النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ سورة آل عمران: الآية ١٨٠ والله أعلم. الرابعة: واختُلِفَ في البُخْل والشُّحِّ، هل هُما بمعنّى واحدٍ أو بمعنيين؟ فقيل: البُخلُ: الامتناعُ من إخراج ما حصَلَ عندَك. والشُّخُّ: الحِرصُ على تحصيل ما لَيسَ عندَك. وقيل: إن الشُّحَّ هو البُخلُ مع حِرصٍٍ (١). وهو الصَّحيحُ؛ لما رواهُ مسلمٌ(٢) عن جابر بنِ عبدالله أنَّ رسولَ الله ﴾ قال: ((اثَّقوا الُلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتَّقوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهلكَ مَنْ كانَ قبلَكم؛ حملَهم على أنْ سفَكُوا دماءَهم، واستحلُّوا محارمهم)». وهذا يردُّ قولَ من قال: إنَّ البُخلَ منعُ الواجبِ، والشُّحَّ منعُ المستحبِّ(٣)، إذ لو كان الشُّحُّ منعَ المستحبِّ لما دخلَ تحتَ هذا الوعيدِ العظيم، والذَّمِّ الشَّديدِ، الذي فيه هلاكُ الدُّنيا والآخرَةِ. ويؤيِّدُ هذا المعنى ما رواه النَّسائيُّ(٤) عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ ﴾: ((لا يَجتمعُ غُبارٌ في سبيل اللهِ ودخانُ جهنَّمَ في مِنخَّرَيْ رجلٍ مسلمٍ أبداً، ولا يَجتمعُ شعِّ وإيمانٌ في قلبٍ رجلٍ مسلم أبداً». وهذا يدلُّ على أنَّ الشُّحَّ أشدُّ في الذَّمِّ من البخل، إلاَّ أنَّه قد جاءَ ما يدُلُّ على مساواتِهما وهو قوله - وقد سئل - : أيكونُ المؤمنُ بخيلاً؟ قال: ((لا)).(٥) وذكر الماورديُّ في كتاب ((أدب الدُّنيا والدِّين)) أنَّ النَّبيَّ ﴾ قال للأنصار: ((مَنْ (١) المفهم ٦/ ٥٥٧ . (٢) في صحيحه (٢٥٧٨)، وهو في مسند أحمد (١٤٤٦١). (٣) ذكره ابن العربي في أحكام القرآن ٣٠٣/١ . (٤) في سننه ١٣/٦، وهو في مسند أحمد (٧٤٨٠). (٥) لم نقف على هذا السياق الذي ذكره المصنف، إنما أخرج مالك في الموطأ ٢/ ٩٩٠ ، عن صفوان بن سليم أنه قال: قيل لرسول الله : أيكون المؤمن جباناً؟ فقال: ((نعم))، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: (نعم))، فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: ((لا)). قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٥٣/١٦: مرسل مقطوع، لا أحفظ هذا الحديث مسنداً بهذا اللفظ من وجه ثابت، وهو حديث حسن. ٤٤٢ سورة آل عمران: الآيات ١٨٠ - ١٨٢ سيِّدُكم؟)) قالوا: الجدُّ بنُ قيسٍ على بُخْلٍ فيه، الحديثَ. وقد تقدَّم(١). قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِعَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أخبر تعالى ببقائه ودوامٍ مُلكه، وأنه في الأبد كهو في الأزل، غنيٌّ عن العالمين، فيَرتُ الأرضَ بعد فناء خلقِه وزوالٍ أملاكِهم، فتبقى الأملاكُ والأموالُ لا مُدَّعى فيها. فجرى هذا مجرى الوراثةِ في عادة الخلقِ، وليس هذا بميراثٍ في الحقيقة؛ لأنَّ الوارِثَ(٢) في الحقيقة هو الذي يَرِثُ شيئاً لم يكن مَلَكّه من قبلُ، واللهُ سبحانه وتعالى مالكُ السَّمواتِ والأرضِ وما بينهما، وكانت السَّمواتُ وما فيها والأرض وما فيها له، وإنما كانت الأموال عارِيَّةٌ عند أربابها، فإذا ماتوا رجعت (٣) العارِيَّةُ إلى صاحبها الذي كانت له في الأصل. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠] الآية. والمعنى في الآيتين أنَّ الله تعالى أمرَ عبادَه بأنْ يُنفِقوا ولا يَبْخَلوا، قبل أن يموتوا ويَتركوا ذلك ميراثاً لله تعالى، ولا يَنفعُهم إلَّا ما أنفقوا. (٤) قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَتَكْتُبُ ذَلِكَ بِمَا مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (َا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَامٍ لِلْعَبِيدِ . قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَفَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ ذكر تعالى قبيحَ قولِ الكفّار ولا سيَّما اليهود. وقال أهلُ التفسير: لمَّا أنزلَ اللهُ ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال قومٌ من اليهود - منهم حُيَيُّ بنُ أخطبَ، في قول الحسن. وقال عكرمةُ وغيرُه: هو فِنْحاصُ بنُ عازورا -: إِنَّ اللـه فَقِيرٌ ونَحْنُ أغنياءُ يقترض منّا. وإنما قالوا هذا تَموِيهاً على ضعفائهم، لا أنَّهم يعتقدونَ هذا؛ لأنَّهم أهلُ كتاب. ولكنَّهم كفروا بهذا القول؛ (١) في المسألة الثالثة. وقوله: وذكر الماوردي .... إلى هذا الموضع، ليس في (ظ). (٢) في النسخ: الميراث، والمثبت من تفسير أبي الليث ٣١٩/١ وعنه نقل المصنف. (٣) في (د) و(م): وإن الأموال كانت عاريّة عند أربابها، فإذا ماتوا ردَّت. (٤) تفسير أبي الليث ٣٢٠/١. ٤٤٣ سورة آل عمران: الآيتان ١٨١ - ١٨٢ لأنَّهم أرادوا تشكيكَ الضُّعفاء منهم ومن المؤمنين، وتكذيبَ النبيِّ﴾. أي: إنَّه فقير على قول محمد ﴿، لأنَّه اقترضَ منَّا.(١) ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ سنجازيهم عليه. وقيل: سنكتبُه في صحائف أعمالهم، أي: نأمرُ الحَفَظةَ بإثباتٍ قولهم حتَّى يَقرؤوه يومَ القيامةِ في كتبُهم التي يُؤْتَونَها؛ حتى يكونَ أَوْكدَ للحجَّة عليهم، وهذا كقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَئِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤](٢). وقيل: مقصود الكتابة الحفظُ، أي: سنحفظُ ما قالوا لنجازيهم. ((وما)) في قوله ((ما قالوا)) في موضع نَصْب بـ ((سنكتبُ)). وقرأ الأعمشُ وحمزة: ((سيُكتب))، بالياء؛ فيكون ((ما)) اسم ما لم يُسمَّ فاعلُه، واعتبر حمزةُ ذلك بقراءة ابنٍ مسعودٍ : ((ويقال ذوقوا عذاب الحريق)).