النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سورة آل عمران: الآية ١٦٤
وذكر أبو محمد عبد الغني قال: حدَّثنا أبو أحمد المصريُّ(١) ، حدّثنا أحمد بنُ
عليٍّ بنِ سعيد القاضي أبو بكر المَرْوَزِيُّ، حدّثنا يحيى بنُ مَعِين، حدَّثنا هشام بنُ
يوسفَ، عن عبدالله بن سُلَيمان النَّوفَلِيّ، عن الزُّهريّ، عن عُرْوةَ، عن عائشة رضي
الله عنها: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، قالت: هذه
للعرب خاصَّةٌ(٢). وقال آخرون(٣): أرادَ به المؤمنين كلَّهم.
ومعنى ((مِنْ أَنْفُسِهِمْ)) أنَّه واحدٌ منهم، وبَشَرٌ مِثْلُهُم، وإنما امتازَ عنهم بالوحي؛ وهو
معنى قولهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وخَصَّ المؤمنين
بالذِّكْر، لأنهم المُنْتَفِعون به، فالمِنَّةُ عليهم أعْظَم.
وقولُه تعالى: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ﴾؛ ((يتلو)) في موضِع نَصْب نَعْتُ لرسُول(٤) ، ومعناه:
يَقْرَأُ. والثِّلَاوةُ: القِرَاءَةُ. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ تقدَّم في ((البقرة)).(٥)
ومعنى ﴿وَ إِن كَانُواْ مِن قَبْلُ﴾، أي: ولقد كانوا من قبل، أي: من قبل محمد ﴾.
وقيل: ((إِنْ)) بمعنى ما، واللام في الخبر بِمعنى إلا، أي: وما كانوا من قبلُ إلاَّ في
ضلال مبين، ومثلهُ: ﴿وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ، لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أي: وما
كنتم من قبله إلا من الضَّالين(٦)، وهذا مذهبُ الكوفيين، وقد تقدَّم في ((البقرة)معنى
هذه الآية.(٧)
(١) في (د) و(م): البصري، وهو خطأ، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو عبدالله بن محمد بن عبدالله بن
الناصح الدمشقي الفقيه الشافعي المعروف بابن المفسِّر، نزيل مصر، توفي سنة (٣٦٥ هـ). ينظر السير
٢٨٢/١٦.
(٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١٦١٥) من طريق يحيى بن معين به، وأورده الواحدي في الوسيط
٥١٦/١.
(٣) ينظر تفسير البغوي ٣٦٨/١.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤١٧/١ .
(٥) ٤٠٣/٢ .
(٦) ينظر الوسيط ٥١٧/١.
(٧) ٣٤٩/٣.

٤٠٢
سورة آل عمران: الآية ١٦٥
قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمَّآ أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ
١١٦٥
عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
.
· الألف للاستفهام، والواو العطف. ﴿مُصِيبَةٌ﴾ أي: غَلَبة. ﴿قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَّهَا﴾ يومَ
بَدْر بأن قَتلتُم منهم سبعين، وأَسَرتُم سبعين(١). والأسير في حكم المقتول؛ لأنَّ
الآسرَ يقتل أسيره إن أراد، أي: فهزمتُموهم يوم بَذْرٍ ويومَ أُحُدٍ أيضاً في الابتداء،
وقتلتُم فیه قریباً من عشرین، قتلتُم(٢) منهم في یومین، ونالوا منکم في یوم أُحُد.
﴿قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا﴾، أي: من أين أصابَنا هذا الانهزامُ والقتل، ونحن نقاتلُ في سبيل
الله، ونحن مسلمون، وفينا النبيُّ والوحي، وهم مشركون؟!
﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ يعني مخالفةَ الرُّماة، وما من قوم أطاعوا نبيّهم في
حرب إلا نُصِروا؛ لأنهم إذا أطاعوا فهم حزبُ الله، وحزبُ الله هم الغالبون.(٣)
وقال قتادة والرّبيع بن أنس: يعني(٤) سؤالَهم النبيَّ# أنْ يخرج بعد ما أراد
الإقامة بالمدينة، وتأوَّلَها في الرؤيا التي رآها دِرْعاً حَصِينة.(٥)
عليّ بن أبي طالب﴾: هو اختيارُهم الفِداءَ يومَ بَدْرٍ على القتل، وقد قيل لهم:
إنْ فاديتم الأُسارى قُتل منكم على عِدَّتهم. (٦) روى البَيْهَقِيُّ عن عليٍّ بنِ أبي طالب ﴾
قال: قال النبيُّ ﴾ في الأُسارى يومَ بدر: ((إنْ شئتُم قَتلتُموهم، وإن شئتُم فاديتُموهم،
واستمتعتُم بالفِداء، واستُشهد منكم بعدَّتهم))، فكان آخرَ السبعين ثابتُ بنُ قيس؛ قُتِلَ
يومَ اليمامة.(٧)
فمعنى ((مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)) على القولين الأوَّلَين: بذنوبكم. وعلى القول الأخير:
باختيار کم.
(١) ينظر تفسير أبي الليث ٣١٣/١، وتفسير البغوي ٣٦٨/١، وتفسير الرازي ٩/ ٨١ .
(٢) قوله: قتلتم، من (د) و(م).
(٣) معاني القرآن للزجاج ٤٨٨/١، وينظر تفسير البغوي ٣٦٩/١، والوسيط ٥١٧/١ .
(٤) في النسخ: معنى، والمثبت من (م).
(٥) تفسير الطبري ٢١٥/٥ - ٢١٦ .
(٦) أورده الماوردي في النكت والعيون ٤٣٥/١ .
(٧) سنن البيهقي ٦/ ٣٢١، وأخرجه أيضاً الترمذي (١٥٦٧)، والنسائي في الكبرى (٨٦٠٨) بنحوه مختصراً.

٤٠٣
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٦ - ١٦٧
قوله تعالى: ﴿وَمَّ أَصَبَّكُمْ يَوْمَ اٌلْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبَإِذْنِ اَللَّهِ وَلِيَعْلَمَ اُلْمُؤْمِنِينَ (١٩) وَلِيَعْلَمَ
الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ آدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا
لَّأَتَّبَعْنَكُمُّ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيٍِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِي
قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُونَ
يعني يومَ أُحُد من القتل والجَرْح والهزيمة. ﴿فَإذْنِ اللَّهِ﴾، أي: بعِلْمه، وقيل:
بقضائه وقَدَرِه.
قال القَفَّال(١): أي: فيِتَخْلِيتهِ بينكم وبينهم، لا أنه أراد ذلك. وهذا تأويلُ
المعتزلة. ودخلت الفاء في ((فبإذن الله))؛ لأن ((ما)) بمعنى الذي. أي: والذي أصابكم
يومَ التقى الجمعانِ فبإذن الله، فأشبه الكلامُ معنى الشَّرط، كما قال سيبويه: الذي قام
(٢)
فله درهم.
﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ اُلَّذِينَ نَافَقُواْ﴾، أي: لِيُمَيِّز. وقيل: لِيَرَى. وقيل: ليُظهِرَ إيمانَ
المؤمنين بثبوتهم في القتال(٣)، وليُظهِر كفرَ المنافقين بإظهارهم الشَّماتةَ، فيعلمون
ذلك. والإشارة بقوله: ﴿نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ﴾ هي إلى عبدالله بنٍ أُبَيٍّ وأصحابِه الذین
انصرفوا معه عن نُصرة النبيِّ ﴾، وكانوا ثلاث مئة، فمشى في أثرهم عبدُ الله بنُ
عمرو بنِ حرام الأنصاريُّ، أبو جابر بن عبدالله، فقال لهم: اتَّقوا الله، ولا تتركوا
نبيَّكم، وقاتِلوا في سبيل الله أو ادفعوا، ونحو هذا من القول. فقال له ابنُ أُبَيّ: ما
أرى أنْ يكون قِتال، ولو علمنا أنْ يكون قِتالٌ لكنَّا معكم. فلما يئس منهم عبدُ الله
قال: اذهبوا أعداء الله، فسيُغني اللهُ رسولَه عنكم. ومضى مع النبيِّ﴾، واستُشهد
رحمه الله تعالى.(٤)
(١) محمد بن علي بن إسماعيل أبو بكر الشاشي الشافعي، القفال الكبير، عنه انتشر فقه الشافعي بما وراء
النهر، توفي (٣٦٥ هـ). السير ٢٨٣/١٦.
... (٢) ينظر الكتاب ٦٩/٣، ومجمع البيان ٢٥٧/٢، والمحرر الوجيز ٥٣٨/١.
(٣) ينظر معاني القرآن للزجاج ٤٨٨/١، وتفسير البغوي ٣٦٩/١.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ٦٤، وتفسير الطبري ٢٢٢/٥، والمحرر الوجيز ٥٣٩/١، وعبدالله بن عمرو
ابن حرام أبو جابر أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدراً. السير ٣٢٤/١.

