النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سورة النساء: الآية ٢٤ أزواجهنَّ من المشركين، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ في ذلك: ﴿وَالْمُعْصَنَكُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيَْئُكُمْ﴾. أي: فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقضت عِدَّتُهنَّ. وهذا نصٌ صحيحٌ صريحٌ في أنَّ الآيةَ نزلت بسبب تحرُّج أصحابِ النبي ﴿ عن وَظْءِ المَسْبِيَّات ذواتِ الأزواج، فأنزلَ اللهُ تعالى في جوابهم: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾(١). وبه قال مالكٌ وأبو حنيفة وأصحابُه، والشافعيُّ وأحمدُ، وإسحاق وأبو ثَوْر، وهو الصحيح إن شاءَ اللهُ تعالى(٢). واختلفوا في استبرائها بماذا يكونُ، فقال الحسن: كان أصحابُ رسولِ الله ﴾ يَستبرئون المَسْبِيَّة بحيضة(٣)، وقد رُوي ذلك من حديث أبي سعيد الخُذرِيِّ في سبايا أوْطاس: ((لا تُوطأُ حاملٌ حتَّى تضعَ، ولا حائلٌ حتى تحيضَ)) (٤). ولم يَجعل لفراش الزوجِ السابق أثراً حتى يقالَ: إنَّ المسِيَّةَ مملوكةٌ، ولكنَّها كانت زوجةً زالَ نكاحُها، فتعتذُّ عِدَّةَ الإماءِ، على ما نُقلَ عن الحسن بن صالح؛ قال: عليها العِدَّةُ حيضتان إذا كان لها زوجٌ في دار الحرب. وكافةُ العلماءِ رأَوا استبراءَها واستبراءَ التي لا زوجَ لها واحداً، في أنَّ الجميع بحيضة واحدة (٥). والمشهورُ من مذهب مالك أنَّه لا فرقَ بين أنْ يُسْبَى الزوجان مجتمعَيْن أو متفرِّقين. ورَوى عنه ابنُ بكير أنَّهما إنْ سُبِيا جميعاً واسْتُبْقِيَ الرَّجلُ أُقِرًّا على نكاحهما، فرأى في هذه الرواية أنَّ استبقاءَه إبقاءٌ لما يملكُه؛ لأنَّه قد صار له عهدٌ، (١) المفهم ٤ / ١٩١. (٢) الاستذكار ٢٧٥/١٦ . (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٢٧٥٣). (٤) أخرجه أحمد (١١٢٢٨)، وأبو داود (٢١٥٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٧٠ عن علي، والدارقطني (٣٦٤٠) عن ابن عباس. قال ابن عبد البر في التمهيد ١٤٣/٣: والأحاديث عن النبي $ أنه قال: ((لا توطأ حامل حتى ... )) أحاديث حسان، وعليها جماعة أهل العلم في الوطء الطارئ بملك اليمين. اهـ. الحائل: كل أنثى لا تحبل. (٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٤٠٧، وينظر الإشراف ٣١٣/٤. ٢٠٢ سورة النساء: الآية ٢٤ وزوجتُه من جملة ما يَملكُه، فلا يحالُ بينه وبينها(١)، وهو قول أبي حنيفة والثَّوْرِيِّ، وبه قال ابن القاسم ورواه عن مالك(٢). والصحيح الأوّل؛ لما ذكرناه؛ ولأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ فأحال على مِلْك اليمين، وجعلَه هو المؤثِّرَ، فيتعلَّقُ الحكمُ به من حيثُ العمومُ والتعليلُ جميعاً، إلَّا ما خصَّه الدليلُ(٣). وفي الآية قولٌ ثانٍ قاله عبدالله بن مسعود، وسعيد بنُ المسيِّب، والحسن بنُ أبي الحسن، وأُبَيُّ بن كعب، وجابر بنُ عبدالله، وابنُ عباسٍ في رواية عِكرِمةَ: أَنَّ المرادَ بالآية: ذواتُ الأزواج، أي: فهنَّ حرامٌ، إلا أنْ يشتري الرجلُ الأَمَةَ ذاتَ الزوج، فإنَّ بيعَها طلاقُها، والصَّدقة بها طلاقُها، وأنْ تُورَثَ طلاقُها، وتطليق الزوجِ طلاقُها. قال ابن مسعود: فإذا بيعت الأمَةُ ولها زوجٌ فالمشتري أحقُّ ببُضْعِها(٤). وكذلك المَسْبِيَّة، كل ذلك موجبٌ للفُرقة بينها وبين زوجها. قالوا: وإذا كان كذلك، فلا بدَّ أنْ يكونَ بيعُ الأمَةِ طلاقاً لها؛ لأنَّ الفرجَ محرَّمٌ على اثنين في حال واحدةٍ بإجماع من المسلمين(٥). قلتُ: وهذا يردُّه حديثُ بَرِيرةَ؛ لأنَّ عائشةَ رضي الله عنها اشترت بَرِيرةَ وأعتقتها، ثم خيَّرها النبيُّ ﴾، وكانت ذاتَ زوج(٦)، وفي إجماعهم على أنَّ بريرةَ قد خُيِّرت تحت زوجها مُغِيث(٧) - بعد أن اشترتها عائشةُ فأعتقتها - دليلٌ على أنَّ بيع الأَمَة ليس طلاقَها، وعلى ذلك جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ من أهل الرأي والحديث، وألَّا (١) المفهم ٤ / ١٩٢. (٢) التمهيد ١٤٣/٣-١٤٤. (٣) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٤٠٧ . (٤) المحرر الوجيز ٣٥/٢، وأخرج أقوالهم عبد الرزاق (١٣١٦٨ - ١٣١٧٣)، والطبري ٦/ ٥٦٥ - ٥٦٨. (٥) الاستذكار ٢٧٥/١٦ . (٦) أخرجه أحمد (٢٥٣٦٦)، والبخاري (٢٥٣٦)، ومسلم (١٥٠٤). وقد سلف مقطَّعاً ٣١٨/٣ و٢٥/٥. (٧) مولى أبي أحمد بن جحش الأسدي، ثبت ذكره في صحيح البخاري. الإصابة ٩/ ٢٦٧ . وينظر صحيح البخاري (٥٢٨١). ٢٠٣ سورة النساء: الآية ٢٤ طلاقَ لها إلَّا الطلاقُ(١). وقد احتجَّ بعضُهم بعموم قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَشُكُمْ﴾، وقياساً على المَسْبِيَّات. وما ذكرناه من حديث بَريرةً يخصُّه ويردُّه، وأنَّ ذلك إنَّما هو خاصٌّ بالمَسْبِيَّات على حديث أبي سعيدٍ، وهو الصوابُ والحقُّ إن شاء الله تعالى. وفي الآية قولٌ ثالث: روى الثَّوْريُّ، عن حمَّاد(٢)، عن إبراهيم، قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَالْمُعْصَنَكُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ﴾ قال: ذواتُ الأزواج من المسلمين والمشركين. وقال علي بن أبي طالب: ذواتُ الأزواج من المشركين(٣). وفي الموظّأ(٤) عن سعيد بن المسيِّب: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾: هنَّ ذواتُ الأزواج. ويرجع ذلك إلى أنَّ الله حرَّم الزِّنى. وقالت طائفةٌ: المحصناتُ في هذه الآية يُراد به العفائفُ، أي: كلُّ النساء حرام. وألبسهنَّ اسمَ الإحصان؛ مَن كان منهنَّ ذاتَ زوجٍ أو غيرَ ذاتِ زوج، إذ الشرائعُ في أنفسها تقتضي ذلك(٥). ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَشُكُمْ﴾ قالوا: معناه: بنكاح أو شراء. هذا قولُ أبي العالية وعَبِيدةَ السَّلْمانيّ وطاوس وسعيد بن جُبير وعطاء، ورواه عَبيدةُ عن عمر(٦)، فأدخلوا النكاح تحت مِلك اليمين، ويكونُ معنى الآية عندهم في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ يعني تملكون عصمتَهنَّ بالنكاح، وتملكون الرقبة بالشراء، فكأنهنَّ كلَّهنَّ (١) ينظر الإشراف ١٢٣/٤ و٣٢٥. (٢) في (خ): روى الترمذي عن مجاهد، وفي باقي النسخ: روى الثوري عن مجاهد، وكلاهما خطأ، والمثبت هو الصواب، وحماد: هو ابن أبي سليمان. (٣) أخرج قول علي وقول ابن مسعود الطبري ٦/ ٢٧١ ، والطبراني في المعجم الكبير (٩٠٣٦) وذكرهما ابن عبد البر في الاستذكار ٢٧٦/١٦ -٢٧٧ . وأخرج ابن أبي شيبة ٢٦٦/٤ قول علي ﴾. (٤) ٢/ ٥٤١ . (٥) المحرر الوجيز ٣٥/٢. (٦) المحرر الوجيز ٣٥/٢، وأخرج أقوالهم الطبري ٥٦٨/٢ -٥٦٩ . ٢٠٤ سورة النساء: الآية ٢٤ مِلكُ يمينٍ، وما عدا ذلك فزِنىّ، وهذا قولٌ حسن(١). وقد قال ابن عباس: ((المحصناتُ)): العفائفُ من المسلمين ومن أهل الكتاب؛ قال ابن عطية (٢): وبهذا التأويلِ يرجعُ معنى الآية إلى تحريم الزِّنى. وأسند الطبريُّ(٣) أنَّ رجلاً قال لسعيد بن جبير: أما رأيتَ ابنَ عباس حين سُئل عن هذه الآية، فلم يقُل فيها شيئاً؟ فقال سعيد: كان ابن عباس لا يعلَمها. وأسند أيضاً عن مجاهد أنه قال: لو أعلمُ مَن يُفَسِّر لي هذه الآيةَ، لضربتُ إليه أكبادَ الإبل: قوله ﴿وَلْتُعْصَنَكُ﴾ إلى قوله ﴿حَكِيمًا﴾؛ قال ابن عطية: ولا أدري كيف نُسب هذا القولُ إلى ابن عباس، ولا كيف انتهى مجاهدٌ إلى هذا القول؟! الثالثة: قوله تعالى: ﴿كِتَبَ اللَِّ عَلَيْكُمْ﴾ نصبٌ على المصدر المؤكِّد، أي: حُرِّمت هذه النساء كتاباً من الله عليكم، ومعنى ((حُرِّمت عليكم)): كتبَ اللهُ عليكم. وقال الزَّجَّاج (٤) والكوفيون: هو نصبٌ على الإغْراء، أي: الزَموا كتابَ الله، أو: عليكم كتابَ الله. وفيه نظر؛ على ما ذكره أبو عليٍّ؛ فإنَّ الإغراءَ لا يجوز فيه تقديمُ المنصوب على حرف الإغراء، فلا يقال: زيداً عليك، أو زيداً دونك، بل يقالُ: عليك زيداً، ودونك عمراً(٥). وهذا الذي قاله صحيحٌ على أنْ يكون منصوباً بـ((عليكم))، وأما على تقدير حذفِ الفعل فيجوزُ . ويجوز الرفعُ على معنى: هذا كتابُ الله وفرضُه(٦). (١) وقد رده ابن العربي في أحكام القرآن ١/ ٣٨٣ فقال: يُعترض عليه بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَ أَزْفَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَدُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٦، والمعارج: ٣٠] فقد مَيَّز بينهما، ولم يطلق قطَّ أحد من أرباب الشريعة على الحرة في ملك النكاح بأنها ملك اليمين. (٢) المحرر الوجيز ٢/ ٣٥، وأثر ابن عباس المذكور أخرجه الطبري ٦/ ٥٧٠. (٣) في تفسيره ٦/ ٥٧٤، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٥/٢. (٤) معاني القرآن ٣٦/٢ - ٣٧ . (٥) ينظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٦٠، وتفسير الطبري ٧/ ٥٨٠، ومشكل إعراب القرآن ١٩٤/١. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٤٤٥/١ . ٢٠٥ سورة النساء: الآية ٢٤ وقرأ أبو حَيْوَةَ ومحمد بن السَّمَيْفَعِ: (كَتَبَ اللهُ عليكم)) على الفعل الماضي المسنَد إلى اسم الله تعالى(١)، والمعنى: كتبَ الله عليكم ما قصَّه من التَّحريم. وقال عَبيدةُ السَّلْمانيُّ وغيره: وقوله: ﴿كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ إشارةٌ إلى ما ثبتَ في القرآن من قوله تعالى: ﴿مَثْنَ وَثُلَثَ وَرُبَعٌ﴾. وفي هذا بُعْدٌ، والأظهرُ أنَّ قوله: ﴿كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ إنما هو إشارةٌ إلى التَّحريم الحاجز بين الناس وبين ما كانت العرب تفعلُه(٢). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ قرأ حمزةُ والكِسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ﴾ ردّاً على ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾. الباقون بالفتح رَدّاً على قوله تعالى: ﴿ كِنَبَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾(٣). وهذا يقتضي ألَّا يحرم من النساء إلا مَن ذُكر، وليس كذلك؛ فإن الله تعالى قد حرَّم على لسان نَبِّه مَن لم يذكر في الآية، فيُضمُّ إليها؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَاَ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]. روى مسلم وغيرُهُ(٤) عن أبي هريرةَ ﴾، أنَّ رسولَ الله لَ﴾ قال: ((لا يُجمعُ بينَ المرأةِ وعَمَّتِها، ولا بين المرأةِ وخالتِها)). وقال ابنُ شهاب: فتُرى خالةَ أبيها وعَمَّة أبيها بتلك المنزلة(٥). وقد قيل: إنَّ تحريم الجمع بين المرأة وعمَّتها وخالتها متلقَّى من الآية نفسِها؛ (١) المحرر الوجيز ٣٦/٢، وهي في القراءات الشاذة ص ٢٥، والمحتسب ١٨٥/١ منسوبة لابن السَّمَيْفَع اليماني فقط. (٢) المحرر الوجيز ٣٦/٢، وقول عبيدة أخرجه بنحوه الطبري ٦/ ٥٧٩. (٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٤٥/١ - ٤٤٦، والحجة للفارسي ١٥٠/٣، والكشف عن وجوه القراءات ٣٨٥/١، والسبعة ص٢٣١، والتيسير ص ٩٥ . (٤) صحيح مسلم (١٤٠٨): (٣٣)، وهو عند أحمد (٩٩٥٢)، والبخاري (٥١٠٩). (٥) أورده البخاري إثر الحديث السالف في الرواية (٥١١٠)، ومسلم (١٤٠٨): (٣٦). ٢٠٦ سورة النساء: الآية ٢٤ لأنَّ الله تعالى حرَّم الجمع بين الأختين، والجمعُ بين المرأة وعمَّتها في معنى الجمعِ بين الأختين، أو لأنَّ الخالةَ في معنى الوالدةِ، والعمَّةَ في معنى الوالد. والصحيحُ الأَول؛ لأنَّ الكتاب والسُّنةَ كالشيءِ الواحد، فكأنه قال: أحللتُ لكم ما وراء ما ذكرنا في الكتاب، وما وراء ما أكملتُ به البيانَ على لسان محمدٍ عليه الصلاة والسلام(١). وقولُ ابن شهاب: فتُرى خالةً أبيها وعمَّة أبيها بتلك المنزلة. إنما صار إلى ذلك لأنَّ حَمَلَ الخالةَ والعمَّةَ على العموم، وتمَّ له ذلك؛ لأنَّ العمة اسمٌ لكلِّ أنثى شاركت أباك في أَضْلَيْهِ، أو في أحدهما، والخالةُ كذلك(٢)، كما بيَّناه. وفي مصنَّف أبي داودَ وغيرِه عن أبي هريرةَ قال: قال رسول اللـه ﴾: ((لا تُنكَحُ المرأةُ على عَمَّتها، ولا العمَّةُ على بنتِ أخيها، ولا المرأةُ على خالتها، ولا الخالةُ على بنتِ أختها، ولا تُنْكَحُ الكبرى على الصُّغْرى، ولا الصُّغرى على الكبرى))(٣). وروى أبو داودَ أيضاً عن ابن عباس، عن النَّبِيِّ ﴾، أنَّه كَرِهِ أنْ يُجمعَ بين العمَّةِ والخالة، وبين العمَّتين والخالتين (٤). الرواية: ((لا يُجمعُ))(٥) برفع العين على الخبر عن (٦) المشروعية، فيتضمَّنُ النَّهيَ عن ذلك، وهذا الحديث مُجْمَعٌ على العمل به في تحريم الجمعِ بين مَن ذكر فيه (١) ينظر الاستذكار ١٦/ ١٧١ - ١٧٢. (٢) المفهم ٤/ ١٠٢ . (٣) سنن أبي داود (٢٠٦٥)، وأخرجه أحمد (٩٥٠٠)، والترمذي (١١٢٦) وقال: حسن صحيح، والصغرى بنت الأخ أو بنت الأخت، والكبرى هي العمة أو الخالة. ينظر المفهم ١٠٣/٤ . (٤) سنن أبي داود (٢٠٦٧)، وهو عند أحمد (١٨٧٨)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ١٨٢/٢ بلفظ: نهى، بدل: كره، قال المنذري في مختصر السنن ١٥/٣: في إسناده خُصَيف بن عبد الرحمن أبو عَوْن الحرَّاني، وقد ضعَّفه غير واحد من الحفاظ. (٥) يشير إلى حديث أبي هريرة عن النبي 98: ((لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا ... )) وقد سلف قريباً. (٦) في (د) و (ز) و(م): على، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لما في المفهم ١٠١/٤، والكلام منه. ٢٠٧ سورة النساء: الآية ٢٤ بالنكاح(١). وأجاز الخوارجُ الجمعَ بين الأختين، وبين المرأة وعمَّتها وخالتها، ولا يُعْتَدُّ بخلافهم؛ لأنَّهم مَرَفُوا من الدِّين، وخرجوا منه، ولأنَّهم مخالفون للسنَّة الثابتة(٢). وقوله: لا يُجمع بين العمَّتين والخالتين(٣). فقد أشكلَ على بعض أهل العلم وتحيَّ في معناه؛ حتى حَمَلَه على ما يَبعُدُ أو لا يجوزُ، فقال: معنى بين العمَّتين على المجاز، أي: بين العمَّةِ وبنتِ أخيها؛ فقيل لهما: عمَّتان، كما قيل: سُنَّةُ العُمَرَين أبي بكرٍ وعمرَ، قال: وبين الخالَتين مثلُه [قال: وفي الأول حذف، أي: بين العمة وبنتِ أخيها]. قال النَّحاسُ: وهذا من التعسُّف الذي لا يُكادُ يُسمعُ بمثله، وفيه أيضاً مع التعسُّف أنَّه يكون كلاماً مكرَّراً لغير فائدة؛ لأنَّه إذا كان المعنى: نَهى أن يُجمع بين العمَّة وبنتِ أخيها، وبين العمَّتين يعني به العمَّةَ وبنتَ أخيها، صار الكلام مكرَّراً لغير فائدة، وأيضاً فلو كان كما قال لوجب أن يكون: وبين الخالة، وليس كذلك الحديثُ؛ لأنَّ الحديث: نَهى أن يُجمع بين العمة والخالة. فالواجبُ على لفظ الحديث ألَّا يُجمع بين امرأتين إحداهما عمَّةُ الأخرى، والأخرى خالةُ الأخرى. قال النحاس: وهذا يخرَّجُ على معنىٍ صحيحٍ، يكون رجلٌ وابنُه تزوَّجا امرأةً وابنتها، تزوَّج الرجلُ البنت وتزوَّجَ الابنُ الأمَّ، فوُلد لكلِّ واحدٍ منهما ابنةٌ من هاتين الزوجتين، فابنةُ الأب عمةُ ابنةِ الابن، وابنةُ الابنِ خالةُ ابنةِ الأب. وأما الجمعُ بين الخالتين؛ فهذا يُوجبُ أنْ يكون امرأتان(٤) كلُّ واحدةٍ منهما (١) ينظر الإجماع ص ٨٠، والإشراف ٩٨/٤، والاستذكار ١٦٨/١٦. (٢) المفهم ١٠١/٤ - ١٠٢ . (٣) هو نفسه حديث ابن عباس الذي ذكره المصنف بلفظ: كره أن يجمع بين العمة والخالة ... ، والكلام في الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢/ ١٨٢، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في النسخ: أن يكونا امرأتين، والمثبت من الناسخ والمنسوخ ١٨٣/٢. ٢٠٨ سورة النساء: الآية ٢٤ خالةُ الأخرى، وذلك أن يكون رجلٌ تزوَّج ابنةَ رجلٍ، وتزوَّج الآخرُ ابنته، فوُلِد لكل واحد منهما ابنة، فابنةُ كلِّ واحدٍ منهما خالةُ الأخرى. وأما الجمعُ بين العمتين؛ فيوجب ألَّ يُجمع بين امرأتين كلُّ واحدةٍ منهما عمةُ الأخرى، وذلك أن يتزوّج رجلٌ أمَّ رجلٍ ويتزوَّجَ الآخَرُ أمَّ الآخر، فيولدُ لكلِّ واحدٍ منهما ابنةٌ، فابنةُ كلِّ واحدٍ منهما عمةُ الأخرى . فهذا ما حرَّمَ الله على لسان رسوله محمدٍ ﴿ مما ليس في القرآن. الخامسةُ: وإذا تقرَّرَ هذا؛ فقد عقدَ العلماء فيمن يحرُمُ الجمعُ بينهنَّ عقداً حسناً، فروى مُعْتَمِر بن سليمان، عن فُضَيل بن مَيْسَرة، عن أبي حَريزٍ (١)، عن الشعبيِّ قال: كلُّ امرأتين إذا جعلْتَ موضعَ إحداهما ذَكّراً لم يَجُزْ له أنْ يتزوج الأخرى، فالجمعُ بينهما باطل. فقلتُ له: عمَّن هذا؟ قال: عن أصحاب رسولِ الله ◌ِ﴾(٢). قال سفيان الثوري: تفسيرُه عندنا أن يكون من النسب، ولا يكونُ بمنزلَةِ امرأةٍ وابنةِ زوجها یجمعُ بينهما إن شاء. قال أبو عمر (٣): وهذا على مذهب مالك والشافعيِّ وأبي حنيفةَ والأوزاعيِّ، وسائرٍ فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرِهم، فيما علمتُ، لا يختلفون في هذا الأصل. وقد كرِه قومٌ من السَّلَفِ أن يَجمع الرجل بين ابنةِ رجلٍ وامرأتِه من أجل أنَّ إحداهما لو كانت ذكراً(٤) لم يَحِلَّ له نكاحُ الأخرى. والذي عليه العلماءُ أنَّه لا بأسَ بذلك، وأنَّ المُراعَى النَّسبُ دون غيرهٍ من المصاهرة. (١) هو عبد الله بن الحسين الأزدي، من رجال التهذيب، وتحرّف في النسخ إلى: أبي جرير. (٢) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢٨١/١٨ - ٢٨٢، والاستذكار ١٧٤/١٦، وأخرجه عبد الرزاق (١٠٧٦٨) بنحوه من طريق الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، وذكر بعده قول سفيان الآتي. (٣) التمهيد ٢٨٢/١٨. (٤) في النسخ: من أجل أن أحدهما لو كان ذكراً، والمثبت من التمهيد. ٢٠٩ سورة النساء: الآية ٢٤ ثم ورد في بعض الأخبار التَّنبيهُ على العلَّة في منع الجمع بين مَن ذُكر، وذلك ما يُفضي إليه الجمعُ من قطع الأرحام القريبة، ممَّا يقعُ بين الضَّرائر من الشَّنَآن والشُّرور بسبب الغَيْرَة؛ فروى ابن عباس قال: نَهى رسول الله ﴿ أن يتزوَّج الرجل المرأةً على العمة أو على الخالة، وقال: ((إنَّكم إذا فعلتُم ذلك؛ قطعتُم أرحامَكم)). ذكره أبو محمد الأَصِيليُّ في ((فوائده)) وابنُ عبد البر وغيرهما(١). ومن مراسيل أبي داودَ عن عيسى(٢) بن طلحةً قال: نَهى رسولُ الله ﴿ أن تُنكح المرأةُ على قَرابتها(٣) مخافةَ القطيعة. وقد طَرَد بعضُ السَّلَف هذه العلةَ، فمنَعَ الجمعَ بين المرأة وقريبتها، وسواءٌ كانت بنتَ عمِّ أو بنتَ عمة، أو بنتَ خالٍ أو بنتَ خالةٍ؛ رُويَ ذلك عن إسحاقَ بنِ طلْحةَ، وعكرمةَ وقَتادةَ، وعطاءٍ في رواية ابن أبي نجيح، ورَوى عنه ابنُ جُريج أنَّه لا بأسَ بذلك، وهو الصحيح (٤). وقد نكح حسنُ بن حسن(٥) بنِ عليٍّ في ليلةٍ واحدةٍ ابنةَ محمد بن عليٍّ، وابنةَ عمرَ بن عليٍّ، فجمَعَ بين ابنتي عمِّ. ذكره عبد الرزاق. زاد ابنُ عيينة: فأصبح نساؤهم لا يَدرِيْنَ إلى أيَّتِهِما يذهبن(٦). (١) المفهم ١٠٣/٤، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٧٧/١٨ - ٢٧٨، وابن حبان (٤١١٦) بلفظ: ((إنكنَّ إذا فعلتنَّ ذلك قطعتن أرحامكن)) وأخرجه بلفظ التذكير الطبراني (١١٩٣١). (٢) وقع في النسخ، والمفهم ١٠٣/٤ (وعنه نقل المصنف): حسين، والمثبت من مراسيل أبي داود (٢٠٨)، وهو كذلك في تحفة الأشراف ٣٣٠/١٣. (٣) في النسخ: أخواتها، والمثبت من المصادر. (٤) التمهيد ٢٨٠/١٨، وينظر الاستذكار ١٧٣/١٦. (٥) وقع في النسخ، والاستذكار ١٧٣/١٦، ومصنف عبد الرزاق (١٠٧٧٠): حسن بن حسين، وهو خطأ، والمثبت من التمهيد ٢٨٠/١٨ والكلام منه. والحسين ﴾ لم يكن له عَقِبٌ إلا من ابنه عليّ زين العابدين . ينظر جمهرة أنساب العرب ص٣٨، ٥٢ . والسير ٣٩٠/٤. وهو الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو محمد، وكان قليل الرواية والفتيا مع صدقه وجلالته، توفي سنة (٩٩هـ). السير ٤٨٣/٣ . (٦) أخرجه عبد الرزاق (١٠٧٧١). ٢١٠ سورة النساء: الآية ٢٤ وقد كرِه مالكٌ هذا، وليس بحرامٍ عنده. وفي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن ابنتي العمِّ أيُجمعُ بينهما؟ فقال: ما أعلمُه حراماً. قيل له: أفتكرهُه؟ قال: إنَّ ناساً ليتَّقونه. قال ابن القاسم: وهو حلالٌ لا بأسَ به(١). قال ابن المنذر(٢): لا أعلمُ أحداً أَبْطَلَ هذا النكاح، وهما داخلتان في جملة ما أُبيح بالنكاح، غيرَ خارجتين منه بكتاب ولا سنَّةٍ ولا إجماع، وكذلك الجمعُ بين ابنتي عمةٍ وابنتي خالة. وقال السُّدِّي في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾: يعني النِّكاحَ فيما دون الخَمس(٣). وقيل: المعنى: وأُحِلَّ لكم ما وراءَ ذواتِ المحارِم من أقربائكم. قَتادةُ: يعني بذلك مِلْكَ اليمين خاصةً(٤). السادسة: قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمَوَلِكُمْ﴾ لفظٌ يجمعُ التزوُّجَ والشراء. و((أنْ)) في موضع نصبٍ بدلٌ من (ما))، وعلى قراءة حمزةً(٥) في موضع رفعٍ. ويُحتملُ أن يكون المعنى: لِأنْ، أو بأنْ، فَتُحذفُ اللَّمُ أو الباء، فيكونُ في موضع نصبٍ(٦). و﴿مُحْصِنِينَ﴾ نصب على الحال، ومعناه: متعفِّفين عن الزِّنى. ﴿غَيْرَ مُسَفِحِينٌ﴾ أي: غيرَ زانين. والسِّفاح: الزنى، وهو مأخوذٌ من سَفْحِ الماءِ، أي: صبِّه وسَيَلانِهِ، ومنه قولُ النبيِّ # حين سمعَ الدفَافَ في عُرسِ: ((هذا النكاحُ، لا السِّفاحُ ولا نكاحُ السِّر))(٧). (١) التمهيد ٢٨٠/١٨. (٢) الإشراف ٤/ ١٠٠ . (٣) وقع في النسخ: فيما دون الفرج، وهو خطأ، والمثبت من النكت والعيون ١/ ٤٧٠، والكلام منه، والمحرر الوجيز ٣٦/٢، وأخرجه بنحوه الطبري ٦/ ٥٧٠ . (٤) أخرجه الطبري ٦/ ٥٨٢ . : (٥) أي: ((وأُحِلَّ))، وهي أيضاً قراءة الكسائي وعاصم في رواية حفص كما سلف في المسألة الرابعة. (٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٤٦/١، والمحرر الوجيز ٣٦/٢. (٧) المحرر الوجيز ٣٦/٢، وأخرجه مالك في المدونة ١٩٤/٢، وابن عدي ٧٦٨/٢، والبيهقي ٢٩٠/٧ من حديث علي ، وفي إسناده حسين بن عبدالله، قال فيه ابن عدي: ضعيف منكر الحديث. ٢١١ سورة النساء: الآية ٢٤ وقد قيل: إنَّ قوله ﴿قُحْصِنِينَ غَيّرَ مُسَفِحِينٌ﴾ يَحتملْ وجهين: أحدهما: ما ذكرناه، وهو الإحصانُ بعقد النكاح، تقديرُه: اطلبُوا منافعَ البُضْع بأموالكم على وجه النكاح، لا على وجْه السِّفاح، فيكونُ للآية على هذا الوجه عمومٌ. ويحتملُ أنْ يقال: ((محصِنِين)) أي: الإحصانُ صفةٌ لهنَّ، ومعناه: لِتُزوّجوهنَّ على شرط الإحصان فيهنَّ. والوجهُ الأوَّلُ أولى؛ لأنَّه متى أمكنَ جَرْيُ الآيةِ على عمومها والتعلُّق بمقتضاها، فهو أولى؛ ولأنَّ مقتضَى الوجه الثاني أنَّ المسافحات