النص المفهرس
صفحات 341-360
+ ٣٤١ سورة آل عمران: الآية ١٤٤ قُتل محمد(١). قال عطية العَوْفي: فقال بعض الناس: قد أُصيبَ محمد فأعطوهم بأيديكم، فإنما هم إخوانكم. وقال بعضهم: إن كان محمدٌ قد أُصيب؛ ألا تَمْضُون على ما مضى عليه نبيِّكم حتى تلحقوا به؟ فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾(٢). وما نافية، وما بعدها ابتداءٌ وخبر، وبطل عمل ((ما)). وقرأ ابن عباس: ((قد خَلَتْ مِن قبله رُسُلٌ)) بغير ألف ولام(٣). فَأَعْلمَ الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقيةٍ في قومها أبداً، وأنه يجب التمسُّكُ بما أتَتْ به الرُّسل؛ وإِن فُقِد الرسول بموتٍ أو قتلٍ. وأكرمَ نبيَّه﴿ وصفيَّه باسمَيْن مشتقَّيْن من اسمه: محمد وأحمد (٤)، تقول العرب: رجل مَحْمُودٌ ومُحَمَّد: إذا كثُرت خِصاله المَحمودة، قال الشاعر: إلى الماجِدِ القَرْمِ الجَوَادِ المحَمَّدِ وقد مضى هذا في الفاتحة(٥). وقال عباس بن مِرْداس : بالحقّ(٦) كلُّ هُدَى السَّبيلِ هُداكا يا خاتَمَ النُّبَآءَ إِنَّك مُرْسَلٌ في خَلْقِه ومُحَمّداً سَمَّاكا(٧) إن الإِله بَنّى عليك مَحبَّةً (١) أخرجه الطبري ١٠٣/٦ من قول الضحاك بنحوه، و١١٦/٦ من قول ابن زيد، وسيأتي ص ٣٦٤ من هذا الجزء ضمن حديث طويل لابن عباس رضي الله عنهما. (٢) أسباب النزول للواحدي ص ١٢٠ . (٣) ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤٠٩/١، وذكر القراءة ابن جني في المحتسب ١٦٨/١، ونسبها لحِطَّان ابن عبدالله، وقال: وكذلك هي في مصحف ابن مسعود. (٤) انظر تفسير البغوي ٣٥٨/١ . (٥) ١/ ٢٠٥، والشاعر هو الأعشى ميمون بن قيس. (٦) في (م) : بالخير. (٧) ذكر هذين البيتين السُّهيلي في الروض الأنف ١٣١/٤ ، ضمن قصيدة قالها عبّاس بن مِرْداس ظله يوم حنین. ٣٤٢ سورة آل عمران: الآية ١٤٤ فهذه الآيةُ مِن تَتِمَّةِ العِتاب مع المُنهزِمين، أي: لم يكن لهم الانهزام وإِن قُتلَ محمدٌ، والنبوّة لا تَدْرَأُ الموتَ، والأديانُ لا تزول بموت الأنبياء. والله أعلم. الثانية: هذه الآية أدلُّ دليلٍ على شجاعة الصدِّيق وجَرَاءَتِه(١)، فإن الشجاعة الجُرأة، وحدُّها(٢) ثُبوتُ القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبةً أعظم من موت النبيّ ﴿ - كما تقدَّم بيانُه في ((البقرة))(٣) - فظهرتْ عنده شجاعتُه وعلمُه؛ قال الناس: لم يَمُتْ رسول الله ﴾، منهم عمر، وخَرِسَ عثمان، واستخفی عليٍّ، واضطرب الأمر، فكشّفَه الصدِیق بهذه الآیة حین قدومه من مسکنه بالسُّنْح، الحدیث. کذا في البخاري (٤). وفي ((سنن)) ابن ماجه عن عائشة قالت: لما قُبض رسولُ اللـه ◌ُ﴾ وأبو بكر عند امرأته ابنةٍ خارجةً بالعَوَالي، فجعلوا يقولون: لم يَمُتِ النبيُّ ﴿، إنما هو بعضُ ما كان يأخذُه عند الوَحْي، فجاء أبو بكر، فكشفَ عن وجهه، وقَبَّلَ بين عينيه، وقال: أنتَ أكرم على الله من أن يُميتَك مرتين، قد - واللهِ - مات رسولُ الله ﴾. وعمرُ في ناحية المسجد(٥) یقول: والله ما مات رسولُ الله ﴾، ولا یموت حتی یقطعَ أيدي أُناس من المنافقين كثيرٍ وأرجلَهم. فقام أبو بكر، فَصَعِدَ المنبرَ فقال: مَنْ كان يعبدُ الله؛ فإنَّ الله حيٍّ لم يمتْ، ومَن كان يعبدُ محمداً؛ فإنَّ محمداً قد مات، ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَّ أَعْقَبِّكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾. قال عمر: فَلَكَأَنِّي(٦) لم أَقرأها إلا يومئذ(٧). (١) في (خ): وجرأته، وهما بمعنى. (٢) في (د) و (خ): حدها، وفي (م): فإن الشجاعة والجرأة حدهما ... ، والمثبت من (ظ). (٣) ٢ /٤٦٦ - ٤٦٧ . (٤) صحيح البخاري (١٢٤١) و (١٢٤٢)، وهو من حديث عائشة رضي الله عنها، وانظر مسند أحمد (٢٥٨٤١) وقوله: بالسُّنْح؛ قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١١٥/٣: هي منازل بني الحارث بن الخزرج، وكان أبو بكر متزوجاً فيهم. (٥) قوله: المسجد، ليس في النسخ، وأثبتناه من (م) وسنن ابن ماجه. (٦) في النسخ الخطية، فكأني، والمثبت من (م) وسنن ابن ماجه. (٧) سنن ابن ماجه (١٦٢٧) . ٣٤٣ سورة آل عمران: الآية ١٤٤ ورجَع عن مَقَالته التي قالها فيما ذكر الوَائلي أبو نَصْر عُبيد الله(١) في كتابه ((الإبانة)): عن أنس بن مالك، أنه سمع عمرَ بنَ الخطاب - حين بُويع أبو بكر في مسجد رسول الله ﴾. واستوى على مِنبر رسول اللـه ﴾ . - تشهَّد قبل أبي بكر، فقال: أمّا بعد، فإني قلتُ لكم أمسٍ مَقَّالةً، وإِنها لم تكن كما قلتُ، وإِني - والله - ما وجدتُ المقالةَ التي قلتُ لكم في كتاب أنزله الله، ولا في عَهْدٍ عَهِدهُ إِليَّ رسولُ الله ◌ِ﴾، ولكني كنتُ أرجو أن يعيشَ رسول اللـه :﴿ حتى يَدْبُرَنا - يريد أن يقول: حتى يكونَ آخِرَنا موتاً - فاختار الله عزَّ وجلَّ لرسوله الذي عندَه على الذي عندكم، وهذا الكتابُ الذي هَدَى اللهُ به رسولَه، فخُذُوا به تَهتدوا لِمَا هدى له رسولَ اللهِ﴾(٢). قال الوائلي أبو نصر: المَقالةُ التي قالها ثم رَجَع عنها هي: أن النبيَّ ﴿ لم يَمُتْ، ولن يموتَ حتى يقطعَ أيديّ رجال وأرجلهم. وكان قال ذلك لِعظيم ما وَرَد عليه، وخشيَ(٣) الفتنة وظُهور المنافقين، فلما شاهدَ قوَّة يقينِ الصدّيق الأكبر أبي بكر، وتفوُّهَه بقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْوَّتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقولِه: ﴿إِنَّكَ مَّتُ وَإِنَّهُم ◌َّبِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وما قاله ذلك اليوم، تَنَبَّهَ وتثبّتَ وقال: كأنِّي لم أسمَعْ بالآية إِلا من أبي بكر. وخرجَ الناسُ يتلونَها في سِكّك المدينة، كأنها لم تنزِلْ قُ إِلا (٤) ذلك اليوم(٤). ومات * يومَ الاثنين بلا اختلاف - في وقت دخوله المدينة في هجرته - حين اشتدَّ الضحاء(٥)، ودُفِنَ يومَ الثلاثاء، وقيل: ليلة الأربعاء(٦). وقالت صفيةُ بنت عبد المُطَّلب ترثي رسولَ الله﴾: (١) عبيد الله بن سعيد بن حاتم البكري، السِّجْزي، شيخ الحرم، وكتابه الإبانة الكبرى في أن القرآن غير مخلوق، وهو مجلد كبير دالٌ على سَعة علمه بفنٌّ الأثر. توفي سنة (٤٤٤ هـ). السير ٦٥٤/١٧ . (٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن حبان (٦٦٢٠) ضمن حديث طويل، وهو عند البخاري (٧٢١٩) بنحوه مختصر. (٣) في (خ) و (ظ) : ويخشى. (٤) ينظر صحيح البخاري (١٢٤٢). (٥) في (د) و (ظ): الضحى . (٦) انظر التمهيد ٣٩٥/٢٤ - ٣٩٦، وقوله: مات رسول الله * يوم الاثنين أخرجه البخاري (١٣٨٧) من حديث عائشة رضي الله عنها. ٣٤٤ سورة آل عمران: الآية ١٤٤ وكنتَ بِنا بَرّاً ولم تَكُ جافِيا ألا يا رسولَ الله كنتَ رجاءنا وكنتَ رحيماً هادياً ومُعلِّماً لعمرُك ما أبكِي النبيَّ لِفَقْدِهِ كأنَّ على قلبي لِذِكرٍ محمدٍ أفاطِمُ صلى الله ربُّ محمدٍ فِدًى لرسول الله أُمِّي وخالتي صَدَقْتَ وبلَّغتَ الرسالةَ صادقاً فلو أنَّ ربَّ الناس أبقَى نبيَّنا عليك من الله السلامُ تحيةً أرى حَسَناً أَيْتَمتَه وتركتَه لِيَبْكِ عليك اليومَ من كان باکِیا ولكنْ لِما أخشَى من الهَرْجِ آنيا وما خِفتُ من بعد النبيِّ المكاوِيا على جَدَثٍ أمسَى بيَثْرِبَ ثَاوِيا وعمِّي وآبائي ونفسي ومالِيا ومُتَّ صَلِيبَ العودِ أبْلَجَ صافِيا سَعِدْنا، ولكنْ أمرُه كان ماضِيا وأُدْخِلتَ جناتٍ من العَدْن راضٍيا يُبَكِّي ويدعو جدَّه اليوم ناعِيا(١) فإن قيل - وهي : الثالثة -: فَلِمَ أُخِّر دَفْنُ رسول الله ﴾ وقد قال لأهل بيت أخَّروا دفنَ ميتهم: ((عَجِّلُوا دفْنَ جِيفَتِكم، ولا تُؤَخِّروها))(٢). فالجواب من ثلاثة أوجه: الأوّل: ما ذكرناه من عَدَمِ اتِّفاقهم على موته. الثاني: لأنهم لا يعلمون حيث يَدْفِنُونه؛ قال قوم: في البَقِيع، وقال آخرون: في المسجد، وقال قوم: يُحبَس حتى يُحمّل إلى أبيه إِبراهيم، حتى قال العالم الأكبر: (١) أخرج هذه الأبيات الطبراني في الكبير ٢٤/ (٨٠٦)، وأوردها الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٩/٩، ووقع البيت الأخير: ((أرى حسناً .. )) فيهما بعد البيت الخامس: ((أفاطم ... )). (٢) ذكره بهذا اللفظ ابن العربي في القبس ٤٤٨/٢، ونقله المصنف عنه. وأخرج أبو داود (٣١٥٩) عن الحصين بن وَخْوَح أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي :# يعوده، فقال: ((إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فآذنوني به وعجِّلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلمٍ أن تُحبس بين ظهراني أهله)). وأخرج الترمذي (١٠٧٥) وابن ماجه (١٤٨٦) عن علي بن أبي طالب # أن رسول الله # قال: ((لا تؤخّروا الجنازة إذا حضرت)). واللفظ لابن ماجه. ٣٤٥ سورة آل عمران: الآية ١٤٤ سمعتُه يقول: ((ما دُفِنَ نبيَّ إِلا حيث يموت)) ذكره ابن ماجه و((الموطأ))(١) وغيرهما. الثالث: أنهم اشتغلوا بالخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة، فنظروا فيها حتى استتبَّ الأمرُ، وانتظمَ الشَّمْل، واستوثقت الحال، واستقرَّت الخلافةُ في نصابها، فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه من الغد بيعةً أخرى عن ملأ منهم ورِضاً، فكشفَ الله به الكُرْبةَ من أهل الرِّدَّة، وقام به الدّين، والحمد لله رب العالمين. ثم رجّعوا بعد ذلك إِلى النبيِّ ﴿، فنظروا في دَفْنه وغسَّلوه وكفَّنوه. والله أعلم(٢). الرابعة: واختُلف هل صُلِّيَ عليه أم لا، فمنهم من قال: لم يصلِّ عليه أحدٌ، وإنما وقفَ كلُّ واحد يدعو؛ لأنه كان أشرفَ من أن يُصَلَّى عليه. قال ابن العربيِّ: وهذا كلام ضعيفٌ؛ لأن السُّنة تُقام بالصلاة عليه في الجنازة، كما تُقام بالصلاة عليه في الدعاء، فيقول: اللَّهَمَّ صَلِّ على محمد، إلى يوم القيامة، وذلك منفعةٌ لنا. وقيل: لم يُصَلَّ عليه؛ لأنه لم يكن هناك إمام. وهذا ضعيفٌ؛ فإنّ(٣) الذي كان يُقيم بهم الصلاةَ الفريضة هو الذي كان يَؤُمُّ بهم في الصلاة عليه (٤). وقيل: صلَّى عليه الناسُ أفذاذاً؛ لأنه كان آخرّ العهد به، فأرادوا أنْ يأخذَ كلٌّ أحدٍ بَركتَه مخصوصاً؛ دون أن يكون فيها تابعاً لغيره. والله أعلم بصحة ذلك(٥). قلت: قد خرَّج ابن ماجه بإسناد حسن - بل صحيح(٦) - من حديث ابن عباس، وفيه: فلما فرَغوا من جَهَازِه ◌ِ ﴿ يومَ الثلاثاء، وُضِعَ على سريره في بيته، ثم دخل الناسُ على رسول الله ﴿ أَرْسالاً يُصلُّون عليه، حتى إذا فرَغوا أدخلوا النساء، حتى (١) سنن ابن ماجه (١٦٢٨)، والموطأ ٢٣١/١ (وهو من بلاغات مالك). وقوله: العالم الأكبر: يعني أبا بكر الصديق ﴾. (٢) ينظر القبس ٤٤٨/٢. (٣) في (ظ) و (م): لأن. (٤) قوله: علیه، زيادة من (ظ). (٥) القبس ٤٤٨/٢-٤٤٩ . (٦) في هذا الكلام نظر، وانظر التعليق التالي، ٣٤٦ سورة آل عمران: الآية ١٤٤ إذا فرغْنَ أدخلوا الصبيان، ولم يَؤُمَّ الناسَ على