النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سورة آل عمران: الآية ١٥٩
عن رأيهم بوحيه. رُوي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق والشافعي(١). قال
الشافعيُّ: هو كقوله: ((والبِكر تُستأمَر)) تطييباً (٢) لقلبها، لا أنَّه واجبٌ(٣).
وقال مقاتل وقتادة والربيع: كانت ساداتُ العرب إذا لم يُشاوَروا في الأمر شقَّ
عليهم، فأمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يشاورَهم في الأمر؛ فإن ذلك
أعطفُ لهم عليه، وأذهبُ لأضغانِهم، وأطيبُ لنفوسهم، فإذا شاورهم عرفوا إكرامَه
(٤)
لهم(٤).
وقال آخرون: ذلك فيما لم يأته فيه وَحِيٌّ، رُوي ذلك عن الحسن البصريِّ
والضحاك قالا: ما أمر الله تعالى نبيَّه بالمشاورة لحاجةٍ منه إلى رأيهم، وإنما أرادَ أن
يعلّمَهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتديَ به أمتُه من بعده(٥).
وفي قراءة ابن عباس: ((وشاوِرْهُمْ في بعض الأمر))(٦).
ولقد أحسن القائل:
واقْبَلْ نصيحةَ ناصحٍ مُتفضِّلٍ
شاوِرْ صديقَك في الخَفيِّ المُشكِلِ
في قوله: شاوِرْهُمُ وتَوَكَّلٍ
فاللهُ قد أوصى بذاك نبيَّه
الرابعة: جاء في مصنَّفِ أبي داود(٧) عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴾.
((المُسْتَشّارُ مُؤْتَمَن)).
قال العلماء: وصِفةُ المستشار إن كان في الأحكام أن يكونَ عالماً دَيِّناً، وقلَّما
(١) أخرج أقوالهم الطبري ٦/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٢) في (ظ) و (م): تطيباً.
(٣) زاد المسير ٤٨٨/١، وأخرج الحديث الشافعي في مسنده ١٢/٢ (بترتيب السندي)، وأحمد (١٨٨٨)،
ومسلم (١٤٢١) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) تفسير البغوي ٣٦٥/١ .
(٥) أخرجهما الطبري ١٨٩/٦ - ١٩٠، وابن أبي حاتم ٨٠١/٣ .
(٦) المحتسب ١٧٥/١، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٢٥٧).
(٧) برقم (٥١٢٨)، وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب المفرد (٢٥٦)، والترمذي (٢٨٢٢)، وابن ماجه
(٣٧٤٥)، وصححه ابن حبان (١٩٩١) (زوائد).

٣٨٢
سورة آل عمران: الآية ١٥٩
يكونُ ذلك إلا في عاقل. قال الحسن: ما كَمُل دِينُ امرئٍ ما لم يكملْ عقلُهُ(١). فإذا
استُشيرَ مَن هذه صفته، واجتَهدَ في الصَّلاحِ، وبذلَ جهدَه، فوقعت الإشارةُ خطأً، فلا
غرامةَ عليه، قاله الخطّابيُّ وغيرُه(٢).
الخامسة: وصِفةُ المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مُجرَّباً (٣) وادّاً في
المُستَشير(٤). قال:
شاوِرْ صديقَك في الخفيِّ المُشْكِلِ
وقد تقدَّم.
وقال آخر:
فشاوِرْ لبيباً ولا تَعْصِهِ
وإنْ بَابُ أمرٍ عليك الْتَوَى
في أبیات(٥).
والشُّورى بركةٌ، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما نَدِمَ مَن اسْتَشار، ولا خاب من
اسْتخار))(٦).
وروى سهلُ بنُ سعد السَّاعديّ عن رسول الله ﴾: ((ما شَقِيَ قطّ عبدٌ بمشورة،
وما سَعِدَ باستغناء رأي))(٧).
وقال بعضهم: شاوِرْ من جرَّب الأمور؛ فإنه يُعطيك من رأيه ما وقع عليه غالياً
(١) المحرر الوجيز ٥٣٤/١
(٢) معالم السنن ١٤٩/٤.
(٣) في (ظ): وكذا.
(٤) المحرر الوجيز ٥٣٤/١.
(٥) أوّلها:
فأرْسِلْ حكيماً ولا توصِهِ
إذا كنت في حاجة مُرسِلاً
وتنسب لعبدالله بن معاوية كما في ديوانه ص٥١ ، وللزبير بن عبد المطلب كما في طبقات فحول
الشعراء ص٢٤٦ ، ولصالح بن عبد القدوس كما في بهجة المجالس ٤٥٦/١.
(٦) المحرر الوجيز ٥٣٤/١، وسلف الحديث في المسألة الثانية.
(٧) أخرجه الشهاب القضاعي في مسنده (٧٧٣)، وفيه سليمان بن عمرو أبو داود النخعي، قال أحمد بن
حنبل: كان يضع الحديث، وقال البخاري: متروك. ميزان الاعتدال ٢١٦/٢.

٣٨٣
سورة آل عمران: الآية ١٥٩
وأنت تأخذه مجّاناً. وقد جعل عمر بن الخطاب ﴾ الخلافةَ - وهي أعظمُ النَّوازل -
شوری(١).
قال البخاريُّ(٢): وكانت الأئمةُ بعد النبيِّ ﴾ يستشيرون الأمناءَ من أهل العلم في
الأمور المُباحة ليأخذوا بأسهلها.
وقال سفيان الثوريُّ: ليكن أهلُ مشورتك أهلَ التَّقوى والأمانة، ومَن يخشى الله
تعالی.
وقال الحسن: والله ما تَشَاور قومٌ بينهم إلا هَدَاهم لأفضلٍ ما بحضرتهم (٢).
ورُوي عن عليّ بن أبي طالب ﴾ قال: قال رسول الله :18: ((ما من قوم كانت لهم
مشورةٌ، فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد، فأدخلوه في مشورتهم إلا خِيرَ
لهم»(٤).
السادسة: والشُّورى مبنيَّةٌ على اختلاف الآراء، والمستشيرُ ينظرُ في ذلك
الخلاف، وينظرُ أقرَبَها قولاً إلى الكتاب والسنة إن أمكنَه، فإذا أرشدَه الله تعالى إلى
ما شاء منه، عَزَمَ عليه وأنفذه متوكِّلاً عليه، إذْ هذه غايةُ الاجتهاد المطلوب، وبهذا
أمر الله تعالى نبيَّه في هذه الآية(٥).
السابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الَّهِ﴾ قال قتادة: أمرَ الله تعالى نبيَّه
(١) المحرر الوجيز ٥٣٤/١.
(٢) في باب قوله تعالى ﴿وَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ فتح الباري ٣٣٩/١٣.
(٣) في (د) و (م): يحضر بهم، وفي (ظ): يحضرهم، والمثبت من (خ) و (ز) و(ف) وأخرج الأثر البخاري
في الأدب المفرد (٢٥٨)، والطبري ٦/ ١٩٠، وابن أبي حاتم ٨٠١/٣.
(٤) أخرجه ابن النجار في تاريخه - كما في اللآلئ المصنوعة للسيوطي ٩٦/١ - وفيه أبو بكر محمد بن
أحمد بن محمد المفيد، قال الذهبي في الميزان ٣/ ٤٦٠: روى مناكير عن مجاهيل، وهو متَّهم. وأخرج
نحوه ابن عدي في الكامل ١٧٢/١ - ١٧٣، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٩٢) ، وفيه:
فلم يحضروه معهم إلا لم يبارك لهم فيه. قال ابن عدي: هذا حديث غير محفوظ، [فيه] أحمد الشامي
هو عندي ابن كنانة، وهو منكر الحديث. وعثمان الطرائفي عنده عجائب يروي عن المجهولين، وأورده
الذهبي في الميزان في ترجمة أحمد الشامي ١٢٩/٣ في جملة أحاديث ثم قال: وهذه أحاديث مكذوبة.
(٥) المحرر الوجيز ١/ ٥٣٤ .

