النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ سورة النساء: الآية ٢ الميراثَ(١). عطاء: لا تربح على يتيمك الذي عندك وهو غِرٌّ صغير (٢). وهذان القولان خارجان عن ظاهر الآية؛ فإنه يقال: تبدَّلَ الشيءَ بالشيء، أي: أخَذَه مكانَه. ومنه البَدَل. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ﴾ قال مجاهدٌ: وهذه الآيةُ ناهيةٌ عن الخلط في الإنفاق؛ فإن العربَ كانت تخلِطُ نفقتَها بنفقة أيتامها، فنُهوا عن ذلك، ثم نَسخ [منه النهي] بقوله: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وقال ابن فُورَك عن الحسن: تأوَّلَ الناس في هذه الآية النهيَ عن الخلط، فاجتنَبُوه مِن قِبَل أنفسهم، فخفّفَ عنهم في آية البقرة. وقالت طائفةٌ من المتأخرين: إنَّ ((إِلَى)) بمعنى مع(٣)، كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤]. وأنشد القُتَبِيُّ: إلى عُنُنٍ(٥) مُسْتَوْثِقَاتِ الأَوَاصِرِ(٦) يَسُدُّون (٤) أبوابَ القِباب بِضُمَّرٍ ولیس بجيّد. وقال الحُذَّاقُ: ((إِلَى)) على بابها، وهي تتضمَّنُ الإضافةَ، أي: لا تُضيفوا أموالَهم وتضمُّوها إلى أموالكم في الأكل. فنُهوا أن يعتقدوا أموالَ اليتامى كأموالهم، فيتسلَّطوا عليها بالأكل والانتفاع (٧). الخامسة: قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ ((إِنَّهُ)) أي: الأكلُ. ((كَانَ حُوباً كَبِيراً)) (١) أخرجه الطبري ٣٥٣/٦. (٢) زاد المسير ٥/٢ . (٣) المحرر الوجيز ٦/٢، وما سلف بين حاصرتين منه، وأثر الحسن أخرجه الطبري ٣٥٦/٦. (٤) في النسخ: يشدون، والمثبت من المصادر. (٥) في النسخ: عمد، والمثبت من المصادر. (٦) قائله سلمة بن الخُرشب الأنماري كما في معجم البلدان ٣٣٦/١، واللسان (أصر)، قال صاحب اللسان: يريد خيلاً رُبطت بأفنيتهم، والعُنُن: كُنُف سُترت بها الخيل من الريح والبرد. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٣٠٨/١ . ٢٢ سورة النساء: الآية ٢ أي: إثماً كبيراً؛ عن ابن عباسٍ والحسن وغيرِهما، يقال: حَابَ الرجلُ يَحُوبُ حَوْباً : إذا أَثِم(١). وأصلهُ: الزجرُ للإبل؛ فسمَّى الإثمَ حُوْباً؛ لأنه يُزجَر عنه وبه. ويقال في الدعاء: اللهم اغفر حَوْبَتي(٢)، أي: إثمي. والحَوْبَةُ أيضاً: الحاجةُ، ومنه في الدعاء: إليكَ أَرفعُ حَوْبَتي، أي: حاجتي. والحُوب: الوَحْشةُ؛ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام لأبي أيوبَ: ((إنَّ طلاقَ أمّ أيوبَ لَحُوب))(٣). وفيه ثلاث لغات: ((حُوباً)) بضمِّ الحاء، وهي قراءةُ العامةِ ولغةُ أهلِ الحجاز. وقرأ الحسنُ: ((حَوْباً)) بفتح الحاء؛ قال الأخفشُ: وهي لغةُ تميم. مقاتل: لغة الحَبَش. والحَوْبُ المصدر، وكذلك الحِيَابَةُ. والحُوبُ الاسم(٤). وقرأ أبيّ بنُ كعب: ((حَاباً)) على المصدر، مثل القال(٥)، ويجوزُ أن يكونَ اسماً، مثل الزاد. والحَوْأَبُ - بهمزة بعد الواو -: المكانُ الواسعُ. والحَوْأَبُ ماءٌ أيضاً (٦). ويقال: (١) المحرر الوجيز ٦/٢، وأخرج قول ابن عباس والحسن وغيرهما الطبري ٦/ ٣٥٧ - ٣٥٨. (٢) قطعة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أخرجه أحمد (١٩٩٧)، والترمذي (٣٥٥١) وفيه: (( ... رب اقبل توبتي واغسل حوبتي ... ))، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) تهذيب اللغة ٥/ ٢٦٧ - ٢٦٩، والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢٨٧٦) من طريق محمد بن سيرين عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٢٦٢: فيه يحيى ابن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف. وأخرجه أبو داود في المراسيل (٢٣٣) من طريق ابن سيرين عن النبي ﴾. (٤) ينظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٣٣، وتفسير أبي الليث ٣٣١/١، والنهاية ٤٥٥/١، وقراءة الحسن ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٤ . (٥) ذكرها دون نسبة الزمخشري في الكشاف ٤٩٦/١، وأبو حيان في البحر ٣/ ١٦١. (٦) هو من مياه العرب على طريق البصرة. معجم البلدان ٢/ ٣١٤، وورد ذكره في حديث عائشة رضي الله عنها، كما في مسند أحمد (٢٤٢٥٤): لما أقبلت عائشة؛ بلغت مياه بني عامر، نبحت الكلاب. قالت: أيُّ ماءٍ هذا؟ قالوا: ماء الحَوْأَب. قالت: ما أظنُّني إلا أني راجعة. فقال بعض من كان معها: بل تَقْدَمين، فيراك المسلمون، فيصلح الله عزَّ وجلَّ ذاتَ بينَهم، قالت: إن رسول # قال لها ذات يوم: ((كيف بإحداكنَّ تنبح عليها كلاب الحَوْاَب؟». ٢٣ سورة النساء: الآيتان ٢ -٣ أَلْحقَ الله به الحَوْبَةَ، أي: المسكنةَ والحاجة، ومنه قولهم: بات بِحِيبَةٍ سوءٍ (١). وأصلُ الياء الواو(٢). وتحوَّب فلانٌ، أي: تعبَّدَ وألقى الحَوْبَ عن نفسه. والتحوُّبُ أيضاً: التحزّنُ، وهو أيضاً: الصياحُ الشديد، كالزجر، وفلان يتحوَّبُ من كذا، أي: يتوجَّع(٣)، وقال ◌ُفَيْل(٤): فذُوقوا كما ذُقْنا غَداةَ مُحَجَّرٍ مِن الغَيْظِ في أكْبَادِنا والتَّحَوُّبِ (٥) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَى فَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَّ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعَدِلُوْ فَوَحِدَةً أَوْ مَا مَكَتْ أَيْمَنَّكُمْ ذَلِكَ أَدْنَ أَلَّا ٢ تَعُولُواْ فيه أربع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ شرطٌ، وجوابه: ((فَانْكِحُوا)). أي: إن خِفتُم ألَّا تعدِلوا في مهورهنَّ وفي النفقة عليهنَّ ﴿فَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي: غيرهن(٦). وروى الأئمةُ - واللفظ لمسلم(٧) - عن عروةَ بنِ الزبير، عن عائشةَ في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَى فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ قالت: يا ابن أختي، هي اليتيمةُ تكون في حِجْر وَلِيِّها تشاركه في ماله، فيُعجِبهُ مالُها وجمالُها، فيريدُ ولِيُّها أنْ يتزوَّجَها بغير (٨) أن يُقسِطَ في صَدَاقها، فيعْطِيَها مثلَ ما (١) ذكره ابن قتيبة في المعاني الكبير ٢/ ١١٤٠. (٢) مجمل اللغة ١/ ٢٥٥ . (٣) ينظر غريب الحديث لأبي عبيد ٢١/٢ . (٤) ابن عوف بن كعب الغنوي، أبو قُرَّان، شاعر جاهلي من الفحول المعدودين، ويقال: إنه من أقدم شعراء قيس، وهو مِن أَوْصِفِ العرب للخيل. الأغاني ٣٤٩/١٥ . (٥) غريب الحديث لأبي عبيد ٢١/٢، والأغاني ٣٥٢/١٥، وتهذيب اللغة ٢٦٩/٥، وجمهرة الأمثال ١٢٥/١، ومحجّر: اسم موضع. اللسان (حجر). (٦) تفسير الطبري ٣٥٨/٦. (٧) صحيح البخاري (٥٠٦٤)، وصحيح مسلم (٣٠١٨): (٦). (٨) في (د) و(م): من غير، والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في صحيح مسلم. ٢٤ سورة النساء: الآية ٣ يعطِيها غيرُه، فنُهوا أن ينكِحوهنَّ إلَّا أن يُقسِطوا لهن، ويبلُغُوا بهنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ من الصَّدَاق، وأُمِروا أن يَنكِحوا ما طاب لهم من النساء سِواهنَّ. وذَكَر الحديث. وقال ابن خُوَيْزِ مَنْدَاد: ولهذا قلنا: إنه يجوزُ أن يشتريَ الوصيُّ من مال اليتيم لنفسه، ويبيعَ من نفسه، من غيرِ مُحَابَاةٍ. وللموكِّلِ النظرُ فيما اشترى وكيلُه لنفسه أو باع منها. وللسلطان النظرُ فيما يفعله الوصيُّ من ذلك. فأمَّا الأبُ؛ فليس لأحدٍ عليه نظرٌ ما لم تظهرْ عليه المحاباةُ، فيَعترضُ عليه السلطانُ حينئذ، وقد مضى في ((البقرة)) القولُ في هذا (١). وقال الضحَّاك والحسن وغيرُهما: إنَّ الآيةَ ناسخةٌ لِمَا كان في الجاهلية وفي أوَّلِ الإسلام، من أنَّ للرجل أن يتزوَّجَ من الحرائر ما شاء، فَقَصَرَتْهنَّ الآيةُ على أربع(٢). وقال ابنُ عباس وابن جبير وغيرُهما: المعنى: وإن خفتُم ألَّا تُقسطوا في اليتامى؛ فكذلك خافوا في النساء؛ لأنهم كانوا يتحرَّجون في اليتامى، ولا يتحرَّجون في النساء(٣). و((خِفْتُمْ)) من الأضداد؛ فإنه [قد] يكونُ المَخُوفُ منه معلومَ الوقوع، وقد يكون مظنوناً؛ فلذلكَ اختلف العلماءُ في تفسير هذا الخوف (٤). فقال أبو عبيدةً(٥): ((خِفْتُمْ)) بمعنى: أيقنتم. وقال آخرون: ((خِفتم)): ظننتم. قال ابن عطيةً: وهذا الذي اختاره الحُذَّاقُ، وأنه على بابه من الظَّنِّ لا من اليقين. التقديرُ: مَن غَلَبَ على ظنِّه التقصيرُ في القسط لليتيمة؛ فليعدِلْ عنها(٦). (١) ٤٤٩/٣. (٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٣٨/٢ . (٣) أخرج هذه الآثار الطبري ٦/ ٣٦٣ - ٣٦٥. (٤) المفهم ٧/ ٣٢٥ - ٣٢٦، وما سلف بين حاصرتين منه. (٥) مجاز القرآن ١١٦/١. (٦) هو بنحوه في المحرر الوجيز ٦/٢ . أما ما ذكره المصنف فهو كلام ابن العربي في أحكام القرآن ١/ ٣١٠ حيث قال: والصحيح عندي أنه على بابه من الظن ... ٢٥ سورة النساء: الآية ٣ و(تُقْسِطوا)) معناه: تَعدلوا. يقال: أقسطَ الرجلُ: إذا عَدلَ. وقَسَط: إذا جار وظلم صاحبَه؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] يعني الجائرين(١). وقال عليه الصلاة والسلام: ((المقسِطُونَ في الدِّين على منابر من نورٍ يومَ القيامة)) يعني العادلين(٢). وقرأ ابن وَثَّاب والنَّخَعيُّ: ((تَقْسِطُوا)) بفتح التاء، من ((قَسَط)) على تقدير زيادةٍ (١))، كأنه قال: وإن خفتُم أن تَجُوروا(٣). الثانية: قوله تعالى: ﴿فَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ إن قيل: كيف جاءت (ما)) للآدميِّين، وإنما أصلُها لِمَا لا يَعقِل؟ فعنه أجوبةٌ خمسةٌ : الأول: أنَّ ((مَن)) و((ما)) قد يتعاقبان؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَهَا﴾ [الشمس: ٥] أي: ومَن بناها، وقال: ﴿فَمِنْهُم ◌َن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُم مَن يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىَ أَرَبَعْ﴾ (٤) [النور: ٤٥]. فـ ((ما)) ههنا لمن يعقلُ، وهنَّ النساء؛ لقوله بعد ذلك: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ مبيِّناً لمبهَم [ما](٥). وقرأ ابن أبي عَبْلَةَ: ((مَنْ طَابَ)) على ذكرٍ مَن يَعْقِل(٦). الثاني: قال البصريون: ((ما)) تقع للنعوت كما تقع لِمَا لا يعقل؛ يقال: ما عندَك؟ فيقال: ظريفٌ وكريمٌ. فالمعنى: فانكِحوا الطيِّبَ من النساء، أي: الحلالَ، وما حرَّمه الله فليس بطيِّب(٧). وفي التنزيل: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، فأجابه موسى على وفقِ ما سأل، وسيأتي. (١) في (د) و(م): الجائرون. (٢) تفسير أبي الليث ٣٣١/١، والحديث أخرجه أحمد (٦٤٩٢)، ومسلم (١٨٢٧) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. (٣) المحرر الوجيز ٦/٢، وقراءة ابن وثاب والنخعي في القراءات الشاذة ص٢٤، والمحتسب ١٨٠/١. (٤) تفسير البغوي ١/ ٣٩١ . (٥) المفهم ٣٢٦/٧، وما بين حاصرتين منه. (٦) المحرر الوجيز ٢/ ٧، وذكر القراءة أبو حيان في البحر ١٦٢/٣. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٤/١. ٢٦ سورة النساء: الآية ٣ الثالث: حكى بعضُ الناس أنَّ ((ما)) في هذه الآيةِ ظرفيةٌ، أي: ما دُمتم تستحسنون النكاح. قال ابن عطيةً(١): وفي هذا المنزعِ ضَغْفٌ. جوابٌ رابع: قال الفرَّاء: ((ما)) ههنا مصدرٌ؛ قال النحاس(٢): وهذا بعيدٌ جدّاً، لا يصحُّ: فانكحوا الطَّيبة. قال الجوهريُّ(٣): طابَ الشيءُ يَطِيبُ طَيْبَةً وَتَطْياباً. قال علقمةُ: كأنَّ تَظْيَابَها في الأنفِ مَشْمُومُ(٤) جوابٌ خامس: وهو أنَّ المرادَ بـ ((ما)) هنا العَقْدُ؛ أي: فانكِحوا نكاحاً طيِّياً(٥). وقراءةُ ابنِ أبِي عَبْلَةَ تَردُّ هذه الأقوالَ الثلاثة. وحكى أبو عمرو بنُ العلاء أنَّ أهل مكة إذا سمعوا الرعدَ قالوا: سبحانَ ما سبَّح له الرعدُ (٦). أي: سبحان مَن سَبَّح له الرعدُ، ومثلُه قولُهم: سبحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لنا. أي: مَن سَخَّر كنّ(٧). واتفق كلُّ مَن يُعاني العلومَ على أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَإِنْ خِقْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلْيَ﴾ ليس له مفهوم؛ إذْ قد أَجْمعَ المسلمون على أنَّ مَن لم يَخَفِ القِسْطَ في اليتامى له أن يَنكِحَ أكثرَ من واحدةٍ: اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً، كمن خاف. فدَلَّ على أنَّ الآيةَ نزلتْ جواباً لمن خاف ذلك، وأنَّ حُكْمَها أعمُّ من ذلك(٨). الثالثة: تَعلَّقَ أبو حنيفةَ بهذه الآيةِ في تَجويزه نكاحَ اليتيمة قبل البلوغ، وقال: (١) المحرر الوجيز ٢/ ٧ . (٢) في إعراب القرآن ٤٣٤/١، وقول الفراء في معاني القرآن له ٢٥٣/١. (٣) الصحاح (طيب). (٤) ديوان علقمة ص٥١ ، وصدره: يحملنَ أُتْرُجَّةٌ نَضْجُ العبير بها ... قال شارح الديوان: يعني يحملن امرأة أطلَّت بالزعفران. (٥) ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٣١٢/١ وردَّه، وقال: والصحيح رجوعه إلى المعقود عليه، التقدير: انكحوا مَن حلّ لكم من النساء. (٦) أخرجه الطبري ٤٥٨/٢٤ . (٧) المقتضب ٢٩٦/٢ . (٨) المفهم ٧/ ٣٣٠ . ٢٧ سورة النساء: الآية ٣ إنما تكون يتيمةً قبل البلوغ، وبعد البلوغ هي امرأةٌ مُظْلَقةٌ لا يتيمةٌ، بدليلٍ أنه لو أراد البالغةَ لَمَا نَهى عن حَطّها عن صَداقٍ مثلِها؛ لأنها تختارُ ذلك، فيجوزُ إجماعاً. وذهب مالكٌ والشافعيُّ والجمهورُ من العلماء إلى أنَّ ذلك لا يجوز حتى تبلغَ وتُستأمر؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى اُلِنِسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]. والنساءُ اسمٌ ينطلقُ على الكبار، كالرجال في الذكور، واسمُ الرجل لا يتناولُ الصغيرَ، فكذلك اسمُ النساءِ والمرأةِ لا يتناولُ الصغيرةَ. وقد قال: ﴿فِى يَتَمَى النِّسَآءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، والمرادُ به هناك اليتامى هنا(١)، كما قالت عائشةُ رضي الله عنها(٢). فقد دخلتِ اليتيمةُ الكبيرةُ في الآية فلا تُزوَّجُ إلَّا بإذنها، ولا تُنكَحُ الصغيرةُ؛ إذْ لا إِذْنَ لها، فإذا بَلَغتْ جازَ نِكاحُها، لكنْ لا تُزوَّجُ إلَّا بإذنها(٣)؛ كما رواه الدار قطنيُّ (٤) من حديث محمد بنٍ إسحاقَ، عن نافع، عن ابن عمرَ قال: زوَّجني خالي قُدَامةُ بنُ مَظْعُونٍ بنتَ أخيه عثمانَ بنِ مظعونَ، فدخلَ المغيرةُ بنُ شعبةَ على أمِّها، فَأَرْغبَها في المال وخطبها إليها، فرُفعَ شأنُها إلى النبيِّ ◌َ﴾، فقال قُدامة: يا رسول الله، ابنةُ أخي؛ وأنا وصيُّ أبيها ولم أُقصِّر بها، زوَّجْتُها مَن قد علمتَ فضلَه وقرابته. فقال(٥) رسول الله ◌ِ﴾]: ((إنها يتيمةٌ، واليتيمةُ أَوْلى بأمرها)). فنُزِعَتْ مني، وزوَّجها المغيرةَ بنَ شعبة. قال الدارَقُطْنِيُّ: لم يسمعْه محمدُ بن إسحاقَ مِنْ نافع، وإنَّما سمعه من عمرَ بنِ حسينٍ عنه (٦). ورواه ابنُ أبي ذئبٍ، عن عمرَ بنِ حسينٍ، عن نافع، عن عبدالله بن عمرَ: أنه تزوَّجَ بنتَ خالِه عثمانَ بنِ مظعونٍ قال: فذهبتْ أمُّها إلى رسول اللـه ل﴾، فقالت: إنَّ (١) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣١٠ - ٣١١، وأحكام القرآن للكيا الطبري ٣١٣/٢ . (٢) قالت: هي اليتيمة تكون في حجر وليها .... وسلف في المسألة الأولى. (٣) المفهم ٣٢٦/٧ . (٤) في سننه (٣٥٤٦). (٥) بعدها في (د) و(م): له. (٦) أخرجه أحمد (٦١٣٦)، والدار قطنيُّ (٣٥٤٧) من طريق محمد بن إسحاق، عن عمر بن حسين، عن نافع، به. ٢٨ سورة النساء: الآية ٣ ابنتي تَكْرَهُ ذلك، فأمرَهُ النبيُّ ﴿ أن يفارقَها، ففارقَها، وقال: ((ولا تُنكِحوا اليتامى حتى تستأمروهنَّ، فإذا سكتْنَ فهو إذنُها)). فتزوَّجها بعدَ عبدِ الله المغيرةُ بنُ شعبة(١). فهذا يردُّ ما يقوله أبو حنيفةَ من أنها إذا بَلَغتْ لم تَحْتَجْ إلى وليٍّ، بناءً على أصله في عدم اشتراطِ الوليٍّ في صِحَّة النكاح (٢). وقد مضى في ((البقرة)) ذكرُه(٣). فلا معنَى لقولهم (٤): إنَّ هذا الحديثَ محمولٌ على غيرِ البالغة، لقوله: ((إلَّا بإذنها))(٥) [وليس للصغيرة إذن]. فإنه كانَ لا يكونُ لذكرِ اليتيم (٦) معنَى (٧)، والله أعلم. الرابعة: وفي تفسير عائشةً للآية من الفقه ما قال به مالكٌ من صَداق المِثْل، والردِّ إليه