النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
سورة آل عمران: الآية ١١٠
قال النحاس(١): والتقديرُ على هذا: كُنتم للناسِ خيرَ أُمَّة. وعلى قول مجاهد:
كنتم خيرَ أمّةٍ إذا(٢) كنتم تأمرون بالمعروف، وتَنْهَوْن عنِ المنكر.
وقيل: إنما صارت أمَّةُ محمدٍ ﴾ خيرَ أمَّة؛ لأنَّ المسلمين منهم أكثرُ، والأمرَ
بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أَفْشَى. فقيل: هذا لأصحابِ رسولِ اللّه لَ ﴾، كما
قال : ((خَيْرُ النَاس قرْنِي)»(٣) أي: الذين بُعِثْتُ فيهم.
الثانية: وإذا ثبتَ بنَصِّ التنزيل أنَّ هذه الأمةَ خيرُ الأمم، فقد روى الأئمةُ من
حديثٍ عِمرانَ بنِ حُصَيْن عن النبيِّ ﴿ أنه قال: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْني، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهم،
ثُمَّ الذين يَلُونَهم)). الحديث(٤). وهذا يدلُّ على أنَّ أوَّلَ هذه الأمةِ أفضلُ ممن
بعدها(٥)، وإلى هذا ذهبَ معظم العلماء، وأنَّ مَنْ صَحِبَ النبيَّ ﴾ ورآه ولو مرَّةٌ في
عمره أفضلُ ممن يأتي بعده، وأنَّ فضيلةَ الصحبة لا يَعْدِلُها عَمَلٌ.
وذهب أبو عمر بنُ عبد البَرّ(٦) إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعدَ الصحابةِ أفضلُ
ممَّن كان في جملة الصحابة، وأنَّ قوله عليه الصلاة والسلام: ((خَيْرُ النَّاس قَرْني))
ليس على عمومه، بدليل ما يجمع القرنُ من الفاضلِ والمفضول. وقد جَمَعَ قرنُه
جماعةٌ منَ المنافقين المظهرين للإيمان، وأهلِ الكبائر الذين أقامَ عليهم أو على
بعضهم الحدود، وقال لهم: ما تقولون في السَّارقِ والشَّاربِ والزاني(٧). وقال
مُوَاجهةً لمَنْ هو في قرنه: ((لا تَسُبُّوا أصحابي))(٨). وقال لخالد بن الوليد في عمَّار:
(١) إعراب القرآن ٤٠٠/١ .
(٢) في (د) و (م): إذ. والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو موافق لإعراب القرآن.
(٣) أخرجه أحمد (٤١٣٠)، والبخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣) (٢١٢) من حديث عبدالله بن مسعود ﴾.
وأخرج أحمد (٧١٢٣)، ومسلم (٢٥٣٤) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم ثم
الذین یلونهم».
(٤) أخرجه البخاري (٢٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٥)، وأحمد (١٩٨٢٠) واللفظ له.
(٥) في (م): بعدهم.
(٦) التمهيد ٢٠/ ٢٥٠ - ٢٥١.
(٧) قطعة من حديث، أخرجه مالك ١/ ١٦٧، وعبد الرزاق (٣٧٤٠) عن النعمان بن مرة، مرسلاً. قال ابن
عبد البر في التمهيد ٤٠٩/٢٣ : هو حديث صحيح يستند من وجوه من حديث أبي هريرة وأبي
سعيد ... (وذكرها).
(٨) أخرجه البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾، وهو في مسند أحمد
(١١٠٧٩).
٢٦٢
سورة آل عمران: الآية ١١٠
((لا تَسُبَّ مَنْ هو خيرٌ منك))(١).
وروى أبو أُمَامَةَ أنَّ النبيَّ :﴿ قال: ((طُوبَى لمَنْ رآني وآمنَ بي، وطُوبَى سبع مرات
لِمَنْ لم يَرَني وآمنَ بي))(٢).
