النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
وأجمع العلماء على أن الأولاد إذا كان معهم مَن له فرضٌ مسمَّى أُعطِيَهُ، وكان
ما بقي من المال للذَّكَر مثلُ حظّ الأُنثيين(١)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أَلْحِقوا
الفرائضَ بأهلها)) رواه الأئمة(٢). يعني الفرائض الواقعةَ في كتاب الله تعالى. وهي
ستة: النصف، والرّبُع، والثُّمنُ، والثُثان، والثلُث، والسُّدُس.
فالنصف فرضُ خمسةٍ: ابنةُ الصُّلْب، وابنةُ الابن، والأختُ الشقيقة، والأختُ
للأب، والزوج. وكلُّ ذلك إذا انفردوا عمن يحجبُهم عنه.
والربع فرضُ الزوج مع الحاجب، وفرضُ الزوجة أو الزوجات(٣) مع عدمه.
والثمن فرضُ الزوجة أو الزوجات مع الحاجب.
والثلثان فرضُ أربع: الاثنتين فصاعداً من بنات الصلب، أو بناتِ الابن، أو
الأخواتِ(٤) الأشقاء، أو للأب. وكلُّ هؤلاء إذا انفردنَ عمن يحجبهنَّ عنه.
والثلث فرضُ صنفين: الأم مع عدم الولد وولدِ الابن، وعدم الاثنين فصاعداً من
الإخوة والأخوات، وفرضُ الاثنين فصاعداً من ولد الأم. وهذا ثلثُ كلِّ المال. فأما
ثلثُ ما يبقَى؛ فذلك للأمِّ في مسألة زوجٍ أو زوجةٍ وأبوين، فللأمِّ فيها ثلثُ ما يبقى،
وقد تقدَّم بيانه(٥). وفي مسائل الجدِّ مع الإخوة إذا كان معهم ذو سَهْم، وكان ثلُث ما
یبقی أحظى له.
والسدس فرضُ سبعة: الأبوين والجدّ مع الولدِ وولدِ الابن [وفرضُ الأمِّ مع كلِّ
اثنين فصاعداً من الإخوة والأخوات]، والجدَّة أو الجدَّات(٦) إذا اجتمعن، وبنات
(١) الإجماع لابن المنذر ص ٦٧ .
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٥٧)، والبخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) في النسخ: الزوجة والزوجات (في الموضعين) والمثبت من المفهم ٤/ ٥٦٤، والكلام منه.
(٤) في (ظ) و (م): وبنات الابن والأخوات. والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في المفهم.
(٥) في المسألة الثانية.
(٦) في (م): والجدات.

١٠٢
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
الابن مع بنت الصُّلْب، والأخوات للأب مع الأخت الشقيقة، والواحد من ولد الأمِّ
ذكراً كان أو أنثى.
وهذه الفرائض كلُّها مأخوذة من كتاب الله تعالى، إلَّا فرضَ الجدَّة والجدَّات؛
فإنه مأخوذ من السُّنة(١).
والأسبابُ الموجبة لهذه الفروض بالميراث ثلاثةُ أشياءً: نسبٌ ثابت، ونكاح
منعقد، وولاءُ عتاقةٍ(٢). وقد تجتمع الثلاثة الأشياء، فيكون الرجل زوجَ المرأة
ومولاها وابنَ عمها. وقد يجتمع فيه منها شيئان لا أكثر، مثل أن يكون زوجها
ومولاها، أو زوجَها وابنَ عمها؛ فيرثُ بوجهين، ويكون له جميع المال إذا انفرد:
نصفُه بالزوجية، ونصفه بالولاء أو بالنسب. ومثل أن تكون المرأة ابنةَ الرجل
ومولاته، فيكون لها أيضاً جميعُ المال إذا انفردت: نصفه بالنسب، ونصفه بالولاء.
السابعة: ولا ميراثَ إلَّا بعد أداء الدَّيْن والوصية؛ فإذا مات المتوفَّى؛ أُخرج من
تركته الحقوقُ المعيّنات، ثم ما يلزم من(٣) تكفينه وتقبيره، ثم الديون على مراتبها، ثم
يخرج من الثلث الوصايا وما كان في معناها، على مراتبها أيضاً، ويكون الباقي ميراثاً
بين الورثة، وجملتهم سبعةَ عَشَر؛ عشرةٌ من الرجال: الابن، وابن الابن وإن سفل،
والأب، وأبُ الأب - وهو الجدُّ - وإن علا، والأخ، وابن الأخ، والعمُّ، وابن العم،
والزوج، ومولى النعمة. ويرث من النساء سبع: البنت، وبنت الابن وإن سَفلت،
والأم، والجدَّة وإن علت، والأخت، والزوجة، ومولاة النعمة وهي المعتقة (٤). وقد
نَظَمهم بعضُ الفضلاء فقال:
مع الإناثِ الوارثاتِ معهم
والوارثون إن أردتَ جَمْعَهم
(١) المفهم ٤/ ٥٦٤، والتهذيب في الفرائض ص٥٣ - ٥٤ ، وما بين حاصرتين منه.
(٢) التهذيب في الفرائض ص٥١ .
(٣) في (خ) و (ظ): في.
(٤) التهذيب في الفرائض ص٥١ .

١٠٣
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
وسبعُ أشخاصٍ من النِّسْوانِ
عَشرةٌ من جملة الذُّكُرانِ
الابنُ وابنُ الابْنِ وابنُ العمِّ
وهُمْ وقد حَصَرْتُهم في النظمِ
والجدُّ من قَبْل الأخِ القريبِ
والأبُ منهم وهْوَ في الترتيبِ
والزوجُ والسيِّد ثم الأمُّ
وابنُ الأخ الأذْنَى أجَلْ والعمُّ
وزوجةٌ وجدَّةٌ وأختُ
وابنةُ الابنِ بعدَها والبنتُ
خُذْها إليك عِدَّةً محقَّقه
والمرأةُ المولاةُ أعْني المُعْتِقَهْ
الثامنة: لمَّا قال تعالى: ﴿فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ يتناول كلَّ ولدٍ كان، موجوداً أو جنيناً
في بطن أمه، دَنِيًّا أو بعيداً، من الذكور أو الإناث. ما عدا الكافر كما تقدَّم (١). قال
بعضهم: ذلك حقيقةٌ في الأدْنَينَ، مَجازٌ في الأبْعَدِين. وقال بعضهم: هو حقيقةٌ في
الجميع؛ لأنه من التوَلَّد، غير أنهم يرثون على قَدْر القرب منه؛ قال الله تعالى: ﴿يَبَنِىّ
ءَدَمَ﴾. وقال عليه الصلاة والسلام: ((أنا سيد ولد آدم))(٢) وقال: ((يا بني إسماعيل
ارْموا، فإن أباكم كان رامياً))(٣) إلَّا أنه غَلَبَ عُرْفُ الاستعمال في إطلاق ذلك على
الأعيان الأذنَين على تلك الحقيقة(٤)، فإن كان في ولد الصُّلْب ذكرٌ، لم يكن لولد
الولد شيءٌ، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم(٥).
وإن لم يكن في ولد الصُّلْب ذكر، وكان في وَلَد الولد، بُدِيَ بالبنات للصُّلْب،
فأُعطِيْنَ إلى مبلغ الثلثين، ثم أُعطيَ الثلثُ الباقي لولد الولد إذا استوَوْا في القُعْدُدِ(٦)،
(١) في المسألة الخامسة.
(٢) تقدم ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤ .
(٣) أخرجه أحمد (١٦٥٢٨) والبخاري (٢٨٩٩) من حديث سلمة بن الأكوع. وأخرجه أحمد (٣٤٤٤) من
حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣٣٣/١ - ٣٣٤.
(٥) الأوسط لابن المنذر ١٢٣/ أ، كما في حاشية كتاب الإجماع ص٧٩ (طبعة دار طيبة)، وينظر الاستذكار
٣٩٤/١٥، والقبس ١٠٤٢/٣ .
(٦) القُعْدُد والقُعْدَد: أَمْلَكُ القرابة في النسب، ورجل قُعْدُد: قريب من الجد الأكبر، وكذلك قُعْدَد، وفلان
أقعد من فلان: أي أقرب منه إلى جده الأكبر. اللسان (قعد).