٣٨٤
سورة آل عمران: الآية ١٥٩
عليه الصلاة والسلام إذا عزمَ على أمرٍ أن يَمضيَ فيه، ويتوَكَّلَ على الله، لا على
مشاورتهم(١).
والعزم: هو الأمر المُروَّى المُنَفَّح، وليس ركوبُ الرأي دون رويَّةٍ عَزْماً، إلا على
مَقطع المُشيحين(٢) من فُتَّاك العرب، كما قال:
وَنكَّبَ عن ذكرِ العواقبِ جانبا
إذا هَمَّ ألقَى بين عينيه عَزْمَهُ
ولم يَرْضَ إلا قائم السَّيفِ صاحبا(٣)
ولم يَستَشِرْ في رأيه غيرَ نفسِه
وقال النّقَّاش: العزمُ والحزم واحد، والحاءُ مبدَلةٌ من العين.
قال ابن عطية(٤): وهذا خطأ، والحزم جَودةُ النظرِ في الأمر وتنقيحُه، والحذرُ
من الخطأ فيه. والعزمُ قَصْدُ الإمضاء، والله تعالى يقول: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَنْ فَإِذَا
عَبْتَ﴾، فالمشاوَرَةُ وما كان في معناها هو الحزمُ. والعرب تقول: قد أَحزِمُ لو
و(٥)
أَعزِمُ(٥).
وقرأ جعفر الصَّادق وجابرُ بن زيد: ((فَإِذَا عَزَمْتُ)) بضم التاء(٦). نسب العزمَ إلى
نفسه سبحانه؛ إذ هو بهدايته وتوفيقه، كما قال: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَّيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ
رَى﴾ [الأنفال: ١٧]، ومعنى الكلام أي: عزمتُ لك ووفَّقتُك وأرشدتُك، فتوكّل على
الله. والباقون بفتح التاء(٧).
قال المهلّب: وامتثل هذا النبيُّ ﴾ من أمرِ ربِّه، فقال: ((لا ينبغي لنبيِّ يلبَسُ لَأُمتَه
(١) أخرجه الطبري ٦/ ١٩٢.
(٢) المشيح: الحَذِر الجادُّ في الأمر المانعُ لما وراء ظهره. اللسان (شيح).
(٣) المحرر الوجيز ٥٥١/١، والبيتان لسعد بن ناشب المازني، من كلمة له في ديوان الحماسة ٧٣/١ -٧٤
(بشرح المرزوقي)، والكامل للمبرد ٢٦٨/١، والشعر والشعراء ص٦٩٦، وخزانة الأدب ١٤١/٨.
(٤) المحرر الوجيز ١/ ٥٥١ وعنه نقل المصنف قول النقاش.
(٥) الكامل للمبرد ١١٧/١، ومجمع الأمثال ١٠٤/٢، والمستقصى ١٨٩/٢. قال الميداني: إن عزمتُ
الرأيَ وأمضيتُه فأنا حازم، وإن تركتُ الصواب وأنا أراه وضيَّعتُ العزم لم ينفعني حزمي.
(٦) المحتسب ١ / ١٧٦، والقراءات الشاذة ص٢٣، وإعراب القرآن ٤١٦/١ للنحاس، والمحرر الوجيز
٥٣٤/١ .
(٧) هي قراءة الجمهور، وكان من الأنسب أن يعبّر بذلك، وليس كما قال: الباقون.

٣٨٥
سورة آل عمران: الآية ١٥٩
أن يضعَها حتى يَحكُم الله))(١). أي: ليس ينبغي له إذا عَزَمَ أن ينصرفَ؛ لأنه نَقْضٌ
للتوكُّل الذي شَرَطَه الله عزَّ وجلَّ مع العزيمة. فلُبسُه لَأُمتَه # - حين أشار عليه
بالخروج يوم أُحد مَنْ أكرمَه الله بالشهادة فيه، وهم صُلحاءُ المؤمنين ممَّن كان فاتته
بدرٌ: يا رسول الله اخرج بنا إلى عدوِّنا ــ دالٌّ على العزيمة.
وكان # أشار بالقُعود، وكذلك عبدُ الله بن أُبيّ أشار بذلك وقال: أقم یا
رسول الله، ولا تَخرُجْ إليهم بالناس، فإنْ هم أقاموا، أقاموا بشرِّ مجلس(٢)، وإن
جاؤوا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية وأفواه السِّكك، ورماهم النساءُ والصبيانُ
بالحجارة من الآطام(٣)، فوالله ما حارَبَنا قظُ عدوٌّ في هذه المدينة إلا غَلَبْناه، ولا
خرجْنا منها إلى عدوٍّ إلا غَلَبَنا. وأبى هذا الرأيّ مَن ذكرنا، وشجَّعوا الناسَ، ودَعَوْا
إلى الحرب. فصلَّى رسول اللـه ﴿ الجمعة، ودخل إثْر صلاتِه بيته، ولبس سلاحَه،
فندِمَ أولئك القوم وقالوا: أكْرَهْنا رسولَ الله﴾. فلما خرج عليهم في سلاحه
قالوا: يا رسول الله، أقِمْ إن شئتَ، فإنَّا لا نريد أن نُكْرِهَك، فقال النبيُّ ﴾: ((لا
ينبغي لنبيٍّ إذا لبسَ سلاحَه أن يضعَها حتى يقاتل))(٤).
الثامنة: قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِينَ﴾ التَّوكُّلُ: الاعتمادُ على
الله مع إظهار العجز، والاسم: التُّكْلان. يقال منه: اتَّكلْتُ عليه في أمري، وأصلُه:
إِوْتَكَلْتُ؛ قُلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلَها، ثم أُبدلت منها التاء وأدغمت في تاء
الافتعال. ويقال: وَكَّلْتُه بأمري تَوكيلاً، والاسم: الوكالة، بكسر الواو وفتحِها(٥).
واختلف العلماء في التوكُّل، فقالت طائفة من المتصوِّفة: لا يستحقُّه إلا مَن لم
يُخالِط قلبَه خوفُ غير الله من سَبُع أو غيره، وحتى يتركَ السعيّ في طلب الرِّزق
(١) علَّقه البخاري في صحيحه، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ فتح الباري ٣٣٩/١٣، وسترد
القصة في نهاية الخبر. واللَّأُمة: الدِّرْع، وقيل: سلاحُ الحرب وأداتُه. النهاية (الأم).
(٢) في سيرة ابن هشام ٢/ ٦٣ (والخبر فيه بنحوه): محّبِس.
(٣) هي الأبنية المرتفعة، كالحصون. النهاية (أطم).
(٤) أخرج الخبر أحمد (١٤٧٨٧) من حديث جابر بن عبدالله ﴾، وأخرجه الحاكم ١٢٩/٢، والبيهقي في
دلائل النبوة ٢٠٤/٣-٢٠٥ من حديث ابن عباس ، وينظر الفتح ٣٤١/١٣، وسيرة ابن هشام ٢/ ٦٣ .
(٥) الصحاح (وكل).