(٣) قوله تعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍ﴾ أي: ونكتب قتلَهم الأنبياءَ، أي: رضاءهم بالقتل. والمرادُ قتلُ أسلافِهم الأنبياءَ، لكنْ لمَّا رَضُوا بذلك صحَّت الإضافةُ إليهم. وحسَّن رجلٌ عِند الشَّعبيِّ قَتْلَ عثمانَ ﴾، فقال له الشَّعبيُّ: شَرِكتَ في دَمِه. فجعلَ الرِّضا بالقتل قَتْلاً، ﴿﴾. قلت: وهذه مسألة عُظمَى، حيثُ يكونُ الرِّضا بالمعصية معصيةً. وقد روى أبو داود(٤) عن العُرْس بن عَميرة الكِندِي(٥)، عن النَّبِيِّ﴾ قال: «إذا عُمِلت الخطيئةُ في الأرض كانَ من شَهِدَها فكرِهَها - وقال مرَّةً: فأنكرَها - كان(٦) كمن غابَ عنها، ومَنْ غابَ عنها فَرضِيَها؛ كان كمن شَهِدَها)). وهذا نصٌّ. (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٣/١. وأخرجه الطبري ٢٧٩/٦-٢٨١. (٢) الوسيط للواحدي ٥٢٨/١، وتفسير البغوي ٣٧٩/١. (٣) إعراب القرآن ٤٢٣/١، وقراءة حمزة في السبعة ص٢٢١، والتيسير ص٩٢، وقراءة ابن مسعود ذكرها الفراء في معاني القرآن ٢٤٩/١، والطبري ٢٨١/٦، وابن عطية في المحرر الوجيز ٥٤٨/١ . وابن أبي داود في المصاحف ٣١٢/١ وعنده: ويقال لهم ذوقوا. (٤) في سننه (٤٣٤٥) . (٥) العُرْسُ بضم أوله وسكون الراء - بن عميرةً، بفتح أوله الكندي أخو عَديٍّ، صحابي مُقِلٌّ. الإصابة ٦ /٤١١ . (٦) لفظة (كان) من (ظ). ٤٤٤ سورة آل عمران: الآيات ١٨١ - ١٨٤ قوله تعالى: ﴿بِغَيّرِ حَقٍ﴾ تقدَّم معناه في البقرة.(١) ﴿وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ أي: يُقالُ لهم في جهنَّمَ، أو عند الموتِ، أو عند الحسابِ هذا. ثمَّ هذا القولُ من الله تعالى، أو من الملائكة؛ قولان. وقراءة ابن مسعود: ((ويقال))(٢). والحرِيق: اسمٌ للملتهبة من النَّار، والنَّار تشمّلُ المُلتهبةَ وغيرَ الملتهبة. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَّدَّمَتْ أَيَدِيكُمْ﴾ أي: ذلك العذابُ بما سلَف من الذنوبِ. وخصَّ الأيدي بالذِّكر ليدُلَّ على تولِّي الفِعلِ ومباشرته، إذ قد يُضافُ الفعلُ إلى الإنسان بمعنى أنَّه أمرَ به؛ كقوله: ﴿يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ﴾ [القصص: ٤]. وأصلُ ((أَيْدِيكُمْ)): أيديُكُم، فحُذِفَت الضَّمَّةُ لِثِقَلِها. واللهُ أعلم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِ بِالْبَيِّنَتِ وَبِأَلَّذِى قُلْتُمْ فَلِمَ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُو قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ. بِالْبَيْتَتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ﴾ في مَوضع خفضٍ بدلاً من ((الَّذِينَ)) في قوله عزَّ وجلَّ(٣): ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ اُلَّذِينَ قَالُوا﴾، أو نَعت ((للعبيد))(٤)، أو خبر ابتداء، أي: همُ الذین قالوا. وقال الكلبيُّ وغيرُه: نزلَت في كعب بن الأشرَفِ، ومالك بن الصَّيْف، ووَهْب بن يَهوذا، وفِنْحاص بن عازورا وجماعةٍ، أتَوا النَّبيَّ ﴾، فقالوا له: أتزعُمُ أنَّ اللهَ أرسلَك إلينا، وأنَّه أنزلَ علينا كتاباً عَهِد إلينا فيه ألا نُؤْمِنَ لرسول يزعمُ أنَّه من عند اللهِ (١) ٢ / ١٥٧ . (٢) سلف تخريجها قريباً. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٤/١ . (٤) كذا وقع في معاني القرآن للزجاج ١ / ٤٩٤؛ والأرجح أنه خطأ ناسخ، فقد ذكر محققه في حاشيته أنه وقع في نسخة أخرى للكتاب أنه نعت اليهود، والظاهر أنه لم تقع هذه النسخة لابن عطية فقال في المحرر الوجيز ٥٤٩/١ : هذا مفسد للمعنى والرصف. ٤٤٥ سورة آل عمران: الآيتان ١٨٣ - ١٨٤ حتَّى يَأْتِيَنَا بِقُربانٍ تأكلُهُ النَّارُ، فإنْ جئتَنا به صدَّقناك؟ فأنزل الله هذه الآية.(١) فقيل: كان هذا في الثَّوراة، ولكن كان تمامُ الكلام: حتَّى يأتيكم المسيحُ ومحمدٌ، فإذا أتَيَاكُم فَآمِنوا بهما من غير قُربانٍ.(٢) وقيل: كانَ أمرُ القَرابِين ثابتاً إلى أن نُسِخت على لسان عيسى ابنٍ مريمَ. وكان النَّبيُّ منهم يَذْبحُ ويَدعو، فتنزِلُ نارٌ بيضاءُ لها دَوِي وحفِيف، لا دخانَ لها، فتأكلُ القُرْبانَ. فكان هذا القولُ دغْوَى من اليهود؛ إذ كان ثَمَّ استثناءٌ فأخفَوه، أو نسخٌ، فكانوا في تمسُّكِهم بذلك مُتعنِّتين، ومعجزاتُ النَّبيِّ :﴿ دليلٌ قاطعٌ في إبطال دعواهم، وكذلك معجزاتُ عيسى، ومن وجبَ صدقُه وجبَ تَصديقُه. ثم قال تعالى إقامةً للحجَّة عليهم: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾ يا معشرَ اليهودِ ﴿رُسُلٌ مِّن قَبْلِ بِلْبَيِّنَتِ وَيَالَّذِى قُلْتُمْ﴾ من القُربان ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِّقِينَ﴾ يعني زكريا ويحيى وشَعْيا، وسائرَ من قُتِلوا من الأنبياء عليهم السلام ولم تؤمنوا بهم. أرادَ بذلك أسلافَهم.(٣) وهذه الآيةُ هي التي تلاها عامر الشَّعبيّ ﴾، فاحتجَّ بها على الذي حسَّن قتلَ عثمانَ ﴾ كما بيَّناه. وأنَّ اللهَ تعالى سمَّى اليهودَ قَتَلةً لرضاهم بفعل أسلافهم، وإن كانَ بينَهم نحوٌ من سبع مئة سنة. والقُرْبان ما يُتَقرَّب به إلى الله تعالى من نَسيكة(٤)، وصدَقَةٍ، وعملٍ صالح، وهو فُعلان؛ من القُرْبة(٥). ويكون اسماً ومصدراً؛ فمثال الاسم: السلطان والبُرْهان. والمصدر: العُدْوان والخُسْران.(٦) (١) أسباب النزول للواحدي ص١٢٩، وتفسير البغوي ١/ ٣٨٠ . (٢) مجمع البيان ٢٨٨/٢-٢٨٩، وينظر العجاب للحافظ ابن حجر ٨٠٩/٢ . (٣) تفسير البغوي ٣٨٠/١. (٤) في (د) و(م): نسك، والنّسيكة: الذبيحة. (٥) تفسير البغوي ١/ ٣٨٠ . (٦) مجمع البيان ٢٨٨/٢ . ٤٤٦ سورة آل عمران: الآيتان ١٨٣ - ١٨٤ وكان عيسى بن عمر يقرأ: ((بِقُرُبانٍ)) بضم الراء إتباعاً لضمة القاف(١)، كما قيل في جمع ظُلْمة: ظُلُمات، وفي حُجْرة: حُجُرات. ثمَّ قالَ تعالى معزِّياً لنبِيه ومُؤنساً له: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جَاءُو بِالْبَيْتَتِ﴾ أي: بالدَّلالات. ﴿وَالزُّبُرِ﴾ أي: الكتب المزبورة، يعني المكتوبة.(٢) والزُّبُر جمع زَبُور، وهو الكتاب. وأصلُه من زَبَرتُ، أي: كتبتُ. وكلُّ زَبورٍ فهو كتاب، قال امرؤ القيس : لِمَنْ طَلَلٌ أَبْصَرَتُهُ فشّجاني كخطِّ زَبورٍ في عَسيبٍ يَماني(٣) وأنا أعرف تَزْبِرَتي، أي: كتابتي. وقيل: الزَّبُور من الزَّبْر، بمعنى الزَّجْرِ. وَزَبَرتُ الرَّجلَ: انتَهَرْتُه. وزَبَرْتُ البئرَ: طويتُها بالحجارة. (٤) وقرأ ابنُ عامرٍ: ((وبالزُّبُر وبالكِتاب)) بزيادة باء في الحرفين(٥)، وكذلك هو في مصاحف أهلِ الشَّام.(٦) ﴿وَاَلْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ أي: الواضح المُضِيء، من قولك: أَنَرْتُ الشيءَ أُنِيرُه، أي: أوضحتُه: يُقال: نارَ الشيءَ وأناره ونَوَّره واستناره بمعنَى، وكلُّ واحدٍ منهما (١) المحرر الوجيز ٥٤٩/١. وذكرها النحاس في إعراب القرآن ٤٢٤/١، وابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٣، وابن جني في المحتسب ١٧٧/١ . (٢) تفسير البغوي ١/ ٣٨٠ . (٣) دیوانه ص٨٥، قال شارحه: کان أهل الیمن یکتبون في عسيب النخلة عهودهم وصکاکهم. ويُروى: في عسيبٍ يمانٍ، على الإضافة أي: أراد في عسيب رجل يماني. (٤) مجمل اللغة لابن فارس ٢/ ٤٤٧ . (٥) في (د) و(م): الكلمتين. وقراءة ابن عامر هي من رواية هشام عنه، أما رواية ابن ذكوان عنه فبزيادة الباء في ((الزبر)» وحده، وقرأ الباقون بغير باء فيهما. السبعة ٢٢١، والتيسير ٩٢ . (٦) ذكره ابن أبي داود في المصاحف ٢٦٧/١، وزاد نسبتها لأهل الحجاز. وقال الداني في المقنع ص١٠٢ : وفيها [أي: سورة آل عمران] في مصاحف أهل الشام: ((وبالزبر وبالكتاب)) بزيادة باء في الكلمتين. كذا رواه لي خَلَف بن إبراهيم ... اهـ. وذكر إسناده إلى أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن مصاحف أهل الشام. وقال: وكذلك حكى أبو حاتم أنهما مرسومان بالباء في مصحف أهل حمص الذي بعث عثمان إلى الشام. اهـ. ونقل كلام أبي حاتم أيضاً ابن الجزري في النشر ٢٤٥/٢ ، وقال: وكذا رأيتُه أنا في المصحف الشامي في الجامع الأموي. ٤٤٧ سورة آل عمران: الآيات ١٨٣ - ١٨٥ لازمٌ ومتَعدّ. وجَمَعَ بين الزُّبُر والكتابِ - وهُما بمعنّى - لاختلاف لفظهما، وأصلهما(١) کما ذَکرنا. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ الْمَوْتِّ وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَحُ ١٨٥) الْغُرُورِ فيه سبع مسائل : الأولى: لمَّا أخبرَ جلَّ وتعالى عن الباخلين وكُفرِهم في قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَةٌ﴾، وأمرَ المؤمنين بالصَّبر على أذاهم في قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَ﴾ الآية، بين أنَّ ذلك مما يَنقضي ولا يدومُ، فإنَّ أمدَ الدُّنيا قريبٌ، ويوم القيامةِ يومُ الجزاء. ﴿ذَآئِقَةُ الْوَّتِ﴾ من الذَّوق، وهذا ممَّا لا محيصَ عنه للإنسان، ولا مَحِيد عنه لحيوان. وقد قال أميةُ بنُ أبي الصَّلْت: لِلمَوتِ كأسٌ والمَرْءُ ذائِقُهَا(٢) مَنْ لِم يَمُتْ عَبْطةً يمُتْ هَرَماً وقال آخرُ: (٣) الموتُ بابٌ وكلُّ الناس داخلُه فليتَ شِعْرِيَ بعد البابِ ما الدَّارُ الثانية: قراءةُ العامَّة: ((ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)) بالإضافة. وقرأ الأعمشُ ويحيى وابنُ أبي إسحاقَ: ((ذائقةٌ الموتَ)) بالتنوين ونَصْبِ الموتِ (٤). قالوا: لأنَّها لم تذق بعدُ. وذلك أن اسم الفاعل على ضربين: أحدُهما أنْ يكون بمعنى المُضِيِّ، والثاني بمعنى الاستقبال؛ فإن أردتَ الأوَّلَ لم يكن فيه إلَّا الإضافةُ إلى ما بعده، كقولك: هذا (١) في (د) و(م): وأصلها. (٢) ديوانه ص ١٧٢ . وقوله: عَبْطة، أي: شاباً صحيحاً. القاموس (عبط). (٣) هو أبو العتاهية، والبيت في ديوانه ص١٤١ . (٤) ذكر قراءة الأعمش ابنُ عطية في المحرر الوجيز ٥٥٠/١، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢٣، والزمخشري في الكشاف ١/ ٤٨٥ لليزيدي، وذكرا أن قراءة الأعمش بغير تنوين ذائقة وبنصب الموت، وينظر البحر ١٣٣/٣. ٤٤٨ سورة آل عمران: الآية ١٨٥ ضاربُ زيدٍ أمسٍ، وقاتلُ بَكْرِ أمسٍ؛ لأنَّه يجري مجرى الاسم الجامد، وهو العلم، نحوُ : غلامُ زيدٍ، وصاحبُ بَكْرٍ. قال الشاعر: الحافِظُو عَوْرَةِ العَشِيرة لا يَأتيهِمُ مِن وَرَائِهِمْ وَكَفُ(١) وإن أردتَ الثاني جاز الجرُّ، والنَّصبُ والتَّنوينُ فيما هذا سبيلُه هو الأصل؛ لأنَّه يَجري مجرى الفعل المضارع. فإن كان الفعل غيرَ متعدٍّ، لم يتعدَّ، نحو: قائمٌ زيدٌ. وإن كان متعدِّياً عدَّيتَه ونصبتَ به، فتقولُ: زيدٌ ضاربٌ عَمْراً، بمعنى يَضرب عَمْراً. ويجوزُ حذفُ التَّنوين، والإضافةُ تخفيفاً، كما قال المرَّارُ: (٢) ناجٍ مُخالِطِ صُهْبةٍ مُتَعَيِّسٍ سَلِّ الهمُومَ بكلِّ مُعطِي رأسِه في مَنْكَبٍ زَبَنَ المَطِيَّ عَرَنْدَسِ(٣) مُغْتَالٍ أَخْبُلِه مُبِينٍ عُنْقُه فحذَفَ التَّنوينَ تخفيفاً، والأصلُ: مُعْطِ رأسَه، بالتنوين والنَّصبِ، ومثل هذا أيضاً في التّزيل قوله تعالى: ﴿هَلْ هُنَّ كاشِفاتٌ ضُرَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨](٤) وما كان مثله. الثالثة: ثم أعلم أنَّ للموتِ أسباباً وأماراتٍ؛ فمن علامات موتِ المؤمن عَرَقُ الجبينِ. أخرجه النَّسائي(٥) من حديث بريدةَ قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ﴾. يقول: ((المؤمنُ يموتُ بعَرَق الجَبِين)). وقد بيَّناه في ((التَّذكرة)).