النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١
سورة آل عمران: الآية ١٧٢
عند اللِّقاء ولا مِيلٍ مَعازيلٍ(١)
تُرْدِي بأُسْدٍ كرامٍ لا تَنابلةٍ
لمَّا سَمَوْا برئيسٍ غيرٍ مَخْذُولٍ
فَظَلْتُ عَدْواً أظنُّ الأرضَ مائِلةً
إذا تَغَظْمَطَتِ (٢) البَظْحاءُ بالخَيْلِ(٣)
فقلتُ: وَيْلَ ابنٍ حَرْبٍ من لقائِكُمُ
لكلِّ ذي إِرْبةٍ منهم ومعقولٍ (٤)
إني نذيرٌ لأهل البَسْلِ ضاحيةً
وليس يُوصَفُ ما أنذرتُ بالقِيلِ (٧)
من جيش أحْمَدَ لا وَخْشٌ (٥) تَناتلة(٦)
قال: فَثَنى ذلك أبا سُفيانَ ومن معه، وقذَف الله في قلوبهم الرُّعبَ، ورجعوا إلى
مكةً خائفين مسرعين، ورجع النبيُّ # في أصحابه إلى المدينة منصوراً، كما قال الله
تعالى: ﴿فَانْقَلَبُأْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ﴾(٨)، أي: قتالٌ ورُعْب.
واستأذن جابر بن عبدالله إلى النبيِّ# في الخروج معه، فأذن له. وأخبرهم
تعالى أنَّ الأجرَ العظيمَ قد تَحصَّل لهم بهذه القَفْلة. وقال رسول اللـه﴾: ((إنها غَزْوة)).
هذا تفسيرُ الجمهور لهذه الآية.(٩)
= ينظر اللسان والقاموس (أبل).
(١) قوله: تُردي، أي: ترجم الأرضَ بحوافرها، اللسان (ردى). وتنابلة: قصار، ومِيل جمع أَمْيَل، وهو
الذي لا رمح معه، وقيل: الذي لا يثبت على السَّرج. الإملاء المختصر ١١٨/٢.
(٢) قوله: تغطمطت أي: اهتزت وارتجَّت. الإملاء المختصر ١١٨/٢.
(٣) في (خ) والسيرة ١٠٣/٢ وتفسير الطبري ٦/ ٢٤٧: بالجيل، والمثبت من (د) و(ظ) و(م). قال السهيلي
في الروض الأنف: ١٨٠/٣: قوله: بالخيل: جعل الرِّدف حرفَ لين، والأبيات كلها مردفة الرويّ
بحرف مد ولين، وهذا هو السِّناد.
(٤) البَسْلُ: الحرام، وأراد بأهل البَسْل قريشاً، لأنهم أهل مكة، ومكة حرام. وضاحية: بارزة، وإربة:
الإملاء المختصر ١١٨/٢.
(٥) في النسخ: وحش، والمثبت من (م)، ومصادر التخريج، والوخش: رذالة الناس وأخسَّاؤهم. اللسان
(وخش).
(٦) في (م): قَنابلُه، وهو جمع قَتْبَلَة، وهي الطائفة من الناس ومن الخيل. القاموس (قنبل)، وفي (د):
ينائله، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو من تَنْتَل الرجل إذا تقذَّر بعد تنظيف. اللسان (تنتل). ووقع في
سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٣، وتفسير الطبري ٦/ ٢٤٧: تنابلة.
(٧) وردت هذه الأبيات في السيرة النبوية ١٠٣/٢، وتفسير الطبري ٢٤٧/٦، والروض الأنف ٣/ ١٧٤.
(٨) المفهم ٢٩١/٦ - ٢٩٢، وينظر السيرة النبوية ١٠٢/٢ - ١٠٣. وتفسير الطبري ٢٤٦/٦ - ٢٤٨،
وتفسير البغوي ٣٧٣/١ - ٣٧٤ .
(٩) المحرر الوجيز ٥٤٢/١، وينظر السيرة النبوية ١٠١/٢، وتفسير الطبري ٢٤٠/٦.
٤٢٢
سورة آل عمران: الآيتان ١٧٢ - ١٧٣
وشدَّ مجاهد وعكرمةُ رحمهما الله تعالى فقالا (١): إنَّ هذه الآيةَ من قوله: ﴿الَّذِينَ
قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ إنما نزلت في خروج النَّبِيِّ ﴾ إلى بَدْرِ الصُّغرى.
وذلك أنه خرج لميعاد أبي سفيان في أُحُد، إذ قال: مَوْعِدُنا بَدْرٌ من العام المُقبِل.
فقال النبيُّ ﴿: (قولوا: نعم)). فخرج النبيُّ ◌َ﴿ قِبَل بَدْرٍ، وكان بها سُوقٌ عظيم، فأعطى
رسولُ الله ﴾ أصحابَه دراهِم، وقَرُب من بَدْرٍ، فجاءه نُعيم بنُ مسعود الأشجَعِيُّ،
فأخبره أنَّ قريشاً قد اجتمعت، وأقبلت لحربه هي ومن انضاف إليها، فأشفق
المسلمون من ذلك، لكنهم قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، فصَمَّموا حتى أَتَوا
بدراً، فلم يجدوا أحداً، ووجدوا السُّوق، فاشترَوْا بدراهمهم أُدْماً وتجارة، وانقلبوا
ولم يَلقَوا كَيْداً، ورَبِحُوا في تجارتهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
وَفَضْلٍ﴾، أي: وفضلٍ في تلك التجارات(٢). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ
إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
(١٧٣)
واختلفوا(٣) في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾، فقال مُجاهد ومُقاتِلٌ
وعِكرمةُ والكَلْبِيّ: هو نُعيم بنُ مسعود الأشجعيُّ، واللَّفظ عامٌّ ومعناه خاصٌّ، كقوله:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: ٥٤]، يعني محمداً ﴾.(٤)
السُّدِّيّ: هو أعرابيٍّ جُعِل له جُعْلٌ على ذلك.(٥)
وقال ابن إسحاقَ وجماعةٌ: يريد بالناس رَكْبَ عبدِ القيس، مرُّوا بأبي سفيانَ،
(١) تفسير الطبري ٦/ ٢٥٠ - ٢٥١، وتفسير ابن أبي حاتم ٨١٨/٣ - ٨١٩.
(٢) المحرر الوجيز ٥٤٣/١، وينظر تفسير البغوي ٣٧٤/١، والوسيط ٥٢٢/١.
(٣) في (د): اختلفوا، وفي (م): اختلف، والمثبت من (خ) و (ظ).
(٤) تفسير البغوي ٣٧٥/١، وينظر تفسير أبي الليث ٣١٦/١.
(٥) في الكلام اختصار، وتفصيله - كما في تفسير الطبري ٢٤٨/٦ - ٢٤٩ - أن أبا سفيانَ وأصحابَه جعلوا له
جُعْلاً، وقالوا له: إن لقیت محمداً وأصحابه فأخبرهم أنَّا قد جمعنا لهم، فأخبر الله تعالى رسوله ڭ،
فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا الأعرابي في الطريق، فأخبرهم الخبر، فقالوا: حسبنا الله ونعم
الوكيل ...
٤٢٣
سورة آل عمران: الآية ١٧٣
فدسَّهم إلى المسلمين ليثبِّطوهم.(١)
وقيل: الناسُ هنا المنافقون؛ قال السُّدِّيّ: لما تجهّز النبيُّ ﴾ وأصحابُه للمسير
إلى بَدْرٍ الصغرى لميعاد أبي سفيان، أتاهم المنافقون، وقالوا: نحن أصحابُكم الذين
نهيناكم عن الخروج إليهم وعصيتُمونا، وقد قاتلوكم في دياركم وظَفِرُوا؛ فإنْ أتيتُموهم
في ديارهم فلا يرجعُ منكم أحدٌ، فقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.(٢)
وقال أبو مَعْشر: دخل ناسٌ من هُذيل من أهل تِهامةَ المدينةَ، فسألهم أصحابُ
رسولِ الله ◌ِ﴾ عن أبي سفيانَ، فقالوا: قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ جموعاً كثيرة، فَاخْشَوْهُمْ،
أي: فخافوهم واحذروهم؛ فإنه لا طاقةً لكم بهم (٣).
فالناسُ على هذه الأقوالِ على بابه من الجمع. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًّا﴾، أي: فزادهم قولُ الناسِ إيماناً، أي: تصديقاً
ويقيناً في دينهم، وإقامةً على نُصرته (٤)، وقوَّةً وجَراءةً واستعداداً. فزيادةُ الإيمانِ على
هذا هي في الأعمال.
وقد اختلف العلماء في زيادة الإيمانِ ونقصانِه على أقوال. والعقيدةُ في هذا على
أنَّ نَفْسَ الإيمانِ الذي هو تاجٌ واحدٌ، وتصديقٌ واحدٌ بشيءٍ مّا، إنما هو معنّى فَرْدٌ، لا
يدخل معه زيادةٌ إذا حصل. ولا يبقى منه شيءٌ إذا زال؛ فلم يبق إلا أنْ تكون الزيادةُ
والنقصانُ في متعلقاته دون ذاتِه .
فذهب جمعٌ من العلماء إلى أنه يزيد وينقص من حيث الأعمالُ الصادرةُ عنه، لا
سيما أنَّ كثيراً من العلماء يوقعون اسمَ الإيمانِ على الطاعات(٥)؛ لقوله : ((الإيمان
بضعٌ وسبعون باباً، فأعلاها قولُ: لا إله إلا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق)).
(١) السيرة النبوية ١٠٣/١، وتفسير الطبري ٢٤٨/٦.
(٢) تفسير الرازي ١٠٠/٩، وينظر الوسيط ٥٢٢/١.
(٣) أورده ابن حجر في العجاب ٢/ ٧٩٤، ونسبه للثعلبي.
(٤) في (م): نصرتهم .
(٥) المحرر الوجيز ١/ ٥٤٢.
٤٢٤
سورة آل عمران: الآية ١٧٣
أخرجه الترمذيّ، وزاد مسلم: ((والحياءُ شُعْبَةٌ من الإيمان))(١). وفي حديث عليٍّ﴾:
إنَّ الإيمانَ يبدو(٢) لُمْظَةً بيضاءَ في القلب، كلما ازداد الإيمانُ ازدادت اللُّمْظَةِ (٣)،
وقولُه: (لُمظة)) قال الأصمعيّ: اللُّمظةُ مثلُ النُّكْتةِ ونحوِها من البياض؛ ومنه قيل:
فرسٌ أَلْمَظ، إذا كان بجَحْفَلَتِه شيءٌ من بياض. والمحدّثون يقولون: ((لَمظة)) بالفتح.
وأما كلامُ العربِ فبالضم، مثلُ شُبهة ودُهمة وحُمرة (٤) .
وفيه حُجّةٌ على من أنكر أنْ يكونَ الإيمانُ يزيد وينقص، ألا تراه يقول: كلما
ازداد الإيمانُ ازدادت اللُّمظةُ، حتى يبيضَّ القلبُ كلُّه. وكذلك النفاقُ؛ يبدو لُمْظَةً
سوداءَ في القلب، كلما ازداد النفاقُ اسودَّ، حتى (٥) يسودَّ القلب كلُّه.
ومنهم من قال: إنَّ الإيمانَ عَرَضٌ، وهو لا يَثْبتُ زمانين؛ فهو للنبيِّ ◌ِ
وللصُّلحاء متعاقِب، فيزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن، وباعتبار دوام
حضوره، وينقص بتوالي الغَفَلاتِ على قلب المؤمن(٦). أشار إلى هذا أبو
المعالي(٧). وهذا المعنى موجودٌ في حديث الشفاعة، حديثٍ أبي سعيد الخُذْرِيِّ
أخرجه مسلم(٨). وفيه: («فيقول المؤمنون: يا ربَّنا، إخوانُنا كانوا يصومون ويُصلُّون
ويَحجُّون، فيُقال لهم: أخْرِجوا من عرفتُم، فتُحَرَّم صُورهُم على النار، فيُخرِجون
خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصفِ ساقَيْه وإلى رُكبتيه. ثم يقولون (٩): ربَّنا ما بَقِيَ
فيها أحدٌ ممن أمرتَنا به، فيقول: ارْجعوا فمن وجدتم في قلبه مِثقالَ دِينارٍ من خير
(١) صحيح مسلم (٣٥) وسنن الترمذي (٢٦١٤)، وقد سلف ص٦٨ من هذا الجزء.
(٢) في (د) و(م): ليبدو ، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لغريب الحديث لأبي عبيد ٣/ ٤٦٠ .
(٣) غريب الحديث لأبي عبيد ٣/ ٤٦٠ - ٤٦١، وأخرجه ابن أبي شيبة في الإيمان (٨)، وأورده أبو عبيد
في الإيمان ص٦٤ (وعندهما: إن الإيمان يبدأ) والزمخشري في الفائق ٣٣١/٣ .
(٤) في (خ) و(م): خمرة، وفي (د) حجرة. والجحفلة بمنزلة الشفة للخيل والبغال والحمير. القاموس (جحفل).
(٥) في (م): اسودَّ القلبُ حتى.
(٦) المفهم ٤٤٢/١
(٧) في الإرشاد ص٣٣٣-٣٣٦، وينظر المحرر الوجيز ٤٥٣/١.
(٨) برقم (١٨٣)، وأخرجه أيضاً البخاري (٧٤٣٩)، وقد سلفت قطعة منه ص ٢١٣ من هذا الجزء.
(٩) لفظة ((ثم)) ليست في النسخ الخطية، وفي (د): فيقولون، والمثبت من (م)، وصحيح مسلم.
٤٢٥
سورة آل عمران: الآية ١٧٣
فأخرجوه، فيُخرِجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: رَبَّنا لم نَذَرْ فيها أحداً ممن أمرتنا
به (١)، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتُم في قلبه مِثْقَالَ نِصفِ دِينارٍ من خير فأخرجوه،
فيُخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: رَبَّنا لم نَذَرْ فيها ممن أمرتنا (٢) أحداً، ثم يقول:
ارجِعوا فمن وجدتُم في قلبه مِثْقَالَ ذَرَّةٍ من خير فأخرجوه)»(٣)، وذكر الحديث.
وقد قيل: إنّ المرادَ بالإيمان في هذا الحديثِ أعمالُ القلوب؛ كالنيّة،
والإخلاصِ، والخوف، والنصيحةِ، وشبه ذلك. وسمَّاها إيماناً لكونها في محلٌ
الإيمانِ، أو عن الإيمان(٤)، على عادة العربِ في تسمية الشيءٍ باسم الشيءٍ إذا
جاوره، أو کان منه بسبب .
دليلُ هذا التأويلِ قولُ الشافعين بعد إخراج من كان في قلبه مثقالُ ذرّةٍ من
خير: ((لم نَذَرْ فيها خيراً))(٥)، مع أنه تعالى يُخرج بعد ذلك جموعاً كثيرةً ممن يقول:
لا إله إلا الله، وهم مؤمنون قطعاً؛ ولو لم يكونوا مؤمنين لما أخرجهم.
ثم إن عُدِم الوجودُ الأوّل الذي يُرَكَّب عليه المِثْلُ لم تكن زيادةٌ ولا نقصان. وقُدّر
ذلك في الحركة؛ فإنَّ الله سبحانه إذا خَلق عِلْماً فَرْداً، وخلق معه مِثْلَه، أو أمثالَه،
بمعلومات، فقد زاد علمُه؛ فإنْ أَعدم الله الأمثالَ فقد نقص، أي: زالت الزيادة.
وكذلك إذا خلق حركةً وخلق معها مثلَها أو أمثالَها.
وذهب قومٌ من العلماء إلى أنَّ زيادةَ الإيمان ونَقْصَه إنما هو من طريق الأدلة،
فتزيد الأدلّة عند واحدٍ، فيقال في ذلك: إنها زيادةٌ في الإيمان، وبهذا المعنى - على
أحد الأقوال - فُضِّل الأنبياءُ على الخلق، فإنهم عَلِموه من وجوه كثيرةٍ أكثرَ من
الوجوه التي علمه الخلقُ بها. وهذا القولُ خارجٌ عن مقتضى الآية؛ إذ لا يُتصوَّر أنْ
(١) لفظة: به، ليست في (م).