٤٠٤
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٦ - ١٦٧
واختلف الناس في معنى قوله: ﴿أَرِ أَدْفَعُواْ﴾ فقال السُّدِّيُّ وابنُ جُريح وغيرُهما:
كَثِّرُوا سَوادَنا وإن لم تقاتلوا معنا، فيكون ذلك دَفْعاً وقَمْعاً للعدوّ، فإنَّ السَّوادَ إذا كثُر
حصل دفْعُ العدوّ.(١)
وقال أنس بن مالك: رأيت يومَ القادِسِيَّةِ عبدالله بنَ أمِّ مَكْتُوم الأعمى وعليه دِرْعٌ
يجرُّ أطرافها، وبيده رايةٌ سوداء، فقيل له: أليس(٢) قد أنزل الله عُذْرَك؟ قال: بلى!
ولكني أُكثِّرُ المسلمين بنفسي. ورويَ عنه أنه قال: فكيف بسوادِي في سبيل الله!(٣)
وقال أبو عونٍ الأنصاريُّ: معنى ((أو ادفعوا)): رابِطوا(٤). وهذا قريبٌ من الأوّل.
ولا محالةَ أنَّ المرابِطَ مدافع؛ لأنه لولا مكانُ المرابطين في الثُّغور لجاءها العدوّ.
وذهب قومٌ من المفسّرين إلى أنَّ قولَ عبدِ الله بنِ عَمرو(٥): أو ادفعوا، إنما هو
استدعاءٌ إلى القتال حَمِيَّةً؛ لأنه استدعاهم إلى القتال في سبيل الله، وهي أنْ تكون
كلمةُ الله هي العليا، فلما رأى أنهم ليسوا على ذلك؛ عَرَضَ عليهم الوجهَ الذي
يَحْشِمُهم، ويبعثُ الأَنَفَة، أي: أو قاتِلوا دِفاعاً عن الحَوْزة، ألا ترى أنَّ قُزْمانَ(٦)
قال: واللهِ ما قاتلتُ إلا عن أحساب قومي. وألا ترى أنَّ بعضَ الأنصارِ قال يومَ أُحدٍ
لمَّا رأى قريشاً قد أرسلت الّهْرَ(٧) في زروع قناة(٨): أتُرعَى زروعُ بني قَيْلةً(٩) ولمَّا
(١) تفسير الطبري ٢٢٤/٥ .
(٢) قوله: أليس، من (م)، والمحرر الوجيز ٥٣٩/١ .
(٣) المحرر الوجيز ٥٣٩/١.
(٤) تفسير الطبري ٢٢٤/٥ .
(٥) هو أبو جابر رضي الله عنهما السالف ذكره.
(٦) هو ابن الحارث المنافق، كان شجاعاً، قاتل بشدة يوم أحد حميةً، ثم جُرحَ جرحاً شديداً، فقتل نفسه،
فشهد له النبي # بالنار، وقال: ((إن الله يؤيد هذا الدينَ بالرجل الفاجر)). ينظر الإصابة ١٥٩/٨- ١٦٠.
وفي صحيح البخاري (٢٨٩٨) عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله# التقى هو والمشركون
فاقتتلوا ... الحديث، وفيه: وفي أصحاب رسول اللـه ﴾ رجلٌ لا يدع لهم شاذَّة ولا فاذَّة إلا اتبعها
يضربها بسيفه ... فقال رسول الله ﴾: ((أما إنه من أهل النار)) ... إلى آخر الحديث، وفيه أنه قتل نفسه.
(٧) قوله: الظهر، أي: الإبل التي يحمل عليها وتركب. النهاية (ظهر).
(٨) قوله: قناة هو أحد أودية المدينة الثلاثة، عليه حرث ومال. وقد يقال: وادي قناة. معجم البلدان
٤٠١/٤ .
(٩) قوله: بني قَيْلَة: هم الأوس والخزرج؛ قبيلتا الأنصار، وقيلة: اسم أمِّ لهم قديمة، وهي قَيْلة بنت كاهل.
النهاية (قيل).

٤٠٥
سورة آل عمران: الآيات ١٦٦ - ١٦٨
نُضارِبْ؟(١)
فالمعنى: إنْ لم تقاتلوا في سبيل الله، فقاتلوا دَفْعاً عن أنفسكم وحَرِيمكم.(٢)
قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنَّ﴾، أي: بَيِّنُوا حالَهم، وهَتَكُوا
أسْتارَهم، وكَشَفُوا عن نِفاقِهم لمن كان يَظُنُّ أنهم مسلمون، فصارُوا أقربَ إلى الكفر
في ظاهر الحال، وإن كانوا كافرين على التَّحقيق.
وقولُه تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِىِ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: أظْهَرُوا الإيمان،
وأَضْمَرُوا الكفر. وذِكْرُ الأفواه تأكيدٌ، مثلُ قوله: ﴿يَطِيُ بِجَنَاحَيْهِ﴾.(٣)
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَأَدْرَءُوا عَنْ
أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمُ صَدِّقِينَ
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ﴾ معناه: لأجل إخوانهم، وهم الشهداءُ
المقتولون من الخَزْرَج؛ وهم إخوةُ نسبٍ ومجاورة، لا إخوةُ الدِّين. أي: قالوا لهؤلاء
الشهداء: لو قعَدوا، أي: بالمدينة ما قُتَّلوا.(٤)
وقيل: قال عبدالله بنُ أُبَيِّ وأصحابُه لإخوانهم، أي: لأشكالهم من المنافقين:
لو أطاعونا هؤلاء الذين قُتِلوا، لَمَا قُتِلوا. وقوله: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ يريد في ألاَّ يخرجوا
إلى قريش. وقوله: ﴿وَقَعَدُوا﴾، أي: قالوا هذا القولَ، وقعدوا بأنفسهم عن الجهاد،
فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿قُلٌّ فَأَدْرَءُوا﴾، أي: قل لهم يا محمد: إن صدَقتم فادفعوا
الموتَ عن أنفسكم، والدَّرْء: الدفعُ.(٥)
بيَّنَ بهذا أنَّ الحَذَرَ لا ينفعُ من القَدَر، وأنَّ المقتولَ يُقتلُ بأجله، وما عَلِم الله
وأَخبر به كائنٌ لا محالة.
(١) المحرر الوجيز ٥٣٩/١.
(٢) ينظر تفسير أبي الليث ٣١٤/١، والوسيط ٥١٨/١ .
(٣) ينظر مجمع البيان ٢٥٨/١، والوسيط ٥١٨/١، والمحرر الوجيز ٥٣٩/١.
(٤) ينظر تفسير البغوي ١/ ٣٦٩، والمحرر الوجيز ٥٣٩/١ - ٥٤٠ .
(٥) ينظر تفسير الطبري ٢٢٦/٦ - ٢٢٧، والوسيط ٥١٨/١ - ٥١٩ .

