النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة آل عمران: الآية ١٥٢
تأكلُ كلَّ شيءٍ (١)، قال رؤية:
إذا شكّوْنا سَنةً حَسُوسا تأكلُ بعدَ الأَخْضَر اليَبِيا (٢)
وأَضْلُه من الحِسّ الذي هو الإدراك بالحاسَّة. فمعنى حَسَّه: أذهب حِسَّه
(٣)
بالقتل(٣).
﴿بِإِذْنِهِ،﴾: بعلمه، أو بقضائه وأَمْره. ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ أي: جَبُنتم
وضَعُفتم. يقال: فَشِلَ يَفْشَل، فهو فَشِل وفَشْل(٤).
وجواب ((حتى)) محذوفٌ، أي: حتى إذا فَشِلتم امْتُحِنتم. ومثلُ هذا جائزٌ، كقوله:
﴿فَإِ أَسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقَّا فِى الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِى السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ٣٥] فافعل. وقال
الفرّاء(٥): جوابُ ((حتى)): ((وتنازعتُم))، والواوُ مِفْحَمة زائدةٌ، كقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَُّ
لِلْجَبِينِ وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَإِبْرَهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٣-١٠٤] أي: ناديناه. وقال امرؤ القيس:
فلما أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى (٦)
أي: انتخَى. وعند هؤلاء يجوزُ إقحامُ الواو من ((وعَصَيْتُم)». أي: حتى إذا فَشِلتم
وتنازعتم، عَصَيْتم. وعلى هذا فيه تقديمٌ وتأخير، أي: حتى إذا تنازعتُم وعَصَيْتُم
فَشِلتم.
وقال أبو علي: يجوزُ أن يكون الجوابُ: ((صَرَفَكُم عنهم))، و((ثم)) زائدة،
والتقدير: حتى إذا فَشِلتم وتنازَعْتُم وَعَصْتم، صَرَفَكُم عنهم (٧). وقد أنشد بعضُ
النحويين في زيادتها قولَ الشاعر:
(١) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ١١٣ -١١٤، والصحاح (حسس).
(٢) ديوان رؤبة ص٧٢، وهو في مجاز القرآن ١٠٥/١، والمحرر الوجيز ٥٢٤/١، واللسان (حسس).
(٣) ذكر نحو هذا القول ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٢٤/١، وضعَّفه.
(٤) الوسيط ٥٠٤/١، وزاد المسير ٤٧٥/١ - ٤٧٦، وانظر تهذيب اللغة ٣٦٨/١١.
(٥) في معاني القرآن ٢٣٨/١.
(٦) ديوان امرئ القيس ص ١٥، وهو من معلقته المشهورة، وشطره الثاني:
بنا بطنُ حِقْفٍ ذِي رُكام عَفَنْقَلٍ.
(٧) ينظر المحرر الوجيز ٥٢٤/١، وتفسير الرازي ٣٥/٩ - ٣٦.

٣٦٢
سورة آل عمران: الآية ١٥٢
فَثُمَّ إذا أصبحتُ أصبحتُ غادِيا(١)
أُرانِي إِذا ما بِتُّ بِتُّ على هَوَى
وجوَّز الأخفشُ أن تكون زائدةً، كما في قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ
بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَنُواْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾(٢)
[التوبة: ١١٨].
وقيل: ((حتى)) بمعنى ((إلى)) وحينئذ لا جوابَ له، أي: صَدَقكم اللهُ وَعْدَه إلى أن
فَشِلْتُم، أي: كان ذلك الوعدُ بشرط الثَّبات. ومعنى ((تنازعتُم)): اختلفتُم، يعني الرُّمَاة
حين قال بعضُهم لبعض: نلحقُ الغنائم. وقال بعضهم: بل نثبتُ في مكاننا الذي أمرنا
النبيُّ ◌َ﴿ بالثُّبوت فيه(٣).
﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ أي: خالفتم أمرَ الرسول في الثُّبوت. ﴿مِّنُ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُمْ مَّا
تُحِبُّونٌَ﴾ يعني من الغَلَبةِ التي كانت للمسلمين يومَ أُحُد أوَّلَ أمرهم، وذلك حين
صُرِعَ صاحبُ لواء المشركين على ما تقدَّم. وذلك أنه لمَّا صُرِعَ؛ انتشرَ النبيُّ*
وأصحابه، وصاروا كتائبَ متفرّقةً، فحاسُوا(٤) العدوَّ ضَرْباً حتى أَجْهَضُوهُم عن
أثقالهم. وحملتْ خيلُ المشركين على المسلمين ثلاثَ مرات، كل ذلك تُنْضَحُ بالنَّبْل،
فترجِعُ مغلوبة(٥)، وحَمَلَ المسلمون، فَتَهَكُوهُم قتلاً. فلما أبصر الرُّماةُ الخمسون أنَّ
الله عزَّ وجلَّ قد فَتَحَ لإخوانهم؛ قالوا: والله، ما نَجْلِسُ هاهنا لشيء، قد أهلكَ اللهُ
العدوَّ، وإخوانُنا في عسكر المشركين. وقال طوائفُ منهم: عَلامَ نَقِفُ وقد هزمَ اللهُ
العدوَّ؟ فتركوا منازٍلَهم التي عَهِدَ إليهم النبيُّ:﴿ ألَّ يتركوها، وتنازعوا وفشِلوا،
وعَصَوُا الرسولَ، فأَوْجَفتِ الخيلُ فيهم قتلاً.
(١) في (خ) و (م): عاديا، وهي رواية ذكرها الصبان في شرحه على الأشموني ٣/ ٨٢، والبيت لزهير بن
أبي سلمى، وهو في ديوانه ص ٢٨٥ ، واستشهد بهذا البيت على أنَّ ((ثم)) زائدة ابنُ الشَّجري في أماليه
٩٠/٣، أما ابن جني فذكره في سر صناعة الإعراب ٢٦٤/١ شاهداً على أن الفاء زائدة.
(٢) مغني اللبيب ص١٥٨- ١٥٩، وشرح الصبان على الأشموني ٨٢/٣ .
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٥٢٤/١ - ٥٢٥، وتفسير البغوي ٣٦٢/١.
(٤) في (خ): فجاشوا، وفي (ظ): فجاسوا. وقوله: فحاسوا العدو: أي: بالغوا النكاية فيهم، وأصل
الحوس: شدة الاختلاط ومداركة الضرب. النهاية (حوس).
(٥) في (خ) و (ظ) : مغلولة.