(٢) في (د) و(ظ): أمرتنا به.
(٣) بعدها في (ظ): ((فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربَّنا لم نذر فيها خيراً)).
(٤) في (ظ) و(م): عنى بالإيمان، وفي (خ): عنى الإيمان، والمثبت من (د)، وهو الموافق للمفهم
٤٤٢/١، والكلام منه.
(٥) قطعة من حديث أبي سعيد الخدري السابق.
٤٢٦
سورة آل عمران: الآيتان ١٧٣ - ١٧٤
تكونَ الزيادةُ فيها من جهة الأدلة (١). وذهب قوم: إلى أنَّ الزيادةَ في الإيمان إنما هي
بنزول الفرائضِ والأخبارِ في مدَّة النبيِّ ﴿، وفي المعرفة بها بعد الجهلِ غابرَ الذَّهر.
وهذا إنما هو زيادةُ إيمان؛ فالقول فيه: إنَّ الإيمان يزيد قولٌ مَجازِيٌّ، ولا يُتْصوَّر
فيه النقصُ على هذا الحدِّ، وإنما يُتصوَّر بالإضافة إلى من عَلِم (٢). فاعلم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، أي: كافينا الله. وحَسْبُ مأخوذٌ
من الإحساب، وهو الكفاية (٣). قال الشاعر:
فتملأ بيتنا أقِطّا وسَمْناً وحَسْبُكَ من غِنّى شِبَعٌ ورِيُّ(1)
روى البخاريُّ(٥) عن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿ الَِّينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم
الخليلُ عليه السلام حين أُلْقِيَ في النار. وقالها محمد﴿ حينَ قال لهم الناس: إنَّ
الناسَ قد جمعوا لكم. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَأَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَنَ اللَّهِ
(١٧٤)
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ
قال علماؤنا: لما فَوَّضوا أمورَهم إليه، واعتمدوا بقلوبهم عليه، أعطاهم من
الجزاء أربعةً معانٍ: النِّعمة، والفضل، وصرف السُّوء، واتِّباع الرِّضا. فرضًّاهم عنه،
ورضي عنهم.
(١) ينظر المحرر الوجيز ٥٤٣/١.
(٢) في المحرر الوجيز ٥٤٢/١ (والكلام منه): وإنما يتصور الأنقص بالإضافة إلى الأعلم.
(٣) انظر الكشاف ١/ ٤٨١.
(٤) قائله امرؤ القيس، وهو في ديوانه ص١٣٧، وفيه: فتُوسع أهلها، بدل: فتملأ بيتنا، وأورده أبو الفرج
في الأغاني ٩٥/٩، والزمحشري في المستقصى ٦٣/٢، والميداني في مجمع الأمثال ١٩٦/١ بمثل
رواية المصنف، وقوله: الأقط؛ مثلثة، ويحرك، وككتف، ورجُل، وإبِل: شيءٌ يتخذ من المخيض
الغنمي، ج: أقطان. القاموس (أقط).
(٥) برقم (٤٥٦٣) .
٠٤
٤٢٧
سورة آل عمران: الآية ١٧٥
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَةٍ فَلَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنُ
مُؤْمِنِينَ
١٧٥)
قال ابن عباس(١) وغيره: المعنى: يخوِّفُكم أولياءَه؛ أي: بأوليائه، أو: من
أوليائه، فحذف حرف الجرِّ، ووصل الفعل إلى الاسم، فنصب. كما قال تعالى:
﴿لَيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] أي: لينذركم ببأس شديد، أي: يخوِّف المؤمن
بالكافر(٢) .
وقال الحسن والسُّدِّيّ: المعنى: يخوّف أولياءَه المنافقين؛ ليقعدوا عن قتال
المشركين، فأما أولياءُ اللهِ فإنهم لا يخافونه إذا خوَّفهم(٣).
وقد قيل: إنَّ المرادَ: هذا الذي يُخوّفكم بجمع الكفارِ شيطانٌ من شياطين
الإنس؛ إمّا نُعيم بنُ مسعود أو غيرُه(٤)، على الخلاف في ذلك كما تقدَّم. ﴿فَلَ
تَخَافُوهُمْ﴾، أي: لا تخافوا الكافرين المذكورين في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾.
أو يرجعُ إلى الأولياء إن قلت: إنَّ المعنى يخوّفُ بأوليائه، أي: يخوّفكم أولياءَه (٥) .
قوله تعالى: ﴿وَخَافُونٍ﴾، أي: خافونِ في ترك أمري إن كنتم مصدِّقين بوعدي(٦).
والخوفُ في كلام العربِ الذُّعْر. وخَاوَفَني فلانٌ فَخُفْتُه: أي: كنتُ أشدَّ خوفاً منه.
والخَوْقَاءُ(٧) المَفَازَةُ لا ماءَ بها. ويقال: ناقةٌ خَوْقَاء(٨) وهي الجَرْبَاء. والخافة:
الخريطة (٩) من الْأَدَم يُشْتَارُ فيها العَسَل.
(١) أخرجه الطبري ٦/ ٢٥٥ .
(٢) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٤٨/١، وتفسير الرازي ٩/ ١٠٢ .
(٣) قول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم ٨٢١/٣، وأورده الماوردي في النكت والعيون ٤٣٨/١، وقول
السّدّيّ أخرجه الطبري ٢٥٦/٦ .
(٤) ينظر تفسير أبي الليث ١/ ٣١٧، وتفسير الرازي ٩/ ١٠٢.
(٥) ينظر معاني القرآن للزجاج ١/ ٤٦٠، والكشاف ١/ ٤٨١، والوسيط ٥٢٣/١.
(٦) تفسير البغوي ٣٧٦/١ .
(٧) في النسخ: والخوفاء (بالفاء)، وهو خطأ، والمثبت من مجمل اللغة لابن فارس ٣٠٧/١، والكلام
منه، ولعل المصنف ذكر ذلك استطراداً أو وهماً، وينظر الصحاح واللسان (خوق).
(٨) في النسخ: خوفاء، بالفاء، وهو خطأ أيضاً.
(٩) في النسخ: كالخريطة، والمثبت من الصحاح (خوف).
٤٢٨
سورة آل عمران: الآية ١٧٥
قال سَهلُ بنُ عبدالله: اجتمع بعضُ الصدّيقين إلى إبراهيم الخَليلِ، فقالوا: ما
الخوفُ؟ فقال: لا تأمنْ حتى تبلغَ المأمنَ.
قال سهل: وكان الربيع بنُ خُثَيْم إذا مرَّ بِكِيرٍ(١) يُغْشَى عليه؛ فقيل لعليّ بنِ أبي
طالب ذلك، فقال: إذا أصابه ذلك فأغْلِموني. فأصابه، فأعلَموه، فجاءه، فأدخل يده
في قميصه، فوجد حركته عالية، فقال: أَشهَدُ أنَّ هذا أخوفُ أهلٍ (٢) زمانِكم(٣).
فالخائف من الله تعالى هو أنْ يخَافَ أن يُعاقِبَه إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة،
ولهذا قيل: ليس الخائفُ الذي يبكي ويمسحُ عينيه، بل الخائفُ الذي يترك ما يَخَافُ
أنْ يُعذَّب عليه.(٤)
ففرض الله تعالى على العباد أنْ يخافوه، فقال: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾،
وقال: ﴿وَإِيَّنَ فَأَرْهَبُونٍ﴾. ومدح المؤمنين بالخوف، فقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَهُم مِّنْ فَوْفِهِمْ﴾(٥).
ولأرباب الإشاراتِ في الخوف عباراتٌ مرجعُها إلى ما ذكرنا.