٣٨٦
سورة آل عمران: الآيتان ١٥٩ - ١٦٠
لضمان الله تعالى.
وقال عامَّةُ الفقهاء ما تقدَّم ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَعَلَ اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
[آل عمران: ١٢٢]، وهو الصحيح كما بيَّناه(١).
وقد خاف موسى وهارون بإخبار الله تعالى عنهما في قوله: ﴿لَا تَخَافَآَ﴾
[طه: ٤٦]، وقال: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ، خِيفَةٌ مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ [طه: ٦٧ - ٦٨]، وأخبر عن
إبراهيم بقوله: ﴿فَلَمَّا رَءَا أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُواْ لَا تَخَفْ﴾
[هود: ٧٠]. فإذا كان الخليلُ وموسى الكليمُ قد خافا - وحسبُك بهما - فغيرُهما أولى.
وسيأتي بيانُ هذا المعنى.
قوله تعالى: ﴿إِن يَنصُرّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمَّ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُكُمْ
مِّنْ بَعْدِهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
قوله تعالى: ﴿إِن يَنصُرَّكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُمّ﴾ أي: عليه توكَّلوا، فإنه إن يُعِنْكم
ويمنعْكم من عدوِّكم لن تُغلبوا. ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾: يتركْكُم من معونته، ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِى
يَنصُرُّكُمْ مِنْ بَعْدِهُ﴾ أي: لا ينصُرُكم أحدٌ من بعده، أي: من بعد خِذْلانه إيَّاكم؛ لأنه
قال: ﴿وَإِن يَخْذُلَكُمْ﴾. والخِذلانُ: تركُ العَوْن، والمخذُول: المتروكُ لا يُعْبَأ به،
وخَذَلت الوحْشِيَّة: أقامت على ولدها في المرعى، وتركت صواحباتِها، فهي خَذُول.
قال طَرَّفة :
خَذُولٌ تُراعي رَبْرَباً بِخَميلةٍ تَناولُ أطرافَ البَرِيرِ وتَرْتَدي (٢)
وقال أيضاً :
نَظَرَتْ إليك بعينٍ جارية خَذَلتْ صواحِبَها على طِفْلٍ(٣)
وقيل: هذا من المقلوب؛ لأنها هي المخذولة إذا تُرِكَتْ.
وتخاذلت رجلاه: ضَعُفَتا. قال:
(١) ص٢٩١ من هذا الجزء.
(٢) ديوانه ص٢١. قال شارحه: الربرب: القطيع من الظِّباء وبقر الوحش، والخَمِيلة: أرضٌ ذات شجر،
والبرير: ثمر الأراك المدرك البالغ.
(٣) لم نقف عليه.

٣٨٧
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٠ - ١٦١
وخَذُولِ الرِّجْلِ مِنْ غيرٍ كَسَحْ(١)
ورجل خُذَلَة: للذي لا يزال يَخْذُل(٢). والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلُّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا عَلَّ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ ثُمَّ تُوَلَّى
كُلُ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
فیه إحدى عشرة مسألة:
الأولى: لمَّا أخلَّ الرُّماةُ يومَ أُحُدٍ بمراكزهم - على ما تقدَّم(٣) - خوفاً من أن
يستوليَ المسلمون على الغنيمة، فلا يُصرفّ إليهم شيءٌ، بَيِّنَ الله سبحانه أنَّ النبيَّ ◌َ﴾
لا يجورُ في القِسْمة، فما كان من حقِّكم أن تَّهموه(٤).
وقال الضخَّاك: بل السببُ أن رسول الله ﴿ بعَثَ طلائعَ في بعض غزواته، ثم
غَيْمَ قبل مجيئهم، فقسَمَ للناس، ولم يقسِمْ للطّلائع، فأنزل الله عليه عتاباً: ﴿وَمَا كَانَ
لِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: يقسمَ لبعض ويتركَ بعضاً. ورُوي نحو هذا القول عن ابن عباس (٥).
وقال ابنُ عباس أيضاً وعِكْرمةُ وابن جُبير وغيرهم: نزلت بسبب قطيفةٍ حمراءَ
فُقِدت من المَغانم يومَ بدر، فقال بعضُ مَنْ كان مع النبيِّ:﴿: لعلَّ رسولَ الله ﴿(٦)
أخَذَها، فنزلت الآيةُ. أخرجه أبو داود والتِّرمذِيُّ، وقال: هذا حديثٌ حسن غريب(٧).
قال ابنُ عطية(٨): قيل: كانت هذه المقالةُ من مؤمنين لم يظنُّوا أن في ذلك
حَرَجَاً. وقيل: كانت من المنافقين، وقد رُويَ أن المفقودَ كان سيفاً. وهذه الأقوال
(١) عجز بيت للأعشى، وصدره: بينَ مغلوبٍ تَلِيلٍ خَذُّهُ. وهو في ديوانه ص٢٩٣ .
(٢) مجمل اللغة ٢٨١/١، ومقاييس اللغة ١٦٥/٢ .
(٣) ص٣٥٨ من هذا الجزء .
(٤) تفسير البغوي ٣٦٦/١.
(٥) تفسير الطبري ٦/ ١٩٦ - ١٩٧ .
(٦) في (د) و (م): لعل أن يكون رسول الله ◌ِ﴾.
(٧) سنن أبي داود (٣٩٧١)، وسنن الترمذي (٣٠٠٩) وهو من طريق خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس
رضي الله عنهما، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ... وروى بعضهم هذا الحديث عن خُصيف،
عن مقسم، ولم يذكر فيه عن ابن عباس.
(٨) المحرر الوجيز ٥٣٥/١.

٣٨٨
سورة آل عمران: الآية ١٦١
تُخَرَّج على قراءة: ((يَغُلَّ) بفتح الياء وضمِّ الغين(١).
وروى أبو صخرٍ عن محمد بن كعب: ﴿وَمَا كَانَ لِيّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قال: يقولُ: وما
كان لنبيِّ أن يكتُمَ شيئاً من كتاب الله.
وقيل: اللامُ فيه منقولةٌ، أي: وما كان نبيٌّ لِيَغُلَّ، كقوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن
وَلَدٍّ سُبْحَتَهُ؟﴾ [مريم: ٣٥] أي: ما كان الله ليتَّخِذَ ولداً (٢).
وقُرئ: ((يُغَلَّ)، بضمِّ الياء وفتح الغين(٣).
قال ابن السِّكِيت(٤): (وأما المَغْنم فلم نسمَعْ فيه إلا: غَلَّ يَغُلُّ غُلولاً، وقُرئ في
كتاب الله عز وجل]: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيّ ◌َنْ يَغُلِّ﴾ و((يُغَلّ)). قال: فمعنى(٥) (يَغُل)):
يَخُون، ومعنى ((يُغَلّ)): يُخَوَّن، ويحتمل معنيين: أحدُهما يُخان، أي: يُؤخَّذ من
غنيمته، والآخر يُخَوَّن، أي: يُنسب إلى الغُلُول(٦). ثم قيل: إنَّ كلَّ من غَلَّ شيئاً في
خفاءٍ، فقد غَلَّ يَغُلُّ غُلولاً.
قال ابنُ عَرَفة: سُمِّيت غُلولاً؛ لأن الأيديَ مَغلولةٌ منها، أي: ممنوعة.
وقال أبو عُبيد(٧): الغُلُول من المَغْنم خاصَّةً، ولا نراه من الخيانة ولا من الحِقْد،
ومما يُبَيِّن ذلك أنه يقال من الخيانة: أَغَلَّ يُغِلُّ، ومن الحِقْد: غَلَّ يَغِلُّ؛ بالكسر، ومن
الغُلول: غَلَّ يَغُلُّ بالضم. وغَلَّ البعيرُ أيضاً: إذا لم يَقْضِ رِيَّه، وأَغَلَّ الرجلُ: خان،
قال النَّمِرُ:
جزى الله عنَّا حمزة ابنةَ نَوْفَلٍ
جزاءً مُغِلٌّ بالأمانة كاذب(٨)
(١) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم. السبعة ص٢١٨، والتيسير ص٩١ .
(٢) معاني القرآن للنحاس ٥٠٣/١، وتفسير البغوي ٣١٢/١.
(٣) وهي قراءة نافع وحمزة الكسائي وابن عامر. السبعة ص٢١٨، والتيسير ص٩١.
(٤) إصلاح المنطق ص٢٩٦ ، وما بين حاصرتين منه.
(٥) في (د): قال: يجور، وقيل: معنى.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٥٠٤/١، وردّ المعنى الثاني وقال: لا يصحّ.
(٧) غريب الحديث ٢٠٠/١ .
(٨) الصحاح، واللسان (غلل)، ووقع في الأغاني ٢٧٦/٢٢: جمرة، وذكر أبو الفَرَج فيه أنها امرأة =