٣٦٣
سورة آل عمران: الآية ١٥٢
وألفاظُ الآية تقتضي التوبيخَ لهم، ووجهُ التوبيخ لهم أنهم رَأَوا مبادئ النَّصر،
فكان الواجبُ أن يعلموا أن تمامَ النَّصر في الثَّبات، لا في الانهزام. ثم بَيَّنَ سببَ
التنازع، فقال: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا﴾ يعني الغنيمة.
قال ابن مسعود: ما شَعَرْنا أنَّ أحداً من أصحابِ النبيِّ ﴾ يريدُ الدنيا وعَرَضَها
حتی کان یومُ أُحُد.
﴿وَمِنكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ وهم الذين ثبتوا في مَرْكزهم، ولم يُخالفوا أمرَ
نبيِّهم ﴿ مع أميرهم عبدِ الله بن جُبير، فحمَلَ خالد بن الوليد وعِكرمةُ بن أبي جهل
عليه - وكانا يومئذ كافرين - فقتلوه مع مَنْ بَقِيَ، رحمهم الله(١).
والعِتابُ مع مَن انهزمَ، لا مع مَن ثبتَ، فإنَّ من ثبتَ فاز بالثواب، وهذا كما أنه
إذا حَلَّ بقوم عقوبةٌ عامّةٌ؛ فأهلُ الصَّلاحِ والصِّبيان يَهْلِكون، ولكن لا يكون ما حَلَّ
بهم عقوبةً، بل هو سببُ المَثُوبة. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَّكُمْ﴾ أي: بعد أن استَوْلَيتُم عليهم ردَّكم
عنهم بالانهزام، ودَلَّ هذا على أنّ المعصيةً مخلوقةٌ لله تعالى. وقالت المعتزلة:
المعنى: ثم انصرفتُم، فإضافته إلى الله تعالى بإخراجه الرُّعب من قلوب الكافرين من
المسلمين ابتلاءً لهم.
قال القشيري: وهذا لا يُغنيهم؛ لأن إخراجَ الرُّعب من(٢) قلوب الكافرين حتى
يستخِقُّوا بالمسلمين قبيحٌ، ولا يجوز عندهم أنْ يَقَّعَ من الله قبيحٌ، فلا يبقى لقوله:
(ثم صَرَفَكُمْ عنهم)) معنّى. وقيل: معنى ((صَرَفَكُم عنهم)) أي: لم يُكَلِّفكم طَلَبَهم(٣).
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمُّ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لم
يَستأصِلْكم بعد المعصية والمُخالفة(٤). والخِطاب قيل: هو للجميع. وقيل: هو لِلرِّماة
(١) ينظر تفسير أبي الليث ٣٠٨/١، والمحرر الوجيز ٥٢٥/١، وتفسير البغوي ٣٦٢/١ . وقول ابن
مسعود # أخرجه أحمد (٤٤١٤) مطولاً، والطبري ٦/ ١٤٠ - ١٤١.
(٢) في النسخ: عن، والمثبت من (م).
(٣) ذكر هذه المسألة الرازي في تفسيره ٩/ ٣٧-٣٨ .
(٤) تفسير البغوي ٣٦٢/١ .

٣٦٤
سورة آل عمران: الآية ١٥٢
الذين خالفوا ما أُمروا به، واختاره النحاس(١).
وقال أكثرُ المفسرين: ونظيرُ هذه الآية قولُه: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمْ﴾(٢) [البقرة: ٥٢].
﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالعفو والمغفرة.
وعن ابن عباس قال: ما نُصِرَ النبيُّ :﴿ في مَوْطن كما نُصِرَ يومَ أُحُد، قال:
وأَنْكرنا ذلك، فقال ابنُ عباس: بيني وبين مَنْ أنكر ذلك كتابُ الله عزَّ وجلَّ، إنَّ الله
عزَّ وجلَّ يقول في يوم أُحُد: ﴿وَلَقَدْ صَدَفَّكُمُ اَللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ -
يقول ابن عباس: والحَسُّ: القتل - ﴿حَّ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِىِ الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم
مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَكُم مَّا تُحِبُّونٌَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةٌ ثُمَّ
صَرَّفَكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَّكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وإنما عنَى
بهذا الرُّماة. وذلك أن النبيَّ # أَقامهم في موضع، ثم قال: ((احموا ظُهورنا، فإنْ
رأيتُمونا نُقْتَل، فلا تَنْصرونا، وإنْ رأيتُمونا قد غَنِمِنا، فلا تَشْرَكُونا)).
فلما غَنِمَ رسولُ الله :﴿ وأباحوا عسكرَ المشركين، انْكفَأَتِ الرماةُ جميعاً،
فدخلوا في العسكر يَنْتهبون، وقد التقَتْ صفوفُ أصحابِ النبيِّ ﴿، فهم هكذا -
وشبَّك أصابعَ يَدَيْه - والتبسوا.
فلما أخَلَّ الرُّماةُ تلك الخَلَّةَ التي كانوا فيها، دخلَتِ الخيلُ من ذلك الموضع على
أصحاب رسول اللـه ﴿، فضربَ بعضُهم بعضاً، والتبسوا، وقُتِلَ من المسلمين ناسٌ
كثير، وقد كان لرسول الله ﴾ وأصحابِه أوَّلُ النهار، حتى قُتِلَ من أصحاب لواءٍ
المشركين سبعةٌ أو تسعةٌ. وجالَ المسلمون نحوَ الجبل، ولم يبلُغوا حيث يقول
الناس: الغارَ، إنما كانوا تحت المِهْراس، وصاحَ الشيطان: قُتِلَ محمد. فلم يُشَكَّ فيه
أنه حقٌّ، فما زلنا كذلك ما نَشُكُ أنه قُتِل حتى طَلَع علينا رسولُ الله ◌ِ﴾ بين السَّعْدَيْن،
نعرِفُه بتكفّئِهِ إذا مشَى. قال: فَفَرِحنا حتى كأنّا لم يُصِبْنا ما أصابنا. قال: فَرَقِيَ نحونا
وهو يقول: ((اشتدَّ غضبُ الله على قوم دَمَّوْا وجهَ رسوله))(٣).
(١) في إعراب القرآن ٤١٢/١. وانظر مجمع البيان ٢٣١/٢ .
(٢) ذكر نحوه ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٥٢٥ ونسبه لابن جريج وابن اسحاق وجماعة من المفسرين.
(٣) في (د): ((رسول الله {#))، وفي (م): ((نبيّهم))، والحديث أخرجه أحمد (٢٦٠٩)، وأورده ابن كثير =