قال الأستاذ أبو عليّ الدَّفَّاق: دخلت على أبي بكر بنِ فُورَك رحمه الله عائداً،
فلما رآني دَمعتْ عيناه، فقلت له: إنَّ الله يعافيك ويَشفِيك، فقال لي: أترى أنّ
أخاف من الموت؟ إنما أخاف مما وراء الموت.(٦)
وفي سُنن ابنٍ ماجه عن أبي ذَرِّ قال: قال رسول الله ﴾: ((إِنِّي أرى ما لا تَرَوْن،
وأسمع ما لا تسمعون، إنَّ السماءَ أَّت(٧)، وحُقَّ لها أنْ تَِطّ، ما فيها موضعُ أربعٍ
أصابعَ إلَّ وملَكٌ واضحٌ جبهتَه ساجداً لله. واللهِ لو تعلمون ما أعلم؛ لَضَحِكتم قليلاً
ولبَكَيْتُم كثيراً، وما تلذَّذْتُم بالنساء على الفُرُشَات، ولَخرجتُم إلى الصُّعُدات تَجْأَّرُون
إلى الله)). واللهِ لوَدِدْتُ أني كنت شجرةٌ تُعْضَد. خرّجه التِّرمذيُّ وقال: حديث حسنٌ
(١) قوله: الكِيرُ، بالكسر: زِقٌّ يَنفخ فيه الحداد، وأما المبني من الطين فكور. القاموس (كير).
(٢) قوله: أهل، من (م).
(٣) ينظر حلية الأولياء ٢/ ١١٠، وصفة الصفوة ٦٦/٣.
(٤) الرسالة القشيرية ٢/ ١٩٣ .
(٥) الرسالة القشيرية ١٨٩/٢ .
(٦) الرسالة القشيرية ١٩٦/٢ .
(٧) في (د) و(م): أطت السماء، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لمصادر التخريج.
٤٢٩
سورة آل عمران: الآيتان ١٧٥ - ١٧٦
غرِيب، ويُروى من غير هذا الوجهِ أنَّ أبا ذَرِّ قال: لوَدِدْتُ أنِّي كنت شجرةَ تُعْضَد.(١)
والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنِكَ أَلَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِّ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًاْ يُرِيدُ
اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَقَِّا فِ الْآَخِرَةِ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمُ
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِىِ الْكُفْرِّ﴾ هؤلاء قومٌ أسلموا ثم ارتدُّوا
خوفاً من المشركين؛ فاغْتمَّ النبيُّ ﴾، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ
فى آلگُفرِّ﴾ .(٢)
وقال الكَلْبيّ: يعني به المنافقين ورؤساءَ اليهود؛ كَتَموا صفةً محمدٍ (٣) # في
الكتاب، فنزلت.
ويقال: إنَّ أهلَ الكتابِ لمَّا لم يُؤمنوا؛ شَقَّ ذلك على رسول اللهِلَ﴿؛ لأنَّ الناسَ
ينظرون إليهم، ويقولون: إنهم أهلُ كتاب؛ فلو كان قولُه حقًّا لاتَّبعوه، فنزلت: ﴿وَلَا
يَحْزُنكَ﴾.
قراءةُ نافع بضم الياءِ وكسرِ الزَّاي حيثُ وقع إلا في ((الأنبياء)»: ﴿لَا يَخْزُنُهُمُ الْفَزَعُ
اُلْأَكْبَرُ﴾ [الآية: ١٠٣]، فإنه بفتح الياءِ وبضم الزاي. وضِدُّه أبو جعفر. وقرأ ابن
مُحَيْصِن كلّها بضم الياءِ وكسرِ الزاي. (٤) والباقون كلّها بفتح الياءِ وضمِّ الزاي.(6)
(١) سنن الترمذي (٢٣١٢)، وسنن ابن ماجه (٤١٩٠)، وهو عند أحمد (٢١٥٦)، وعنده بعد قوله:
((تجأرون إلى الله)): قالٍ: فقال أبو ذرٍّ: والله لوددتُ ... وهذا تصريح بأن الكلام بإثر الحديث من قول
أبي ذرّ ﴾. وقوله: أطَّت: الأطيط صوت الأقتاب، أي: إن كثرة الملائكة أثقلتها حتى أطَّت، وهذا
مَثّل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثمَّ أطيط، فإنما هو تقريب أُريدَ به تقرير عظمة الله تعالى.
النهاية (أطط). وقوله: الصُّعُدات: هي الطرق. النهاية (صعد). وقوله: تجأرون؛ الجوار: رفع الصوت
والاستغاثة. النهاية (جأر) وقوله: تُعضّد، أي: تُقطع، يقال: عَضَدتُ الشجر أعضِده عضداً. النهاية
(عضد)
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٠/١ .
(٣) في (د) و(م): النبي، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لتفسير أبي الليث١/ ٣١٧، والكلام منه.
(٤) في النسخ: بضم الياء والزاي، وكذلك ذكر الشوكاني في فتح القدير ١/ ٤٠٣، وهو خطأ، والتصويب
من إتحاف فضلاء البشر ص٢٣٢، وسيذكرها المصنف على الصواب عند الآية (١٠٣) من سورة
الأنبياء.
(٥) السبعة ٢١٩/١، والتيسير ص٩١ - ٩٢، والنشر ٢٤٤/٢.
٤٣٠
سورة آل عمران: الآية ١٧٦
وهما لغتان: حَزَنَني الأمرُ يَحْزُنُني، وأحْزَنَنِي أيضاً، وهي لغة قليلة؛ والأولى
أفصحُ اللغتين. قاله النَّحاس(١). وقال الشاعر في «أحزنَ)):
مَضَى صَحْبي وأخْزَنَني الدِّارُ(٢)
وقراءةُ العامَّة: ((يُسَارِعُونَ)). وقرأَ طلحةُ: (يُسْرِعون في الكفر)).(٣)
قال الضخَّاكُ: هم كفارُ قريش. وقال غيرُه: هم المنافقون (٤). وقيل ما (٥) ذكرناه
قبلُ. وقيل: هو عامٌّ في جميع الكفار. ومُسارعتُهم في الكفر: المظاهرةُ على محمد ◌ٌ﴾.
قال الفُشَيريُّ: والحُزْنُ على كُفرِ الكافر طاعةٌ، ولكنَّ النبيَّ # كان يُفرِطُ في
الحُزْنِ على كُفرٍ قومِه، فنُهيَ عن ذلك، كما قال: ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَبَّ﴾
[فاطر: ٨]، وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَخٌِّ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاتَِّهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾
[الكهف: ٦].
﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئً﴾ أي: لا يَنقُصونَ من مُلْك الله وسلطانه شيئاً، يعني:
لا يَنقُصُ بكفرهم (٦)، وكما رُوي عن أبي ذَرِّ، عن النَّبِيّ﴾ فيما رَوى عن الله تبارك
وتعالى أنه قال: ((يا عبادي، إني حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلته بينكم مُحرَّماً، فلا
تَظالموا. يا عبادِي، كلُّكم ضالٌّ إلَّا من ھَدَيْتُه، فاستهدوني أَهْدِکم. يا عبادي، كلُّكم
جائعٌ إلَّا مَنْ أظْعمتُه، فاستطعمُوني أُطْعِمْكم. يا عبادي، كلُّكم عارٍ إلَّا من كَسَوْتُه،
فاسْتَكْسُوني أَكْسُكم. يا عبادِي، إنَّكم تُخطِئون بالليل والنَّهار، وأنا أغفِرُ الذنوبَ
جميعاً، فاستغفروني أغفرْ لكُم. يا عبادي، إنَّكم لن تبلغوا ضَرِّي فَتَضُرُّوني، ولن
تَبْلُغوا نَفْعي فَتَنْفَعُوني. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنْسَكم وجِنَّكم، كانوا على
(١) إعراب القرآن ٤١٩/١ .
(٢) لم نقف عليه.
(٣) نسب قراءة يسرعون ابن جني في المحتسب ١/ ١٧٧ (في كل القرآن)، وابن عطية في المحرر الوجيز
٥٤٤/١، وأبو حيان في البحر ١٢١/٣ إلى الحرّ النحوي، ونسبها إليه ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص٣٣ (موضع سورة المائدة) وص٩٨ (موضع سورة المؤمنون) قال ابن عطية: وقراءة العامة أبلغ.
(٤) تفسير البغوي ٣٧٦/١ . وأخرج القول الثاني الطبري ٢٥٨/٦ عن مجاهد وابن إسحاق.