٤٠٦
سورة آل عمران: الآيات ١٦٨ - ١٧٠
وقيل: مات يومَ قيل هذا سبعون منافقاً. وقال أبو الليث السَّمَرْ قَنْديُّ(١): سمعت
بعضَ المفسِّرين بسَمَرْقَنْد يقول: لما نزلت الآية: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾
مات يومئذ سبعون نَفْساً من المنافقين.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ
يُرْزَقُونَ
١٧٠
خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
فيه ثمان مسائل :
الأولى: لما بيَّنَ الله تعالى أنَّ ما جَرَى يومَ أُحُدٍ كان امتحاناً يُميّز المنافق من
الصادق؛ بَيَّنَ أنَّ مَنْ لم يَنْهَزِمْ فَقُتل؛ له الكرامةُ والحياةُ عنده.
والآية في شُهداءٍ أُحد (٢). وقيل: نزلت في شهداء بئرٍ مَعُونة(٣). وقيل: بل هي
عامَّةٌ في جميع الشهداء.(٤)
وفي مصنَّف أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباسٍ قال: قال رسول اللـه لَ﴾]: ((لمَّا"
أُصيبَ إخوانُكم بأُحُد جَعَلَ الله أرواحَهم في جَوْفٍ طَيرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنهارَ الجنةِ، تأكُّل
من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ معلّقةٍ في ظلِّ العَرْش، فلَمَّا وجدوا طِيبَ
مَأْكَلِهِم ومَشْرَبِهِم ومَقِيلِهم، قالوا: مَنْ يُبلِّغُ إخوانَنَا عَّا أنَّا أحياءٌ في الجنَّةِ نُرْزَقُ؛ لئلا
يَزْهَدُوا في الجهاد ولا يَنْكُلوا عن الحربِ؟(٥) فقال الله سبحانه: أنا أبلِّغُهم عنكم،
قال: فأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ﴾ إلى آخر الآيات.(٦)
(١) في تفسيره ١/ ٣١٤، وينظر الكشاف ٤٧٨/١.
(٢) أخرجه الطبري ٢٢٨/٦، والواحدي في أسباب النزول ص١٢٣-١٢٤ من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما، وسيورده المصنف لاحقاً.
(٣) أخرجه الطبري ٢٣٤/٦ - ٢٣٥، وأورده ابن الجوزي في زاد المسير ٥٠٠/١، وقصة شهداء بئر
معونة أخرجها أحمد (١٣١٩٥)، والبخاري (٤٠٩١)، ومسلم (٦٧٧) من حديث أنس ، دون ذكر أن
الآية نزلت في ذلك.
(٤) أسباب النزول للواحدي ص١٢٥ .
(٥) في (م): عند الحرب.
(٦) سنن أبي داود (٢٥٢٠)، وهو عند أحمد (٢٣٨٨).

٤٠٧
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٩ - ١٧٠
ورَوى بَقِيُّ بنُ مَخْلَد عن جابر قال: لَقِيَني رسولُ اللـه :﴾، فقال: ((يا جابر، مالي
أراك مُنَكِّساً مُهْتَمّاً))؟ قلت: يا رسولَ الله، اسْتُشْهِد أبِي، وتركَ عِيالاً وعليه دَيْنٌ،
فقال: ((ألا أبَشِّرُك بما لَقِيَ اللهُ عزَّ وجلَّ به أباك))؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: ((إنَّ
اللهَ أخْيَا أباك وكلَّمه كِفاحاً، وما كلم أحداً (١) قظُ إلا من وراء حجاب، فقال له: يا
عبدي، تَمنَّ أُعْطِك(٢)، قال: يا ربّ، فرُدَّني إلى الدنيا فأُقْتَلَ فيك ثانيةً، فقال الربُّ
تبارك وتعالى: إنه قد سبقَ مِني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا ربُّ، فَأَبِلِغْ مَنْ
ورائي، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. أخرجه ابن
ماجه في سُنَنه، والتّرمذِيُّ في جامعه، وقال: هذا حديثٌ حسن غريب(٣).
وروى وكيع، عن سالم بن الأقْطَس، عن سعيد بن جبير: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ فُتِلُواْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ﴾ قال: لما أُصيبَ حمزةُ بنُ عبدِ المطّلب ومُصْعَبُ بنُ عُمير
ورأَوا ما رُزقوا من الخير، قالوا: ليتَ إخواننا يَعلَمون ما أصابَنا من الخير كي يزدادوا
في الجهاد رَغْبَةً، فقال الله تعالى: أنا أُبلِّغُهم عنكم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ
الَِّينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا﴾ إلى قوله: ﴿لَا يُضِيعُ أَبْرَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾.(٤).
وقال أبو الضُّحى: نزلت هذه الآيةُ في أهل أُحدٍ خاصَّةً(٥)، والحديثُ الأوَّلُ
يقتضي صحةً(٦) هذا القول.
وقال بعضهم: نزلت في شهداء بَدْرٍ وكانوا أربعةَ عشرَ رجلاً؛ ثمانية من
.(٧)
الأنصار، وستة من المهاجرين.
وقيل: نزلت في شهداء بئرٍ مَعُونة، وقصَّتُهم مشهورةٌ، ذكرها محمد بنُ إسحاق(٨)
(١) في (م): أحد.
(٢) في النسخ: أعطيك، والمثبت من (م)، ومصادر الحديث.
(٣) سنن ابن ماجه (١٩٠)، (٢٨٠٠)، وسنن الترمذي (٣٠١٠)، وهو عند أحمد (١٤٨٨١) بنحوه
مختصراً، وقوله: كفاحاً، أي: مواجهة، ليس بينهما حجاب ولا رسول. النهاية (كفح).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٨١٤ من طريق عطاء عن سعيد بن جبير به.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٨٩٤)، وفي التفسير (٥٣٨)، وابن أبي حاتم ٨١٢/٣.
(٦) في (خ) و(ظ): يقضي بصحة، والمثبت من (د) و (م).
(٧) تفسير البغوي ١/ ٣٦٩ .
(٨) نقلها عنه ابن هشام في السيرة ٢/ ١٨٣، وسلف الكلام عليها قريباً ص٢٦٨ .

٤٠٨
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٩ - ١٧٠
وغيره.
وقال آخرون: إنَّ أولياءَ الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمةٌ أو سرورٌ(١) تحسَّروا،
وقالوا: نحن في النِّعمة والسرور، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله
تعالى هذه الآيةَ تَنْفِيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم(٢).
قلت: وبالجملة؛ وإنْ كان يَحتملُ أنْ يكونَ النُّزولُ بسبب المجموع، فقد أخبرَ
الله تعالى فيها عن الشُّهداء أنهم أحياءٌ في الجنة يُرزقون، ولا مَحالةً أنهم ماتوا وأنَّ
أجسادَهم في التراب، وأرواحَهم حيَّةٌ كأرواح سائرِ المؤمنين، وفُضِّلوا بالرزق في
الجنَّة من وقت القَتْلِ حتى كأنَّ حياةَ الدنيا دائمةٌ لهم(٣).
وقد اختلف العلماءُ في هذا المعنى، فالذي عليه المعظمُ ما ذكرناه(٤)، وأنَّ حياةً
الشُّهداءِ محقَّقة. ثم منهم من يقول: تُردُّ إليهم الأرواحُ في قبورهم فيُنَّمون، كما يحيا
الكفار في قبورهم فيُعذَّبون.
وقال مجاهد(٥): يُرزقون من ثمر الجنة، أي: يجدون ريحها وليسوا فيها. وصار
قومٌ إلى أنَّ هذا مجازٌ، والمعنى أنهم في حكم اللهِ مستحقُّون للتنعُّم في الجنة، وهو
کما يقال: ما مات فلان، أي: ذِمْرُه حيٍّ، كما قيل:
مَوْتُ الثَّقِيِّ حياةٌ لا فناءَ لها قَدْمات قومٌ وَهُمْ في الناس أحْيَاءُ(٦)
فالمعنى: أنهم يرزقون الثَّاءَ الجميل.
(١) في (د) و(م): وسرور، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لزاد المسير ٥٠١/١ .
(٢) تفسير البغوي ١/ ٣٧٢، وزاد المسير ٥٠١/١ .
(٣) المحرر الوجيز ١/ ٥٤٠ .
(٤) في (م): هو ما ذكرناه.
(٥) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ١/ ٥٠١ .
(٦) أخرج أبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٠، والخطيب في تاريخ بغداد ٢٠٧/١٣ أن معروفاً الكرخيّ رُئي في
المنام، فسئل: ما صنع الله بك، فأنشأ يقول، وذكر البيت، وفيه: لا نفاد، بدل: لا فناء، وأخرجه
القزويني في تاريخ قزوين ٥٧/٣، و٣٨٣/٣ عن سُويد بن سعيد الأنباري وسفيان الثوري، وفيه: لا
انقطاع بدل: لا فناء.

