفهما ألَّ يقيما حدود الله بالخُلْع، وذلك يُشبِهِ أنْ يكون برضا المرأة. وحَظَر أن يأخذ الزوج مما أعطى شيئاً إذا أراد استبدالَ زوجٍ مكان زوج، فلمَّا أَمر فيمَن خفنا الشقاق بينهما بالحَكَمَيْن، دلَّ على أنَّ حُكمهما غيرُ حكم الأزواج، فإذا كان كذلك بعث حَكَماً من أهله وحكماً من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما [للحكمين]؛ بأن يجمعا أو يُفرِّقا إذا رأَيا ذلك. وذلك يدلُّ على أن الحگمین و کیلان للزوجین. قال ابن العربيّ(١): هذا منتهى كلام الشافعيِّ، وأصحابُه يفرحون به، وليس فيه ما يُلتَفَتُ إليه، ولا يُشبِهِ نصابَه في العلم، وقد تولَّى الردَّ عليه القاضي أبو إسحاق ولم يُنْصِفْه في الأكثر. أما قولُه: الذي يُشبِهِ ظاهر الآية أنه فيما عمَّ الزوجين. فليس بصحيح، بل هو نصُّه، وهي من أَبْين آيات القرآن وأوضحِها جَلاءً، فإنَّ الله تعالى: قال: ﴿أَلِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. ومن خاف مِن امرأته نشوزاً وعَظَها، فإن أنابت؛ وإلَّ هجرها في المَضْجَع، فإن ارْعَوَتْ؛ وإلَّا ضربها، فإن استمرَّت في غلوائها مشى الحَكَمان إليهما(٢). وهذا إِن لم يكن نصّاً، فليس في القرآن بيانٌ! ودَعْه لا يكون نصّاً، يكون ظاهراً. فأمَّا أن يقول الشافعيُّ: يُشبِه الظاهر، فلا ندري ما الذي أَشبه الظاهر؟ ثم قال: وأَذِنَ في خوفهما ألَّا يقيما حدود الله بالخُلعْ، وذلك يُشبِهُ أن يكون برضا المرأة. بل يجب أن يكون كذلك، وهو نصُّه. ثم قال: فلمَّا أَمْر بالحَكَمَين؛ علِمنا أن حُكْمهما غيرُ حكم الأزواج. ويجب أن (١) أحكام القرآن ١/ ٤٢٢ . (٢) في (ز) و(ظ): إليها. ٢٩٧ سورة النساء: الآيتان ٣٥ - ٣٦ يكون غيرَه بأن ينفذ عليهما مِن غيرِ اختيارهما، فتتحقَّق الغَيْرِية. فأمَّا إذا أَنفذا عليهما ما وكَّلاهما به، فلم يحكما بخلافِ أمرهما، فلم تتحقَّق الغَيْرِية. وأمَّا قولُه: برضى الزوجين وتوكيلهما. فخطأٌ صُرَاح؛ فإنَّ الله سبحانه خاطب غيرَ الزوجين إذا خاف الشِّقاق بين الزوجين بإرسال الحَكَمَين، وإذا كان المخاطَب غيرَهما، كيف يكون ذلك بتوكيلهما، ولا يصحُّ لهما حُكْمٌ إلَّا بما اجتمعا عليه؟! هذا وجه الإنصاف والتحقيق في الردِّ عليه. وفي هذه الآية دليلٌ على إثبات التحكيم، وليس كما تقول الخوارج: إنَّه ليس التحكيم لأحدٍ سوى اللهِ تعالى. وهذه كلمة حقٍّ، ولكن يريدون بها الباطل(١). قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى اُلْقُرْبَ وَاَلْيَتَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالضَّاحِبِ بِالْجَنٍ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (َّ فيه ثمانٍ عشْرةَ مسألةٌ : الأولى: أجمع العلماء على أنَّ هذه الآيةَ من المُحْكَم المتفقِ عليه، ليس منها شيءٌ منسوخ. وكذلك هي في جميع الكتب، ولو لم يكن كذلك؛ لعُرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزِل به الكتاب. وقد مضى معنى العُبوديةِ(٢): وهي الَّذلُّلُ والافتقارُ لمن له الحُكْمُ والاختيار، فأمرَ الله تعالى عبادَه بالتذلُّل له والإخلاصِ فيه، فالآيةُ أصلٌ في خُلوص الأعمال لله تعالى، وتصفيتها من شوائب الرياءِ وغيرِهِ؛ قال الله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَحُواْ لِقَاءَ رَبِّهِ. فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا وَلَا يُثْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيٍِّ أَحَدَأْ﴾ [الكهف: ١١٠] حتى لقد قال بعضُ علمائنا: (١) تفسير أبي الليث ١/ ٣٥٢. (٢) ١ /٣٤٠ . ٢٩٨ سورة النساء: الآية ٣٦ إنه من تطهّر تَبرُّداً، أو صامَ مُجِمّاً لِمَعِدَته، ونَوَى مع ذلك التقرُّبَ؛ لم يُجْزِهِ؛ لأنه مزجَ في نية التقرُّب نيَّةً دنياويَّةً، وليس لله إلا العملُ الخالصُ(١)؛ كما قال تعالى: ﴿أَا لِلَّهِ الذِينُ الْخَالِصَُ﴾ [الزمر: ٣] وقال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهُ مُخْلِينَ لَهُ الّذِينَ﴾ [البينة : ٥]. وكذلك إذا أحسَّ الرجلُ بداخلٍ في الركوع وهو إمام، لم ينتظرْه؛ لأنه يُخرجُ ركوعَه بانتظاره عن كونه خالصاً لله تعالى(٢). وفي صحيح مسلم(٣) عن أبي هريرةً قال: قال رسول الله ﴾: ((قال الله تبارك وتعالى: أنا أغْنَى الشُّركاءِ عن الشِّرك، مَن عَمِلَ عَمَلاً أشْرَك فيه معي غيري؛ تركتُه وشِرْگه)). وروى الدَّارَ قُظْنِيُّ عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ اللـه ﴾: ((يُجاءُ يومَ القيامةِ بصُحُفٍ مُخَتَّمة، فتُنصَبُ بين يدي الله تعالى، فيقولُ اللهُ تعالى للملائكة: ألقُوا هذا، واقْبَلُوا هذا. فتقولُ الملائكةُ: وعَزَّتِك ما رأينا إلَّا خيراً. فيقولُ الله عزَّ وجلَّ - وهو أعلم - إنَّ هذا كان لغيري، ولا أقبلُ اليومَ من العمل إلا ما ابْتُغيَ(٤) به وجهي))(٥). وروى أيضاً عن الضخَّاك بن قيس الفِهْرِي قال: قال رسول الله﴾: ((إنَّ اللهَ تعالى يقول: أنا خيرُ شريكٍ، فمَن أشرَكَ معيَ شريكاً؛ فهو لشريكي، يا أيها الناسُ أخْلِصوا أعمالَكم لله تعالى، فإنَّ الله لا يقبلُ إلَّا ما خَلَص له، ولا تقولوا هذا لله وللرَّحِيم، فإنها للرَّحِم، وليس لله منها شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم، فإنّها (١) في النسخ الخطية: الصالح، والمثبت من (م)، وقد ذكر هذا الكلام ابن العربي في أحكام القرآن ٤٢٨/١، ثم قال: وهذا ضعيف؛ فإن التبرُّد لله، والتنظيفَ وإجمام المعدة لله، فإنَّ كلَّ ذلك مندوبٌ إليه، أو مباح في موضع، ولا تُناقِض الإباحةُ الشريعة. (٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ١/ ٤٥٣. (٣) برقم (٢٩٨٥)، وهو عند أحمد (٧٩٩٩). (٤) في (م): ما كان ابتغي. (٥) سنن الدار قطني (١٣٢)، وسلف ٣٣٢/٢ . ٢٩٩ سورة النساء: الآية ٣٦ لوجوهكم، وليس لله تعالى منها شيء)) (١). مسألة: إذا ثبتَ هذا؛ فاعلم أنَّ علماءَنا ﴾ قالوا: الشِّرك على ثلاث مراتبَ؛ وكلُّه محرَّمٌ. وأصلُه: اعتقاد شريك لله في ألوهِيَّته، وهو الشِّرْكُ الأعظم، وهو شركُ الجاهلية، وهو المرادُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن كَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ويليه في الرُّتبة: اعتقادُ شريكٍ لله تعالى في الفعل، وهو قولُ مَن قال: إنَّ موجوداً ما غيرَ الله تعالى يستَقِلُّ بإحداث فعلٍ وإيجادهٍ، وإنْ لم يعتقد كونَه إلهاً (٢) كالقدَريَّة مجوسٍ هذه الأمَّةِ (٣) وقد تبّرأَ منهم ابنُ عمرَ، كما في حديث جبريل عليه السلام(٤). ويلي هذه الرُّتبةَ: الإشراكُ في العبادة، وهو الرِّياءُ، وهو أنْ يفعلَ شيئاً من العبادات التي أمر اللهُ بفعلها له لغيره. وهذا هو الذي سِيقَتِ الآياتُ والأحاديثُ لبيان تحريمه، وهو مُبطلٌ للأعمال(٥)، وهو خفِيٌّ لا يعرِفُه كلُّ جاهلٍ غبيٍّ. ورضي اللهُ عن المُحاسِبِيّ؛ فلقد أوضحَه في كتابه ((الرعاية)) وبيَّن إفسادَه للأعمال. وفي سنن ابن ماجه(٦) عن أبي سعيد بن أبي فَضَالةَ الأنصاري - وكان من (١) سنن الدارقطني (١٣٣)، وسلف ٤٢٣/٢. (٢) المفهم ٦/ ٦١٥ . (٣) يشير إلى حديث ((القدرية مجوس هذه الأمة)) روي عن عدد من الصحابة كما ذكر السيوطي في اللآلئ المصنوعة ٢٣١/١ - ٢٣٩ وقال: ينتهي بمجموع طرقه إلى درجة الحسن المحتج به إن شاء الله. (٤) أخرجه أحمد (١٨٤)، ومسلم (٨) عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري قالا: لقينا ابن عمر فذكرنا القدر وما يقولون فيه، فقال: فإذا رجعتم إليهم فقولوا: إن ابن عمر منكم بريء، وأنتم منه بُرَآء - ثلاث مرار - ثم قال: أخبرني عمر بن الخطاب أنهم بينما هم جلوس - أو قعود - عند النبي ﴾ ... وذكر حديث جبريل، وقد سلفت قطعة من حديث جبريل ٢٥٢/١ . وينظر المفهم ١٣٦/١. (٥) المفهم ٦/ ٦١٥ . (٦) برقم (٤٢٠٣)، وأخرجه أيضاً أحمد (١٥٨٣٨)، والترمذي (٣١٥٤) وقال: حديث حسن غريب. ٣٠٠ سورة النساء: الآية ٣٦ الصحابة(١) - قال: قال رسول اللـه﴾: ((إذا جمعَ الله الأوَّلين والآخِرِين ليوم القيامة، ليوم لا ريبَ فيه، نادى منادٍ: مَن كان أَشْرَكَ في عَمَلِ عمِلَه لله عزَّ وجلَّ أحداً، فليطلُبْ ثوابَه من عند غيرِ الله، فإنَّ الله أغنى الشُّركاءِ عن الشّرك)). وفيه عن أبي سعيد الخُذْرِيِّ قال: خرج علينا رسول اللـه # ونحن نَتَذاكرُ المَسِيحَ الدجال، فقال: ((ألا أخبرُكم بما(٢) هو أخوفُ عليكم عندي من المَسيح الدَّجال؟» قال: فقلنا: بلى يا رسول الله! فقال: ((الشركُ الخَفِيُّ، أنْ يقومَ الرجلُ يصلِّي، فيزَيِّنَ صلاتَه لمَا يَرِى مِن نَظَرِ رجل(٣)). وفيه عن شدَّاد بن أوْس قال: قال رسول الله ﴾: ((إنَّ أَخْوفَ ما أَتخوَّفُ (٤) على أمتي الإشراك بالله، أما إني لستُ أقولُ: يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثَنَاً، ولكنْ أعمالاً لغير الله، وشَهوةً خفيَّةً(٥)) خرَّجه التِّرمذِيُّ الحكيم(٦). وسيأتي في آخِر الكهف(٧)، وفيه بيانُ الشهوة الخفية. وروى ابن لَهِيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال: سُئل رسولُ الله # عن الشهوة الخفيَّةِ، فقال: ((هو الرجلُ يتعلَّمُ العلمَ يحبُّ أنْ يُجلَس إليه))(٨). قال سهل بن عبد الله التُّسْتَرِيُّ: الرياءُ على ثلاثة وجوه: (١) ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٦٣/١١ فيمن اسمه أبو سعد، فقال: أبو سعد بن فضالة، ويقال: ابن أبي فضالة، ويقال أبو سعيد بن فضالة بن أبي فضالة. وقال الذهبي في التجريد ١٧٢/٢: أبو سعد ابن أبي فضالة الأنصاري الحارثي، وكذلك وقع عند ابن ماجه والترمذي. (٢) في (د) و(ز): مما، وفي (ظ): ما، والمثبت من (م). (٣) سنن ابن ماجه (٤٢٠٤)، وأخرجه أحمد بنحوه (١١٢٥٢). (٤) في (ظ): أخاف. (٥) سنن ابن ماجه (٤٢٠٥)، وفي إسناده عامر بن عبد الله، قال الحافظ في التقريب ص٢٣١: مجهول. (٦) في نوادر الأصول ص٤٠٠ . (٧) عند الآية: ١٠٩. (٨) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (١١٤٩) وهو مرسل، وابن لهيعة فيه كلام.