النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٥ النَّثُّورُ﴾ [هود: ٤٠]، قال الشاعر: تَفُورُ علينا قِدْرُهُم فنُدِيمُها (١) الثالثة: قوله تعالى: ﴿مُسَوَّمين﴾ بفتح الواو: اسم مفعول، وهي قراءة ابنٍ عامر وحمزةً والكِسائِيِّ ونافع، أي: معَلَّمين بعلامات. و((مُسَوِّمين)) بكسر الواو: اسم فاعل، وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير وعاصم(٢)، فيَحتمل من المعنى ما تقدَّم، أي: قد أعلموا أنفسهم بعلامة، وأعلموا خَيْلَهم. ورجَّح الطبريُّ(٣) وغيرُه هذه القراءة. وقال كثير من المفسّرين: مُسَوِّمِين، أي: مُرسِلِين خيلَهم في الغارة. وذكر المهدويُّ هذا المعنى في ((مُسَوَّمِينَ)) بفتح الواو، أي: أرسلهم الله تعالى على الكفار، وقاله ابن فُورَك أيضاً (٤). وعلى القراءة الأولى اختلفوا في سِيما الملائكة؛ فُرُوي عن علي بن أبي طالبٍ وابن عباس وغيرِهما أن الملائكة اعتَمَّت بعمائمَ بيضٍ قد أرسلوها بين أكتافهم(٥) - ذكره البيهقيُّ عن ابن عباس، وحكاه المهدويُّ عن الزجاج(٦) - إلَّا جبريلَ، فإنه كان بعمامة صَفْراءَ على مِثال الزبير بن العوَّام، وقاله ابن إسحاق(٧). وقال الربيع: كانت سيماهم أنهم كانوا على خَيْلِ بُلْق(٨). قلت: ذكر البيهقيُّ(٩) عن سهيل بن عمرو قال: لقد رأيتُ يوم بدر رجالاً بِيضاً، على خيلٍ بُلْقٍ، بين (١) تمامه: ونَفْثَؤُها عنّا إذا حَمْيُها غلا، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص١١٨، وسلف ١٤٥/٢. (٢) السبعة ص٢١٦ ، والتيسير ص ٩٠ . (٣) في تفسيره ٣٣/٦ . (٤) المحرر الوجيز ٥٠٤/١ - ٥٠٥ وعنه نقل المصنف ترجيح الطبري وكلام المهدوي وابن فورك. (٥) تفسير البغوي ٣٤٩/١ . (٦) دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ٥٧، وانظر معاني القرآن للزجاج ١ / ٤٦٧. (٧) انظر سيرة ابن هشام ٦٣٣/١. (٨) المحرر الوجيز ٥٠٤/١ وعنه نقل المصنف ما حكاه المهدوي وقول ابن إسحاق، وأخرج قول الربيع الطبري ٣٥/٦ . (٩) في دلائل النبوة ٣/ ٥٧ . ٣٠٢ سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٥ السماء والأرض، مُعَلَّمين، يقتلون ويأسِرون. فقوله: ((مُعَلَّمين)) دلَّ على أن الخيل البُلْقَ ليست السِّيما. والله أعلم. وقال مجاهد: كانت خيلُهم مَجْزُوزةَ الأذناب والأعْرَاف، معلَّمةَ النَّواصِي والأذناب بالصُّوف والعِهْن(١). وروي عن ابن عباس: تسوَّمَت الملائكة يوم بدر بالصُوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها(٢). وقال عبَّاد بن [حمزة بن] عبدالله بن الزبير، وهشام بن عُروة، والكلبيُّ: نزلت الملائكة في سِيما الزُّبير، عليهم عمائمُ صُفْر مُرْخَاةٌ على أكتافهم. وقال ذلك عبدالله وعروة ابنا الزبير. قال عبدالله: كانت ملاءةً صفراءَ اعْتَمَّ بها الزبير ﴾(٣). قلت: ودلَّت الآيةُ، وهي: الرابعة: على اتخاذ الشارة والعلامةِ لِلقبائلِ والكتائب، يجعلُها السلطان لهم؛ لتتميَّز كلُّ قبيلةٍ وكتِيبةٍ من غيرها عند الحرب، وعلى فَضْلِ الخيلِ البُلْقِ لنزولِ الملائكة عليها. قلت: ولعلَّها نزلت عليها مُوافَقةً لفرس المقداد، فإنه كان أبلق، ولم يكن لهم فرسٌ غيره، فنزلت الملائكة على الخيل البُلْق إكراماً للمقداد، كما نزل جبريل مُعْتَجِراً(٤) بعمامةٍ صفراءَ على مثال الزبير. والله أعلم. ودلَّت الآية أيضاً، وهي: الخامسة: على لِباس الصُّوف، وقد لَبِسه الأنبياءُ والصَّالحون. وروى أبو داود وابن ماجه - واللفظ له - عن أبي بُرْدة، عن أبيه قال: قال لي أبي: لو شهدتَنا ونحن مع رسول الله ﴿ إذا أصابَتْنا السماء، لحسِبتَ أن ريحَنا ريحُ الضَّأن(٥). (١) تفسير مجاهد ١٣٥/١، ونقل قوله المصنف عن المحرر الوجيز ٥٠٤/١، وأخرجه الطبري ٣٤/٦ و٣٥. (٢) النكت والعيون ٤٢٢/١، وأخرجه الطبري ٣٦/٦. (٣) المحرر الوجيز ٥٠٤/١ وما بين حاصرتين منه، وتفسير البغوي ٣٤٩/١، وأخرج الأقوال الطبري ٣٦/٦. (٤) الاعتجار: هو لفّ العِمامة دون التلخّي، القاموس (عجر)، ووقع في (ظ) و (خ): معتماً . (٥) سنن أبي داود (٤٠٣٣)، وسنن ابن ماجه (٣٥٦٢)، وهو في مسند أحمد (١٩٧٥٩). وأبو أبي بُردة هو أبو موسى الأشعري، ﴾. ٣٠٣ سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٥ ولبس # جُبَّةً روميَّةً من صوف، ضيِّقة الكُمَّين. رواه الأئمة(١). ولبِسها يُونُس عليه السلام، رواه مسلم(٢). وسيأتي لهذا المعنى مزيدُ بيانٍ في (النحل))(٣) إن شاء الله تعالى. السادسة: قلت: وأما ما ذكره مجاهد من أنَّ خيلَهم كانت مَجْزوزةَ الأذنابِ والأَعْرافِ فبعيدُ، فإن في مصنف أبي داود، عن عُثْبة بن عبدِ السُّلميّ أنه سمع رسول اللـه * يقول: ((لا تقُصُّوا نواصيَ الخيلِ، ولا معارفَها، ولا أذنابَها، فإن أذنابَها مَذَابُها، ومعارفَها دِفاؤُها، ونواصيها معقودٌ فيها الخير)) (٤). فقولُ مجاهدٍ يحتاج إلى توقيف، من أن خيلَ الملائكةِ كانت على تلك الصِّفة. والله أعلم. ودَلَّت الآيةُ على حُسْن الأبيض والأصفر من الألوان لنزول الملائكة بذلك(٥)، وقد قال ابن عباس: من لبس نَعلاً أصْفَرَ قُضِيَت حاجتُه(٦). وقال عليه الصلاة والسلام: ((الْبَسوا من ثيابكم البياضَ، فإنه من خيرِ ثيابكم، (١) أخرجه أحمد (١٨١٩٦) و(١٨٢٤١)، والبخاري (٣٦٣)، ومسلم (٢٧٤) (٧٧) من حديث المغيرة ابن شعبة ۶﴾. (٢) برقم (١٦٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو في مسند أحمد (١٨٥٤). (٣) في تفسير الآية (٨٠) منها. (٤) سنن أبي داود (٢٥٤٢)، وهو في مسند أحمد (١٧٦٣٨) قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٣٨٥/٣: في إسناده مجهول . اهـ. قلنا وقوله: ((ونواصيها معقود فيها الخير» له شاهد من حديث عروة البارقي وغيره، عند أحمد (١٩٣٥٥)، والبخاري (٣٦٤٣) ومسلم (١٨٧٣). قوله: نواصي الخيل؛ شعر مقدّم رأسها. معارفها: بكسر الراء، جمع مَعْرَفة بفتحها، الموضع الذي ينبت عليه عُرْفُ الفرس. وهو شعر عنقه. من رقبته، مَذابُّها: جمع مِذَّبَّة، بكسر الميم: ما يُذَبُّ به الذباب. دفاؤها: بكر الدال؛ أي: كاؤها الذي تَدَقَّأ به. شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي ٧/ ١٧٥ . (٥) ليس في الآية ما يدل على ذلك. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢٩٧/١ ، وقال في قول ابن عباس: لم يصحّ عندي فأنظر فيه، وأخرجه العقيلي في الضعفاء ١/ ٢٣٥ و٤٤٦/٣، والطبراني في الكبير (١٠٦١٢)، والخطيب في تاريخ بغداد ٢٤/٥ - ٢٥، وفي الجامع لأخلاق الراوي (٩٢٢) ولفظه عندهم: من لبس نعلاً صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، وأورده أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣٢٥/٩ وقال: ليس بشيء، هو حديث النّوكى (يعني الحمقى والجاهلين) وهو حديث كذب موضوع، وقال أبو حاتم الرازي - كما في علل الحديث لابنه ٣١٩/٢ -: هذا حديث كذب موضوع. ٣٠٤ سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٧ وكفِّنوا فيه موتاكمُ))(١). وأمَّا العمائم فتيجانُ العربِ ولِباسُها، روى(٢) رُكَانةُ - وكان صارع النبيَّ ﴾؛ فَصرعه النبيُّ # - قال رُكانَةُ: وسمعت النبيَّ ل ◌ْ# يقول: ((فَرْقُ ما بيننا وبين المشركين العمائمُ على القلانس)». أخرجه أبو داود(٣). قال البخاري(٤): إسنادُه مجهولٌ لا يُعرفُ سماعُ بعضِه من بعض. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِنَظْمَيِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ، وَهَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُواْ V خَابِينَ قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ الهاءُ للمَدَد، وهو الملائكةُ، أو الوعدُ، أو الإمدادُ، ويدلُّ عليه: ((يُمْدِدْكُمْ))، أو للتَّسْوِيم، أو للإنزال، أو للعدد(٥) على المعنى؛ لأن خمسةَ آلافٍ عَدَدّ(٦). ﴿وَلِنَطْمَيِنَّ قُلُوبُكُم بِهَ،﴾ اللام لامُ كي، أي: ولِتطمئنَّ قلوبُكم به جعله؛ كقوله: ﴿وَزَيِّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: ١٢] أي: وحفظاً لها جعل ذلك. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ الَّهِ﴾ يعني: نصرَ المؤمنين، ولا يدخلُ في ذلك نصرُ الكافرين؛ لأنَّ ما وقع لهم من غلبةٍ إنما هو إملاءٌ محفوفٌ بخِذلانٍ وسوءٍ عاقبةٍ وخُسرانٍ. ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: بالقتل. ونظم الآية: ولقد نصركم الله ببدرٍ لِيقطعَ. وقيل: المعنى: وما النصرُ إلَّا من عند الله ليقطعَ. ويجوزُ أن يكون متعلّقاً بـ (١) أخرجه أحمد (٢٢١٩)، وأبو داود (٣٨٧٨)، والترمذي (٩٩٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: حسن صحيح. (٢) في (د) و (م): وروی. (٣) في سننه (٤٠٧٨)، وأخرجه الترمذي (١٧٨٤) وقال: هذا حديث حسن غريب، وإسناده ليس بالقائم. (٤) في التاريخ الكبير ١/ ٨٢. (٥) المثبت من (ظ)، وفي غيرها: العدد. (٦) مشكل إعراب القرآن لمكي ١٧٣/١. ٣٠٥ سورة آل عمران: الآيتان ١٢٦ - ١٢٧ (يُمْدِذكُمْ))(١)، أي: يُمدِذْكُم لِيقطع. والمعنى: مَن قُتِل من المشركين يوم بَدْر. عن الحسن وغيره. السدّيّ: يعني به مَن قُتِل من المشركين يومَ أُحُدٍ، وكانوا ثمانيةَ عشرَ رجلاً(٢). ومعنى ﴿يَكْبِتَهُمْ﴾: يُخْزِنَهم؛ والمكْبُوتُ: المحزون. ورُوي أن النبيَّ # جاء إلى أبي طلحة، فرأى ابنَه مَكْبُوتاً، فقال: ((ما شأنُه؟)). فقيل: مات بعيرُه(٣). وأصلُهُ فيما ذكر بعض أهل اللغة: ((يكبِدهُم)) أي: يصيبهم بالحزن والغيظ في أكبادهم، فأبدلَت الدالُ تاءً، كما قُلِبت في سَبَتَ رأسَه وسبَدَه، أي: حَلَقه(٤). كَبتَ الله العدوَّ كَبْتاً: إذا صرفَهُ وأذَلَّه. وكبّدَه: أصابه في كبده؛ يقال: قد أحرق الحزنُ كَبِدَه، وأحرقت العدواةُ كبِدَه. وتقول العربُ للعدوِّ: أسودُ الكَبِد(٥)؛ قال الأعشى(٦): هم الأعداءُ والأكبادُ سُودُ فما أُجشِمْتِ من إتيانِ قومٍ كأنَّ الأكباد لمَّا احترقت بشدّة العداوة اسْوَدَّتْ(٧). وقرأ أبو مِجْلَز: ((أو يكبِدَهم)» بالدَّال(٨). والخَائِبُ: المنقَّطِعُ الأملِ. خاب يخيب: إذا لم ينَلْ ما طلب. والخَيَّاب: القِدْحُ لا يُوري(٩). (١) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٦/١ . (٢) تفسير الماوردي ١/ ٤٢٢، وأخرج القولين الطبري ٤٠/٦ و٤١ . (٣) معاني القرآن للنحاس ١/ ٤٧٢، وذكره مختصراً ابن الجوزي في غريب الحديث ٢٧٧/٢ ، وابن الأثير في النهاية (كبت). (٤) تفسير البغوي ٣٤٩/١ . (٥) انظر مجمل اللغة ٧٧٦/٣، والصحاح (كبت، كبد). (٦) ديوانه ص ٣٧٣ ، والصحاح (كبد)، والخطاب فيه لناقته. (٧) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ١١٠ - ١١١. (٨) ذكرها أبو حيان في البحر ٣/ ٥٢، والسمين الحلبي في الدر المصون ٣٩١/٣، وأبو مجلز: هو لاحق ابن حُمید. (٩) مجمل اللغة ٣٠٨/٣. ٣٠٦ سورة آل عمران: الآيتان ١٢٨ - ١٢٩ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَلِمُونَ ١٢٨ وَ إِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ اُلْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فيه ثلاثُ مسائلَ : الأولى: ثبت في صحيح مسلم أن النبيَّ كُسِرتْ رَبَاعِيَتُه يومَ أُحُد، وشُجَّ في رأسه، فجعل يَسْلُتُ الدمَ عنه ويقولَ: ((كيف يُفلح قومٌ شَجُوا نبيَّهم (١) وكسروا رَباعِيَتَه وهو يدعوهم إلى الله تعالى)) فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ﴾(٢). الضحاك: هَمَّ النبيُّ أن يدعوَ على المشركين، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ﴾(٣). وقيل: استأذنَ في أن يدعوَ في استئصالهم، فلما نزلت هذه الآيةُ عَلِم أن منهم من سيُسلِم (٤). وقد آمن كثيرٌ منهم، [فمنهم] خالدُ بنُ الوليد، وعمرو بنُ العاص، وعِكرمةُ بن أبي جهل، وغيرُهم(٥). وروى الترمذيُّ(٦) عن ابن عمر قال: كان رسول الله :﴿ يدعو على أربعةِ نفرٍ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ﴾. فهداهمُ اللهُ للإسلام. وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: هو معطوفٌ على ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾، والمعنى: ليقتلَ طائفةٌ منهم، أو يحزنَهم(٧) بالهزيمة، أو يتوبَ عليهم، أو يعذِّبهم. وقد تكونُ (١) في (د) و (م): شجوا رأس نبيهم، والمثبت من (خ) و (ظ) وهو الموافق لما في صحيح مسلم. (٢) صحيح مسلم (١٧٩١): (١٠٤)، وأخرجه أحمد بنحوه (١٣٠٨٣). وهو من حديث أنس بن مالك . الرَّبّاعية: هي كل سن بعد ثنية. وسلت الدم عنه: نزعه بيده. المفهم ٦٤٩/٣، وانظر ما سلف ص ٢٨٧. من هذا الجزء. (٣) أورده أبو الليث ٢٩٧/١ من رواية جويبر عن الضحاك، وأخرجه الطبري ٤٦/٦ عن الربيع. (٤) معاني القرآن للنحاس ١/ ٤٧٣. وتفسير البغوي ١/ ٣٥٠ . (٥) تفسير أبي الليث ١/ ٢٩٧، وما سلف بين حاصرتين منه. (٦) سنن الترمذي (٣٠٠٥)، وهو عند أحمد (٥٨١٢). وجابر ذكر أسماء ثلاثة منهم عند البخاري (٤٠٧٠) مرسل، وعند أحمد (٥٦٧٤). (٧) في (د): يخزيهم. ٣٠٧ سورة آل عمران: الآيتان ١٢٨ - ١٢٩ ((أو)) ها هنا بمعنى ((حتى)) و((إلا أن))(١). قال امرؤ القيس: ... أو نَموتَ فَنُعْذَرَا(٢) قال علماؤنا(٣): قوله عليه الصلاة والسلام: ((كيفَ يفلحُ قومٌ شَجُوا نبيهم))(٤) استبعادٌ لتوفيقِ مَن فَعَلَ ذلك به. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ تقريبٌ لِمَا استبعدَه، وإطماعٌ في إسلامِهم، ولمَّا أُظْمِعَ في ذلك قال ﴾: «اللّهمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))، كما في صحيح مسلم(٥) عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول اللـه * يَحكي نبيّاً من الأنبياء ضربَه قومُه، وهو يمسَحُ الدَّمَ عن وجهه ويقول: ((ربِّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)). قال علماؤنا(٦): فالحاكي في حديث ابن مسعودٍ هو الرسولُ عليه الصلاة والسلام، وهو المحكيُّ عنه؛ بدليل ما قد جاء صريحاً مبيّناً، أنه عليه الصلاة والسلام لمَّا كُسرتْ رَباعيتُه وشُجَّ وجهُه يومَ أُحُدٍ، شَقَّ ذلك على أصحابه شَقّاً شديداً وقالوا: لو دَعَوْتَ عليهم! فقال: ((إني لم أُبعثْ لَغَّاناً، ولكني بُعثتُ داعِياً ورحمة، اللَّهمَّ اغْفرْ القومي (٧) فإنَّهم لا يعلمون))(٨). فكأنه عليه الصلاة والسلام أُوحِيَ إليه بذلك قبلَ وقوع قضِية(٩) أُحُد، ولم يعيَّن له ذلك النَّبيُّ، فلما وَقَع له ذلك تَعيَّن؛ أنه المعنيُّ بذلك بدليل ما ذكرنا. ويُبيِّنه أيضاً ما قاله عمرُ له في بعضٍ كلامه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! لقد (١) معاني القرآن للنحاس ١/ ٤٧٤ . (٢) ديوانه ص٦٦ والبيت بتمامه: فقلتُ له لا تبكِ عينُك إنَّما نحاول ملكاً أو نموتَ فنُغْذرا (٣) المفهم ٣/ ٦٥٠. (٤) في (م): شجوا رأس نبيهم. (٥) برقم (١٧٩٢): (١٠٥)، وهو عند أحمد (٣٦١١)، والبخاري (٣٤٧٧). (٦) المفهم ٣/ ٦٥١ . (٧) في (خ) و (ظ): اللهم اهدٍ قومي. (٨) أورده القاضي عياض في الشفاء ص٢٢١، وأخرجه البيهقي في الشعب (١٤٤٦) عن عبدالله بن عبيد مرسلاً. (٩) في (خ) و (ظ): قصة. ٣٠٨ سورة آل عمران: الآيتان ١٢٨ - ١٢٩ دعا نوحٌ على قومه فقال: ﴿رٍَّّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ الآية [نوح: ٢٦]. ولو دعوتَ علينا مثلَها لهلكنا من عند آخرِنا؛ فلقد وُطِئ ظهرُك، وأُدْمِيَ وجهُك، وكُسِرتْ رَبَاعيتك، فأبيتَ أن تقولَ إلَّا خيراً، فقلتَ: ((ربِّ اغْفِرْ لقومي فإنهم لا يعلمون))(١). وقوله: ((اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ كسروا رَباعية نبيهم)»(٢) يعني بذلك: المباشِرَ لذلك، وقد ذكرنا اسمه على اختلافٍ في ذلك(٣)، وإنما قلنا: إنه خُصوصٌ في المباشِر؛ لأنه قد أسلم جماعةٌ ممن شهدَ أُحُداً وحَسُنَ إسلامُهم. الثانية: زعمَ بعضُ الكوفيين أن هذه الآيةَ ناسخةٌ للقُنُوتِ الذي كان النبيُّ # يفعلُه بعد الركوع في الرَّكعة الأخيرةِ من الصبح، واحتجَّ بحديث ابن عمرَ أنه سمع النبيَّ ◌ِ﴾ يقول في صلاة الفجر بعد رَفْعِ رأسه من الركوع فقال: ((اللَّهم ربَّنا ولك الحمد)) في الآخرة، ثم قال: ((اللّهمَّ الْعَنْ فلاناً وفلاناً)). فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ الآية. أخرجه البخاريَّ(٤)، وأخرجه مسلمٌ أيضاً من حديث أبي هريرة أتمَّ منه(٥). وليس هذا موضعَ نسخ، وإنما نَبَّهَ الله تعالى نبيَّه على أنَّ الأمرَ ليس إليه، وأنه لا يَعلَمُ من الغيب شيئاً إلا ما أَعلمَه، وأنَّ الأمرَ كلَّه لله، يتوب على من يشاء، ويعجِّل العقوبةَ لمن يشاء. والتقديرُ: ليس لك من الأمر شيءٌ، ولله ما في السماوات وما في الأرض دونَك ودونَهم، يغفرُ لمن يشاء، ويتوبُ على مَن يشاء. فلا نسخَ، والله أَعلَمُ (٦). وبَيَّن بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ اُلْأَمْرِ شَىْءُ﴾ أنَّ الأمورَ بقضاء الله وقدره؛ رَدّاً على القدريَّةِ وغيرِهم. الثالثة: واختلفَ العلماءُ في القُنُوت في صلاة الفجر وغيرِها؛ فمنع الکوفیون منه (١) الشفاء ص٢٢١، قال السيوطي في تخريج أحاديث الشفا ص ٦٠ : لا يعرف. (٢) أخرجه أحمد (٨٢١٣)، والبخاري (٤٠٧٣)، ومسلم (١٧٩٣) بنحوه من حديث أبي هريرة ، واللفظ الذي ذكره المصنف هو في المفهم ٣/ ٦٥١ . (٣) ص ٢٨٧ من هذا الجزء. (٤) صحيح البخاري (٧٣٤٦)، وهو عند أحمد (٦٣٤٩). (٥) صحيح مسلم (٦٧٥): (٢٩٤)، وهو عند البخاري (٤٥٦٠). (٦) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٣٢/٢ - ١٣٣ و١٣٦. ٣٠٩ سورة آل عمران: الآيتان ١٢٨ - ١٢٩ في الفجر وغيرِها. وهو مذهب الليثِ، ويحيى بنٍ يحيى اللَّيثيِّ الأندلسيِّ صاحبٍ مالك، وأنكره الشعبي(١). وفي الموظّأ (٢) عن ابن عمرَ: أنه كان لا يَقْنُتُ في شيءٍ من الصلاة. ورَوَى النَّسائيُّ: أنبأَنا قتيبةُ، عن خَلَفٍ، عن أبي مالكِ الأشجعيِّ، عن أبيه قال: صليتُ خلْفَ النبيِّ ﴾، فلم يقْنُتْ، وصليتُ خلفَ أبي بكرٍ، فلم يقْنُت، وصليتُ خلفَ عمرَ، فلم يَقْنُت، وصليتُ خلفَ عثمانَ، فلم يقْنُت، وصليت خلف عليٍّ، فلم يقْنُت. ثم قال: يا بُنَّيَّ، إنها بِدْعة(٣). وقيل: يقنتُ في الفجر دائماً وفي سائر الصلوات إذا نزَل بالمسلمين نازلةٌ؛ قاله الشافعيُّ والطبريُّ. وقيل: هو مسْتَحَبٌّ في صلاة الفجر، ورويَ عن الشافعي. وقال الحسنُ وسُخنون: إنه سُنَّة. وهو مُقْتضَى رواية عليّ بنِ زيادٍ عن مالك بإعادة تاركه للصلاة عمداً. وحكى الطبريُّ الإجماعَ على أنَّ تركَه غيرُ مُفْسدٍ للصلاة. وعن الحسن: في تركه سجودُ السّهْو (٤)؛ وهو أحدُ قولي الشافعي. وذكر الدارقطني(٥) عن سعيدِ بنِ عبد العزيز فيمن نسِيَ القنوتَ في صلاة الصبح قال: يسجد سجدَتَي السّهْوِ. واختار مالٌ قبلَ الركوع؛ وهو قولُ إسحاقَ. ورُويَ أيضاً عن مالكٍ بعدَ الركوع، ورُويَ عن الخلفاء الأربعة، وهو قولُ الشافعيِّ وأحمد وإسحاقَ أيضاً. ورُوي عن جماعةٍ من الصحابة التخييرُ في ذلك(٦). وروى الدار قطني(٧) بإسنادٍ صحيحٍ عن أنسٍٍ أنه قال: ما زال رسولُ الله ﴾ يقنُتُ (١) إكمال المعلم ٦٥٧/٢، والمفهم ٣٠١/٢، وخبر الشعبي أخرجه الطبري في تهذيب الآثار (٦٦٠) و (٦٩١). (٢) ١٥٩/١ . (٣) سنن النسائي (المجتبى) ٢/ ٢٠٤، وأخرجه الترمذي بنحوه (٤٠٢) وقال: حسن صحيح. (٤) إكمال المعلم ٦٥٨/٢، والمفهم ٢/ ٣٠٢، وكلام الطبري في تهذيب الآثار ٢٨٥/١ - ٢٨٦. (٥) سنن الدار قطني ٢/ ٤١ . (٦) إكمال المعلم ٦٥٨/٢، والمفهم ٣٠٢/٢ . (٧) سنن الدار قطني ٣٩/٢، وهو في مسند أحمد (١٢٦٥٧). ٣١٠ سورة آل عمران: الآيات ١٢٨ - ١٣٢ في صلاةِ الغداةِ حتى فارق الدنيا. وذكر أبو داودَ في المراسيل(١) عن خالد بنِ أبي عِمرانَ قال: بينا رسولُ الله ◌ِ﴾ يدعو على مُضَرَ؛ إذْ جاءه جبريلُ، فأوْمَأ إليه أن اسكت، فسكت، فقال: ((يا محمدُ، إنَّ الله لم يبعثْكَ سَبَّاباً ولا لعَّاناً، وإِنَّما بعثَكَ رحمةً، ولم يبعثْكَ عذَاباً)) ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. قال: ثم علَّمه هذا القُنُوتَ(٢): ((اللّهمَّ إِنا نستعِينُك ونستغْفِرُك، ونؤمِنُ بك، ونَخْضَع(٣) لك، ونَخْلَع ونتْرُكُ من يكْفُركَ، اللّهم إِياك نَعْبُد، ولك نصلِّي ونَسْجُدُ، وإِليك نسْعَى ونَحْفِدُ، نرجُو (٤) رحمتَك ونخافُ عذابَك الجِدَّ، إِن عذابك بالكافرين مُلْحِقٍ))(٥). قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوْاْ أَضْعَلِفًا مُضَاعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَأَتَّقُواْ النَّارَ اَلَِّيَّ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ ( ٣٠ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٣٢ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرّبَوَاْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ هذا النهيُ عن أكل الربا اعتراضٌ بينَ أثناء قصةٍ أُحد. قال ابن عطيةً(٦): ولا أحفظُ في ذلك شيئاً مَرْوِیّاً. قلت: قال مجاهد: كانوا يبيعون البيعَ إلى أجل، فإذا حلَّ الأجلُ زادوا في الثَّمَن على أن يؤخّروا؛ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِبَوَاْ أَضْعَفًا تُضَعَفَةٌ﴾ (٧) (١) برقم (٨٩). (٢) بعدها في (خ) و (د) و(م): فقال، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في المراسيل. (٣) في (خ) و (د) و(م): ونخنع، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في المراسيل. (٤) في (م): ونرجو. (٥) الرواية بكسر الحاء، أي: من نزل به عذابك ألحقه بالكفار، وقيل: هو بمعنى: لاحق، لغة في: لحق، ويروى بفتح الحاء على المفعول، أي: إن عذابك يلحق بالكفار ويصابون به. النهاية (لحق). (٦) المحرر الوجيز ١/ ٥٠٦ . (٧) معاني القرآن للنحاس ١/ ٤٧٤، وأخرجه ابن أبي حاتم مختصراً (٤١٣٨). ٣١١ سورة آل عمران: الآيات ١٣٠ - ١٣٢ قلت: وإنما خصَّ الرِّبا من بين سائر المعاصي؛ لأنه الذي أُذِنَ الله فيه بالحرب في قوله: ﴿فَإِنِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأَذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولٌِّ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، والحربُ يؤذِنُ بالقتل، فكأنه يقول: إِن لم تتقوا الرِّبا هُزِمتُم وقُتلتم. فأمرَهم بتركِ الربا؛ لأنه كان معمولاً به عندَهم. والله أعلمُ. و﴿أَضْعَافًا﴾ نصب على الحال، و﴿مُضَعَفَةٌ﴾ نعتُه. وقرئ: ((مُضَعَّفَةً)) (١) ومعناه: الربا الذي كانتِ العربُ تُضْعِفُ فيه الدَّيْن، فكان الطالبُ يقول: أَتَقْضي أم تُرْبي؟ كما تقدَّم في ((البقرة))(٢). و﴿مُضَعَفَةٌ﴾ إِشارةٌ إِلى تكرار التضعيف عاماً بعدَ عامٍ كما كانوا يصنعون، فدلَّت هذه العبارةُ المؤكِّدةُ على شُنعةِ فعلهم وقُبحه؛ ولذلك ذُكِرتْ حالُ التضعيف خاصةً(٣). قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: في أموال الربا فلا تأكلوها. ثم خوَّفهم فقال: ﴿وَأَتَّقُواْ النَّارَ اَلَّىَ أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ قال كثيرٌ من المفسرين: وهذا الوعيد لمن استَخَلَّ الرِّبا، ومَن استحلَّ الرِّبا فإنه يكْفُر ويصير (٤) [إلى النار]. وقيل: معناه: اتقوا العمل الذي ينزِعُ منكم الإيمانَ فتستوجبون النار؛ لأن من الذنوب ما يستوجِبُ به صاحبُه نزْعَ الإيمانِ ويُخافُ عليه؛ من ذلك عقوقُ الوالدين. وقد جاء في ذلك أثرٌ: أنّ رجلاً كان عاقّاً لوالديه يقال له: عَلْقَمَة، فقيل له عند الموت: قل لا إله إلا الله، فلم يقدر على ذلك حتى جاءته أمُّه، فرضيتْ عنه(٥). ومن ذلك قطيعةُ الرحم، وأكلُ الربا، والخيانةُ في الأمانة. (١) هي قراءة ابن كثير وابن عامر من السبعة، وقرأ الباقون: مضاعفة. السبعة ص١٨٤ - ١٨٥، والتيسير ص٨١ . (٢) ٤ / ٣٨١ - ٣٨٢ . (٣) المحرر الوجيز ٥٠٧/١ . (٤) في (خ): ويضر، وفي (م): ويكفّر، وليست في (د) و(ظ)، والمثبت من تفسير أبي الليث ٢٩٨/١ ، والكلام منه، وما بین حاصر تين منه. (٥) أورده أبو الليث في تنبيه الغافلين ص٦٤ عن أنس ﴾. وأخرجه دون ذكر اسم علقمة العقيليُّ في الضعفاء ٤٦١/٣، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٥١)، وابن الجوزي في الموضوعات (١٣٨٣) من طريق فائد بن عبد الرحمن العطار قال: سمعت عبدالله بن أبي أوفى يقول: إن شاباً حضرته الوفاة ... ونقل العقيلي عن الإمام أحمد قوله عن فائد: متروك الحديث، ونقل عن البخاري قوله: منكر الحديث. وينظر تنزيه الشريعة ٢٩٦/٢ - ٢٩٧ . ٣١٢ سورة آل عمران: الآيات ١٣٠ - ١٣٣ وذكرَ أبو بكر الورّاقُ(١) عن أبي حنيفةً أنه قال: أكثر ما يُنزِعُ الإيمان من العبد عند الموت(٢). ثم قال أبو بكر: فنظرنا في الذنوب التي تَنزِع الإيمانَ، فلم نجد شيئاً أسرعَ نزعاً للإيمان من ظلم العباد. وفي هذه الآية دليلٌ على أنّ النارَ مخلوقةٌ؛ ردّاً على الجَهْميّة؛ لأن المعدومَ لا يكونُ مُعَدّاً. ثم قال: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ يعني أطيعوا الله في الفرائض، والرَّسُولَ في السُّنن. وقيل: أطِيعُوا اللهَ في تحريم الربا، والرسول فيما بلَّغكم من التحريم(٣). ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: كي يرحمكم الله. وقد تقدم(٤). قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٢ فيه مسألتان: الأولى: قول تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ﴾ قرأ نافعٌ وابنُ عامر: ((سَارِعُوا)) بغير واو، وكذلك هي في مصاحفِ أهلِ المدينةِ وأهلِ الشام. وقرأ باقي السبعةِ: (وَسَارِعُوا)) بالواو(٥). قال أبو عليّ(٦): كلا الأمرين سائغٌ(٧) مستقيمٌ، فمن قرأ بالواو فلأنه عَطَفَ الجملةَ على الجملة، ومن ترك الواوَ فلأن الجملة الثانيةَ ملتبسةٌ بالأولى، مستغنيةٌ بذلك عن العطف بالواو. والمسارعةُ: المبادرةُ، وهي مُفاعَلَة. وفي الآية حذفٌ، أي: سارعوا إلى ما (١) محمد بن عمر الحكيم، أصله من ترمذ، وأقام ببلخ، له الكتب المشهورة في أنواع الرياضيات والمعاملات والآداب. طبقات الصوفية ص٢٢١ . (٢) العبارة كما وقعت في تفسير أبي الليث: أكبر ما في الذنوب الذي يَنزع الإيمانَ من العبد عند الموت. (٣) تفسير أبي الليث ٢٩٨/١ . (٤) ١/ ٣٤٢ . (٥) السبعة ص٢١٦ ، والتيسير ص ٩٠. (٦) الحجة ٧٨/٣، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٠٧/١ . (٧) في (د) و (م): شائع. ٣١٣ سورة آل عمران: الآية ١٣٣ يُوجِبُ المغفرةُ(١)، وهي الطاعةُ. قال أنس بن مالكٍ ومَكْحُولٌ في تفسير ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾: معناه: إلى تكبيرة الإحرام [مع الإمام](٢). وقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: إلى أداء الفرائض. عثمان بن عفانَ: إلى الإخلاص(٣). الكلبي: إلى التوبة من الربا. وقيل: إلى الثبات في القتال. وقيل غيرُ هذا. والآية عامَّةٌ في الجميع، ومعناها معنى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقد تقدَّم(٤). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ تقديره: كعرض، فحذفَ المضافَ؛ كقوله: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [الزمر: ٦] أي: إلا کخلق نفسٍ واحدةٍ وَبعْئِها(٥). قال الشاعر : حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتي عَنَاقاً وما هي وَيْبَ غَيرٍكَ بِالعَنَاقِ(٦) یرید صوتَ عَنَاقٍ. نظيرُه في سورة الحديد: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الآية: ٢١]. واختلف العلماءُ في تأويله، فقال ابن عباس: تُقْرَنُ السماواتُ والأرضُ بعضُها إِلى بعضٍ كما تُبْسَطُ الثيابُ، ويوصَلُ بعضُها ببعض؛ فذلك عَرْضُ الجنة، ولا يعلَمُ طولَها إِلَّ اللـه(٧). وهذا قولُ الجمهور، وذلك لا يُنْكَرِ، فإنَّ في حديث أبي ذرِّ عن النبيِّ ﴾: ((ما السماوات السبعُ والأرَضونَ السبعُ في الكرِسيّ إِلا كدراهمَ ألقِيتْ في (١) تفسير الرازي ٩/ ٤ . (٢) المحرر الوجيز ٥٠٨/١، وما بين حاصرتين منه، وقول أنس أورده البغوي ١/ ٣٥١، وعزاه السيوطي في الدر المنثور ٧٢/٢ لابن المنذر. (٣) تفسير البغوي ١/ ٣٥١، وتفسير الرازي ٥/٩ . (٤) ٢ / ٠ ٤٥ . (٥) المحرر الوجيز ٥٠٨/١ . (٦) نسبه أبو زيد في النوادر ص١١٦ وابن بري كما في اللسان (ويب) لذي الخِرَق الطُّهَويّ، ونسبه ابن الأعرابي كما في اللسان (عنق) لقُرَيْط بن أَنَّيْف، وهو دون نسبة في مجالس ثعلب ١/ ٦١، ودلائل الإعجاز ص٣٠١، والإنصاف ٣٧٢/١. وبُغام الناقة: صوت لا تُفصح به، والعَناق: الأنثى من المعز، والوّيب كلمة مثل الويل، تقول: ويبَك، وويب زيد، كما تقول: ويلك؛ يخاطب الشاعر ذئباً تبعه في طريقه. اللسان (عنق) و(بغم) و(ويب). (٧) المحرر الوجيز ٥٠٨/١، وأخرجه الطبري ٦/ ٥٣. ٣١٤ سورة آل عمران: الآية ١٣٣ فلاةٍ من الأرض، وما الكرسيُّ في العرش إِلا كحلْقةٍ (١) أُلقيتْ في فلاةٍ من الأرض))(٢). فهذه مخلوقاتٌ أعظمُ بكثيرٍ جِدّاً من السماوات والأرض، وقدرةُ الله أعظَمُ من ذلك كلِّه. وقال الكلبيُّ: الجِنَانُ أربعةٌ: جنةُ عدْنٍ، (وهي الجنة العليا]، وجنة المأوى، وجنةُ الفردوس، وجنةُ النعيم، وكلُّ جنةٍ منها كعرضِ السماءِ والأرض لو وُصِلَ بعضُها ببعض. وقال إِسماعيلُ السُّدّيّ: لو كُسِرَتِ السماواتُ والأرضُ وصِرْنَ خَرْدلاً، فِكلِّ خَرْدلةٍ جَنَةٌ عَرْضُها كعرض السماء والأرض(٣). وفي الصحيحِ: ((إِن أدنى أهلِ الجنّةِ منزلةً مَن يتمنَّى ويتمنَّى حتى إذا انقطعتْ به الأمانيُّ قال الله تعالى: لك ذلك وعَشَرةُ أمثالِه)). رواه أبو سعيد الخدري، خرَّجه مسلم وغيره (٤). وقال يعلى بن مُرّةً(٥): لِقِيتُ التّنُوخِيَّ(٦) رسولَ هِرَقْلَ إِلى النبيِّل﴾ُ بِحِمْصَ شيخاً كبيراً قال: قدِمتُ على رسول الله ﴾ بكتاب هرقلَ، فناول الصحيفةَ رجلاً عن يساره؛ قال: فقلتُ: من صاحبُكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاويةُ، فإذا كتابُ صاحبي: إِنك كتبتّ (١) بعدها في (خ) و(ظ): من حديد. (٢) كذا أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٠٨/١ ولم يذكر صحابيَّه. وأخرج نحوه ابن حبان (٣٦١) عن أبي ذرّ مطولاً وفي إسناده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، كذبه أبو حاتم وابن الجوزي، كما في ميزان الاعتدال ١/ ٧٢ - ٧٣ . وأخرج القسم الأول منه الطبري ٥٣٩/٤، وأبو الشيخ في العظمة (٢٢٢) من طريق ابن زيد عن أبيه زيد بن أسلم عن النبي # قال: ((ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس)). وقوله: ((وما الكرسي في العرش ... )) أخرجه الطبري وأبو الشيخ مع الحديث الأول من طريق ابن زيد عن أبي ذر عن النبي#. قال ابن كثير في البداية والنهاية ٢٤/١ : أول الحديث مرسل، والثاني عن أبي ذر منقطع. (٣) تفسير أبي الليث ٢٩٨/١ وما بين حاصرتين منه. (٤) صحيح مسلم (١٨٨) مطولاً، وهو عند أحمد (١١٢١٦). (٥) وقع في النسخ والمحرر الوجيز ٥٠٨/١ والكلام منه: يعلى بن أبي مرة، ووقع كذلك في بعض نسخ الطبري ٥٤/٦ كما ذكر محققوه، والصواب ما أثبتناه، كما هو في المصادر، وهو يعلى بن مرة بن وهب الثقفي أبو المَرَازِم، قال أبو عمر: كان من أفضل الصحابة، قال ابن سعد: أمره النبي # أن يقطع أعناب ثقيف فقطعها. الإصابة ٣٧٣/١٠ . (٦) سمع من النبي # وهو كافر، ثم أسلم بعد موته، فهو تابعي اتفاقاً، وحديثه ليس بمرسل، بل موصول. ينظر تدريب الراوي ٢٢٠/١ . ٣١٥ سورة آل عمران: الآية ١٣٣ تدعوني إلى جنةٍ عَرْضُها السماواتُ والأرض، فأين النارُ؟ فقال رسول الله ﴾: (سبحانَ الله! فأين الليلُ إِذا جاءَ النهار))(١). ويمثل هذه الحُجة استدلَّ الفاروقُ على اليهود حين قالوا له: أرأيتَ قولَكم: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، فأين النار؟ فقالوا له: لقد نزعتَ بما في التوراة(٢). ونَبَّه تعالى بالعَرْضِ على الطول لأنَّ الغالبَ أنَّ الطولَ يكون أكثرَ من العرض، والطولُ إِذا ذُكر لا يدلُّ على قَدْر العرض. قال الزُّهْريُّ: إنَّما وصَف عرضَها، فأمَّا طولُها فلا يعلمُه إلا الله(٣)؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَى فُرُئٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفٍّ﴾ [الرحمن: ٥٤] فوصف البِطَانَة(٤) بأحسنٍ ما يُعلَمُ مِن الزينة، إذْ معلومٌ أنَّ الظواهرَ تكونُ أحسنَ وأَتقنَ من البطائن(٥) . وتقول العرب: بلادٌ عريضة وفلاةٌ عريضة، أي: واسعةٌ(٦)؛ قال الشاعر: كأنّ بلادَ الله وهْيَّ عَريضَةٌ على الخائف المطلوب كُفَّةُ حَابِل(٧) وقال قومٌ: الكلامُ جارٍ على مَقْطَع العرب من الاستعارة؛ فلمّا كانت الجنةُ من (١) أخرجه الطبري ٥٤/٦ من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد ابن أبي راشد، عن يعلى بن مرة، قال: لقيت التنوخي، ورجح الشيخ أحمد شاكر رحمه الله (الطبري ٢٠٩/٦ - ٢١١ دار المعارف) أن ذكر يعلى بن مرة في الإسناد وهم من مسلم بن خالد الزنجي، فقد أخرجه أحمد (١٥٦٥٥) من طريق يحيى بن سليم الطائفي، عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد ابن أبي راشد قال: لقيت التنوخي، ويحيى بن سليم الطائفي أحفظ من مسلم بن خالد الزنجي. وأورد ابن كثير في البداية والنهاية ١٧٤/٧ رواية الإمام أحمد وقال: حديث غريب، وإسناده لا بأس به. (٢) أخرجه الطبري ٦/ ٥٥ . (٣) تفسير البغوي ٥٣١/١، والمحرر الوجيز ٥٠٩/١ . (٤) في (ظ): البطائن. (٥) تفسير الرازي ٦/٩ . (٦) قال ابن قتيبة في تفسير الغريب ص١١١ قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَاَلْأَرْضُ﴾ يريد سعتها، ولم يُرِد العرض الذي هو خلاف الطول، والعرب تقول ... (٧) البيت للبيد؛ كما في ملحق ديوانه ص٣٦٥، ونسبه البصري في الحماسة البصرية ٢٩/١ لعبيد بن أيوب العنبري، وهو بلا نسبة في تفسير غريب القرآن ص١١١ ، ومعاني القرآن للنحاس ١/ ٤٧٧ ، وذكره أيضاً المبرد في الكامل ١٠٣٦/٢ براوية: كأن فجاج الأرض ... وقوله: كُفَّة حابل، قال المبرد: الحِبَالة التي ينصبها للصيد. ٣١٦ سورة آل عمران: الآية ١٣٣ الاتساع والانفساح في غايةٍ قصوى؛ حَسُنَتِ العبارةُ عنها بعرض السماوات والأرض، كما تقول للرجل: هذا بَحْرٌ، ولشخصٍ كبيرٍ من الحيوان: هذا جبلٌ. ولم تقصِد الآيةُ تحديدَ العرض(١)، ولكنْ أراد بذلك أنها أوسعُ شيءٍ رأيتموه. وعامّةُ العلماءِ على أن الجنةَ مخلوقةٌ موجودة؛ لقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُثَّقِينَ﴾. وهو نصُّ حديث الإسراء وغيرِه في الصحيحين وغيرهما (٢). وقالتِ المعتزلةُ: إنهما غيرُ مخلوقتين في وقتنا، وإن الله تعالى إذا طوى السماواتِ والأرضَ ابتدأَ خلْقَ الجنة والنارِ حيثُ شاء؛ لأنهما دارا جزاءٍ بالثواب والعقاب، فخُلِقَتا بعد التكليف في وقت الجزاء؛ لئلا تجتمعَ دارُ التكليف ودارُ الجزاء في الدنيا، كما لم يجتمعا في الآخرة(٣). وقال ابن فورك: الجنةُ يزادُ فيها يومَ القيامة. قال ابن عطية(٤): وفي هذا متعَلَّقٌ المنذرٍ بن سعيد وغيرِه ممن قال: إنَّ الجنةَ لم تُخلَقْ بعدُ. قال ابنُ عطيةً: وقولُ ابنِ فورك ((يزاد فيها)) إشارةٌ إلى موجود، لكنه يحتاجُ إلى سنَد يقطعُ العذرَ في الزيادة. قلت: صدق ابنُ عطيةَ رضيَ الله عنه فيما قال، وإذا كانت السماواتُ السّبْعُ والأَرَضونَ السّبْعُ بالنسبة إلى الكرسيِّ كدراهمَ أُلقيتْ في فلاة من الأرض، والكرسيُّ بالنسبة إلى العرش كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضٍ فلاة(٥)؛ فالجنة الآنَ على ما هي عليه في الآخرة عرْضُها كعرض السماوات والأرض؛ إذ العرشُ سقفُها، حَسْبَ ما ورد في صحيح الحديث(٦). ومعلومٌ أنَّ السقفَ يحتوي على ما تحتَه ويزيد. وإذا كانتٍ (١) المحرر الوجيز ٥٠٩/١ . (٢) صحيح البخاري (٣٣٤٢)، وصحيح مسلم (١٦٣) من حديث أبي ذرّ ﴾ والكلام في المحرر الوجيز ٥٠٩/١ . (٣) الإرشاد ص٣١٩ . (٤) المحرر الوجيز ٥٠٩/١ . (٥) يشير إلى حديث أبي ذر السالف أول هذه المسألة. (٦) في (د) و (ز) و (م): مسلم، بدل: الحديث. ولم نقف عليه عند مسلم، والخبر أخرجه الديلمي في الفردوس (٣٥٢٧) عن أنس بن مالك ، بلفظ: ((سقف الجنة عرشُ الرحمن عزَّ وجلَّ)). ولم نقف على إسناده، وفي الباب عن أبي هريرة # عند أحمد (٨٤١٩) وفيه: فإذا سألتم الله، فسلّوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرشُ الرحمن ... وهو حديث صحيح، وعن عبادة بن الصامت عند أحمد أيضاً (٢٢٦٩٥) نحوه. ٣١٧ سورة آل عمران: الآيتان ١٣٣ - ١٣٤ المخلوقات كلُّها بالنسبة إليه كالحلقة، فمن ذا الذي يقدِّره ويعلَم طولَه وعرضَه إلا الله خالقُه الذي لا نهايةَ لقدرته(١)، ولا غايةَ لسَعَة مملكته! سبحانه وتعالى. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِ السَّرَّآءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَظِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِنُ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ فيه أربعُ مسائلَ: الأولى: قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ﴾ هذا من صفة المتقينَ الذين أُعِدَّثْ لهم الجنة، وظاهرُ الآيةِ أنها مدحٌ بفعلِ المندوب إليه. و﴿ السَّرَّآءِ﴾: اليُسر ﴿ وَالضَّرَآءِ﴾: العسر؛ قاله ابن عباسٍ والكلبيُّ ومقاتل. وقال عبيدُ بنُ عميرٍ والضخَّاكُ: السرَّاء والضرَّاء: الرخاءُ والشدَّةَ(٢). ويقال: في حال الصِّحَّةِ والمرض. وقيل: في السرَّاء: في الحياة، وفي الضرَّاء: يعني يُوصي بعد الموت. وقيل: في السرَّاء: في العرس والولائم، وفي الضرَّاء: في النوائبٍ والمآتم. وقيل: في السراء: النفقة التي تسرُّكم، مثل النفقة على الأولاد والقرابات، والضرَّاء: على الأعداء. ويقال: في السرَّاء: ما يُضِيفُ به الغنيَّ(٣) ويُهدي إليه. والضرَّاء: ما ينفقُه على أهل الضرِّ ويتصدَّقُ به عليهم. قلت: والآيةُ تَعُمّ. ثم قال تعالى: ﴿وَالْكَظِنَ الْغَيْظَ﴾ وهي المسألةُ: الثانية: وكَظُمُ الغيظِ: ردُّه في الجوف؛ يقال: كَظَمَ غيظَه، أي: سكتَ عليه ولم يُظهرْه معَ قدرته على إيقاعه بعدوِّه، وكظمتُ السِّقاء، أي: ملأُّتُه وسدَدْتُ عليه، (١) في (خ) و (ظ): لمقدوراته. (٢) أثر ابن عباس أخرجه الطبري ٥٧/٦، وابن أبي حاتم (٤١٦٢). وينظر تفسير أبي الليث ٢٩٩/١ عن الكلبي والضحاك، وتفسير ابن أبي حاتم (٤١٦٣) عن مقاتل، وإعراب القرآن للنحاس ٤٠٦/١ عن عبيد بن عمير. (٣) في (د) و (م): الفتى، والمثبت من (خ) و (ظ) وهو الموافق لما في تفسير أبي الليث جزء ٢ / لوحة ١٤٣ والكلام منه، وقد ذكرت فيه بصيغة الجمع، وتحرفت في المطبوع ٢٩٩/١ إلى: الأنبياء. ٣١٨ سورة آل عمران: الآية ١٣٤ والكِظامةُ ما يُسدُّ به مجرى الماء(١)؛ ومنه الكِظام للسِّير الذي يُشدُّ (٢) به فَمُ الزِّقِّ والقِربة. وكظَمَ البعيرُ جِرَّته(٣): إذا ردَّها في جَوْفه؛ وقد يقالُ لحبسه الجِرَّة قبل أن يرسلَها إلى فِيه: كظم؛ حكاه الزَجَّاج (٤). يقال: كظم البعيرُ والناقةُ إذا لم يَجْتَرًّا؛ ومنه قول الراعي(٥): مِن ذي الأبارِق إذ رَعَيْنِ حَقِيلا(٦) فأفَضْنَ بعد كُظومِهِنَّ بِجِرَّةٍ الحَقِيلُ: موضع. والحَقِيل: نبت. وقد قيل: إنها تفعل ذلك عند الفزَع والجُهد فلا تَجتَرُّ؛ قال أعشى باهِلةَ يصف رجلاً نخَّاراً للإبل فهي تفْزَعُ منه: قد تكْظِم البُزْلُ منه حين تُبْصِرهُ حتى تَقَطَّعَ في أجوافِها الجِرَرُ(٧) ومنه: رجل كظِيمٌ ومكظوم: إذا كان ممتلئاً غَمّاً وحُزناً. وفي التنزيل: ﴿وَأَتَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٨٤](٨)، ﴿ظَلَّ وَجْهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨، والزخرف: ١٦] ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨]. والغيظُ: أصلُ الغضب، وكثيراً ما يتلازمان، لكنْ فُرْقانُ ما بينَهما أنَّ الغيظَ لا يَظْهَرُ على الجوارح، بخلاف الغضب، فإنه يظهر في الجوارح مع فعلٍ مَّا ولا بدَّ؛ ولهذا جاز(٩) إسنادُ الغضبِ إلى الله تعالى؛ إذ هو عبارةٌ عن أفعاله في المغضوب عليهم. وقد فسَّر بعض الناس الغيظَ بالغضب، وليس بجيد. والله أعلم. (١) كتاب الأفعال