٤٠٩
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٩ - ١٧٠
وقال آخرون: أرواحُهم في أجوافٍ طَيْرٍ خُضْرٍ، وأنهم يُرزقون في الجنة،
ويأكلون ويتنعَّمون. وهذا هو الصحيحُ من الأقوال؛ لأن ما صحَّ به النقلُ فهو الواقع.
وحديثُ ابنِ عباس نصٌّ يرفع الخلاف(١)، وكذلك حديثُ ابنٍ مسعود خرَّجه مسلم.(٢)
وقد أتينا على هذا المعنى مبيّناً في كتاب ((التَّذكِرة بأحوال الموتى وأمورِ الآخرة)»(٣).
والحمد لله. وقد ذكرنا هناك كم الشُّهداء، وأنهم مختلفو الحال.
وأما مَنْ تأوَّلَ في الشهداء أنهم أحياءٌ بمعنى أنهم سيَخْيَوْن؛ فبعيدٌ يَرُدُّه القرآنُ
والسُّنَّة؛ فإنَّ قولَه تعالى: ﴿بَلْ أَخْيٌَّ﴾ دليلٌ على حياتهم، وأنهم يُرزقون، ولا يُرزق إلا
حيٌّ.
وقد قيل: إنه يُكتبُ لهم في كلِّ سَنَةٍ ثوابُ غزوة، ويُشرَكون في ثواب كلِّ جهادٍ
كان بعدَهم إلى يوم القيامة؛ لأنهم سَنُّوا أمرَ الجهاد.
نَظِيرُه قولُه تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَئِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا﴾
[المائدة: ٣٢] على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى.
وقيل: لأنَّ أرواحهم تَركَع وتسجُد تحت العرشِ إلى يوم القيامةِ، كأرواح الأحياءِ
المؤمنين الذين باتُوا على وُضُوء.
وقيل: لأنَّ الشَّهيدَ لا يَبْلَى في القبر، ولا تأكُلُه الأرض، وقد ذكرنا هذا المعنى
في ((التّذكِرة))(٤) وأنَّ الأرضَ لا تأكل الأنبياءَ والشهداءَ والعلماءَ والمؤذِّنين المحتَسِبين
وحَمَلَةً القرآن.
الثانية: إذا كان الشّهيد حيّاًّ حُكماً فلا يُصلَّى عليه، كالحيِّ حِسّاً. وقد اختلف
العلماء في غسل الشُّهداءِ والصَّلاة عليهم؛ فذهب مالك والشافعيُّ وأبو حنيفة
والثَّوْريُّ إلى غُسل جميع الشُّهداء والصلاةِ عليهم (٥)؛ إلاَّ قتيلَ المُعتَركِ في قتال العدوِّ
(١) سلف أول المسألة.
(٢) برقم (١٨٨٧).
(٣) ص ١٥٤ - ١٥٩.
(٤) ص ١٦٣ - ١٦٤ .
(٥) قوله: والصلاة عليهم، من (م).

٤١٠
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٩ - ١٧٠
خاصَّة؛ لحديث جابر قال: قال النبيُّ ﴿: ((ادفنوهم في دمائهم))(١) يعني: يومَ أُحُد،
ولم يُغسِّلْهم. رواه البخاري.(٢)
وروى أبو داود عن ابن عباس قال: أمرَ رسولُ اللهِ ﴾ بقتلى أُحُدٍ أنْ يُنزَعَ عنهم
الحديدُ والجلودُ، وأنْ يُدْفَنُوا بِدمائهم وثيابهم (٣). وبهذا قال أحمدُ، وإسحاقُ،
والأوزاعيُّ، وداود بنُ عليّ، وجماعةُ فُقَهاءِ الأمصارِ، وأهلُ الحديثِ، وابن عُلَيَّة.
وقال سعيد بنُّ المُسَيِّب والحَسَن: يُغسَّلون. قال أحدهما: إنما لم يُغسَّل (٤)
شهداءُ أُحُدٍ لكثرتهم والشُّغلِ عن ذلك.
قال أبو عُمَر(٥): ولم يقل بقول سعيدٍ والحسنِ هذا أحدٌ من فقهاء الأمصارِ إلا
عُبِيدَ الله بنّ الحسن العَنْبَريَّ، وليس ما ذكروا من الشُّغل عن غُسل شهداءٍ أُحُدٍ عَّةً؛
لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان له وليٍّ يشتَغْلُ به، ويقومُ بأمره. والعلةُ في ذلك - والله أعلم -
ما جاء في الحديث في دمائهم أنها تأتي يوم القيامة كريح المِسْك(٦)، فَبانَ أنَّ العلَّة
ليست الشُّغلَ كما قال من قال ذلك(٧)، وليس لهذه المسألةِ مدخلٌ في القياس
والنظر، وإنما هي مسألةُ اتِّاعِ للأثر الذي نقله الكافَّة في قتلى أُحُدٍ لم يُغسَّلوا .
وقد احتجَّ بعضُ المتأخِّرين ممن ذهب مذهبَ الحسنِ بقوله عليه الصلاة والسلام
في شهداء أُحُد: ((أنا شهيدٌ على هؤلاء يومَ القيامة))(٨). قال: وهذا يدلُّ على
خصوصهم، وأنه لا يَشْرَكهم في ذلك غيرُهم.
قال أبو عمر: وهذا يشبه الشُّذوذ، والقولُ بترك غُسلِهم أولى؛ لثبوت ذلك عن
(١) في (د) و(م): بدمائهم، والمثبت من (خ) و (ظ).
(٢) هو قطعة من حديث جابر عند البخاري (١٣٤٣) (١٣٤٧)، وهو عند أحمد (١٤١٨٩) بنحوه.
(٣) سنن أبي داود (٣١٣٤)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (١٥١٥)، وهو عند أحمد (٢٢١٧).
(٤) في (د) نغسل، وفي (م): تغسل، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق للتمهيد ٢٤٣/٢٤ .
(٥) في التمهيد ٢٤/ ٢٤٣ - ٢٤٤، وما قبله منه.
(٦) أخرجه أحمد (٩٠٨٧)، والبخاري (٢٨٠٣)، ومسلم (١٨٧٦) من حديث أبي هريرة ـ
ته.
(٧) في (م): من قال في ذلك.
:
(٨) قطعة من حديث جابر ﴾ أخرجه البخاري (١٣٤٣) و (١٣٤٧).

٤١١
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٩ - ١٧٠
النبيِّ :﴿ في قَتلى أُحدٍ وغيرِهم. ورَوى أبو داودَ عن جابر قال: رُميَ رجلٌ بسهم في
صدره ۔ أو في حلْقِه - فمات، فأُدرج في ثيابه كما هو، قال: ونحن مع رسولِ الله مل﴾.(١).
الثالثة: وأمَّا الصَّلاةُ عليهم فاختلف العلماءُ في ذلك أيضاً؛ فذهب مالكٌ واللَّيثُ
والشافعيُّ وأحمدُ وداودُ إلى أنه لا يُصلَّى عليهم؛ لحديث جابر قال: كان النبيُّ ﴾
يجمع بين الرجلينِ من قتلى أُحُدٍ في ثوبٍ واحدٍ، ثم يقول: ((أيُّهما أكثرُ أخذاً للقرآن؟»
فإذا أُشيرَ له إلى أحدِهما قدَّمَه في اللَّحد، وقال: ((أنا شهيدٌ على هؤلاء يومَ القيامة))
وأَمر بدفنهم بدمائهم، ولم يُغسَّلوا، ولم يُصلّ عليهم. (٢)
وقال فقهاء الكوفة والبصرةِ والشَّام: يُصلَّى عليهم، ورَوَوْا آثاراً كثيرةً؛ أكثرُها
مراسيلُ؛ أنَّ النبيَّ ◌َ# صلَّى على حمزةَ وعلى سائرٍ شهداءٍ أُحُد.(٣)
الرابعة: وأجمع العلماء على أنَّ الشَّهيدَ إذا حُمل حَيّاً ولم يَمت في الْمعتَرَك،
وعاش وأكَل، فإنه يُصلَّى عليه؛ كما قد صُنع بعمرَ ﴾.(٤)
واختلفوا فيمن قُتل مظلوماً؛ كقتيل الخوارج وقُطّاعِ الطَّريق وشبهِ ذلك، فقال أبو
حنيفة والثَّوريُّ: كلُّ من قُتل مظلوماً لم يُغسَّل، ولكنهَ يُصلَّى عليه وعلى كلِّ شهيد،
وهو قولُ سائرِ أهلِ العِراق، ورَوَوْا من طرق كثيرة صحاح عن زيد بن صُوحان - وكان
قُتل يومَ الجَمَل ـ: لا تَنزِعوا عنِّي ثوباً، ولا تَغسِلوا عني دِّماً.(٥)
(١) التمهيد ٢٤٤/٢٤، والحديث في سنن أبي داود (٣١٣٣)، وعند أحمد (١٤٩٥٢) .:
(٢) أخرجه البخاري (١٣٤٣) (١٣٤٧) من حديث جابرظ، وسلف قطعة منه: ((ادفنوهم في دمائهم)) في
المسألة قبلها.
(٣) التمهيد ٢٤٤/٢٤، وحديث الصلاة على حمزة وشهداء أحد أخرجه أبو داود في المراسيل. (٤٢٧)،
وابن أبي شيبة ٣٠٤/٣، والدارقطني ٧٨/٢ عن أبي مالك غزوان الغفاري مرسلاً، وأخرجه أيضاً أبو
داود (٤٢٨)، ومن طريقه البيهقي ١٢/٤ عن الشعبي مرسلاً.
وروى أحمد (١٧٣٤٤)، والبخاري (١٣٤٤)، ومسلم (٢٢٩٦) عن عقبة بن عامر أن النبي # خرج
يوماً، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف ...
(٤) التمهيد ٢٤/ ٢٤٤؛ والحديث أخرجه البيهقي ١٦/٤.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٦٦٤٠)، وابن أبي شيبة ٢٨٨/١٢، والخطيب في تاريخ بغداد ٤٣٩/٨،
والبيهقي ١٧/٤. وزيد بن صوحان أبو سليمان ذكر الكلبي أنه صحب النبي 18، وتعقبه ابن عبد البر،
فقال: لا أعلم له صحبة، وإنما أدرك، وكان فاضلاً سيداً في قومه، جعله علي # يوم الجمل أميراً على
عبد القيس. انظر الإصابة ٨٨/٤ - ٨٩.