٣٨٩
سورة آل عمران: الآية ١٦١
وفي الحديث: ((لا إِغْلالَ ولا إسْلال))(١) أي: لا خيانةً ولا سرقة، ويقال: لا
رِشْوة. وقال شُرَيح: ليس على المُسْتعير غير المُغِلِّ ضَمانٌ(٢).
وقال﴾: ((ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ مؤمن))(٣). من رواه بالفتح فهو من
الضِّغْنِ(٤).
وغَلَّ [أيضاً: دخل] يتعدّى ولا يتعدَّى، يقال: غَلَّ فلان المفاوز، أي: دخلَها
وتوسَّطَها، وغَلَّ من المغنم غُلولاً، أي: خان، وغَلَّ الماءُ بين الأشجار: إذا جرى
فيها ، يَغُلُّ، بالضمِّ في جميع ذلك.
وقيل: الغُلُول في اللغة: أن يأخذَ من المَغْنَم شيئاً يستُره عن أصحابه، ومنه
تَغَلْغل الماءُ في الشجر: إذا تخللَّها، والغَلَل: الماء الجاري في أصول الشجر؛ لأنه
مستترٌ بالأشجار، كما قال:
لَعِبَ السُّيُولُ به فأصبحَ ماؤه
غَلَلًا تَقَطَّعَ في أصولِ الخِرْوَعِ (٥)
ومنه الغِلَالة: للثوب الذي يُلبس تحت الثياب، والغالُّ: أرضٌ مطمئنةٌ ذاتُ
شجر. ومنابتُ السَّلْم(٦) والطَّلْح يقال لها: غالٍّ. والغالُّ أيضاً: نَبْت، والجمع غُلَّان
(٧)
بالضم(٧).
. وقال بعض الناس: إن معنى ((يُغَلّ)) يوجد غالاً، كما تقول: أحمدتُ الرجلَ:
وجدتُه محموداً، فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى ((يَغُلّ)) بفتح الياء وضم
= أسرّها الحارث من بني أسد (أخو النمر)، ووهبها له، فكرهته، فحبسها عنده وولدت له، ثم طلبت أن
تزور أهلها وواثقته لترجعنَّ إليه، فنقضت عهدها ولم ترجع إليه.
(١) هو قطعة من حديث صلح الحديبية، أخرجه أحمد (١٨٩١٠) وأبو داود (٢٧٦٦) من حديث المسور
ابن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله عنهما.
(٢) تفسير الطبري ١٩٨/٦ .
(٣) أخرجه أحمد (٢١٥٩٠)، والترمذي (٢٦٥٨)، وابن ماجه (٢٣٠) من حديث زيد بن ثابت ﴾.
(٤) غريب الحديث لأبي عبيد ١٩٩/١ - ٢٠٠ .
(٥) البيت للحادرة، وهو في ديوانه ص ٥٠ ، والخِرْوَع: نبت لا يُرعى. القاموس (خرِع).
(٦) في (خ): الساح، وفي (ظ): الساج، والسَّلْم: شجر، كما في القاموس.
(٧) الصحاح: (غلل): وما سلف بين حاصرتين منه.

٣٩٠
سورة آل عمران: الآية ١٦١
الغين.
ومعنى ((يُغَلّ)) عند جمهور أهل العلم أي: ليس لأحدٍ أن يَغُلَّه، : أي: يخونَه في
الغنيمة .
فالآية في معنى نَهْي الناس عن الغُلول في الغنائم، والتَّوَغُد عليه. وكما لا يجوزُ
أن يُخان النبيُّ #؛ لا يجوز أن يُخان غيرُه، ولكن خصَّه بالذِّكر؛ لأن الخيانة معه أشدُّ
وقْعاً وأعظمُ وِزْراً؛ لأن المعاصيّ تَعُظُم بحضرته؛ لِتعيُّنِ توقيره. والولاة إنما هم على
أمر النبيَِّ﴾، فلهم حظّهم من التَّوقير(١).
وقيل: معنى ﴿يَغُلّ﴾ أي: ما غَلّ نبيِّ قٌ، وليس الغرضُ النَّهْيَ.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا عَلَّ يَوْمَ الْقِيَّمَةِ﴾ أي: يأتي به حاملاً له
على ظهره ورقبته، مُعذَّباً بحمله وثِقَله، ومَرعُوباً بصوته، ومُوَبَّخاً بإظهار خيانته على
رؤوس الأشهاد؛ على ما يأتي (٢).
وهذه الفضيحة التي يُوقِعُها الله تعالى بالغالِ نظيرُ الفضيحة التي تُوقَع(٣) بالغادر،
في أنْ يُنصَبَ له لواءٌ عند استِهِ بقدر غَدْرَتِه(٤). وجعل الله تعالى هذه المعاقباتِ حَسْبَما
يَعْهَدُه البشر ويَفْهُمُونه، ألا ترى إلى قول الشاعر(٥):
أَسْمَيَّ ويحَكِ هل سمعتٍ بِغَدْرةٍ رُفِعَ اللواءُ لنا بها في المَجْمَعِ
وكانت العرب ترفعُ للغادِرِ لِواءٌ، وكذلك يُطافُ بالجاني مع جِنايته(٦).
(١) المحرر الوجيز ٥٣٦/١.
(٢) في حديث مسلم الذي سيذكره قريباً.
(٣) في (ظ): يوقعها.
(٤) في المحرر الوجيز ٥٣٦/١ - والكلام منه -: ينصب له لواء بغدرته حسب قوله عليه الصلاة والسلام.
وأخرج أحمد (١١٣٠٣)، ومسلم (١٧٣٨): (١٥) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي# قال:
((لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به عند اسْتِهِ)). وأخرجه البخاري (٣١٨٨) ومسلم (١٧٣٥) من حديث
ابن عمر رضي الله عنهما دون قوله: ((عند اسْتِه)).
(٥) هو الحادرة، والبيت في ديوانه ص٥١ .
(٦) المحرر الوجيز ٥٣٦/١.