(٥) في (م): وقيل هو ما.
(٦) تفسير أبي الليث ٣١٧/١ .
٤٣١
سورة آل عمران: الآيتان ١٧٦ - ١٧٧
أَتْقَى قلبٍ رَجُلٍ واحدٍ منكم ما زادَ ذلك في مُلْكي شيئاً. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكُم
وآخِرَكُم، وإِنْسَكُم وجِنَّكُم، كانوا على أفْجَرِ قلبٍ رجُلٍ واحدٍ ما نَقَصَ ذلك من مُلْكي
شيئاً. يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِرَكُم، وإنْسَكُم وجِنَّكم، قاموا في صَعيدٍ واحدٍ،
فسألُوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مَسْألَتَه، ما نقَصَ ذلك ممَّا عندي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ
إذا أُدْخِلَ البحرَ. يا عبادي، إنما هي أعمالُكُمْ أُخْصِيها لكُم، ثمَّ أُوَفِّيكُم إيّاها، فمن
وَجدَ خيراً فليَحْمَدِ اللهَ، ومَنْ وجدَ غير ذلكَ فلا يلُومَنَّ إلَّا نَفْسَه)». خرَّجه مسلم في
صحيحه، والتّرمذيُّ، وغيرُهما(١)، وهو حديثٌ عظيم فيه طول، يكتبُ كلُّه.
وقيل: معنى (لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً))، أي: لن يَضُرُّوا أولياءَ الله حينَ تركوا
نصرَهم؛ إذ كان الله عزَّ وجلَّ ناصِرَهم.(٢)
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَقًّا فِىِ الْآَخِرَةِّ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: نصيباً.
والحظّ النَّصيبُ والجَدُّ. يقال: فلان أحظُ من فلان، وهو مَحظوظٌ. وجمعُ الحَظِّ
أَحاظِ، على غير قياس. قال أبو زيد: يقال: رجل حَظِيظٌ جديدٌ(٣)، إذا كان ذا حظّ
من الرِّزق. وحَظِظْتُ في الأمر أحَظٌ. وربَّما جُمع الحّ أحُظّاً (٤). أي: لا يَجعلُ لَهم
نَصيباً في الجنَّةِ. وهو نَصِّ في أنَّ الخيرَ والشَّر بإرادةِ الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَشْتَرَواْ الْكُفْرَ بِالْإِيَمَنِ لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ
(VV)
﴾.
أَلِيمٌ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ﴾ تقدَّم في البقرة(٥).
﴿لَنْ يَضُرُواْ اللَّهَ شَيْئً﴾ كرّر للتَّأكيد. وقيل: أي من سوءِ تدبيره استبدالُ الإيمانِ
بالكفر، وبيعُه به؛ فلا يخاف جانبه ولا تدبيره.
(١) صحيح مسلم (٢٥٧٧) وسنن الترمذي (٢٤٩٥) وهو في مسند أحمد (٢١٤٢٠).
(٢) إعراب القرآن ٤٢٠/١ .
(٣) في (د) و(م): حظيظ، أي جديد.
(٤) مجمل اللغة ٢١٥/١ .
(٥) ٣١٨/١.
٤٣٢
سورة آل عمران: الآيتان ١٧٧ - ١٧٨
وانتصب ((شيئاً)) في الموضعين لوقوعه موقعَ المصدرِ، كأنَّه قال: لن يَضُروا اللهَ
ضرراً قليلاً ولا كثيراً. ويجوزُ انتصابُه على تقدير حذفِ الباءِ، كأنه قال: لن يضرُّوا
الله بشيء.(١)
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُّوَاْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمَّ إِنَّمَا نُمْلِ لَهُمْ
لِيَزْدَادُواْ إِنْمَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُّوَاْ أَنَّمَا نُعْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمْ﴾ الإملاء: طولُ
العُمُرِ، وَرَغَدُ العَيشِ. والمعنى: لا يَحسبنَّ هؤلاءِ الَّذين يُخَوِّفون المسلِمينَ، فإنَّ اللهَ
قادرٌ على إهلاكهم، وإنَّما يُطوِّلُ أعمارَهم ◌ِيعملوا بالمعاصي، لا لأنَّه خيرٌ لهم.
ويقالُ: ((أنَّما نُملي لَهم)) بما أصابوا من الظّفَرِ يومَ أُحُدٍ، لم يكن ذلكَ خيراً
لأنْفُسِهم، وإنَّما كان ذلك ليزدادوا عقوبةً.(٢)
ورُوي عن ابن مسعود أنَّه قال: ما مِنْ أحدٍ بَرِّ ولا فاجرٍ إلَّا والموتُ خيرٌ له؛ لأنَّه
إن كان بَرّاً فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِندَ الَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، وإنْ كانَ
فاجراً فقد قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُعْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأَ﴾.(٣)
وقرأ ابنُ عامرٍ وعاصم: ((لا يَحْسَبنَّ)) بالياءِ ونَصْبِ السِّين. وقرأ حمزةُ: بالتاء
ونَصْبِ السِّين. والباقون: بالياء وكسر السِّين.(٤)
فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون. أي: فلا يحسبنَّ الكفارُ. و((أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ
لِأَنْفُسِهِمْ)) تسدُّ مَسَدَّ المفعولين. و((ما)) بمعنى الذي، والعائد محذوفٌ، و ((خيرٌ)) خبر
((أنَّ). ويجوزُ أنْ تقدِّر ((ما)) والفعلَ مصدراً، والتقدير: ولا يحسبنَّ الذين كفروا أنَّ
إملاءَنا لهم خيرٌ لأنفسهم.
ومن قَرأَ بالتاء فالفاعلُ هو المخاطبُ، وهو محمدٌ {10. و((الَّذِين)) نصب على
المفعول الأوَّل لتحسبُ. وأنَّ وما بعدَها بدل من الَّذين، وهي تسدُّ مَسدًّ المفعولين،
(١) ينظر مجمع البيان ٢/ ٢٧٥، والكشاف ٤٨٢/١ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣١٨/١ .
(٣) أخرجه الطبري ٢٦٢/٦ .
(٤) السبعة ص ٢٢٠، والتيسير ص ٨٤ و٩٢ .
٤٣٣
سورة آل عمران: الآية ١٧٨
كما تسدُّ لو لم تكن بدلاً.(١)
ولا يصلحُ أن تكونَ ((أنَّ) وما بعدها مفعولاً ثانياً لتحسب؛ لأنَّ المفعولَ الثاني
في هذا الباب هو الأوَّلُ في المعنى؛ لأنَّ حسِبَ وأخواتِها داخلةٌ على المبتدأ
والخبرِ، فيكونُ التقديرُ: ولا تحسبنَّ أنَّما نُملي لهم خيرٌ. هذا قول الزَّجاج.(٢).
وقال أبو عليٍّ (٣): لو صحَّ هذا لقالَ: ((خيراً))؛ بالنَّصبِ؛ لأنَّ ((أنَّ) تصيرُ بدلاً من
(الذين كفروا)»؛ فكأنَّه قال: لا تحسبنَّ إملاءَ الذين كفروا خيراً، فقولُه ((خيراً» هو
المفعولُ الثاني لحسبَ. فإذاً لا يجوزُ أنْ يُقرأ ((لا تحسَبنَّ)) بالتاء إلاَّ أنْ تكسرَ ((إِنَّ)) في
((أنَّما)) وتَنصبَ خيراً، ولم يُرْوَ ذلك عن حمزة، والقراءَةُ عن حمزة بالتاء؛ فلا تصحُ
هذه القراءةُ إذاً.
وقال الفرَّاءُ والكسائيُّ(٤): قراءةُ حمزةَ جائزةٌ على التكرير، تقديرُه: ولا تحسبنَّ
الذين كفروا لا(٥) تحسبنَّ أنَّما نُملي لهم خيرٌ؛ فسدَّتْ ((أنَّ)) مَسدَّ المفعولين لتحسب
الثاني، وهي وما عمِلَت مفعول ثانٍ لتحسب الأولُ.