لا يَحِلُّ التزوُّجُ بهنّ، وذلك خلافُ الإجماع(١). السابعة: قوله تعالى: ﴿بِأَمْوَلِكُمْ﴾ أباح الله تعالى الفروجَ بالأموال ولم يفصِّل، فوجب إذا حصل بغير المال ألَّا تقعَ الإباحةُ به؛ لأنَّها على غير الشرطِ المأذون فيه، كما لو عقد على خمرٍ أو خنزيرٍ، أو ما لا يصِحُّ تمُّكُه(٢). ويردُّ على أحمدَ قوله في أنَّ العتقَ يكونُ صداقاً؛ لأنه ليس فيه تسليمُ مال، وإنَّما فيه إسقاطُ المِلْك من غيرِ أنِ استَّحقتْ به تسليمَ مالٍ إليها، فإنَّ الذي كان يملكه المَوْلَى مِن عبده(٣) لم ينتقل إليها، وإنما سقط. فإذا لم يُسلِّم الزَّوجُ إليها شيئاً، ولم تَستحقَّ عليه شيئاً، وإنَّما أتلف به ملكه، لم يكن مهراً. وهذا بيِّنٌ مع قولِه تعالى: ﴿وَءَاتُواْ النِّسَآءَ﴾، وذلك أمرٌ يقتضي الإيجاب، وإعطاءُ العتقِ لا يَصِحُ. وقولِه تعالى: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُ﴾ [النساء: ٤]، وذلك محالٌ في العتق. فلم يبقَ أنْ يكونَ الصَّداقُ إلَّا مالاً؛ لقوله تعالى: ((بأموالكم)). واختَلفَ مَن قال بذلك في قَدْرِ ذلك، فتعلَّقَ الشافعي بعموم قوله تعالى: ﴿ بِأَمَّوَلِكُمْ﴾ في جواز الصَّداق بقليلٍ وكثير(٤)، وهو الصحيح، ويَعضُدُه قولُه عليه (١) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢/ ٤١٠ . (٢) قال ابن المنذر في الإشراف ٤/ ٥٢: قال أكثر أهل العلم: إن دخل بها، فلها مهرُ مثلِها، هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبي ثور. وقال أبو عبيد: لا يثبت هذا النكاح أبداً. (٣) في النسخ: عنده، والمثبت من أحكام القرآن للكيا الطبري ٤٠٩/٢، والكلام منه. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣٨٧/١ . ٢١٢ سورة النساء: الآية ٢٤ الصلاة والسلام في حديث الموهوبةِ: ((ولو خاتَماً من حديد))(١). وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((أَنكِحوا الأَيَامَى))؛ ثلاثاً. قيل: وما العلائقُ بينهم يا رسول الله؟ قال: ((ما تَراضَى عليه الأهلونَ ولو قضيباً من أَراك)»(٢). وقال أبو سعيد الخدريُّ: سألنا رسولَ اللـه:﴾ عن صَداق النساء، فقال: ((هو ما اصطَلَحَ عليه أهلُوهم)). وروى جابر أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((لو أنَّ رجلاً أعطى امرأةً ملءَ يديه طعاماً، كانت به حلالاً)). أخرجهما الدَّارَ قُطْنيُّ في سُنته(٣). قال الشافعيُّ: كلُّ ما جاز أن يكون ثمناً لشيءٍ، أو جاز أن يكون أجرةً، جاز أن يكون صَداقاً. وهذا قولُ جمهورِ أهلِ العلم. وجماعةُ أهلِ الحديث من أهل المدينة وغيرِها كلُّهم أجازوا الصَّداقَ بقليل المال وكثيره، وهو قولُ عبدِالله بن وَهْبِ صاحبٍ مالك، واختاره ابن المنذر وغيرُه(٤). قال سعيد بن المُسَيِّب: لو أصدَقَها سوطاً، حلَّت به، وأنْكَحَ ابنتَه من عبدالله بن وَدَاعةً(٥) بدرهمين. وقال ربيعةُ: يجوز النكاحُ بدرهم. وقال أبو الزِّناد: ما تَراضى به الأهلون. وقال مالك: لا يكونُ الصَّداقُ أقلَّ من ربع دينارٍ [ذهباً] أو ثلاثة دراهمَ كيلاً. قال بعض أصحابنا في تعليلٍ له: وكان أشْبَهَ الأشياء بذلك قطعُ اليد؛ لأنَّ (١) أخرجه أحمد (٢٢٧٩٨)، والبخاري (٥٠٣٠)، ومسلم (١٤٢٥). (٢) أخرجه الدار قطني (٣٦٠٠)، وابن عدي ٢١٨٩/٦، والبيهقي ٢٣٩/٧ من طريق عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عباس رضي الله عنهما. وأخرجه ابن عدي ٢١٨٨/٦ من طريق عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر، وأخرجه البيهقي ٢٣٩/٧ من طريق ابن البيلماني عن عمر. وأخرجه أبو داود في المراسيل (٢١٥) عن ابن البيلماني عن النبي %. قال البيهقي: عبد الرحمن بن البيلماني ضعيف. وينظر التلخيص الحبير ٣/ ١٩٠، ونصب الراية ٢٠٠/٣ . (٣) سنن الدارقطني (٣٥٩٢)، (٣٥٩٣)، وأخرجه أيضاً البيهقي ٢٣٩/٧، وفي إسناده أبو هارون العبدي، قال البيهقي: غير محتج به. وقال الحافظ في التقريب ص ٣٤٧ : متروك، ومنهم من كذبه. (٤) الإشراف ٤ / ٤٨ - ٤٩ . (٥) كذا نقل المصنف عن ابن عبد البر في التمهيد ١٨٦/٢. ووقع اسمه في حلية الأولياء ١٦٩/٢، وسير أعلام النبلاء ٢٣٣/٤ : كثير. ٢١٣ سورة النساء: الآية ٢٤ البُضْعَ عضوٌ، واليد عضوٌ يُستباحُ بمقدَّر (١) من المال، وذلك ربعُ دينارٍ، أو ثلاثةُ دراهمَ كيلاً، فردَّ مالكٌ البُضعَ إليه قياساً على اليد. قال أبو عمرَ (٢): قد تَقدَّمَه إلى هذا أبو حنيفةَ، فقاس الصَّداقَ على قطع اليد، واليدُ عنده لا تُقطعُ إلَّا في دينارٍ ذهباً، أو عشرةٍ دراهمَ كيلاً، ولا صَداقَ عنده أقلُّ من ذلك، وعلى ذلك جماعةُ أصحابه وأهل مذهبه، وهو قولُ أكثرٍ أهل بلده في قطع اليد، لا في أقل الصَّداق. وقد قال الدَّرَاوَرْدِيُّ لمالك - إذْ قال: لا صَداقَ أقلّ من ربع دينار - : تَعرَّقتَ فيها يا أبا عبدِ الله. أي: سلكتَ فيها سبيلَ أهل العراق. وقد احتجَّ أبو حنيفةً بما رواه جابرٌ أنَّ رسول اللـه ﴾ قال: ((لا صَداق دون عشرةٍ دراهمَ)). أخرجه الدَّار قطنِيُّ. وفي سنده مُبَشِّر بن عبيد متروك(٣). وروى عن داودَ الأودِيِّ، عن الشعبيِّ، عن عليٍّ عليه السَّلام: لا يكونُ المهر أقلَّ من عشرة دراهم. قال أحمد بن حنبل: لقَّن غِياتُ بن إبراهيم داودَ الأوديَّ عن الشعبيِّ عن عليٍّ: لا مهرَ أقلُّ من عشرة دراهم، فصار حديثاً(٤). وقال النَّخَعيُّ: أقلُّه أربعون درهماً. سعيد بن جُبير: خمسونَ درهماً. ابن شُبْرُمَة: خمسةُ دراهم(٥). ورواه الدار قُطنيُّ عن ابن عباس عن عليٍّ : لا مهرَ أقلُّ من خمسة (٦) دراهم(٦). (١) في (د): بقدر. (٢) التمهيد ١٨٦/٢ - ١٨٨، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) سنن الدار قطني (٣٦٠٢). (٤) سنن الدارقطني (٣٦٠٣) و(٣٦٠٦)، وأخرجه البيهقي ٢٤٠/٧ - ٢٤١ ، ونقل عن يحيى بن معين قوله: غياث كذاب، ليس بثقة ولا مأمون، وداود الأودي ليس بشيء. (٥) الاستذكار ١٦/ ٧٣ - ٧٤، وفيه عن النخعي قولان آخران، فقد روي عنه أنه قال: أكره أن يكون مثل مهر البغي، ولكن العشرة والعشرون. والقول الآخر كقول أبي حنيفة: عشرة دراهم. وانظر الإشراف ٤٩/٤ . (٦) سنن الدار قطني (٣٦٠٥)، وأخرجه أيضاً ابن الجوزي في التحقيق (١٦٧٦)، وفي إسناده الحسن بن دينار، قال ابن الجوزي: قال أحمد: الحسن بن دينار لا يكتب حديثه، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: متروك كذاب، وقال الفلاس: أجمع أهل العلم على أنه لا يُروى عنه. ٢١٤ سورة النساء: الآية ٢٤ الثامنة: قوله تعالى: ﴿فَمَا أُسْتَمْتَعْثُم بِهِ، مِنْهُنَّ فَنَاتُوُهُنَّ أُجُورَهُنَّ فِيضَةٌ﴾ الاستمتاع: التلذُّذ، والأجور: المهور؛ وسُمِّيَ المهر أجراً لأنَّه أجرُ الاستمتاع، وهذا نصٌّ على أنَّ المهر يُسمَّى أجراً، وذلك دليلٌ على أنَّه في مقابَلَة البُضْع؛ لأنَّ ما يقابلُ المنفعةَ يُسمَّى أجراً. وقد اختلف العلماء في المعقود عليه في النكاح ما هو: بَدَنُ المرأة، أو منفعةُ البُضْع، أو الحِلُّ؛ ثلاثةُ أقوالٍ، والظّاهرُ المجموع، فإنَّ العقد يقتضي كلَّ ذلك. والله أعلم. التاسعة: واختلف العلماء في معنى الآية، فقال الحسن ومجاهدٌ وغيرُهما: المعنى: فما انتفعتُم وتلذَّذتم بالجماع من النِّساء بالنكاح الصحيح ((فَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» أي: مهورَهنَّ، فإذا جامعَها مرةً واحدةً فقد وجبَ المهرُ كاملاً(١) إن كانَ مُسمَّى، أو مھرُ مثلها إن لم يُسمَّ. فإن كان النكاحُ فاسداً، فقد اختلفت الروايةُ عن مالك في النكاح الفاسد؛ هل تَستحقُّ به مهرَ المِثْل، أو المُسَمَّى إذا كان مهراً صحيحاً؟ فقال مرةً: المهرُ المُسَمَّى، وهو ظاهرُ مذهبِهِ، وذلك أنَّ ما تراضَوا عليه يقينٌ، ومهر المِثْلِ اجتهادٌ، فيجب أن يرجعَ إلى ما تيقَّناه؛ لأن الأموال لا تُستَحقُّ بالشك. ووجهُ قوله: مهر المثل، أنَّ النبيَّ﴾ قال: «أيُّما امرأةٍ نَكحت بغير إذن وَليِّها، فنكاحُها باطل، فإن دخل بها فلها مهرُ مثلِها بما استحلَّ من فرجها))(٢). قال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولا يجوز أن تُحمل الآيةُ على جواز المُتْعَة؛ لأنَّ رسول الله ﴾ (١) أخرجه بنحوه الطبري ٦/ ٥٨٥ عن ابن عباس، وأخرجه مختصراً عن الحسن ومجاهد. (٢) أخرجه بهذا اللفظ: (( ... فلها مهر مثلها ... )) البيهقي ١٠٥/٧، وأخرجه أحمد (٢٤٣٧٢) وابن ماجه (١٨٧٩) بلفظ: ((فلها مهرها)) وأخرجه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢) بلفظ: ((فالمهر لها»، وقد سلف الحديث بهذا اللفظ ٤٦٤/٣ . قال ابن حزم في المحلى ٩/ ٤٩٢: قوله عليه الصلاة والسلام: ((فالمهر لها)» تعريف بالألف واللام، وقوله: ((فلها مهرها)) فهذا اللفظان يوجبان لها المهر المعهود المسمَّى، أو مهراً يكون لها إن لم يكن هنالك مهر مسمى، وهو مهر مثلها. ٢١٥ سورة النساء: الآية ٢٤ نهى عن نكاح المُتْعة وحرَّمه، ولأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَأُنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، ومعلومٌ أنَّ النكاحَ بإذن الأهلين هو النكاحُ الشرعيُّ بوَليٍّ وشاهدين، ونکاحُ المُتعةِ لیس کذلك. وقال الجمهور: المرادُ نكاحُ المتعة الذي كان في صدر الإسلام. وقرأ ابن عباسٍ وأُبَيِّ وابنُ جبيرٍ: ((فما استمتُعتم به منهنَّ إلى أجلٍ مُسَمِّى فآتوهنَّ أجورهنَّ). ثم نهى عنها النبيُّ﴾(١). وقال سعيد بن المسيِّب: نسختها آيَةُ الميراث. إذ كانت المُتعةُ لا ميراثَ فيها(٢). وقالت عائشةُ والقاسم بنُ محمد: تَحْرِيمُها ونَسْخُها في القرآن؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِقُونٌ إِلَّا عَلَ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥-٦]، وليست المُتْعةُ نكاحاً ولا مِلْكَ يَمين(٣). وروى الدَّار قُطْنيُّ(٤) عن عليّ بن أبي طالب قال: نَهى رسولُ اللـه ل: ﴿ عن المُتعة، قال: وإنَّما كانت لمن لم يَجِد، فلمَّا نزل النِّكاحُ والطَّلاقُ والعِدَّةُ والميراثُ بين الزوجِ والمرأةِ؛ نُسخت. ورُوي عن عليٍّ ﴾ أنه قال: نَسخَ صومُ رمضانَ كلَّ صومٍ(٥)، ونَسخَت الزكاةُ كلَّ صدقةٍ، ونسخَ الطَّلاقُ والعِدَّةُ والميراثُ المُتعةَ، ونَسَخَت الضحيَّة (٦) كلَّ ذَبْح. (١) المحرر الوجيز ٣٦/٢، وأخرج قراءة ابن عباس وأُبيِّ وابن جبير الطبريُّ ٦/ ٥٨٦ - ٥٨٨ . (٢) المحرر الوجيز ٣٦/٢، وأثر سعيد أخرجه عبد الرزاق (١٤٠٤٥)، وابن أبي شيبة ٢٩٢/٤، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ١٩٢/٢. (٣) الاستذكار ٢٩٧/١٦، وأخرجه عن عائشة أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١٣١)، والحاكم ٣٠٥/٢ ، وصححه. وأخرجه عن القاسم بن محمد عبد الرزاق (١٤٠٣٦) و (١٤٠٣٧)، وأبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١٣٢) و(١٣٣)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ١٩٤/٢. (٤) في سننه (٣٦٤٥). (٥) بعدها في (د): ونسخت الصلاة كل الصلاة. (٦) في (د) و(م): الأضحية (وهما بمعنى) والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٤٠٤٦). ٢١٦ سورة النساء: الآية ٢٤ وعن ابن مسعود قال: المُتعة منسوخةٌ؛ نسخَها الطلاقُ والعِدَّةُ والميراث(١). وروى عطاءً عن ابن عباس قال: ما كانت المُتْعة إلَّا رحمةً من الله تَعالى رَحم بها عبادَه، ولولا نَهْيُ عمرَ عنها ما زَنَى إلَّا شقيٌّ(٢). العاشرة: واختلف العلماء كم مرةً أُبيحت ونُسخت؛ ففي صحيح مُسْلم(٣) عن عبد الله قال: كنا نَغْزُو مع رسول اللـه ﴿ ليس لنا نساءٌ، فقلنا: ألا نَسْتَخْصِي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رَخَّص لنا أنْ ننكح المرأةَ بالثَّوب إلى أَجَل. قال أبو حاتم البُستِيُّ في صحيحه(٤): قولهم للنبيِّ ﴾: ألا نستخصي، دليلٌ على أنَّ المُتْعة كانت محظورةً قبل أن أبيحَ لهم الاستمتاعُ، ولو لم تكن محظورةً لم یکن لسؤالهم عن هذا معنىّ. ثم رَخَّص لهم في الغزو أنْ ينكحوا المرأةَ بالثَّوب إلى أجَلٍ، ثم نَهى عنها عامَ خَيْبَر، ثم أَذن فيها عامَ الفتح، ثم حرَّمَها بعد ثلاثٍ، فهي محرَّمةٌ إلى يوم القيامة. وقال ابن العربي(٥): وأمَّا مُتعَةُ النساء؛ فهي من غرائب الشريعة؛ لأنَّها أُبيحت في صدر الإسلام، ثم حُرِّمت يوم خيبر، ثم أُبيحَت في غزوة أوْطاس، ثم حُرِّمت بعد ذلك، واستقرَّ الأمرُ على التَّحريم، وليس لها أخْتٌ في الشريعة إلَّا مسألةُ القِبْلةِ؛ لأنَّ النَّسخ طرأ عليها مرَّتين، ثم استقرَّت بعد ذلك. وقال غيره ممن جمع طرقَ الأحاديث فيها (٦): إنَّها تقتضي التحليلَ والتَّحريم سبعَ مرَّاتٍ؛ فروى ابنُ أبي عمرةَ أنَّها كانت في صدر الإسلام(٧). وروى سلمةُ بن الأْوَع (١) أخرجه عبد الرزاق (١٤٠٤٤)، وأبو عبيد (١٣٤). (٢) أخرجه عبد الرزاق (١٤٠٢١)، وأبو عبيد (١٣٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٦/٣. (٣) برقم (١٤٠٤)، وهو عند أحمد (٣٦٥٠)، والبخاري (٤٦١٥). (٤) إثر الحديث (٤١٤١). (٥) في القبس ٧١٣/٢ - ٧١٤. (٦) هو أبو العباس، وكلامه في المفهم ٤/ ٩٢ . وما سيرد بين حاصرتين منه. (٧) أخرجه مسلم (١٤٠٦): (٢٧). ٢١٧ سورة النساء: الآية ٢٤ أنَّها كانت عام أوطاس(١). ومن رواية عليٍّ تحريمُها يومَ خَيْبَرُ(٢). ومن رواية الربيع بن سَبْرة، إباحتُها يومَ الفتح، [ثم تحريمها حينئذ](٣). قلت: وهذه الطرقُ كلُّها في صحيح مسلم. وفي غيره عن عليٍّ نَهْيُه عنها في غزوة تَبُوك؛ رواه إسحاق بنُ راشد، عن الزُّهْريِّ، عن عبد الله بن محمد بن عليٍّ، عن أبيه، عن عليّ(٤)، ولم يُتابَع إسحاقُ بنُ راشدٍ على هذه الرواية عن ابن شهاب؛ قاله أبو عمر رحمه الله(٥). وفي مصنف أبي داود(٢) من حديث الربيع بن سَبْرةَ النَّهيُّ عنها في حجَّة الوَداع، وذهب أبو داودَ إلى أنَّ هذا أصحُّ ما رُوي في ذلك(٧). وقال عمرو عن الحسن: ما حلَّت المتعةُ قظُ إلَّا ثلاثاً في عُمرة القضاء، ما حلَّت قبلها ولا بعدها (٨). ورُوي هذا عن سَبْرةَ أيضاً(٩). فهذه سبعةُ مواطنَ أُحِلَّت فيها المتعةُ (١) أخرجه أحمد (١٦٥٥٢)، ومسلم (١٤٠٥): (١٨)، ولفظه: رخَّصَ رسول الله # عام أوطاس في المتعة ثلاثاً، ثم نهى عنها. (٢) أخرجه أحمد (٥٩٢)، والبخاري (٤٢١٦)، ومسلم (١٤٠٧). وقال سبرة آخر الحديث: فلم أخرج حتی حرَّمھا رسول الله آ﴾. (٣) أخرجه أحمد (١٥٣٣٧)، ومسلم (١٤٠٦). وقال سبرة آخر الحديث: فلم أخرج حتى حرَّمها رسول الله ﴾. (٤) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٠/ ١٠٠، وهي أغربُ ما رُوي في ذلك، كما نقل الحافظ ابن حجر في الفتح ١٦٧/٩ عن السُّهيلي. (٥) الاستذكار ٢٨٩/١٦، وينظر شرح النووي لصحيح مسلم ٩/ ١٨٠. (٦) برقم (٢٠٧٢)، وهو عند أحمد (١٥٣٣٨). (٧) الاستذكار ٢٩٠/١٦، والتمهيد ١٠٤/١٠ . وقال الحافظ في الفتح ٩/ ١٧٠: الرواية عنه أنها في الفتح أصح وأشهر. وينظر التلخيص الحبير ١٥٦/٣ . (٨) أخرجه عبد الرزاق (١٤٠٤٠). عن معمر، عن عمرو، به، كما ذكر ابن عبد البر في التمهيد ١٠/ ١٠٧، ووقع سقط في إسناده في المصنف. عمرو: هو ابنُ عُبيد، والحسن: هو البصري. ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٩/ ١٦٩ عن السُّهَيْلي أن روايةَ تحريمها في عمرة القضاء روايةٌ غريبة، وأن المشهور في تحريمها كان يوم الفتح، كما هو ثابت في صحيح مسلم، وذكر الحافظ أن قوله: ((ما حلَّت قبلها ولا بعدها))، زيادة من عمرو بن عُبيد، وهو ساقط الحديث، وقد أخرجه سعيد بن منصور من طريق صحيحة عن الحسن، بدون هذه الزيادة. (٩) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١٠٧/١٠ من طريق ابن لهيعة، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه. ثم قال: لم أجد هذا في حديث مسند إلا من حديث ابن لهيعة. اهـ. يعني: فيه كلام. ٢١٨ سورة النساء: الآية ٢٤ وحُرِّمت. قال أبو جعفر الطَّحَاويُّ: كلُّ هؤلاء الذين روَوْا عن النبي ◌ِ﴾ إطلاقَها، أَخبروا أنَّها كانت في سَفَر، وأنَّ النَّهيَ لَحِقَها في ذلك السفر بعد ذلك، فمنع منها، ولیس أحدٌ منهم يُخبِرُ أنَّها كانت في حَضَر، وكذلك رُوي عن ابنٍ مسعودٍ(١). فأمَّا حديثُ سَبْرةَ الذي فيه إباحةُ النبيِّ # لها في حجَّة الوَدَاعِ؛ فخارجٌ عن معانيها كلِّها، وقد اعتبرنا هذا الحرفَ فلم نجده إلَّا في رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصَّةٌ(٢). وقد رواه إسماعيلُ بنُ عيَّاش عن عبد العزيز بن عمرَ بن عبد العزيز، فذكر أنَّ ذلك كان في فتح مكَّةَ، وأنهم شكَوْا إليه العُزْبةَ، فرخّصَ لهم فيها(٣)، ومُحالٌ أنْ يشكُوا إليه العُزْبةَ في حجَّة الودَاعِ؛ لأنَّهم كانوا حُوا بالنِّساء، وكان تزويجُ النساء بمكّةَ يمكنُهم، ولم يكونوا حينئذٍ كما كانوا في الغزوات المتقدِّمة. ويُحتملُ أنَّه لمَّا كانت عادةُ النبيِّ# تكريرَ مثلِ هذا في مغازيه وفي المواضع الجامعة؛ ذَكر تحريمَها في حجَّة الوداع؛ لاجتماع الناس، حتى يسمعَه مَن لم یکن سمعه، فأكَّد ذلك حتى لا تَبقى شُبهةٌ لأحد يدَّعي تحليلها؛ ولأنَّ أهل مكةً كانوا يستعملونها كثيراً. الحادية عشرة: روى الليثُ بن سعد، عن بُكَيْر بن الأَشَجِّ، عن عمارِ مَوْلى الشَّرِيد قال: سألتُ ابن عباس عن المُتْعَة؛ أسِفَاحٌ هي أم نكاح؟ قال: لا سِفاحٌ ولا نكاحٌ. قلتُ: فما هي؟ قال: المتعةُ كما قال الله تعالى. قلتُ: هل عليها عِدَّةٌ؟ قال: (١) تقدم ص٢١٦ من هذا الجزء . (٢) وهو صدوق يخطئ، كما ذكر الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب. ونقل النووي في شرح مسلم ١٨٠/٩ عن القاضي عياض أن الصحيح الذي جرى في حجَّة الوداع مجرّد النهي، كما جاء في غير رواية، ويكون تجديدُه # النهيّ عنها يومئذ لاجتماع الناس، وليبلغَ الشاهد الغائب، ولتمام الدين، وتقرُّر الشريعة، كما قرَّر غير شيء، وبيَّن الحلال والحرام يومئذ. وينظر سنن ابن ماجه (١٩٦٢). (٣) وسلف ذكر رواية مسلم في إباحتها يوم الفتح، ثم تحريمها حينئذٍ تحريماً مؤَّداً. ٢١٩ سورة النساء: الآية ٢٤ نعم حيضةٌ. قلتُ: يتوارثان؟ قال: لا(١). قالَ أبو عمر: لم يختلف العلماءُ من السَّلَف والخَلَفِ أنَّ المتعة نكاحٌ إلى أجلٍ لا ميراثَ فيه، والفُرْقَةُ تقع عند انقضاءِ الأجل من غير طلاق(٢). وقال ابن عطية(٣): وكانت المتعة أن يتزوَّج الرجلُ المرأةَ بشاهدين، وإذنِ الوليِّ إلى أجل مُسَمِّى، وعلى أنْ لا ميراثَ بينهما، ويُعطيها ما اتَّفقا عليه، فإذا انقضت المدَّةُ؛ فليس له عليها سبيلٌ، وتستبرئُ رَحِمَها؛ لأنَّ الولد لاحِقٌّ فيه بلا شكِّ، فإنْ لم تحمل؛ حلَّت لغيره، وفي كتاب النَّحَّاس في هذا خطأ، وأنَّ الولد لا يلحَقُ في نكاح المتعة. قلتُ: هذا هو المفهومُ من عبارة النَّحاس؛ فإنَّه قال: وإنَّما المتعةُ أن يقول لها : أَتَزوَّجُكِ يوماً - أو ما أَشبَهَ ذلك - على أنَّه لا عِدَّةَ عليكِ، ولا ميراثَ بيننا، ولا طلاقَ، ولا شاهدَ يشهدُ على ذلك. وهذا هو الزِّنى بعينه، ولم يُبَحْ قظٌّ في الإسلام؛ ولذلك قال عمرُ: لا أُوتَى برجلٍ تزوَّج مُتعةً إلَّا غيَّته تحت الحجارة(٤). الثانية عشرة: وقد اختلف علماؤنا إذا دخل في نكاح المُتْعة: هل يُحَدُّ ولا يلحقُ به الولد، أو يُدفعُ الحدُّ للشُّبْهة، ويلحقُ به الولدُ؟ على قولين، ولكن يُعزَّر(٥) ويعاقَب. وإذا لحقَ اليومَ الولدُ في نكاح المتعةِ في قول بعض العلماءِ مع القول بتحريمه، فكيف لا يلحقُ في ذلك الوقت الذي أبيح، فدلَّ على أنَّ نكاح المتعة كان على حكم (١) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١٣٦)، وابن عبد البر في التمهيد ١١٥/١٠. (٢) الاستذكار ٢٩٦/١٦، وتتمة كلامه: وليس هذا من حُكْم الزوجة عند أحد من المسلمين. (٣) المحرر الوجيز ٣٦/٢. (٤) الناسخ والمنسوخ ١٩٣/٢، ولقول النحاس أصل في الأثر، فقد روى بعد كلامه هذا عن ابن شهاب قوله: قال لي سالم بن عبد الله وهو يذاكرني: يقولون بالمتعة هؤلاء! فهل رأيت نكاحاً لا طلاق فيه ولا عدة ولا ميراث؟ وخبر عمر أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١٢٧)، وهو جزء من حديث يرويه جابر بن عبدالله رضي الله عنهما. (٥) في (م): يعذر، والكلام في المفهم ٤/ ٩٣. ٢٢٠ سورة النساء: الآية ٢٤ النكاح الصحيح، ويفارقُه في الأجل والميراث. وحكى المَهْدَوِيُّ عن ابن عباس أنَّ نكاح المتعةِ كان بلا وليٍّ ولا شهود. وفيما حكاه ضعفٌ(١)؛ لما ذكرنا. قال ابن العربي(٢): وقد كان ابن عباس يقول بجوازها، ثم ثبتَ رجوعُه عنها(٣)، فانعقد الإجماعُ على تحريمها (٤)؛ فإذا فعلَها أحدٌ رُجِمَ في مشهور المذهب. وفي روايةٍ أخرى عن مالك: لا يُرجمُ لأنَّ نكاح المتعة ليس بحرامِ، ولكنْ لأَصْلٍ آخرَ لعلمائنا غريبٍ انفردوا به دون سائرِ العلماء، وهو أنَّ ما حُرِّم بالسُّنَّة؛ هل هو مثلُ ما حُرِّم بالقرآن أم لا؟ فمِن رواية بعضٍ المدنيين عن مالك أنَّهما ليسا بسواء، وهذا ضعيف. وقال أبو بكر الظُّرْطُوشي(٥): ولم يُرخِّص في نكاح المتعة إلَّا عِمْرانُ بن حُصين وابنُ عباس وبعضُ الصحابة وطائفةٌ من أهل البيت(٦). وفي قول ابن عباس يقول الشاعر: يا صاحِ هلْ لكَ في فُتْيَا ابنِ عباسٍ أقولُ للرَّكْبِ إِذْ طالَ الثَّوَاءُ بنا (١) المحرر الوجيز ٣٦/٢ ووقع فيه: ابن المسيب، بدل: ابن عباس. (٢) القبس ٧١٤/٢ . (٣) أخرجه الترمذي (١١٢٢). وأخرج أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١٤٠)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ١٩١/٢-١٩٢ عنه أن قوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْتَمْتَعْثُم بِهِ، مِنْهُنَّ﴾ نسخه قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾ وأخرج النحاس ١٩٨/٢ عنه أنه قال: الاستمتاع: النكاح. وينظر الاستذكار ٢٩٩/١٦، ومعالم السنن ١٩١/٣، وفتح الباري ٩/ ١٧١ . (٤) ينظر الإشراف ٧٥/٤، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ص ٨٠، ومعالم السنن ١٩٠/٣، والاستذكار ١٦/ ٣٠٠، وشرح السنة للبغوي ٩/ ١٠٠. (٥) محمد بن الوليد بن خلف الفهري الأندلسي، شيخ المالكية، وطُرْطوشة هي آخِر حدِّ المسلمين من شمال الأندلس، توفي بالإسكندرية سنة (٥٢٠هـ). السير ١٩ / ٤٩٠ . (٦) ينظر الفتح ٩/ ١٧٤، وقد رد فيه الحافظ ابن حجر رحمه الله على ابن حزم ما نسبه إلى بعض الصحابة من القول بنكاح المتعة، ثم قال: وقد اعترف ابن حزم مع ذلك بتحريمها لثبوت قوله #: ((إنها حرام إلى يوم القيامة)) قال: فأمِنًا بهذا القول نسخ التحريم.