١٠٤
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
أو كان الذكر أسفلَ ممن فوقه من البنات، للذكر مثلُ حظّ الأنثيين. هذا قول مالكٍ
والشافعيّ وأصحاب الرأي. وبه قال عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومَن
بعدهم(١)، إلا ما يُروى عن ابن مسعود أنه قال: إن كان الذكر من ولدِ الولد بإزاء
الولد الأنثى ردَّ عليها، وإن كان أَسْفَلَ منها لم يردّ عليها؛ مراعياً في ذلك قولَه تعالى:
﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾ فلم يجعل للبنات - وإن كثُرنَ - إلّا الثلثين.
قلت: هكذا ذكر ابن العربيِّ هذا التفصيلَ عن ابن مسعود(٢)، والذي ذكره ابن
المنذر والباجيُّ(٣) عنه: أن ما فضَل عن بنات الصُّلب لبني الابن دون بنات الابن،
ولم يفضِّلا. وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور (٤). ونحوَه حكى أبو عمر(٥)، قال أبو
عمر: وخالَفَ في ذلك ابن مسعود، فقال: وإذا استَكْمَل البناتُ الثلثين؛ فالباقي لبني
الابن دون أخواتهم(٦)، ودون مَن فوقهم من بنات الابن، ومَن تحتَهم. وإلى هذا
ذهب أبو ثور وداودُ بن عليّ. ورُوي مثلُه عن علقمة. وحجةُ مَن ذهب هذا المذهبَ
حديثُ ابنِ عباس عن النبيِّ ◌َ# أنه قال: ((اقسِمُوا المالَ بين أهل الفرائض على كتاب
الله، فما أبقتِ الفرائضُ فِلِأَوْلَى رجلٍ ذَكّر)) خرَّجه البخاريُّ ومسلم وغيرهما(٧).
ومن حجة الجمهور قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿يُوصِيكُمْ اَللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظٍ
اُلْأُنْشَيَيْنِّ﴾ لأن ولدَ الولدِ ولدٌ. ومن جهة النظر والقياس: أنَّ كلَّ مَن يُعصِّب مَن في
(١) ينظر الاستذكار ٤٩٥/١٩، وأحكام القرآن لابن العربي ٣٣٥/١، والمغني ١٢/٩.
(٢) أحكام القرآن ٣٣٥/١. وقد ذكره ابن عبد البر في الاستذكار ١٥/ ٤٠١ على أنه من شذوذات بعض
المتأخرين، فقال: وشذ بعض المتأخرين من الفرضيين فقال: الذكر من بني البنين يعصب مَن بإزائه،
دون مَن عداه من بنات الابن.
(٣) المنتقى ٢٢٦/٦ .
(٤) ينظر بداية المجتهد ١٥٨/٤، والمغني ١٣/٩.
(٥) الاستذكار ٣٩٥/١٥ .
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٥٤/١١، والبيهقي ٢٣٠/٦ .
(٧) صحيح البخاري (٦٧٣٢) وصحيح مسلم (١٦١٥): (٤) واللفظ له، وهو عند أحمد (٢٨٦٠)، وسلف
بلفظ: «ألحقوا الفرائض بأهلها ... )).

١٠٥
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
درجته في جملة المال، فواجبٌ أن يُعصِّبَه في الفاضل من المال، كأولاد الصُّلْب.
فوجب بذلك أن يُشْرِكَ ابنُ الابن أختَه، كما يُشركُ الابنُ للصُّلْب أخته.
فإن احتجَّ محتجٌّ لأبي ثَوْر وداود أن بنت الابن لمَّا لم ترث شيئاً من الفاضل بعد
الثلثين منفردةً، لم يعصِّبها أخوها. فالجواب(١): أنها إذا كان معها أخوها قویت به،
وصارت عَصَبةً معه؛ بظاهر (٢) قولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُ اللّهُ فِى أَزْلَدِكُمْ﴾ وهي من
الولد.
التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْتَتَبْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَّةٌ﴾ الآية. فَرَضَ
الله تعالى للواحدة النِّصفَ، وفرض لما فوق الثِّنتين الثلثين، ولم يفرض للثّنتين فرضاً
منصوصاً في كتابه، فتكلَّم العلماء في الدّليل الذي يُوجب لهما الثلثين؛ ما هو؟ فقيل:
الإجماع. وهو مردودٌ؛ لأن الصحيح عن ابن عباس أنه أعطى البنتين النصفَ؛ لأن
الله عزَّ وجلَّ قال: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾ وهذا شرطٌ وجزاء.
قال: فلا أعطي البنتين الثلثين(٣).
وقيل: أُعطيتا الثلثين بالقياس على الأختين؛ فإن الله سبحانه لمَّا قال في آخِر
السورة: ﴿وَلَهُ أُخْتٌّ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِن كَانَتَا أَثْتَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ
بِمَا تَرَةٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. فأُلحقت الابنتان بالأختين في الاشتراك في الثلثين، وأُلحقت
الأخواتُ إذا زِذْنَ على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين (٤). واعتُرض هذا بأن
ذلك منصوصٌ عليه في الأخوات، والإجماعُ منعقدٌ عليه، فهو مُسَلَّم لذلك(٥).
(١) في الاستذكار: فالواجب.
(٢) في النسخ: وظاهر، والمثبت من الاستذكار.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٩/١، قال ابن عبد البر في الاستذكار ٣٩٠/١٥: وهذه الرواية منكرة عند
أهل العلم قاطبة، كلهم ينكرها، ويدفعها ما رواه ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن
مسعود، عن ابن عباس: أنه جعل للبنتين الثلثين.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣٣٧ .
(٥) في (خ): كذلك، وفي (م): بذلك، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في إعراب القرآن
للنحاس ٤٣٩/١، والكلام منه.

