النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة آل عمران: الآيتان ١١٩ - ١٢٠
وينظر إلى هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَآءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٦].
قوله تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِنْ
تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
١٢٠
قوله تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّهُ نَّسُؤَّهُمْ﴾ قرأ السُّلَميُّ بالياءِ(١)، والباقون بالتاء.
واللفظُ عامٌّ في كل ما يحسُن ويَسُوء. وما ذكره المفسرون من الخِصْب والجَذْب،
واجتماعِ المؤمنين، ودخولِ الفُرقةِ بينهم، إلى غير ذلك من الأقوال؛ أمثلةٌ، وليس
باختلاف.
والمعنى في الآية: أنَّ من كانت هذه صفته؛ من شدَّة العداوةِ والحِقدِ، والفرحِ
بنزول الشَّدائدِ بالمؤمنين(٢)، لم يكن أهلاً لأَنْ يُتَّخذَ بِطانةً، لا سِيما في هذا الأمرِ
الجسيمِ من الجهاد، الذي هو مِلاكُ الدنيا والآخرةِ؛ ولقد أحسن القائلُ في قوله:
كلُّ العداوةِ قد تُرجَّى إفاقتُها إلَّا عداوةَ مَن عاداك مِنْ حسدٍ (٣)
﴿وَإِنْ تَصْبِرُواْ﴾، أي: على أذاهم، وعلى الطّاعة، وموالاةِ المؤمنين ﴿وَتَتَّقُواْ لَا
يَضِرْكُم كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ يقال: ضارَه يَضُوره ويَضِيرُه ضَيْراً وضَوْراً؛ فَشَرط تعالى نفيَ
ضَررِهم بالصَّبر والتقوى، فكان ذلك تسليةً للمؤمنين وتقويةً لنفوسهم (٤). قلت(٥): قرأ
الحِرْميَّان وأبو عمرٍو: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾(٦) من ضارَ يضير كما ذكرنا؛ ومنه قوله: ﴿لَا
(١) لم نقف على هذه القراءة، وذكرها أبو حيان في البحر ٤٣/٣، وقال: لأن تأنيث الحسنة مجازي.
(٢) في (د) و (م): على المؤمنين، والمثبت من (خ) و (ظ).
(٣) المحرر الوجيز ٤٩٨/١، وفيه: إزالتها، بدل: إفاقتها، وورد البيت في عيون الأخبار ١٠/٢، وبهجة
المجالس ٤١٤/١ من غير نسبة، وفيهما: إماتتها، بدل: إفاقتها، والمزهر ١/ ٨٠، وفيه: العداوات،
بدل : العداوة.
(٤) المحرر الوجيز ٤٩٨/١ - ٤٩٩ .
(٥) في (خ) و (د): قراءات، وسقطت هذه الكلمة من (ظ)، والمثبت من (م).
(٦) السبعة ص٢١٥، والتيسير ص ٩٠ : وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: لا يضُرُّكم، بضم الراء
وتشديدها كما سيذكر المصنف. والحزْميان هما: نافع المدني، وابن كثير المكي، قال في اللسان
(حرم): النسب في الناس إلى الحرم: حِزْميّ، يكسر الحاء وسكون الراء، يقال: رجل حِرْميّ، فإذا كان
في غیر الناس، قالوا: ثوب حرّميّ.

٢٨٢
سورة آل عمران: الآية ١٢٠
ضَيْرٌ﴾ [الشعراء: ٥٠]، وحُذفت الياءُ لالتقاء الساكنين؛ لأنك لمَّا حَذَفْتَ الضَّمةَ من
الراء، بقيتْ الراء ساكنةً، والياءُ ساكنة، فحُذِفت الياءُ، وكانت أولى بالحذف؛ لأنَّ
قبلَها ما يدلُّ عليها.
وحكى الكسائيُّ أنه سمع: ((ضَارَه يَضُورُه))، وأجاز: ((لا يَضُرْكُم))، وزعم أنَّ في
قراءة أُبَيِّ بن كعبٍ: ((لا يَضْرُرْكُمْ))(١).
وقرأ الكوفيون: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ بضمِّ الراءِ وتشديدِها؛ من ضَرَّ يَضُرُ(٢). ويجوزُ
أنْ يكونَ مرفوعاً على تقدير إضمارِ الفاءِ؛ والمعنى: فلا يضُرُّكم، ومنه قولُ الشاعر:
مَن يَفعلِ الحسناتِ(٣) اللهُ يَشْكُرُها
هذا قولُ الكسائيِّ والفرَّاءِ(٤)، أو يكونَ مرفوعاً على نيَّة التَّقديم؛ وأنشد
سيبويه(٥):
إنك(٦) إِنْ يُصرَعْ أخوكُ تُضْرَعُ
أي: لا يضرُّكم إنْ تصبِروا وتتقوا(٧).
ويجوز أنْ يكونَ مجزوماً، وضُمَّت الراءُ لالتقاء السَّاكَنَين على إتباعِ الضَّم.
وكذلك قراءةُ من فَتح الراءَ على أنَّ الفعلَ مجزومٌ، وفَتح ((يَضُرَّكم))؛ لالتقاء
(١) في (خ) و(ظ): لا يضور، وفي (د): لا يضر، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٤٠٣/١، والكلام
منه، وقراءة أُبيّ وردت في المحرر الوجيز ٤٩٩/١، والبحر المحيط ٤٣/٣ .
(٢) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٣/١، وانظر معاني القرآن للفراء ٢٣٢/١، ومعاني القرآن للزجاج
٤٦٤/١-٤٦٥.
(٣) في (خ) و (ظ): الخيرات، والمثبت من (د) و(م)، وهو الموافق لمصادر التخريج.
(٤) في معاني القرآن ٢٣٢/١، وإعراب القرآن للنحاس ٤٠٤/١، وعنه نقل المصنف، والبيت نُسب
لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، كما سلف ٣/ ٩٢ .
(٥) في الكتاب ٣/ ٦٧ .
(٦) لفظة: إنك، من (م).
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٤/١، والبيت نسبه سيبويه في الكتاب ٦٧/٣ لجرير بن عبدالله، ونسبه
البغدادي في خزانة الأدب ٨/ ٢٠ لعمرو بن خُثادم، وورد الرجز في الكامل ١٧٤/١، والمقتضب ٧٢/٢ ،
ومشكل إعراب القرآن ١٥٥/١، وأمالي ابن الشجري ١٢٥/١، والمقرَّب ٢٧٥/١ من غير نسبة، وقبله:
يا أقرعُ بنَ حابسٍ يا أقرعُ.

٢٨٣
سورة آل عمران: الآيتان ١٢٠ - ١٢١
الساكنين؛ لخفَّة الفتح؛ رواه أبو زيدٍ عن المفضَّل، عن عاصم(١)، حكاه المهْدَوِيُّ.
وحكى النحاسُ: وزعمَ المفضَّل الضَّبيُّ عن عاصم(٢): ((لا يَضُرِّكم)) بكسر الراءِ
لالتقاء السَّاكَنَين(٣).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِّ وَاَللَّهُ سَمِيعُ
١٢
عَلِيم
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ العامل في ((إِذْ)) فعلٌ مضمرٌ تقديرُه: واذكر إذْ
غدوت، يعني: خرجت بالصَّباحِ. ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾: من منزلك من عندِ عائشة. ﴿تُبَوِّئُ
اَلْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾، هذه غزوةُ أُحُدٍ، وفيها نزلت هذه الآيةُ
كلُّھا (٤).
وقال مجاهدٌ والحسنُ ومقاتل والكلبيُّ: هي غزوةُ الخَنْدَقِ (٥).
وعن الحسن أيضاً: يوم بَدْرٍ (٦).
والجمهورُ: على أنها غزوةُ أُحُدٍ (٧)؛ يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َّبِفَتَانٍ
مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾. وهذا إنَّما كان يومَ أُحدٍ، وكان المشركون قَصدوا المدينةَ في
ثلاثة آلافٍ رجلٍ، ليأخذوا بثأرهم في يوم بدر؛ فنزلوا عند أُحُدٍ على شَفِير الوادي
(١) انظر إعراب القرآن للنحاس ٤٠٣/١، والمحرر الوجيز ٤٩٩/١، وقراءة عاصم هذه ذكرها ابن خالويه
في القراءات الشاذة ص٢٢، والزمحشري في الكشاف ١/ ٤٦٠ .
(٢) قوله: الضبي عن عاصم، ليس في (ظ).
(٣) كذا حكى المصنف عن النحاس، والذي في إعراب القرآن ١/ ٤٠٣ أن رواية المفضل عن عاصم، بفتح
الراء كما ذكر قبل، وأما الكسر، فقد ذكره النحاس وجهاً لا قراءة، قال ابن عطية في المحرر الوجيز
٤٩٩/١: أما الكسر فلا أعرفها قراءة، وعبارة الزجاج (في معاني القرآن ٤٦٥/١) في هذا متجوز
فيها، إذ يظهر من دَرَج كلامِه أنها قراءة. اهــ وأما كسر الراء في: لا يَضُرِّكم، فقد نسبه السمين في الدر
٣٧٧/٣، وأبو حيان في البحر المحيط ٤٣/٣ للضحاك.
(٤) تنظر السيرة النبوية لابن هشام ١٠٦/٢، وتفسير الطبري ٦/ ٧، وأسباب النزول ص ١١٥ - ١١٦ .
(٥) ينظر تفسير أبي الليث ٢٩٥/١، وتفسير الطبري ٧/٦، والنكت والعيون ٤٢٠/١ .
(٦) أورده البغوي ٣٤٦/١.
(٧) ينظر تفسير البغوي ٣٤٦/١، والمحرر الوجيز ٤٩٩/١.