٤١٢
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٩ - ١٧٠
وثبت عن عمار بن ياسر أنه قال مثلُ قولِ زيد بن صُوحان(١). وقُتل عمار بنُ ياسِر
بِصفِّين، ولم يغسِّله عليّ.(٢)
وللشافعيِّ قولان:
أحدهما: يُغسَّل جميعُ(٣) الموتى إلا من قتله أهلُ الحرب، وهذا قولُ مالك.
قال مالك: لا يُغسَّل من قتَلَه الكفار، ومات في المُعترك. وكلُّ مقتولٍ غيرِ قتيلِ
المُعتَركِ - قتيلِ الكفار - فإنه يُغسّل ويُصلَّى عليه. وهذا قولُ أحمد بن حنبل ﴾.
والقول الآخر للشافعيّ: لا يُغسَّل قتيلُ البُغاة.
وقول مالك أصحُّ؛ فإنَّ غُسْلَ الموتى قد ثبت بالإجماع ونَقْلِ الكافَّةِ، فواجبٌ
غُسلُ كلِّ ميتٍ إلا من أخرجه إجماعٌ أو سُنَّةٌ ثابتة، وبالله التوفيق. (٤)
الخامسة: العدوُّ إذا صبَّح قوماً في منزلهم(٥)، ولم يَعلموا به، فقتَلَ منهم، فهل
يكون حكمُه حكمَ قتيلِ المعتَرك، أو حكمَ سائرِ الموتى؟ وهذه مسألة(٦) نزلت عندنا
بِقُرطُبَةَ أعادها الله: أغَارَ العدوُّ - قصَمه الله - صَبِيحَةَ الثَّالثِ من رَمضانَ المُعظّمِ سنةً
سَبعٍ وعشرين وستِّ مئة والناسُ في أجْرانهم (٧) على غَفلة، فقتَل وأسَر، وكان من
جُملة من قُتل والدي رحمه الله؛ فسألتُ شيخَنا المقرئَ الأستاذَ أبا جعفر أحمدَ
المعروفَ بأبي حجةً(٨)، فقال: غَسِّلْه وصَلِّ عليه؛ فإنَّ أباك لم يُقتَل في المُعْتَركُ بينَ
(١) أخرجه ابن سعد ٢٦٨/٣، وابن أبي شيبة ٢٨٨/١٢، وأورده البيهقي ٤ / ١٧.
(٢) أخرجه ابن سعد ٢٦٢/٣، والخطيب في تاريخ بغداد ١٥٣/١. وعبارة التمهيد (والكلام منه): وصلى
الله عليه علي ولم يغسّله.
(٣) في (د) و(م): كجميع، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق للتمهيد ٢٤٥/٢٤ .
(٤) التمهيد ٢٤/ ٢٤٤ - ٢٤٦.
(٥) في (خ) و(ظ): موضعهم.
(٦) في (م): المسألة.
(٧) جمع جرين، وهو موضع تجفيف التمر، وهو له كالبيدر للحنطة، ويجمع على جُرُن. النهاية (جرن).
(٨) كذا في النسخ. وجاء في بغية الوعاة ٣٨٣/١، وشجرة النور ص ١٨٢ : ابن أبي حجة، وفي إيضاح
المكنون ٢٨٦/١ : ابن حجة، وهو أحمد بن محمد القيسي المقرئ النحوي المحدث، ولي القضاء
والخطابة بإشبيلية، صنف تسديد اللسان في النحو، والجمع بين الصحيحين، مات مأسوراً سنة
(٦٤٣ هـ). انظر طبقات القراء ١٣٦/١، وبغية الوعاة ٣٨٣/١.

٤١٣
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٩ - ١٧٠
الصَّقَّيْن، ثم سألتُ شيخَنا ربيعَ بنَ عبد الرحمن بنِ أحمدَ بنِ ربيع بن أُبيّ(١) فقال: إنَّ
حكمه حكمُ القتلى في المعترك، ثم سألتُ قاضيَ الجماعةِ أبا الحسن عليَّ بن
قُظْرال(٢) وحولَه جماعةٌ من الفقهاء، فقالوا: غَسِّلْه وكفِّنْه، وصلِّ عليه، ففعلت. ثم
بعد ذلك وقَّفتُ على المسألة في ((التَّبصرة)) لأبي الحسن اللَّخميِّ وغيرِها، ولو كان
ذلك قبل ذلك ما غسّلتُه، وكنت دفنتُه بدمه في ثيابه.
السادسة: هذه الآيةُ تدلُّ على عظيم ثوابِ القتلِ في سبيل اللهِ والشَّهادةِ فیه حتى
إنه يُكفِّر الذنوب؛ كما قال ◌َ﴾: ((القتلُ في سبيل اللهِ يُكفِّر كلَّ شيءٍ إلا الدَّيْنَ (٣)،
كذلك قال لي جبريلُ عليه السلام آنفاً».
قال علماؤنا: ذِكْرُ الدَّيْنِ تنبيهٌ على ما في معناه من الحقوقِ المتعلِّقَة بالذِّمم،
كالغَصْب وأخذِ المالِ بالباطل، وقتلِ العَمْدِ، وجراحِه، وغيرِ ذلك من التَِّعات، فإنَّ
كلَّ هذا أوْلى بأن لا (٤) يُغفَر بالجهاد من الذَّيْن، فإنه أشدّ، والقِصاصُ في هذا كلِّه
بالحسنات والسيئاتِ حسبما وردت به السُّنَّةُ الثابتة:
روى عبدالله بنُ أُنَيْس قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﴾ يقول: ((يَحشُّر اللهُ العبادَ - أو
قال: الناسَ، شكَّ همّام(٥)، وأوْمَاً بيده إلى الشَّام - عُراةً غُرْلاً بُهْماً)). قلنا: ما
بُهْماً؟(٦) قال: ((ليس معهم شيءٌ، فيناديهم بصوتٍ يسمَعُه مَن قَرُب ومَن بَعُد: أنا
المَلِكُ، أنا الدَّيَّنُ، لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنَّةِ أن يدخل الجنةَ وأحدٌ من أهل النار
(١) هو أبو سليمان الأشعري، قاضي قرطبة، كان رجلاً صالحاً عدلاً في أحكامه، له مشاركة في علم
الحديث، مات بإشبيلية سنة (٦٣٣هـ). تكملة الصلة ١/ ٣٢٣ .
(٢) هو علي بن عبدالله بن محمد الأنصاري القرطبيُّ، يعرف بابن قُطرال الفقيه، سمع ابن أبي زمنين، وأخذّ
عنه ابن الأبَّار، امتُحن بالأسر وهو قاضٍ بأُبَّدَة إثر وقيعة العقاب، ثم افتُكَك، وقُدم للقضاء بمواضع
نبيهة، مات بمراكش سنة (٦٥١هـ). الإحاطة بأخبار غرناطة ١٩٠/٤ - ١٩١، والسير ٣٠٤/٢٣ .
(٣) أخرجه أحمد (٧٠٥١)، ومسلم (١٨٨٦) () من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما. وأخرجه
أيضاً (١٨٨٥) (١١٧) من حديث أبي قتادة ﴾.
(٤) في (٥) و(خ) و(م): ألا، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للمفهم ٧١٣/٣، والكلام منه.
(٥) هو همام بن يحيى أحد رجال سند هذا الحديث.
(٦) في (د) و(م): بهم، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لمصادر الحديث .

