النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة النساء: الآيتان ٣٠ - ٣١ أي: صَلَيْتُهُ(١)، وفي الخبر: ((شاة مَصْلِيَّة))(٢). ومِن ضمِّ النون منقولٌ بالهمزة، مثل: طَعِمْتِ وأطعَمْت. قوله تعالى: ﴿إِن تَّجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا ثُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدِْلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيمًا ٣١ فيه مسألتان : الأولى: لمَّا نهى تعالى في هذه السورة عن آثام هي كبائر، وعَدَ على اجتنابها التخفيفَ من الصغائر، ودلَّ هذا على أنَّ في الذنوب كبائرَ وصغائرَ، وعلى هذا جماعةُ أهلِ التأويل، وجماعةُ الفقهاء، وأنَّ اللمسة والنظرة تكُفَّر باجتناب الكبائر قطعاً بوعده الصدق وقولِه الحق، لا أنه يجب عليه ذلك. ونظيرُ الكلام في هذا ما تقدَّم بيانه في قبول التوبة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٧]، فالله تعالى يغفر الصغائرَ باجتناب الكبائر، لكنْ بضَمِيْمَةٍ أخرى إلى الاجتناب وهي إقامةُ الفرائض. روى مسلم(٣) عن أبي هريرةً قال: قال رسول اللـه ﴾: ((الصَّلَواتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضانَ، مكفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجتنبت(٤) الكبائر)». وروى أبو حاتم البُسْتيُّ في صحيح مسنده(6) عن أبي هريرةَ وأبي سعيد الخُدريِّ، (١) في (م): أصليته. قال ابن جني في المحتسب ١٨٦/١: يقال: صلاه يَصْليه: إذا شواه، ويكون منقولاً من صلي ناراً وصليته ناراً. (٢) أخرجه البخاري (٥٤١٤) عن أبي هريرة : أنه مرَّ بقوم بين أيديهم شاة مَصْليَّة، فدعَوْه، فأبى أن يأكل ... ، وأخرجه أحمد (٢٣٨٥٩) عن أبي رافع مولى النبي 8 قال: صنع لرسول الله 8* شاة مصلية ... الحدیث. (٣) في صحيحه (٢٣٣)، وهو عند أحمد (٩١٩٧). (٤) وقع في صحيح مسلم ومسند أحمد: إذا اجتَنَبَ، والمثبت من النسخ، وهو الموافق لما في المفهم ١/ ٤٩٢ . (٥) برقم (١٧٤٨)، وأخرجه أيضاً النسائي في المجتبى ٨/٥ . ٢٦٢ سورة النساء: الآية ٣١ أنَّ رسول اللـه :﴿ جلس على المنبر ثم قال: ((والذي نفسي بيده)) ثلاثَ مرات، ثم سكت، فأكبَّ كلُّ رجلٍ منا (١) يبكي حزيناً ليَمينِ رسول اللـه :﴿، ثم قال: ((ما مِن عبد يؤدِّي الصلواتِ الخمسَ، ويصومُ رمضانَ، ويجتنبُ الكبائرَ السبعَ، إلَّا فُتحت له ثمانيةُ أبوابٍ من الجنَّة يومَ القيامة، حتى إنها لتصفقُ(٢)، ثم تلا: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾)». فقد تعاضَد الكتابُ وصحيحُ السُّنة بتكفير الصغائر قطعاً، كالنظر وشِبْهِه. وبيَّنت السُّنة أنَّ المراد: بـ (تَجْتَنِبُوا)) ليس كلَّ الاجتناب لجميع الكبائر. والله أعلم. وأما الأصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفيرُ الصغائر باجتناب الكبائر، وإنما محمَلُ ذلك على غَلَبة الظن وقوةِ الرجاء، والمشيئةُ ثابتةٌ. ودلَّ على ذلك أنه لو قطعنا (٣) لمجتنب الكبائر وممتثل الفرائض تكفيرَ صغائره قطعاً، لكانت له في حكم المباح الذي يُقطع بأَلَّا تِبَاعةً فيه، وذلك نقضٌ لعُرَى الشريعة. ولا صغيرة عندنا(٤). قال الفُشَيْرِيُّ عبدُ الرحيم: والصحيحُ أنها كبائرُ، ولكنَّ بعضها أعظمُ وقعاً من بعض، والحكمةُ في عدم التمييز أنْ يجتنب العبد جميع المعاصي. قلت: وأيضاً فإن مَنْ نظر إلى نفس المخالفة - كما قال بعضهم: لا تنظرُ إلى صِغَر الذَّنْب، ولكن انظر مَنْ عصيتَ - كانت الذنوبُ بهذه النسبة كلُّها كبائر، وعلى هذا النحو يخرَّج كلام القاضي أبي بكر بن الطيِّب(٥)، والأستاذٍ أبي إسحاقَ الإسفرايني، وأبي المعالي(٦)، وأبي نصرِ عبدِ الرحيم القُشَيريِّ، وغيرهم؛ قالوا: وإنما يُقال (١) في (د): فأكبَّ الناس على وجوههم؛ كلُّ رجل منا ... (٢) في صحيح ابن حبان: لتصطفق. (٣) في (ظ): لو كان قطعياً. (٤) المحرر الوجيز ٢/ ٤٤ . (٥) كلامه في المحرر الوجيز ٢/ ٤٤ . (٦) الإرشاد ص٣٢٨ . ٢٦٣ سورة النساء: الآية ٣١ لبعضها: صغيرة؛ بالإضافة إلى ما هو أكبرُ منها، كما يُقال: الزنى صغيرةٌ بإضافته إلى الكفر، والقُبْلةُ المحرَّمة صغيرةٌ بالنسبة إلى الزنى، ولا ذنبَ عندنا يُغْفَر باجتناب ذنبٍ آخرَ، بل كلُّ ذلك كبيرةٌ، ومرتكبُه في المشيئة، غيرَ الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِّرُ أَن يُشْرَكَ بِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَآءُ﴾. واحتجُّوا بقراءةٍ مَن قرأ: ((إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبِيرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ))(١) على التوحيد، وكبيرُ الإثم: الشركُ. قالوا: وعلى الجمع؛ فالمراد أجناسُ الكفر. والآية التي قيَّدت الحكم - فتُردُّ إليها هذه المطلَقاتُ كلُّها - قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]. واحتجُوا بما رواه مُسلم وغيرُهُ(٢) عن أبي أمامةً، أنَّ رسول الله :﴿ قال: ((مَنِ اقتطَعَ حقَّ امرئٍ مسلم بيمينه، فقد أوجَب الله له النارَ، وحرَّم عليه الجنة)) فقال له رجل: يا رسول الله، وإنْ كان شيئاً يسيراً؟ قال: ((وإنْ كان قضيباً من أَرَاكٍ)). فقد جاء الوعيد الشديد على اليسير؛ كما جاء على الكثير. وقال ابن عباس: الكبيرةُ كلُّ ذنب ختَمه الله بنارٍ، أو غضبٍ، أو لعنةٍ، أو عذاب(٣). وقال ابن مسعود: الكبائرُ ما نَهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاثٍ وثلاثين آيةً، وتصديقُه قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوَّنَ عَنْهُ﴾ (٤). وقال طاوس: قيل لابن عباس: الكبائر سبعٌ؟ قال: هي إلى السبعين أقربُ(٥). (١) القراءات الشاذة ص٢٥ عن سعيد بن جبير ومجاهد. (٢) صحيح مسلم (١٣٧)، وهو عند أحمد (٢٢٢٣٩). (٣) أخرجه الطبري ٦/ ٦٥٢ . (٤) أخرجه البزار في مسنده (١٥٣٢)، والطبري ٦٤١/٦ - ٦٤٢، والطحاوي في شرح مشكل الآثار ٣٥٤/٢، وجاء في جميع الروايات: إلى ثلاثين آية، بدل: إلى ثلاث وثلاثين. (٥) أخرجه عبد الرزاق (١٩٧٠٢)، والطبري ٦ / ٦٥١ . ٢٦٤ سورة النساء: الآية ٣١ وقال سعيد بن جُبير: قال رجلٌ لابن عباس: الكبائر سبعٌ؟ قال: هي إلى السبع مئة أقربُ منها إلى سبع؛ غير أنه لا كبيرةً مع استغفار، ولا صغيرةً مع إصرار (١). وروي عن ابن مسعود أنه قال: الكبائر أربعةٌ: اليأس(٢) من رَوْح الله، والقُنوط من رحمة الله، والأمنُ من مَكْر الله، والشِّركُ بالله. دلَّ عليها القرآن(٣). وروي عن ابن عمر: هي تسعٌ: قتلُ النفس، وأكْلُ الربا، وأْلُ مال اليتيم، ورَمْيُ المُحصَنةِ (٤)، وشهادةُ الزُّور، وعقوقُ الوالدين، والفِرارُ من الزَّحْف، والسِّحُرُ، والإلحادُ في البيت الحرام(٥). ومن الكبائر عند العلماء: القِمارُ، والسرقة، وشرب الخمر، وسَبُّ السلف الصالح، وعدولُ الحكّام عن الحق، واتِباع الهوى، واليمينُ الفاجرة، والقُنوطُ من رحمة الله، وسبُّ الإنسانِ أبويه - بأنْ يسُبَّ رجلاً، فَيَسُبَّ ذلك الرجلُ أبويه - والسعيُّ في الأرض فساداً، إلى غير ذلك مما يكثرُ تَعدادُه حَسْبَ ما جاء بيانُها في القرآن، (١) أخرجه الطبري ٦ / ٦٥١ . (٢) في (خ) و(ظ): الإياس، وهما بمعنى. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٩٧٠٢)، والطبري ٦٤٨/٦ - ٦٤٩ . (٤) في (خ): المحصنات. (٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٨)، والطبري ٦/ ٦٤٦ - ٦٤٧ عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفاً. ورفعه البغوي في الجعديات (٣٣٣٩)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد ٧٩/٥ . وللرواية : الموقوفة حكم المرفوع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي. وأخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٤٧) عن ابن عمر مرفوعاً، فذكر سبعاً، لم يذكر السحر، ولا الإلحاد في البيت الحرام. وأخرجه أبو داود (٢٨٧٥) عن عمير بن قتادة ( مرفوعاً، فذكر تسعاً مثل حديث ابن عمر. وفي هذه الروايات جميعاً ذكر الشرك بالله بدل: شهادة الزور. وللحديث شواهد، فقد أخرج البخاري (٢٧٦٦) ومسلم (٨٩) عن أبي هريرة أن رسول الله # قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) فذكرها كما في حديث ابن عمر، دون ذكر شهادة الزور، والإلحاد في البيت الحرام. وأما شهادة الزور؛ فقد وردت في حديث أبي بكرة ﴾ عند البخاري (٢٦٥٤)، ومسلم (٨٧). ٢٦٥ سورة النساء: الآية ٣١ وفي أحاديثَ خرَّجها الأئمة، وقد ذكر مسلم في كتاب الإيمان(١) منها جملةً وافرة. وقد اختلف الناس في تَعدادها وحَصْرِها، لاختلاف الآثار فيها. والذي أقول: إنه قد جاءت فيها أحاديثُ كثيرةٌ صِحاحٌ وحِسانٌ، لم يُقصد بها الحصرُ، ولكنَّ بعضَها أكبر من بعض بالنسبة إلى ما يَكثرُ ضررُه: فالشرك أكبرُ ذلك كلِّه، وهو الذي لا يُغفَر؛ لنصِّ الله تعالى على ذلك. وبعده: اليأسُ(٢) من رحمة الله؛ لأنَّ فيه تكذيبَ القرآن؛ إذ يقول وقولُه الحقُّ : ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وهو يقول: لا يُغفَر له، فقد حجَّر واسعاً. هذا إذا كان معتقِداً لذلك؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَُّ لَا يَأيْتَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. وبعده: القُنوطُ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الشََّلُونَ﴾ [الحجر: ٥٦]. وبعدَه: الأمنُ من مَكْر الله، فيسترسل في المعاصي، ويتّكِل على رحمة الله من غير عمل؛ قال الله تعالى: ﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ الَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اُلْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، وقال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ◌َتْكُرُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَيَّكُمْ أَرْدَكُتْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]. وبعده: القتلُ؛ لأنَّ فيه إذهابَ(٣) النفوس وإعدامَ الوجود، واللِّواطُ فيه قطعُ النَّسْل، والزنى فيه اختلاطُ الأنساب بالمياه، والخَمرُ فيه ذهابُ العقل الذي هو مَناطُ التكليف، وتركُ الصلاة والأذان فيه تركُ إظهار شعائر(٤) الإسلام، وشهادةُ الزُّور فيها استباحةُ الدماء والفُروج والأموال، إلى غير ذلك مما هو بيِّنُ الضرر، فكلُّ ذنب عظّمَ (١) صحيح مسلم الأحاديث (٨٧) و(٨٨) و(٨٩) و(٩٠). (٢) في (خ) و(ظ): الإياس، وهما بمعنى. (٣) في (خ) و(ظ): ذهاب. (٤) في (خ) و(د): شعار. ٢٦٦ سورة النساء: الآية ٣١ الشرع التوعُدَ عليه بالعقاب وشدَّده، أو عظّم ضررَه في الوجود - كما ذكرنا - فهو كبيرةٌ، وما عَدَاه صغيرة. فهذا يربط لك هذا البابَ ويضبطه، والله أعلم(١). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ قرأ أبو عمرو وأكثرُ الكوفيين: ((مُدخلاً)) بضمِّ الميم، فيحتمل أنْ يكون مصدراً، أي: إدخالاً، والمفعولُ محذوفٌ، أي: ونُدخلكم الجنةَ إدخالاً. ويحتمل أنْ يكون بمعنى المكان، فيكون مفعولاً. وقرأ أهلُ المدينة بفتح الميم (٢)، فيجوز أنْ يكون مصدرَ دخل، وهو منصوبٌ بإضمار فعلٍ، التقدير: ونُدخلكم فتدخلون مَدخلاً، ودلَّ الكلام عليه. ويجوز أنْ يكون اسمَ مكان، فينتصب على أنه مفعولٌ به، أي: ونُدخلكم مكاناً كريماً وهو الجنة(٣). وقال أبو سعيد بن الأعرابيّ: سمعت أبا داودَ السِّجِسْتانيَّ يقول: سمعتُ أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: المسلمون كلُّهم في الجنة، فقلت له: وكيف؟ قال: يقول الله عز وجل: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَتُدِْذْكُم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ يعني الجنةَ. وقال النبيُّ ﴾: ((اذَّخرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أمَّتي))(٤). فإذا كان الله عزَّ وجلَّ يغفر ما دون الكبائر، والنبيُّ # يشفع في الكبائر، فأيُّ ذنبٍ يبقى على المسلمين؟. قال علماؤنا: الكبائر عند أهل السُّنَّة تُغفَر لمَنْ أقلع عنها قبل الموت حَسْبَ ما (١) قال أبو العباس في المفهم ١/ ٢٨٤: كلُّ ذنب أطلق عليه الشرع أنه كبير أو عظيم، أو أخبر بشدة العقاب عليه، أو علّق عليه حدّاً، أو شدد النكير عليه وغلّظه، وشهد بذلك كتاب الله، أو سنَّةٌ، أو إجماع، فهو كبيرة. (٢) قرأ نافع بفتح الميم هنا وفي الحج (الآية: ٥٩)، والباقون بضمها. السبعة ص٢٣٢، والتيسير ص ٩٥ . (٣) ينظر الحجة للفارسي ١٥٣/٣-١٥٤، والكشف عن وجوه القراءات ٣٨٦/١-٣٨٧ . (٤) أخرجه أبو يعلى: (٥٨١٣) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وأخرجه أحمد (١٣٢٢٢)، وأبو داود (٤٧٣٩)، والترمذي (٢٤٣٥) من حديث أنس ﴾ دون قوله: ((ادخرت)). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وفي الباب عن جابر عند ابن ماجه (٤٣١٠) والترمذي (٢٤٣٦)، وعن ابن عباس عند الطبراني في المعجم الكبير (١١٤٥٤). ٢٦٧ سورة النساء: الآيتان ٣١- ٣٢ تقدَّم. وقد يُغفَر لمن مات عليها من المسلمين، كما قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَآءُ﴾. والمرادُ بذلك مَن مات على الذنوب، فلو كان المرادُ مَن تاب قبل الموت، لم يكن للتفرقة بين الإشراك وغيره معنىً؛ إذ التائبُ من الشرك أيضاً مغفورٌ له. ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: خمسُ آيات من سورة النساء هي أَحَبُّ إليَّ من الدنيا جميعاً: قوله تعالى: ﴿إِن تَّجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا ثُنْهَوْنَ عَنّهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ﴾ الآية [٤٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية [١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا﴾ [٤٠]، وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالَّهِ وَرُسُلِهِ﴾(١) الآية [١٥٢]. وقال ابن عباس: ثمان آياتٍ في سورة النساء، هنَّ خيرٌ لهذه الأمة مما طلعتَ عليه الشمس وغرَبت: ﴿يُرِدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [٢٦]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [٢٧]، ﴿يُرِدُ اَللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [٢٨]، ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُنْهَوَنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [٤٨]، ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [٤٠]، ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [١١٠]، ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ الآية [١٤٧](٢). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضَّ لِلْرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا أَكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِمَّا أَكْفَسَبْنَّ وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا فيه أربعُ مسائل: (١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١٥٥/١، وفي إسناده رجل لم يسمَّ، وأخرجه بنحوه الطبراني في الكبير (٩٠٩٦)، والحاكم ٣٠٥/٢ من طريق معن بن عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه، عن جده. قال الحاكم: هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك. (٢) أخرجه الطبري ٦ / ٦٦٠ - ٦٦١، وفيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [١٥٢] بدل: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾. ٢٦٨ سورة النساء: الآية ٣٢ الأولى: روى الترمذيُّ عن أمِّ سَلَمةَ أنها قالت: يغزو الرجالُ ولا يغزو النساءُ، وإنما لنا نصفُ الميراث؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَثَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ﴾. قال مجاهد: وأَنزل فيها: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وكانت أُمُّ سلمة أوَّلَ ظَعِينةٍ قَدِمت المدينةَ مهاجرة. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ مرسَل، ورواه بعضهم عن ابن أبي نَجيحِ، عن مجاهد، مُرسَلٌ، أنَّ أمّ سلمة قالت: كذا [وكذا](١). وقال قتادةُ: كان [أهل] الجاهلية لا يورِّثون النساءَ ولا الصِّبيان؛ فلما وُرِّنوا وجُعل للذَّكَر مِثْلُ حظّ الأُنثيين، تمثَى النساءُ أن لو جُعل (٢) أنصباؤهنَّ كأنصباء الرجال. وقال الرجال: إنا لَنرجو أن نُفضَّلَ على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فُضِّلنا عليهنَّ في الميراث؛ فنزلت: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْأَ مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْاْ﴾ التمنِّي: نوعٌ من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهُّف نوعٌ منها يتعلق بالماضي؛ فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمنِّي؛ لأن فيه تعلُّقَ البالِ ونسيانَ الأجل (٤). وقد اختلف العلماء: هل يدخل في هذا النهيِ الغِبْطَةُ، وهي: أن يتمنَّى الرجلُ أن يكونَ له حالُ(٥) صاحبِه وإن لم يتمنَّ زوالَ حاله. والجمهورُ على إجازة ذلك: مالكٌ وغيره، وهي المرادُ عند بعضِهم في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا حسدَ إلَّا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآنَ، فهو يقومُ به آناء الليلِ وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله (١) سنن الترمذي (٣٠٢٢)، وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٢٦٧٣٦) دون قول مجاهد. ويعني بالإرسال هنا الانقطاع في الإسناد بين مجاهد وأمِّ سلمة. (٢) في (خ): حصل. (٣) أخرجه الطبري ٦/ ٦٦٧ - ٦٦٨، وما سلف بين حاصرتين منه، وذكره بنحوه الواحدي في أسباب النزول ص ١٤٣ . (٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤١٢ . (٥) في (ظ): مال. ٢٦٩ سورة النساء: الآية ٣٢ مالاً، فهو يُنفِقُه آناء الليلِ وآناء النهار))(١). فمعنى قولِه: ((لا حسَدَ)) أي: لا غِبطةً أعظمُ وأفضلُ من الغِبطة في هذين الأمرين. وقد نبّه البخاريُّ على هذا المعنى حيث بوَّب على هذا الحديثِ: بابُ الاغتباطِ في العلم والحكمة(٢). قال المهلَّب: بَيَّن الله تعالى في هذه الآيةِ ما لا يجوز تَمنِیه، وذلك ما كان مِن عَرَض الدنيا وأشباهها. قال ابنُ عطيّة(٣): وأما التمنِّي في الأعمال الصالحة، فذلك هو الحسن، وأما إذا تمنَّى المرءُ على الله من غير أن يَقرِن أُمنَّته بشيءٍ مما قدَّمنا ذِكرَه، فذلك جائز، وذلك موجودٌ في حديث النبيِّ# في قوله: ((وَدِدتُ أن أُقتلَ في سبيل الله، ثم أحْيَا فأُقتل))(٤). قلت: هذا الحديثُ هو الذي صدَّر به البخارِيُّ كتابَ التمنِّي في صحيحه(٥)، وهو يدلُّ على تمنّي الخيرِ وأفعالِ البِرِّ، والرغبةِ فيها، وفيه فضلُ الشهادة على سائر أعمالِ البرّ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام تمَّاها دون غيرها، وذلك لرفيع منزلتها وكرامةٍ أهلها، فرزقه الله إياها؛ لقوله: ((ما زالت أُكْلَةُ خَيْبَرَ تُعادُّني، الآن أَوانُ(٦) قَطعَتْ أَبْهَرِي (٧)). (١) أخرجه أحمد (٤٥٥٠)، والبخاري (٧٥٢٩)، ومسلم (٨١٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٢) فتح الباري ١/ ١٦٥، والكلام في المفهم ٤٤٥/٢ - ٤٤٦. (٣) في المحرر الوجيز ٤٥/٢ . (٤) في النسخ: وددت أن أحيا ثم أقتل، والمثبت من المحرر الوجيز، وهو قطعة من حديث أبي هريرة ﴾ أخرجه أحمد (٩٤٨٠)، والبخاري (٣٦)، ومسلم (١٨٧٦). (٥) فتح الباري ١٣/ ٢١٧ . (٦) في (ظ): إلى أن، بدل: الآن أوان. (٧) أخرجه بنحوه البخاري (٤٤٢٨) من حديث عائشة رضي الله عنها. قوله: أُكْلَة، بضم الهمزة، أي: اللقمة التي أكل من الشاة، وبعض الرواة يفتح الألف، وهو خطأ؛ لأنه لم يأكل منها إلا لقمة واحدة. وقوله: تُعادُّني، أي: تراجعني ويعاودني ألم سُمِّها في أوقات معلومة. والأبْهَر: عرق في الظهر، وهما أبهران. وقيل: هو عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق معه حياة. النهاية (أبهر، أكل، عدد) وفي المعجم الوسيط: الأبهران: الوريدان، يحملان الدم من جميع أوردة الجسم إلى الأذين الأيمن من القلب. ٢٧٠ سورة النساء: الآية ٣٢ وفي الصحيح: ((إنَّ الشهيدَ يقال له: تمنَّ، فيقول: أتمنَّى أن أرجعَ إلى الدنيا حتى أُقتَلَ في سبيلك مرةً أخرى))(١). وكان رسول اللـه * يتمنَّى إيمانَ أبي طالبٍ وأبي لهبٍ(٢) وصناديد قريشٍ، مع علمه بأنه لا يكون. وكان يقول: ((واشَوْقَاهُ إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي، يؤمنون بي ولم يَرَوْني))(٣). وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ التمنِّيَ لا يُنهى عنه إذا لم يكن داعيةً (٤) إلى الحسد والتباغُض، والتمنِّي المنهيُّ عنه في الآية من هذا القبيل(٥)، فيدخل فيه أن يتمنَّى الرجلُ حال الآخَرِ من دِينٍ أو دنيا على أن يَذهبَ ما عند الآخَر، وسواءٌ تمنيَّتَ مع ذلك أن يعودَ إليك أوْ لا. وهذا هو الحسدُ بعينه، وهو الذي ذمَّه الله تعالى بقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِمْ﴾ [النساء: ٥٤]. ويدخل فيه أيضاً خِطبةُ الرجل على خطبة أخيه، وبيعُه على بيعه؛ لأنه داعيةُ الحسدِ والمَقْت. وقد كره بعض العلماء الغِبْطةَ، وأنها داخلةٌ في النهي، والصحيحُ جوازُها على ما بيَّنَّا(٦)، وبالله توفيقنا. قال الضحاك: لا يحِلُّ لأحد أن يتمنَّى مالَ أحد، ألم تسمع الذين قالوا: ﴿يَلَيْتَ (١) أخرجه أحمد (١٢٣٤٢) من حديث أنس ﴾، وفيه: ((عشر مرات)) بدل: ((مرة أخرى))، وأخرجه بنحوه البخاري (٢٧٩٥)، ومسلم (١٨٧٧). (٢) في (م): وإيمان أبي لهب. (٣) أورده بهذا اللفظ الكيا الطبري في أحكام القرآن ٢/ ٤٤٤، وأخرجه بنحوه أحمد (١٢٥٧٩) من حديث أنس ﴾، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٧٣٩٣)، ومسلم (٢٤٩). (٤) في (ظ): داعياً. (٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٤٤٤ . (٦) ينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٤٣/٢ - ٤٤٤، والمحرر الوجيز ٤٤/٢، قال الكيا: فإن الواحد منا يتمنى أن يكون إماماً وسيداً في الدين والدنيا، ولا نهي عنه، وإن علم قطعاً