٢٨٤
سورة آل عمران: الآية ١٢١
بقناةٍ مقابل المدينة، يومَ الأربعاء الثاني عشرَ من شؤَّال سنةَ ثلاثٍ من الهِجرة، على
رأس أَحَدٍ وثلاثين شهراً من الهجرة، فأقاموا هنالك يومَ الخميس، ورسول الله ﴾
بالمدينة(١)؛ فرأى رسولُ اللهِ ﴿ في منامه أنَّ في سيفه ثُلْمَةً، وأنَّ بقراً له تُذبحُ، وأنه
أَدخل يدَه في دِرْع حصينةٍ؛ فتأوَّلَها أنَّ نفراً من أصحابه يُقتلون، وأنَّ رجلاً من أهل
بيتِهِ يُصاب، وأنَّ الدِّرعَ الحصينةَ المدينةُ. أخرجه مسلم(٢). فكان كلُّ ذلك على ما هو
معروفٌ مشهورٌ من تلك الغَزاة.
وأصلُ التبوُّءِ اتخاذُ المنزل، بوَّأْتُه منزلاً: إذا أسكنته إياه؛ ومنه قولُه عليه الصلاة
والسلام: ((من كذبَ عليَّ مُتَعمِّداً، فَلْيتبوّأُ مقعدَه مِنَ النَّارِ))(٣)، أي: لِيتخذْ فيها منزلاً.
فمعنى (تُبؤِّئُ المؤمنين)): تَتَّخِذُ لهم مَصافَّ (٤).
وذكر البيهقِيُّ من حديث أنس أنَّ رسولَ اللهِ﴿ قال: ((رأيتُ فيما يرى النائمُ كأنِّي
مُردِفٌ كبشاً، وكأنَّ ◌ُبَةٍ (٥) سيفي انكسرت، فأوَّلْتُ أَنِّي أَقْتُلُ كبشَ القوم، وأوَّلتُ كَسْرَ
ظْبَةٍ (٦) سيفِي، قَتْلَ رجلٍ من عِترتي)) فقُتل (٧) حمزةُ، وقَتلَ رسولُ اللهِ ﴿ طلحةً، وكان
صاحبَ اللِّواءِ(٨).
وذكر موسى بن عقبةً عن ابن شهاب: وكان حاملَ لواءِ المهاجرين رجلٌ من
(١) المحرر الوجيز ٥٠٠/١ .
(٢) برقم (٢٢٧٢) من حديث أبي موسى الأشعري ه بنحوه، وهو عند البخاري (٣٦٢٢)، وأخرجه أحمد
(٢٤٤٥) (١٤٧٨٧) من حديث ابن عباس وجابر﴾.
(٣) سلف ١/ ٥٧ .
(٤) ينظر المحرر الوجيز ٥٠١/١ .
(٥) في (خ): طية، وفي (د) و (ظ) و(م): ضبة، والمثبت من دلائل النبوة للبيهقي ٢٠٥/٣، ومصادر
الحدیث.
(٦) في (د) و (م): ضبة، والمثبت من (خ) و (ظ).
(٧) لفظة: فقُتل، من (د) و (م).
(٨) البيهقي في دلائل النبوة ٢٠٥/٣ وفيه: وقُتل طلحة بن أبي طلحة وكان صاحب اللواء. وأخرجه أيضاً
البراز (كشف الأستار) (٢١٣١)، والطبراني في الكبير (٢٩٥٠)، والحاكم ١٩٨/٣. وهو عند أحمد
(١٣٨٢٥) مختصراً، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ١٠٧ - ١٠٨ : رواه الطبراني، وأحمد ولم
يكمله، وفيه علي بن زيد، وهو سيىء الحفظ، وبقية رجاله رجال الصحيح، وقوله: ظبة سيفي، أي:
طرفه، ويجمع على الظّباء والظبين. النهاية (ظبب).

٢٨٥
سورة آل عمران: الآيتان ١٢١ - ١٢٢
أصحاب رسولِ الله ﴿، فقال: أنا عاصمٌ إنْ شاء الله لِمَا معي؛ فقال له طلحة بنُ
عثمانَ أخو سعيد (١) بنُ عثمانَ اللخميُّ(٢): هل لك يا عاصم في المبارزة؟ قال: نعم؛
فبدَره ذلك الرَّجلُ، فَضَرب بالسَّيف على رأس طلحةً حتى وقع السَّيفُ في لَحْيَيْهِ(٣)،
فقتله؛ فكان قتلُ صاحبٍ لواءِ المشركين تصديقاً (٤) لرؤيا رسولِ الله ﴾: ((أني(٥)
مُرْدِفٌ كبشاً)) (٦).
قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
اُلْمُؤْمِنُونَ
٢٢
العامل في ((إذ)): ((تبوئ))، أو: ((سميع عليم)). والطائفتان: بنو سلَمةً من
الخزرج، وبنو حارِثةً من الأوس، وكانا جناحَي العسكرِ يومَ أحُدٍ. ومعنى ﴿أَنْ
تَفْشَلَا﴾: أن(٧) تَجْبُنا (٨).
وفي البخاريِّ عن جابرٍ قال: فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ
وَلِيُّهُمَا﴾، قال: نحن الطائفتان: بنو حارثةَ وبنو سلمةً، وما نُحِبُّ أنَّها لم تَنزلْ؛ لقول
اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَأْ﴾(٩).
وقيل: هم بنو الحارثِ، وبنو (١٠) الخزرج، وبنو النَّبِيت(١١)، والنَّبِيت: هو عمرو
(١) في (خ): شيبة.
(٢) في (د): الحجبي.
(٣) في (خ) و (ظ) و(م) والدلائل (كما سيرد): لحيته.
(٤) في (م): اللواء تصديقاً.
(٥) في (خ): أيْ، وفي (ظ) و(م): كأني، والمثبت من (د)، وهو الموافق لدلائل النبوة للبيهقي ٢١٠/٣ .
(٦) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٢١٠ مطولاً.
(٧) في (خ) و (ظ): أي.
(٨) ينظر تفسير البغوي ١/ ٣٤٧، وتفسير الرازي ٢٢٠/٨ .
(٩) صحيح البخاري (٤٥٥٨)، وأخرجه أيضاً مسلم (٢٥٠٥).
(١٠) في (خ) و (ظ): ابن.
(١١) في (خ) و (ظ): النبت، وقد سقطت الكلمة من (د).