١٠٦
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
وقيل: في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين، وذلك أنه لمَّا كان للواحدة مع
أخيها الثلثُ إذا انفردت، علمنا أن للاثنتين الثلثين. احتجَّ بهذه الحجة، وقال هذه
المقالةَ إسماعيلُ القاضي(١) وأبو العباس المبرِّد. قال النحاس(٢): وهذا الاحتجاجُ
عند أهل النظر غَلَط؛ لأن الاختلاف في البنتين، وليس في الواحدة، فيقول مخالفُه:
إذا ترك بنتين وابناً؛ فللبنتين النصفُ، فهذا دليل على أن هذا فرضُهم.
وقيل: (فَوْقَ)) زائدة، أي: إن كن نساء اثنتين، كقوله تعالى: ﴿فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ
اُلْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] أي: الأعناق(٣). وردَّ هذا القولَ النحاسُ وابنُ عطية(٤) وقالا:
هو خطأ؛ لأن الظروف وجميعَ الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تُزاد لغير معنّى.
قال ابن عطية: ولأن قوله تعالى: ﴿فَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ هو الفصيح، وليست ((فوق)»
زائدةً، بل هي مُحْكَمَةُ المعنى(٥)؛ لأن ضربة العنق إنما يجب أن تكون فوق العظام
في المَفْصِل دون الدِّماغ. كما قال دريد بن الصِّمَّة: اخفِضْ عن الدماغ، وارفع عن
العظم، فهكذا كنتُ أضرب أعناق الأبطال(٦).
وأقوى الاحتجاج في أن للبنتين الثلثين، الحديثُ الصحيح المرويُّ في سبب
النزول(٧).
ولغة أهل الحجاز وبني أسد: الثُلُث والربع إلى العشُر. ولغة بني تميم وربيعةً:
الثلث، بإسكان اللام، إلى العُشْر. ويقال: ثَلَئْتُ القوم أَثْلِتُهم، وثلثتُ الدراهم أثلِتُها :
(١) المحرر الوجيز ١٦/٢.
(٢) في إعراب القرآن ٤٣٩/١.
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٣٣٦/١ .
(٤) إعراب القرآن ٤٣٩/١، والمحرر الوجيز ١٦/٢.
(٥) في (خ) و(د) (م): للمعنى، والمثبت من (د) و (ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز.
(٦) سيرة ابن هشام ٢/ ٤٥٣ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ٣٠/٢، وإعراب القرآن ٤٣٩/١، والحديث المشار إليه هو حديث جابر
المتقدم ص٩٧ من هذا الجزء.

١٠٧
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
إذا تمَّمتَها ثلاثةً، وأَثلثتْ هي. إلَّا أنهم قالوا في المئة والأَلْف: أَمْأَيْتُها وآَلَفْتُها،
وأَمْأَتْ والَفَتْ(١).
العاشرة: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةٌ فَلَهَا النِّصِفَُّ﴾ قرأ نافعٌ وأهلُ المدينة:
((وَاحِدَةٌ)) بالرفع على معنى: وقعتْ وحدثتْ(٢)، فهي ((كان)) التامة؛ كما قال الشاعر:
إذا كان الشتاءُ فأَذْفِئُوني فإن الشيخَ يُهرِمُه الشّتاءُ(٣)
والباقون بالنصب؛ قال النحاس (٤): وهذه قراءة حسنة. أي: وإن كانت المتروكةُ
أو المولودة ((واحدة)) مثل: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءٍ﴾.
فإذا كان مع بنات الصُّلْبِ بناتُ ابنٍ، وكان بناتُ الصُّلب اثنتين فصاعداً، حَجَبْنَ
بناتِ الابن أن يَرِثن بالفرض؛ لأنه لا مدخلَ لبنات الابن أن يرثن بالفرض في غير
الثلثين. فإن كانت بنات(٥) الصُّلب واحدةً، فإن ابْنَةَ الابن، أو بناتِ الابن، يرِثن مع
بنات الصلب تكملةَ الثلثين؛ لأنه فرضٌ يرثه البنتان فما زاد. وبنات الابن يَقُمْنَ مقام
البنات عند عدمِهِنَّ. وكذلك أبناءُ البنينَ يقومون مقام البنين في الحَجْب والميراث.
فلما عُدِم مَن يستحق منهنَّ السدس، كان ذلك لبنت الابن، وهي أَوْلى بالسُّدس من
الأخت الشقيقة للمتوفَّى. على هذا جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين، إلَّا ما
يُروى عن أبي موسى وسلمانَ بن ربيعةً(٦): أن للبنت النصفَ، والنصف الثاني
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٩/١.
(٢) السبعة ص٢٢٧، والتيسير ص١٤. وهي أيضاً قراءة أبي جعفر من العشرة. النشر ٢٤٧/٢ - ٢٤٨.
(٣) قائله الربيع بن ضبع الفزاري كما في الجمل للزجاجي ص٤٩، وأمالي المرتضى ٢٥٥/١، والخزانة
٧/ ٣٨١، وذيل أمالي القالي ص٢١٥ وهو فيه برواية: إذا جاء ... وورد دون نسبة في الجمل للفراهيدي
ص١٢٣ ، وأسرار العربية ص١٣٢، واللسان (كون)، ووقع في أغلب الروايات: يهدمه، بدل: يهرمه،
ويروى بالوجهين كما ذكر صاحب الدرر ٦١/٢، ووقع في (ظ): تهدمه.
(٤) في إعراب القرآن ١/ ٤٤٠ .
(٥) في (د) و(ز) و(م): بنت.
(٦) اضطرب الاسم في النسخ، والمثبت من المنتقى ٢٢٦/٦، والكلام منه، وهو سلمان بن ربيعة بن يزيد
الباهلي، أبو عبدالله، ويقال له: سلمان الخيل، ويقال: له صحبة، ولاه عمر قضاء الكوفة، وغزا
أرمينية في زمن عثمان فاستشهد. الإصابة ٤/ ٢٢٠ .

١٠٨
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
للأخت، ولا حَقَّ في ذلك لبنت الابن(١).
وقد صحَّ عن أبي موسى ما يقتضي أنه رجع عن ذلك؛ رواه البخاريُّ(٢): حدَّثنا
آدمُ، حدَّثنا شعبةُ، حدثنا أبو قيس، سمعت هُزيل(٣) بن شُرَخْبِيل يقول: سُئل أبو
موسى عن بنتٍ، وابنةِ ابنٍ، وأخت. فقال: للابنةِ النصفُ، وللأختِ النصفُ؛ وأُتِ
ابنَ مسعود، فإنه سيُتابِعني. فسئل ابن مسعود، وأُخبِر بقول أبي موسى، فقال: لقد
ضللتُ إذاً وما أنا من المهتدين، أَقضي فيها بما قضَى النبيُّ ﴾: للابنة النصفُ،
ولابنة الابن السدسُ تكملةَ الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى، فأخبرناه
بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحِبر فيكم.
فإن كان مع بنت الابن أوبناتِ الابن ابنُ ابنٍ (٤) في درجتها أو أسفلَ منها
عصَّبها، فكان النصف الثاني بينهما، للذكر مثلُ حظّ الأنثيين بالغاً ما بلغ(٥) - خلافاً
لابن مسعود على ما تقدَّم(٦) - إذا استوفى بناتُ الصلب، أو بنتُ الصلب وبناتُ الابن
الثلثين.
وكذلك يقول(٧) في الأخت لأبٍ وأمّ، وأخواتٍ وإخوةٍ لأب: للأخت من الأب
والأمِّ النصفُ، والباقي للإخوة والأخوات، ما لم يُصِبْهن من (٨) المقاسمة أكثرُ من
السدس؛ فإن أصابهنَّ أكثرُ من السدس، أعطاهنَّ السدسَ تكملةَ الثلثين، ولم يزدهنَّ
(١) أخرجه أحمد (٣٦٩١)، والنسائي في الكبرى (٦٢٩٤)، وابن ماجه (٢٧٢١).
(٢) برقم (٦٧٣٦).
(٣) في (ظ) و(د): هذيل. قال الحافظ في التلخيص الحبير ٨٣/٣: هزيل، قيده الرافعي في الأصل
بالزاي، وإنما صنع ذلك مع وضوحه لأنه وقع في كلام كثير من الفقهاء: هذيل بالذال، وهو تحريف.
(٤) قوله: ابن، الثانية، ليس في (م).
(٥) الكافي ٢/ ١٠٥٥، والمنتقى ٢٢٦/١.
(٦) ص١٠٤ من هذا الجزء .
(٧) يعني ابن مسعود، وينظر الاستذكار ٤٢٧/١٥، والمنتقى ٢٢٦/٦.
(٨) في (خ) و (ظ): في.