قال القُشيرِيُّ: وهذا قريبٌ مما ذكره الزَّجاجُ في دعوى البَدَلِ، والقراءةُ صحيحةٌ.
فإذاً غرضُ أبي عليَّ تغليطُ الزَّجاجِ.
قال النَّحاس(٦): وزعَمَ أبو حاتم أنَّ قراءةً حمزةَ بالتاء هنا، وقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ
اُلَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ لحنٌ لا يجوزُ، وتابعه(٧) على ذلك جماعةٌ.
قلت: وهذا ليس بشيءٍ، لِمَا تقدَّمَ بيانُه من الإعراب، ولصِحَّة القراءةِ وثبوتِها
نقلاً.
(١) الكشف عن وجوه القراءات لمكي ٣٦٥/١ - ٣٦٦.
(٢) معاني القرآن له ٤٩١/١، ومشكل إعراب القرآن لمكي ١٧٩/١ - ١٨٠ وعنه نقل المصنف.
(٣) انظر الحجة له ١٠٧/٣ - ١٠٨.
(٤) معاني القرآن للفراء ٢٤٨/١، وإعراب القرآن للنحاس ٤٢١/١ وعنه نقل المصنف قول الفراء
والكسائي.
(٥) في النسخ: ولا، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٤٢١/١، والكلام منه.
(٦) المصدر السابق.
(٧) في (د) و(م): وتبعه.
٤٣٤
سورة آل عمران: الآيتان ١٧٨ - ١٧٩
وقرأ يحيى بنُ وثَّاب: ((إنّمَا نُمْلِي لَهُمْ)) بكسر ((إنَّ) فيهما جميعاً.
قال أبو جعفر(١): وقراءةُ يحيى حسنة، كما تقول: حسبتُ عمراً أبوه خارج.(٢)
قال أبو حاتم: وسمعتُ الأخفشَ يَذكُر كسرَ ((إنَّ)؛ يحتجُّ به لأهل القَدَر؛ لأنَّه
كانَ منهم، ويجعله(٣) على التَّقديم والتَّأخير: ((ولا يحسبنَّ الذين كفروا إنما نُملي لهم
ليزدادوا إثماً إنما نُملي لهم خيرٌ لأنفسهم)). قال: ورأيتُ في مصحفٍ في المسجد
الجامع قد زادوا فيه حرفاً فصار: ((إنَّما نُملي لهم [ليزدادوا] إيماناً)) فنظر إليه يَعقوبُ
القارئ فتبين اللَّحنَ فحكّه.(٤)
والآيةُ نصِّ في بطلان مَذهبِ القَدَريَّة؛ لأنَّه أخبرَ أنه يطيلُ أعمارهم ليزدادوا
الكفرَ بعمل المعاصي، وتوالي أمثالهِ على القلب. كما تقدَّم بيانُه في ضدِّه، وهو
الإيمان.
وعن ابن عباس قال: ما من بَرِّ ولا فاجرٍ إلَّا والموتُ خيرٌ له، ثمَّ تلا: ﴿إِنَّمَ نُمْلِىِ
لَمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأَ﴾، وتلا: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَنْزَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]، أخرجه
(٥)
رزین.
قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ أَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ
اَلَّيِّ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِبُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ، مَنْ يَاءٍ فَامِنُواْ
١٧٩
بِاللَّهِ وَرُسُلِهٍ، وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَبُ عَظِيمٌ.
٠
قال أبو العالية: سألَ المؤمنون أن يُعطَوا علامةً يفرِّقون بها بينَ المؤمن
(١) هو النحاس، وكلامه في إعراب القرآن ٤٢١/١، وعنه نقل المصنف قراءة يحيى، وذكر ابن خالويه
في القراءات الشاذة ص٢٣ أن قراءة يحيى بن وثاب بكسر الهمزة في الأولى، وبفتحها في الثانية.
(٢) في (د) و(ز) و(م): خالد، وفي (ظ): خارجاً، والمثبت من (خ) و(ف)، وهو الموافق لما في إعراب
القرآن.
(٣) في (د) و(م): ويجعل.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٢١ وما بين حاصرتين منه.
(٥) لم نقف عليه من قول ابن عباس، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٤٧) (قسم التفسير)،
والطبري في تفسيره ٦/ ٣٢٧ من قول أبي الدرداء، وأخرجه سعيد بن منصور (٥٤٦) أيضاً من قول
محمد بن كعب القرظي. وسلف ذكره قريباً عن ابن مسعود.
٤٣٥
سورة آل عمران: الآية ١٧٩
والمنافق، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية.(١)
واختلفوا مَن المخاطبُ بالآية على أقوال:
فقال ابنُ عباسٍ والضَّخَّاكُ ومقاتِلٌ والكلبِيُّ وأكثرُ المفسرين: الخطابُ للكفارِ
والمنافقين، أي: ما كانَ الله ليذرَ المؤمنين على ما أنتم عليه من الكفر والنّفاق
وعداوة النبيِّ ﴾.(٢)
قال الكلبِيُّ: إنَّ قريشاً من أهل مكَّةَ قالوا للنبيِّ ◌َ﴾: الرجلُ منَّا تزعمُ أنَّه في النَّار،
وأنَّه إذا ترك دِيننا واتَّبع دِينَكَ قُلتَ: هو من أهل الجنّة، فأخبرنا عن هذا؛ من أين
هو؟ وأخبرنا مَنْ يأتيكَ منَّا، ومَنْ لم يأتِك؟ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿َّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ
اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الكفر والنِّفاق ﴿حَّى يَمِيزَ الْخَيْثَ مِنَ الطَّيِّبِّ﴾.(٣)
وقيل: هو خطابٌ للمشركين. والمرادُ بالمؤمنين في قوله: ((لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ)) مَن في
الأصْلابِ والأرحام ممن يؤمن، أي: ما كان الله ليَذرَ أولادكم الذين حَكَمَ لهم
بالإيمان على ما أنتم عليه من الشِّرك، حتى يفرِّقَ بينكم وبينَهم(٤)؛ وعلى هذا ﴿وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُظْلِمَكُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ. وهو قول ابن عباس وأكثرِ المفسّرين.
وقيل: الخطابُ للمؤمنين. أي: وما كانَ اللهُ ليذرَكم يا معشرَ المؤمنين على ما
أنتم عليه من اختلاطِ المؤمن بالمنافق، حتى يميِّز بينكم بالمِخْنَة والتَّكليفِ؛ فتَعرِفوا
المنافقَ الخَبيثَ، والمؤمنَ الطَّيِّبَ. وقد مَيَّز يوم أُحُد بينَ الفريقين(٥). وهذا قول أكثر
أهلِ المعاني.
﴿وَمَا كَنَ اَللَّهُ لِبُطْلِمَكُمْ عَلَى أَلْغَيْبِ﴾ يا معشرَ المؤمنين، أي: ما كانَ اللهُ ليعيِّن لكم
المنافقين حتَّى تَعرِفوهم، ولكنْ يظهرُ ذلك لكم بالتَّكليف والمِحْنةِ، وقد ظهرَ ذلك في
يوم أُحُد؛ فإنَّ المنافقين تخلَّفوا وأظهروا الشَّماتةَ، فما كُنتم تَعرفونَ هذا الغيبَ قبلَ
(١) أسباب النزول للواحدي ص ١٢٧.
(٢) تفسير البغوي ١/ ٣٧٧ ، وأخرجه ابن أبي حاتم ٨٢٤/٣ عن ابن عباس.
(٣) تفسير أبي الليث ٣١٨/١، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ١٢٧، والبغوي ١/ ٣٧٧ .
(٤) تفسير البغوي ٣٧٨/١، ونسبه للضحاك.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٢٠/١، والمحرر الوجيز ٥٤٦/١.
٤٣٦
سورة آل عمران: الآية ١٧٩
هذا، فالآنَ قد أطلعَ اللهُ محمداً عليه الصلاة والسَّلام وصحبه على ذلك.