٤١٤
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٩ - ١٧٠
يَطلُبه بمَظلِمة، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النارِ أنْ يدخلَ النارَ وأحدٌ من أهل الجنةِ
يَطلُبه بمَظلِمة، حتَّى اللَّظمة)). قال: قلنا: كيف وإنما نأتي اللهَ حفاةً عُراةً غُرلاً؟
قال: ((بالحسنات والسَّيئات)). أخرجه الحارث بنُ أبي أُسامة.(١)
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنَّ رسول اللـه ﴿ قال: ((أتدرونَ مَنِ المُفْلِسُ؟)).
قالوا: المفلِسُ فينا من لا دِرْهَمَ له ولا متاعَ، فقال: ((إنَّ المُفْلِسَ من أمتي من يأتي يومَ
القيامةِ بصلاة وصيام وزكاةٍ، ويأتي قد شَتَم هذا، وقَّذَفَ هذا، وأكل مالَ هذا،
وسَفَّكَ دَمَ هذا، وضرَب هذا، فيُعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإنْ فَنِيَتْ
حسناتُه قَبْلَ انقضاءٍ(٢) ما عليه؛ أُخِذ من خطاياهم، فطُرِحت عليه، ثم طُرِح في
النار)).(٣)
وقال﴾: ((والذي نفسي بيده؛ لو أنَّ رجلاً قُتل في سبيل اللهِ، ثم أُخْبِيَ، ثم قُتل،
ثم أُخْبِيَ، ثم قُتِلَ وعليه دَيْنٌ، ما دخلَ الجنةَ حتى يُقْضى عنه)).(٤)
وروى أبو هريرة قال: قال رسولُ اللهِ ﴾: «نفسُ المؤمنِ معلّقةٌ ما كان عليه
دَيْن))(٥). وقال أحمد بنُ زُهَير: سُئل يحيى بنُ مَعِين عن هذا الحدیثِ، فقال: هو
صحیحٌ.
فإن قيل: فهذا يدلُّ على أنَّ بعضَ الشهداءِ لا يدخلون الجنةَ من حينِ القتلِ، ولا
تكون أرواحُهُم في جَوف طيرٍ كما ذكرتُم، ولا يكونون في قبورهم، فأيْنَ يكونون؟
قلنا: قد وَرَدَ عن النبيَِّ﴾ أنه قال: ((أرواحُ الشهداءِ على نهرٍ بباب الجنة يقال له:
بَارِقٌ يخرجُ عليهم رزقُهم من الجنة بُكْرَةً وعَشِيًّا))(٦). فلعلَّهم هؤلاء. والله أعلم. ولهذا
(١) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث (٤٤)، وهو عند أحمد (١٦٠٤٢)، وعلَّق البخاري طرفاً منه قبل
الحديث (٧٤٨١)، وحسنه الحافظ في الفتح ١٧٤/١، وقوله: غُزْلاً؛ مِن الغُزْل جمع الأغرل، وهو
الأقلف، والغُرلة: القلفة. النهاية (غرل).
(٢) في (م): أن يقضى.
(٣) صحيح مسلم (٢٥٨١)، وهو عند أحمد (٨٠٢٩).
(٤) أخرجه النسائي في المجتبى ٧/ ٣١٤-٣١٥، والكبرى (٦٢٣٧) من حديث محمد بن جحش ﴾.
(٥) سلف ٤ / ٤٨٠ .
(٦) أخرجه أحمد (٢٣٩٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وجوَّد إسناده الحافظ ابن كثير عند تفسير
هذه الآية (١٧٠) من آل عمران.

٤١٥
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٩ - ١٧٠
قال الإمام أبو محمد بنُّ عطية (١): وهؤلاء طبقاتٌ وأحوالٌ مختلفةٌ يجمعُها
أنهم: «يُرْزَقُونَ)).
وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بنُ يزيدَ بنِ ماجه القزوينيُّ في ((سننه)) عن
سُلَيم بنِ عامر قال: سمعت أبا أمامةً يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ ﴾ يقول: ((شهيدُ البحرِ
مثلُ شهِيدَي(٢) البَرِّ، والمائدُ في البحر كالمُتَشَخِّط في دَمِه في البرّ، وما بين المَوْجَتين
كقاطع الدُّنيا في طاعة الله، وإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ وَّلَ ملَك الموتِ بقبض الأرواح إلا
شهيدَ(٣) البحرِ، فإنه سبحانه يتولَّى قَبْضَ أرواحِهم، ويَغْفِرُ لشهيد البرِّ الذنوبَ كلَّها إلا
الدَّيْنَ، ويَغفرُ لشهيد البحرِ الذنوبَ كلّها والذَّيْنَ)). (٤)
السابعة: الدَّيْن الذي يُحْبَسُ به صاحبُه عن الجنة - والله أعلم - هو الذي قد ترك
له وفاءً ولم يُوصِ به. أو قَدَر على الأداء فلم يؤدِّه، أو ادَّانَه في سَرَفٍ أو في سَفَهٍ،
ومات ولم يُوَِّه.
وأما من ادَّانَ في حقِّ واجبٍ لِفاقةٍ وعُسْرٍ، ومات ولم يَتْرُك وفاءً، فإنَّ الله لا
يحبِسُه عن الجنة إن شاء الله؛ لأنَّ على السلطان فرضاً أن يؤدّيَ عنه دينه، إما من
جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفَيْء الراجع على المسلمين؛ قال
*: «مَنْ تركَ دَيْناً أو ضَياعاً فعلى الله ورسوله، ومَنْ تركَ مالاً فلورثته)).(٥) وقد زدنا
هذا البابَ بياناً في كتاب ((التذكرة))(٦)، والحمد لله.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فيه حذف مضاف، تقديرُه: عند کرامةٍ
ربِّهم. و((عِند)) هنا تقتضي غايةَ القُرْب، فهي كـ: ((لدى))، ولذلك لم تصغَّر فيقال:
(١) في المحرر الوجيز ٥٤٠/١ .
(٢) في النسخ: شهيد، والمثبت من (م)، وسنن ابن ماجه.
(٣) في (د) و(م): شهداء، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لسنن ابن ماجه.
(٤) سنن ابن ماجه (٢٧٧٨) ، وضعَّفه البوصيري في الزوائد ١٥٩/٣ .
(٥) قطعة من حديث أبي هريرة # أخرجه أحمد (٧٨٦١) و(٧٨٩٩)، والبخاري (٢٢٩٨) و(٢٣٩٨)،
ومسلم (١٦١٩) مختصراً ومطولاً، وأخرجه أيضاً أحمد (١٣٢٥١) من حديث أنس ﴾.
(٦) ص ١٥٦ - ١٥٧.