وفي مسند أبي داود الطيالِسِيٍّ: عن محمد بن أبي حُميد، عن زيد بن أسلم، عن
أبيه، عن عمرَ قال: كنتُ جالساً عند رسولِ اللّهِ ﴾، فقال: ((أَتَدْرُونَ أيُّ الخلقِ أفضلُ
إيماناً؟)) قلنا: الملائكة. قال: ((وحُقَّ لهم، بل غيرُهم)). قلنا: الأنبياء. قال: ((وحُقَّ
لهم، بلْ غيرُهم)». ثمَّ قال رسول اللّه ◌ِ ﴾: «أفضلُ الخلق إيماناً قومٌ في أصلاب
الرجال، يؤمنون بي ولم يروني، يجِدون ورقاً فيعملون بما فيها، فهم أفضلُ الخلقِ
إيماناً))(٣).
ورَوَى صالح بن جُبير، عن أبي جُمْعَة قال: قلنا: يا رسول اللّه، هل أحدٌ خيرٌ
مِنَّا؟ قال: ((نعم، قومٌ یجیئون مِنْ بعدِکم، فیجدون كتاباً بين لَوْخَين، فيؤمنون بما فيه،
ويؤمنون بي ولم يَرَوْني)»(٤). وقال أبو عمر(٥): وأبو جُمعة له صحبة، واسمه حَبِيبُ بنُ
يسِبَاع، وصالح بن جبير من ثِقَّات التابعين.
ورَوَى أبو ثعلبة الخُشَنِيّ عن النبيِّ :﴿ أنه قال: ((إنَّ أَمامَكم أيّاماً: الصَّابرُ فيها
على دينه كالقابض على الجَمْر، للعامل فيها أجرُ خمسين رجلاً يَعمَلُ مثلَ عَمَلِه)).
قيل: يا رسولَ اللّه، منهم؟ قال: ((بلْ منكم))(٦). قال أبو عمر: هذه اللفظة: ((بل
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٨٢١٤) من حديث خالد بن الوليد ، بلفظ: ((لا تسبَّ عماراً)).
وانظر حديث أحمد (١٦٨١٤).
(٢) أخرجه أحمد (٢٢١٣٨)، وابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٤٧ .
(٣) التمهيد ٢٤٨/٢. ولم نقف عليه عند الطيالسي. وأخرجه أبو يعلى في مسنده (١٦٠)، والحاكم في
المستدرك ٨٥/٤ - ٨٦ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: بل محمد
[يعني ابن أبي حميد] ضعفوه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٥/١٠ وقال: رواه أبو يعلى، ورواه
البزار [٢٨٣٩ (زوائد)] وقال: الصواب أنه مرسل عن زيد بن أسلم.
(٤) أخرجه أحمد (١٦٩٧٦).
(٥) في التمهيد ٢٠/ ٢٥٠ . وما قبله منه.
(٦) أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤)، وصححه ابن حبان (٣٨٥). قال
الترمذي: حديث حسن غريب.
٢٦٣
سورة آل عمران: الآية ١١٠
منكم)) قد سكتّ عنها بعضُ المحدِّثين فلم يذكرها (١).
وقال عمر بن الخطاب في تأويل قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: مَنْ
فَعَلَ مثلَ فعلِكم كان مثلَكم (٢). ولا تعارضَ بين الأحاديث؛ لأن الأوَّل على
الخصوص، واللّه الموفّق.
وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب: إنَّ قرنّه إنما فُضِّل لأنهم كانوا غُرَبَاء في
إيمانهم؛ لكثرة الكفار، وصبرِهم على أذاهم، وتمسُّكهم بدينهم، وإنَّ أواخرَ هذه
الأمّة إذا أقاموا الدِّينَ وتمسَّكوا به، وصبروا على طاعةِ ربِّهم في حين ظهورِ الشَّرِّ
والفسقِ والهَرْج والمعاصي والكبائر؛ كانوا عند ذلك أيضاً غُرَبَاء، وزَكَت أعمالُهم
في ذلك الوقت، كما زكّتْ أعمالُ أوائلِهم، وممّا يشهدُ لهذا قولُه عليه الصلاة
والسلام: ((بدأَ الإسلامُ غريباً، وسيعودُ كما بدأ، فطُوْبَى للغرباء))(٣). ويشهدُ له أيضاً
حديثُ أبي ثعلبةَ، ويشهدُ له أيضاً قولُه #: «أُمَّتي كالمطر، لا يُذْرَى أَوَّلُه خيرٌ أم
آخرُه)). ذكره أبو داود الطيالسيّ وأبو عيسى الترمذي(٤)، ورواه هشام بن عبيد الله
الرازي، عن مالك، عن الزُّهرِي، عن أنس قال: قال رسول اللّه ◌ُ ﴾: ((مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ
المَطَرِ، لا يُذْرَى أوّلُه خيرٌ أم آخرُ)» ذكره الدارقطني في مسند حديث مالك. قال أبو
عمر(٥): هشام بن عبيد اللّه ثقةٌ لا يختلفون في ذلك.
ورُوي أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيز لمَّا وليّ الخلافةَ كتب إلى سالم بن عبد اللّه: أن
اكتب إليَّ بسيرةٍ عمرَ بنِ الخطاب لأعملَ بها، فكتب إليه سالم: إنْ عملتَ بسيرةٍ
عمر، فأنتَ أفضلُ مِن عمر؛ لأنَّ زمانَك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر.
قال: وكتب إلى فقهاء زمانه، فكلُّهم كتب إليه بمثل قول سالم.
(١) التمهيد ٢٠/ ٢٥٠، وما قبله منه. وهذه اللفظة لم يذكرها ابن ماجه.
(٢) التمهيد ٢٥١/٢٠، وسلف قول عمر ﴾ في المسألة الأولى.
(٣) أخرجه أحمد (٩٠٥٤)، ومسلم (١٤٥)، وابن ماجه (٣٩٨٦) من حديث أبي هريرة ﴾. وأخرجه مسلم
أيضاً (١٤٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه أحمد أيضاً من حديث سعد بن أبي
وقاص، وعبدالله بن مسعود، وعبد الرحمن بن سنة، على التوالي: (١٦٠٤) و (٣٧٨٤) و (١٦٦٩٠).
(٤) مسند الطيالسي (٢٠٢٣)، وسنن الترمذي (٢٨٦٩)، وهو في مسند أحمد (١٢٣٢٧).
(٥) في التمهيد ٢٥٤/٢٠ . وما قبله منه. وقد أخرج الحديث فيه من طريق هشام بن عبيد الله، وأخرجه
أيضاً ابن حبان في المجروحين ٣/ ٩٠، والخطيب في تاريخ بغداد ١١٤/١١.
٢٦٤
سورة آل عمران: الآيتان ١١٠ - ١١١
وقد عارضَ بعضُ الجِلَّة من العلماء قولَهِ﴿: ((خيرُ الناسِ قَرْنِي)) بقولهِ﴾: «خيرُ
الناسِ مَنْ طالَ عمرُهُ وحَسُنَ عَمَلُه، وشرُّ الناسِ مَنْ طالَ عمرُهُ وساءَ عملُه))(١). قال
أبو عمر (٢): فهذه الأحاديث تقتضي مع تَوَاتُرٍ طُرِقِها وحُسنِها التّسْويةَ بين أوَّلِ هذه
الأُمَّةِ وآخرِها. والمعنى في ذلك ما تقدَّم ذِكره؛ منَ الإيمانِ والعملِ الصالحِ في الزمان
الفاسد الذي يُرفع فيهِ مِنْ أهلهِ (٣) العلمُ والدِّينُ، ويكثر فيه الفسقُ والهَرْج، ويُذَلُّ
المؤمنُ، ويُعَزُّ الفاجر، ويعودُ الدِّينُ غَرِيباً كما بدأ (٤)، ويكون القائمُ فيه [بدينه]
كالقابض على الجَمْر، فيستوي حينئذٍ أوَّلُ هذه الأُمَّة بآخرِها في فضل العمل، إلاَّ
أهلَ بَدْر والحُديبية، ومَنْ تَدبَّر آثارَ هذا البابِ بانَ له الصَّوابُ، واللّه يُؤتي فضلَه مَنْ
يشاء.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ مدحٌ لهذه الأمَّةِ
ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغييرَ وتَواطَؤوا على المنكر، زالَ عنهم اسمُ
المدح، ولحقَهم اسمُ الذَّمِّ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم. وقد تقدَّم الكلامُ في الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر في أوَّل السورة(٥).