١٠٩
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
على ذلك. وبه قال أبو ثَوْر.
الحادية عشرة: إذا مات الرجل وترك زوجته حُبلَى، فإن المال يُوقف حتى يتبيَّن
ما تَضع. وأجمع أهل العلم على أن الرجل إذا مات وزوجته حُبلَى أن الولد الذي في
بطنها يرث ويُورَث إذا خرج حَيَّ واستهلَّ. وقالوا جميعاً: إذا خرج ميتاً لم يرث(١).
فإن خرج حَيًّا ولم يَستهلَّ، فقالت طائفة: لا ميراثَ له وإن تحرك أو عَطَس ما لم
يستهلّ. هذا قول مالكٍ والقاسم بن محمد وابن سِيرين والشَّعبيِّ والزُّهريِّ وقتادةً.
وقال طائفة: إذا عُرفت حياة المولود بتحريكٍ أو صياحٍ أو رضاع أو نَفَس؛ فأحكامُه
أحكامُ الحيّ. هذا قول الشافعيِّ وسفيان الثَّوْرِيِّ والأوزاعي(٢). قال ابن المنذر(٣):
الذي قاله الشافعيُّ يحتمل النظر، غير أن الخبر يمنع منه، وهو قولُ رسولِ الله ﴾:
((ما مِن مولودٍ يُولَدُ إلَّا نَخَسه الشيطانُ، فَيَسْتهلُّ صارخاً من نَخْسةِ الشيطان، إلَّ ابنَ
مريم وأمَّه))(٤). وهذا خبر، ولا يقع على الخبر النسخ(٥)؟
الثانية عشرة: لمَّا قال تعالى: ﴿فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ تناولَ الخُنْثَى، وهو الذي له
فَرْجَان. وأجمع العلماء على أنه يُورَّث من حيث يَبُول؛ إن بال من حيث يبولُ الرجل،
وَرِث ميراثَ رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة، وَرِث ميراثَ المرأة (٦). قال ابن
المنذر: ولا أحفظ عن مالكِ فيه شيئاً، بل قد ذكر ابن القاسم أنه هاب أن يَسأل مالكاً
عنه (٧) .
(١) الإجماع ص ٧٢، والإقناع كلاهما لابن المنذر ٢٨٩/٢ - ٢٩٠.
(٢) ينظر معالم السنن ١٠٥/٤، والإشراف ٢٠٨/٢، والمحلى ٣٠٨/٩ - ٣١٠.
(٣) في الإشراف ٢/ ٢٠٨ .
(٤) تقدم ١٠٣/٥ .
(٥) قول ابن المنذر في الإشراف إثر الحديث هو: فلا يجوز غير ما قاله النبي #؛ لأن هذا خبر وليس بأمر.
(٦) الإجماع ص٧٣ .
(٧) المدونة ٢٤٩/٢ .

١١٠
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
فإن بال منهما معاً؛ فالمعتبر سبقُ البول؛ قاله سعيد بن المسيِّب وأحمد وإسحاق.
وحُكي ذلك عن أصحاب الرأي. ورَوى قَتادةُ عن سعيد بن المسيِّب أنه قال في
الخنثى: يُوَرَّتُه من حيث يبول، فإن بال منهما جميعاً؛ فمن أيِّهما سبق(١)، فإن بال
منهما معاً؛ فنصفُ ذكر ونصف أنثى. وقال يعقوب ومحمد: من أيهما خرج أكثر
ورث؛ وحُكي عن الأوزاعيّ. وقال النعمان: إذا خرج منهما معاً فهو مُشْكِل، ولا
أنظر إلى أيِّهما أكثر. ورُوي عنه أنه وقف عنه إذا كان هكذا. وحُكي عنه أنه(٢) قال:
إذا أشكل يُعْطَى أقلَّ النصيبين.
وقال يحيى بن آدم: إذا بال من حيث يبول الرجل، ويحيض كما تحيض المرأة،
وَرِث من حيث يبول؛ لأن في الأثر: يورَّث من مَباله(٣). وفي قول الشافعيِّ: إذا خرج
منهما جميعاً ولم يسبق أحدهما الآخر، يكون مُشْكِلاَ، ويُعطَى من الميراث ميراثَ
أنثى، ويوقَف الباقي بينه وبين سائر الورثة، حتى يتبيَّن أمره أو يصطلحوا. وبه قال أبو
ثور. وقال الشَّعبيُّ: يُعطى نصفَ ميراث الذكر، ونصفَ ميراث الأنثى(٤). وبه قال
الأوزاعيُّ، وهو مذهب مالك(٥).
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٩٢٠٥)، وابن أبي شيبة ٣٥٠/١١.
(٢) قوله: أنه، من (ظ).
(٣) أخرجه ابن عدي في الكامل ٣/ ١١٠٠ و٢١٣١/٦، والبيهقي ٢٦١/٦ ، وابن الجوزي في
الموضوعات (١٧٦٦) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول
الله * سئل عن مولود ولد وله قبل ودبر، من أين يورث؟ فقال النبي ﴾: ((من حيث يبول)).
وأورده الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٢٨/١ وقال: والكلبي هو محمد بن السائب متروك ...
وقد روى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق هذا عن علي: أنه ورَّث خنثى من حيث يبول، وإسناده صحيح.
قلنا: أخرجه عبد الرزاق (١٩٢٠٤)، وابن أبي شيبة ٣٤٩/١١ .
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ١١/ ٣٥٠، والدارمي (٢٩٧١)، والدَّارَ قُطْنِي (٤١٠٢) بنحوه.
(٥) ينظر بحث الخنثى والأقوال التي ذكرها المصنف في مختصر اختلاف العلماء ٤٥٦/٤ - ٤٥٨، وبدائع
الصنائع ٤٦١/١٠، والتهذيب في الفرائض ص ٣٤٧، والمغني ١٠٨/٩، والمجموع ٤٨/٢ .