٢٨٦
سورة آل عمران: الآية ١٢٢
ابنُ مالك من بني الأوس. والفشلُ: عبارةٌ عنِ الجبن؛ وكذلك هو في اللغة.
والهَمُّ من الطائفتين كان بعد الخروجِ؛ لمَّا رجع عبدالله بنُ أُبَيِّ بمن معه من
المنافقين، فحفِظ الله قلوبَهم، فلم يرجعوا؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيَُّأَ﴾،
يعني: حافظٌ قلوبَهما عن تحقيق هذا الهمِّ(١).
وقيل: أرادوا التَّقاعدَ عن الخروج، وكان ذلك صغيرةً منهم.
وقيل: كان ذلك حديثَ نفسٍ منهم خَطَر ببالهم، فأطلَع اللهُ نبيَّه عليه الصلاة
والسلام، فازدادوا(٢) بصيرةً؛ ولم يكن ذلك الخَوَرُ(٣) مكتسباً لهم، فعصمهم الله،
وذمّ(٤) بعضُهم بعضاً، ونهضوا مع النبيِّ﴾، فمضى رسولُ اللهِ ﴾ حتى أطَلَّ(٥) على
المشركين، وكان خروجُه من المدينة في ألفٍ، فرجعَ عنه عبداللهِ بنُ أبيّ بنُ سَلُولٍ
بثلاث مئة رجلٍ مُغاضِباً؛ إذْ خُولِف رأيُه حين أشار بالقعود والقتالِ في المدينة إن
نهض إليهم العدوُّ، وكان رأيُهُ وافَقَ رأيَ رسولِ الله :﴿، وأبى ذلك أكثرُ الأنصار(٦)،
وسيأتي(٧). ونهضَ رسولُ اللـه ﴾ بالمسلمين، فاستُشهِد منهم من أكرمه الله بالشَّهادة.
قال مالكٌ رحمه الله: قُتِل من المهاجرين يومَ أحُدٍ أربعةٌ، ومن الأنصارِ سبعون ﴾(٨).
والمقاعِدُ: جمع مَفْعَدٍ وهو مكانُ القعود، وهذا بمنزلة: مَوَاقف، ولكنَّ لفظَ
القعودِ دالٌّ على الثُّبوت؛ ولاسِيما أنَّ الرُّماةَ كانوا قعوداً (٩). هذا معنى حديثٍ غَزاةٍ
(١) ينظر تفسير أبي الليث ٢٩٥/١، وتفسير الطبري ٦/ ١٥.
(٢) في (ظ): فازداد.
(٣) في النسخ: الجور، والمثبت من (م)، وقوله: الخّوَر: الضعف، يقال: خار يخور: ضعف وانكسر.
انظر الصحاح (خور).
(٤) في (خ): ودبر، وفي (ظ): ودمر، والمثبت من (د) و (م)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ١/ ٥٠٠ .
(٥) في النسخ الخطية: أظل، والمثبت من (م).
(٢) انظر السيرة النبوية لابن هشام ٦٣/٢ - ٦٤، والدررفي اختصار المغازي والسِّير لابن عبد البَرّ
ص١٥٦ - ١٥٧، والمحرر الوجيز ١/ ٥٠٠ .
(٧) ص٣٨٥ من هذا الجزء .
(٨) الجامع في السنن والآداب لابن أبي زيد القيرواني ص ٢٧٧ .
(٩) المحرر الوجيز ٥٠١/١ ،

٢٨٧
سورة آل عمران: الآية ١٢٢
أُحدٍ على الاختصار، وسيأتي من تفصيلها ما فيه شِفاءٌ(١).
وكان مع المشركين يومَئذٍ مئةُ فرسٍ عليها خالد بنُ الوليد، ولم يكن مع المسلمين
يَومَئِذٍ فرسٌ. وفيها جُرحَ رسولُ اللهِ ﴿ في وجهه، وكُسِرتْ رَباعِيَتُهُ(٢) اليمنى السُّفلى
بحجر، وهُشِمت البَيْضَةُ(٣) من على رأسه ﴿، وجزاه عن أُمَّته ودِينه بأفضل ما جزى
به نبيّاً من أنبيائه عن (٤) صبره. وكان الذي تَوَلَّى ذلك من النبيِّ # عمرو بنُ قَمِئَةٍ(٥)
الليثيُّ، وعُتْبةُ بنُ أبي وَقَّاص.
وقد قيل: إنَّ عبدَ اللهِ بنَ شِهابٍ - جدَّ الفقيهِ محمدِ بنِ مسلم بنِ شهابٍ - هو
الذي شَجَّ رسولَ الله ﴾ في جبهته(٦).
قال الواقِدِيُّ(٧): والثابتُ عندنا أنَّ الذي رمى في وجْنَتَي(٨) النبيِّ﴾ ابنُ قمئةَ،
والذي أَدمى شفته وأصابَ رَباعِيَتَه عُتبةُ بنُ أبي وَقَّاص.
قال الواقِدِيُّ بإسناده عن نافع بنٍ جُبير قال: سمعت رجلاً من المهاجرين يقولُ:
شهدتُ أُحُداً، فنظرتُ إلى النَّبْلِ تأتي من كل ناحية، ورسولُ اللهِ ﴾ وسطَها، كلٌّ
[ذلك] يُصْرَفُ عنه. ولقد رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ شِهاب الزُّهرِيَّ يقولُ يومئذٍ: دُلُّونِي على
محمد، دُلُّوني على محمد، فلا نجوْتُ إنْ نجا، [وإنَّ] رسولَ اللهِ ﴾ إلى جنبه ما معه
أحدٌ، ثمَّ جاوزَه، فعاتبه في ذلك صفوانُ، فقال: واللهِ ما رأيتُه، أحلِفُ بالله إنه مِنَّا
ممنوعٌ! خرجنا أربعةً، فتعاهدْنا وتعاقدنا على قتله، [فلم نَخْلُصْ إلى ذلك](٩).
(١) ص٣٥٨ - ٣٧٥ .
(٢) انظر صحيح مسلم (١٧٦١)، وسيذكره المصنف ص٣٠٦ . قوله: رَبّاعيّته، هي السنُّ التي بين الثنيةِ
والناب، والجمع رباعيات. الصحاح (ربع).
(٣) قوله: البيضة: الخوذة. انظر النهاية ٤ / ١١٤ .
(٤) في (م): على.
(٥) في (م): قميئة.
(٦) الدرر في اختصار المغازي والسِّير ص١٦١، وانظر السيرة النبوية لابن هشام ٧٩/٢ - ٨٠ .
(٧) في المغازي ٢٤٤/١ .
(٨) في (د) و (م): وجه، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لمغازي الواقدي ٢٤٤/١.
(٩) في المغازي ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨، وما بين حاصرتين منه.