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ أخبرَ أنَّ إيمانَ أهلٍ
الكتاب بالنبيِّ ﴿ خيرٌ لهم، وأخبر أنَّ منهم مؤمناً وفاسقاً، وأنَّ الفاسقَ أكثر.
قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَىّ وَإِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُوكُمُ الْأَذْبَارِّ ثُمَّ لَا
يُصَرُونَ
قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَىّ﴾ يعني كذبَهم وتحريفَهم وبَهْتَهم، لا أنه
تكون لهم الغَلَبَة. عن الحسن وقتادة. فالاستثناء متَّصِل، والمعنى: لن يضرُّوكم إلا
ضرّاً يسيراً، فوقع الأذى موقع المصدر.
(١) أخرجه أحمد (٢٠٤١٥)، والترمذي (٢٣٣٠) من حديث أبي بكرة. وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) التمهيد ٢٠/ ٢٥٥ . وما قبله وما سيرد بين حاصرتين منه.
(٣) في (م) و (خ): أهل. وفي التمهيد: يرفع فيه العلم والدين من أهله.
(٤) بعدها في (م): غريباً.
(٥) ص ٧٣ من هذا الجزء.
٢٦٥
سورة آل عمران: الآيات ١١١ - ١١٥
فالآية وعدٌ منَ اللّه لرسوله ﴿ وللمؤمنين؛ أنَّ أهل الكتابِ لا يغلبونهم، وأنهم
منصورون عليهم، لا ينالُهم منهم اصطلام(١) إلَّا إيذاءً بالبَهْت والتحريف، وأمّا
العاقبة فتكون للمؤمنين(٢).
وقيل: هو منقطع، والمعنى: لن يضروكم البتّة، لكن يؤذونكم بما يُسمِّعونكم.
قال مقاتل: إنَّ رؤوس(٣) اليهود: كعب وبحريّ(٤) والنعمان وأبو رافع وأبو ياسر
وكنانة وابن صوريا، عمدوا إلى مؤمنيهم: عبد الله بن سلام وأصحابه، فآذَوْهم
الإسلامهم، فأنزل اللّه تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَىّ﴾ يعني باللسان، وتَمَّ الكلام.
ثم قال: ﴿وَإِن يُقَدِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارِ﴾ يعني منهزمين، وتَمَّ الكلام. ﴿ثُمَّ لَا يُصَرُّونَ﴾
مستأنف، فلذلك ثبتت فيه النون. وفي هذه الآية معجزة للنبيٍّ عليه الصلاة والسلام،
لأَنَّ مَنْ قاتلَه من اليهود ولَّه دُبُرَه.
قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِقُواْ إِلَّا بِبَلٍ مِّنَ الَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ
وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتٍ
لَيْسُوا سَوَآءُ مِّنْ
اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنَّبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ
يُؤْمِنُونَ
١١٣
أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَبِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَةَ الَتْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ
وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ
وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ
١١٥
بِالْمُتَّقِينَ
قوله تعالى: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ يعني: اليهودَ. ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوّا﴾ أي: وُجدوا
ولُقُوا. وتَمَّ الكلام. وقد مضى في البقرة معنى ضرب الذّلَّة عليهم(٥). ﴿إِلَّا بِحِّلٍ مِّنَ
(١) أي: استئصال. (مختار الصحاح).
(٢) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ١ / ٤٥٧ .