١١١
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
قال ابن شاسٍ في ((جواهره الثمينة على مذهب مالكٍ عالم المدينة))(١): الخنثى
يعتبر إذا كان ذا فرجين - فرج المرأة وفرج الرجل - بالمبَال منهما، فيُعطَى الحكمُ لِمَا
بال منه، فإن بال منهما اعتُبرت الكثرة من أيِّهما، فإن تساوى الحال، اعتُبر السَّبْقُ،
فإن كان ذلك منهما معاً، اعتُبر نباتُ اللحية، أو كِبَر الثَّديين ومشابهتُهما الثدي النساء،
فإن اجتمع الأمران، اعتُبر الحالُ عند البلوغ، فإن وُجد الحيضُ حُكم به، وإن وُجد
الاحتلام وحده حُكم به، فإن اجتمعا فهو مُشْكِل. وكذلك لو لم يكن فرج، لا
المختصُّ بالرجال، ولا المختصُّ بالنساء، بل كان له مكان يبول منه فقط، انتظر به
البلوغ، فإن ظهرت علامة مميّزة، وإلا فهو مُشْكِل. ثم حيث حكمنا بالإشكال؛
فمیراتُه نصفُ نصيبي ذكر وأنثى.
قلت: هذا الذي ذكروه من العلامات في الخنثى المشكل. وقد أشرنا إلى علامة
في ((البقرة)) وصدرٍ هذه السورة (٢) تلُحقه بأحد النوعين، وهي اعتبار الأضلاع؛ وهي
مرويةٌ عن عليٍّ عه، وبها حَكَم (٣). وقد نظم بعضُ الفضلاء العلماء(٤) حكم الخُنْثى
في أبيات كثيرة أوَّلها :
وأنه مُعْتَبَرُ الأحوالِ
بالشَّذْي واللِّحية والمبّالِ
وفيها يقول:
ولم تَبِن وأشكلتْ آيَاتُه
وإن يكن قد استوت حالاتُه
ستةُ أثمانٍ من النَّصيبِ
فحظُّه من مَوْرِث القريبِ
وفيه ما فيه من النَّكالِ
هذا الذي استحقَّ للإشكالِ
(١) ٤٥٦/٣ .
(٢) ١/ ٤٥٠، وص ٧ من هذا الجزء.
(٣) قال ابن قدامة في المغني ٩/ ١٠٩: لو صح هذا لما أشكل حاله، ولما احتيج إلى مراعاة المبال.
(٤) قوله: الفضلاء، من (م) وليس في باقي النسخ.

١١٢
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
وواجبٌ في الحقِّ أَلَّا يَنكِحا ما عاش في الدنيا وألا يُنكَحا
ولا اغْتدى من جُملة الرجالِ
إذْ لم يكن مِن خالص العيالِ
وكلُّ ما ذكرتُه في النَّظُمِ
قد قاله سَرَاءُ أهل العلمِ
منهم ولم يجنح إليه لَوْمُ
وقد أبَى الكلامَ فيه قومُ
لفَرْطِ ما يبدو من الشَّناعه
وقد مضى في شأنه الخَفِيِّ
بأنه إن نقصت أضلاعُهُ
في الإرث والنكاح والإحرامِ
وإن تزد ضلعاً على الذُّكرانِ
في ذكره وظاهرِ البَشَاعةْ
حكمُ الإمام المرتَضَى عليٍّ
فللرجال ينبغي إِتباعهُ
في الحج والصلاة والأحكامِ
فإنها من جملة النِّسوانِ
على الرجال فاغتنمها فائدة
لأن للنِّسوان ضلعاً زائدةْ
لِخَلْقِ حوَّاءَ وهذا القولُ حقّ
إذ نقصت من آدم فيما سَبَّقْ
صلَّى عليه رَبُّنا دليلٌ
عليه مما قاله الرسولُ
قال أبو الوليد بن رُشْد: ولا يكون الخنثى المشكلُ زوجاً ولا زوجةً، ولا أباً ولا
أمّا. وقد قيل: إنه قد وُجد مَن له ولدٌ من بطنه وولدٌ من ظهره. قال ابن رُشْد: فإن
صحَّ، وَرِث من ابنه لصلبه ميراثَ الأب كاملاً، ومن ابنه لبطنه ميراثَ الأمِّ كاملاً.
وهذا بعيد، والله أعلم.
وفي سنن الدَّارَتُطْنِيِّ عن أبي هانئ عمر بن بشير قال: سئل عامرٌ الشَّعبيُّ عن
مولود ليس بذكر ولا أنثى، ليس له ما للذَّكَر ولا ما للأنثى، يخرج من سرَّته كهيئة
البول والغائط، فسئل عامر عن ميراثه، فقال عامر: نصفُ حظّ الذكر، ونصفُ حظّ
الأنثى(١).
(١) سنن الدَّارَ قُطْنِيَّ (٤١٠٢)، وقد تقدم تخريجه عند كلام المصنف عن الخنثى.

١١٣
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ أي: لأبوي الميت. وهذا كنايةٌ عن غير
مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه، كقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]
و﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾(١). و﴿السُّدُسُ﴾ رفع بالابتداء، وما قبله خبرُه، وكذلك
(الثُّلُثُ)) و((السُّدُسُ))، وكذلك (نِصْفُ مَا تَرَكَ))، وكذلك ((فَلَكُم الرُّبُعُ»، وكذلك ((وَلَهُنّ
الرُُّعُ)) و((فَلَهُنَّ الثُّمِنُ))، وكذلك ((فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ)) (٢).
والأبوان تثنيةُ الأب والأَبَةِ. واستغني بلفظ الأمِّ عن أن يقال لها: أبة. ومِن العرب
مَن يُجْري المختلِفَيْنِ مُجْرَى المتَّفْقَيْن؛ فيغلِّبُ أحدهما على الآخر لخفَّتِه أو شهرته.
جاء ذلك مسموعاً في أسماءٍ صالحة، كقولهم للأب والأمِّ: الأبوان. وللشمس
والقمر: القمران. ولِلَّيل والنهار: المَلَوَان. وكذلك: العُمَران لأبي بكر وعمر رضي
الله عنهما. غَلَّبوا القمر على الشمس لخفَّة التذكير، وغَلَّبوا عُمَرَ على أبي بكر؛ لأن
أيام عمر امتدَّت فاشتَهرت. ومَن زعم أنه أراد بالعُمَرين عمر بن الخطاب وعمر بن
عبد العزيز؛ فليس قوله بشيء؛ لأنهم نطقوا بالعُمَرين قبل أن يَرَوْا عمر بن عبد
العزيز؛ قاله ابن الشَّجَري(٣).
ولم يدخل في قوله تعالى: ((ولأَبَوَيْه)) مَن علا من الآباء دخولَ مَن سفَل من
الأبناء في قوله: ((أَوْلَادِكُمْ))؛ لأن قوله: ((ولأَبَوَيْه)) لفظٌ مثنَّى لا يحتمل العمومَ
والجمعَ أيضاً؛ بخلاف قوله: ((أَوْلَادِكُمْ)). والدليل على صحة هذا قوله تعالى: ﴿فَإِن
لَّ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ: أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُهُ﴾ والأمُّ العليا جَدَّة، ولا يُفرض لها الثلث
بإجماع. فخروج الجدَّة عن هذا اللفظ مقطوعٌ به، وتناولُه للجَدِّ مختلَفٌ فيه (٤).
فممَّن قال: هو أبٌ، وحَجَب به الإخوة، أبو بكر الصدِّيقُ ﴾، ولم يخالفه أحدٌ
(١) أمالي ابن الشجري ١/ ٩٠ .
(٢) مشكل إعراب القرآن ١/ ١٩١.
(٣) في الأمالي ١/ ١٩ .
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣٣٧ .