٢٨٨
سورة آل عمران: الآية ١٢٢
وأكَبَّتِ الحجارةُ على رسول اللهِ # حتَّى سقط في حفرة، كان أبو عامر الرَّاهبُ
قد حفرها مكيدةً للمسلمين، فخرَّ عليه الصلاة والسَّلام على جنبه، [فأخَذ عليٍّ بيده]،
واحتضنه طلحةُ حتَّى قام، ومَصَّ مالك بنُ سِنان والدُ أبي سعيد الخدريّ من ◌ُرْح
رسولِ الله ﴿ الدَّمَ، ونَشِبَتْ(١) حلْقَتان من دِرع المِغْفَر(٢) في وجههل: ﴿، فانتزعهما أبو
عبيدةً بنُ الجرّاح، وعَضّ عليهما بِثَنََّهِ، فسقطتا؛ فكان أهْتَمَ(٣) يُزِيِّنُه هَتَمُهُ ﴾(٤).
وفي هذه الغَزاةِ قُتل حمزةُ ﴾، قتلَه وحشِيٍّ، وكان وَخْشِيٍّ مملوكاً لجُبير بنِ
مُطْعِم، وقد كان جبيرٌ قال له: إنْ قَتلتَ محمداً جعلنا لك أعِنَّةَ الخيلِ، وإنْ أنت قتلتَ
عليّ بن أبي طالبٍ جعلنا لك مئة ناقةٍ؛ كلُّها سُودُ الحَدَق، وإنْ أنت قتلتَ حمزةَ،
فأنت ◌ُرٍّ. فقال وحشِيٍّ: أمَّا محمدٌ فعليه حافظٌ من الله لا يخلُص إليه أحدٌ. وأما عليّ
ما برز إليه أحدٌ إلَّا قتلَه. وأما حمزةُ فرجل شجاعٌ، وعسى أنْ أُصادفَه فأقتلَه. وكانت
هِندُ كلَّما مرَّ بها(٥) وَخْشِيٍّ أو مرَّتْ به، قالت: إنْهاً أبا دَسَمَةَ، اشْفِ واستشفِ. فَكَمِنَ
له خلفَ صَخْرة، وكان حمزةٌ حَمَلَ على القوم من المشركين، فلمَّا رجع من حَمْلته،
ومرَّ بوحشِيٍّ، زَرَقه بالمِزْرَاق(٦)، فأصابه فسقط منها(٧)، رحمه الله ورضي عنه (٨).
قال ابنُ إسحاقَ: فَبَقَّرت مِنْدٌ عن كبدِ حمزةَ، فلاكَتْها، فلم(٩) تستطع أنْ تُسِيغَها،
فلفَظَتْها، ثم علَتْ على صخرة مُشْرفةٍ، فصرخَتْ بأعلى صوتِها، فقالت:
نحنُ جَزَيْناكم بيَوْم بَدْرٍ
والحربُ بعدَ الحربِ ذاتُ سُعْرٍ
(١) يعني علقت، ووقع في (د) و(م): تشبئت، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق للدُّرر في اختصار
المغازي والسِّير لابن عبد البرّ ص١٦١، والكلام منه.
(٢) قوله: المِغْفَر: زَردٌ (درع) ينسج على قدر الرأسِ يُلبس تحت القَلْسُوة. مختار الصحاح (غفر).
(٣) قوله: أَهتم من الهَتّم، وهو انكسار الثنايا من أصولها، وقيل: من أطرافها. انظر اللسان (هتم).
(٤) الدرر في اختصار المغازي والسِّير ص١٦١، وما بين حاصرتين منه.
(٥) في (د) و (م): تهيأ، والمثبت من (خ) و (ظ).
(٦) قوله: المِزْراق: رمحٌ قصير. الصحاح (زرق).
(٧) في (م): ميتا.
(٨) انظر السير والمغازي لابن إسحاق ص ٣٢٣ - ٣٢٤، والمغازي للواقدي ٢٨٥/١ - ٢٨٧، والدرر
في اختصار المغازي والسِّير لابن عبد البر ص ١٦٧ .
(٩) في (خ): لم، وفي (م): ولم، والمثبت من (د) و (ظ).

٢٨٩
سورة آل عمران: الآية ١٢٢
ولا أخِي وعَمِّهِ وبِكْري
ما كان عن عُثْبَةً لي من صَبْرٍ
شفيتَ وَحْشِيُّ غلَيلَ صَدْرِي
شفَيْتُ نفسي وقضَيْتُ نَذْرِي
حتى تَرِمَّ أعْظُمِي في قَبْرِي
فشُكْرُ وخشِيٍّ عليَّ عُمْرِي
فأجابتها مِنْدُ بنتُ أُثَاثَةَ بنِ عَبّاد بنِ المطّلب(١)، فقالت:
يا بنتَ وقَّاعٍ عظيمٍ الكُفْرِ
خَزِيتٍ(٢) في بذرٍ وبعدَ بدرٍ
مِلْهَا شِمِيِّين الطّوَال الزُّهْرِ
صبَّحَكِ اللهُ غَداةَ الفجرِ
حمزةُ لَيْشِي وعَليٍّ صَقْرِي
بكلٌ قَطَّاعِ حُسامٍ يَفْرِي
فَخَضَّبَا منه ضَوَاحِي النَّخرِ
إِذْ رَامَ شَيْبَ وأبوهٍ غَذْرِي
ونَذْرُكِ السُّوءِ فشرُّ نَذْرٍ (٣)
وقال عبدالله بن رواحةً ییکي حمزةً ﴾:
وما يُغني البكاءُ ولا العَوِيلُ
بكتْ عيني وحُقَّ لها بُكاها
أَحَمْزَةٌ ذاكُم الرَّجُلِ القتِيلُ؟!
على أسَدِ الإلهِ غَداةَ قالوا:
هناك، وقد أُصيب به الرَّسُولُ
أُصيبَ المسلمونَ به جميعاً
وأنتَ الماجدُ البَرُّ الوَصُولُ
أبا يَعْلَى لك الأركانُ هُدَّتْ
(١) في النسخ: بن عبد المطلب، والمثبت من مغازي ابن إسحاق ص٣٣٣ ، ومصادر الخبر، وهند بنت
أثاثة هي أخت مسطح، القرشية المطَّليّه، أسلمت بمكة. انظر الإصابه ١٥٩/١٣ .
(٢) في (د) و (ظ): جُريتٍ، والمثبت من (خ) و (م)، وهو الموافق لمغازي ابن إسحاق ص٣٣٣، والسيرة
النبوية لابن هشام ٢/ ٩١ .
(٣) السير والمغازي ص٣٣٣، والسيرة النبوية ٢/ ٩١ - ٩٢، وقولها: غليل: العطش أو مرارة الجوف،
وقولها: تَرَمَّ: تبلى، وقولها: وقَّاع، أي كثير الوقوع. شرح غريب السيرة ١١٥/٢، وقولها:
مِلْهاشيميِّين؛ الأصل: من الهاشميين، فحذفت النون من حرف ((من)) لالتقاء الساكنين، ولا يجوز ذلك
إلا في ((مِن)) وحدها لكثرة استعمالها. الروض الأنف ١٧٧/٣، وقولها: الزُّهر: البيض، وقولها: رام
شيب، أي: أراد شيبةٌ، فرثَّمَتْه في غير النداء، وقولها: ضواحي النحر، أي: ما ظهر من النحر. شرح
غريب السيرة ٢/ ١١٥ .

٢٩٠
سورة آل عمران: الآية ١٢٢
عليك سلامُ ربِّك في جِنانٍ
ألا يا هاشمَ الأخيارِ صبراً
رسولُ اللهِ مصطبِرٌ كرِيمٌ
ألا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي لُؤَيّاً
وقبلَ اليومِ ما عرَفوا وذاقوا
نسِيْتُم ضَرْبَنا بِقَلیبٍ بَدْرٍ
غَدَاةَ ثَوَى أبو جهلٍ صريعاً
وعُتْبَةُ وابنُه خَرَّا جميعاً
ومَثْرَكُنا أمَيَّةَ مُجْلَعِبّاً
وهَامَ بني ربيعةَ سائِلوها
ألا يا هِنْدُ لا تُبدِي شَمَاتاً
ألا يا هِنْدُ فابكي لا تَمَلِّي
مُخالِطُها(١) نعيمٌ لا يزولُ
فكلُّ فِعالِكم حَسَنٌ جميلٌ
بأمرِ الله ينطِقُ إذْ يقولُ
فبَعدَ اليوم (٢) دَائلَةٌ تَدُولُ
وقائِعَنا بها يُشْفَى الغَلِيلُ
غداةَ أتاكم الموتُ العَجِيلُ
عليه الظَّيْرُ حَائِمَةً تَجُولُ
وشَيْبَةُ عَضَّه السّيفُ الصَّقِيلُ
وفي حَيْزُومِه لَذْنٌ نَبِيلُ
ففي أسيافِنا منها فُلُولُ
بحمزةَ إنَّ عِزَّكُمُ ذَليلُ
فأنتِ الوَالِهُ العَبْرَى الْهَبُولُ(٣)
ورَثَنْه أيضاً أختُه صفيةٌ، وذلك مذكورٌ في السيرة(٤)، رضي اللهُ عنهم أجمعين.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَ الَّهِ فَلْيَتَوَّكَلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فيه مسألةٌ واحدةٌ، وهي بيانُ التوكُلِ.
والتَّوكُّلُ في اللغة: إظهارُ العجزِ، والاعتمادُ على غيرك(٥)، ووَاكل فلانٌ: إذا
(١) في (خ) و (د): يخالطها، والمثبت من (ظ) و(م) ، وهو الموافق لمصدر التخريج.
(٢) في (خ) و (ظ): القوم، والمثبت من (د) و(م)، وهو الموافق لمصدر التخريج.
(٣) السيرة النبوية ١٦٢/٢ - ١٦٣، قوله: العويل: البكاء مع رفع الصوت، وقوله: أبو يعلى: كنية
حمزة ، وقوله: الماجد: الشريف، وقوله دائلة تدول، يريد دولة في الحرب بعد دولة، وقوله:
حائمة، أي: مستديرة، وقوله: مُجْلَعِبّاً: ممتداً مع الأرض، والحَيزوم: أسفل الصدر، واللَّدْنُ: الرمحُ
الليِّن، ونبيل، أي: عظيم، والوالِهُ: الفاقد، والعَبْرَى: الكثيرةُ الدمع، والهَبُول: الفاقد أيضاً. شرح
غريب السيرة ١٥٩/٢ - ١٦٠ .
(٤) انظر السيرة النبوية ٢/ ١٦٧.
(٥) في (م): الغير.