(٣) في (د): أما رؤساء.
(٤) في النسخ و (م): عدي. والمثبت من أسباب النزول للواحدي ص١١٤، والعجاب لابن حجر ٢/ ٧٣٤ .
وبحريّ هو ابن عمرو كما في السيرة النبوية ٥١٤/١.
(٥) ١٥٤/٢ - ١٥٥ .
٢٦٦
سورة آل عمران: الآيات ١١٢ - ١١٥
اللَّهِ﴾ استثناءٌ منقطعٌ ليس من الأوَّل. أي: لكنهم يعتصمون بحبلٍ من اللّه (١). ﴿وَحَبْلٍ
مِّنَ النَّاسِ﴾ يعني: الذِّمَّة التي لهم. والناسُ: محمدٌ والمؤمنون؛ يُؤْدُّون إليهم الخَراجَ
فيُؤَمِّنُونهم (٢). وفي الكلام اختصار، والمعنى: إلَّا أنْ يعتصموا بحبلٍ من(٣) الله،
فحذف؛ قاله القَّراء(٤).
﴿وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ الَهُ﴾، أي: رجعوا. وقيل: احتَملوا. وأصلُه في اللغة أنه
لَزِمَهم، وقد مضى في البقرة(٥). ثم أَخبر لِم فَعل ذلك بهم؟ فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ
يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، وقد مضى
في البقرة مُسْتوفى(٦).
ثم أخبر، فقال: ﴿لَيْسُواْ سَوَاءٌ﴾(٧)، وتمَّ الكلام، والمعنى: ليس أهلُ الكتابِ
وأمَّةُ محمد8ٍ# سواءً؛ عن ابن مسعود(٨).
وقيل: المعنى: ليس المؤمنون والكافرون من أهل الكتابِ سواءً(٩).
وذكر أبو خَيْئَمَة زُهَيْرِ بنُ حَرْب: حدَّثنا هاشم(١٠) بنُ القاسم، حدَّثنا شيبان، عن
عاصم، عن زِرِّ، عن ابن مسعودٍ قال: أخَّر رسولُ اللهِ ﴿ ليلةً صلاةَ العشاءِ، ثمَّ خرج
إلى المسجد، فإذا الناسُ ينتظرون الصلاة، فقال: ((إنه ليس من أهل الأديانِ أحدٌ
يَذكرُ الله تعالى في هذه الساعةِ غيرُكم))، قال: وأُنزِلت هذه الآية: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءُ مِّنْ
أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَبِمَةٌ﴾ - إلى قولَه -: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُنَّقِينَ﴾(١١)، وروى ابن وهب
(١) إعراب القرآن للنحاس ٤٠١/١
(٢) انظر تفسير البغوي / ٣٤٢.
(٣) لفظة: من، من (م).
(٤) في معاني القرآن ٢٣٠/١.
(٥) ٢ /١٥٥.
(٦) ٢/ ١٥٥ .
(٧) معاني القرآن للنحاس ١/ ٤٦١ .
(٨) أخرجه الطبري ٥/ ٦٩٢ - ٦٩٣ .
(٩) انظر معاني القرآن للزجاج ١ /٤٥٨، والوسيط ١/ ٤٨٠ .
(١٠) في النسخ: هشام، وهو خطأ، والمثبت من (م)، ومصادر التخريج.
(١١) أخرجه أحمد (٣٧٦٠)، والنسائي في الكبرى (١١٠٠٧) من طريق هاشم بن القاسم، به.
٢٦٧
سورة آل عمران: الآيات ١١٢ - ١١٥
مثلَه(١).
وقال ابن عباس(٢): قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَبِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ
اللَّهِ ءَانَآءَ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾: من آمن مع النبيِّ ل﴾.