للسرقسطي ٢/ ١٧١ . (٢) المثبت من (خ). وفي باقي النسخ: يُسدّ. (٣) الجِرَّة، بالكسر: ما يفيض به البعير، فيأكله ثانية. القاموس (جرر). (٤) معاني القرآن ٤٦٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٥٠٩/١ . (٥) ديوانه ص٢٢٤ . (٦) في (د) و (خ): الأباطح بدل: الأبارق، وهي رواية السرقسطي في كتاب الأفعال ١٧١/٢ . وحَقِيل: واد في ديار بني عكل بين جبال من الحلة، وحقيل وذو الأبارق موضع واحد. معجم البلدان ٢٧٩/٢ . (٧) هو في جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي ٧١٦/٢، برواية: قد تكظم البَرْكُ منها حين يفجؤها. وفي خزانة الأدب ١٩٤/١ . قال البغدادي: البُزل، جمع بازل، وهو الداخل في السنة التاسعة. (٨) تفسير الطبري ٥٨/٦ . (٩) في النسخ: جاء، والمثبت من المحرر الوجيز ٥٠٩/١، والكلام منه. ٣١٩ سورة آل عمران: الآية ١٣٤ الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَأَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ العفو عن الناس [من] أَجَلِّ ضُرُوبٍ فِعْلِ الخير؛ [وهذا] حيثُ يجوز للإنسان أن [لا] يعفوَ، وحيث يتَّجِه حقُّه(١). وكلُّ مَنِ استحق عقوبةً، فتُرِكتْ له، فقد عُفِيَ عنه. واخْتُلِفَ في معنى: ﴿عَنِ النَّاسُِ﴾؛ فقال أبو العاليةِ والكلبيُّ والزجَّاجُ: ﴿وَالْعَافِيْنَ عَنِ النَّاسُِ﴾ يريد: عن المماليك(٢). قال ابن عطية (٣): وهذا حسَنٌ على جهة المثال؛ إذ هُم الخَدَمَة، فهم يذنبون كثيراً، والقدرةُ عليهم متيسرة، وإنفاذُ العقوبة سهْلٌ؛ فلذلك مثَّل هذا المفسِّر به. ورُويّ عن ميمون بن مهران أن جاريتَه جاءتْ ذاتَ يوم بصّحْفةٍ فيها مَرَقَةٌ حارّة، وعنده أضيافٌ، فعثَرتْ، فصبَّت المَرقَة عليه، فأراد ميمونٌ أن يَضْرِبَها، فقالت الجارية: يا مولاي، استعملْ قولَ الله تعالى: ﴿وَالْكَظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ قال لها: قد فعلتُ. فقالت: اعمل بما بعدَه: ﴿وَأَلْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾ قال: قد عفوتُ عنك. فقالت الجارية: ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال ميمون: قد أحسنتُ إليكِ، فأنتٍ حرَّةٌ لوجه الله تعالى(٤). ورُويّ عن الأحنف بن قيسٍ مثلُه(٥). وقال زيدُ بن أسلم (٦): ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾: عمن ظلمهم وأساءً إليهم(٧). وهذا عامٌّ، وهو ظاهرُ الآيةِ. وقال مقاتل بنُ حيَّانَ في هذه الآية: بلَغْنَا أنَّ رسولَ الله لَ﴿ قال عند ذلك: ((إنَّ هؤلاء من أمَّتي قليلٌ إلَّا مَن عصَمَه الله، وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضَتْ))(٨). (١) المحرر الوجيز ٥١٠/١، وما بين حاصرتين منه. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٧/١ عن أبي العالية، وتفسير أبي الليث ٢٩٩/١ عن الكلبي، وأورده الواحدي ٤٩٣/١ عن ابن عباس، ولم نقف على قول الزجاج في معاني القرآن له. (٣) المحرر الوجيز ٥١٠/١. (٤) تنبيه الغافلين لأبي الليث السمر قندي ص١٠٢، وميمون بن مهران هو أبو أيوب الجزري الرَّنِّي، عالم الجزيرة ومفتيها، توفي سنة (١١٧هـ). السير ٧١/٥. (٥) في (خ) و (ظ): بنحوه. وقد أخرجه البيهقي في الشعب (٨٣١٧). (٦) في النسخ: سلم وهو خطأ، وقد ذكره الواحدي ١/ ٤٩٣، والبغوي ١/ ٣٥٢ عن زيد بن أسلم ومقاتل. (٧) في (د) و (م): عن ظلمهم وإساءتهم. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٦٨). ٣٢٠ سورة آل عمران: الآية ١٣٤ فمدح الله تعالى الذين يغفرون عند الغضب، وأثنى عليهم، فقال: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]، وأثنى على الكاظمين الغيظ بقوله: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسُِ﴾، وأخبر أنه يحبُّهم بإحسانهم في ذلك. ووردتْ في كظْمِ الغيظ، والعفوِ عن الناس، ومُلْكِ النفس عندَ الغضب أحاديثُ، وذلك من أعظم العبادة وجِهادِ النفس؛ فقال : ((ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، ولكنَّ الشديدَ الذي يملك نفسه عند الغضب»(١). وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما من جرعةٍ يتجرَّعها العبدُ خيرٌ له وأعظمُ أجراً من جرعةٍ غيظٍ في الله))(٢). وروى أنسٌ أن رجلاً قال: يا رسولَ الله، ما أشدُّ من كل شيء؟ قال: ((غضبُ الله)). قال: فما ينجي من غضب الله؟ قال: ((لا تغضبْ))(٣). قال العَرْجِيّ(٤): للغيظ تَبْصُر ما تقولُ وتسمعُ وإذا غضبتَ فكن وَقُوراً كاظِماً يرضى بها عنك الإله وتُرفَعُ(٥) فكفى به شرفاً تَصَبُّرُ ساعةٍ وقال عروةُ بن الزبير في العفو: حتى يَذِّلُوا وإن عَزُّوا لِأقوامِ لن يبلغَ المجدَ أقوامٌ وإن شَرُفوا لا عَفْوَ ذُلِّ ولكنْ عَفْوَ إِكرامِ(٦) ويُشْتَمُوا فترى الألوانَ مُشرِقَةً (١) أخرجه أحمد (٧٢١٩)، والبخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩) من حديث أبي هريرة ﴾. (٢) أخرجه أحمد (٦١١٤)، وابن ماجه (٤١٨٩) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٣) لم نقف عليه من حديث أنس، وأخرج أحمد في المسند (٦٦٣٥) نحوه من حديث عبدالله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما، قال الهيثمي في المجمع ٦٩/٨: وفيه ابن لهيعة وهو لين الحديث، وبقية رجاله ثقات. (٤) عبدالله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، لقب بالعرجي لأنه كان يسكن عرج الطائف، وهو من شعراء قريش الذين شُهروا بالغزل، وكان مشغوفاً باللهو والصيد. الأغاني ١/ ٣٨٣. (٥) في (خ) و (ظ): ويدفع، والبيتان في البحر ٥٨/٣ . (٦) جمهرة الأمثال ٣٤٦/١، والمستطرف ٤١٩/١، وشعب الإيمان (٨٤٨٣)، وأدب الدين والدنيا للماوردي ص٢٢٩ .