٣٦٥
سورة آل عمران: الآيتان ١٥٢ - ١٥٣
وقال كعب بن مالك: أنا كنتُ أوَّلَ من عَرَفَ رسولَ الله ◌ِ﴾ من المسلمين، عَرَفْتُه
بعينيه من تحت المِغْفَر تَزْهَران، فناديتُ بأعلى صوتي: يا مَعْشرَ المسلمين، أَبْشِروا،
هذا رسولُ الله # قد أَقْبلَ. فأشار إليَّ أنِ اسكُتْ(١).
قوله تعالى: ﴿إِذْ نُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَىّ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيّ
أُخْرَنِكُمْ فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَمٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآَ
أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
١٥٣
((إذ)) متعلَّق بقوله: ((وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ). وقراءة العامة: ((تُصْعِدُونَ)) بضمِّ التاء وكسر العين.
وقرأ أبو رجاء العُطارِدِيُّ وأبو عبد الرحمن السُّلميُّ والحسن وقتادة بفتح التاء
والعين، يعني: تَصعَدون الجبل(٢).
وقرأ ابن مُحَيْصِن وشِبْل: ((إذ يَصعدون ولا يَلْوون)) بالياء فيهما. وقرأ الحسن
(ثَلُونَ)) بواو واحدة(٣).
وروى أبو بكر بنُ عيَّاش عن عاصم: ((ولا تُلوون))، بضم التاء، وهي لغةٌ شاذَّة
= في تفسيره ٢/ ١٣٣ - ١٣٤، وقال: هذا حديث غريب، وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن
عباس، فإنه لم يشهد أُحداً، ولا أبوه. اهـ. قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على المسند:
الظاهر عندي أنه حكاه عن واحد من الصحابة ممن شهد أحداً، ونسي بعض الرواة أن يذكر من حدّث
ابن عباس به؛ حتى يقول في حديثه: ((فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل ... )) وأما سياق القصة في ذاتها
فصحيح، له شواهد كثيرة في الصحاح؛ أشار إلى بعضها ابن كثير في التفسير وفي التاريخ.
قال السندي كما في حاشية المسند: قوله: وجال المسلمون، أي: انكشفوا.
وقوله: تحت المِهْراس، بكسر الميم: صخرة منقورة تسع كثيراً من الماء وقيل: اسم ماء بأُحد.
والتكفُّؤْ: التمايل إلى قُدَّام. ودمَّوْا: أسالوا دَمّه.
وقوله: السَّعدين: يعني سعد بن معاذ وسعد بن عُبادة. انظر السير ٢٧٩/١ - ٢٨٠ .
(١) سلف ٢٢٨/٤.
(٢) معاني القرآن للفراء ٢٣٩/١، وتفسير الطبري ١٤٥/٦، والكشاف ٤٧١/١، وتفسير البغوي ٣٦٢/١،
والمحرر الوجيز ٥٢٦/١ .
(٣) المحرر الوجيز ٥٢٦/١، وذكر ابن خالويه في القراءت الشاذة ص٢٣ قراءة ابن محيصن والحسن،
وذكر الزمخشري في الكشاف ٤٧١/١ قراءة الحسن. وقراءة ابن محيصن: ((يَصْعَدون)) هي بفتح الياء
والعين، كما قيّدها البنّا في إتحاف فضلاء البشر ص ٢٣٠، ولم تضبط على الصواب في مطبوع ابن
خالويه، وبعض المطبوعات الأخرى.

٣٦٦
سورة آل عمران: الآية ١٥٣
(١)
ذكرها النحاس
وقال أبو حاتم: أَصْعَدْت؛ إذا مضيتَ حِيالَ وجهك، وصَعِدت؛ إذا ارتقيتَ في
جبل أو غيره(٢). فالإِصعادُ: السَّيرُ في مُستوي الأرض(٣) وبطون الأودية والشِّعاب.
والصُّعودُ: الارتفاعُ على الجبال والسُّطوح والسَّلاليم والذَّرج. فيحتمل أن يكون
صعودُهم في الجبل بعد إصعادِهم في الوادي، فيصحُّ المعنى على قراءة: ((تُصْعِدون))
و((تَصْعَدون)).
قال قتادة والرَّبيع: أَصعَدوا يومَ أحدٍ في الوادي(٤). وقراءة أُبَيّ: ((إذ تُصعِدُون في
الوادي))(٥). قال ابن عباس: صَعِدُوا في أُحُدٍ فراراً (٦). فكلتا القراءتين صواب، كان
يومئذٍ من المنهزمين مُصْعِدٌ وصاعد. والله أعلم.
قال القُتَبِيُّ(٧) والمبرِّد: أَصعَد إذا أبعدَ في الذَّهاب وأَمعنَ فيه (٨)، فكأنَّ الإصعادَ
إبعادٌ في الأرض كإبعاد الارتفاع، قال الشاعر:
ألا أيُّهذا السائلي أيْنَ أصْعدَتْ فإنّ لها من بطن يَثْرِبّ موعِدا(٩)
وقال الفرَّاء(١٠): الإصعادُ: الابتداءُ في السفر، والانحدارُ: الرجوعُ منه، يقال:
أَصْعَدْنا من بغداد إلى مكة وإلى خراسان وأشباه ذلك: إذا خَرَجْنا إليها وأَخَذْنا في
(١) في إعراب القرآن ١/ ٤١٢. وقراءة ابن عياش المشهورة عنه كقراءة الجماعة: ((تُصْعِدُون﴾.
(٢) تفسير البغوي ١/ ٣٦٢ .
(٣) في (د) و (م): مستو من الأرض، والمثبت من (خ) و (ز) و (ظ)، وهو الموافق لما في تفسير الطبري
١٤٦/٦.
(٤) أخرجه الطبري ١٤٦/٦ - ١٤٧.
(٥) ذكرها الطبري ١٤٦/٦، وابن خالويه ص ٢٣، والزمخشري ١ / ٤٧١.
(٦) أخرجه الطبري ١٤٨/٦.
(٧) في غريب القرآن ص ١١٤ .
(٨) تفسير البغوي ٣٦٢/١.
(٩) البيت للأعشى، وهو في ديوانه ص ١٨٥، وروايته فيه: أين يممت، فإن لها في أهل يثرب موعداً.
(١٠) في معاني القرآن ٢٣٩/١.

٣٦٧
سورة آل عمران: الآية ١٥٣
السفر، وانحدَرْنا: إذا رجَعْنا. وأنشد أبو عبيدة (١):
قد كنتِ تَبكِين على الإصعاد فاليوم سُرِّخْتٍ وصاحَ الحادي
وقال المفضّل: صَعِدَ وأصْعَد وصَعَّد بمعنى واحد. ومعنى ((تَلْوُونَ)): تُعَرِّجون
وتُقيمون، أي: لا يلتفتُ بعضُكم إلى بعضٍ هَرَباً(٢)؛ فإن المُعرِّجَ على الشيء يَلوي
إليه ◌ُنقَه أو عِنانَ دابَّته.
﴿عَلَى أَحَدٍ﴾ يريد محمداً ﴿؛ قاله الكلبي.
﴿وَأَرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيَّ أُخْرَئِكُمْ﴾ أي: في آخركم، يقال: جاء فلانٌّ في آخر
الناس، وأُخْرَةِ الناس، وأُخْرَى الناس، وأُخْرَيَات الناس.
وفي البخاري(٣): ((أُخْرَاكُمْ)) تأنيثُ آخِرِكم: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير ،
حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب قال: جعل النبيُّ على الرَّجَّالة يومَ
أُحُد عبدَ الله بنَ جبير، وأقبلوا مُنهزمين، فذاك إذ يَدعوهم الرسولُ في أُخراهم، ولم
يبق مع النبيِّ # غيرُ اثنَي عَشَرَ رجلاً.
قال ابن عباس وغيره: كان دعاءُ النبيِّ﴾: ((أيْ عبادَ الله، ارْجِعُوا))(٤). وكان
دعاؤه تغييراً للمنكر، ومحالٌ أن يرى عليه الصلاة والسلام المنكر وهو الانهزامُ، ثم
لا ینھی عنه.
قلت: هذا على أن يكون الانهزامُ معصيةٌ، وليس كذلك، على ما يأتي بيانُه إن
شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَرِّ﴾ الغمُّ في اللغة: التَّغْطِيَةُ، غَمَمْتُ الشيءَ:
غَطَيْتُه. ويومٌ غَمٌّ وليلةٌ غَمَّةٌ: إذا كانا مُظلِمَيْن. ومنه: غُمَّ الهلالُ: إذا لم يُرَ، وغَمَّني
الأمرُ يَغُمُّني.
(١) في مجاز القرآن ١٠٥/١.
(٢) تفسير البغوي ٣٦٢/١ .
(٣) برقم (٤٥٦١)، وأخرجه أحمد (١٨٥٩٣) مطولاً.
(٤) أخرجه الطبري ٦/ ١٤٨ - ١٤٩ عن ابن عباس وقتادة والربيع.