٣٩١
سورة آل عمران: الآية ١٦١
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة قال: قامَ فينا رسولُ الله # ذاتَ يوم، فذكر
الغُلُول، فعظّمه، وعظّمَ أمره، ثم قال: ((لا أُلِفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامة؛ على
رقبته بَعِيرٌ له رُغاء، يقول: يا رسول اللهِ، أغثني، فأقولُ: لا أملكُ لك شيئاً، قد
أبلغتُك.
لا أُلْفِيَنَّ أحدكم يجيءُ يوم القيامة؛ على رقبته فرسٌ له حَمْحَمَة، فيقول: يا رسول
الله، أغثني، فأقول: لا أملكُ لك شيئاً، قد أبلغتُك.
لا أُلْفِيَّنَّ أحدكم يجيءُ يوم القيامة على رقبته شاةٌ لها ثُغاء، يقول: يا رسول الله
أغثني، فأقول: لا أملكُ لك شيئاً، قد أبلغتُك.
لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يوم القيامة؛ على رقبته نَفْسٌ لها صِياحٌ، فيقول: يا رسول
الله، أغثني، فأقول: لا أملكُ لك شيئاً، قد أبلغتُك.
لا أُلْفِيَّنَّ أحدَكم يجيءُ يوم القيامة؛ على رقبته رِقائٌ تَخْفِقُ، فيقول: يا رسول
الله، أغثني، فأقول: لا أملكُ لك شيئاً، قد أبلغتُك.
لا أُلْفِيَنَّ أحدكم يجيءُ يوم القيامة؛ على رقبته صامِتٌ، فيقول: يا رسول الله،
أغثني، فأقول: لا أملكُ لك شيئاً، قد أبلغتُكَ))(١).
وروى أبو داود(٢) عن سمرة بن جُندُب(٣) قال: كان رسول الله ﴾ إذا أصابَ
غَنِيمةٌ؛ أمر بلالاً، فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فَيَخْمُسُه ويَقسِمُه، فجاء
رجلٌ يوماً بعد النداء بزمام من الشّعر، فقال: يا رسول الله، هذا كان فيما أصبناه من
الغنيمة. فقال: ((أسمعتَ بلالاً ينادي ثلاثاً))؟ قال: نعم. قال: ((فما منعك أن تجيءَ
(١) صحيح مسلم (١٨٣١)، وأخرجه أيضاً البخاري (٣٠٧٣)، وهو في المسند (٩٥٠٣). قوله: ((رِقاع
تخفق))، أي : تحركها الرياح فتضطرب، وأراد بالرِّقاع: ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرِّقاع،
و ((الصامت)): الذهب والفضة. المفهم ٢٩/٤، والنهاية (رقع).
(٢) في سننه (٢٧١٢).
(٣) كذا أورده المصنف عن سمرة بن جندب ، وكذا أورده ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وهو وهم، فقد
أخرجه أبو داود من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (٢٧١٢)، وذكره المزي في
تحفة الأشراف ٣٤٧/٦ . أما حديث سمرة بن جندب فهو عند أبي داود (٢٧١٦) بلفظ: أما بعد، وكان
رسول الله يقول: ((من كتم غالاً فهو مثله)». وحديث ابن عمرو في المسند رقم (٦٩٩٦).

٣٩٢
سورة آل عمران: الآية ١٦١
به))؟ فاعتذر إليه، فقال: «كُنْ(١) أنت تجيءُ به يومَ القيامة، فلن أقْبَلَه منك».
قال بعض العلماء: أراد: يُوافَى بوزر ذلك يومَ القيامة، كما قال في آية أخرى:
﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١].
وقيل: الخبر محمولٌ على شهرة الأمر، أي: يأتي يوم القيامة قد شَهَّر الله أمرَه،
كما يُشَهَّر لو حملَ بَعِيراً له رُغاء، أو فرساً له حَمْحَمَةٌ.
قلت: وهذا عُدولٌ عن الحقيقة إلى المجاز والتَّشبيه، وإذا دَار الكلامُ بين الحقيقة
والمجاز؛ فالحقيقةُ الأصلُ؛ كما في كُتُب الأصول(٢). وقد أخبر النبي8ُّ# بالحقيقة،
ولا عِظْرَ بعد عَرُوس (٣).
ويُقال: إنَّ مَنْ غَلَّ شيئاً في الدنيا يُمَثَّلُ له يومَ القيامة في النار، ثم يُقَالُ له: انْزِلْ
إليه فَخُذْهِ، فَيَهِطُ إليه، فإذا انتهى إليه حَمَلَه، حتى إذا انتهى إلى الباب، سَقَط عنه إلى
أسفل جَهَنَّم، فيرجعُ إليه فيأخُذُه، لا يزالُ هكذا إلى ما شاء الله.
ويقال: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾: يعني تَشْهَدُ عليه يومَ القيامة تلك الخيانةُ والغُلولُ.
الثالثة: قال العلماء: والغُلولُ كبيرةٌ من الكبائر؛ بدليل هذه الآية، وما ذكرناه
من حديث أبي هُرَيرةً أَنَّه يحمِلُه على عُنُقِه. وقد قال:﴿ في مِذْعَم: ((والذي نفسي
بيده، إن الشَّمْلَةَ التي أخَذَ يومَ خيبرَ(٤) من المغانم لم تُصِبْها المقاسِمُ، لَتشتعلُ عليه
ناراً)). قال: فلمَّا سمع الناسُ ذلك جاء رجلٌ بِشِراكٍ أو شِراكَيْنٍ إلى رسول الله ﴾،
فقال رسول اللـه ﴾: ((شِراكٌ أو شِراكانٍ من نار)). أخرجه ((الموظّأ))(٥).
فقوله عليه الصلاة والسَّلام: ((والذي نفسي بيده))، وامتناعُه من الصَّلاة على مَنْ
غَلَّ(٦)، دليلٌ على تعظيم الغُلول وتعظيم الذَّنب فيه، وأنه من الكبائر، وهو من حقوق
(١) في النسخ: كلا، والمثبت من سنن أبي داود.
(٢) ينظر المستصفى ٢٣/١ وما بعدها، والمحصول ٣٣٩/١.
(٣) من أمثال العرب، ويروى: ولا مخبأ لعطر بعد عروس. مجمع الأمثال ٢١١/٢ .
(٤) في (ظ): أُحد، وهو خطأ.
(٥) ٢/ ٤٥٩، وأخرجه أيضاً البخاري (٤٢٣٤)، ومسلم (١١٥). ومدعم: عبد أسود أهداه رفاعة بن زيد
للنبي # يوم خيبر. الفتح ٧ /٤٨٩ .
(٦) سيرد ذكره في المسألة التالية.

٣٩٣
سورة آل عمران: الآية ١٦١
الآدميِّين، ولا بدَّ فيه من القصاص بالحسنات والسيِّئات، ثم صاحِبُه في المشيئة.
وقوله: ((شِراكٌ أو شِراكانٍ من نار)) مثل قوله: ((أَدُّوا الخِياطَ والمِخْيَط))(١). وهذا
يدلُّ على أنَّ القليل والكثيرَ لا يحلُّ أخذُه في الغَزْوِ قبل المَقَاسم، إلا ما أجمعوا عليه
من أكل المطاعم في أرض الغزو، ومن الاحتطاب، والاصطياد.
وقد رُوِيّ عن الزُّهْرِيِّ أنه قال: لا يؤخَذُ الطعام في أرض العدوِّ إلا بإذن الإمام.
وهذا لا أصلَ له؛ لأنَّ الآثار تُخالفه(٢)، على ما يأتي:
قال الحسن: كان أصحابُ رسول اللـهـ ﴾ إذا افتتحوا المدينةَ أو الحِصْنَ، أكلوا
من السَّوِيق والدقيق والسَّمْن والعسل.
وقال إبراهيم: كانوا يأكلون من أرض العدوِّ الطعامَ في أرض الحرب ويَعْلِفُون
قبل أن يُخَمِّسُوا.
وقال عطاء في الغزاة يكونون في السَّرِيَّة، فيصيبون أَنْحاء السمن والعسل
والطعام؛ قال: يأكلون(٣)، وما بقي ردُّوه إلى إمامهم(٤). وعلى هذا جماعةُ العلماء.
الرابعة: وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الغالَّ لا يُحرَقُ متاعُه؛ لأنَّ رسول الله ﴾
لم يُخْرِقِ رَحْل(٥) الذي أخذَ الشَّمْلة ولا متاعَه (٦)، ولا أحْرَقَ متاعَ صاحبِ الخَرَزات
الذي ترك الصلاةَ عليه، ولو كان حَرْقُ متاعِه واجباً لَفعلَهِ ﴾، ولو فعلَه لنُقل ذلك في
الحديث(٧).
(١) أخرجه مطولاً أحمد (٦٧٢٩)، وأبو داود (٢٦٩٤) والنسائي في المجتبى ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٤ من حديث
عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما. قوله: الخياط: الخيط، والمِخْيَط، بالكسر: الإبرة. النهاية (خيط).
(٢) التمهيد ١٨/٢ - ١٩.
(٣) في (د) و (م): فيأكلون، دون لفظ: قال.
(٤) الآثار الثلاثة عن الحسن وإبراهيم وعطاء أخرجها ابن أبي شيبة ١٢/ ٤٤٠. قوله: أنحاء السمن، واحده:
نِحْي، وهو زِقُّ السمن. الصحاح: (نحى).
(٥) في (د) و(م): متاع الرجل، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في التمهيد ٢١/٢.
(٦) قوله: ولا متاعه: ليس في (د) و (م).
(٧) التمهيد ٢١/٢. وحديث صاحب الخرزات أخرجه أحمد (١٧٠٣١)، وأبو داود (٢٧١٠) والنسائي
٦٤/٤، وابن ماجه (٢٨٤٨) من حديث زيد بن خالد الجهني أن رجلاً من المسلمين توفي بخيبر، =