فيما فَسَد مِن الصَّداق ووقَعَ الغُبْنُ في مقداره؛ لقولها: بأدنى من سُنَّة صَداقِها(٨). فوجَبَ أن يكونَ صَداقُ المِثْلِ معروفاً لكلِّ صِنْفٍ من الناس على قَدْرِ أحوالهم. وقد قال مالك(٩): للناس مناكحُ عُرفتْ لهم وعُرفوا لها. أي: صَدُقاتٌ وأَكْفَاء. وسُئل مالكٌ عن رجلٍ زوَّجَ ابنتَه [غنيةً] من ابن أخٍ له فقيرٍ، فاعترضتْ أمُّها. فقال: إني لأَرى لها في ذلك مُتَكَلَّماً. فسوَّغَ لها في ذلكَ الكلامَ حتى يظهر هو من(١٠) نظره ما يُسْقِطُ اعتراضَ الأمّ عليه. ورُويَ: لا أَرى، بزيادة الألف، والأوَّلُ أصح. وجائزٌ لغيرِ اليتيمةِ أن تُنْكَحَ بأدنى من صَداقٍ مثلها؛ لأنَّ الآية إنَّما خرجتْ في (١) سنن الدار قطني ٣٥٤٥. (٢) المفهم ٣٢٦/٧ . (٣) ٤٦٢/٣ . (٤) في (ظ): لقوله. (٥) ورد هذا اللفظ في رواية محمد بن إسحاق، عن عمر بن حسين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي * وقد تقدم تخريجه آنفاً. (٦) في (ز): اليتم. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٣١١/١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٨) أخرجه بهذا اللفظ البخاري (٢٧٦٣) وهو رواية أخرى في حديث عائشة الذي سلف ص٢٣ من هذا الجزء. (٩) المدونة ٢ / ١٦٤ . (١٠) في أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣١٢، والكلام منه: في، وما سلف بين حاصرتين منه. ٢٩ سورة النساء: الآية ٣ اليتامى. هذا مفهومُها، وغيرُ اليتيمة بخلافها. الخامسة: فإذا بلغتِ اليتيمةُ، وأَقسَطَ الوليُّ في صَداقها، جاز له أن يتزوَّجَها، ويكونُ هو الناكحَ والمُنْكِحَ؛ على ما فسَّرَتْه عائشةُ. وبه قال أبو حنيفةَ والأوزاعيُّ والثوريُّ وأبو ثور، وقاله من التابعين الحسنُ وربيعةُ، وهو قول الليث. وقال زُفَرُ والشافعيُّ: لا يجوزُ له أن يتزوَّجها إلَّ بإذن السلطان، أو يزوِّجُها منه وليٍّ لها هو أَفْعَدُ بها منه، أو مثلُه في القُعْدُهُ(١). وأمَّا أنْ يتولَّى طَرَفَي العَقْدِ بنفسه، فيكونَ ناكحاً مُنكِحاً، فلا. واحتجُوا بأنَّ الولايةَ شرطٌ من شروطِ العَقْدِ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا نِكاحَ إلا بوليٍّ وشاهِدَيْ عدل)»(٢)، فتعديدُ الناكح والمنكِح والشهودِ واجبٌ، فإذا اتَّحدَ اثنانِ منهم؛ سقَطَ واحدٌ من المذكورين(٣). وفي المسألة قولٌ ثالث: وهو أنْ تَجعلَ أمرَها إلى رجلٍ يزوِّجُها منه. رُوي هذا عن المغيرةِ بنِ شعبة، وبه قال أحمد، ذكره ابنُ المنذر(٤). السادسة: قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَّكُم مِّنَ النِسَآءِ﴾ معناه: ما حَلَّ لكم؛ عن الحسن وابنٍ جُبير وغيرهما. واكتفَى بذكرٍ مَن يجوزُ نكاحُه؛ لأنَّ المحرَّماتِ من النساء *(٥) كثيرٌ (٥). وقرأَ ابنُ [أبي] إسحاقَ والجَحْدَريُّ وحمزة: ((طاب)) بالإمالة(٦)، وفي مصحفٍ ◌ُبَيِّ: ((طِيْبَ)) بالياءِ(٧)، فهذا دليلُ الإمالة. (١) أَفْعَدُ، وقُعْدُد: قريب الآباء من الجدّ الأكبر. القاموس (قعد). (٢) تقدم ٣/ ٤٦٢ . (٣) ينظر الإشراف ٤٢/٤ - ٤٣، ومختصر اختلاف العلماء ٢٥٩/٢ - ٢٦٠، وأحكام القرآن لابن العربي ٣١٢/١. (٤) الإشراف ٤/ ٤٣ . (٥) المحرر الوجيز ٧/٢، وأخرجه قول ابن جبير والحسن الطبريُّ ٣٦٩/٦ - ٣٧٠. (٦) السبعة ص١٣٩، والتيسير ص ٥٠ عن حمزة، وذكرها أبو حيان في البحر ٢/ ١٦٢ وزاد نسبتها للأعمش، وما بين حاصرتين منه. (٧) البحر ١٦٢/٣. ٣٠ سورة النساء: الآية ٣ ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ دليلٌ على أنه لا يقالُ نساء إلَّا لمن بلَغَ الحُلُم. وواحدُ النساء: نِسْوةٌ، ولا واحدَ لِنسوةٍ من لفظه، ولكن يقالُ امرأة(١). السابعة: قوله تعالى: ﴿مَثْنَ وَثُلَثَ وَرُبَعٌ﴾ وموضعُها من الإعراب نصبٌ على البدل من ((ما))، وهي نكرةٌ لا تَنصرف؛ لأنها معدولةٌ وصِفَةٌ؛ كذا قال أبو عليّ (٢). وقال الطبريُّ(٣): هي معارفُ؛ لأنها لا يدخلُها الألفُ واللام، وهي بمنزلةٍ (عُمَرَ)) في التعريف. قاله الكوفيُّ(٤). وخظَأ الزجَّاجُ هذا القولَ(٥). وقيل: لم ينصرف؛ لأنه معدولٌ عن لفظه ومعناه، فأُحَادُ معدولٌ عن وَاحدٍ واحدٍ، ومَثْنى معدولةٌ عن اثنين اثنين، وثُلاثُ معدولةٌ عن ثلاثة ثلاثة، ورُباعُ عن أربعةٍ أربعةٍ. وفي كلِّ واحدٍ منها لغتانٍ: فُعَال ومَفْعَل؛ يقال: أُحادُ ومَوْحَد، وثُنَاءُ ومَثْنَى، وثلاثُ ومَثْلَث، ورُباعُ ومَرْبع(٦)، وكذلك إلى مَعْشَرَ وعُشَار. وحكى أبو إسحاقَ الثعلبيُّ لغةً ثالثة: أُحَد وتُنَى وتُلَث ورُبَع، مثلُ: عُمَرَ وزُفَر. وكذلك قرأ النخعِيُّ في هذه الآية(٧). وحكى المهدويُّ عن النَّخَعِيِّ وابنٍ وَثَّب: ((ثُلَاثَ ورُبَعَ)) بغير ألف في رُبَع، فهو مقصورٌ من رُباعَ استخفافاً(٨)، كما قال: أقبلَ سَيْلٌ جاء من عند اللَّهْ يَحْرِد حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ(٩) (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٣/١. (٢) المحرر الوجيز ٢/ ٧ . (٣) تفسير الطبري ٦/ ٣٧١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز. (٤) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٥٤/١ - ٢٥٥ . (٥) معاني القرآن له ٩/٢ . (٦) ينظر تفسير الطبري ٦/ ٣٧١، والمحرر الوجيز ٧/٢، والمفهم ٣٣٠/٧. (٧) المفهم ٣٣١/٧، وقراءة النخعي هذه ذكرها أيضاً الزمخشري في الكشاف ١/ ٤٩٧. (٨) المحتسب ١٨١/١، قال ابن جني: ويقوِّي أنه أراد (رُباع)) ثم حذف الألف تركُ صَرْفه، كما كان قبل الحذف غير مصروف. (٩) نسبه ابن دريد في الجمهرة ١١٥/١ لحنظلة بن مصبح، قال: ويقال: مصنوع من صنعة قطرب، = ٣١ سورة النساء: الآية ٣ قال الثعلبيُّ: ولا يُزادُ من هذا البناء على الأربع إلَّ بيتٌ جاء عن الكُمَيت(١): فلم يَسْتَرِيثُوك حتى رميتَ فوق الرجالِ خِصالاً عُشَارا يعني: طعنتَ عشرةً(٢): وقال ابنُ الدَّهَّان: وبعضُهم يقِفُ على المسموعِ وهو من أُحَادَ إلى رُباعَ، ولا يُعتبرُ بالبيت لشُذُوذه. وقال أبو عمرو بنُ الحاجبِ(٣): ويقالُ: أُحَادُ ومَوْحَدُ، وَثُنَاءُ ومَثْنَى، وَثُلاثُ ومَثْلَثُ، ورُباعُ ومَرْبَع. وهل يقال فيما عداه إلى التسعة أو لا يقال؟ فيه خلافٌ أصحُها أنه لم يثبتْ. وقد نَصَّ البخاريُّ في صحيحِه على ذلك (٤). وكونُه معدولاً عن معناه: أنه لا يُسْتعمَلُ في موضع تستعملُ فيه الأعدادُ غيرُ المعدولةِ؛ تقول: جاءني اثنانٍ وثلاثةٌ، ولا يجوز: مَثْنَى وثُلَاثُ، حتى يتقدَّمَ قبلَه = ونسبه لقطرب ابنُ السيد كما في الخزانة ٣٦١/١٠، وهو بلا نسبة في الكامل ٧٤/١ و٦١٠/٢ ، ومعاني القرآن للفراء ١٧٦/٣، وإصلاح المنطق ص ٥٥ و٢٩٦، واللسان (حرد) (غلل) (أله)، وفيه: حَرَدَ حَرْدَ الجنة: قَصَد قَصْدَها، وأغلَّت الضيعة: أعطت الغلَّة. (١) ديوانه ص ١٥٢، وهو في الخزانة ١/ ١٧١. (٢) كذا قال المصنف، وذكر البغدادي في الخزانة عن البَطَلْيَوْسي في شرح هذا البيت: يستريثوك: يجدونك رائئاً، أي: بطيئاً، من الريث وهو البطء. ورميتَ: زِدْتَ. يقول: لما نشأتَ نَشْأ الرجال أسرعت في بلوغ الغاية التي يطلبها طلاب المعالي، ولم يقنعك ذلك حتى زدت عليهم بعشر خصال. ينظر الاقتضاب ص ٤٦٧ . قال البغدادي: وروى الحريري في الدرة: نصالاً، بدل: خصالاً، والأول هو الصحيح. (٣) هو عثمان بن عمر، المقرئ، الأصولي، النحوي، المالكي، صاحب التصانيف. درّس بجامع دمشق، وبالنورية المالكية، ثم نزح عن دمشق، فدخل مصر، وتصدَّر بالفاضلية. توفي بالإسكندرية سنة (٦٤٦هـ). السير ٢٣ /٢٦٤. (٤) في كتاب التفسير، قبل الحديث (٤٥٧٣)، قال البخاري: ولا تجاوز العرب رُباع. وقال ابن قتيبة في أدب الكاتب ص ٥٦٧ : ولم نسمع فيما جاوز ذلك شيئاً على هذا البناء غير قول الكميت. وقال مثل قول ابن قتيبة أبو عبيدة في مجاز القرآن ١١٦/١، والطبري ٣٧٣/٦. ونقل الماوردي في النكت والعيون ١/ ٤٥٠ عن أبي حاتم قوله: بل قد جاء في كلامهم من الواحد إلى العشرة، وأنشد قول الشاعر : أدار سُداس ألا يستقيما ضربت خُماسُ ضربة عبشمي ٣٢ سورة النساء: الآية ٣ جمْعٌ، مثل: جاءني القومُ أُحَادَ وتُنَاءَ وثُلاثَ ورُبَاعَ؛ من غيرِ تكرار. وهي في موضعٍ الحال هنا وفي الآية(١). وتكون صفةً، ومثالُ كونِ هذه الأعدادِ صفةً يتبيَّنُ في قوله تعالى: ﴿أُوْلِ أَجْنِحَةٍ مَنْفَ وَتُلَكَ وَرُبَعْ﴾ [فاطر: ١] فهي صفةٌ للأجنحة(٢)، وهي نكرة؛ وقال ساعدةُ بن جُؤَيَّةَ(٣) : ذئابٌ تَبغَّى الناسَ مَثْنَى وَمَوْحَدُ (٤) ولكنَّما أهلي بِوادٍ أنيسُه وأنشد الفرَّاءُ: بأربعةٍ منكم وآخَر خامِسٍ (٥) قتلنا به من بَيْنِ مَثْنَى ومَوْحَدٍ فوصف ذئاباً - وهي نكرةٌ - بمثْنى ومَوْحَد، وكذلك بيتُ الفرَّاء؛ أي: قَتْلنا به ناساً، فلا تنصرف إذاً هذه الأسماءُ في معرفة ولا نكرة. وأجاز الكِسائيُّ والفرَّاء(٦) صرفَه في العدد على أنه نكرة. وزعم الأخفشُ(٧) أنه إن سَمَّى به صَرَفَه في المعرفة (١) ينظر النهر المادُّ من البحر لأبي حيان على هامش البحر ١٦٢/٣. (٢) استّدَل الزجاج في معاني القرآن ٩/٢ بهذه الآية على أن هذه الألفاظ نكرة لأنها وقعت صفة النكرة. (٣) أحد بني كعب بن كاهل بن الحارث بن تميم، شاعر محسن جاهلي، وشعره محشوٌّ بالغريب والمعاني الغامضة. المؤتلف والمختلف للآمدي ص ١١٣ . (٤) الكتاب ٢٢٦/٣، وأدب الكاتب ٥٦٧، والمقتضب ٣٨١/٣، ومعاني القرآن للأخفش ٤٣٢/١، والاقتضاب ص٤٦٧، وهو في مجاز القرآن ١١٦/١، والمذكر والمؤنث لأبي حاتم السجستاني ص٤٨ براوية: مثنى وموحدا. قوله: تبغَّى الناس مثنى وموحد، قال ابن السيد: أي تطلب الناس لتأكلهم اثنين اثنين، وواحداً واحداً. (٥) تفسير الطبري ٣٧٢/٦، والنكت والعيون ٤٤٩/١، ووقع الشطران في بيتين في معاني القرآن للفراء ٢٥٤/١ وهما : قتلنا به من بين مَثْنَى وَمَوْحَدٍ وإن الغلام المستهام بذكره بأربعة منكم وآخر خامس (٦) معاني القرآن له ٢٥٤/١ . وسادٍ مع الإظلام في رمح معبد (٧) معاني القرآن له ٤٣٢/١، ونقل المصنف قول الكسائي والفراء والأخفش بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٤٣٤/١. ٣٣ سورة النساء: الآية ٣ والنكرة؛ لأنه قد زال عنه العدل. الثامنة: اعلمْ أنَّ هذا العددَ: مَثْنَى وَثُلاثَ ورُباعَ، لا يدلُّ على إباحةِ تِسعٍ، كما قاله مَن بَعُد فهمُه للكتاب والسنَّةِ، وأَعْرَضَ عما كان عليه سَلَفُ هذه الأمة، وزَّعمَ أن الواو جامعةٌ؛ وعَضَد ذلك بأنَّ النبيَّ :﴿ نكح تسعاً، وجمع بينهنَّ في عِصْمَته. والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالةَ: الرافِضةُ، وبعضُ أهلِ الظاهر؛ فجعلوا مثنى مثلَ اثنين، وكذلك ثُلاث ورُباع (١). وذهب بعضُ أهل الظاهر أيضاً إلى أقبحَ منها، فقالوا بإباحة الجمع بين ثمانٍ عَشْرةَ؛ تمسُّكاً منه بأن