٣٦٨
سورة آل عمران: الآية ١٥٣
قال مجاهد وقتادة وغيرُهما: الغَمُّ الأوَّلُ: القتلُ والجراح، والغمُّ الثاني:
الإرجافُ بقتلِ النبيِّ ﴾، إذ صاح به الشيطانُ(١).
وقيل: الغمُّ الأوَّلُ: ما فَاتهم من الظَّفَرِ والغنيمة، والثاني: ما أصابهم من القتلِ
والهزيمة.
وقيل: الغَمُّ الأوَّلُ: الهزيمةُ، والثاني: إشرافُ أبي سفيان وخالدٍ عليهم في
الجبل، فلما نظر إليهم المسلمون غَمَّهم ذلك، وظنُّوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم،
فأنساهم هذا ما نالهم، فعند ذلك قال النبيُّ ﴾: ((اللّهم لا يَعْلُنَّ علينا)) كما تقدَّم(٢).
والباء في ((بِغَمِّ)) على هذا بمعنى ((على))، وقيل: هي على بابها، والمعنى أنهم
غَمُّوا النبيَّ ﴿ بمخالفتِهم إياه، فأثابهم بذلك غَمّهم بمن أُصيب منهم(٣).
وقال الحسن: ((فَأَثَابَكُمْ غَمّاً» يومَ أحد «بِغَمِّ)) يوم بدر للمشركين(٤). وسمَّى الغَمَّ
ثواباً كما سَمَّى جزاءً الذَّنب ذنباً. وقيل: وقفهم الله على ذنبهم، فشُغلوا بذلك عمَّا
(٥)
أصابهم(٥).
قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَانَكُمْ وَلَا مَا أَصَبَكُمْ وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ﴾ اللام متعلِّقةٌ بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ وقيل: هي متعلِّقةٌ بقوله:
﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَرِّ﴾ أي: كان هذا الغُّ بعد الغمِّ لكيلا تحزنوا على ما فات من
الغنيمة، ولا ما أصابكم من الهزيمة. والأوَّلُ أحسن.
و((ما)) في قوله: ﴿مَآ أَصَبَكُمْ﴾ في موضع خَفْض، وقيل: ((لا)) صلة. أي: لكي
تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم عقوبةً لكم في(٦) مخالفتكم رسولَ الله ﴾. وهو
(١) أخرجه الطبري ٦/ ١٥٠ - ١٥١.
(٢) تفسير البغوي ٣٦٢/١ - ٣٦٣، والمحرر الوجيز ٥٢٦/١ - ٥٢٧، وذكر هذه الأقوال الطبري
١٥١/٦ - ١٥٨. وسلف الكلام ص٣٣٤ من هذا الجزء.
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٩٦/١ .
(٤) النكت والعيون ٤٣٠/١ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤١٢ .
(٦) في (م): على.

٣٦٩
سورة آل عمران: الآيتان ١٥٣ - ١٥٤
مثل قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، أي: أن تَسجُدَ، وقولِه ﴿لِثَلاَ
يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَبِ﴾ [الحديد: ٢٩]، أي: ليعلَم، وهذا قولُ المفَضَّل(١).
وقيل: أراد بقوله: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَرِّ﴾ أي: توالت عليكم الغُمومُ؛ لكيلا
تَشتَغِلوا بعد هذا بالغنائم.
﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيه معنى التحذير والوعيد.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةٌ مِّنْكُمْ
وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِيَّةِ يَقُولُونَ هَل
لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَىْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَُّ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَّ
يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَنْهُنَّأْ قُل لَّوْ كُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَلِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ اَللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى
١٥٤
قُلُوبِكُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَّ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّهَاسًا﴾ الأَمَنَة والأَمْن سواءٌ، وقيل:
الأَمَنَة إنما تكون مع أسباب الخوف، والأَمْن مع عدمه(٢). وهي منصوبة بـ ((أَنْزَلَ))
و(انُعاساً)) بدلٌ منها. وقيل: نصب على المفعول له؛ كأنه قال: أنزل عليكم (٣) للأمنة
نُعاساً. وقرأ ابن محيصن: ((أمْنَةً)) بسكون الميم(٤). تفضَّل الله تعالى على المؤمنين بعد
هذه الغُموم في يوم أُحُد بالنُّعاس حتى نام أكثرُهم؛ وإنما يَنْعُسُ مَن يأمن، والخائف
لا ينام.
روى البخاريُّ(٥) عن أنس أن أبا طلحة قال: غَشِيَنا النعاسُ ونحن في مصافِّنا يومَ
أُحُد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخُذُهُ، ويسقطُ وآخُذُهُ.
(١) ينظر زاد المسير ٤٧٩/١ .
(٢) تفسير البغوي ١/ ٣٦٣ .
(٣) في النسخ الخطية: عليهم، والمثبت من (م).
(٤) المحتسب لابن جني ١٧٤/١، والقراءات الشاذة لابن خالويه ص٢٣ .
(٥) برقم (٤٥٦٢)، وهو في مسند أحمد (١٦٣٥٧).

٣٧٠
سورة آل عمران: الآية ١٥٤
﴿يَغْشَى﴾ قُرئ بالياء والتاء (١)، الياء للنعاس، والتاء للأَمَنَة.
والطائفةُ تُطلَق على الواحد والجماعة.
﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني المنافقين: مُعَتِّب بن قُشير وأصحابَه، وكانوا
خرجوا طمعاً في الغنيمة، وخوفَ المؤمنين، فلم يَغْشَهم النُّعاسُ، وجعلوا يتأسَّفون
على الحضور، ويقولون الأقاويل.
ومعنى ((قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ)): حملتهم على الهمِّ، والهمُّ: ما هَمَمْتَ به؛ يقال:
أَهَمَّني الشيءُ، أي: كان من همِّي. وأمرٌ مُهِمٌّ: شديد. وأَهَمَّني الأمرُ: أقلقَني،
وهَمَّني : أذابَني(٢).
والواو في قوله: ((وطائفةٌ)) واو الحال، بمعنى إذْ، أي: إذ طائفةٌ يَظُنُّونَ أَنَّ أمر
محمد ﴿ باطلٌ، وأنه لا يُنصر.
﴿ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ﴾ أي: ظنَّ أهلِ الجاهليّة، فحذف.
﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ لفظُه استفهام، ومعناه الجحد، أي: ما لنا
شيءٌ من الأمر (٣)، أي: من أمر الخُروج، وإنما خَرَجْنا كَرْهاً؛ يدلُّ عليه قوله تعالى
إخباراً عنهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَّ﴾.
قال الزُّبير: أُرسِل علينا النومُ ذلك اليوم، وإني لأسمع قولَ مُعَثِّبٍ بن قُشير
والنعاسُ يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيءٌ ما قُتلنا هاهنا (٤).
وقيل: المعنى: يقولون(٥): ليس لنا من الظَّفَر الذي وَعَدَنا به محمدٌ شيءٌ. والله
أعلم.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَُّ لِلَهِ﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوب: ((كُلُّه))، بالرَّفع على
(١) قرأ حمزة والكسائي من السبعة بالتاء، والباقون بالياء. السبعة ص٢١٧، والتيسير ص٩١ .
(٢) ينظر الصحاح (همم).
(٣) انظر زاد المسير ١/ ٤٨١ .
(٤) أخرجه الطبري ١٦٨/٦.
(٥) في (م): يقول.