وقيل: معنى ((ليطلعَكم)) أي: وما كانَ اللهُ ليُعلمَكم ما يكونُ منهم(١). فقوله:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ على هذا متَّصلٌ، وعلى القولين الأوَّلين منقطع. وذلك
أنَّ الكفَّارَ لَمَّا قالوا: لِمَ لَمْ يوح إلينا؟ قال: ((وَمَا كَانَ اللهُ لِيُظْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ))(٢)
أي: على مَنْ يَستحقُّ النُّؤَّةَ، حتَّى يكونَ الوحيُّ باختياركم.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى﴾ أي: يختارُ ﴿مِنْ رُسُلٍِ﴾ لإطلاع غيبه ﴿مَن يَشَآءُ﴾ يقالُ:
طَلَعْتُ على كذا، واظَّعْتُ عليه، وأَطلَعْتُ عليه غيري، فهو لازمٌ ومتعدٍّ.
وقُرِئَ: ((حَتّى يُمَيِّزَ))، بالتَّشديد، مِن مَيَّزَ، وكذا في ((الأنفال)) وهي قراءةُ
حمزةَ(٣). والباقون: ((يَمِيزَ))، بالتَّخفيفِ، من مَازَ يَمیزُ.
يقالُ: مِزْتُ الشَّيءَ بعضَه من بَعضٍ أمِيزُه مَيْزاً، ومَيَّزتُه تمييزاً. قال أبو معاذ: مِزْتُ
الشَّيء أمِيزُه مَيزاً: إذا فَرَقتَ بين شيئينٍ. فإنْ كانت أشياء قلتَ: ميّزتُها تمييزاً. ومثلُه إذا
جعلتَ الواحدَ شيئين قلتَ: فَرَقْتُ بينَهما، مخففاً؛ ومنه فَرَق الشَّعَر. فإنْ جعلتَه أشياء
قلتَ: فرَّقتُه تَفريقاً.(٤)
قلتُ: ومنه: امتازَ القومُ؛ تميَّز بعضُهم عن بعض. ويكادُ يَتميَّزُ: يَتَقطَّعُ، وبهذا
فُسِّرَ قولُه تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَّزُ مِنَ الْفَيْظِ﴾ [الملك: ٨](٥). وفي الخبر: ((من مَازَ أَذِّى عن
الطريق فهو له صدقة).(٦)
قوله تعالى: ﴿فَاِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهٍ ﴾ يقالُ: إِنَّ الكفَّارَ لَمَّا سألوا رسولَ اللهِ﴾ أن
(١) إعراب القرآن ٤٢٠/١.
(٢) معاني القرآن للزجاج ١/ ٤٩٢ .
(٣) وقراءة الكسائي أيضاً. السبعة ص ٢٢٠، والتيسير ص٩٢ .
(٤) تفسير البغوي ١/ ٣٧٧ .
(٥) مجمل اللغة ٨٢٠/٢ .
(٦) لم نقف عليه بهذا اللفظ، وأخرج أحمد (١٦٩٠) من حديث أبي عبيدة بن الجراح * مطولاً ضمن
قصة أن النبي # قال: ((من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبع مئة، ومن أنفق على نفسه وأهله،
أو عاد مريضاً، أو ماز أذى، فالحسنة بعشر أمثالها ... )).
٤٣٧
سورة آل عمران: الآيتان ١٧٩ - ١٨٠
يبيِّنَ لهم مَنْ يؤمِنُ منهم، فأنزلَ اللهُ: ((فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ)) يعني: لا تَشتَغِلوا بما لا
یعنیگُم، واشتغلوا بما يعنيگُم، وهو الإيمان.(١)
﴿فَاِنُواْ﴾ أي: صَدِّقوا، أي: عليكُم التَّصديقَ، لا التَّشوُفَ إلى اطّلاع الغيب.
﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرُّ عَظِيمٌ﴾ أي: الجنَّة.
ويُذكَرُ أنَّ رجلاً كان عند الحجّاجِ بن يوسُفَ الثَّقَفِيِّ مُنَجِّماً، فأخذ الحجَّاجُ
حَصَياتٍ بيده قد عَرف عددَها، فقال للمُنَجِّم: كم في يدي؟ فحسب، فأصابَ
المنَجِّمُ. فأغفلَه الحجّاجُ، وأخذَ حَصَياتٍ لم يعُدَّهُنَّ، فقال للمنجم: كم في يدي؟
فحسَبَ، فأخطأ، ثمَّ حسَبَ أيضاً، فأخطأ، فقال: أيُّها الأميرُ، أظنُّكَ لا تعرف عدد
ما في يدك؟ قال: لا. قال: فما الفرقُ بينهما؟ فقال: إنَّ ذاك أحْصَيتَه، فخرجَ عن حدٍّ
الغَيْبِ، فحسَبتُ فأصبتُ، وإنَّ هذه(٢) لم تَعرف عددَها، فصار غَيْباً، ولا يعلمُ الغيبَ
إلَّا اللهُ تعالى. وسيأتي هذا البابُ في ((الأنعام))(٣) إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْا لَهُمْ
بَلْ هُوَ شَرِّ لَهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَلِلَّهِ مِيَثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
١٨٠
وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فيه أربع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ((الذين)) في موضع رفع،
والمفعولُ الأول محذوفٌ. قال الخليلُ وسيبويه والفَرَّاءُ (٤): المعنى: البخل [هو]
خيراً لهم، أي: لا يَحسبَنَّ الباخلون البخلَ خيراً لهم. وإنَّما حُذفَ لدلالة يَبخَلون على
البُخل؛ وهو كقوله: من صدقَ كان خيراً له، أي: كان الصِّدقُ خيراً له. ومن هذا قولُ
الشاعر :
(١) تفسير أبي الليث ٣١٩/١ .
(٢) في (م) هذا .
(٣) في تفسير الآية (٥٩) منها.
(٤) الكتاب ٣٩١/٢، ومعاني القرآن للفراء ٢٤٨/١.
٤٣٨
سورة آل عمران: الآية ١٨٠
إذا نُهِيَ السَّفيهُ جَرَى إليه وخالَفَ والسَّفيهُ إلى خِلافٍ(١)
فالمعنى: جَرَى إلى السَّفَه، فالسَّفيه دَلَّ على السَّفَه.
وأما قراءة حمزة بالتاءِ فبعيدةٌ جدّاً؛ قاله النَّحاسُ(٢). وجوازها أن يكونَ التقديرُ:
لا تحسبنَّ بُخل الذين يَبخلون هو خيراً لهم.
قال الزجاج (٣): وهي مثل: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
و((هو)) في قوله ((هُوَ خَيْراً لَهُمْ)) فاصلة عند البَصريّين، وهي العماد عندَ الكوفيين.
قال النَّحاسُ (٤): ويجوزُ في العربية: ((هو خير لهم)) ابتداء وخبر.
الثانية: قوله تعالى: ﴿بَلَّ هُوَ شَرِّ لَهُمْ﴾ ابتداءٌ وخبر، أي: البخلُ شرٌّ لهم. والسين
في ((سَيُطَوَّقُون)) سينُ الوعيد، أي: سوفَ يُطَوَّقون. قاله المبرِّدُ.
وهذه الآية نزلت في البُخل بالمال، والإنفاق في سبيل اللهِ، وأداءِ الزكاةِ
المفروضةِ. وهذه كقوله: ﴿وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية. ذهب إلى هذا
جماعةٌ من المتأوِّلين، منهم ابنُ مسعود، وابنُ عباس، وأبو وائل، وأبو مالك،
والسُّدِّيُّ، والشَّعْبيُّ(٥)؛ قالوا: ومعنى ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ﴾ هو الذي وردَ في
الحديث عن أبي هريرةً، عن النبيِّ ◌َ﴾ قال: «مَنْ آتاهُ اللهُ مالاً، فلم يُؤَدِّ زكاتَه، مُثِّلَ له
يومَ القيامة شجاعاً أقْرَعَ له زَبِيبتان، يُطَوَّقُه يومَ القيامة، ثم يأخذ بِلِهْزِمَتَيه، ثم يقول:
أنا مالُك، أنا كَنزُكَ)) ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية. أخرجه
النَّسائيُّ.(٦)
(١) البيت دون نسبة في معاني القرآن للفراء ١٠٤/١ و٢٤٩، ومجالس ثعلب ص ٦٠، وتأويل مشكل
القرآن لابن قتيبة ص١٧٦، وتفسير الطبري ٢٦٨/٦، والخصائص ٤٩/٣، والمحتسب ١/ ١٧٠ لابن
جني، وأمالي ابن الشجري ٢٧٣/١، والمحرر الوجيز ٥٤٩/١، وخزانة الأدب ٢٦٦/٥ .