٤١٦
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٩ - ١٧٠
عُنَيد؛ قاله سيبويه(١). فهذه عِنْدِيَّةُ الكرامةِ، لا عِنْدِيةُ المسافةِ والقُرْب.
و(يرزقون)): هو الرِّزقُ المعروفُ في العادات. ومن قال: هي حياةُ الذِّكْرِ، قال:
يرزقون الثناءَ الجميل. والأَوْلى(٢) الحقيقة.
وقد قيل: إنَّ الأرواحَ تُدرِك في تلك الحالِ التي يسرحون فيها من روائح الجنةِ
وطِيبها ونعيمِها وسرورِها ما يَليق بالأرواح؛ مما تَرتزق وتَنتعش به، وأما اللَّذاتُ
الجسمانيَّةُ؛ فإذا أُعيدت تلك الأرواحُ إلى أجسادها استَوْفت من النعيم جميعَ ما أعدَّ
الله لها(٣). وهذا قولٌ حسن، وإن كان فيه نوعٌ من المجاز، فهو الموافقُ لما اخترناه،
والموَفق الإله.
و﴿فَرِحِينَ﴾ نصب في موضع الحالِ من المضمر في ((يُرْزَقُونَ)). ويجوز في الكلام
((فَرِحُون)) على النعت لـ ((أحياء)). وهو من الفرح بمعنى السرور، والفضْلُ في هذه الآيةِ
هو النَّعيمُ المذكور. (٤)
وقرأ ابن السَّمَيْفَعِ: ((فَارِحِين)) بالألف(٥)، وهما لغتان، كالفَرِهِ، والفارِهِ، والحَذِر
والحاذِرِ، والطَّمِع والطَّامِع، والبَخِل والباخِل. قال النحاس(٦): ويجوز في غير القرآنِ
رَفْعُه، يكون نعتاً لـ ((أحياء)).
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ المعنى: لم يلحقوا بهم في
الفضل، وإن كان لهم فضلٌ. وأصلُه من البَشَرة؛ لأنَّ الإنسانَ إذا فَرِح ظهرَ أثر السُّرورِ
في وجهه.(٧)
وقال السُّدّي: يؤتى الشَّهيدُ بِكتابٍ فيه ذكرُ مَن يَقْدَمُ عليه من إخوانه، فيستَبِشِرُ
كما يستبشرُ أهلُ الغائبِ بِقُدومِه في الدُّنيا.
(١) الكتاب ٣/ ٤٨٠، والمحرر الوجيز ٥٤١/١، وعنه نقل المصنف.
(٢) في (خ) و(د) و(م): الأول، والمثبت من (ظ).
(٣) المفهم ٣/ ٧١٥ .
(٤) المحرر الوجيز ٥٤١/١.
(٥) لم نقف على من ذكر هذه القراءة، وذكرها الشوكاني في فتح القدير ٣٩٩/١.
(٦) في إعراب القرآن ٤١٩/١، وسلف ذكر ذلك.
(٧) ينظر معاني القرآن للزجاج ٤٨٩/١، ومعاني القرآن للنحاس ٥٠٨/١.

٤١٧
سورة آل عمران: الآيات ١٦٩ - ١٧١
وقال قتادةُ وابنُ جُرَيْج والرَّبيعُ وغيرُهم: استبشارُهم بأنهم يقولون: إخوانُنا الذين
تركنا خلْفَنا في الدنيا يقاتلون في سبيل اللهِ مع نبيِّهم، فيُستشهدون، فينالون من
الكرامة مثلَ ما نحن فيه؛ فيُسرُّون ويفرحون لهم بذلك.(١)
وقيل: إنَّ الإشارةَ بالاستبشار للذين لم يَلحَقوا بهم إلى جميع المؤمنين وإن لم
يُقتلوا، ولكنهم لمَّا عاينوا ثوابَ اللهِ؛ وقع اليقينُ بأنَّ دِينَ الإسلام هو الحقُّ الذي
يُثيبُ الله عليه؛ فهم فَرِحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، مستبشرون للمؤمنين
بأنْ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. ذهب إلى هذا المعنى الزجَّاج(٢) وابن فُورَك.
قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَبْرَ الْمُؤْمِنِينَ
(١٧)
أي: بجَنَّةٍ من الله، ويقال: بمغفرةٍ من الله. ﴿وَفَضْلٍ﴾ هذا لزيادة البيان. والفضلُ
داخلٌ في النعمة، وفيه دليلٌ على اتِّساعها، وأنها ليست كنِعَم الدنيا.
وقيل: جاء الفضلُ بعد النعمةِ على وجه التأكيد(٣)؛ روى التِّرمذيُّ عن المِقْدام بنِ
مَعْدٍ يكرِب قال: قال رسول الله ﴿: ((للشَّهيد عند اللهِ ستُّ خِصالٍ - كذا في الترمذيّ
وابن ماجة: ((سِتُّ))، وهي في العدد سبعٌ - (٤): يغفر له في أوَّل دُفعة، (٥) ويُرى مَقعدَه
من الجنة، ويُجارُ من عذاب القبرِ، ويَأْمن من الفزع الأكبر، ويُوضَعُ على رأسه تاجُ
الوَقار؛ الياقوتةُ منها خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ويُزوَّجُ اثنتين وسبعين زوجةً من الحور
العِين، ويُشَفَّعُ في سبعين من أقاربه)) قال: هذا حديثٌ حسن صحيح غريب. (٦) وهذا
تفسيرٌ للنّعمة والفضل. والآثارُ في هذا المعنى كثيرة.
(١) أخرج الأقوال الطبري ٦/ ٢٣٧ - ٢٣٨. وينظر النكت والعيون ١ / ٤٣٧.
(٢) في معاني القرآن ٤٨٩/١ .
(٣) ينظر تفسير أبي الليث ٣١٥/١.
(٤) قال السندي في حاشية سنن ابن ماجه ٢/ ١٨٤: المذكورات سبع إلا أن يجعل الإجارة والأمن من
الفزع واحدة.
(٥) قال السندي: قوله: دُفعة، ضبطناه في جامع الترمذي بضم الدال، ولذلك قال أهل اللغة: الدُّفعة
بالضم ما دفع من إناء أو سقاء فانصبَّ بمرة، وأما الدَّفعة بالفتح، فهي المرة الواحدة من الدفع والإزالة
بقوة، فلا يصلح هنا.
(٦) سنن الترمذي (١٦٦٣)، وسنن ابن ماجه (٢٧٩٩)، وهو عند أحمد (١٧١٨٢)، ورواه أحمد أيضاً
(١٧١٨٣) من حديث عبادة بن الصامت، وحسن إسناده المنذري في الترغيب ٢٩٤/٢ .

٤١٨
سورة آل عمران: الآيتان ١٧١ - ١٧٢
ورُوي عن مجاهد أنه قال: السُّيوف مفاتيحُ الجنة.(١)
ورُوي عن رسول اللهِ ﴾ أنه قال: ((أكرمَ الله تعالى الشهداء بخمس کراماتٍ؛ لم
يُكرِمْ بها أحداً من الأنبياء ولا أنا: أحدُها: أنَّ جميعَ الأنبياءِ قبض أرواحهم مَلَكُ
الموت، وهو الذي سيَقبِضُ رُوحي، وأما الشُّهداءُ فاللهُ هو الذي يقبضُ أرواحَهم
بقدرته كيف يشاء، ولا يُسلَّط على أرواحهم مَلَكُ الموت، والثاني: أنّ جميعَ الأنبياءِ
قد غُسِّلوا بعد الموتِ، وأنا أُغَسَّل بعد الموت، والشهداءُ لا يُغَسَّلُون ولا حاجةً لهم
إلى ماء الدُّنيا، والثالثُ: أنَّ جميعَ الأنبياءِ قد كُفِّنوا وأنا أُكَفَّن، والشهداءُ لا يُكَفَّنون
بل يُدفنون في ثيابهم، والرابع: أنَّ الأنبياءَ لما ماتوا سُمُّوا أمواتاً، وإذا مِتُّ يقال: قد
مات، والشُّهداءُ لا يُسَمَّوْن مَوْتى، والخامسُ: أنَّ الأنبياءَ تُعطى لهم الشفاعةُ يومَ
القيامة وشفاعتي أيضاً يومَ القيامة، وأما الشهداءُ فإنهم يشفعون في كلِّ يومٍ فيمن
يشفعون)).(٢)
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ قرأه الكسائيُّ بكسر الألف، والباقون بالنصب؛ فمن قرأ
بالنصب فمعناه: يستبشرون بنعمة من الله، ويستبشرون بأنَّ الله لا يُضيع أجرَ
المؤمنين. ومن قرأ بالكسر فعلى الابتداء. (٣) ودليله قراءةُ ابنٍ مسعود: ((واللهُ لا يضيع
أجر المؤمنين)).(٤)
قوله تعالى: ﴿اُلَِّينَ أُسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدٍ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ
أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوْ أَبْرٌ عَظِيمٌ
٧٢
﴿الَّذِينَ﴾ في موضع رفع على الابتداء، وخبره: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْءِ﴾(٥).
(١) أورده أبو الليث في تفسيره ١/ ٣١٥ وأخرج الطبراني في الكبير ٢٤٦/٢٢ عن مجاهد عن يزيد بن شجرة
قال: أُنبئت أن السيوف مفاتيح الجنة.
(٢) لم نقف على من أخرجه وذكره أبو الليث في تفسيره ٣١٥/١ - ٣١٦، وقال: أروي هذا الحديث بمعناه
لا بلفظه.
(٣) تفسير أبي الليث ٣١٦/١، وانظر القراءة في السبعة ص٢١٩، والتيسير ص٩١، والحجة ٩٨/٣.
(٤) ذكر القراءة الطبري ٢٣٩/٦، وابن أبي داود في المصاحف ٣١١/١، وابن زنجلة في حجة القراءات
ص١٨١، وابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٥٤١ .
(٥) كذا قال المصنف رحمه الله، وكذا قال مكي في مشكل إعراب القرآن ١٧٨/١ - ١٧٩، وتعقبه السمين =