٣٧١
سورة آل عمران: الآية ١٥٤
الابتداء، وخبرُه: (الله))، والجملة خبر ((إن))، وهو كقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ
كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. والباقون بالنصب(١)، كما تقول: إن
الأمر أجمعَ لله. فهو توكيدٌ، وهو بمعنى أجمع في الإحاطة والعموم، و ((أجمع)) لا
يكون إلا توكيداً. وقيل: نعتٌ للأمر(٢).
وقال الأخفش(٣): بدل، أي: النَّصرُ بيد الله ينصرُ من يشاء، ويخذُلُ من يشاء.
وقال جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيّرَ الْحَقِّ ظَنَّ
الْجَهِيَّةِ﴾ يعني التكذيبَ بالقَدَر(٤). وذلك أنهم تكلَّموا فيه، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ
اُلْأَمْرَ كُلَُّ لِهِ﴾ يعني القَدَر؛ خیرُه وشرُّه من الله.
﴿يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم﴾ أي: من الشِّرك والكُفرِ والتَّكذيب ﴿مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾:
يُظهرون لك.
﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَهُنَّ﴾ أي: ما قُتِل عشائرُنا. فقيل: إن
المنافقين قالوا: لو كان لنا عقلٌ ما خَرَجْنا إلى قتال أهل مكة، ولَمَا قُتِل رؤساؤنا،
فردَّ الله عليهم، فقال: ﴿قُل لَّوْ كُمْ فِىِ بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ﴾ أي: لخرج ﴿ الَّذِينَ كُتِبَ﴾ أي:
فُرض ﴿عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ يعني في اللَّوح المحفوظ. ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمٌ﴾ أي: مصارِعِهم.
وقيل: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ أي: فُرِض عليهم القتال(٥)، فعبَّر عنه بالقَتْل؛ لأنه
قد يؤول إليه.
وقرأ أبو حَيْوَة: (لَبُرِّزَ)) بضمِّ الباء وشدِّ الراء (٦)، بمعنى يُجعل(٧) يَخرج.
وقيل: لو تخلَّفتم أيُّها المنافقون؛ لبرزتُم إلى موطن آخرَ غيرِه تُصرعون فيه، حتى
(١) السبعة ص ٢١٧، والتيسير ص ٩١، والنشر ٢/ ٢٤٢.
(٢) انظر الحجة لأبي علي الفارسي ٣/ ٩٠ .
(٣) في معاني القرآن له ١/ ٤٢٥ .
(٤) ذكره البغوي ١/ ٣٦٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٤٨١/١ .
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤١٣/١ .
(٦) المحرر الوجيز ٥٢٩/١، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٣.
(٧) في (ظ): فجعل.

٣٧٢
سورة آل عمران: الآيتان ١٥٤ - ١٥٥
يَبتليَ الله ما في الصدور ويُظهرَه للمؤمنين.
والواو في قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِىَ﴾ مُقحمة، كقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ اُلْمُوقِنِينَ﴾
[الأنعام: ٧٥]. أي: ليكون، وحُذف الفعل الذي مع لام كي، والتقدير: وليبتليَ الله ما
في صدوركم وليمخِّصَ ما في قلوبكم فرض الله عليكم القتالَ والحربَ، ولم يَنصرْكُم
يومَ أُحُد ليختبرَ صيرَكُم، وليُمخِّصَ عنكم سيئاتِكم إن تُبتم وأخلصتم(١).
وقيل: معنى (ليبتلي)): ليُعاملَكم معاملَة المختَبِر. وقيل: ليقعَ منكم مُشاهدةً ما
علمَه غَيْباً. وقيل: هو على حذف مضاف، والتقدير: ليبتليَ أولياءُ الله تعالى(٢). وقد
تقدَّم معنى التَّمحيص(٣).
﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: ما فيها من خيرٍ وشرِّ. وقيل: ذات الصُّدور هي
الصُّدور؛ لأن ذات الشيء نفسُه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ
١٥٥)
بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اَللَّهُ عَنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ هذه الجملة هي خبرُ ((إِنَّ
الَّذِينَ تَوَلَّوْا)). والمراد مَن تولَّى عن المشركين يوم أُحُد. عن عمر ﴾ وغيره.
السُّدِّيّ: يعني مَن هرب إلى المدينة في وقت الهزيمة؛ دون مَن صَعِدَ الجبل.
وقيل: هي في قوم بأعيانهم؛ تخلَّقُوا عن النبيِّ ﴾ في وقت هزيمتهم ثلاثة أيامٍ،
ثمَّ انصرفوا (٤).
ومعنى «استزلَّهُمُ الشَّيطانُ»: استدعى زَلَلَهم بأن ذگّرهم خطايا سلفت منهم،
فكرهوا النُّبوت لئلا يُقتلوا(٥). وهو معنى قوله (٦): ((ببعضٍ ما كسبوا)).
(١) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤١٣.
(٢) معاني القرآن للزجاج ١/ ٤٨٠، والنكت والعيون ٤٣١/١.
(٣) ص٣٣٨ - ٣٣٩ من هذا الجزء.
(٤) أخرج الأقوال الطبري ٦/ ١٧٢ - ١٧٤.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤١٤/١ .
(٦) لفظ: قوله، من (ظ).

٣٧٣
سورة آل عمران: الآية ١٥٥
وقيل: ((استزلَّهم)): حملَهم على الزَّلَل، وهو استفعل، من الزَّلَّة، وهي الخطيئة.
وقيل: زَلَّ وأزَلَّ بمعنّى واحد. ثم قيل: كرهوا القتالَ قبل إخلاص التوبة، فإنما تولَّوْا
لهذا، هذا على القول الأوَّل. وعلى الثاني بمعصيتهم النبيَّ :﴿ في تركهم المركز
ومَيْلِهم إلى الغنيمة.
وقال الحسن: ((مَا كَسَبوا)): قَبُولهم من إبليس ما وَسوس إليهم(١).
وقال الكلبيُّ: زيَّن لهم الشيطانُ أعمالهم (٢).
وقيل: لم يكن الانهزامُ معصيةً؛ لأنهم أرادوا التحصُّنَ بالمدينة، ليقطعَ(٣) العدوُّ
طمعَه فيهم لمَّا سمعوا أن النبيَّ :﴿ قُتِل.
ويجوز أن يُقال: لم يسمعوا دعاء النبيِّ ﴾ للهول الذي كانوا فيه.
ويجوز أن يُقال: زاد عددُ العدوِّ على الضِّعف؛ لأنهم كانوا سبعَ مئة، والعدوُّ
ثلاثة آلاف، وعند هذا يجوز الانهزام، ولكن الانهزام عن النبيِّ # خطأٌ لا يجوز،
ولعلَّهم توهّموا أن النبيَّ ﴿ انحاز إلى الجبل أيضاً. وأحسنُها الأوَّل.
وعلى الجملة؛ فإنْ حُمِلَ الأمرُ على ذنبٍ مُحَقَّق؛ فقد عفا الله عنه، وإن حُمِل
على انهزامٍ مُسَوَّغْ؛ فالآية فيمن أبْعَدَ في الهزيمة، وزاد على القَدْر المُسَوَّغْ.
وذكر أبو الليث السَّمر قنديُّ نصرُ بن محمد بن إبراهيم(٤) قال: حدثنا الخليل بن
أحمد، قال: حدثنا السرَّاج، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا أبو بكر، عن غَيْلان بن
جرير(٥): أن عثمان كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلامٌ، فقال له عبد الرحمن :
أَتَسُبُّني وقد شهدتُ بَذْراً ولم تَشهد، وقد بايعتُ تحت الشجرة ولم تبايع، وقد كنتَ
(١) تفسير البغوي ١/ ٣٦٤ .
(٢) تفسير أبي الليث ٣٠٩/١ دون نسبة.
(٣) في (د) و (ز) و (م): فيقطع .
(٤) في تفسيره ١/ ٣١٠، وأخرج أحمد نحوه (٤٩٠) من حديث عثمان ضـ
(٥) في النسخ: حدثنا أبو بكر بن غيلان، عن جرير، والمثبت من تفسير أبي الليث، وغيلان بن جرير من
رجال التهذيب، روى له الجماعة، وهو ثقة وليس له رواية عن عثمان . وأبو بكر: لعله ابنُ شعيب بن
الحبحاب، روى له مسلم والترمذي، وروى عنه قتيبة بن سعيد.