(٦) (١) البيت لعمرو بن امرئ القيس من قصيدة له في الخزانة ٢٧٥/٤، وأورده سيبويه ١٨٦/١، وروايته: من ورائنا نَطَف، وينظر ديوان قيس بن الخطيم ص١١٥ و ٢٣٨ . قوله: الوَكّف، بفتح الواو والكاف: العيب والإثم. قاله البغدادي في الخزانة. (٢) بفتح الميم وتشديد الراء الأولى، ابن سعيد الفَفْعَسي، من شعراء الدولة الأموية، وقد أدرك العباسية. خزانة الأدب ٢٨٨/٤ - ٢٨٩، وينظر الشعر والشعراء ٦٩٩/٢، والأغاني ٣٧٢/١٠. (٣) البيتان في الكتاب ٤٢٦/١، قال الشنتمري في شرحهما ١٤٠/١ و٢٤١/٢: المعنى: سلِّ همومَك اللازمة لك بفراق مَن تهواه ونأيِه عنك بكل بعير ترتحلُه للسفر، مُعْطي رأسه، أي: ذلول منقاد، ناج، أي: سريع، والصُّهبة: أن يضرب بياضُه إلى الحمرة، والمتعيِّس: الأبيض، وهو أفضل أنواع الإبل، ثم وصفه بعِظَم الجوف، فإذا شُدَّ رحلُه عليه اغتال أحبُلَه - والاغتيال: الذهاب بالشيء - واستوفاها لعِظَم جوفه، والمبين: البَيِّنُ الطولِ. ومعنى زَبْنَ المطيَّ: زاحم ودافع، والعَرَنْدَسُ: الشديد. (٤) هي قراءة أبي عمرو، وقرأ باقي السبعة بغير تنوين وخفض ((ضرّه)). السبعة ص٥٦٢، والتيسير ص ١٩٠. (٥) في سننه ٦/٤، وهو في مسند أحمد (٢٢٩٦٤). (٦) ص١٦. ٤٤٩ سورة آل عمران: الآية ١٨٥ فإذا احتُضِرَ لُقِّن الشَّهادةَ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لَقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله))(١) لتكونَ آخرَ كلامِه، فيُختمَ له بالشَّهادة، ولا يعادُ عليه منها لئلا يضجَرَ. ويُستحبُّ قراءةُ (يس)) ذلك الوقتِ؛ لقوله عليه الصلاة والسَّلام: ((اقرَؤوا يس على مَوْتاكم)). أخرجَه أبو داودَ(٢). وذكر الآجُرِّي في كتاب ((الَّصيحة)) من حديث أمِّ الدرداء عن النبيِّ ﴿ قال: ((ما من ميِّت يُقرأُ عنده سورةُ يس إلا هُوِّن عليه الموتُ)).(٣) فإذا قضى وتَبع البصرُ الروحَ - كما أخبرَ # في صحيح مسلم -(٤) وارتفعت العباداتُ، وزالَ التَّكليفُ، توجَّهت على الأحياء أحكامٌ؛ منها: تغميضُه، وإعلامُ إخوانه الصُّلحَاءِ بموته، وكَرِهه قومٌ وقالوا: هو من النَّعي. والأوَّلُ أصحُ، وقد بيَّنَّاه في غير هذا الموضع. ومنها الأخذُ في تجهيزه بالغسل والدَّفن؛ لئلا يُسرع إليه التغيُّر، قال لقوم أخّروا دفنَ ميِّتهم: ((عجِّلوا بدفنٍ جِيفَتِكم))(٥)، وقال: ((أسرعوا بالجنازة)) الحديثَ، وسيأتي.(٦) فأما غسلُه وهي : الرابعة (٧): فهو سُنَّةٌ لجميع المسلمين حاشا الشَّهيد على ما تقدَّم(٨). وقيل: غسلُه (١) أخرجه أحمد (١٠٩٩٣)، ومسلم (٩١٦) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾، ومسلم (٩١٧) من حديث أبي هريرة ﴾. (٢) في سننه (٣١٢١) من حديث معقل بن يسار، وهو في مسند أحمد (٢٠٣٠١)، ونقل الحافظ في التلخيص الحبير ١٠٤/٢ عن ابن القطان أنه أعلّه، وعن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن، ولا يصح في الباب حدیث. (٣) وأخرجه أبو نعيم في أخبار أصبهان ١٨٨/١ من طريق مروان بن سالم، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد، عن أبي الدرداء، وشريح لم يسمع من أبي الدرداء كما في تهذيب الكمال ١٢/ ٤٤٧ وتهذيب التهذيب ١٦٢/٢، ومروان بن سالم؛ قال الدارقطني: متروك، وقال البخاري ومسلم وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال الحراني: يضع الحديث. انظر ميزان الاعتدال ٤/ ٩٠ . (٤) برقم (٩٢٠) من حديث أم سلمة، و (٩٢١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما، وحديث أم سلمة في مسند أحمد (٢٦٥٤٣). (٥) سلف تخريجه ص ٣٤٤ من هذا الجزء . (٦) في المسألة الخامسة. (٧) في (ز) و(ظ): وهي الرابعة وفي (م): الثالثة فأما غسله. وكذلك في التعداد التالي إلى نهاية المسائل. (٨) ٤ /٢٧٠ . ٤٥٠ سورة آل عمران: الآية ١٨٥ واجبٌ. قالَه القاضي عبد الوهّاب(١). والأوَّل مذهبُ الكتاب(٢)، وعلى هذين القولَين العلماءُ. وسببُ الخلافِ قولُه عليه الصلاة والسَّلام لأمّ عطيةً في غسلها ابنّته زينَب، على ما في كتاب مسلم(٣)، وقيل: هي أمُّ كلثوم، على ما في كتاب أبي داود (٤): ((اغْسِلنَها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثرَ من ذلك إن رأيتُنَّ ذلك)). الحديث، وهو الأصلُ عند العلماء في غَسلِ الموتى. فقيل: المرادُ بهذا الأمرِ بيانُ حكمِ الغُسلِ، فيكونُ واجباً. وقيل: المقصودُ منه تعليمُ كيفيةِ الغُسلِ، فلا يكونُ فيه ما يدُلُّ على الوجوب. قالوا: ويدُلُّ عليه قوله: ((إن رأيتُنَّ ذلك)). وهذا يقتضي إخراجَ ظاهرِ الأمر [بالغُسل] عن الوجوب؛ لأنَّه فوَّضه إلى نَظَرِهنَّ. قيل لهم: هذا فيه بُعدٌ؛ لأن ردَك ((إن رأيتُنَّ)) إلى الأمر، ليس السَّابقَ إلى الفَهم؛ بل السَّابقُ رجوعُ هذا الشَّرط إلى أقرب مذكورٍ، وهو: ((أكثرَ من ذلك))، أو إلى التَّخيير في الأعداد. وعلى الجملة؛ فلا خلافَ في أن غُسلَ المَيِّتِ مشروعٌ معمولٌ به في الشَّريعة لا يُتركُ. وصفتُه كصِفَة غُسلِ الجنابَةِ على ما هو معروف. ولا يجاوِزُ السَّبعَ؛ غسلات في غُسل الميّت بإجماع؛ على ما حكاه أبو عمر(٥). فإنْ خرجَ منه شيء بعدَ السَّبع؛ غُسِلَ الموضعُ وحدَه، وحكمُه حكم الجُنب إذا أحدَثَ بعدَ غسلِه.