٣٩٤
سورة آل عمران: الآية ١٦١
وأما ما رُوي عن عمر بن الخطّاب ، عن النبيِّ :﴿ قال: ((إذا وجدتُم الرجلَ قد
غَلَّ؛ فأحرقوا متاعه واضْرِبوه)). فرواه أبو داود والترمذيُ(١) من حديث صالح بن
محمد بن زائدة، وهو ضعيفٌ لا يُحتجُّ به. قال التِّرمذيُّ: سألت محمداً - يعني
البخاريَّ - عن هذا الحديث، فقال: إنما روى هذا صالح بنُ محمد، وهو أبو واقدٍ
الليثيُّ، وهو منگر الحدیث.
وروى أبو داود(٢) أيضاً عنه قال: غَزَوْنا مع الوليد بن هشام، ومعنا سالم بنُ
عبدالله بن عمر، وعمر بنُ عبد العزيز، فغَلَّ رجلٌ متاعاً، فأمرَ الوليد بمتاعه فأُحرق،
وطِيْفَ به، ولم يُعطِه سهمَه. قال أبو داود: وهذا أصحُ الحديثين.
وروى(٣) من حديث عمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسول الله ﴿ وأبا
بكرٍ وعمر حَرَّقوا متاعَ الغالِّ وضربوه. قال أبو داود: وزاد فيه عليُّ بنُ بَحْر عن الوليد
- ولم أسمَعْه منه -: ومَنَعُوه سهمَه.
قال أبو عمر(٤): قال بعضُ رواة هذا الحديث: فاضْرِبوا عنقه، وأخْرِقوا متاعَه.
وهذا الحديثُ يدور على صالح بن محمد، وليس ممن يُحتجُّ به.
وقد ثبتَ عن النبيِّ﴾ أنه قال: ((لا يَحِلُّ دَمُ امرىءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث)»(٥).
وهو ينفي القتلَ في الغُلول.
وروى ابن جُرَيْج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيِّ 8# قال: ((ليس على
الخائن، ولا على المُنْتَهِب، ولا على المختلس قَطْعٌ)»(٦). وهذا يعارِضُ حديثَ صالح
= وأنه ذُكر لرسول اللـه ﴾ فقال: ((صلوا على صاحبكم)) قال: فتغيرت وجوه القوم لذلك، فلما رأى
الذي بهم قال: «إن صاحبکم غلَّ في سبيل الله)) ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه خرزاً من خرز اليهود ما
يساوي درهمین.
(١) سنن أبي داود (٢٧١٣)، وسنن الترمذي (١٤٦١).
(٢) في سننه (٢٧١٤).
(٣) سنن أبي داود (٢٧١٥)، وضعفه البيهقي في السنن ٩/ ١٠٢.
(٤) التمهيد ٢٢/٢.
(٥) أخرجه أحمد (٣٦٢١)، والبخاري (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) من حديث ابن مسعود .
(٦) أخرجه أحمد (١٥٠٧٠)، وأبو داود (٤٣٩١) و (٤٣٩٢) و (٤٣٩٣)، والترمذي (١٤٤٨)، والنسائي
٨٨/٨، وابن ماجه (٢٥٩١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل
العلم.

٣٩٥
سورة آل عمران: الآية ١٦١
ابن محمد، وهو أقوى من جهة الإسناد. والغالُّ خائنٌ في اللغة والشَّريعة، وإذا انتفى
عنه القطعُ فأحرى القتلُ(١).
وقال الطّحاويُّ (٢): لو صحَّ حديثُ صالح المذكورُ، احتمَلَ أن يكون حين كانت
العقوباتُ في الأموال، كما قال في مانع الزكاة: ((إنا آخِذُوها وشَظْرَ مالِهِ، عَزْمةٌ من
عزماتِ الله تعالى))(٣)، وكما روى (٤) أبو هريرة في ضالَّةِ الإِبل المكتومة: ((فيها
غَرامتُها ومِثْلُها معها)»(٥)، وكما روى عبدالله بنُ عَمرو بنِ العاص في الثَّمر المعلَّق:
((غرامةُ مِثْلَيْهِ، وجَلَداتُ نَكالٍ))(٦). وهذا كلُّه منسوخ (٧)، والله أعلم.
الخامسة: فإذا غلَّ الرجلُ في المَغنم ووُجِد، أُخِذ منه وأُدِّب، وعُوقب بالتعزير.
وعند مالك والشافعيِّ وأبي حنيفة وأصحابهم واللَّيث: لا يُحرق متاعُه، وقال
الشافعيُّ واللَّيث وداود: إن كان عالماً بالنَّهي ◌ُوقب، وقال الأَوزاعيُّ: يُحرق متاعُ
الغالٌّ كلُّه إلا سلاحَه وثيابَه التي عليه وسَرْجَه، ولا تُنزع منه دابتُه، ولا يُحرق الشيءُ
الذي غلَّ. وهذا قول أحمد وإسحاق. وقال(٨) الحسن: إلا أن يكونَ حيواناً أو
مصحفاً.
وقال ابن خُوَيْزِ مَنداد: ورُوي أن أبا بكرٍ وعمر رضي الله عنهما ضربا الغالَّ
وأحرقا متاعه(٩).
(١) في (ظ): فالحرق أحرى. وينظر التمهيد ٢٣/٢.
(٢) ينظر مختصر اختلاف العلماء ٤٧٦/٣ .
(٣) أخرجه أحمد (٢٠٠١٦)، وأبو داود (١٥٧٥)، والنسائي ٢٥/٥ من حديث معاوية بن حيْدة
(٤) في النسخ: قال: والمثبت من التمهيد ٢٣/٢ .
(٥) أخرجه أبو داود (١٧١٨). قوله: المكتومة: أي التي كتمها الواجد، ولم يعرّفها، ولم يُشهد عليها.
عون المعبود ٥/ ١٠٧ .
(٦) أخرجه أحمد (٦٦٨٣)، وأبو داود (١٧١٠)، والنسائي في المجتبى ٨٦/٨.
(٧) التمهيد ٢/ ٢٣، وقد نقل المصنف عنه كلام الطحاوي.
(٨) في (د) و(م): وقاله، والمثبت من (خ) و(ظ)، وينظر الأوسط لابن المنذر ٥٥/١١ .
(٩) أثر أبي بكر وعمر أخرجه ابن أبي شيبة ٤٩٦/١٢ من طريق عمرو بن شعيب بلاغاً، وقد سلف في
المسألة السابقة ضمن حديث عبدالله بن عمرو.