٣٧٤
سورة آل عمران: الآية ١٥٥
تولَّيتَ(١) فيمن(٢) تَوَلَّى يوم الجَمْعِ. يعني يومَ أحُد.
فردَّ عليه عثمان، فقال: أمَّا قولُك: أنا شهدتُ بدراً ولم تشهد، فإني لم أَغِب عن
شيءٍ شهده رسول اللـه :﴿، إلا أنَّ بنتَ رسولِ اللـه﴾ كانت مريضةً، وكنتُ معها
أُمَرِّضُها، فضربَ لي رسول الله # سهماً في سهام المسلمين. وأما بيعةُ الشجرة، فإن
رسول الله ﴿ بعثَنِي رَبِيئَةً على المشركين بمكة - الرَّبِيئَةُ هو النَّاظِرُ - فضربَ رسول الله ﴾.
يمينَه على شماله، فقال: ((هذه لعثمان)). فيمينُ رسول اللـه ﴾ وشمالُه خيرٌ لي من يميني
وشمالي، وأما يوم الجَمْع؛ فقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا ◌َللَّهُ عَنْهُمْ﴾، فكنتُ فيمن عفا
الله عنهم، فَخَصَمَ (٣) عثمانُ عبد الرحمن.
قلت: وهذا المعنى صحيحٌ أيضاً عن ابن عمر - كما في ((صحيح)) البخاري (٤) -
قال: حدثنا عَبْدان، أخبرنا أبو حمزة، عن عثمان بن مَوْهَب قال: جاء رجلٌ حَجَّ
البيتَ، فرأى قوماً جلوساً، فقال: مَن هؤلاء القُعود؟ قالوا: هؤلاء قريشٌ، قال: مَن
الشيخ؟ قالوا: ابنُ عمر، فأتاه فقال: إني سائلُك عن شيءٍ أتُحدِّثُني؟ قال: أنْشُدُكَ
بحُرْمة هذا البيت، أتعلم أن عثمانَ بنَ عفَّن فَرَّ يوم أُحد؟ قال: نعم. قال: فتعْلَمُه
تَغْيَّبَ عن بَدْرٍ، فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلَّفَ عن بيعة الرِّضوان،
فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فكَبَّر. قال ابن عمر: تعالَ لِأُخبرك، ولأَبيِّنَ لك عمَّا
سألتَني عنه. أمَّا فِرارُه يوم أُحُد؛ فأشهَدُ أن الله عفا عنه، وأما تغيُُّه عن بَدْرٍ؛ فإنه كان
تحتَّه بنتُ رسولِ اللهِ﴾ وكانت مريضةً، فقال له النبيُّ﴾: ((إن لكَ أجرَ رجلٍ ممن
شَهِد بَدْراً وسهْمَه))، وأما تغيُُّه عن بيعة الرِّضوان؛ فإنه لو كان أحَدٌ أعزَّ ببطن مكة من
عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمانَ، وكانت بيعةُ الرِّضوان؛ بعد ما ذهب
عثمانُ إلى مكة، فقال النبيُّ :﴿ بيده اليُمنى: ((هذه يدُ عثمان)). فضرب بها على يده،
فقال: ((هذه لعثمان)). اذهب بهذا الآن معك.
(١) في (خ) و (د) و(ز) و(م): تولى، والمثبت من (ظ) وتفسير أبي الليث.
(٢) في (د) و (م): مع من.
(٣) في (خ) و (ز) و(ف): فخاصم، وفي (د): فحاج، وفي (م): فحج، والمثبت من (ظ) وتفسير أبي
الليث، ومعنى خَصَمَهُ، أي: غلبه في الخصام.
(٤) برقم (٤٠٦٦).

٣٧٥
سورة آل عمران: الآيتان ١٥٥ - ١٥٦
قلت: ونظيرُ هذه الآية توبةُ الله على آدمَ عليه السلام، وقولُه عليه الصلاة
والسلام: ((فحجَّ آدمُ موسى)». أي: غلبه بالحُجَّة، وذلك أن موسى عليه السلام أرادَ
توبيخَ آدَمَ ولومَه في إخراج نفسِه وذريَّتِه من الجنة بسبب أكلِه من الشجرة، فقال له
آدم: «أفتلُومُني على أمرٍ قدَّرَه الله تعالى عليَّ قبلَ أن أُخلَق بأربعين سنة، تاب عليَّ
منه))(١)، ومَن تاب عليه فلا ذنبَ له، ومَن لا ذنبَ له لا يتوجَّه عليه لومٌ، وكذلك مَنْ
عفا الله عنه. وإنما كان هذا لإخباره تعالى بذلك، وخبرُهُ صِدْقٌ، وغيرُهما من
المذنبين التائبين يرجون رحمته، ويخافون عذابَه، فهم على وَجَلٍ وخوفٍ ألَّ تُقْبَلَ
توبتُهم، وإن قُبِلت؛ فالخوفُ أغلبُ عليهم؛ إذ لا علمَ لهم بذلك. فاعلم.
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا
فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزّى لَوْ كَانُواْ ◌ِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً
١٥٦)
فِي قُلُوبِهِمُّ وَاللَّهُ يُحِىء وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني المنافقين.
﴿وَقَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ﴾ يعني في النِّفاق، أو في النَّسَب في السرايا التي بعث النبيُّ 8*
إلى بئر مَعُونَةٍ (٢).
﴿لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ فَنُهِيَ المسلمون أن يقولوا مثلَ قولهم.
وقوله: ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ هو لِما مضى، أي: إذ ضَربوا؛ لأن في الكلام معنى الشَّرط
من حيث كان ((الذين)) مُبْهَماً غيرَ موقَّت(٣)، فوقع ((إذا)) موقِعَ ((إذْ)) كما يقع الماضي في
الجزاء موضع المستقبل.
ومعنى ﴿ضَرَبُوا فِىِ الْأَرْضِ﴾: سافروا فيها، وساروا لتجارة أو غيرها، فماتوا. ﴿أَوْ
(١) أخرجه دون قوله: تاب علي منه، أحمد (٧٣٨٧)، والبخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢) من حديث
أبي هريرة ، وسلف ٢١٥/٢. وأما هذه الزيادة فلم نقف على من أخرجها، لكن معناها صحيح في
صريح الكتاب العزيز.
(٢) الوسيط للواحدي ١/ ٥١٠، وتفسير البغوي ٣٦٤/١.
(٣) يعني أن اسم الموصول: ((الذين))، فيه إبهام يعمُّ من قال في الماضي ومن يقول في المستقبل. المحرر
الوجيز ٥٣١/١.