(٦). فإذا فرغ من غسله كفَّنه في ثيابه، وهي: الرابعة: والتَّكفينُ واجبٌ عند عامَّة العلماء، فإن كان له مالٌ؛ فمن رأس مالِه عند (١) ينظر شرح التلقين ١١١٣/٣. (٢) هو المدونة، والكلام فيه ١٨٤/١ - ١٨٥ . (٣) برقم (٩٣٩). وهو في مسند أحمد (٢٠٧٩٠)، وصحيح البخاري (١٢٥٣). (٤) في سننه (٣١٥٧) من حديث ليلى بنت قانف، وهو في مسند أحمد (٢٧١٣٥). (٥) في الكافي ١/ ٢٧٠ . (٦) المفهم ٢/ ٥٩٢ - ٥٩٣، وما سلف بين حاصرتين منه. ٤٥١ سورة آل عمران: الآية ١٨٥ عامَّة العلماء، إلاَّ ما حُكي عن طاوس أنَّه قال: من الثلث؛ سواء(١) كان المالُ قليلاً أو كثيراً. فإن كان الميِّت ممن تلزمُ غيرَه نفقتُه في حياته من سيِّدٍ - إن كان عبداً - أو أب، أو زوجٍ، أو ابنٍ، فعلى السيِّد باتفاق، وعلى الزَّوج والأب والابن باختلاف. ثمَّ على بيت المالِ أو على جماعة المسلمين على الكفاية. والذي يتعيَّن منه بتعيين الفرض سَترُ العورةِ، فإن كان فيه فضلٌ؛ غير أنَّه لا يعمُّ جميعَ الجسدِ؛ غطّ رأسَه ووجهَه؛ إكراماً لوجهه، وستراً لما يَظهرُ من تغيُّر محاسنه.(٢) والأصلُ في هذا قصَّةُ مُصعب بنِ عُمير، فإنَّه تَرك يوم أحدٍ نَمِرةٌ(٣)؛ كان إذا غُطّيَ رأسُه خرجَت رِجلاهُ، وإذا غُطِّي رِجلاه خرجَ رأسُه، فقالَ رسولُ اللـه لَ﴾: «ضَعوها ممَّا يلي رأسَه، واجْعلُوا على رِجَلَيه من الإذْخِر)) أخرجَ الحديثَ مسلمٌ.(٤) والوتر مستحبّ عند كافَّة العلماء في الكَفن، وكلُّهم مُجمعون على أنَّه ليس فيه حَدٌّ، والمستحبُّ منه البياضُ، قال :﴿: ((البَسوا من ثيابكم البياضَ، فإنَّها من خير ثيابكم، وكفّنوا فيها موتاكم)). أخرجه أبو داود.(٥) وكُفِّن ◌َ﴿ في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سَحُولِيَّة من كُرْسُف(٦). والكَفَنُ في غير البياض جائزٌ إلاَّ أن يكون حريراً أو خزّاً. (٧) فإن تشاحَ الورثةُ في الكُفَن(٨)؛ قُضي عليهم في مثل لباسِه في جُمعتِه وأعيادِه، (١) لفظة: سواء، من (ظ) . (٢) المفهم ٢/ ٥٩٨ . (٣) الثَّمِرة: بُردة من صوف تلبسها الأعراب. مختار الصحاح. (٤) في صحيحه (٩٤٠) من حديث خبّاب بن الأرت ، وأخرجه البخاري (١٢٧٦). (٥) في سننه (٣٨٧٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو في مسند أحمد (٢٢١٩)، وسلف ص٣٠٣ من هذا الجزء. (٦) أخرجه أحمد (٢٤١٢٢)، والبخاري (١٢٦٤)، ومسلم (٩٤١) من حديث عائشة رضي الله عنها. قوله: سَحولية، نسبة إلى سحول قرية باليمن، والكرسف: بضم الكاف والمهملة بينهما راء ساكنة، هو القطن. فتح الباري ٣/ ١٤٠. (٧) المفهم ٥٩٨/٢ - ٥٩٩ . (٨) في (ظ): الوراثة. ٤٥٢ سورة آل عمران: الآية ١٨٥ قال ﴿: ((إذا كَفَّن أحدُكم أخاه؛ فَلْيُحسِّن كفتَه)). أخرجه مسلم(١). إلاَّ أنْ يُوصيّ بأقلَّ من ذلك. فإنْ أوصى بسَرفٍ قيل: يَبطلُ الزائدُ. وقيل: يكونُ في الثُّلث. والأوَّلُ أصحُ، ج لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْرِفُواْ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقال أبو بكر: إنَّه للمُهْلَة.(٢) فإذا فرَغَ من غسلهِ وتكفينه، ووُضع على سريره، واحتملَه الرجالُ على أعناقهم، وهي : الخامسة: فالحكمُ الإسراعُ في المشي؛ لقوله عليه الصلاة والسَّلام: ((أسرعوا بالجِنازة، فإن تَكُ صالحةً، فخيرٌ تُقدِّمونها إليه، وإن تكن غيرَ ذلك، فشرٌّ تضعونه عن رقابكم))(٣). لا كما يفعلُه اليومَ الجھَّالُ في المشي رُويداً، والوقوفِ بها المرَّة بعد المرَّة، وقراءةِ القرآنِ بالألحان إلى ما لا يَحِلُّ ولا يجوز، حسب ما يفعلُه أهلُ الدِّيار المصريَّة بموتاهم. روى النسائي(٤): أخبرنا محمد بنُ عبد الأعلى قال: حدثنا خالد قال: أنبأنا عُيينةُ بن عبد الرحمن قال: حدثني أبي قال: شَهذْتُ جِنازةً عبد الرحمن بن سَمُرة، وخرج زياد يمشي بين يدي السَّرير، فجعل رجالٌ من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السَّرير، ويمشون على أعقابهم، ويقولون: رويداً رويداً، بارك الله فيكم. فكانوا يَدِبُّون دَبيباً، حتى إذا كنا ببعض طريق المِرْبَد؛ لَحقَنا أبو بكرة ﴾ على بغلة، فلما رأى الذين يصنعون؛ حمل عليهم ببغلته، وأهوى إليهم بالسَّوْط، فقال: خَلُّوا! فوالذي أكرمَ وجهَ أبي القاسم ﴿ لقد رأيتُنا مع رسول اللـه ل﴾ وإنا(٥) لنكادُ نرمُلُ بها (١) في صحيحه (٩٤٣) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، وهو في مسند أحمد (١٤١٤٥). (٢) المنتقى للباجي ٨/٢، وأخرج أحمد (٢٤١٨٦)، والبخاري (١٣٨٧) من حديث عائشة رضي الله عنها أنها دخلت على أبي بكر فقال: في كم كفَّنتم رسول الله ﴾؟ ... فقال: اغسلوا ثوبيَّ هذين، وزیدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها، قلت: إن هذا خَلَق، قال: إن الحيَّ أحقُّ بالجديد من الميت، إنما هو للمُهلة. قال السندي في شرحه على المسند: المهلة، بضم ميم وكسرها: هي القيح والصديد الذي يذوب ويسيل من الجسد. (٣) أخرجه أحمد (٧٢٦٧)، والبخاري (١٣١٥)، ومسلم (٩٤٤) من حديث أبي هريرة (٤) في المجتبى ٤٢/٤ - ٤٣، وهو في مسند أحمد (٢٠٤٠٠). (٥) في (م): وإنها. ٤٥٣ سورة آل عمران: الآية ١٨٥ رَمَلاَّ. فانبسط القومُ. وروى أبو ماجدة (١) عن ابن مسعودٍ قال: سألْنا نبيَّنا ﴾ عن المشي مع الجنازة فقال: ((دون الخَبَب، إن يكن خيراً يعجَّلْ إليه، وإن يكن غيرَ ذلك فبعداً لأهل النَّار)). الحديث.(٢) قال أبو عمر (٣): والذي عليه جماعةُ العلماء في ذلك الإسراعُ فوقَ السَّجية قليلاً، والعَجَلة أحبُّ إليهم من الإبطاء. ويُكره الإسراعُ الذي يَشقُّ على ضَعَفة النَّاس ممن يتبعها. وقال إبراهيمُ النَّخَعي: بَطِّئوا بها قليلاً، ولا تَدِبُّوا دبيبَ اليهود والنَّصارى. وقد تأوَّل قومٌ الإسراعَ في حديث أبي هريرةً تعجيلَ الدَّفنِ لا المشي، وليس بشيء لما ذكرنا. وبالله التوفيق. السادسة: وأما الصَّلاةُ عليه فهي واجبَةٌ على الكفاية، كالجهاد. هذا هو المشهورُ من مذاهب العلماء، مالك وغيره؛ لقوله ﴿: في النَّجاشي: ((قوموا فصلُّوا عليه))(٤). وقال أصْبغ: إنها سُنَّة. ورُوي عن مالك(٥). وسيأتي لهذا المعنى زيادةُ بيانٍ في ((براءة)).