٣٩٦
سورة آل عمران: الآية ١٦١
قال ابن عبد البر(١): وممن قال يُحرق رَحْل الغالِ ومتاعُه: مكحولٌ وسعيدُ بن
عبد العزيز، وحُجَّة من ذهب إلى هذا حديثُ صالح المذكورُ، وهو عندنا حديثٌ لا
يجبُ به انتهاكُ حُرْمة، ولا إنفاذُ حُكْم؛ لما يعارضُه من الآثار التي هي أقوى منه.
وما ذهب إليه مالكٌ ومن تابعه في هذه المسألة أصحُ من جهة النَّظَر وصحيحِ الأثر.
والله أعلم.
السادسة: لم يختلف مذهب مالك في العقوبة على البَدَن، فأما في المال؛ فقال
في الذِّمِّي يبيعُ الخمرَ من المسلم: تُراقُ الخمر على المسلم، ويُنزع الثمنُ من الذِّمِّي
عقوبةً له؛ لئلّا يبيعَ الخمر من المسلمين. فعلى هذا يجوز أن يقال: تجوزُ العقوبة في
المال، وقد أراقَ عمرُ ه لَبَنَاً شِيْبَ بماءٍ(٢).
السابعة: أجمع العلماء على أن الغالَّ يجب أنْ يردّ (٣) جميعَ ما غَلَّ إلى صاحب
المَقاسِم قبل أن يَفترِقَ الناسُ إن وجَدَ السبيلَ إلى ذلك(٤)، وأنه إذا فعل ذلك؛ فهي
توبةٌ له، وخروجٌ عن ذنبه. واختلفوا فيما يفعلُ به إذا افترقَ أهلُ العسكر ولم يَصِلْ
إليه، فقال جماعةٌ من أهل العلم: يدفع إلى الإمام خُمُسَه، ويتصدَّقُ بالباقي. هذا
مذهبُ الزُّهريِّ ومالكِ والأوزاعيِّ واللَّيث والثوريّ، ورُوِيَ عن عُبادةَ بنِ الصَّامت
ومعاويةَ والحسنِ البصريِّ، وهو يُشْبه مذهبَ ابن مسعود وابن عباس؛ لأنهما كانا
يَريان أن يُتَصَدَّقَ بالمال الذي لا يُعرف صاحبُهُ(٥)، وهو مذهبُ أحمدَ بنِ حنبل. وقال
الشافعيُّ: ليس له الصَّدقة بمال غيره.
قال أبو عمر(٦): فهذا عندي فيما يمكن وجودُ صاحبه والوصولُ إليه، أو إلى
ورثتِه، وأمَّا إن لم يكن شيءٌ من ذلك؛ فإن الشافعيَّ لا يكره الصَّدقةَ حينئذٍ إن شاء
(١) التمهيد ٢٣/٢، وما قبله منه دون قول ابن خويز منداد.
(٢) أورده ابن عبد البر في التمهيد ٦/ ١٥٥.
(٣) في (د) و (م): للغالّ أن يردّ.
(٤) حكى الإجماع ابن المنذر في الأوسط ٦٠/١١ .
(٥) ذكر هذه الآثار غير قول عبادة ابنُ المنذر في الأوسط ١١/ ٦٠ - ٦١ .
(٦) التمهيد ٢٣/٢ - ٢٤، وما قبله منه.

٣٩٧
سورة آل عمران: الآية ١٦١
الله. وقد أجمعوا في اللُّقّطة على جواز الصَّدقة بها بعد التعريف لها وانقطاع
صاحبها، وجعلوه - إذا جاء - مخيَّراً بين الأجر والضَّمان(١)، وكذلك المغصوب.
وبالله التوفيق.
وفي تحريم الغُلُول دليلٌ على اشتراك الغانمين في الغنيمة، فلا يحلُّ لأحدٍ أن
يستأثر بشيء منها دون الآخر، فمن غَصَب شيئاً منها أُدِّب اتفاقاً على ما تقدَّم.
الثامنة: وإن وطئَ جاريةً، أو سرَقَ نِصاباً، فاختلف العلماء في إقامة الحدِّ عليه،
فرأى جماعةٌ أنه لا قَطْعَ عليه.
التاسعة: ومن الغُلُول هدايا العمال، وحُكْمُه في الفضيحة في الآخرة حُكُم
الغالِّ؛ روى أبو داود في ((سُننه))، ومُسْلمٌ في ((صحيحه))(٢) عن أبي حُميد الساعديِّ،
أن النبيَّ # استعمَلَ رجلاً من الأَزْد يقال له: ابن اللُّتِيَّة - قال ابن السَّرْح(٣): ابن
الأُتْبِيَّة - على الصَّدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أُهديَ لي، فقام النبيُّ # على
المنبر، فحمِدَ الله وأثنى عليه وقال: «ما بالُ العامل نبعتُه، فيجيءُ فيقول: هذا لكم
وهذا أُهْدِيَ لي؟ ألَا جلَسَ في بيت أمِّه أو أبيه، فينظرَ أيُهدَى إليه أم لا؟ لا يأتي أحدٌ
منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة؛ إن كان بعيراً فله رُغاء، وإن كانت بقرةً
فلها خُوار، أو شاةً تَيْعَر)). ثم رفَعَ يديه حتى رأينا عُفْرَتَي إِبْطَيه، ثم قال: ((اللهمَّ هل
بلَّغتُ، اللهمَّ هل بلَّغتُ)).
وروى أبو داود(٤) عن بُريدةً، عن النبيِّ﴿ قال: ((مَنِ استعملناه على عملٍ،
فرزقْناه رِزْقاً، فما أخَذَ بعد ذلك فهو غُلُول)).
وروى أيضاً (٥) عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ قال: بعثني رسولُ اللـه :8# ساعياً ثم
(١) ما نقله ابن عبد البر من الإجماع فيه نظر، فقد قال ابن المنذر في الإجماع ص١١٨ في كتاب اللقطة:
لم يثبت فيها إجماع. وحكى فيها الخلاف في الإشراف ١/ ٢٨١ - ٢٨٢.
(٢) صحيح مسلم (١٨٣٢)، وسنن أبي داود (٢٩٤٦)، وأخرجه أيضاً البخاري (٧١٧٤). وهو في المسند
(٢٣٥٩٨) .
(٣) هو أحمد بن عمرو بن عبدالله، أحد شيخّي أبي داود الذي روى عنه هذا الحديث.
(٤) في سننه (٢٩٤٣).
(٥) في سننه (٢٩٤٧).
:

٣٩٨
سورة آل عمران: الآيات ١٦١ - ١٦٣
قال: ((انْطَلِقْ أبا مسعود، ولا أُلْفِينَّكَ يومَ القيامة تجيءُ(١)؛ على ظهرك بعيرٌ من إبل
الصَّدَقة له رُغاءٌ قد غَلَلْتَه))، قال: إِذاً لا أنطلِقُ، قال: ((إذاً لا أُكرِهُكَ)).
وقد قيَّد هذه الأحاديثَ ما رواه أبو داود أيضاً (٢) عن المُسْتورِد بن شَدَّاد قال:
سمعتُ النبيَّ # يقول: ((مَنْ كان لنا عاملاً، فلْيَكْتَسِبْ زوجةٌ، فإن لم يكنْ له خادمٌ،
فلْيَكْتَسِبْ خادماً، فإن لم يكن له مسكنٌ، فلْيكتَسِبْ مَسْكَنْاً)). قال: فقال أبو بكر:
أُخبِرتُ أنَّ النبيَّ ﴾ قال: ((مَنِ اتَّخَذَ غيرَ ذلك، فهو غالٌ [أو] سارق)). والله أعلم.
العاشرة: ومن الغُلُول حبسُ الكُتُب عن أصحابها، ويدخُلُ غيرها في معناها. قال
الزُّهريُّ: إِيَّاك وغُلولَ الكُتب، فقيل له: وما غُلُولُ الكتب؟ قال: حبسُها عن
(٣)
أصحابها (٣).
وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيَّ أَنْ يَغُلُّ﴾: أن يكتُمَ شيئاً من الوحي
رَغْبةً أو رَهْبة أو مُداهنةً؛ وذلك أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عَيْبٍ دينِهم
وسَبِّ آلهتم، فسألوه أنْ يَطوِيّ ذلك، فأنزل الله هذه الآية، قاله محمد بن بشار (٤)،
وما بدأنا به قول الجمهور.
الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ تقدّم
القول فیه.(٥)
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ أَتََّعَ رِضْوَنَ اَللَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُ جَهَنَّهُ
(١٢)
وَيْسَ اَلْصِيرُ ( هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَ اَللَّهِ﴾ يُريد: بَتَركِ الغُلُول، والصَّبر على الجهاد.
﴿ كَمَنَّ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ يُريد: بكُفْرٍ، أو غُلولٍ، أو تَولِّ عن النبيِّ﴾ في الحرب.
(١) في (د) و (م): تأتي، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لسنن أبي داود.
(٢) في سننه (٢٩٤٥)، وما سيرد بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (١٨٠١٥).
(٣) الجامع لأخلاق الراوي ٣٧٣/١ .
(٤) في (خ) و (ظ): يسار. ولم نعرفه، وذكر القولَ الألوسيُّ في روح المعاني ١٠٩/٤ - ١١٠ وقال: ولا
يخفى أنه بعيد جداً، ولا أدري سند هذه الرواية، ولا أظن الخبر إلا موضوعاً.
(٥) ٤ / ٤٢١.

٣٩٩
سورة آل عمران: الآيتان ١٦٢ - ١٦٣
﴿وَمَأْوَنُ جَهَنَّمٌ﴾ أي: مَثْوَاهُ النار إن (١) لم يَتُب أو يعفُ الله عنه. ﴿وَبِثْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي:
المرجع. وقرئ: رُضْوانُ، بكسر الراء وضَمّها(٢)، كالعُدوان والعِدوان.
ثم قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللّهِ﴾، أي: ليس من اتّبَع رِضْوانَ الله كَمَن باءَ
بسَخَطِ منه، بل درجاتُهم(٣) مُتفاوِتَةٌ، أي: هم مُختلفُو المنازلِ عند الله؛ فَلِمِنِ اتَّبَعَ
رضوانَه الكرامةُ والثَّوابُ العظيمُ، ولِمِن بَاءَ بِسَخَطِ منه المَهانةُ والعذابُ الأليم. (٤)
ومعنى ((هُمْ دَرَجَاتٌ))، أي: ذَوُو(٥) دَرَجات، أو: على دَرَجات، أو: في
دَرَجاتٍ، أو: لهم دَرَجاتٌ. وأهلُ النارِ أيضاً ذوو درجات(٦)؛ كما قال: ((وجدتُه في
غَمَراتٍ من النار، فأخرجتُه إلى ضَحْضَاح)).(٧)
فالمؤمن والكافرُ لا يستويان في الدَّرجة، ثمَّ المؤمنون يختلفون أيضاً، فبعضُهم
أرفعُ درجةً من بعض، وكذلك الكفار. والدرجةُ: الرُّتْبة، ومنه الدَّرَج؛ لأنه يُطْوَى
رُتْبةً بعد رُتْبة. والأشهرُ في منازل جهنّم: دَرَكات؛ كما قال: ﴿إِنَّ الُّْفِقِينَ فِي الدَّرْكِ
اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، فلمن لم يَغُلَّ دَرَجاتٌ في الجنة، ولمن غَلَّ دَرَكاتٌ
في النار.
قال أبو عبيدة (٨): جهنّمُ أَدْرَاكُ، أي: منازل؛ يقال لكلِّ منزلٍ منها: دَرَك ودَرْك.
والدَّرَكُ إلى أسفل، والدَّرَجُ إلى أعلى.
(١) في (م): أي إن.
(٢) قرأ بضم الراء عاصم في رواية شعبة، وقرأ الباقون بكسرها. السبعة ص٢٠٢، والتيسير ص٨٦.
(٣) في (د) و(م): قيل: هم درجات، وفي (ظ): بل درجات، والمثبت من (خ) و(ز).
(٤) الوسيط ٥١٦/١ .
(٥) في النسخ: ذو (في الموضعين)، والمثبت من (م).
(٦) في (د): در کات.
(٧) أخرجه أحمد (١٧٦٣)، والبخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩) من حديث العبّاس بن عبد المطلب ﴾،
وقوله: ضَحْضَاح: هو ما رقَّ من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، فاستعاره للنار. النهاية
(ضحضح).
(٨) في النسخ: أبو عبيد، والمثبت من (م)، ولسان العرب (درك)، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن
١٠٧/١ - ١٠٨ بنحوه.

٤٠٠
سورة آل عمران: الآية ١٦٤
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِمْ يَتْلُواْ
عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى
ضَلَلٍ مُّبِينٍ
(٢٤)
بَيَّنَ الله تعالى عظيمَ مِنَّته عليهم ببعثه محمداً ﴾ .
والمعنى في المِنَّة فيه أقوال:
منها: أن يكونَ معنى ﴿مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ أنه بشرٌ مِثلُهم (١). فلمَّا أظهر البراهينَ وهو
بشرٌ مثلُهم، عُلِم أنَّ ذلك من عند الله.
وقيل: ((مِن أَنْفُسِهِم): منهم، فَشَرُفُوا بِهِ ﴿، فكانت تلك المنَّة.
وقيل: ((مِن أَنْفُسِهم)) ليعرفوا حالَه، ولا تخفى عليهم طريقتُه. وإذا كان محلُّه فيهم
هذا؛ کانوا أحقّ بأن یقاتلوا عنه، ولا ينهزِموا دونه.
وقُرِئ في الشَّواذ: ((من أنْفَسِهِم)) بفتح الفاء(٢) ، يعني من أشرفهم؛ لأنه من بني
هاشم، وبنو هاشم أفضلُ قريش، وقريشٌ أفضلُ العرب(٣) ، والعربُ أفضلُ من
غيرهم.
ثم قيل: لفظ المؤمنين عامٌّ، ومعناه خاصٌّ في العرب؛ لأنه ليس حيٍّ من أحياء
العرب إلا وقد ولَدَه ◌ِ ﴿ ولهم فيه نسبٌ إلا بني تَغْلِب، فإنهم كانوا نصارى، فطهَّره الله
من دَنَسِ النَّصرانية(٤). وبيانُ هذا التأويلِ قولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ آلْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا
مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
(١) في (د) و(م): أيْ: بَشَر، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٤١٧/١،
والكلام منه.
(٢) القراءات الشاذة ص٢٣، وتفسير أبي الليث ٣١٣/١، والكشاف ٤٧٦/١ . قال ابن خالويه: رُوي عن
النبي ﴾ وعن فاطمة رضي الله عنها.
(٣) في النسخ: وبنو هاشم أفضل من قريش وقريش أفضل من العرب، والصواب ما أثبتناه، وينظر تفسير
أبي الليث ٣١٣/١، وفتح القدير ٣٩٥/١ .
(٤) الوسيط ٥١٦/١ .