٢٩١
سورة آل عمران: الآية ١٢٢
ضَبَّع أمرَه مُتَّكلاً على غيره(١).
واختلف العلماء في حقيقةِ التَّوكلِ؛ فسُئِلَ عن ذلك(٢) سهل بنُ عبدالله، فقال:
قالت فرقة: الرِّضَا بالضَّمان، وقطع الطَّمَع من المخلوقين. وقال قومٌ: التَّوكُّل: تركُ
الأسبابِ والركونُ إلى مُسبِّب الأسباب؛ فإذا شغله السَّببُ عن المسبّبِ، زال عنه اسمُ
التوگُّل.
قال سَهْلٌ: من قال: إنَّ التَّوكلَ يكونُ بترك السّبب، فقد طعَن في سُنَّة رسولِ اللهِ﴾؛
لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقول: ﴿فَكُواْ ◌ِمَّا غَيِّمْتُمْ حَلًا طَيِّبَأْ﴾ [الأنفال: ٦٩]. فالغنيمةُ اكتسابٌ،
وقال تعالى: ﴿فَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، فهذا
عَمَلٌ(٣)، وقال النبيُّ ◌َ﴾: ((إنَّ اللهَ يحبُّ العبدَ المحترِفَ))(٤). وكان أصحابُ رسولِ الله ◌ِ﴾
يُقْرِضُون(٥)، على السَّرِيَّة.
قال غيرُه: وهذا قولُ عامَّةِ الفقهاءِ، وإنَّ التوكل على الله هو الثقةُ بالله، والإيقانُ
بأنَّ قضاءَه ماضٍ، واتباعُ سنةٍ نبيِّهِ ﴾ في السعي فيما لابدَّ منه من الأسباب؛ من مَطعم
ومَشربٍ، وتحرُّزٍ من عدوٍّ، وإعدادِ الأسلحةِ، واستعمالٍ ما تقتضيه سنةُ اللهِ تعالى
المعتادةُ. وإلى هذا ذهب محقِّقو الصُّوفية، لكنه لا يستحقُّ اسمَ المتوكّلِ(٦) عندَهم مع
الظُّمأنينةِ إلى تلك الأسبابِ والالتفاتِ إليها بالقلوب؛ فإنها لا تجلبُ نفعاً ولا تدفعُ
ضرّاً، بلِ السَّببُ والمسبَّبُ فعلُ اللهِ تعالى، والكلُّ منه وبمشيئته، ومتى وقع من
(١) انظر زاد المسير ١ / ٤٥٠، والمفهم ١ /٤٦٧.
(٢) في (د) و (م): فسئل عنه.
(٣) تنظر حلية الأولياء ١٩٥/١٠، والرسالة القشيرية ٥٤/٣.
(٤) أخرجه ابن عدي ٣٦٩/١، والطبراني في الكبير (١٣٢٠٠)، والبيهقي في الشعب (١٢٣٧) من طريق
أبي الربيع السمان، عن عاصم بن عُبيد الله، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعاً، قال ابن الجوزي في
العلل المتناهية ٥٨٩/٢: هذا حديث لا يصح؛ أبو الربيع كان يكذب، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد
٦٢/٤: فيه عاصم بن عُبيد الله، وهو ضعيف.
وأخرجه القضاعي في مسنده (١٠٧٢) من طريق عُبيد بن إسحاق، عن قيس، عن ليث، عن مجاهد،
عن ابن عمر مرفوعاً، قال أبو حاتم كما في العلل لابنه ١٢٨/٢ : هذا حديث منكر.
(٥) في (د) و (ظ): يعرضون، وفي (خ): يغرضون، والمثبت من (م).
(٦) في (د) و (ظ) و (م): التوكل، والمثبت من (خ)، وهو الموافق للمفهم ١ / ٤٦٧.

٢٩٢
سورة آل عمران: الآيات ١٢٢ - ١٢٥
المتوكّل ركونٌ إلى تلك الأسبابِ، فقد انسَلَخَ عن ذلك الاسم (١).
ثم المتوكلون على حالين:
الأوَّلُ: حالُ المتمَكِّن في التوكُّل، فلا يَلتَفْتُ إلى شيءٍ من تلك الأسبابِ بقلبه،
ولا يتعاطاها(٣) إلَّا بحكم الأمر.
الثاني: حالُ غيرِ المتَمكّن، وهو الذي يقع له الالتفاتُ إلى الأسباب(٣) أحياناً،
غيرَ أنه يدفعُها عن نفسه بالظُرُق العِلْميَّة، والبراهينِ القطعيَّة، والأذواقِ الحاليّة؛ فلا
يزالُ كذلك إلى أنْ يُرَقَِّه اللهُ بجوده إلى مقام المتوكلين المتمكِّنين، ويُلحِقَه بدرجات
العارفين.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَخِلَّةٌ فَأَتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٢٣)
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَّكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَّلَثَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُنْزَلِينَ
بَنْ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذَّكُمْ رَبُّكُم مِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ
١٢٤
١٢٥)
اٌلْمَلَتِكَةِ مُسَوِّمِينَ
فيه ست مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ كانت بدرٌ يومَ سبعةَ عشرَ من
رمضان، يوم جُمُعَة لثمانيةَ عشرَ شهراً من الهِجرة، وبدرٌ: مَاءٌ هنالك، وبه سُمِّيَ
الموضِعُ.
وقال الشعبيُّ: كان ذلك الماءُ لرجلٍ من جُهَينةَ يُسَمَّى بدراً، وبه سُمِّي الموضع.
والأوَّل أكثرُ.
وقال الواقِدِيُّ وغيرُه: بدرٌ: اسمٌ لموضع غيرُ منقول(٤). وسيأتي في قصة بدرٍ في
(١) المفهم ١/ ٤٦٧.
(٢) في (د) و(م): يتعاطاه، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق للمفهم ٤٦٨/١ والكلام منه.
(٣) في (د) و (م): إلى تلك الأسباب، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق للمفهم.
(٤) المحرر الوجيز ٥٠٢/١، وأخرج الطبري ١٧/٦ - ١٨ قول الشعبي والواقدي.