العدْلَ في تلك الصِّيَغ يفيد التكرارَ، والواوُ للجمع؛ فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين، وكذلك ثُلاث ورُباع. وهذا كلُّه جهلٌ باللسان والسُّنة، ومُخالَفةٌ لإجماع الأمة؛ إذ لم يُسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع(٢). وأخرجَ مالٌ في موظّئه، والنَّسائيُّ والدَّارَ قُظْنِيُّ في سُنَنِهما: أنَّ النبيَّ ◌َ﴾ قال الغَيْلانَ بنِ سلمة (٣) الثَّقَفِيِّ وقد أسلمَ وتحته عشرُ نسوةٍ: ((إِخْتَرْ منهنَّ أَرْبعاً، وفارِقْ سائِرَهنَّ))(٤). وفي كتاب أبي داودَ(٥): عن الحارثِ بنِ قيسٍ قال: أسلمتُ وعندي ثمان نسوةٍ، (١) المفهم ٣٢٦/٧ - ٣٢٧ . (٢) المفهم ٣٢٨/٧ - ٣٢٩، وينظر أحكام القرآن لابن العربي ٣١٢/١ - ٣١٣. (٣) وقع في النسخ والمفهم: غيلان بن أمية، والمثبت من مصادر التخريج. وغيلان بن سلمة كان أحد وجوه ثقيف، وكان شريفاً شاعراً، أسلم هو وأولاده بعد فتح الطائف، وتوفي في آخر خلافة عمر. الإصابة ٨ / ٦٣ . (٤) أخرجه أحمد (٤٦٠٩)، والترمذي (١١٢٨)، والنسائي (فيما ذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير ١٦٩/٣)، والدارقطني (٣٦٨٤) وغيرهم، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهو غير محفوظ كما نقل الترمذي عن البخاري. وأخرجه مالك ٥٨٦/٢ عن الزهري قال: بلغني ... وأخرجه أبو داود في المراسيل (٢٣٤) والدارقطني (٣٦٨٦) عن الزهري مرسلاً، وهو أصح، كما في علل ابن أبي حاتم ٤٠١/١، وقال أحمد (فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير): هذا الحديث ليس بصحيح، والعمل عليه، ونحوه قال الترمذي. (٥) سنن أبي داود (٢٢٤١). ٣٤ سورة النساء: الآية ٣ فذكرتُ ذلك للنبيِّ ◌َ﴿، فقال: ((إِخْتَرْ منهنَّ أَرْبعاً)). وقال مقاتل: إنَّ قيس بنَ الحارث كان عنده ثمانِ نسوةٍ حرائرَ؛ فلما نزلتْ هذه الآيةُ، أمره رسول الله ﴾ أن يطلِّق أربعاً ويُمسك أربعاً(١). كذا قال: قيس بن الحارث، والصوابُ أن ذلك كان حارث بنَ قيسٍ الأسديَّ كما ذكر أبو داود(٢). وكذا روى محمدُ بن الحسن في كتاب السير الكبير أن ذلك كان حارثَ بنَ قيسٍ، وهو المعروفُ عند الفقهاء(٣). وأمَّا ما أُبيحَ من ذلك للنبيِّ ﴾؛ فذلك من خصوصيّاته، على ما يأتي بيانُه في ((الأحزاب))(٤). وأمَّا قولُهم: إنَّ الواو جامعة، فقد قيل ذلك، لكنَّ الله تعالى خاطبَ العربَ بأفصحِ اللغات. والعربُ لا تدَعُ أن تقولَ: تسعةً، وتقولُ: اثنين وثلاثة وأربعة. وكذلك تَستقْبِحُ ممن يقول: أعطِ فلاناً أربعةً ستةً ثمانيةً، ولا يقولُ: ثمانية عشر (٥). وإنما الواوُ في هذا الموضع بدلٌ، أي: انكحوا ثُلاثَ(٦) بدلاً من مَثْنَى، ورُباعَ بدلاً من ثُلاث؛ ولذلك عَطَفَ بالواو ولم يعطف بأو، ولو جاء بأو؛ لجاز ألَّ يكونَ لصاحب المثنى ثُلاث؛ ولا لصاحب الثُّلاث رُباع. وأما قولُهم: إن مَثْنَى تقتضي اثنين، وثُلَاثَ ثلاثةً، ورباعَ أربعةً، فتحكُّمٌ بما لا (١) تفسير أبي الليث ١/ ٣٣٢. (٢) وذكر أيضاً أبو داود بإثر الحديث المذكور عن شيخه أحمد بن إبراهيم أن الصواب هو قيس بن الحارث. وقال الحافظ في الإصابة ١٧٦/٨: قيس بن الحارث، وقيل: الحارث بن قيس، والثاني أشبه لأنه قول الجمهور، وجزم بالأول أحمد بن إبراهيم الدورقي وجماعة، وبالثاني: البخاري وابن السكن وغيرهما. (٣) تفسير أبي الليث ٣٣٢/١. (٤) عند تفسير الآية: (٥٠)، المسألة السادسة عشرة. (٥) ينظر الوسيط للواحدي ٨/٢ . (٦) في النسخ الخطية: ثلاثة، وفي (م): ثلاثاً، والمثبت من أحكام القرآن للكيا الطبري ٣١٨/١، والكلام منه. ٣٥ سورة النساء: الآية ٣ يوافقهم أهلُ اللسان عليه، وجَهالةٌ منهم. وكذلك جَهْلُ الآخَرين، بأنَّ مَثْنَى تقتضي اثنين اثنين، وثُلاثَ: ثلاثةٌ ثلاثةً، ورُباعَ: أربعةً أربعةً، ولم يعلموا أن اثنين اثنين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، حَضرٌ للعدد. ومثنى وثلاث ورُباع بخلافها. ففي العدد المعدولِ عند العرب زيادةُ معنًى ليست في الأصل؛ وذلك أنها إذا قالت: جاءت الخيلُ مثنى، إنما تعني بذلك اثنين اثنين؛ أي: جاءت مزدوجةٌ(١). قال الجوهريُّ(٢): وكذلك [جميع] معدول العدد. وقال غيره: إذا(٣) قلتَ: جاءني قومٌ مثنى، أو ثُلاثَ، أو أُحَادَ، أو عُشارَ، فإنما تريد أنهم جاؤوك واحداً واحداً، أو اثنين اثنين، أو ثلاثةٌ ثلاثةً، أو عشرة عشرة، وليس هذا المعنى في الأصل؛ لأنك إذا قلتَ: جاءني قومٌ ثلاثةً ثلاثةً، أو قومٌ عشرةً عشرةً(٤)، فقد حصرْتَ عِدَّةَ القوم بقولك: ثلاثة وعشرة. فإذا قلتَ: جاؤوني رُباعَ وثُناءَ، فلم تَحصُرْ عِدَّتَهم. وإنما تريد أنهم جاؤوك أربعةً أربعةً، أو اثنين اثنين. وسواءٌ كَثُرَ عددُهم أوقلَّ في هذا الباب، فقَصْرُهم كلَّ صيغةٍ على أقلِّ ما تقتضيه بزعمه تحكّمٌ. وأمَّا اختلافُ علماء المسلمين في الذي يتزوَّجُ خامسةً وعنده أربعٌ، وهي : التاسعة: فقال مالكٌ والشافعيُّ: عليه الحدُّ إن كان عالماً. وبه قال أبو ثَوْر. وقال الزُّهريُّ: يُرجَمُ إذا كان عالماً، وإن كان جاهلاً: أدْنَى الحدَّين الذي هو الجَلْد، ولها مهرُها، ويُفرَّقُ بينَهما، ولا يجتمعان أبداً. وقالت طائفةٌ: لا حدَّ عليه في شيءٍ من ذلك. هذا قولُ النعمان. وقال يعقوبُ ومحمدٌ: يُحدُّ في ذات المحرم، ولا يُحدُّ في غير ذلك من النكاح. وذلك مثلُ أن (١) ينظر المفهم ٣٢٧/٧ - ٣٢٩. (٢) الصحاح (ثلث)، ونقله المصنف عنه بواسطة أبي العباس في المفهم ٣٢٧/٧ ، وما بين حاصرتين منهما. (٣) في النسخ الخطية: فإذا. (٤) في (ظ): جاءني قوم ثلاثة أو قوم عشرة، دون تكرار. ٣٦ سورة النساء: الآية ٣ يتزوَّجَ مجوسيَّةً، أو خمسةً في عُقدةٍ، أو تزوَّجَ متعةً (١)، أو تزوَّجَ بغير شهود، أو أَمَةً تزوَّجها بغير إذن مولاها. وقال أبو ثَوْر: إذا عَلِمَ أنَّ هذا لا يَحِلُّ له يجبُ أنْ يُحَدَّ فيه كلِّه إلَّا التزوُّجَ بغير شهود [والمجوسية). وفيه قولٌ ثالثٌ قاله النَّخَعِيُّ في الرجلَ يَنكِح الخامسةَ متعمِّداً قبل أن تنقضَي عِدَّةُ الرابعة من نسائه: جَلْدُ مئةٍ ولا يُنْفَى. فهذه فُتْيَا علمائنا في الخامسة على ما ذكره ابنُ المنذر(٢)، فكيف بما فوقها. العاشرة: ذكر الزبير بنُ بَكَّار: حدَّثني إبراهيمُ الحِزاميُّ، عن محمدِ بن مَعْنٍ الغِفارِيِّ قال: أتتِ امرأةٌ إلى عمرَ بنِ الخطابِ ﴾، فقالت: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ زوجي يصومُ النهارَ ويقومُ اللَّيلَ، وأنا أكره أن أشكوَه وهو يعملُ بطاعة الله عزَّ وجلَّ. فقال لها: نِعْمَ الزوجُ(٣) زوجُك. فجعلتْ تكرِّر عليه القولَ، وهو يكرِّر عليها الجوابَ. فقال له كعبُ الأَزْدِيُّ(٤): يا أميرَ المؤمنين، هذه المرأةُ تشكو زوجَها في مباعدته إيَّها عن فِراشه. فقال عمرُ: كما فهمتَ كلامَها فاقضٍ بينهما. فقال كعب: عَلَيَّ بزوجها، فأُتِيَ به، فقال له: إن امرأتَك هذه تشكوك. قال: أفي طعام أم شراب؟ قال: لا. فقالت المرأة: أَلْهَى خلِيلي عن فِراشِي مَسْجِدُهُ يا أيُّها القاضي الحكِيمُ رَشَدُهْ فاقضِ القضا كَعْبُ ولا تُرَدِّدُهْ زهَّدَه في مَضْجَعي تعبُّدُهْ فلستُ في أمرِ النساءِ أحمَدُه نهارُه وليلُه ما يَرْقُدُهْ فقال زوجُها : أنّي امرؤٌ اذْهَلَني ما قد نَزَلْ زَهَّدني في فَرْشها وفي الحَجَلْ (١) في (د): معتدة، وفي (ظ): معتد. (٢) في الإشراف ٣٩/٢، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) في (خ) و (ظ): نعم الرجل. (٤) في النسخ: الأسدي، والمثبت من مصادر الترجمة، وهو كعب بن سور قاضي البصرة، وَلِيّها لعمر وعثمان، وكان من نبلاء الرجال وعلمائهم، قتل يوم الجمل. السير ٥٢٤/٣ . ٣٧ سورة النساء: الآية ٣ وفي كتاب الله تخويفٌ جَلَلْ في سورة النَّحل(١) وفي السبع الُوَلْ فقال كعب : إنَّ لها عليكَ حقّاً يا رَجُلْ نصيبُها في أربعٍ لمن عَقَلْ فأعطِها ذاك ودَعْ عنك العِلَلْ ثم قال: إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أحلَّ لك من النساء مَثْنِى وَثُلاثَ ورُباع، فلكَ ثلاثةُ أيام ولياليهنَّ(٢) تعبدُ فيهنَّ ربَّكَ. فقال عمرُ: والله ما أدري من أيِّ أَمْرَيْك أَعْجَبُ؟ أمِنْ فهمِك أمرَهُما، أم مِن حُكمك بينهما؟ اذهبْ فقد ولَّتُكَ قضاءَ البصرة(٣). وروى أبو هُذْبةَ إبراهيمُ بنُ هُدبةَ، حدَّثنا أنسُ بنُ مالك قال: أتتِ النبيَّ ﴿ امرأةٌ تستعدِي زوجَها، فقالت: ليس لي ما للنساء؛ زوجي يصوم الدهرَ، قال: (لكِ يومٌ وله يومٌ، للعبادة يومٌ وللمرأة يوم)) (٤). الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِنّ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ﴾ قال الضَّاك وغيره: في المَيْلِ والمحَبّة والجِماعِ والعِشْرَةِ والقَسْمِ بين الزوجات: الأربع والثلاثِ والاثنتين(٥) ﴿فَوَجِدَةٌ﴾. فمَنعَ من الزيادة التي تؤدِّي إلى ترك العدل في القَسْمِ، وحُسْنِ العِشرة. وذلك دليلٌ على وجوب ذلك، والله أعلم. وقرئت بالرفع، أي: فواحدةٌ فيها كفايةٌ، أو كافية(٦). وقال الكِسائيُّ: فواحدةٌ (١) في (خ): النمل. (٢) في (د): بلياليهن. (٣) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ٢٧٦/١ - ٢٧٧، وذكره الأبشيهي في المستطرف ١٢٧/١ - ١٢٨ مع اختلاف يسير في ألفاظه. وأخرجه بنحوه ابن سعد ٧/ ٩٢ ، وعبد الرزاق (١٢٥٨٧)، دون الرجز. (٤) لم نقف عليه. (٥) في (د) و (ز) و (ظ) و (م): واثنين، والمثبت من (خ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٧/٢ ، والكلام منه، وأخرجه عن الضحاك وغيره الطبريُّ ٣٧٥/٦ . (٦) المحرر الوجيز ٧/٢، وقراءة الرفع هي قراءة أبي جعفر من العشرة؛ النشر ٢٤٧/٢، ونسبها ابن عطية لعبد الرحمن بن هرمز والحسن، ونسبها ابن الجوزي في زاد المسير ٩/٢ للحسن والأعمش وحميد. ٣٨ سورة النساء: الآية ٣ تُقنع. وقرئت بالنصب بإضمار فعل، أي: فانكحوا واحدةً(١). الثانيةَ عشرةَ: قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ يريد الإماءَ. وهو عطفٌ على ((فَوَاحِدَةً)) أي: إن خاف ألَّا يعدِلَ في [عِشْرة] واحدةٍ فما مَلكتْ يمينهُ(٢). وفي هذا دليلٌ على ألَّ حقَّ لِمِلْكِ اليمين في الوطء، ولا القَسْم؛ لأنَّ المعنى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْلُواْ﴾ في القَسْمِ ﴿فَوَِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُمْ﴾، فَجعَلَ مِلكَ اليمينِ كلَّه بمنزلة الواحدة(٣)، فانتفَى بذلك أن يكونَ للإماء حقٌّ في الوطءِ أو في القَسْم. إلَّا أنَّ مِلكَ اليمين في العدْلِ قائمٌ بوجوبٍ حُسْنِ المَلكَة والرِّفق بالرقيق(٤). وأسند تعالى المِلْكَ إلى اليمين؛ إذ هي صفةٌ مدحٍ، واليمينُ مخصوصةٌ بالمحاسن لتمكّنها. ألا ترى أنها المنفِقةُ؟ كما قال عليه الصلاة والسلام: ((حتى لا تعلمَ شمالُهُ ما تُنفقُ يمينُه))(٥)، وهي المعاهِدةُ المبابِعة، وبها سُمِّيتِ الأَلِيَّةُ يميناً، وهي المتلقِّيةُ [لكتاب النجاة و] لرايات المجد(٦)، كما قال: إذا ما رَايةٌ رُفعتْ لمَجْدٍ تلقَّاها عَرَابةُ باليمين(٧) الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَذْفَ أَلَّا تَعُولُواْ﴾ أي: ذلك أقربُ إلى ألَّ تميلوا عن الحقِّ وتجوروا؛ عن ابن عباس ومجاهدٍ وغيرِهما. يقال: عالَ الرجل يَعُول: إذا (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٣٤/١. (٢) المحرر الوجيز ٨/٢، وما بين حاصرتين منه. (٣) في (م): واحدة. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٣١٤/١ . (٥) هو قطعة من حديث أبي هريرة : ((سبعة يظلهم الله في ظله ... )) أخرجه أحمد (٩٦٦٥)، والبخاري (٦٦٠)، وأخرجه مسلم (١٠٣١) براوية: ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) وهو وهم من راويه، ومثّل الحافظ ابن حجر في شرح النخبة ص ٩٢ بهذه الرواية للحديث المقلوب في المتن. (٦) المحرر الوجيز ٨/٢، وما بين حاصرتين منه. (٧) قائله الشماخ بن ضرار الذبياني، وهو في ديوانه ص٣٣٦ ، ونسبه الجوهري في الصحاح (عرب) للحطيئة، وتعقبه الصغاني في التكملة (عرب) فقال: ليس البيت للحطيئة، وإنما هو الشماخ. ٣٩ سورة النساء: الآية ٣ جار ومال(١). ومنه قولُهم: عالَ السَّهمُ عن الهَدَف: مال عنه. قال ابن عمر: إنه لَعَائلٌ الكيل والوزن(٢)، قال الشاعر: قولَ الرسولِ وعالُوا في الموازِين(٣) قالوا اتَّبَعنا رسولَ الله واطّرحوا أي: جاروا. وقال أبو طالب: له شاهِدٌ من نفسه غيرُ عائِلٍ(٤ بميزانٍ صدقٍ لا يُغِلّ شعِيرةٌ يريد: غيرُ مائل. وقال آخر : لقد عالَ الزمانُ على عِيالِي(٥) ونحن ثلاثةٌ وثلاثُ ذَوْدٍ أي: جار ومال. وعال الرجل يَعِيلُ: إذا افتقر فصار عالَةً. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ﴾ [التوبة: ٢٨]: ومنه قول الشاعر(٦): وما يَدرِي الفقيرُ متى غِناهُ وما يَدرِي الغنِيُّ متى يَعِيلُ وهو عائِلٌ، وقومٌ عَيْلة، والعَيْلة والعالة: الفاقة، وعالني الشيء يعُولني: إذا (١) المحرر الوجيز ٨/٢، وأخرج ابن أبي شيبة ٣٦١/٤، والطبري ٣٧٦/٦ - ٣٧٩ القول المذكور. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٣١٥، وينظر كتاب الأفعال للسرقسطي ٢٤٣/١. (٣) قائله عبدالله بن الحارث بن قيس القرشي السهمي، قاله يحرض المسلمين على الهجرة إلى الحبشة كما في سيرة ابن هشام ٣٣١/١، وورد بلا نسبة في الصحاح (عول)، وجمهرة اللغة ٣/ ١٤٠، وروايته في السيرة والجمهرة: إنا تبعنا ... (٤) سيرة ابن هشام ٢٧٧/١، وتفسير الطبري ٣٧٨/٦، وتهذيب اللغة ١٩٦/٣، والصحاح (عول)، وذكر الطبري رواية أخرى للبيت وهي : بميزان قسط لا يخسُّ شعيرة ووازن صدق وزنه غير عائل (٥) قائله الحطيئة، وهو في ديوانه ص٣٩٥، والكتاب ٥٦٥/٣، وطبقات فحول الشعراء ١١٤/١، ومجالس ثعلب ص ٢٥٢، والأغاني ٢/ ١٧٣، والخصائص ٤١٢/٢، والإنصاف ٧٧١/٢ ، والخزانة ٣٦٧/٧، جميعها برواية: جار الزمان. ووقع في (م): ثلاثة أنفس وثلاث ذَوْد ... وهي كذلك في بعض المصادر. والذَّود من الإبل: الثلاث إلى تسع. اللسان (ذود). (٦) هو أحيحة بن الجلاح، والبيت في ديوانه ص٧٤ . ٤٠ سورة النساء: الآية ٣ غلبني وثقُل عليَّ، وعال الأمرُ: اشتدَّ وتفاقم(١). وقال الشافعيُّ: ((ألَّا تَعُولُوا)): ألا تكثُرَ عيالكم(٢). قال الثَّعلبيُّ: وما قال هذا غيرُه، وإنما يقال: أعال يُعِيل: إذا كثُر عِيالُه. وزعم ابن العربيَّ(٣) أن عال على سبعةِ معانٍ لا ثامنَ لها، يقال: عال: مال، الثاني: زاد، الثالث: جار، الرابع: افتقر، الخامس: أَثْقَل؛ حكاه ابنُ دريد (٤). قالت الخنساء : ويكفي العشِيرة ما عالَها (٥) السادس: عال: قام بمؤونة العيال؛ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((وابدأ بمن تَعُول))(٦). السابع: عال غَلَبَ؛ ومنه: عِيلَ صَبره، أي: غُلِب. ويقال: أَعال الرجل: كثُر عِيالُه. وأمَّا عال بمعنى كثُر عياله، فلا يصحُّ. قلت: أمَّا قولُ الثعلبيِّ: ما قاله غيره. فقد أسندَه الدَّارَقُظْنِيُّ في سننه (٧) عن زيد ابن أسلم، وهو قول جابر بن زيد(٨)؛ فهذان إمامان من علماء المسلمين وأئمتهم قد (١) الصحاح (عول) و (عيل). (٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٢٢/٢ - ٣٢٣، ولابن العربي ٣١٥/١. : (٣) أحكام القرآن ٣١٥/١ . (٤) جمهرة اللغة ٢٠/١، ٢٧٠ و١٤٠/٣. (٥) هو في تهذيب اللغة ١٩٥/٣، وكتاب الأفعال للسرقسطي ١/ ٢٤٤، وأحكام القرآن لابن العربي ٣١٥/١ وعجزه: وإن كان أصغرهم مولدا. وهو في ديوان الخنساء ص ٣٠ برواية: وإن كان أصغرهم مولدا يكلفه القوم ما عالهم (٦) هو جزء من حديث أبي هريرة # أخرجه أحمد (٧١٥٥)، والبخاري (١٤٢٦)، ومسلم (١٠٤٢) وأخرجه أحمد (١٥٣٢٦)، والبخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤) من حديث حكيم بن حزام، وأخرجه أحمد (٢٢٢٦٥)، ومسلم (١٠٣٦) من حديث أبي أمامة، وأخرجه أحمد (٤٤٧٤) من حديث ابن عمر، و(١٤٥٣١) من حديث جابر. (٧) ٣١٤/٣ - ٣١٥. (٨) كذا ذكر المصنف، وذكر الأزهري في تهذيب اللغة ١٩٤/٣ أنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، كما أخرجه الطبري ٣٨٠/٦ من طريق ابن وهب عن ابن زيد، وهو عبد الرحمن .