رسول الله ﴾ أحدٌ. خرَّجه عن نَصْر ابن علي الجَهْضَميّ، أنبأنا وَهْب بنُ جرير، حدثنا أَبي، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني حسين بن عبدالله، عن عكرمة، عن ابن عباس، الحديثَ بطوله(١). الخامسة: في تغيير الحال بعد موت النبيِّ﴾، عن أنس قال: لمَّا كان اليومُ الذي دخل فيه رسولُ اللـه :﴿ المدينةَ؛ أضاءَ منها كلُّ شيء، فلما كان اليومُ الذي مات فيه؛ أظلم منها كلُّ شيءٍ، وما نَفَضْنا عن النبيِّ ﴾ الأيديّ حتى أَنْكرنا قلوبنا. أخرجه ابن ما جه(٢)، وقال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، حدثنا سفيان، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر قال: كنّا نتَّقِي الكلامَ والانبساطَ إلى نسائنا على عهد رسول الله﴿ مخافةً أن يُنزَلَ فينا القرآن، فلما مات رسولُ الله ﴾ تكلَّمنا(٣). وأَسند عن أُمِّ سلَمةَ بنتِ أبي أُميَّةَ زوج النبيِّ ﴾ [أنها قالت]: كان الناسُ على (٤) عهد رسول الله ﴾ إذا قام المُصَلِّي [يصلي] لم يَعْدُ بَصَرُ أحدِهم موضعَ قَدَمَیه، فتوفي(٥) رسولُ الله ◌ِ﴾ وكان أبو بكر، فكان الناسُ إذا قام أحدُهم يُصلِّي لم يَعْدُ بَصَرُ أحدِهم موضعَ جبينه، فَتُوِّي أبو بكر وكان عمر، فكان الناس إذا قام أحدُهم يصلِّي لم يَعْدُ بَصَرُ أحدهم موضعَ القِبْلة، وكان(٦) عثمانُ بن عفان، فكانت الفتنةُ، فتلفَّتَ الناسُ في الصلاة يميناً وشمالاً(٧). قوله تعالى: ﴿أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَىَّ أَعْقَبِكُمْ﴾ ((أفإنْ مات)) شرط، ((أو (١) سنن ابن ماجه (١٦٢٨). قال البوصيري في مصباح الزجاجة ٢٩١/١: هذا إسناد فيه الحسين بن عبدالله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي، تركه الإمام أحمد وعلي بن المديني والنسائي، وقال البخاري: يقال: إنه يُتَّهم بالزندقة، وقواه ابن عديٍّ، وباقي رجال الإسناد ثقات. (٢) في سننه (١٦٣١). (٣) سنن ابن ماجه (١٦٣٢). (٤) في (م) وسنن ابن ماجه: في. (٥) في (م) وسنن ابن ماجه: فلما توفي. (٦) في (خ) و (د) و(م): فكان. (٧) سنن ابن ماجه (١٦٣٢) و (١٦٣٤)، وما بين حاصرتين منه. ٣٤٧ سورة آل عمران: الآيتان ١٤٤ - ١٤٥ قُتل)) عطف عليه، والجواب: ((انقلَبتُم)). ودخل ألف(١) الاستفهام على حرف الجزَاء؛ لأن الشرط قد انعقدَ به وصار جملةً واحدةً وخبراً واحداً. والمعنى: أَفتنقَلِبون على أعقابكم إنْ مات أو قُتِل؟! وكذلك كلُّ استفهام دَخل على حرف الجزاء، فإنه في غير موضعه، وموضعُه أن يكون قبل جواب الشرط(٢). وقوله: ((انقلَبْتُم على أَعْقابِكم)) تمثيلٌ، ومعناه: ارتدَدْتُم كُفَّاراً بعد إيمانكم، قاله قتادةُ وغيره. ويقال لمن عاد إلى ما كان عليه: انقلب على عَقِبَيْه. ومنه: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾(٣) [الأنفال: ٤٨]. وقيل: المرادُ بالانقلاب هنا الانهزام، فهو حقيقةٌ لا مجاز. وقيل: المعنى: فعلتُم فعلَ المرتدِّين وإنْ لم تكن رِدَّةٌ. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ بل يضرُّ نفسَه، ويُعرِّضُها للعِقاب بسبب المُخالفة، والله تعالى لا تنفعُه الطاعةُ، ولا تضرُّه المعصية(٤)؛ لِغِناه. ﴿وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾، أي: الذين صَبَرُوا وجاهدوا واستُشهدوا. وجاء ﴿وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ بعد قوله: ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ فهو اتِّصالُ وَعْد (٥) بوعيد (٥). قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَبَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَاْ وَسَنَجْزِى الشَِّكِينَ ١٤٥ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَّفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَا﴾ هذا حَضَّ على الجهاد، وإعلامٌ بأنَّ(٦) الموتَ لا بدَّ منه، وأنَّ كلَّ إنسانٍ مقتولٍ أو غير مقتولٍ مَيِّتٌ إذا بلغَ أجلَه المكتوبَ له؛ لأن معنى ((مُؤَجَّلاً)): إلى أجل. ومعنى ((بإذن الله)): (١) في (م): حرف. (٢) انظر معاني القرآن للفراء ٢٣٦/١، ومعاني القرآن للزجاج ٤٧٤/١، وإعراب القرآن للنحاس ٤٠٩/١ - ٤١٠. (٣) انظر تفسير الرازي ٩/ ٢٢، وقول قتادة أخرجه الطبري ٦/ ٩٨ - ٩٩. (٤) في (خ) و (ظ): ولا يتضرَّر بالمعصية. (٥) انظر مجمع البيان ٢١٨/٢. (٦) في (خ) و (د) و (م): أن. ٣٤٨ سورة آل عمران: الآية ١٤٥ بقضاء الله وقَدَره. و((كتاباً)) نصب على المصدر، أي: كتبَ الله كتاباً مُؤَجَّلاً. وأجلُ الموت: هو الوقتُ الذي في معلومه سبحانه، أنّ روح الحيِّ تُفارق جسده، ومتى قُتل العبدُ علمنا أن ذلك أجلُه. ولا يصحُّ أن يقال: لو لم يُقْتَلْ لَعَاش. والدليل عليه (١) قوله: ﴿كِتَبًا مُؤَجَّلاً﴾، ﴿فَإِذَا جَآءَ أَلُهُمْ لَا يَسْتَأِْرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَنٍ ﴾ [العنكبوت: ٥]، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]. والمعتزِليُّ يقول: يتقدَّم الأجل ويتأخّر، وأنَّ من قُتل فإنما يَهْلِك قبل أجلِه، وكذلك كلُّ ما ذُبح من الحيوان كان هلاكُه قبل أجله؛ لأنه يجب على القاتل الضَّمَانُ والدِّيَةُ. وقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه لا تَهْلِكُ نفسٌ قبل أجلها(٢). وسيأتي لهذا مزيد بيان في ((الأعراف)) إن شاء الله تعالى(٣). وفيه دليلٌ على كَتْب العلم وتدوينه. وسيأتي بيانه في ((طه)) عند قوله: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِى فِ كِتَبٍ﴾ [الآية: ٥٢] إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدَّ ثَوَابَ الدُّنْيَا تُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾ يعني: الغنيمة؛ نزلت في الذين تركوا المَرْكَزَ طلباً للغنيمة. وقيل: هي عامَّة في كلِّ من أرادَ الدنيا دون الآخرة، والمعنى: نُؤْتِهِ مِنها ما قُسم له. وفي التنزيل: ﴿مَّن كَانَ يُرِيِدُ الْعَلِلَةَ عَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَنْ تُرِيدٌ﴾ [الإسراء: ١٨]. ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ، مِنْهَا﴾ أي: نُؤْتِه جزاءَ عملِه، على ما وصفَ الله تعالى مِن تضعيف الحسنات لمن يشاء. وقيل: المراد بهذا(٤) عبدُ الله بن جُبير ومن لَزِمَ المَرْكَزَ معه حتى قُتِلوا(٥). ﴿وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ﴾ أي: نُؤتيهم الثوابَ الأبَديَّ جزاءً لهم على ترك الانهزام، فهو تأكيدٌ لما تقدَّم من إيتاء مَزيد الآخرة. وقيل: ﴿وَسَنَجْزِى الشَّلَكِرِينَ﴾ من الرزق في (١) في (م): على. (٢) انظر تفسير أبي الليث ٣٠٥/١. (٣) في تفسير الآية (٣٤) منها. (٤) في (م): المراد منها. (٥) انظر الوسيط ٥٠٠/١، وتفسير البغوي ٣٥٩/١. ٣٤٩ سورة آل عمران: الآيات ١٤٥ - ١٤٧ الدنيا لئلا يُتَوَهَّمَ أن الشاكر يُحرم ما قُسِم له مما يَناله الكافر (١). قوله تعالى: ﴿وَأَِّنِ مِّن نَّبِيِّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُقُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ (٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىّ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَ اُلْقَوْمِ V اُلْكَفِرِينَ قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيِّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قال الزُّهريُّ: صاح الشيطان يوم أُحُد: قتِل محمد، فانهزم جماعةٌ من المسلمين. قال كعب بن مالك: فكنتُ أوَّلَ من عَرَفَ رسول اللـه ◌َ﴾، رأيتُ عَيْنَيْه من تحت المِغْفَر تَزْهَران، فناديتُ بأعلى صوتي: هذا رسولُ اللهِ ﴾، فأَوْماً إليَّ أن اسكُتْ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيّ قُتِلَ مَعَهُ رِبْتُونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ الآية(٢). و ((كَأَيِّن)) بمعنى: كم. قال الخليل وسيبويه: هي ((أيّ)) دخلَتْ عليها كافُ التشبيه وبُنيت معها، فصار في(٣) الكلام معنى ((كم))، وصُوِّرت في المصحف نوناً؛ لأنها كلمة نُقِلتْ عن أصلها، فَغُيِّر لفظُها لِتغيُّرِ معناها، ثم كَثُر استعمالها، فتلعَّبَت بها العرب. وتصرَّفتْ فيها بالقلب والحذف، فَحدَثَ(٤) فيها لُغاتٌ أربعٌ قُرِئ بها. وقرأ ابن كثير: ((وكَائِنْ)) مثل: وكَاعِنْ، على وزن فاعل، وأصله: كَيْءٍ، فَقُلبت الياءُ ألفاً، كما قُلبت في بَيْأس، فقيل: ياءَسُ(٥)، قال الشاعر: وكَائِنْ بالأبَاطِحِ من صديقٍ يَرَاني لو أُصِبْتُ هو المُصَابَا(٦) (١) انظر مجمع البيان ٢٢٠/٢ . (٢) معاني القرآن للنحاس ٤٨٩/١-٤٩٠، وقول الزهري سلف ٢٢١/٤ ولم ينسبه المصنف هناك لأحد، وقول كعب بن مالك ﴾ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٣٥)، والطبري ٦/ ١٥٤ مطولاً. (٣) لفظة ((في)) من (م). (٤) في (م): فحصل. (٥) انظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤١٠، والسبعة ص٢١٦، والتيسير ص ٩٠. (٦) قائله جرير، وهو في ديوانه ١/ ٢٤٤ . ٣٥٠ سورة آل عمران: الآيتان ١٤٦ - ١٤٧ وقال آخر : وكَائِنْ رَدَدْنا عنكُمُ مِن مُدَجَّجِ يَجيءُ أمامَ الرَّكْبِ يَرْدِي مُقَنَّعًا (١) وقال آخر : وكَائِنْ في المعاشِرِ من أُنَاسِ أخوهم فَوْقَهم وهُمُ كِرامُ(٢) وقرأ ابن مُحَيصِن: ((وكَئِنْ)) مهموزاً مقصوراً، مثل: وكَعِنْ، وهو من كَائِنْ، حُذفتْ ألفه. وعنه أيضاً: ((وكَأُمِن)) مثل: وكَعْيِنْ، وهو مقلوب كَيْءٍ المُخفّف(٣). وقرأ الباقون: (كَأَيِّنْ)) بالتشديد مثل: كَعَيِّن، وهو الأصل(٤)، قال الشاعر: كَأَيِّنْ من أُناسٍ لم يزالوا أخوهم فوقَهم وهُمُ كرامُ (٥) وقال آخر : كأَيِّنْ أَبَدْنا من عدوٍّ بِعزِّنا وكائِنْ أَجَرْنا من ضَعِيف وخائف (٦) فجمعَ بین لُغتین : کایِّنْ وگَائِنْ. ولغة خامسة: كَيْئِنْ مثل: كَيْعِنْ، وكأنه مخفّف من كَيِّء، مقلوب کأُيِنْ. ولم یذکر الجوهري(٧) غير لغتين: كائِنْ مثل كاعِنْ، وكأَيِّنْ مثل كَعَيِّنْ، تقول: كأَيِّنْ رجلاً لَقِيتُ، بنصب ما بعد كأَيِّنْ على التمييز. وتقول أيضاً: كأَيِّنْ مِن رجل لَقِيتُ، وإدخال ((مِنْ)) بعد ((كأيِّنْ)) أكثرُ من النَّصب بها وأجودُ. وبكأَيِّنْ تبيعُ هذا الثوبَ؟ أي: بكم (١) قائله عمر بن شاس كما في منتهى الطلب من أشعار العرب ٥١/٨، وفيه: متوَّج، بدل: مدجَّج، والألف بدل: الركب، وأورده سيبويه في الكتاب ٢/ ١٧٠، وأبو علي الفارسي في الحجة ٨٠/٣، وابن عطية في المحرر الوجيز ٥١٨/١ . وقوله: يردي، من ردت الخيلَ رَدْياً ورَدَياناً: إذا رجمت الأرض بحوافرها في سيرها وعدوها. اللسان (ردی). (٢) لم نهتد إلى قائله: وأورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٥١٨/١، وفيه: كأيِّن. (٣) القراءات الشاذة ص٢٢، والمحتسب ١/ ١٧٠، والمحرر الوجيز ٥١٩/١. (٤) السبعة ص ٢١٦ ، والتيسير ص ٩٠ . (٥) لم نقف عليه، وانظر البيت السالف قبله. (٦) لم نقف عليه. (٧) في الصحاح (كين). ٣٥١ سورة آل عمران: الآيتان ١٤٦ - ١٤٧ تبيع، قال ذو الرمّة : بلادُ العِدا ليست له بِبِلادِ(١) وكَائِنْ ذَعَرْنا من مَهَاةٍ ورامِحٍ قال النحاس: ووقف أبو عمرو: ((وكَأَيّ)) بغير نون؛ لأنه تنوين. وروى ذلك سَوْرَةٌ بن المبارك(٢) عن الكسائيّ. ووقف الباقون بالنون اتباعاً لخطٌّ المصحف(٣). ومعنى الآية تشجيعُ المؤمنين، والأمرُ بالاقتداءِ بمن تقدَّم من خيار أَتْباع الأنبياء، أي: كثيرٌ من الأنبياء قُتِل معه رِبِّيون كثير، أو كثيرٌ من الأنبياء قُتِلوا، فما ارتدَّ أُمَمهم؛ قولان : الأوّل: للحسن وسعيد بنٍ جُبير؛ قال الحسن: ما قُتِلَ نبيٌّ في حرب قطٌ. وقال ابن جُبير: ما سَمِعنا أنّ نِيّاً قُتِلَ في القتال(٤). والثاني: عن قتادة وعكرمة، والوقف ـ على هذا القول - على ((قُتِل)) جائز، وهي قراءةُ نافع وابن كثير(٥) وأبي عمرو ويعقوب(٦). وهي قراءة ابن عباس، واختارها أبو حاتم. وفیه وجهان : أحدهما: أن يكون ((قُتِل)) واقعاً على النبيِّ وحدَه، وحينئذ يكون تمامُ الكلام عند قوله: ((قُتِلَ))، ويكون في الكلام إضمارٌ، أي: ومعه رِبُّون كثيرٌ، كما يقال: قُتِل الأمير؛ معه جيشٌ عظيمٌ، أي: ومعه جيش. وخَرجْتُ معي تجارة، أي: ومعي. (١) ديوان ذي الرمة ٦٨٨/٢، وفيه: الورى، بدل: العدا. وقال شارح الديوان: المها: بقر الوحش؛ الواحدة، مھَاة، ورامح: ثور له قَرْن. (٢) الخراساني، الدينوري، روى القراءة عن الكسائي، وهو من المكثرين عنه. طبقات القراء ٣٢١/١. (٣) الكلام في المحرر الوجيز ٥١٩/١، ولم نقف عليه للنحاس. وقراءة أبي عمرو وقفاً ذكرها الداني في التيسير ص ٦٠ - ٦١، وأما قراءة الكسائي وقفاً فهي في قوله تعالى: ﴿ويكأن الله﴾ و﴿ويكأنه﴾ [القصص: ٨٢] لا غير. (٤) ذكرهما ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٥٢٠ . (٥) في (د) و(م): ابن جبير، وهو خطأ، والمثبت من (د) و(ظ)، وهو الموافق لما في كتب القراءات. (٦) السبعة ص٢١٧، والتيسير ص ٩٠، والنشر ٢٤٢/٢. ٣٥٢ سورة آل عمران: الآيتان ١٤٦ - ١٤٧ الوجه الثاني: أن يكون القَتْلُ نالَ النبيَّ ومَنْ معه من الرِّبِيِّين، ويكون وجهُ الكلام: قُتِل بعضُ مَن كان معه؛ تقول العرب: قَتلنا بني تميم وبَني سُليم، وإنما قتلوا بعضَهم. ويكون قوله: ((فما وَهَنُوا)) راجعاً إلى مَن بقيَ منهم(١). قلت: وهذا القول أشبهُ بنزول الآية وأنسبُ، فإنّ النبيَّ ﴾ لم يُقتل، وقُتِل معه جماعةٌ من أصحابه. وقرأ الكوفيون وابن عامر: ((قَاتَلَ))(٢)، وهي قراءة ابن مسعود(٣)؛ واختارها أبو عُبيد، وقال: إن الله إذا حَمِدَ مَن قاتَل، كان مَن قُتِل داخلاً فيه، وإذا حَمِدَ مَن قُتِل لم يدخُلْ فيه غيرهم؛ فـ((قاتَلَ)) أعُّ وأمدحُ(٤). و((الرِّبِّيُّون)) بكسر الراء قراءة الجمهور. وقرأ(٥) عليٍّ ﴾ بضمِّها، وابنُ عباس بفتحها(٦)؛ ثلاث لغات. والرِّبِّيُّون: الجماعاتُ الكثيرة؛ عن مجاهد وقتادة والضخّاك وعِكرمة، واحدهم رُبِّيّ؛ بضم الراء وكسرها؛ منسوب إلى الرِّبَّة؛ بكسر الراء أيضاً وضَمِها، وهي الجماعة. وقال عبدالله بن مسعود: الرِّبِيُّون: الألوفُ الكثيرة. وقال ابن زيد: الرِّبُّّون: الأتباع. والأوّل أعرفُ في اللغة؛ ومنه يقال للخِرقة التي تُجمع فيها القِدَاح: رِبّةٌ ورُبَّة. والرِّبَاب: قبائل تجَمَّعَت. وقال أَبَان بن ثعلب: الرِّبّي: عشرة آلاف. وقال الحسن: هم العلماء الصُّبُر. ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسّدي: الجمْعُ الكثير (٧)؛ قال حسّان: (١) تفسير البغوي ١/ ٣٦٠، وينظر معاني القرآن للنحاس ٤٨٨/١ - ٤٨٩. (٢) السبعة ص٢١٧، والتيسير ص ٩٠ . والمراد بالكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي من السبعة. (٣) أخرجها سعيد بن منصور في سننه (التفسير) (٥٢٨). (٤) تفسير البغوي ١/ ٣٦٠، ووقع في مطبوعه: أبو عبيدة. (٥) في (خ) و (م): وقراءة. (٦) القراءات الشاذة ص٢٢، والمحتسب ١٧٣/١. وزاد ابن جني نسبة قراءة الرفع لابن مسعود وابن عباس وعكرمة والحسن وأبي رجاء وعمرو بن عبيد وعطاء بن السائب. (٧) معاني القرآن للنحاس ١/ ٤٩٠ - ٤٩١، والمحرر الوجيز ٥٢٠/١ - ٥٢١، وانظر تفسير الطبري ١١٢/٦ - ٠١١٦ ٣٥٣ سورة آل عمران: الآيتان ١٤٦ - ١٤٧ وإذا مَعْشَرٌ تَجَافَوْا عن الحَ قٌّ حَملْنَا عليهمُ رِبِّيًّا (١) وقال الزجاج (٢): هاهنا قراءتان: ((رُبُِّّون)) بضم الراء، و((رِبِّيُّون)) بكسر الراء؛ أما الرُّبيون، بالضم: الجماعاتُ الكثيرة. ويقال: عشرةُ آلاف. قلت: وقد رُوي عن ابن عباس: ((رَبُِّّون)) بفتح الراء، منسوبٌ إلى الرَّبّ(٣). قال الخليل: الرِّبِّيّ: الواحدُ من العُبَّاد الذين صبروا مع الأنبياء، وهم الرَّبَّانيُّون؛ نُسبوا إلى التَأَلُّه والعبادة ومعرفةِ الرُّبُوبيّة لله تعالى. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الَّهِ﴾ ((وَهَنُوا)): أي: ضَعُفوا، وقد تقدَّم. والوَهْن: انكسار الجدّ(٤) بالخوف. وقرأ الحسن وأبو السَّمَّال: ((وَهُنُوا)) بكسر الهاء وضمها(٥)، لغتان عن أبي زيد. وهَنَ الشيءُ يَهِنُ وَهْنا. وأَوْهَنْته أنا ووَهَّنتُه: ضعَّفتُه. والوَاهِنة: أسفلُ الأضلاع وقِصَارُها(٦). والوَهَن من الإبل: الكثيف. والوَهْن: ساعةٌ تمضي من الليل، وكذلك المَوْهِن. وأَوْهَنَّا: صِرْنا في تلك الساعة(٧)، أي: ما وَهَنوا لِقَتْل نبيِّهم، أو لِقتل مَنْ قُتِل منهم، أي: ما وَهَن باقيهم، فحذفَ المضاف. ﴿وَمَا ضَعُقُواْ﴾ أي: عن عدوّهم. ﴿وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾ أي: لِمَا أصابهم في الجهاد. والاستكانة: الذِّلَّة والخُضوع، وأصلُها: ((اسْتَكَنُوا)) على: افتعلوا، فأُشبِعتْ فتحةُ (١) لم نقف عليه في ديوان حسان، ونسبه إليه ابن الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء ١/ ٧٨ ضمن أجوبة سيدنا علي ﴾ على أسئلة نافع بن الأزرق. (٢) في معاني القرآن له ٤٧٦/١ . (٣) انظر المحرر الوجيز ٥٢١/١. (٤) في (خ) و (ظ): الحدّ. (٥) لم نقف على من ذكر قراءة: وَهُنوا (بضم الهاء)، والذي في المصادر: أن الحسن وأبا السّمال قرأا: وَهِنوا (بكسر الهاء)، ورُوي عن أبي السَّمال وعكرمه: وَهْنوا (بإسكان الهاء)، وسيذكرها المصنف. ينظر إعراب القرآن للنحاس ٤١١/١، والقراءات الشاذة ص ٢٢، والمحتسب ١٧٤/١، والمحرر الوجيز ٥٢١/١، والبحر المحيط ٧٤/٣ . (٦) في (خ) و (ظ): قصراها. (٧) الصحاح (وهن)، وفيه: الواهنة: القُصَيْرَى، وهي أسفل الأضلاع. ٣٥٤ سورة آل عمران: الآيتان ١٤٦ - ١٤٧ الكاف، فتولَّدتْ منها ألفٌ. ومَنْ جعلها من الكَوْن، فهي: استفعلوا، والأوَّل أشبهُ بمعنى الآية(١). وقُرئ: ((فما وَهْنُوا ومَا ضَعْفُوا)) بإسكان الهاء والعين. وحكى الكِسائيّ: ((ضَعَفُوا)) بفتح العين(٢). ثم أخبر تعالى عنهم بعد أن قُتل منهم، أو قُتل نبيُّهم، بأنهم صبروا ولم يَفِرُّوا، ووظّنوا أنفسَهم على الموت، واستغفَروا ليكون موتُهم على التوبة من الذنوب إنْ رُزِقوا الشهادة، ودَعَوْا في الثَّبات حتى لا ينهزموا، وبالنَّصر على أعدائهم. وخَصُّوا الأَقْدَام بالثَّبات دون غيرها من الجوارح؛ لأنَّ الاعتمادَ عليها. يقول: فهلّا فعلتُم وقلتُم مثلَ ذلك يا أصحابَ محمد؟ فأجاب دعاءهم وأعطاهم النَّصر والَّفَر والغنيمةَ في الدنيا، والمغفرةَ في الآخرة إذا صاروا إليها. وهكذا يفعلُ الله مع عبادِه المُخلصين التائبين الصادقين الناصرين لدينه، الثابتين عند لقاء عدوِّه بوعده الحقّ، وقوله الصِّدق. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ﴾ يعني الصابرين على الجهاد. وقرأ بعضهم: ((ومَا كان قَوْلُهُمْ)) بالرفع؛ جعل القولَ اسماً لِ((كان))، فيكون معناه: وما كان قولُهم إلّا قولَهم: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾. ومَن قرأ بالنصب جعلَ القولَ خبر ((كان))، واسمها ((إِلّا أَنْ قَالُوا))(٣). ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ يعني الصغائر ﴿وَإِسْرَافَتَا﴾ يعني الكبائر. والإسراف: الإفراطُ في الشيء ومجاوزةُ الحَدّ(٤). وفي ((صحيح)) مسلم: عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيِّ #: أنه كان يدعو بهذا الدعاء: ((اللهم اغفرْ لي خطيئتي وجَهْلي، (١) المحرر الوجيز ٥٢١/١. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤١١/١، ونسب قراءة: ((وَهْنو)) لأبي السمَّال، ثم قال: ويجوز: ((ضَعْفوا)) بإسكان العين. وقراءة الكسائي كقراءة الجماعة. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٤١١/١، والمحرر الوجيز ٥٢٢/١، والقراءات الشاذة ص٢٣. وقراءة النصب هي قراءة الجمهور. (٤) تفسير الطبري ٦/ ١١٩ - ١٢٠. ٣٥٥ سورة آل عمران: الآيات ١٤٦ - ١٥٠ وإسرافي في أمري، وما أنتَ أعلمُ به منّي)) وذكر الحديث(١). فعلى الإنسان أن يستعملَ ما في كتاب الله وصحيحِ السُّنة من الدعاء ويَدَعَ ما سواه، ولا يقول: أَختارُ كذا؛ فإنَّ الله تعالى قد اختار لِنبيِّه وأوليائه، وعَلَّمَھم کیف يدعون. قوله تعالى: ﴿فَائَهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُ المُحْسِنِينَ (١٤٨) قوله تعالى: ﴿فَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أعطاهم ﴿ثَوَابَ الذُّنْيَا﴾ يعني النَّصر والظّفَر على عدوِّهم. ﴿وَحُسْنَ ثَّوَابٍ الْآَخِرَةِ﴾ يعني الجنة. وقرأ الجَحْدَري: ((فَأْثَابَهُمُ اللهُ)) من الثواب(٢). ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْيِنِينَ﴾ تقدّم (٣). قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَى أَعْقَيِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ ﴿ بَلِ اَللَّهُ مَوْلَئُكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّصِرِينَ ١٥٠ لما أمرَ اللهُ تعالى بالاقتداء بمن تقدَّم من أنصار الأنبياء حَذَّرَ طاعةً الكافرين، يعني مُشْركي العرب: أبا سفيان وأصحابَه. وقيل: اليهود والنَّصارى. وقال عليّ ﴾: يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: إرجعوا إلى دين آبائكم. ﴿يَرُذُوكُمْ عَىَ أَعْقَيِّكُمْ﴾ أي: إلى الكفر. ﴿فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ﴾ أي: ترجِعوا مَغْبونين. ثم قال: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَئِكُمْ﴾ أي: مُتولِّي نضْرِكم وحِفِظِكم إنْ أطعتموه(٤). وقُرئ: ((بَلِ الله)) بالنصب(٥)، على تقدير: بل أطيعوا(٦) اللهَ مولاكم. (١) صحيح مسلم (٢٧١٩)، وهو عند أحمد (١٩٧٣٨) والبخاري (٦٣٩٨). (٢) البحر المحيط ٧٦/٣ . (٣) ١٣١/٢ وص ٣٢١ من هذا الجزء. (٤) تفسير البغوي ١/ ٣٦٠ . (٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٢ لعيسى النصر وابن