٣٧٦
سورة آل عمران: الآية ١٥٦
كَانُواْ غُزَّى﴾: غُزاةً، فَقُتِلوا(١). والغُزَّى جمعٌ منقوصٌ لا يتغيّر لفظُها في رفعٍ وخَفْضٍ،
واحدُهم غازٍ، كراكع ورُوَّع، وصائم وصُوَّم، ونائم ونُوَّم، وشاهِد وشُهَّد، وغائب
وغُيَّب. ويجوز في الجمع: غُزاة، مثل: قُضاة، وغُزَّاء، بالمدّ، مثل: ضُرَّاب وصُوَّام.
ويقال: غَزِيّ جمع الغُزاة، قال الشاعر:
قُلْ للقوافلِ والغَزِيِّ إذا غَزَوْا(٢)
ورُويَ عن الزُّهري أنه قرأه: ((غُزّى)) بالتخفيف(٣).
والمُغْزِيَة: المرأة التي غزا زوجُها. وأتانٌ مُغْزِيَة: متأخّرة النَّتاج، ثم تُنْتَج. وأَغْزَت
الناقةُ: إذا عَسُرَ لِقاحُها. والغَزْوُ: قَصْدُ الشيء. والمَغْزَى: المَقْصِدُ. ويُقال في النَّسب
إلى الغَزْوِ: غَزَوِيّ(٤).
قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اَللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني ظَنَّهم وقولَهم. واللام متعلِّقةٌ
بقوله: (قالوا)) أي: ليجعلَ ظنَّهم أنهم لو لم يخرجوا ما قُتلوا حَسْرَةً، أي: ندامةً في
قلوبهم. والحَسْرةُ: الاهتمامُ على فائتٍ لم يُقْدَر بلوغُه، قال الشاعر:
ولم أتمتَّعْ بالجِوارِ وبالقُرْبِ(٥)
فوَاحسرَتي لم أقضٍ منها لُبانتي
وقيل: هي متعلِّقة بمحذوف، والمعنى: لا تكونوا مثلهم، ليجعل الله ذلك القولَ
حسرةٌ في قلوبهم؛ لأنهم ظهر نفاقُهم.
وقيل: المعنى: لا تُصدِّقُوهم، ولا تلتفتوا إليهم، فكان ذلك حسرةً في قلوبهم.
وقيل: ليَجْعلَ اللهُ ذلك حسرةً في قلوبهم يومَ القيامة؛ لِما هم فيه من الخِزْيِ
والنَّدامة، ولِما فيه المسلمون من النَّعيم والكرامة.
(١) تفسير البغوي ١/ ٣٦٤ .
(٢) صدر بيت لزياد الأعجم، وعجزه: والباكِرين وللمُجِدِّ الرَّائح، وهو في ديوانه ص٨٦ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤١٤/١، والقراءة في المحتسب ١٥٧/١، والقراءات الشاذة ص ٢٣ .
(٤) الصحاح (غزا) .
(٥) البيت للصِّمَّة بن عبدالله القشيري، وهو في الأغاني ٢٩٤/٧ و٢٩٥، والوحشيات ص ١٨٧، وديوانه
ص٢٨ (نقلاً عنهما). واللُّبانة: الحاجة من غير فاقة، ولكن من همَّة، يقال: قضی فلان لُبانته،
والجمع : لُبان. اللسان (لبن).

٣٧٧
سورة آل عمران: الآيات ١٥٦ - ١٥٩
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِِّ، وَيُمِيتٌ﴾ أي: يَقْدِرُ على أن يُحْيِيَ مَنْ يَخْرُجُ إلى القتال،
ويميتَ مَن أقام في أهله(١).
﴿وَلَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قُرئ بالياء والتاء(٢).
ثم أخبر تعالى أن القتلَ في سبيل الله والموتَ فيه خيرٌ من جميع الدُّنيا:
قوله تعالى: ﴿وَلَيِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ خَيْرٌ
(١٥٨)
وَلَيِن ◌ُتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ مُحْشَرُونَ
١٥٧
مِّمَّا يَجْمَعُونَ
جوابُ الجزاءِ محذوفٌ، استُغْنِيَ عنه بجواب القسم في قوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ
وَرَحْمَةٌ﴾، وكان الاستغناءُ بجواب القسم أولى؛ لأنَّ له صدرَ الكلام، ومعناه: لَيغفِرِنَّ
لكم.
وأهل الحجاز يقولون: مِتُّم، بكسر الميم، مثل: نِمتم، من: مات يَمات، مثل:
خِفتُ يَخاف. وسُفْلى مُضر يقولون: مُتّم، بضمِّ الميم، مثل: صُمْتُم، من مات
يموت، کقولك: کان یکون، وقال يقول. هذا قولُ الکوفیین، وهو حسن.
وقوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَّرُونَ﴾ وَعِظٌ؛ وَعظَهم الله بهذا القول، أي: لا تَفِرُّوا من
القتال وممَّا أمركم به، بل فِرُوا من عِقابه وأليم عذابه، فإنَّ مَردّكم إليه، لا يملك لكم
أحدٌ ضرّاً ولا نفعاً غيره(٣). والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَبِّمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ
مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْيِ فَإِذَا عَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهُّ إِنَّ
109
اَللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِلِينَ
((ما ) صلةٌ فيها معنى التأكيد، أي: فبرحمة، كقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠]،
(١) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤١٤ .
(٢) قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي من السبعة بالياء، والباقون بالتاء، السبعة ص٢١٧ ، والتيسير ص٩١ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٤١٥/١. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بضم الميم، والباقون
بكسر الميم. السبعة ص٢١٨ ، والتيسير ص٩١ .