(٦) السابعة: وأما دفنُه في التراب ودسُّه وسَتْرُه، فذلك واجبٌ؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ فِ الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيةٍ﴾ [المائدة: ٣١]. وهناك يُذكر حكم بنيانِ القبر وما يُستحبُّ منه، وكيفيَّةُ جعلِ الميِّت فيه. ويأتي في ((الكهف))(٧) حكمُ بناءِ المسجدِ عليه، إن شاء الله تعالى. (١) ويقال: أبو ماجد، الحنفي العجلي الكوفي، قال الترمذي: مجهول، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال الدارقطني: مجهول متروك. تهذيب الكمال ٢٤١/٣٤ . (٢) أخرجه أحمد (٤١١٠)، وأبو داود (٣١٨٤)، والترمذي (١٠١١)، وابن ماجه (١٤٨٤). (٣) التمهيد ٣٣/١٦ - ٣٤، والاستذكار ٤١٧/٨ - ٤١٨. (٤) المفهم ٦٠٩/٢، وأخرجه أحمد (١٤١٥٠)، والبخاري (١٣٢٠)، ومسلم (٩٥٢) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما. (٥) المنتقى للباجي ٢/ ١١ . (٦) في تفسير الآية (٨٤) منها. (٧) في تفسير الآية (٢١) منها. ٤٥٤ سورة آل عمران: الآية ١٨٥ فهذه جملةٌ من أحكام الموتى وما يجبُ لهم على الأحياء . وعن عائشةً قالت: قال رسول الله :﴿: ((لا تَسبُّوا الأمواتَ، فإنهم قد أفضَوْا إلى ما قدَّموا)). أخرجه مسلم.(١) وفي سُنن النَّسائي(٢) عنها أيضاً قالت: ذُكر عند النبيِّ﴾ هالكٌ بسوءٍ، فقال: ((لا تذكروا هَلْکاكُم إلا بخير )». قوله تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةٌ﴾ فَأَجْرُ المؤمن ثوابٌ، وأَجرُ الكافرِ عقابٌ، ولم يعتدَّ بالنِّعمة والبليّة في الدنيا أجراً وجزاءً؛ لأنَّها عُرضةٌ للفناء. ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ النَّارِ﴾ أي: أُبعِدَ. ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازَّ﴾: ظَفِر بما يَرجو، ونجا مما يخافُ. وروى الأعمش، عن زيد بن وَهْب، عن عبد الرحمن بن عبدِ ربِّ الكعبة، عن عبدالله بن عمرو، عن النَّبي﴾ قال: ((من سَرَّه أن يُزحزح عن النَّار، وأنْ يدخل الجنَّة، فلْتأتِهِ منّيَّتَهُ وهو يشهد أن لا إله إلّا الله، وأن محمداً رسول الله، ويأتي إلى النَّاس الذي يُحبُّ أنْ يُؤتى إليه)).(٣) وعن أبي هريرةَ قال: قال رسول اللـه ◌َ﴾: ((موضِعُ سَوْطِ في الجنَّة خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، اقرؤوا إنْ شِئْتُم: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ الثَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازَ﴾)).(٤) ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ أي: تَغُرُّ المؤمنَ وتَخدعُه، فَيَظُنُّ طولَ البقاءِ وهي فانيةٌ. والمتاعُ ما يُتمتَّع به ويُنتفَعُ، كالفأس والقِذْر والقَصْعَة، ثم يزول ولا يبقى مُلكُه، قالَه أكثرُ المفسِّرين. قال الحسنُ: كخُضرةِ النَّبات، ولُعبِ البنَات، لا حاصلَ له(٥). (١) لم يخرجه مسلم، وإنما أخرجه البخاري (١٣٩٣)، وهو في مسند أحمد (٢٥٤٧٠)، وينظر الجمع بين الصحيحين لعبد الحق الإشبيلي ٣٦/٢ . (٢) المجتبى ٥٢/٤، والكبرى (٢٠٧٣). (٣) أخرجه أحمد (٦٧٩٣)، ومسلم (١٨٤٤) مطولاً. (٤) أخرجه أحمد (٩٦٥١)، والترمذي (٣٠١٣) وقال: حسن صحيح. (٥) في (ظ): به. ٤٥٥ سورة آل عمران: الآيتان ١٨٥ - ١٨٦ وقال قتادة: هي متاعٌ متروٌ، يوشِكُ أنْ تَضمحِلَّ بأهلها، فينبغي للإنسان أنْ يأخذَ من هذا المتاع بطاعةِ الله سبحانه ما استطاع.(١) ولقد أحسن مَنْ قال: (٢) ودارُ الفَناءِ ودارُ الغِيَرْ(٣) هي الدَّارُ دارُ الأذى والقَذَى لَمُتَّ ولم تَقْضِ منها الوَطَرْ فلونِلْتَها بحَذافيرِها وطُولُ الخلودِ عليه ضَرَرْ أيا مَنْ يؤمِّلُ طُولَ الخُلودِ فلا خيرَ في العيشِ بعد الكِبَرْ إذا أنت شِبْتَ وبانَ الشَّبابُ والغَرورُ، بفتح الغَين: الشيطان؛ يَغُرُّ الناسَ بالثَّمنيةِ والمواعيد الكاذبةِ. قال ابن عرفةَ: الغُرور: ما رأيتَ له ظاهراً تُحِبُّه، وفيه باطنٌ مكروهٌ أو مجهول. والشَّيطانُ غَرورٌ، لأنه يَحملُ على مَحابِّ النَّفسِ، ووراءَ ذلك ما يَسوءُ. قال: ومن هذا بيعُ الغَرَر، وهو ما كان له ظاهرُ بيعٍ يَغُرُّ، وباطنٌ مجهول. قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىَّ أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيْرَأْ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ ١٨٩ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ هذا الخطابُ للنبيِّ ﴾ وأمَّتِه، والمعنى: لَتُخْتَبَرُنَّ ولَتُمْتَحَنُنَّ في أموالكم بالمصائب والأرزاء، وبالإنفاق في سبيل الله، وسائر تكاليفِ الشَّرعِ، والابتلاءِ في الأنفس بالموت والأمراضٍ وفقدِ الأحبابِ(٤). وبدأ بذكر الأموالِ لكثرةِ المصائبِ بها. ﴿وَلَسْمَعُنَ﴾ إن قيل: لِم ثبتتِ الواوُ في ((لَتُبلَوُنَّ)، وحُذفت من ((وَلَتَسْمَعُنَّ)؟ (١) تفسير البغوي ١/ ٣٨١، وأخرج قول قتادة ابن أبي حاتم ٨٣٣/٣. (٢) هو أبو العتاهية، والأبيات في ديوانه ص١٦١- ١٦٢ على اختلاف في بعض ألفاظه، وأدب الدنيا والدين للماوردي ص١٠٢ . (٣) في (ظ): العبر. (٤) المحرر الوجيز ٥٥٠/١ . : ٤٥٦ سورة آل عمران: الآية ١٨٦ فالجوابُ: أن الواو في (لَتبلونَّ) قبلها فتحةٌ، فحُركت لالتقاءِ السَّاكنين، وخُصَّت بالضَّمة لأنها واوُ الجمع، ولم يَجُز حذفُها؛ لأنه(١) ليس قبلها ما يَدلُّ عليها، وحُذفت من ((ولَتَسمعُنَّ) لأنَّ قبلها ما يدلُّ عليها. ولا يجوزُ همزُ الواوِ في ((لَتبلوُنَ))؛ لأنَّ حركتَها عارضَةٌ. قاله النَّخَّاسُ(٢) وغيرُه. ويقالُ للواحد من المذكر: لَتْلَيَنَّ يا رجلٌ، وللاثنين: لتبليانٌ يا رجلانِ. ولجماعة الرجال: لتُبلَوُنَّ.