ميسرة. (٦) في (د) و(م): وأطيعوا. ٣٥٦ سورة آل عمران: الآية ١٥١ قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلَ بِهِ، سُلْطَانَأْ وَمَأْوَنَهُمُ النَّارِّ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ نظيره ﴿وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢]. وقرأ ابن عامر والكسائي: ((الرُّعُب)) بضم العين(١)، وهما لغتان. والرُّعْب: الخوف، يقال: رَعَبْتُهُ رُغباً ورُعُباً، فهو مَرْعُوب. ويجوز أن يكون الرُّعْب مصدراً، والرُّعُب الاسم. وأصلُه من المَلْء، يقال: سَيْلِ راعب، أي(٢): يملأ الوادي. ورعبتُ الحوضَ: ملأتُه(٣). فالمعنى: سَنَّمْلأُ قلوبَ المشركين(٤) خوفاً وفَزَعاً. وقرأ السَّخْتِياني: ((سَيُلْقِي)) بالياء، والباقون بنون العظمة (٥). قال السُّدّي وغيره: لمَّا ارتحل أبو سفيان والمشركون يومَ أُحُد متوجِّهين إلى مكة، انطلقوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق نَدِموا وقالوا: بئس ما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبقَ منهم إلا الشَّرِيد، تركناهم، إِرْجِعوا فاستأصلوهم. فلمَّا عَزَموا على ذلك، ألقى الله في قلوبهم الرُّعبَ حتى رَجَعوا عما هَمُّوا به(٦). والإِلقاء يُستعمل حقيقةً في الأجسام(٧)، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، ﴿فَأَلْقَوْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤]، ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ [الشعراء: ٤٥]. وقال الشاعر: فألقَتْ عصاها واسْتَقَرَّ بها النَّوَى(٨) ثم قد يستعمل مجازاً كما في هذه الآية، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ تَحَبَّةُ مِنَى﴾ (١) السبعة ص٢١٧ ، والتيسير ص ٩١ . (٢) لفظ: أي، زيادة من (ظ). (٣) تهذيب اللغة ٣٦٨/٢ . (٤) في (خ) و (ظ): الكافرين. (٥) القراءات الشاذة ص٢٢، والمحرر الوجيز ٥٢٣/١، وقراءة: ((سنلقي)) بالنون، هي قراءة الجماعة. (٦) أخرجه الطبري ١٢٨/٦ . : (٧) المحرر الوجيز ٥٢٢/١. (٨) قائله مُعَقِّر بن حمار. ينظر البيان والتبيين ٣/ ٤٠، ومعجم الشعراء ص٩ ، وشطره الثاني: كما قرَّ عيناً بالاياب المسافر. ٣٥٧ سورة آل عمران: الآية ١٥١ [طه: ٣٩]. وأَلقى عليك مسألةً. قوله تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ﴾ تعليل؛ أي: كان سببَ إلقاء الرُّعب في قلوبهم إشراكُهم؛ فـ ((ما)) للمصدر. ويقال: أشرك به، أي: عَدَل به غيرَه لِيجعلَه شريكاً. قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانَأْ﴾: حُجَّةً وبياناً، وعُذْراً وبرهاناً، ومن هذا قيل للوالي: سلطان؛ لأنه حُجَّةُ الله عزَّ وجلَّ في الأرض. ويقال: إنه مأخوذٌ من السَّلِيط، وهو ما يُضاء به السِّراج، وهو دُهْنُ السِّمْسِم، قال امرؤ القيس: أَهان(١) السَّلِيطَ بالذُّبَالِ المُفَثَّلِ (٢) فالسلطانُ يُستضاءُ به في إظهار الحقّ وقَمْعِ الباطل. وقيل: السَّلِيط: الحديد. والسَّلاطَة: الحِدَّة. والسَّلاطة من التَّسليط(٣)، وهو القهر؛ والسلطان مِن ذلك، فالنون زائدة. فأصلُ السلطان القوَّة، فإنه يُقهر بها كما يُقهر بالسلطان. والسَّليطة: المرأة الصَّخَّابة. والسَّلِيط: الرجلُ الفَصيح اللسان(٤). ومعنى هذا أنه لم تثبتْ(٥) عبادةُ الأوثان في شيء من المِلَل، ولم يَدلَّ عقلٌ على جواز ذلك. ثم أخبر تعالى عن مصيرهم ومَرْجِعهم، فقال: ﴿وَمَأْوَنُهُمُ النَّارِ﴾ ثم ذَمَّه فقال: ﴿وَبِثْسَ مَثْوَى الَّلِينَ﴾. والمَثْوَى: المكان الذي يُقام فيه، يقال: ثَوَى يَثْوِي ثَوَاءٌ. والمأوى: كلُّ مكان يرجع إليه شيءٌ ليلاً أو نهاراً (٦). (١) في (م) وشرح القصائدُ السبع ص٨٠٠: أمال، قال الأصمعي فيما نقله عنه ابن الأنباري: وليس قوله أمال السليط بشيء، ولا معنی له. (٢) ديوان امرئ القيس ص٢٤ وفيه: في الذُّبال. وصدره: يضيءُ سناه أو مصابيح راهب. قوله: الذبال يعني الفتائل. (٣) في (خ): التسلط. (٤) ينظر تهذيب اللغة ٣٣٥/١٢-٣٣٦، والصحاح (سلط). (٥) في النسخ: يثبت، والمثبت من (م). (٦) ينظر تفسير الرازي ٩/ ٢٢. ٣٥٨ سورة آل عمران: الآية ١٥٢ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَكُم مَّا تُحِبُّونٌَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَّ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ١٥٢ قال محمد بن كعب القُرَظِيّ: لما رَجَع رسول اللـه ﴾ إلى المدينة بعد أُحُد وقد أُصيبوا قال بعضهم لبعض: مِن أين أصابَنا هذا وقد وعدَنا الله النَّصر؟! فنزلت هذه الآية(١). وذلك أنهم قتلوا صاحبَ لِوَاء المشركين وسبعةَ نَفَرٍ منهم بعدَه على اللِّواء، وكان الَّفَرُ ابتداءً للمسلمين؛ غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة، وتركَ بعضُ الرُّماة أيضاً مَرْكزَهم طلباً للغنيمة، فكان ذلك سببَ الهزيمة (٢). روى البخاريُّ عن البراء بن عازب قال: لمَّا كان يوم أُحُد ولَقِينا المشركين، أَجْلسَ رسولُ اللهِ أُناساً(٣) من الرُّماة وأَمَّرَ عليهم عبدَ الله بنَ جُبير، وقال لهم: ((لا تَبْرَحوا من مَكَانِكم، [إنْ رأيتمونا ظَهَرْنا عليهم فلا تبرحوا] وإنْ رأيتُموهم قد ظَهَروا علينا فلا تُعينونا عليهم)). قال: فلما التقى القومُ وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يَشْتَدِدْن في الجبل، وقد رَفَعن عن سُوقِهنَّ قد بدتْ خلاخلُهنَّ(٤). فجعلوا يقولون: الغنيمةَ الغنيمةَ. فقال لهم عبدُ الله: أَمْهلوا، أما عَهِدَ إليكم رسولُ الله ◌ِ﴿ أَلَّ تبرحوا؟ فانطَلَقوا، فلما أَتَوْهم صَرَفَ اللهُ وجوهُهم(٥)، وقُتِل من المسلمين سبعون رجلاً. ثم إنَّ أبا سفيان بن حرب أَشْرفَ علينا وهو في نَشْزِ (٦)، فقال: أفي القوم محمدٌ؟ فقال رسول اللـه ﴾: ((لا تُجيبوه)). حتى قالها ثلاثاً. ثم قال: أفي القوم ابنُ (١) أسباب النزول للواحدي ص١٢١، وتفسير البغوي ١/ ٣٦١. (٢) في (ظ) سبباً للهزيمة. (٣) في (خ) و (ظ): ما شاء. (٤) قوله: يَشْتَدِدْن، أي: يُسرِعْن المشيّ. وقوله: رفَعْن عن سُوقهن: جمع ساق، أي: لِيُعينهنَّ ذلك على سرعة الهرب. فتح الباري ٧/ ٣٥٠ . (٥) عند البخاري (٤٠٤٣): فلما أَبَوْ صُرِفِت وجوهُهم، ولفظ المصنف عند ابن حبان (٤٧٣٨)، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٥١ : أي: تحيّروا، فلم يدروا أین یتوجّهون. (٦) النّشز: المرتفع من الأرض. النهاية (نشز). ٣٥٩ سورة آل عمران: الآية ١٥٢ أبي قُحافة؟ ثلاثاً، فقال النبيُّ ﴾: ((لا تُجيبوه)). ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ ثلاثاً، فقال النبيُّ﴾: ((لا تُجيبوه)). ثم التفتَ إلى أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قُتِلوا. فلم يملكْ عمرُ ه نفسه أن قال(١): كذبتَ يا عدوَّ الله، قد أبقى الله لك من يُخزِيك به. فقال: أُعْلُ هُبَل. مرتين. فقال النبيُّ﴾: ((أجيبوه))، فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ((قولوا: اللهُ أعلى وأجَلّ)). قال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسول الله﴾: ((أجيبوه). قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: ((الله مولانا، ولا مَوْلَى لكم)). قال أبو سفيان: يومٌ بِيَوْم بَذْر، والحربُ سِجَال، أمَا إنكم ستجدون في القوم مُثْلةً؛ لم آمُرْ بها ولم تَسُؤْني(٢). وفي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وَقَّاص قال: رأيتُ عن يمين رسول الله ﴾. وعن شِماله يومَ أُحُد رجلين عليهما ثيابٌ بيض؛ يُقاتلان عن رسول اللـه # أشدَّ القتال. وفي رواية عن سعد: عليهما ثيابٌ بيض؛ ما رأيتُهما قبلُ ولا بعدُ. يعني چِبريلَ ومِیکائیل(٣). وفي رواية أخرى: يُقاتلان عن رسول اللـه :﴿ أشدَّ القتال ما رأيتُهما قبلَ ذلك اليوم ولا بعدَه(٤). وعن مجاهد قال: لم تُقاتل الملائكةُ معهم يومئذ، ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر. قال البيهقي(٥): إنما أراد مجاهدٌ أنهم لم يُقاتلوا يومَ أُحُد عن القوم حين عَصَوا الرسولَ، ولم يَصْبِروا على ما أمرهم به. وعن عروة بن الزبير قال: وكان اللهُ عزَّ وجلَّ وعدَهم على الصبر والتقوى أن يُمِدَّهم بخمسة آلافٍ من الملائكة مُسوِّمين: وكان قد فعل؛ فلما عَصَوْا أَمْرَ الرسولِ (١) في (د) و(م): دون أن قال. (٢) صحيح البخاري (٤٠٤٣)، باختلاف يسير في الألفاظ. وما بين حاصرتين منه، والحديث في مسند أحمد (١٨٥٩٣). (٣) صحيح البخاري (٤٠٥٤)، وصحيح مسلم (٢٣٠٦): (٤٦) و (٤٧)، وهو في مسند أحمد (١٤٦٨). (٤) أخرجه بهذا اللفظ البيهقي في دلائل النبوة ٢٥٤/٣ . (٥) المصدر السابق ٢٥٥/٣ - ٢٥٦ . وقد أخرج قول مجاهد السابق وقولي عروة بن الزبير وعمير بن اسحاق الآتيين. ٣٦٠ سورة آل عمران: الآية ١٥٢ وتركوا مَصَافَّهم، وتركت(١) الرُّمَاةُ عَهْدَ رسول الله ﴾ إليهم ألَّا يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رُفع عنهم مَدَدُ الملائكة، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَفَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ﴾. فصَدَقَ اللهُ وعدَه، وأراهم الفَتْحَ، فلما عَصَوْا، أَعقبهم البلاء. وعن عُمير بن إسحاق(٢) قال: لمَّا كان يوم أُحُد انكشفوا عن رسول الله ﴾. وسَعْدٌ يَرمي بين يَدَيه، وفَتَّى يُنَبِّل له، كلما ذهبتْ نَبْلَةٌ أَتاه بها. قال: إِرْم أبا إسحاق. فلما فَرَغُوا نظروا مَنِ الشابُّ، فلم يَرَوْه ولم يعرفوه. وقال(٣) محمد بن كعب: ولمَّا قُتِل صاحبُ لواءِ المشركين وسقطَ لواؤهم، رَفعَتْه عَمْرَةُ بنت علقمةَ الحارِثيةُ؛ وفي ذلك يقول حسَّان: فلولا لِواءُ الحارثيةِ أصبحوا يُباعُون في الأسواق بيعَ الجلائب(٤) و﴿تَحُُّونَهُم﴾ معناه: تقتلونهم وتَسْتأصِلونهم، قال الشاعر: حَسَسْناهُمُ بِالسَّيْفِ حَسّاً فأصبحتْ بَقِيَّتُهم قد شُرِّدُوا وَتَبَدَّدُوا(٥) وقال جرير : تَحُسُّهُمُ السيوفُ كما تَسامَى حَرِيقُ النارِ في الأَجمِ الحَصِيدِ(٦) قال أبو عُبيد: الحَسُّ: الاستئصال بالقتل(٧)؛ يقال: جرادٌ مَحْسوسٌ إذا قَتَله البَرْدُ. والبردُ مَحَسَّةٌ للنَّبت. أي: مُخْرِقَةٌ له ذاهِبَةٌ به(٨). وسَنَةٌ حَسُوس، أي: جَدْبة (١) في (د) و (م): وترك. (٢) أبي محمد القرشي، مولى بني هاشم، قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، والعقيلي في الضعفاء، لأنه لم يرو عنه غير واحد هو عبدالله بن عون. تهذيب التهذيب ٣٢٥/٣ . (٣) في (ظ): نقله. (٤) ديوان حسان ص٨٢. وذكر قصة عمرة والبيت ابنُ هشام في سيرته ٧٨/٢ - ٧٩. (٥) لم نقف علیه. (٦) ديوان جرير ٧٢٨/٢، وفيه: أجم، بدل: الأجم. (٧) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٣٦١، ونسبه لأبي عبيدة. وانظر كتابه مجاز القرآن ١٠٤/١ - ١٠٥، ومعاني القرآن للزجاج ٤٧٨/١ . (٨) لفظة (به) من (م).