أنه لا يكون. ٢٧١ سورة النساء: الآية ٣٢ لَنَا مِثْلَ مَا أُوقِي قَرُونُ﴾ [القصص: ٧٩] إلى أن قال: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ حِين خُسِف به وبداره وبأمواله ﴿لَوْلًا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾. [القصص: ٨٢]. وقال الكلبيُّ: لا يَتَمَنَّ الرجلُ مالَ أخيه ولا امرأتَه ولا خادمَه ولا دابتَّه، ولكن لِيَقُل: اللهمَّ ارزقني مثلَه. وهو كذلك في التوراة، وكذلك قولُه في القرآن: ﴿وَسَعَلُوا اُللَّهَ مِن فَضْلٍّ:﴾(١). وقال ابن عباس: نَهى الله سبحانه أن يتمنَّى الرجلُ مالَ فلانٍ وأهله، وأَمر عبادَه المؤمنين أن يسألوه من فضله (٢). ومن الحجة للجمهور قولُه#: ((إنما الدنيا لأربعةِ نَفَرٍ: رجل آتاه الله مالاً وعلماً، فهو يثَّقي فيه ربَّه، ويَصِلُ به(٣) رَحِمَه، ويعلَم لله فيه حقّاً، فهذا بأفضلٍ المنازل، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤتِه مالاً، فهو صادقُ النّيَّةِ يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملتُ فيه بعَمَلٍ فلانٍ، فهو بنيَّته، فأجرُهما سواء ... )) الحديثَ، وقد تقدَّم(٤). خرّجه الترمذي وصححه(٥). وقال الحسن: لا يَتمِنَّ أحدُكم المالَ، وما يُدريه لعلَّ هلاكَه فيه. وهذا إنما يصحُ إذا تمنَّاه للدنيا، وأما إذا تمنَّاه للخير؛ فقد جوزَّه الشرع، فيتمنَّاه العبدُ ليصِلَ به إلى الرَّبّ، ويفعلُ الله ما يشاء(٦). الثالثة: قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا أَكْتَسَبُوا﴾ يريد من الثواب والعقاب، (١) تفسير البغوي ٤٢١/١ . (٢) أخرجه الطبري ٦/ ٦٦٤ . (٣) في (خ) و (د): فيه. (٤) ٥/ ٣٣١ . (٥) برقم (٢٣٢٥) من حديث أبي كبشة الأنماري. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٤١٣ . ٢٧٢ سورة النساء: الآية ٣٢ ﴿وَلِسَآءِ﴾ كذلك. قاله قتادة. فللمرأة الجزاءُ على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال. وقال ابن عباس: المرادُ بذلك الميراث(١). والاكتسابُ على هذا القولِ بمعنى الإصابة، للذَّكَر مثلُ حظّ الأنثيين، فنهى الله عزَّ وجلَّ عن التمنِّي على هذا الوجه لِمَا فيه من دواعي الحسد؛ ولأن الله تعالى أعلمُ بمصالحهم منهم، فوضعَ القِسْمةَ بينهم على التفاوت على ما عَلِم من مصالحهم (٢). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾﴾ روى الترمذيُّ عن عبدالله قال: قال رسول الله﴾: ((سَلُوا اللهَ من فضله، فإنه يُحبُّ أن يُسألَ، وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفَرَج)»(٣) وخرَّج أيضاً وابنُ ماجه(٤) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﴾: ((مَنْ لم يسأل الله يغضبْ علیه»(٥). وهذا يدلُّ على أنَّ الأمر بالسؤال لله تعالى واجب، وقد أخذ بعضُ العلماء هذا المعنی فنظمه فقال: اللهُ يغضَبُ إنْ تركتَ سؤالَه ويُنيُّ آدَمَ حين يُسألُ يَغضبُ(٦) وقال أحمد بنُ المعذَّلِ أبو الفضل الفقيهُ المالكي(٧) فأحسن: (١) أخرج الأثرين الطبري ٦/ ٦٦٧ - ٦٦٨، وينظر زاد المسير ٢/ ٧٠ . (٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٤٣/٢ . (٣) سنن الترمذي (٣٥٧١)، وأخرجه أيضاً ابن عدي في الكامل ٦٦٥/٢ وقال: هذا الحديث لا أعلم يرويه بهذا الإسناد غير حماد بن واقد عن إسرائيل عن أبي إسحاق ... وحماد بن واقد عامة ما يرويه مما لا يتابعه الثقات عليه. وقال الترمذي: حماد بن واقد ليس بالحافظ، وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي #، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح. وقال العجلوني في كشف الخفاء ٥٥٨/١: قال العراقي: ضعيف، وحسنه الحافظ ابن حجر .. (٤) في (د) و(ز) و(م): وخرج أيضاً ابن ماجه، والمثبت من (خ) و(ظ). (٥) سنن الترمذي (٣٣٧٣)، وسنن ابن ماجه (٢٨٢٧)، وهو عند ابن ماجه بلفظ: ((مَن لم يدعُ ... )) وقد سلف ١/ ١٦٢ . (٦) تقدم ١/ ١٦٣. (٧) البَصْري، شيخ محمد بن إسماعيل القاضي، تفقه بعبد الملك بن الماجشون ومحمد بن مسلمة،= ٢٧٣ سورة النساء: الآيتان ٣٢ - ٣٣ ما دُونَه إن سِيلَ مِن حاجِبٍ التمسِ الأرزاقَ عندَ الذي جُوداً ومَن يَرْضَى عن الطالبِ مَنْ يُبغِضُ التاركَ تْأَلَه(١) بغير تَوْقِيعٍ إلى كاتبٍ ومَنْ إذا قال جَرَى قولُه وقد أشبعنا القولَ في هذا المعنى في كتاب ((قمع الحِرصِ بالزهد والقناعة)). وقال سعيد بن جُبير: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلٍِّ=﴾ العبادة، ليس من أمر الدنيا(٢). وقيل: سَلُوه التوفيقَ للعمل بما يرضيه. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سَلُوا ربّكم حتى الشِّسْع(٣)، فإنه إن لم يُسِّره الله عزَّ وجلَّ لم يتيسَّر (٤). وقال سفيان بنُ عُبَيْنة: لم يأمر بالسؤال إلا ليعطِيَ (٥). وقرأ الكسائيُّ وابن كثير: ((وَسَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ)) بغير همزٍ في جميع القرآن. الباقون بالهمز: ﴿وَسْئَلُواْ اللَّهَ﴾(٦). وأصلُه بالهمز؛ إلا أنه حُذفت الهمزةُ للتخفيف. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْبُونَبُ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَقَاتُوُهُمْ نَصِيِبَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا فیه خمسُ مسائل : = صاحب تصانيف وفصاحة وبيان. السير ٥١٩/١١ . قال القاضي عياض في ترتيب المدارك ١/ ٤٧ : أحمد بن المعذَّل، كثير من يقوله بدال مهملة، وصوابه بمعجمة. ا. هـ. وأبياته في التمهيد ١١٠/٤، وترتيب المدارك ٥٥٤/٢ . (١) في (د): لسؤاله، وفي (ز) و(ظ): يسأله، وفي (م): تسأله والمثبت من (خ) وترتيب المدارك. (٢) أخرجه الطبري ٦٦٩/٦. قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٥/٢: قال الجمهور: ذلك على العموم، وهو الذي يقتضيه اللفظ. (٣) في النسخ: الشبع، والمثبت من مصادر التخريج وستأتي. والشِّسْع واحد شسوع النعل. (٤) أخرجه أحمد في الزهد ص ٢٥٢، وأبو يعلى (٤٥٦٠)، والبيهقي في الشعب (١١١٩). وفي الباب عن أنس ﴾ مرفوعاً: ((ليسأل أحدكُم ربَّه حاجته كلَّها، حتى شِسْعَ نعله إذا انقطع)). أخرجه ابن حبان (٨٩٤). (٥) تفسير البغوي ١/ ٤٢١ . (٦) السبعة ص٢٣٢، والتيسير ص ٩٥. ٢٧٤ سورة النساء: الآية ٣٣ الأولى: بَيَّن تعالى أنَّ لكل إنسان وَرَثَةً وَمواليَ؛ فَلْينتَفِعْ كلُّ واحدٍ(١) بما قسَم الله له من الميراث، ولا يتمنَّ مالَ غيره. روى البخارِيُّ(٢) في كتاب الفرائض من رواية سعيد بنٍ جُبير عن ابن عباس: ﴿وَلِكُلِّ جعلنا مواليَ ممَّا ترك الوالدان والأقربون والذين عاقَدَتْ أَيْمانُكم﴾ قال: كان المهاجرون حين قَدِموا المدينةَ يرتُ الأنصاريَّ المهاجِريُّ دون ذوي رَحِمِه؛ للأُخوَّة التي آخى رسولُ الله ﴿ بينَهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ قال: نسختها: ﴿والذين عاقَدَتْ أَيْمانُكم﴾. قال أبو الحسن بنُ بطَّال: وقع في جميع النسخ: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ قال: نسختها ﴿والذين عاقَدَتْ أَيْمانُكم﴾. والصوابُ أن الآية الناسخة: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ والمنسوخةَ: ﴿والذين عاقَدَتْ أَيْمانُكم﴾، وكذا رواه الطبريُّ في روايته(٣). ورُوي عن جمهور السلف أنَّ الآية الناسخة لقوله: ﴿والذين عاقَدَتْ أَيْمَانُكُم﴾ قولُه تعالى: في ((الأنفال)): ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَ بِبَعْضٍ﴾ [٧٥]. رُوي هذا عن ابن عباسٍ وفَتادةً والحسنِ البَصْريِّ؛ وهو الذي أثبته أبو عبيدٍ في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) له (٤). وفيها قولٌ آخَرُ رواه الزُّهْريُّ عن سعيد بن المسيِّب قال: أَمَر الله عزَّ وجلَّ الذين (١) في النسخ الخطية: أحد، والمثبت من (م). (٢) في صحيحه (٦٧٤٧). (٣) تفسير الطبري ٦٧٨/٦ . وذكر الحافظ في الفتح ٢٩/١٢ كلام ابن بطال وقال: وقد تقدم في الكفالة [صحيح البخاري (٢٢٩٢)] التفسيرُ من رواية الصلت بن محمد عن أبي أسامة مثل ما عزاه للطبري، فكان في عزوه إلى ما في البخاري أولى ... وقد أجاب ابن المنير في الحاشية فقال: الضمير في نسختها (يعني هاء الغائب) عائد على المؤاخاة لا على الآية، والضمير في نسختها وهو الفاعل المستتر يعود على قوله: ((ولكل جعلنا موالي))، وقولُه: ((والذين عاقدت أيمانكم)) بدلٌ من الضمير (يعني هاء الغائب) وأصل الكلام: لما نزلت ((ولكل جعلنا موالي)) نسخت ((والذين عاقدت أيمانكم)). وقال الكرماني: فاعلُ نسختها، آيةُ ((جعلنا))، ((والذين عاقدت)) منصوب بإضمار: أعني. (٤) ص٢٢٤، وأخرج فيه أثر ابن عباس (٤١٤)، وأخرجه عن ابن عباس وغيره الطبري ٦/ ٦٧٥ - ٦٧٧ . ٢٧٥ سورة النساء: الآية ٣٣ تَبَنَّوْا غيرَ أبنائهم في الجاهلية، وورثوا في الإسلام، أن يجعلوا لهم نصيباً في الوصية، وردَّ الميراثَ إلى ذَوِي الرَّحِم والعَصَبة (١). وقالت طائفة: قولُه تعالى: ﴿والذين عاقَدَت أَيْمانُكم﴾ مُحْكَمٌ وليس بمنسوخ؛ وإنما أمرَ الله المؤمنين أن يُعْطُوا الحلفاءَ أَنْصِباءَهم من النُّصرة والنصيحة وما أشبه ذلك؛ ذكره الطبريُّ عن ابن عباس(٢): ﴿وَاُلَّذِينَ عاقدت أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوُهُمْ تَصِيبَهُمّْ﴾ من النصرة والنصيحة والرِّفادة، ويُوصي لهم وقد ذهب الميراث. وهو قولُ مجاهدٍ والسدِّي(٣). قلت: واختاره النحاس، ورواه عن سعيد بن جبير(٤). ولا يصحُّ النسخ؛ فإن الجمع ممكنٌ كما بيَّنه ابنُ عباسٍ فيما ذكره الطبريُّ، ورواه البخاريُّ عنه في كتاب التفسير(٥). وسيأتي ميراثُ ذوي الأرحام في ((الأنفال)) (٦) إن شاء الله تعالى. الثانية: (كُلّ)) في كلام العرب معناها الإحاطةُ والعموم. فإذا جاءت مفرَدةً فلا بدَّ أن يكونَ في الكلام حذفٌ عند جميع النحويين، حتى إن بعضهم أجاز: مررتُ بكلُ ، مثل: قبلُ وبعدُ. وتقديرُ الحذف: ولكلِّ أحدٍ جعلنا موالي(٧)، يعني ورثة. ﴿والذين عاقَدَتْ أَيْمانُكم﴾ يعني بالحِلْف؛ عن قتادة: وذلك أنَّ الرجل كان يُعاقِد الرجلَ فيقول: دَمي دَمُك، وهَدْمي هَدْمُك، وثأري ثأرك، وحَرْبي حربُكَ، وسلمي سِلْمك، وتَرِثُني وأرِثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتَعْقِل عني وأعْقِل عنك؛ (١) أخرجه الطبري ٦/ ٦٨١ - ٦٨٢، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٣٦٣). (٢) تفسير الطبري ٦٧٩/٦، وهو في صحيح البخاري (٢٢٩٢) و(٤٥٨٠). (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٩١٩٨)، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٤١٢)، والطبري ٦٧٩/٦ عن مجاهد، وأخرجه الطبري ٦/ ٦٨١ عن السدي. (٤) الناسخ والمنسوخ ٢٠٥/٢ . (٥) تفسير الطبري ٦٧٩/٦، وصحيح البخاري (٤٥٨٠) وقد تقدم قريباً. (٦) الآية: ٧٥ ، المسألة السابعة. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٤٥١/١، والمحرر الوجيز ٤٦/٢. ٢٧٦ سورة النساء: الآية ٣٣ فيكون للحليف السُّدسُ من ميراث الحليف ثم نسخ(١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿مَوَلِىَ﴾ اعلم أنَّ المَوْلَى لفظٌ مشترك يُطلق على وجوه، فيُسَمَّى المُعْتِقُ مَوْلَّى، والمُعْتَقُ مَوْلَّى. ويقال: المَوْلَى الأسفلُ والأعلى أيضاً(٢). ويُسَمَّى الناصرُ: المَوْلَى، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَّوْلَ لَمُمْ﴾ [محمد: ١١]، ويسمى ابنُ العمِّ مَوْلَى، والجارُ مَوْلَى. فأما قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾ يريد عَصَبة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ما أبقت السِّهامُ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرَ))(٣). ومِن العَصَباتِ المَوْلَى الأعلى لا الأسفلُ، على قول أكثرِ العلماء؛ لأن المفهوم في حقِّ المعتِق أنه المُنْعِم على المُعْتَق، كالموجِد له؛ فاستَحقَّ ميراثَه لهذا المعنى. وحكى الطَّحَاوِيُّ عن الحسن بن زيادٍ أنَّ المولى الأسفلَ يرث من الأعلى، واحتجَّ فيه بما روي: أن رجلاً أعتق عبداً له، فمات المُعْتِقُ ولم يترك إلا المُعْتَقَ، فجعل رسولُ الله :﴿ ميراثَه للغلامِ المُعْتَقَ(٤). قال الطحاويُّ: ولا معارِضَ لهذا الحديث، فوجبَ القولُ به؛ ولأنه إذا أَمْگن إثباتُ الميراث للمعتِق على تقدير أنه كان كالموجِد له، فهو شبِيةٌ بالأب، والمولى (١) تفسير البغوي ١/ ٤٢١، وأخرجه عبد الرزاق (١٩١٩٧)، والطبري ٦٧٦/٦ - ٦٧٧ . قوله: هَذْمي هَدْمُك؛ الهَدْم - بسكون الدال وفتحها - إهدار دم القتيل، وبفتح الدال: القبر، ومنه قوله 8# في بيعة العقبة: ((بل الدمَ الدمَ، والهدمَ الهدمّ)) أي: إني أُقبر حيث تقبرون، وإن طُلب دمُكم، فقد طُلب دمي، وإن أُهدر دمُكم، فقد أُهدر دمي. ينظر النهاية (هدم) . (٢) المولى الأعلى هو المعتق، والمولى الأسفل هو العتيق. ينظر القوانين الفقهية لابن جُزّي ص٣٨٢ . (٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٤٥/٢، والحديث أخرجه أحمد (٢٦٥٧)، والبخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥) بلفظ: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر)). قال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير: قال الرافعي: وفي روايةٍ: ((فلأولى عصبة ذكر» قلت: وهي غريبة وإن ادعى الرافعي شهرتها. وقال الحافظ في التلخيص الحبير ٨١/٣: وهذا اللفظ تبع - أي الرافعي - فيه الغزالي، وهو تبع إمامه، وقد قال ابن الجوزي في التحقيق: إن هذه اللفظة لا تحفظ، وكذا قال المنذري، وقال ابن الصلاح: فيها بعد عن الصحة من حيث اللغة فضلاً عن الرواية، فإن العصبة في اللغة اسم للجمع لا للواحد. وقد سلف الحديث ص١١٨ من هذا الجزء بلفظ: (( ... فلأولى رجل ذكر». (٤) أخرجه الترمذي (٢١٠٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقال: حديث حسن. ٠ ٢٧٧ سورة النساء: الآية ٣٣ الأسفلُ شبيهٌ بالابن، وذلك يقتضي التسويةَ بينهما في الميراث، والأصلُ أنَّ الاتصال يَعم. وفي الخبر: ((مَوْلَى القومِ منهم)»(١). والذين خالفوا هذا - وهُم الجمهورُ - قالوا: الميراث يستدعي القرابةَ، ولا قرابة، غير أنَّا أثبتنا للمُعْتِقِ الميراثَ بحكم الإنعام على المُعْتَق، فيقتضي مقابلةَ الإنعام بالمجازاة، وذلك لا ينعكس في المَوْلَى الأسفل. وأما الابنُ فهو أوْلَى الناسِ بأن يكون خليفةَ أبيه وقائماً مقامه، وليس المعتَق صالحاً لأن يقومَ مقامَ معتِقه، وإنما المعتِقُ قد أَنعم عليه، فقابله الشرعُ بأن جعله أحقَّ بمولاه المُعْتَق، ولا يوجد هذا في المولى الأسفل، فظهر الفرقُ بينهما(٢) والله أعلم. الرابعة: قوله تعالى: ﴿والذين عاقَدَتْ أَيْمانُكم﴾ روى علي بنُ كَبْشةَ عن حمزة: ((عقَّدت)) بتشديد القاف على التكثير (٣). والمشهورُ عن حمزة: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ مخفَّفةَ القاف، وهي قراءةُ عاصمٍ والكسائي(٤)، وهي قراءةٌ بعيدة؛ لأن المعاقدةَ لا تكون إلا من اثنين فصاعداً، فبابُها فاعل. قال أبو جعفر النحاس(٥): وقراءة حمزة تجوز على غموضٍ من(٦) العربية، يكون التقدير فيها: والذين عَقَدتهم أيمانُكم الحِلْفَ، وتعدّى(٧) إلى مفعولين؛ وتقديره: عقدَتْ لهم أيمانُكم الحِلْفَ، ثم حُذفت اللامُ، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا (١) أخرجه أحمد (١٥٧٠٨) من حديث مهران مولى النبي #، وأخرجه البخاري (٦٧٦١) من حديث أنس ﴾ بلفظ: ((مولى القوم من أنفسهم)). (٢) المسألة الثالثة بتمامها في أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٤٥/٢ - ٤٤٦. (٣) المحرر الوجيز ٤٦/٢، وهي قراءة شاذة، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٦ لأم سعدا بنت سعد بن الربيع، ومبشر بن عبيد. (٤) السبعة ص ٢٣٣ ، والتيسير ص٩٦ . (٥) في إعراب القرآن ١/ ٤٥١ . (٦) في (م): في. (٧) في النسخ: تعدَّى، والمثبت من (م) وإعراب القرآن. ٢٧٨ سورة النساء: الآيتان ٣٣ - ٣٤ كَالُهُمْ﴾ [المطففون: ٣] أي: كَالُوا لهم. وحُذِف المفعولُ الثاني، كما يقال: كِلْتك، أي: كِلْتُ لك بُرّاً. وحُذِف المفعول الأوَّلُ؛ لأنه مثَّصلٌ في الصلة. الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ أي: قد شَهِد معاقدتكم إياهم، وهو عزَّ وجلَّ يُحِبُّ الوفاءِ(١). قوله تعالى: ﴿اَلِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمَّ فَلْضَلِحَتُ قَدِنَتُ حَفِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه وَِّ تَّخَافُونَ نُشُوزَهُرَ فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَارِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا نَبْغُواْ عَلَيْهِنَ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ٣٤ فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى: قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ابتداءٌ وخبر، أي: يقومون بالنفقة عليهنَّ والذَّبِّ عنهن؛ وأيضاً فإنَّ فيهم الحكامَ والأمراء ومَنْ يغزو، وليس ذلك في النساء. يقال: قَوَّامٌ وقَيِّم. والآية نزلت في سعد بنِ الربيع؛ نَشَزت عليه امرأته حبيبةُ بنت زيد بن أبي زهيرٍ (٢) فلطمها؛ فقال أبوها: يا رسول الله، أَفْرَشْتُه كريمتي فلطمها! فقال عليه الصلاة والسلام: ((لِتقْتَصَّ من زوجها)). فانصرفت مع أبيها لتقتصَّ منه، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ارجعوا، هذا جبريلُ أتاني)) فأنزل الله هذه الآية، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أَردنا أمْراً وأراد الله غيره)). وفي رواية أخرى: ((أردتُ شيئاً، وما أراد الله خيرٌ)). ونقضَ الحكمُ الأوَّل(٣). (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٥٢/١ . (٢) وقع في (م): حبيبة بنت زيد بن خارجة بن أبي زهير، وهو خطأ، وينظر الإصابة ٤/ ٥٤ . (٣) أسباب النزول للواحدي ص١٤٤ عن مقاتل، وأخرجه الطبري ٦٨٨/٦ عن الحسن مختصراً دون ذكر الأسماء. ٢٧٩ سورة النساء: الآية ٣٤ وقد قيل: إن في هذا الحكم المردود نزل: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُّةٌ﴾ [طه: ١١٤] (١)؛ ذكر إسماعيلُ بن إسحاق قال: حدَّثنا حجَّاج بنُ المِنهال وعارِمِ بنُ الفَضْل(٢) - واللفظ لحجاجٍ - قال: حدَّثنا جرير بنُ حازم قال: سمعتُ الحسن يقول: إنَّ امرأةً أتت النبيَّ لَ﴾، فقالت: إنَّ زَوْجي لطم وجهي، فقال: ((بينكما القصاصُ))، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىَ إِلَيْكَ وَحْيُّةٌ﴾، وأمسك النبيُّ ﴾ حتى نزل: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى الْنِسَآءِ﴾(٣). وقال أبو رَوْقٍ: نزلت في جميلة بنت عبدالله بن أُبيّ (٤) وفي زوجها ثابت بن قيس ابنِ شمَّاس. وقال الكلبي: نزلت في عُميرة بنتِ محمد بنِ مَسْلَمة وفي زوجها سعد بنٍ (٥) الربيع(٥). وقيل: سَبَبُها قولُ أمِّ سلمة المتقدم(٦)، ووجهُ النظم أنهنَّ تكلَّمن في تفضيل الرجال على النساء في الإرث، فنزلت: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْا﴾ الآية. ثم بيَّن تعالى أن تفضيلهم عليهنَّ في الإرث لِمَا على الرجال من المهر والإنفاق، ثم فائدةُ تفضيلهم عائدةٌ إلیھنَّ. (١) المحرر الوجيز ٢/ ٤٧ . (٢) هو محمد بن الفضل السدوسي، أبو النعمان البصري، وعارم لقب له. (٣) أحكام القرن لابن العربي ٤١٥/١، وأخرجه ابن أبي شيبة ٢٩٩/٩، والطبري ٦٨٩/٦ من طريق و کیع عن جرير به، وهو مرسل. (٤) في (م): جميلة بنت أُبَّ، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في العجاب في بيان الأسباب ٨٦٩/٢، وقد نقله الحافظ ابن حجر عن الثعلبي. وفي الاسم خلاف حكاه الحافظ في الإصابة ١٧٥/١٢ و١٨٠. (٥) ذكره الثعلبي في تفسيره كما في الإصابة ٥٩/١٣ وأورده البغوي ٤٢٢/١، ولكنه قال: حبيبة، بدل: عميرة. (٦) المحرر الوجيز ٤٧/٢، وقد تقدم قول أم سلمة ص٢٦٨ من هذا الجزء. ٢٨٠ سورة النساء: الآية ٣٤ ويقال: إن الرجال لهم فضيلةٌ في زيادة العقل والتدبير؛ فجُعِل لهم حقُّ القيام عليهنَّ لذلك. وقيل: للرجال زيادةُ قوَّةٍ في النفس والطبع ما ليس للنساء؛ لأن طبع الرجالِ غَلب عليه الحرارةُ واليبوسة، فيكون فيه قوةٌ وشِدَّة، وطبعُ النساء غلبَ عليه الرطوبةُ والبرودة، فيكون فيه معنى اللِّينِ والضَّعف، فجُعِل لهم حقُّ القيام عليهنَّ بذلك، وبقوله تعالى: ﴿وَيِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾(١). الثانية: ودلَّت هذه الآيةُ على تأديب الرجالِ نساءَهم، فإذا حفِظن حقوقَ الرجال؛ فلا ينبغي أن يُسِيءَ الرَّجلُ عِشْرَتها. و (قَوَّام)) فعَّال للمبالغة، من القيام على الشيء، والاستبدادِ بالنظر فيه، وحفظِه بالاجتهاد. فقيامُ الرجال على النساء هو على هذا الحد (٢)، وهو أن يقومَ بتدبيرها وتأدبيِها، وإمساكِها في بيتها، ومنعِها من البروز، وأنَّ عليها طاعتَه وقبولَ أمره ما لم تكن معصية(٣)؛ وتعليلُ ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل، والقوّة في أمر الجهادِ، والميراث، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد راعى بعضُهم في التفضيل اللِّخْيَةً! وليس بشيء؛ فإن اللُّخيّةَ قد تكون وليس معها شيءٌ مما ذكرنا. وقد مضى الردُّ على هذا في ((البقرة))(٤). الثالثة: فَهِم العلماءُ من قوله تعالى: ﴿وَيِمَا أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ أنه متى عجزَ عن نفقتها لم يكن قوَّاماً عليها، وإذا لم يكن قَوَّاماً عليها كان لها فسخُ العقد؛ لزوال المقصودِ الذي شُرع لأجله النكاح. وفيه دلالةٌ واضحةٌ من هذا الوجه على ثبوت فسخٍ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة(٥)؛ وهو مذهبُ مالك والشافعيِّ. وقال أبو (١) تفسير أبي الليث ٣٥٣/١. ومن قوله: ويقال إن الرجال لهم فضيلة ... لم يرد في هذا الموضع من (خ)، وإنما ورد أول المسألة، بعد قوله: وليس ذلك في النساء. (٢) المحرر الوجيز ٢/ ٤٧ . (٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٤٩/٢ . (٤) ٤ / ٥٣ . (٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٤٩/٢ .