٢٩٣
سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٥
((الأنفال)) إن شاء الله تعالى(١).
و﴿أَزِلٌَّ﴾ معناها: قليلون؛ وذلك أنهم كانوا ثلاث مئةٍ وثلاثةَ عشر أو أربعةَ عشر
رجلاً. وكان عدوُّهم ما بين التسع مئة إلى الألف.
و ((أذِلة)) جمعُ ذليل. واسم الذلِّ في هذا الموضع مُسْتعارٌ، ولم يكونوا في أنفسهم
إلّا أعِزَّةٌ، ولكنَّ نسبتَهم إلى عدوّهم وإلى جميع الكفَّار في أقطار الأرض، تقتضي
عند التأمل(٢) ذِلَّتهم، وأنهم يُغلبون.
والنصرُ: العونُ؛ فنصرهم الله يومَ بَدْرٍ، وقُتِلَ فيه صنادِيدُ المشركين، وعلى ذلك
اليومِ انبنى(٣) الإسلامُ، وكان أوَّلَ قتال قاتلَه النبيُّ ◌ِ﴾(٤).
وفي صحيح مسلم عن بُريدة قال: غزا رسول الله ﴿ سبعَ عَشْرةً غزوةً، قاتل في
ثمانٍ(٥) منهنَّ.
وفيه عن أبي(٦) إسحاقَ قال: لقيت زيدَ بنَ أرْقَم، فقلت له: كم غزا رسول الله ﴾؟
قال: تسعَ عشْرَةَ غزوةٌ. فقلت: فكم غزوتَ أنت معه؟ فقال: سبعَ عَشْرَةَ غزوةٌ. قال :.
فقلت: فما أوَّلُ غزوةٍ غزاها؟ قال: ذات العُسَير أو العُشَيْرِ (٧).
وهذا كلُّه مخالفٌ لما عليه أهلُ التواريخِ والسِّيّر. قال محمد بنُ سعد في كتاب
((الطبقات)) له: إن غزواتٍ رسولِ الله ﴾ سبعٌ وعشرون غزوةً، وسراياه ستُّ
وخمسون، وفي رواية: ستٌّ وأربعون، والتي قاتل فيها رسولُ اللـه ◌َ﴾: بَدْرٌ،
وأُحِدُ(٨)، والمُرَيْسِيع، والخَنْدَق، وخَيْبَر، وقُرَيْظَة، والفتْحُ، وحُنَيْن، والطائف. قال
(١) في تفسير الآية (٩ - ١٠) منها.
(٢) في النسخ: المتأمل، والمثبت من (م).
(٣) في (د) و (ظ) و (م): ابتنى، والمثبت من (خ) و (ز) و (ف).
(٤) المحرر الوجيز ٥٠٢/١ .
(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٣/ ٦٩٣ وعنه نقل المصنف الحديث، وفي صحيح مسلم
(١٨١٤) أنه# غزا تسع عشرة غزوة، بدل: سبع عشرة.
(٦) في (ظ) و(م): ابن، وهو خطأ، وأبو إسحاق: هو السبيعي.
(٧) صحيح مسلم (١٢٥٤) ص ١٤٤٧ (كتاب الجهاد والسير)، وأخرجه أحمد (١٩٣٣٥)، والبخاري
(٣٩٤٩).
(٨) في النسخ: بدراً وأحداً، والمثبت من (م).

٢٩٤
سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٥
ابن سعد: هذا الذي اجتمع لنا عليه. وفي بعض الروايات أنه قاتل في بني النَّضِير،
وفي وادي القرى مُنصَرفَه من خَيْبَر، وفي الغَابة(١).
وإذا تقرَّر هذا فنقول: زيدٌ وبُريدُ، إنما أخبر كلُّ واحدٍ منهما(٢) عما(٣) في
علمه، أو شاهده. وقولُ زيدٍ : إن أوَّلَ غزاةٍ غزاها ذاتُ العُسَير (٤)، مخالفٌ أيضاً لما
قال أهلُ التواريخ والسِّيّر.
قال محمد بن سعد: كان قبلَ غزوةِ العُشيرةِ ثلاثُ غَزَوات، يعني غزاها بنفسه(٥).
وقال ابن عبد البَرِّ في كتاب ((الذُّرر في المغازي والسير)) (٦): أوَّلُ غزاةٍ غزاها
رسول الله ﴿ غزوةُ وَذَّان(٧)، غزاها بنفسه في صَفَر؛ وذلك أنه وصل إلى المدينة
لاثنتي عَشْرةً ليلةً خلت من ربيع الأوَّل، وأقام بها بقيَّةَ ربيع الأوَّل، وباقي العام كلِّه
إلى صفر من سنة اثنتين من الهجرة، ثم خرج في صفر المذكور، واستعمل على
المدينة سعد بنَ عبادةً حتى بلغ وَدَّانَ، فوادع بني ضَمْرة، ثم رجع إلى المدينة، ولم
يلق حَرْباً، وهي المسماةُ بغزوة الأبْوَاء، ثم أقام بالمدينة إلى ربيع الآخر من السنة
المذكورة، ثم خرج فيها، واستعمل على المدينة السائبَ بنَ عثمان بن مظعونٍ، حتى
بلغ بَوَاط من ناحية رَضْوَى(٨)، ثمَّ رجع إلى المدينة ولم يلقَ حرباً، ثم أقام بها بقيةً
(١) المفهم ٣/ ٦٩١، وعنه نقل المصنف قول ابن سعد، والذي في الطبقات ٢/ ٥ - ٦ أن سراياه التي بعث
بها سبع وأربعون سرية والغابة: موضع قريب من المدينة من عواليها، وبها أموال لأهلها. النهاية
(غیب).
(٢) في النسخ: منهم، والمثبت من (م).
(٣) في (د) و(م): بما.
(٤) في (ظ) العشير، وفي (م): العسيرة.
(٥) المفهم ٦٩٢/٣ وعنه نقل قول ابن سعد، والذي في الطبقات ٨/٢ - ٩ ذكر الغزوات الثلاث التي
غزاها النبي # قبل غزوة العشيرة مفصّلة.
(٦) ص ٩٠ - ٩٤.
(٧) وَدَّان: موضع بين مكة والمدينة من نواحي الفُرْع، بينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال، قريبة من
الجحفة، وبين الأبواء وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً. معجم البلدان ٧٩/١ و ٣٦٥/٥ .
(٨) بواط، بضم الباء وفتحها: جبل من جبال جُهينة، بناحية رَضْوى، ورَضْوى: جبل بالمدينة، وهو من
ينبع على مسيرة يوم، ومن المدينة على سبع مراحل. معجم البلدان ١/ ٥٠٣ و ٠٥١/٣.

٢٩٥
سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٥
ربيع الآخر، وبعضَ جمادى الأولى، ثم خرج غازياً، واستخلف على المدينة أبا
سلمةً بن عبدِ الأسد، وأخذ على طريق مَلَلٍ (١) إلى العُشَيْرة.
قلت: ذكر ابن إسحاقَ عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعليُّ بنُ أبي طالبٍ
رفيقين في غزوةِ العُشيرة من بطن يَنْبُع، فلما نزلها رسولُ الله :﴿ أقام بها شهراً،
فصالح بها بني مُذْلِجٍ وحلفاءَهم من بني ضَمْرة، فوادعهم، فقال لي عليٍّ بنُ أبي
طالب: هل لك أبا اليقظان أن تأتيَ هؤلاء - نفرٌ من بني مُدلج يعملون في عينٍ لهم -
ننظر كيف يعملون؟ فأتيناهم، فنظرنا إليهم ساعةً، ثم غشيَنا النومُ، فَعَمِدنا إلى صَوْرٍ
من النخل في دَفْعَاءَ من الأرض، فَنِمْنا فيه، فوالله ما أَهَبَّنا إلا رسولُ الله ◌ُ﴾. بقدمه،
فجلسنا وقد تَترَّبنا من تلك الدَّفْعاء، فيومئذٍ قال رسول اللـه لعليّ: ((يا أبا
تُراب))(٢)، فأخبرناه بما كان من أمرنا، فقال: ((ألا أخبرُكم بأشقى الناس رجلين؟))
قلنا: بلى يا رسول الله، فقال: ((أُحَيْمِر ثمودَ الذي عقر الناقة، والذي يَضربُك يا عليُّ
على هذه)). ووضع رسول اللـه﴿ يدَه على رأسه ((حتَّى يَبُلَّ منها هذه)). ووضع يده
على لحيته(٣)
قال أبو عمر (٤): فأقام بها بقيَّةً جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة، ووادع
فيها بني مُذلِچٍ، ثم رجع ولم يلق حرباً.
ثم كانت بعد ذلك غزوةُ بدرٍ الأولى بأيام قلائلَ، هذا الذي لا يشكُّ فيه أهلُ
التواريخ والسِّيَر، فزيد بنُ أرقم إنما أخبر عما عنده. والله أعلم.
ويُقال: ذاتُ العُسَير، بالسين والشين، ويزاد عليها، هاء فيقال: العُشَيْرَة(٥).
(١) في (د) صكك، وفي (ظ) و(م): ملك، وهو خطأ، والمثبت من (خ) و (ز) و (ف)، وهو الموافق لما
في المفهم ٦٩٢/٣، وعنه نقل المصنف قول ابن عبد البر. ومَلَل: موضع، يقال: إنما سُمّي مللاً لأن
الماشي إليه من المدينة لا يبلغه إلا بعد جهد وملل، وهو على عشرين ميلاً من المدينة أو أكثر قليلاً.
قاله السهيلي في الروض الأنف ٢٨/٣، وانظر معجم البلدان ٥/ ١٩٤ .
(٢) في (م): ما بالك يا أبا تراب؟
(٣) سيرة ابن هشام ٥٩٩/١ - ٦٠٠، والحديث أخرجه أحمد (١٨٣٢١). قوله: صَوْر؛ النخل الصغار،
والدقعاء: التربة الليّنة، وأهبَّنا: أيقظنا. الإملاء المختصر في شرح غريب السير للخشني ٣٢/٢ - ٣٣.
(٤) في الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٩٤ .
(٥) المفهم ٣/ ٦٩٢ وما قبله منه.