١١٤
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
من الصحابة في ذلك أيامَ حياته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته؛ فممَّن قال: إنه أبٌ،
ابنُ عباس وعبدُ الله بن الزبير وعائشةُ ومعاذ بن جبل وأُبَيّ بن كعب وأبو الدرداء وأبو
هريرة، كلُّهم يجعلون الجَدَّ عند عدم الأب كالأب سواء، يحجبون به الإخوة كلَّهم،
ولا يرثون معه شيئاً. وقاله عطاءٌ وطاوس والحسن وقتادة. وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو
ثَوْر وإسحاق(١).
والحجَّة لهم قولُه تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيَكُمْ إِنْزِهِيرٌ﴾ ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ﴾، وقوله عليه الصلاة
والسلام: ((يا بني إسماعيل، ارموا، فإن أباكم كان رامياً))(٢).
وذهب عليّ بن أبي طالب وزيدٌ وابن مسعود إلى توريث الجدِّ مع الإخوة. ولا
ينقص من الثلث مع الإخوة للأب والأم، أو للأب، إلّا مع ذوي الفروض، فإنه لا
ينقص معهم من السدس شيئاً في قول زيد. وهو قول مالك والأوزاعيٍّ وأبي يوسف
ومحمد والشافعيِّ. وكان عليٍّ يُشرك بين الإِخوة والجَدِّ إلى السدس، ولا ينقصه من
السدس شيئاً مع ذوي الفرائض وغيرهم. وهو قول ابن أبي لَيْلى وطائفة(٣).
وأجمع العلماء على أن الجَدَّ لا يرث مع الأب، وأن الابن يحجب أباه. وأنزلوا
الجَدَّ بمنزلة الأب في الحجب والميراث إذا لم يترك المتوفّى أباً أقربَ منه في جميع
(٤)
المواضع (٤).
وذهب الجمهور إلى أن الجَدَّ يُسقط بني الإخوة من الميراث؛ إلا ما رُوي عن
الشَّعبِيِّ عن عليٍّ أنه أجرى بني الإخوة في المقاسمة مُجْرَى الإخوة. والحجَّة لقول
(١) الاستذكار ٤٣٤/١٥، والتمهيد ١٠١/١١، والتهذيب في الفرائض للكلوذاني ص ٩٥ - ٩٧ ،
والمغني ٦٦/٩ . وأخرجه البخاري عن أبي بكر وابن الزبير (٣٦٥٨)، وذكره تعليقاً عنهما وعن ابن
عباس قبل الحديث (٦٧٣٧).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣٣٧/١، والحديث تقدم تخريجه ص١٠٣ من هذا الجزء.
(٣) ينظر الاستذكار ٤٣٦/١٥ - ٤٣٨، والتمهيد ١٠٢/١١، والتهذيب في الفرائض ص ٩٧ -٩٩ ،
والمغني ٦٦/٩ -٧٠ .
(٤) الإقناع لابن المنذر ٢٨٦/١ .

١١٥
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
الجمهور: أن هذا ذَكَرٌ لا يعصِّب أخته، فلا يقاسِم الجدَّ كالعم وابنِ العم (١).
قال الشعبي: أوَّلُ جدِّ وُرِّث في الإسلام عمرُ بن الخطاب ◌َ﴾؛ مات ابن لعاصم
ابن عمر(٢) وترك أخوين، فأراد عمر أن يستأثر بماله، فاستشار عليًّا وزيداً في ذلك،
فمثَّلا له مَثلاً، فقال: لولا أن رأيكما اجتمع ما رأيتُ أن يكون ابني ولا أكون أباه (٣).
روى الدَّارَقُظْنِيُّ (٤) عن زيد بن ثابت: أن عمر بن الخطاب استأذن عليه يوماً،
فأذن له، ورأسُه في يدِ جاريةٍ له تُرَجِّله، فنزع رأسه، فقال له عمر: دعها ترجِّلك.
فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلتَ إليَّ جئتُك. فقال عمر: إنما الحاجةُ لي، إني
جئتُك لنظر (٥) في أمر الجَدِّ. فقال زيد: لا والله؟ ما تقول(٦) فيه. فقال عمر: ليس هو
بِوَحْيٍ حتى نَزيد فيه ونَنقص، إنما هو شيءٌ تراه، فإن رأيتُه وافقني تبعتُه، وإلّا لم يكن
عليك فيه شيء. فَأبَى زيد، فخرج مُغْضَباً وقال: قد جئتُك وأنا أظنُّ ستفرغ من
حاجتي. ثم أتاه مرةً أخرى في الساعة التي أتاه في المرة الأولى، فلم يزل به حتى
قال: فسأكتبُ لك فيه. فكتبه في قطعة قَتَب، وضرب له مثلاً: إنما مَثَلُه مَثَلُ شجرةٍ
تنبت على ساقٍ واحدة، فخرج فيها غصنٌ، ثم خرج في الغصن غصنٌ آخر؛ فالساقُ
(١) المنتقى ٢٣٣/٦، وأثر الشعبي عن علي أخرجه البيهقي ٢٣١/٦
(٢) كذا نقل المصنف عن الباجي في المنتقى ٢٣٣/٦، وقال السهيلي في الفرائض ٨١/١: وهذا مما لا
يصححه أهل العلم بالأثر والأنساب، وإنما المعروف عندهم أن عاصم بن عمر عاش بعد أبيه كثيراً.
وذَكَر أن جدة عاصم، واسمها الشموس، خاصمت عمر فيه عند أبي بكر، فقضى لها به.
وكان عاصم طويلاً جسيماً، فقيهاً ديّناً، شاعراً من فصحاء الرجال، وهو جد الخليفة عمر بن عبد العزيز
لأمه. توفي سنة (٧٠هـ). السير ٤ / ٩٧ .
(٣) أخرجه بنحوه عبد الرزاق (١٩٠٤١)، والدارمي (٢٩٥٧)، والبيهقي ٢٤٧/٦ . قال البيهقي: هذا
مرسل؛ الشعبي لم يدرك أيام عمر، غير أنه مرسل جيد. ا. هـ. ولم يُذكر اسمُ عاصم بن عمر في أي من
هذه الروايات.
(٤) سنن الدَّارَ قُطْنِي (٤١٤٠)، وأخرجه البيهقي ٦/ ٢٤٧. وقوَّى إسناده الحافظ في الفتح ١٢/ ٢١ .
(٥) في (د) و (ز) و (ظ) و(م): لتنظر، والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في سنن الدَّارَ قُطْنِي.
(٦) في (خ): نقول.