(٣) ونزلت بسبب أنَّ أبا بكر ﴾ سمع يهودياً يقول: إنَّ الله فقيرٌ ونحنُ أغنياءُ، ردّاً على القرآن، واستخفافاً به حين أنزل اللهُ: ﴿َّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. فلطمه، فشكاه إلى النبيِّ ﴾، فنزلت. قيل: إن قائلها فِنْحاص اليهوديُّ، عن عكرمة.(٤) الزُّهريُّ: هو كعبُ بنُ الأشرف؛ نزلت بسببِه؛ وكان شاعراً، وكان يهجو النبيَّ #* وأصحابَه، ويُؤَلِّب عليه كفار قريشٍ، ويُشبِّب بنساء المسلمين، حتى بعث إليه رسولُ اللـه ﴿ محمد بنَ مَسْلمةَ وأصحابَه، فقتله القِتْلة المشهورة في السِّيَر وصحيحٍ الخَبر(٥). وقيل غير هذا. وكان﴿ لما قَدِمَ المدينةَ كان بها اليهودُ والمشركون، فكان هو وأصحابُه يَسمعون أذِّى كثيراً. وفي الصحيحين(٦) أنه عليه الصلاة والسَّلامُ مرَّ بابنٍ أُبَيِّ وهو عليه الصلاة والسَّلام على حمارٍ، فدعاهُ إلى الله تعالى، فقال ابنُ أُبَيِّ: إنْ كان ما تقول حقّاً فلا تؤذِنَا بهِ في مجالسنا، ارجعْ إلى رَحلك، فمن جاءَك فاقصُصْ عليه. وقبض على أنفه (١) في (م) لأنها. (٢) في إعراب القرآن ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥. (٣) معاني القرآن للزجاج ٤٩٦/١ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٥١٩/١، والمحرر الوجيز ٥٥١/١ . وأخرجه الطبري ٢٩٠/٦ - ٢٩١. (٥) المحرر الوجيز ٥٥١/١. والخبر في صحيح البخاري (٤٠٣٧)، وصحيح مسلم (١٨٠١)، وينظر تفسير الطبري ٦/ ٢٩١ - ٢٩٣. (٦) صحيح البخاري (٤٥٦٦)، وصحيح مسلم (١٧٩٨) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وهو في مسند أحمد (٢١٧٦٧). ٠٫٠ ٤٥٧ سورة آل عمران: الآيتان ١٨٦ - ١٨٧ لئلاّ يُصيبَه غبارُ الحمارِ، فقالَ ابن رَوَاحة: نعم يا رسول الله، فاغْشَنا في مجالسنا، فإنا نُحبُّ ذلك. واستَبَّ المشركونَ الذين كانوا حول ابنٍ أَبَيٍّ والمسلمون، وما زال النبيُّ ◌َ# يُسكِّنُهم حتَّى سَكنوا(١). ثم دخل على سعد بنِ عُبادةً يَعودُه وهو مريض، فقال: ((ألم تسمع ما قال فلان؟)) فقال سعدٌ: اعفُ عنه واصفح، فوالَّذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاءك اللهُ بالحقِّ الذي نَزل، وقد اصطلح أهلُ هذه البُحَيْرة(٢) على أنْ يُتوِّجوه ويُعصِّبوه بالعِصابة، فلما ردَّ اللهُ ذلك بالحقِّ الذي أعطاكَهُ، شَرِقَ(٣) به، فذلك فَعَل به ما رأيت. فعفا عنه رسولُ اللهِ ﴾، ونزلت هذه الآيةُ. قيل: هذا كان قبل نُزولِ القتال، ونَدَب اللهُ عبادَه إلى الصَّبْر والتَّقوى، وأخبر أنَّه من عزم الأمور. وكذا في البخاريِّ في سياق الحديث، أنَّ ذلك كان قبل نُزولِ القتالِ. والأظهرُ أنَّه ليس بمنسوخ؛ فإنَّ الجدال بالأحسنِ والمُداراةَ أبداً مندوبٌ إليها ، وكان عليه الصلاة والسَّلام مع الأمر بالقتال وادٍعُ اليهودَ ويُدَارِيهم، ويَصفحُ عن المنافقين، وهذا بيِّنٌ. ومعنى ﴿عَزْمِ الْأُمُورِ﴾: شدُّها وصَلابتُها. وقد تقدَّم.(٤) قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ هذا متَّصلٌ بذكر اليهود، فإنَّهم أُمِروا بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسَّلام وبيانِ أمرِه، فكتموا نعتّه. (١) في (خ): يسكّتهم حتى يسكتوا. (٢) في صحيح البخاري: البحرةُ، وفي رواية له: البحيرة، كما ذكرّ الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٨/ ٢٣٢، وقال: هذا اللفظ يطلق على القرية وعلى البلد، والمراد به هنا المدينة النبوية. (٣) بفتح المعجمة وكسر الراء، أي: غصَّ به، وهو كناية عن الحسد. فتح الباري ٢٣٢/٨. (٤) ص ٣٨٤ من هذا الجزء . ٤٥٨ سورة آل عمران: الآية ١٨٧ فالآيةُ توبيخٌ لهم، ثمَّ مع ذلك هو خبرٌ عامٌّ لهم ولغيرهم.(١) قال الحسن وقتادة: هي في كلِّ من أوتيَ عِلْمَ شيء من الكتاب. فمن عَلِمَ شيئاً فليُعلِّمه، وإِيَّكم وكِتمانَ العلم فإنه هَلَكَةٌ.(٢) وقال محمد بنُ كعبٍ: لا يَحلُّ للعالم أنْ يسكتَ على علمه، ولا للجاهل أن يَسكُتَ على جهله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ الآية، وقال: ﴿فَسْتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].(٣) وقالَ أبو هريرةً: لولا ما أخذَ اللهُ على أهل الكتابِ؛ ما حدَّثْتُكم بشيءٍ، ثمَّ تلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾.(٤) وقال الحسن بنُ عمارة: أتيتُ الزُّهريَّ بعدما ترك الحديث، فألفيتُه على بابه، فقلتُ: إنْ رأيتَ أنْ تُحَدِّثني. فقال: أما علمتَ أني تركتُ الحديث؟ فقلت: إما أن تُحدِّثَني، وإما أنْ أحدِّثَك. قال: حدِّثْني. قلتُ: حدَّثني الحَكْم بنُ عُتَيبة، عن يحيى بن الجزار قال: سمعتُ عليَّ بنَ أبي طالب يقول: ما أخذ اللهُ على الجاهلين أنْ يتعلَّموا حتَّى أخذ على العلماء أنْ يُعلِّموا. قال: فحدَّثني أربعين حديثاً.(٥) الثانية: الهاء في قوله: ﴿لَتُبِيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ ترجع إلى محمَّدٍ ﴾ وإنْ لم يَجْرِ له ذِكرٌ. وقيل: ترجعُ إلى الكتاب، ويدخل فيه بيان أمر النَّبِي ◌َ#؛ لأنَّه في الكتاب(٦). وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، ولم يقل: تَكْتُمُنَّهُ؛ لأنَّ في معنى الحال، أي: لتُبِينُنَّه غيرَ كاتمين.