٣٧٨
سورة آل عمران: الآية ١٥٩
﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، ﴿جُنْدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ [ص: ١١](١). وليست
بزائدة على الإطلاق، وإنما أَطلَقَ عليها سيبويه معنى الزيادة من حيث زال عملها(٢).
ابن كَيْسان: «ما» نكرة في موضع جرِّ بالباء، و(«رحمةٍ» بَدلٌ منها(٣).
ومعنى الآية: أنه عليه الصلاة والسلام لمَّا رَفَقَ بمَن تولَّى يومَ أحدٍ ولم يُعنِّفْهم،
بَيَّن الرَّبُّ تعالى أنه إنما فَعَل ذلك بتوفيق الله تعالى إياه.
وقيل: ((ما)) استِفِهامٌ، والمعنى: فِأيِّ رحمةٍ من الله لِنْتَ لهم؟ فهو تعجيب. وفيه
بُعد؛ لأنه لو كان كذلك لكان ((فبم)) بغير ألف.
﴿لِنْتَ﴾ من لَانَ يَلِينُ لِيْناً وَلَيَاناً، بالفتح.
والفَظُ: الغليظُ الجافي. فَظِظْتَ تَفَُّ فَظَاظَةً وفِظاظاً، فأنت فَِّ، والأنثى فَّةٌ،
والجمع أَفظاظ. وفي صفة النبيِّ عليه الصلاة والسلام: ليس بفَظّ ولا غليظٍ، ولا
صَخَّابٍ في الأسواق(٤).
وأنشد المُفَضَّل في المذكّر:
يَؤمُّون جَدواه ولكنَّه سَهْلُ
وليس بفَظّ في الأدَانِيِّ والأُلَى
فسطوتُه حَتْفٌ ونَائِلُه جَزْلُ
وفَظّ على أعدائه يَحذرونه(٥)
وقال آخر في المؤنَّث:
وغيري يموتُ من الكِظَّه
أموتُ من الضُرِّ في منزلي
ـنَ وهْي على ذي النُّهَى فَظّه(٦)
ودُنيا تجودُ على الجاهليـ
وغِلَظُ القلب عبارةٌ عن تجهُمِ الوجه، وقلَّةِ الانفعال في الرَّغائب، وقِلَّةِ الإشفاقِ
(١) الوسيط للواحدي ١/ ٥١٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٥٣٣/١، وذكر سيبويه ٧٦/٣ أنها لَغْو.
(٣) مشكل إعراب القرآن ١٧٨/١.
(٤) أخرجه البخاري (٢١٢٥) و (٤٨٣٨) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(٥) في (ظ): يحرزونه .
(٦) ذكرهما أبو موسى المديني في المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث ٤٩/٣ دون نسبة.

٣٧٩
سورة آل عمران: الآية ١٥٩
والرَّحمة، ومن ذلك قولُ الشاعر:
يُبْكَى علينا ولا نَبكي على أحدٍ لَنحنُ أغلظُ أكباداً من الإبلِّ(١)
ومعنى ﴿لَأَنفَضُواْ﴾: لتفرَّقوا، فضَضْتَهم فانفضُوا، أي: فرَّقتَهم فتفرَّقوا، ومن ذلك
قول أبي النَّجم يصف إيلاً:
مُستعجلات القيض(٢) غير جُرْدِ ينفضُّ عنهنَّ الحصى بالصَّمْدِ(٣)
وأصلُ الفضِّ: الكسرُ، ومنه قولهم: لا يَفضُضِ اللهُ فاك.
والمعنى: يا محمَّد، لولا رِفْقُك لَمنَعَهم الاحتشامُ والهيبةُ من القُربِ منك بعد ما
كان من تَولِّيهم.
قوله تعالى: ﴿فَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِىِ آلْأَسِّ﴾
فيه ثمان مسائل :
الأولى: قال العلماء: أمرَ الله تعالى نبيَّه ﴿ بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ،
وذلك أنه أمرَه بأنْ يعفوَ عنهم ما له في خاصَّته عليهم من تَّبِعَة، فلما صاروا في هذه
الدَّرجة، أمرَه أن يستغفرَ فيما لله عليهم من تَبِعةٍ أيضاً، فإذا صاروا في هذه الدَّرجة،
صاروا أهلاً للاستشارة في الأمور (٤).
قال أهل اللغة: الاستشارةُ مأخوذةٌ من قول العرب: شُرْتُ الدابَّةَ وشَوَّرتُها: إذا
علمت خبرها بجري أو غيره. ويقال للموضع الذي تركُضُ فیه: مِشوار. وقد یکون من
قولهم: شُرْتُ العسلَ واشْتَرْتُه فهو مَشُورٌ ومُشَار: إذا أخذتَه من موضعه؛ قال عديُّ بن
زيد :
(١) المحرر الوجيز ٥٣٣/١، ونسب المرزوقي البيت في شرح حماسة أبي تمام ص٥٩١ ، والبغدادي في
الخزانة ٦/ ٣٧ إلى المهلهل، ونسبه ابن قتيبة في عيون الأخبار ١٩٢/٢ إلى المخبَّل، ونسبه الثعالبي في
ثمار القلوب ص٣٤٨ ، والزمخشري في المستقصى ٦٩/١ إلى بلعاء بن قيس الكناني.
(٢) في (د): الغيض، وفي (ز) و(ف): القميض، وفي (ظ): الغيظ، والمثبت من (خ) و(م).
(٣) لم نقف عليه.
(٤) المحرر الوجيز ٥٣٣/١ - ٥٣٤.

٣٨٠
سورة آل عمران: الآية ١٥٩
في سَماعٍ يأَذَنُ الشَّيخُ له وحَديثٍ مثلٍ مَاذيٍّ مُشارٍ(١)
الثانية: قال ابن عطية(٢): والشُّورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، مَن لا
يستشيرُ أهلَ العلم والدِّين فعزلُه واجبٌ، هذا ما لا خلاف فيه. وقد مدح الله المؤمنين
بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
وقال أعرابيٍّ: ما نُبِنْتُ قطّ حتى يُغْبَنَ قومي، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لا أَفْعَلُ.
شيئاً حتى أشَاوِرَهُم(٣).
وقال ابن خُوَيْزِ منداد: واجبٌ على الولاة مشاورةُ العلماءِ فيما لا يعلمون، وفيما
أشكَّلَ عليهم من أمور الدِّين (٤)، ووجوهِ الجيش فيما يتعلَّقُ بالحرب(٥)، ووجوهٍ
الناس فيما يتعلَّقُ بالمصالح، ووجوهِ الكُتَّاب والوزراء والعمال فيما يتعلَّق بمصالح
البلاد وعمارتها.
وكان يُقال: ما نَدم من استشار(٦). وكان يُقال: مَن أُعجِبَ برأيه ضَلَّ.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ آلْأَمْ﴾ يدلُّ على جواز الاجتهاد في الأمور
والأخذِ بالظُّنون مع إمكان الوحي، فإن الله أذِنَ لرسوله ﴾ في ذلك(٧).
واختلف أهلُ التأويل في المعنى الذي أَمر الله نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام أن
يشاورَ فيه أصحابَه، فقالت طائفةٌ: ذلك في مكايد الحروب، وعند لقاء العدوّ،
وتطييباً لنفوسهم، ورفعاً لأقدارهم، وتألَّفاً على دينهم، وإن كان الله تعالى قد أغناه
(١) تهذيب اللغة ٤٠٤/١١، ومجمل اللغة ٥١٦/١ ، والصحاح (شور).
(٢) في المحرر الوجيز ١/ ٥٣٤ .
(٣) أورده ابن قتيبة في عيون الأخبار ٣٢/١ .
(٤) في (ظ): الدنيا.
(٥) في (د): بمصالح العباد.
(٦) قطعة من حديث أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٦٢٣)، وفي الصغير (٩٨٠)، وعنه القضاعي (٧٧٤)
من طريق عبد السلام بن عبد القدوس بن حبيب، عن أبيه، عن الحسن، عن أنس ﴾ مرفوعاً. قال
الطبراني: لم يروه عن الحسن إلا عبد القدوس، تفرد به ولده عنه. أه وعبد القدوس هذا قال فيه
الذهبي في الميزان ٦٤٣/٢: قال الفلآّس: أجمعوا على ترك حديثه، وقال ابن عدي: أحاديثه منكرة
الإسناد والمتن.
(٧) أحكام القرآن للكيا الطبري ٣٠٥/١.