١١٦
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
يَسقي الغصن، فإن قطعتَ الغصن الأولَ رجع الماء إلى الغصن الثاني(١)، وإن قطعتَ
الثاني رجع الماء إلى الأول. فأتى به، فخطب الناسَ عمرُ، ثم قرأ قطعة القتب
عليهم، ثم قال: إن زيد بن ثابت قد قال في الجَدِّ قولاً وقد أمضيتُه. قال: وكان عمر
أولَ جدِّ كان، فأراد أن يأخذ المال كلَّه، مالَ ابنِ ابنه دون إخوته، فقسمه بعد ذلك
عمر بن الخطاب .
الرابعة عشرة: وأما الجَدَّة؛ فأجمع أهل العلم على أن للجَدّة السدسَ إذا لم يكن
للميت أمِّ. وأجمعوا على أن الأمَّ تحجب أمَّها وأمَّ الأب. وأجمعوا على أن الأب لا
يحجب أمَّ الأم. واختلفوا في توريث الجَدَّة وابنُها حي (٢)، فقالت طائفة: لا ترث
الجدَّة وابنُها حيّ؛ رُوي عن زيد بن ثابت وعثمان وعلي، وبه قال مالك والثَّوْرِيُّ
والأوزاعِيُّ وأبو ثَوْر وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: ترث الجَدَّة مع ابنها؛ رُوي عن
عمر وابن مسعود وعثمان وعليٍّ(٣) وأبي موسى الأشعريِّ، وقال به شُريح وجابر بن
زيد وعبيد الله بن الحسن وشَرِيكٌ وأحمد وإسحاق وابن المنذر (٤)؛ وقال: كما أن
الجَدَّ لا يحجبه إلَّا الأب، كذلك الجدَّة لا يحجبها إلَّ الأم. وروى الترمذِيُّ عن
عبدالله قال في الجدة مع ابنها: إنها أول جدَّة أطعمها رسول الله ﴾ سدساً مع ابنها
وابنُها حيّ(٥). والله أعلم.
(١) قوله: الثاني، من (ظ) و (د) وليس في باقي النسخ.
(٢) الإقناع لابن المنذر ٢٨٥/١.
(٣) كذا ذكر المصنف، ولم نقف على من نقل عن عثمان وعلي رضي الله عنهما خلاف القول الأول وهو
أنه لا ترث الجدة وابنها حي. ينظر المحلى ٢٧٩/٩، والتمهيد ١٠٤/١١، والاستذكار ٤٥٤/١٥،
والتهذيب في الفرائض ص١٦١، والمغني ٩/ ٦٠ . وكذلك كتب الحديث التي أخرجت الآثار الواردة
هنا، وهي مصنف عبد الرزاق ٢٧٦/١٠ - ٢٧٩، ومصنف ابن أبي شيبة ٣٣٠/١١ - ٣٣٧، ومسند
الدارمي ١٩٢٤/٤ - ١٩٢٧، وسنن البيهقي ٢٢٥/٦ - ٢٢٦.
(٤) الإقناع ٢٨٥/١.
(٥) سنن الترمذي (٢١٠٢). وفي إسناده محمد بن سالم، قال البيهقي ٢٢٦/٦ : محمد بن سالم يتفرد به،
وقال عبد الحق في الأحكام الوسطى ٣٢٩/٣: محمد بن سالم هو الفارض، وهو ضعيف جداً شبه
المتروك. وأخرجه أبو داود في المراسيل (٣٥٧) عن الحسن، و(٣٥٨) عن ابن سيرين.

١١٧
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
الخامسة عشرة: واختلف العلماء في توريث الجَدَّات؛ فقال مالك: لا يرث إلا
جدَّتان، أمُّ أمِّ، وأمُّ أبٍ، وأمَّهاتهما. وكذلك روى أبو ثَوْر عن الشافعيِّ، وقال به
جماعة من التابعين. فإن انفردت إحداهما؛ فالسُّدسُ لها، وإن اجتمعتا وقرابتُهما
سواءٌ، فالسدسُ بينهما. وكذلك إن كَثُرْن إذا تساوَيْن في القُعْدُد؛ وهذا كلُّه مجمَع
عليه. فإن قَرُبت التي مِن قِبَل الأم؛ كان لها السدسُ دون غيرها، وإن قَرُبت التي مِن
قِبَل الأب؛ كان بينها وبين التي مِن قِبل الأم وإن بعدت. ولا ترث إلا جَدّةٌ واحدةٌ من
قِبَل الأم. ولا ترث الجدّةُ أمُّ أبِ الأمّ على حال. هذا مذهب زيد بن ثابت، وهو أثبت
ما رُوي عنه في ذلك. وهو قول مالك وأهلِ المدينة(١).
وقيل: إن الجَدَّاتِ أمهاتٌ؛ فإذا اجتمعن؛ فالسدس لأقربهنّ؛ كما أن الآباء إذا
اجتمعوا كان أحقّهم بالميراث أقربُهم، فكذلك البنون والإخوة. وبنو الإخوة وبنو
العمّ، إذا اجتمعوا كان أحقّهم بالميراث أقربُهم، فكذلك الأمهات. قال ابن المنذر:
وهذا أصحّ، وبه أقول.
وكان الأوزاعيُّ يورِّث ثلاثَ جدَّاتٍ: واحدةٌ مِن قِبَل الأمّ، واثنتين مِن قِبل
الأب، وهو قول أحمد بن حنبل(٢)؛ رواه الدَّارَقُطْنِيُّ عن النبيِّلَ﴿ُ مُرْسلاً(٣). ورَوَى
عن زيد بن ثابت عكسَ هذا؛ أنه كان يورِّث ثلاث جدَّات: ثنتين من قِبَل(٤) الأم،
وواحدةٌ مِن قِبل الأب(٥). وقول عليٍّ ﴾ كقول زيد هذا. وكانا يجعلان السدس
لأقربهما، من قِبل الأم كانت أو من قِبل الأب. ولا يَشْرَكُها فيه من ليس في
(١) التمهيد ٩٨/١١، والاستذكار ٤٤٩/١٥، وينظر الإجماع ص٧١، والمغني ٩/ ٥٤ فما بعدها، وأثر
زيد في هذه المسألة أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٨٧) (١٩٠٨٨) وابن أبي شيبة ٣٢٨/١١ - ٣٢٩.
(٢) التمهيد ٩٩/١١، والاستذكار ٤٥٠/١٥ .
(٣) سنن الدَّارَ قُطْنِي (٤١٣١) و(٤١٣٦)، وأخرجه أبو داود في المراسيل (٣٥٥) و (٣٥٦).
(٤) في (م): جهة.
(٥) سنن الدَّارَ قُطْنِي (٤١٣٨)، وهو من طريق سعيد بن المسيب عن زيد، وسعيد لم يسمع من زيد. التهذيب
٤٥/٢.

١١٨
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
قُعْدُدِها(١)؛ وبه يقول الثَّورِيُّ وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور.
وأما عبدالله بن مسعود وابنُ عباس فكانا يورِّثان الجدَّاتِ الأربع؛ وهو قول
الحسن البصريِّ ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد (٢).
قال ابن المنذر: وكلُّ جَدَّة إذا نُسبت إلى المُتَوَقَّى وقع في نسبها أبٌ بين أمَّيْن،
فليست تَرث في قول كلِّ مَن يُحفظ عنه من أهل العلم.
السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ وَحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ فَرَضَ تعالى لِكلِّ واحد
من الأبوين مع الولد السُّدسَ، وأبْهم الولد، فكان الذكر والأنثى فيه سواءً. فإن مات
رجل وترك ابناً وأبوين، فلأَبَوَيْه لكلِّ واحد منهما السدس، وما بقي فللابن. فإن ترك
ابنة وأبوين، فللابنة النصفُ وللأبوين السدسان، وما بقي فلأقرب عَصَبة، وهو
الأب(٣)؛ لقول رسول اللـه ﴾: ((ما أبقت الفرائضُ فلأَوْلَى رجلٍ ذكر))(٤). فاجتمع
للأب الاستحقاقُ بجهتين: التعصيب والفرض(٥).
﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ: أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ اَلتُلُثُ﴾ فأخبر جلَّ ذِكْرُه أن الأبوين إذا ورِثاه
أن للأم الثلث. ودلَّ بقوله: ﴿وَوَرِثَهُ، أَبَوَاهُ﴾ وإخبارِه أن للأُمِّ الثلث، أن الباقي - وهو
الثلثان - للأب. وهذا كما تقول لرجلين: هذا المال بينكما، ثم تقول لأحدهما: أنت
يا فلان لك منه الثلث، فإنك حدَدْتَ للآخَر منه الثلثين بنصِّ كلامك؛ ولأن قوة
الكلام في قوله: ﴿وَوَرِتَهُ: أَبَوَهُ﴾ يدلُّ على أنهما منفردان عن جميع أهل السهام من
ولدٍ وغيره(٦)، وليس في هذا اختلاف.
(١) أخرج عبد الرازق (١٩٠٩٠)، وسعيد بن منصور (٨٤)، والدارمي (٢٩٨٢)، والبيهقي ٢٣٧/٦، عن
الشعبي: أن عليّاً وزيداً كانا يورثان ثلاث جدات، ثنتين من قبل الأب وواحدة من قبل الأم، وكانا
یجعلان السدس لأقربهما.
(٢) التمهيد ٩٩/١١، والاستذكار ٤٥٠/١٥ - ٤٥١ .
(٣) الإقناع ١/ ٢٨٠ .
(٤) هو تتمة حديث: ((ألحقوا الفرائض بأهلها)) وسلف ص١٠١ من هذا الجزء.
(٥) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٤٥/٢ .
(٦) المحرر الوجيز ١٦/٢ .