(٧) وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وأهل مكّة: ((لَتُبَيّنُنَّهُ)) بالتاء على حكاية (١) المحرر الوجيز ٥٥١/١. (٢) تفسير البغوي ١/ ٣٨٣، وأخرج الطبري ٦/ ٢٩٦ قول قتادة. (٣) ذكره الزمخشري في الكشاف ٤٨٦/١ . (٤) تفسير البغوي ٣٨٣/١، وأخرجه الحاكم ١٠٨/١ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولا أعلم له علة، ولم يخرجاه. وسلف نحوه ٢/ ٤٨٠ . (٥) تفسير البغوي ١/ ٣٨٣، وذكر ابن الجوزي في زاد المسير ٥٢١/١، والزمخشري في الكشاف ٤٨٦/١ قول علي ﴾ دون القصة. (٦) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٢٥/١، ومجمع البيان ٢٩٢/٤، وزاد المسير ٥٢١/١ . (٧) ينظر تفسير الفخر الرازي ٩/ ١٣١. ٤٥٩ سورة آل عمران: الآيتان ١٨٧ - ١٨٨ الخطاب، والباقون بالياء لأنَّهم غُيَّب. (١) وقرأ ابنُ عباس: ((وَإِذْ أَخَذَ اللهُ ميثَاقَ النَِّّنَ لَتُبَيِّنْتَهُ»(٢)، فيجيءُ قولُه: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ عائداً على النَّاس الَّذين بيَّنَ لهم الأنبياءُ.(٣) وفي قراءة ابنٍ مسعود ((لْيُبيّنُونَه)) (٤) دونَ النُّونِ الثقيلة. والنَّبْذ: الطَّرحُ. وقد تقدَّم بيانُه في ((البقرة)).(٥) ﴿وَرَآءَ تُهُورِهِمْ﴾: مبالغة في الاطراح، ومنه ﴿﴿وَأَتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِنًا﴾ [هود: ٩٢]. وقد تقدَّم في ((البقرة)) بيانُه أيضاً(٦). وتقدَّم معنى قولِه: ﴿وَاشْتَرَوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ في ((البقرة)) فلا معنى لإعادته. ﴿فَيْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ تقدَّم أيضاً(٧). والحمد لله. قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَّحْسَبَتَهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أي: بما فعلوا من القُعود في الثَّخلُّفِ عن الغَزْوِ، وجاؤوا به من العُذرِ. ثبت في الصحيحين(٨) عن أبي سعيد الخُدرِيِّ: أنَّ رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله﴿ كان إذا خرج النَّبيُّ﴾﴾ إلى الغزو تخلَّفوا عنه، وفرحوا بمَفْعَدِهم خِلافَ رسول اللـه﴿، فإذا قَدم النَّبيُّ :﴿ اعتذروا إليه وحلَفوا، وأحبُّوا أن يُحمَدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية. (١) كذا قال المصنف رحمه الله، وهو وهم منه، فإن ابن كثير وأبا عمرو وعاصماً في رواية أبي بكر شعبة عنه قرؤوا: ((ليُبَيّنُنَّه للناس)» بالياء من أسفل، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بالتاء للخطاب. السبعة ص٢٢١ والتيسير ص ٩٣ . (٢) في (خ) و (م): ليبيننه (بالياء). (٣) المحرر الوجيز ٥٥١/١. وأخرج الطبري ٦/ ٢٩٧ قراءة ابن عباس، ونقل عنه معناها بقوله: أخذ الله میثاق النبیین علی قومهم. (٤) في (د): ليبينوه، وفي (ظ): ليبيننه، وفي المحرر الوجيز ١/ ٥٥١ (وعنه نقل المصنف)، والدر المصون ٥٢٤/٣: لتبينونه. وينظر البحر المحيط ١٣٦/٣. (٥) ٢٦٧/٢ . (٦) ٢ / ٢٦٨ . (٧) ٣١٨/١. (٨) صحيح البخاري (٤٥٦٧)، وصحيح مسلم (٢٧٧٧). ٤٦٠ سورة آل عمران: الآية ١٨٨ وفي الصحيحين أيضاً (١) أن مَرْوان قال لبؤَّابه: اذهب يا رافعُ إلى ابن عباس، فقل له: لئن كان كلُّ امرئٍ منَّا فرح بما أوتي(٢)، وأحبَّ أن يُحمد بما لم يفعل؛ معذَّباً لنُعذّبنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لَكم ولهذه الآية؟ إنما أنزلت هذه الآيةُ في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ و﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَعُونَ بِمَا أَتَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَم يَفْعَلُوا﴾. وقال ابن عباس: سألهم النَّبيُّ # عن شيءٍ، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أنْ قد أخبروه بما سألهم عنه، واستَحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتَوْا من کتمانهم إيَّاه ما سألَهم عنه. وقال محمد بنُ كعبِ القُرَظِيّ: نزلت في علماء بني إسرائيل الذين كتموا الحقَّ، وأنّوا ملوكهم من العلم ما يوافقهم في باطلهم، ﴿وَأَشْتََّوْاْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ أي: بما أَعطَوهم الملوكُ(٣) من الدُّنيا، فقال الله لنبيِّه ◌ِ﴾: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَنَواْ وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ اُلْعَذَابِ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيرٌ﴾. فأخبر أنَّ لهم عذاباً أليماً بما أفسدوا من الدِّين على عبادِ الله.(٤) وقال الضَّحاك: إن اليهودَ كانوا يقولون للملوك: إنا نجِدُ في كتابنا أن الله يبعثُ نبيّاً في آخر الزمان يَخْتمُ به النُّبوَّة؛ فلمَّا بعثه اللهُ سألهم الملوك: أهو هذا الذي تجدونه في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعاً في أموال الملوك: هو غيرُ هذا، فأعطاهم الملوك الخزائنَ، فقال الله تعالى: ﴿لَا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ﴾ الملوكَ من الكذب حتى يأخذوا عَرَض الدُّنيا(٥). والحديث الأولُ خلافُ مقتضى الحديث الثاني. ويحتمل أنْ يكون نزولُها على السببين لاجتماعهما في زمن واحدٍ، فكانت جواباً للفريقين. والله أعلم. وقوله: واستحمدوا بذلك إليه، أي: طلبوا أنْ يُحمّدوا. وقول مروان: لئن كان (١) صحيح البخاري (٤٥٦٨)، وصحيح مسلم (٢٧٧٨)، وهو في مسند أحمد (٢٧١٢). (٢) في (خ) و(د): أتى، وهي كذلك في صحيح مسلم. (٣) كذا في النسخ، وهي لغة، وفي (م): أعطاهم الملوك. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٨٣٨/٣. (٥) تفسير أبي الليث ٣٢٣/١ .