٢٩٦
سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٥
ثم غزوةُ بدرٍ الكبرى، وهي أعظمُ المشاهد فضلاً لمن شهدها، وفيها أمدّ الله
بملائكته نبيَّهُ والمؤمنين في قول جماعةِ العلماء، وعليه يدلُّ ظاهرُ الآيةِ، لا في يوم
أُحُد. ومن قال: إن ذلك كان يومَ أُحُدٍ جعل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ إلى
قوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ اعتراضاً بين الكلامين. هذا قولُ عامر الشعبيِّ(١)، وخالفه الناس.
وتظاهرت الروايات بأن الملائكةَ حضرتْ يومَ بدر وقاتلت؛ ومن ذلك قولُ أبي
أُسَيدٍ مالك بنِ ربيعة(٢): لو كنتُ معكم الآن ببدرٍ ومعي بصري؛ لأريتُكم الشِّعْبَ
الذي خرجتْ منه الملائكةُ، لا أشكُّ ولا أمْتَري. رواه عقيل، عن الزُّهريِّ، عن أبي
حازمٍ سلمَةً بن دينار(٣).
قال ابن أبي حاتم: لا يُعرفُ للزهريِّ عن أبي حازم غيرُ هذا الحديثِ الواحد،
وأبو أُسَيْدٍ يُقال: إنه آخرُ من مات من أهل بدر؛ ذكره أبو عمر في ((الاستيعاب))
وغيره(٤).
وفي ((صحيح)) مسلم(٥) من حديث عمر بن الخطاب قال: لمّا كان يومُ بَدْر؛ نظر
رسول الله ﴾ إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابُه ثلاث مئة وسبعةَ عشرَ(٦) رجلاً،
فاستقبل نبيُّ اللـه ﴾ القبلةَ، ثم مدَّ يديه، فجعل يَهْتِف بربِّه: ((اللهم أنجِزْ لِي ما
وَعدتَني، اللهم آتِنِي (٧) ما وعدتَني، اللَّهم إن تُهْلِكْ هذه العِصابةَ من أهل الإسلام؛ لا
تُعْبَدْ في الأَرض)). فما زال يَهْتِف بربه مادّاً يديه، مُستقبلَ القبلةِ، حتى سقط رداؤُه عن
مَنْكِبَيْه. فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على مَنْكِبَيْه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا
نبيَّ الله، كفاكَ مناشَدَتُك (٨) ربَّك، فإنه سيُنْجِزُ لك ما وَعدَك، فأنزل الله عز وجل:
(١) تفسير الطبري ٦/ ٢٠ - ٢١ .
(٢) بعدها في (م): وكان شهيد بدر.
(٣) المحرر الوجيز ٥٠٣/١، وأخرجه الطبري ٢٢/٦، والبيهقي في دلائل النبوة ٥٢/٣ - ٥٣.
(٤) الاستيعاب ١٢٢/١١ (بها مش الإصابة).
(٥) برقم (١٧٦٣) وما سيرد بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (٢٠٨).
(٦) في (م) وصحيح مسلم: وتسعة عشر، والمثبت موافق لما في المفهم ٣/ ٥٧٢ ، وعنه نقل المصنف.
(٧) في (م) وصحيح مسلم: آت.
(٨) بالرفع على أنه فاعل كفاك، وضُبط بالنصب على المفعول. المفهم ٥٧٦/٣ .

٢٩٧
سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٥
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِي مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]
فأمدَّه الله تعالى بالملائكة.
قال أبو زُمَيْل(١): فحدَّثني ابنُ عباسٍ قال: بينما رجلٌ من المسلمين يومئذٍ يَشتدُّ
في أَثَر رجلٍ من المشركين أمامه، إذْ سمع ضربةً بالسَّوط فوقه، وصوتَ الفارس
يقول: أَقْدِم حَيْزُومُ، فنظر إلى المشرك أمامه، فخرَّ مستلقياً؛ فنظر إليه، فإذا هو قد
خُطِم أنفُه(٢)، وشُقَّ وجهُه [كضربة السَّوط]، فاخضرَّ ذلك أجمع. فجاء الأنصاريُّ،
فحدَّث بذلك رسولَ اللـه ◌ِ﴾، فقال: ((صدقْتَ، ذلك من مدد السَّماء الثالثة)). فقتلوا
يومئذٍ سبعينَ، وأسروا سبعين. وذكر الحديث.
وسيأتي تمامُه في آخر ((الأنفال))(٣) إن شاء الله تعالى. فتظاهرتِ السنةُ والقرآنُ
على ما قالهُ الجمهور، والحمدُ لله.
وعن خارجةَ بنِ إبراهيم، عن أبيه قال: قال رسول اللـه :﴿ لجبريل: ((مَن القائلُ
يوم بدر من الملائكة: أقدِم حَيْزُوم؟)) فقال جبريل: يا محمد، ما كلُّ أهلِ السماء
أعرِف(٤).
وعن عليٍّ ﴾ أنه خطب الناسَ، فقال: بينا أنا أمْتَح من قَلیب بدر، جاءت ريحٌ
شديدة لم أر مثلها قطّ، ثم ذهبت، ثم جاءت ريحٌ شديدٌ لم أر مثلها قطّ إلّا التي
كانت قبلَها، قال: وأظنُه ذكر: ثم جاءت ريحٌ شديدةٌ، فكانت الرِّيحُ الأولى جبريل،
نزل في ألفٍ من الملائكةِ مع رسول اللـه :﴿، وكانت الرِّيحُ الثانيةُ ميكائيل، نزل في
ألفٍ من الملائكة عن يمين رسول اللـه ﴾، وكان أبو بكر عن يمينه، وكانت الرِّيحُ
الثالثةُ إسرافيل، نزل في ألفٍ من الملائكة عن مَيْسَرة رسول اللـه ﴾ وأنا في
الميسرة (٥).
(١) هو سماك الحنفي، أحد رجال الإسناد.
(٢) أي: أثّر فيه أثراً كالخطام، وهو الزِّمام. المفهم ٣/ ٥٧٧ .
(٣) في تفسير الآية (٦٧) منها.
(٤) دلائل النبوة للبيهقي ٥٧/٣، وهو مرسل كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ٢٨١/٣ .
(٥) دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ٥٥ من طريق موسى بن يعقوب الزمعي، عن أبي الحويرث أن محمد بن جبير =

٢٩٨
سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٥
وعن سهل بن حُنَيف ﴾ قال: لقد رأيتُنا يوم بدر، وإنَّ أحدَنا يُشير بسيفه إلى
رأس المشرك، فيقع رأسُه عن جسدِه قبل أن يَصِل إليه (١).
وعن الرَّبيع بن أنس قال: كان الناسُ يوم بَذْر يعرفون قتلى الملائكة ممَّن
قتلوهم؛ بضربٍ فوق الأعناق وعلى البَنَان، مثلُ سِمَة النار قد أُحرِق به؛ ذكر جميعه
البيهقيُّ(٢) رحمه الله.
وقال بعضُهم: إنَّ الملائكةَ كانوا يقاتلون، وكانت علامةُ ضربهم في الكفار
ظاهرةً؛ لأنَّ كلَّ موضعٍ أصابتْ ضربتُهم اشتعلت النارُ في ذلك الموضع، حتى إنَّ أبا
جهلٍ قال لابن مسعود: أنت قتلتَني؟ !. إنما قتلَني الذي لم يصل سِناني إلى سُنْبُكِ
فرسِه(٣) وإن اجتهدتُ. وإنما كانت الفائدةُ في كثرة الملائكة لتسكين قلوب المؤمنين؛
ولأن الله تعالى جعل أولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة؛ فكلُّ عسکر صَبَر
واحتسب تأتيهم الملائكة ويقاتلون معهم (٤).
وقال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتِل الملائكةُ إلا يوم بَدْر، وفيما سوى ذلك
يَشهدون ولا يقاتلون، إنما يكونون عَدداً ومَدداً (٥).
وقال بعضهم: إنما كانت الفائدةُ في كثرة الملائكة أنهم كانوا يَدْعون ويسبِّحون،
ويُكَثِّرون الذين يقاتلون يومئذ(٦)، فعلى هذا لم تقاتل الملائكةُ يوم بدر، وإنما حضروا
للدُّعاء بالتثبيت، والأوَّلُ أكثر.
= ابن مطعم حدثه أنه سمع علياً .. ، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٤٨٩)، والحاكم ٦٨/٣ - ٦٩ وقال: هذا
حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، فتعقبه الذهبي بقوله: بل منكر عجيب، وأبو الحويرث عبد
الرحمن؛ قال مالك: ليس بثقة، وموسى: فيه شيء.
(١) دلائل النبوة ٥٦/٣، وأخرجه الطبري في التاريخ ٤٥٣/٢ - ٤٥٤، والطبراني في الكبير (٥٥٥٦)،
والحاكم ٤٠٩/٣ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٨٤ وقال:
فيه محمد بن يحيى الإسكندراني، قال ابن يونس: روى مناكير.
(٢) دلائل النبوة ٥٦/٣ .
(٣) السِّنان: نَصْل الرُّمح، والسُّنْك: طرف الحافر. القاموس (سنن، سنبك).
(٤) تفسير أبي الليث ٢٩٦/١ .
(٥) تفسير البغوي ١/ ٣٤٧ - ٣٤٨، وأخرجهما الطبري ٢٣/٦ و٢٥.
(٦) تفسير أبي الليث ٢٩٦/١ - ٢٩٧ .

٢٩٩
سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٥
قال قتادة: كان هذا يوم بدر، أمدَّهم الله بألفٍ، ثم صاروا ثلاثةَ آلاف، ثم
صاروا خمسةَ آلافٍ؛ فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِى مُمِدُّكُمْ
◌ِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، وقوله: ﴿أَلَن يَكْفِيَّكُمْ أَنْ يُمِذَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ
ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾، وقوله: ﴿بَلَّ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدَّكُمْ
رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾. فصبر المؤمنون يوم بدرٍ، واتَّقَوا الله،
فأمدَّهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وعدهم، فهذا كلِّه يوم بدر.
وقال الحسن: فهؤلاء الخمسةُ آلافٍ رِدْءٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة(١).
قال الشعبي: بلغ النبيَّ ﴿ وأصحابَه يومَ بدر أن كُرْزَ بنَ جابرِ المُحارِبِيَّ يريدُ أن
يُمدَّ المشركين، فشقَّ ذلك على النبيِّ﴾ وعلى المسلمين، فأنزل الله تعالى ﴿أَلَنَ
يَكْفِيَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ فبلغ كُرْزاً الهزيمةُ، فلم يُمدَّهم ورجع، فلم يُمدَّهم
الله أيضاً بالخمسة آلاف، وكانوا قد مُدُّوا بألف.
وقيل: إنما وعد الله المؤمنين يوم بدر إن صبروا على طاعته، واتَّقَوْا محارمَه، أن
يُمدَّهم أيضاً في حروبهم كلِّها، فلم يصبروا، ولم يتَّقوا محارمَه إلّا في يوم الأحزاب،
فأمدَّهم حين حاصروا قُرَيْظة.
وقيل: إنما كان هذا يوم أُحُدٍ، وعدَهم الله المددَ إن صبروا، فما صبروا، فلم
يُمدَّهم بمَلَك واحد، ولو أُمِدُّوا لما هُزِموا، قاله عكرمة والضحاك(٢).
فإن قيل: فقد ثبت عن سعد بن أبي وَقَّاص أنه قال: رأيتُ عن يمين رسول الله ﴾
وعن يساره يوم أُحد(٣) رجلين، عليهما ثيابٌ بيضٌ، يقاتلان عنه أشدَّ القتال، ما
رأيتُهما قبلُ ولا بعدُ (٤).
قيل له: لعلَّ هذا مختصٌّ بالنبيِّ #، خصَّه بملَكين يقاتلان عنه، ولا يكون هذا
إمداداً للصحابة. والله أعلم.
(١) تفسير البغوي ١/ ٣٤٧، وأخرج الطبري ٦/ ٢٥ قول قتادة.
(٢) تفسير البغوي ١/ ٣٤٨، وأخرج الطبري ٢٠/٦ - ٢١ و٢٧ قول الشعبي وعكرمة والضحاك.
(٣) في (د) و (م): يوم بدر، وهو خطأ، وفي (ز): يومئذ، بدل: يوم أحد، وليست في (ظ).
(٤) أخرجه أحمد (١٤٦٨)، والبخاري (٤٠٥٤)، ومسلم (٢٣٠٦).

٣٠٠
سورة آل عمران: الآيات ١٢٣ - ١٢٥
الثانية: نزولُ الملائكة سببٌ من أسباب النصر، لا يحتاج إليه الربُّ تعالى، وإنما
يحتاج إليه المخلوق، فلْيَعْلَق القلبُ بالله، ولْيَثِق به، فهو الناصر بسبب وبغير سبب
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. لكنْ أخبر بذلك ليمتثل
الخلقُ ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل، ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾
[الأحزاب: ٦٢]، ولا يقدح ذلك في التوَكُل. وهو ردٌّ على من قال: إن الأسباب إنما
سُنَّت في حقِّ الضعفاء، لا للأقوياء؛ فإنَّ النبيَّ ◌َ﴾ وأصحابَه كانوا الأقوياء، وغيرُهم
هم الضعفاء؛ وهذا واضحٌ.
و((مدَّ)) في الشرِّ، و((أمَّ)) في الخير (١). وقد تقدَّم في (البقرة)(٢).
وقرأ أبو حَيْوة: (مُنْزِلِين)) بكسر الزاي مخفَّفاً(٣)، يعني: مُنزِلين النصرَ. وقرأ ابنُ
عامر مشدّدة الزاي مفتوحةً على التكثير (٤).
ثم قال: ﴿بَلَ﴾ وتمَّ الكلام. ﴿إِن تَصْبِرُوا﴾ شرط، أي: على لقاء العدوِّ.
﴿وَتَتَّقُواْ﴾ عطفٌ عليه، أي: معصيتَه. والجواب: ﴿يُمْدِدَكُمْ﴾(٥).
ومعنى ((مِنْ فَوْرِهِمْ)): من وجهِهم. هذا عن عكرمة وقتادة والحسن والربيع
والسُّدّي وابنٍ زيد. وقيل: مِن غَضَبِهم؛ عن مجاهد والضحاك، كانوا قد غضِبوا يوم
أُحُد ليوم بَدْر مما لَقُوا (٦).
وأصلُ الفَوْر: القصدُ إلى الشيء، والأخذُ فيه بِجِدٍّ؛ وهو من قولهم: فارتِ القِدْر
تَفُور فَوْراً وَفَوَرَاناً: إذا غَلَت. والفَوْر: الغَلَيَان. وفار غَضَبُه: إذا جاشَ. وفَعَلَه من
فَوْرِهِ؛ أي: قبل أن يسْكُن. والفُوَارة: ما يَفُور من القِدْر(٧). وفي التنزيل: ﴿وَفَّارَ
(١) تفسير البغوي ٣٤٨/١ .
(٢) ١/ ٣١٧ .
(٣) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٢٢ .
(٤) السبعة ص ٢١٥، والتيسير ص ٩٠ . قال مكي في الكشف ٣٥٥/١: وفي التشديد معنى التكرير.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٥/١ .
(٦) تفسير البغوي ٣٤٨/١، والمحرر الوجيز ٥٠٤/١، وأخرج الآثار الطبري ٢٩/٦ - ٣١.
(٧) تفسير الطبري ٦/ ٣١، ومجمل اللغة ٧٠٧/٣ .