١١٩
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
قلت: وعلى هذا يكون الثلثان فرضاً للأب مسمّى لا يكون عَصَبة، وذكر ابن
العربيّ(١) أن المعنى في تفضيل الأب بالثلث عند عدم الولد: الذكوريةُ والنصرة،
ووجوبُ المؤنة عليه، وثبتت الأمُّ على سهمٍ لأجل القرابة.
قلت: وهذا منتقض؛ فإن ذلك موجود مع حياته، فَلِم حُرِم السدسَ؟ والذي يظهر
أنه إنما حُرم السدسَ في حياته إرفاقاً بالصبيِّ وحِياطةً على ماله؛ إذْ قد يكون إخراج
جزء من ماله إجحافاً به. أو أن ذلك تعبّدٌ، وهو أولى ما يقال. والله الموفّق.
السابعة عشرة: إن قيل: ما فائدةُ زيادة الواو في قوله: ﴿وَوَرِثَهُ، أَبَوَهُ﴾ وكان ظاهر
الكلام أن يقول: فإن لم يكن له ولدٌ ورثه أبواه.
قيل له: أراد بزيادتها الإخبارَ ليبيِّن أنه أمر مستقِرٌّ ثابت، فيخبر عن ثبوته
واستقراره، فيكون حال الوالدين عند انفرادهما كحال الولدين، للذَّكَر مثلُ حظّ
الأُنثيين. ويجتمع للأب بذلك فرضان: السهم والتعصِيب؛ إذ يحجب الإخوة كالولد.
وهذا عدلٌ في الحُكْم، ظاهرٌ في الحكمة(٢). والله أعلم.
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَلِأُمِّهِ النُّلُثُ﴾ قرأ أهل الكوفة: ((فلاِمِّهِ الثُّلُثُ))(٣)،
وهي لغةٌ حكاها سيبويه (٤). قال الكسائيُّ: هي لغة كثيرٍ من هَوازِنَ وهُذيل. ولأن
اللام لمَّا كانت مكسورةً وكانت متصلةً بالحرف؛ كَرِهوا ضمةً بعد كسرة، فأبدلوا من
الضمة كسرةً؛ لأنه ليس في الكلام فِعُل. ومن ضمَّ جاء به على الأصل؛ ولأن اللام
تنفصلُ؛ لأنها داخلٌ على الاسم. قال جميعَه النحاس(٥) .
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُوَ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسَُّ﴾ الإِخوة يحجبون
(١) في أحكام القرآن ٣٣٨/١ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٣٣٩/١.
(٣) السبعة ص٢٢٨، والتيسير ص٩٤ ، وهي قراءة حمزة والكسائي فقط من أهل الكوفة، وأما قراءة
عاصم، فهي كقراءة الباقين.
(٤) الكتاب ١٤٦/٤ .
(٥) في إعراب القرآن ١/ ٤٤٠.

١٢٠
سورة النساء: الآيات ١١ - ١٤
الأمَّ عن الثلث إلى السدس، وهذا هو حَجْبُ النقصان، وسواء كان الإخوة أشقَّاءَ،
أو للأب، أو للأم، أو لا سهم لهم(١). ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقول: السُّدس
الذي حجب الأخوةُ الأمَّ عنه هو للإخوة(٢). ورُوي عنه مثلُ قولِ الناس: إنه للأب.
قال قتادة: وإنما أخذه الأب دونهم؛ لأنه يمُونهم، ويَلي نكاحهم والنفقةَ عليهم (٣).
وأجمع أهل العلم على أن أخوين فصاعداً، ذُكراناً كانوا أو إناثاً، من أبٍ وأم،
أو من أبٍ، أو من أم، يحجبُون الأمَّ عن الثلث إلى السدس، إلا ما رُوي عن ابن
عباس: أن الاثنين من الإخوة في حكم الواحد، ولا يحجبُ الأمَّ أقلُّ من ثلاث (٤).
وقد صار بعض الناس إلى أن الأخواتِ لا يحجبن الأمَّ من الثلث إلى السدس؛
لأن كتاب الله في الإخوة، وليست قوة ميراثِ الإناث مثلَ قوة ميراث الذكور حتى
تقتضي العبرةُ الإلحاق. قال الكِيَا الطبريُّ(٥): ومقتضَى أقوالهم ألَّا يدخلْنَ مع الإخوة
في لفظ الإخوة (٦)؛ فإن لفظ الإخوة بمظْلَقِه لا يتناول الأخوات، كما أن لفظ البنين
لا يتناول البنات. وذلك يقتضي ألّا تُحجب الأم بالأخ الواحد والأختِ من الثلث إلى
السدس؛ وهو خلافُ إجماع المسلمين. وإذا كنَّ مراداتٍ بالآية مع الإخوة؛ كنَّ
مرادات على الانفراد.
واستدلَّ الجميع بأن أقلَّ الجمع اثنان؛ لأن التثنية جمع شيء إلى مثله، فالمعنى
(١) في (خ) و (د) و (ز) و(م): ولا سهم لهم، والمثبت من (ظ).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٢٧) و (١٩٠٢٩). قال ابن عبد البر في الاستذكار ٤١٠/١٥: والإسناد عن
ابن عباس بذلك غير ثابت.
(٣) المحرر الوجيز ١٧/٢، وخبر ابن عباس أخرجه عبد الرزاق (١٩١٨٩)، والطبري ٤٦٨/٦، وخبر
قتادة أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٢٨).
(٤) المحرر الوجيز ١٧/٢، وخبر ابن عباس أخرجه الطبري ٤٦٥/٦، والحاكم ٣٣٥/٤ وصححه،
والبيهقي ٢٢٧/٦ في كلام جرى بينه وبين عثمان ، وسيذكره المصنف لاحقاً.
وينظر الاستذكار ٤٠٧/١٥ - ٤١٠، وبداية المجتهد ٢٥٨/٨، والمغني ١٨/٩ - ١٩.
(٥) في أحكام القرآن ٢/ ٣٥٠ .
(٦) قوله: في لفظ الإخوة، ليس في (م).