(٢) في إعراب القرآن ١/ ٤٢٢ وما قبله وما بعده وما سلف بين حاصرتين منه، وسلف تخريج قراءة حمزة
قبل آیتین.
(٣) معاني القرآن ٤٩٣/١، والمحرر الوجيز ٥٤٧/١ وعنه نقل المصنف.
(٤) في إعراب القرآن ١/ ٤٢٢.
(٥) المحرر الوجيز ٥٤٧/١، وتفسير البغوي ٣٧٨/١. وأخرج الآثار الطبري ٢٦٩/٦ - ٢٧٤ .
(٦) في سننه ٣٩/٥، وأخرجه أحمد (٨٦٦١)، والبخاري (١٤٠٣). قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري=
٤٣٩
سورة آل عمران: الآية ١٨٠
وخرَّجه ابنُ ماجه (١) عن ابن مسعود، عن رسول اللـه# قال: ((ما من أحدٍ لا
يُؤدِّي زكاةَ مالِه إلا مُثِّلَ له يومَ القيامة شُجاعٌ أفْرَعُ، حتى يُطَوَّقَ به في عُنقه)). ثم قرأ
علينا النبيُّ ﴿ مِصداقَه من كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَنَهُمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِهِ،﴾ الآية.
وجاء عنه أنه قال: ((ما من ذي رَحِم يأتي ذَا رَحِمه، فيسألُه من فَضْلٍ ما عنده،
فيبخلُ به عليه، إلا أُخرِجَ له يومَ القيامة شُجَاعٌ من النَّار، يَتلمَّظُ حتى يُطَوِّقَه)).(٢)
وقال ابنُ عباس أيضاً: إنما نزلَتْ في أهل الكتاب وبُخلِهم، ببيانٍ ما عَلِموهُ من
أمر محمدٍ ﴾.
وقال ذلك مُجاهد وجماعةٌ من أهل العلم .
ومعنى ((سَيُطَوَّقُونَ)) على هذا التأويل: سيحملون عقابَ ما بخلوا به؛ فهو من
الطّاقة كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وليسَ من التَّطويقِ.
وقال إبراهيم النَّخَعِيُّ: معنى ((سَيُطَوَّقون)): سيُجعلُ لهم يومَ القيامة طَوْقٌ من
نار(٣). وهذا يَجري مع التَّأويل الأوَّل [أي]: قول السُّدي [وغيره].(٤)
وقيل يُلزّمون أعمالَهم كما يَلزَمُ الطَّوقُ العُنقَ؛ يقال: طُوِّق فلانٌ عملَه طَوْقَ
الحمامة، أي: أُلزِمَ عملَه، وقد قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَيْرَهُ فِ عُنُقِهِ﴾
[الإسراء: ١٣]. ومن هذا المعنى قولُ عبدِ الله بن جَخْش لأبي سفيان: (٥).
أبلِغْ أبا سفيانَ عن
أمرِ عواقبُه ندامَهْ
= ٢٧٠/٣: الشجاع: الحية الذكر، والأقرع: الذي تقرَّع رأسه، أي: تمعَّط لكثرة سُمِّه، وبلهزمتيه:
هي بكسر اللام وسكون الهاء وزاي مكسورة، أي: بشدقيه.
(١) في سننه (١٧٨٤)، وهو عند أحمد (٣٥٧٧).
(٢) المحرر الوجيز ٥٤٧/١، وأخرجه الطبري ٢٧١/٦ مرفوعاً وموقوفاً ومرسلاً، ونقل ابن حجر في
الإصابة ٢/ ٢٢٠ عن ابن منده قوله: لا يصح.
(٣) في (م) النار.
(٤) المحرر الوجيز ٥٤٧/١، وما بين حاصرتين منه، وأخرج الطبري ٦/ ٢٧٥- ٢٧٦ قول ابن عباس
ومجاهد والنخعي.
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٥٠٠ .
٤٤٠
سورة آل عمران: الآية ١٨٠
· تَقضي بها عنك الغَرامَهُ
دارُ ابنِ عمِّكَ بِعتَها.
بِّ النَّاسِ مُجتهِدُ القَسَامَهْ
:
وحَليفُكم بالله ر
طُوِّقتَها طَوْقَ الحمَامَهْ
إِذْهِبْ بها إِذْهب بها
وهذا يجري مع التأويل الثاني.
والبُخْل والبَخَل في اللغة: أن يمنع الإنسانُ الحقَّ الواجبَ عليه، فأمَّا مَنْ مَنع ما
لا يجبُ عليه؛ فليسَ ببخيل؛ لأنَّه لا يُذَمُّ بذلك. وأهل الحجاز يقولون: يَبْخُلُون وقد
بَخُلُوا، وسائر العرب يقولون: بَخِلُوا يَبْخَلون؛ حكاه النَّحاس(١). وبَخِلِ يَبْخَلِ بُخْلاً
وَبَخَلاً، عن ابن فارس.(٢)
الثالثة: في ثمرة البُخل وفائدته: وهو ما رُويَ أنَّ النبيَّ﴾ قال للأنصار: ((مَنْ
سَيِّدُكم؟)) قالوا: الجَدُّ بنُ قيس على بُخْلِ فيه. فقال :﴿: ((وأيُّ داءٍ أَدْوَى من البُخل؟))
قالوا: وكيف ذاك يا رسولَ الله؟ قال: ((إنَّ قوماً نَزلوا بساحل البَحر، فكرِهوا لبُخلهم
نُزِولَ الأضيافِ بهم، فقالوا: لِيَبعُدِ الرِّجالُ منَّا عن النِّساء، حتَّى يَعتذرَ الرجالُ إلى
الأضياف بِبُعْدِ النِّساءِ، وتَعتذِرَ النِّساء بُيُعْدِ الرِّجالِ، ففعلوا، وطالَ ذلك بهم، فاشتغلَ
الرِّجالُ بالرِّجال، والنِّساءُ بالنِّساءِ)). ذكره الماوردي في كتاب ((أدب الدُّنيا والدِّين))(٣)
(١) إعراب القرآن ٤٢٢/١.
(٢) ينظر مجمل اللغة ١١٨/١ ومقاييس اللغة ٢٠٧/١.
(٣) ص ٣٣٠ طبعة منهاج اليقين شرح أدب الدنيا والدين، ولم نقف لهذا الخبر بتمامه على إسناد .
وأخرج منه صدره، يعني إلى قوله: ((وأيُّ داءٍ أدْوَى من البخل))، ودون ذكر القصة: وكيع في الزهد
(٣٧٤)، وهناد في الزهد (٦١٤) عن المسعودي عن حبيب بن أبي ثابت، مرسلاً. وفيه: ((بل سيِّدُكم
الجَعْد الأبيض، عمرو بن الجموح)).
وأخرجه عبد الرزاق (٢٠٧٠٥) عن معمر، والطبراني في الكبير ١٩/ (١٦٤) من طريق يونس، والبيهقي
في شعب الإيمان (١٠٨٥٨) من طريق شعيب، ثلاثتهم عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن
مالك، مرسلاً، وفيه: قالوا: فَمَنْ سيِّدُنا يا رسول الله؟ قال: ((بِشْرُ بنُ البراء بن مَعْرور)).
وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٩٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٠٨٥٩) و(١٠٨٦٠) من طريق
أبي الزبير، والطبراني في الأوسط (٨٩٠٨)، من طريق عمرو بن دينار، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٣١٧
من طريق محمد بن المنكدر، ثلاثتهم عن جابر، مرفوعاً. وللحديث طرق أخرى، ذكرها الحافظ في
الإصابة ١/ ٢٤٧ - ٢٤٨ و٩٤/٧ - ٩٥ (ترجمة بشر بن البراء بن معرور، وترجمة عمرو بن الجموح).