٤١٩
سورة آل عمران: الآية ١٧٢
ويجوز أنْ يكونَ في موضع خفض، بدل من المؤمنين، أو من ((الّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا».
﴿آسْتَجَابُوا﴾ بمعنى أجابوا، والسين والتاءُ زائدتان. ومنه قوله:
فلم يَسْتَجِبْهُ عند ذاك مُجِيبُ(١)
وفي الصحيحين عن عروةً بنِ الزبير قال: قالت لي عائشةٌ رضي الله عنها: كان
أبوك (٢) من الذين استجابوا لله والرسولِ من بعد ما أصابهم القَرْح. لفظ مسلم (٣) .
وعنه عن عائشة: يا ابنَ أختي، كان أبواك ـ تعني الزبيرَ وأبا بكر - من الذين
استجابوا لله والرسولِ من بعد ما أصابهم القَرْح.
وقالت: لما انصرف المشركون من أُحُد، وأصابَ النبيَّ / وأصحابه ما
أصابهم، خاف أن يرجعوا، فقال: ((من يَنتدبُ لهؤلاء حتى يعلموا أنَّ بنا قوَّةٌ؟)) قال:
فانتَدَب أبو بكر والزُّبير في سبعين؛ فخرجوا في آثار القوم، فسمعوا بهم، وانصرفوا
بنعمةٍ من الله وفضل(٤).
وأشارت عائشةُ رضي الله عنها إلى ما جرى في غزوة حَمْراء الأسد، وهي على
نحو ثمانية أميالٍ من المدينة، وذلك أنه لما كان في يوم الأحد، وهو الثاني من يوم
أُحُد، نادى رسولُ اللـه ﴾ في الناس باتّباع المشركين، وقال: ((لا يخرجْ معنا إلا من
شهدها بالأمس))(٥)، فنهض معه مئتا رجلٍ من المؤمنين - في البخاري(٦): فقال: ((من
يذهبُ في إثرهم؟))، فانتدب منهم سبعون رجلاً. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير على
= الحلبي في الدر المصون ٤٨٧/٣، فقال: وهذا غلط؛ لأن هذا ليس بمفيد البتة، بل ((من بعد» متعلق
باستجابوا. اهـ. يعني أن الخبر: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْاْ أَجْرُّ عَظِيمٌ﴾. وينظر إعراب القرآن للنحاس ٤١٩/١.
(١) قائله كعب بن سعد الغنوي، والبيت في تأويل مشكل القرآن ص١٧٧، وأمالي القالي ٢/ ١٥١،
وأمالي ابن الشجري ٩٥/١، والخزانة ٤٣٦/١٠، وصدره: وداع دعا يا من يجيب إلى النَّدى.
(٢) كذا في النسخ، وتلخيص مسلم لأبي العباس القرطبي وشرحه المفهم ٦/ ٢٩١، وأما لفظ مسلم: كان
أبواك.
(٣) صحيح البخاري (٤٠٧٧)، وصحيح مسلم (٢٤١٨): (٥٢) وفيهما: كان أبواك.
(٤) انظر تفسير الطبري ٦/ ٢٤١ - ٢٤٢، وأسباب النزول للواحدي ص ١٢٦ - ١٢٧ .
(٥) المفهم ٦/ ٢٩١ - ٢٩٢، وانظر سيرة ابن هشام ٢ / ١٠١ .
:.
(٦) هو حديث البخاري (٤٠٧٧) المذكور آنفاً.

٤٢٠
سورة آل عمران: الآية ١٧٢
ما تقدَّم - حتى بلغ حمراءَ الأَسد، مُرْهِباً للعدوّ؛ فرُبَّما كان فيهم المُثْقَلُ بالجراحِ، لا
يستطيع المشيَ، ولا يجد مركُوباً، فرُبَّما يُحمل على الأعناق؛ وكلُّ ذلك امتثالٌ لأمر
رسولِ اللهِ﴾، ورغبةٌ في الجهاد.(١)
وقيل: إنَّ الآيةَ نزلت في رجلين من بني عبدِ الأشْهَلِ؛ كانا مُثْخَنَين بالجراح،
فتوكّاً(٢) أحدُهما على صاحبه، وخرجا مع النبيِّ ◌َ﴾(٣)؛ فلما وصلوا حمراءَ الأسد،
لقيَهم نُعيم بنُ مسعود، فأخبرهم أنَّ أبا سفيان بنَ حرب ومن معه من قريشٍ قد جَمَعُوا
جُموعَهم، وأجمعوا رأيَهم على أن يرجعوا(٤) إلى المدينة، فيستأصلوا أهلَها؛ فقالوا
ما أخبرنا الله عنهم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
وبينا قريشٌ قد أجمعوا على ذلك؛ إذ جاءهم مَعْبِدٌ الخُزَاعِيُّ، وكانت خُزاعةٌ
حُلِفاءَ النبيِّ :﴿ وعَيْبَةَ نُصْحِه(٥)، وكان قد رأى حالَ أصحاب النبيِّ ﴿ وما هم عليه؛
ولمَّا رأى عزمَ قريشٍ على الرجوع ليستأصلوا أهل المدينةِ، احتمله خوفُ ذلك،
وخالِصُ نصحِه للنبيِّ ﴾ وأصحابه على أنْ خَوَّفَ قريشاً بأنْ قال لهم: قد تركت
محمداً وأصحابه بحمراء الأسدِ في جيشٍ عظيم، قد اجتمع له من كان تخلَّف عنه،
وهم قد تحرَّقوا عليكم ، [وكأنهم قد أدركوكم]، فالنَّجاءَ النَّجاء!(٦) فإني أنهاك عن
ذلك(٧)، فواللهِ لقد حملني ما رأيتُ أنْ قلتُ فيه أبياتاً من الشِّعر. قال: وما قلتَ؟
قال: قلت :
كادت تُهَدُّ من الأصوات راحِلَتي
إذ سالت الأرضُ بالجُرْد الأبابيلِ (٨)
(١) ينظر المفهم ٦/ ٢٩٢.
(٢) في (م): يتوكأ.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠١، وتفسير الطبري ٦/ ٢٤٠ - ٢٤١، ودلائل البيهقي ٣١٤/٣، وليس عندهم
أن الآية نزلت فيهما.
(٤) في (م): يأتوا.
(٥) قوله: عَيْبة نُصحِه، أي: موضع سرِّه، القاموس (عيب).
(٦) المفهم ٢٩٢/٦، وما بین حاصرتين منه.
(٧) هو من كلام معبد الجهني يخاطب أبا سفيان بن حرب، وانظر سيرة ابن هشام ١٠٢/٢ .
(٨) قوله: الجُرد جمع أجرد، وهو القصير الشعر من الخيل، وقيل: الخيل العتاق. ينظر الإملاء المختصر
في شرح غريب السِّير لأبي ذر الخشني ١١٨/٢، واللسان (جرد). والأبابيل: الجماعات المتفرقة . =