وقال ابن إسحاق عن ابن عباس: لمَّا أسلم عبدالله بنُ سَلَام، وثعلبة بنُ سَعْيَةً،
وأَسِيد(٣) بنُ سعية، وأسيد(٤) بنُ عُبيد، ومَن أسلَمَ من يهود، فآمنوا وصدَّقوا، ورغبوا
في الإسلام، ورسَخوا فيه، قالت أحبارُ يهود وأهلُ الكفرِ(٥) منهم: ما آمن بمحمد
ولا تبعَه إلا شرارُنا، ولو كانوا من خِيارِنا ما تركوا دينَ آبائهم، وذهبوا إلى غيره،
فأنزل الله عزَّ وجلَّ في ذلك من قولهم: ﴿لَيْسُواْ سَوَءٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَابِمَةٌ يَتْلُونَ
ءَايَتِ الَّهِ ءَانَآءَ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ - إلى قوله -: ﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾(٦).
وقال الأخفش: التقديرُ: من أهل الكتابِ ذو أُمَّة، أي: ذو طريقةٍ حسنةٍ،
وأنشد:
وهل يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وهْوَ طَائِعُ (٧)
وقيل: في الكلام حذفٌ، والتقديرُ: من أهل الكتابِ أُمَّةٌ قائمةٌ، وأخرى غيرُ
قائمةٍ، فترك الأخرى اكتفاءً بالأولى(٨)؛ کقول أبي ذؤيب:
(١) أخرجه الطبري ٥/ ٦٩٧ من طريق يونس، عن ابن وهب، به.
(٢) أورده النحاس في إعراب القرآن ١/ ٤٠١.
(٣) قيَّده ابن ماكولا في الإكمال ٥٣/١، وابن الأثير في أسْد الغابة ١/ ٨٥ بفتح الهمزة وكسر السين
وتخفيف الياء، وذكر ابن عبد البر في الاستيعاب ١/ ١٨٢ - ١٨٣ الوجهين (فتح الهمزة أو ضمُّها)،
وقال: والفتح عندهم أصح.
(٤) كذا في النسخ، والذي في المصادر: أسد.
(٥) في النسخ: يهود أهل الكفر، والمثبت من (م)، وهو الموافق لمصادر التخريج.
(٦) أخرجه الطبري ٦٩١/٥، وابن أبي حاتم ٣٣٧/٣، وانظر السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٥٩٧ .
(٧) معاني القرآن للأخفش ٤١٨/١ - ٤١٩، وإعراب القرآن للنحاس ٤٠١/١، وعنه نقل المصنف،
والبيت للنابغة، وهو في ديوانه ص٨١، وصدره: حَلفتُ فلم أترك لنفسِكَ رِيبةٌ. وقد سلف ص ٢٦٠ من
هذا الجزء.
(٨) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٢٣٠، والمحرر الوجيز ٤٩٢/١.
٢٦٨
سورة آل عمران: الآيات ١١٢ - ١١٥
مُطيعٌ فما أدرِي أَرُشْدٌ(٢) طِلابُها
عَصَيْتُ(١) إِلَيْها القلبُ إِنِّي لأمْرِهِ
أراد: أرُشْدٌ أم غَيٍّ، فحذفَ.
قال الفرَّاء: (أُمَّة)) رفع بـ ((سواء))، والتقديرُ: ليس يستوي أمَّةٌ من أهل الكتابِ
قائمةٌ يتلون آياتِ الله وأمَّةٌ كافرةٌ.
قال النَّحاس(٣): وهذا قولٌ خطأٌ من جهات: إحداها(٤): أنه يرفع ((أُمَّة))
بـ((سواء»، فلا يعودُ على اسم ليس شيءٌ(٥)، ويرفع(٦) بما ليس جارياً على الفعل،
ويُضمر ما لا يحتاج إليه؛ لأنه قد تقدَّم ذكرُ الكافرة(٧)، فليس لإضمارِ هذا وجهٌ.
وقال أبو عبيدة: هذا مثلُ قولهم: أكلوني البراغيثُ، وذهبوا أصحابُك(٨).
قال النحاس: وهذا غلطٌ؛ لأنه قد تقدَّم ذكرهم، وأكلوني البراغيثُ لم يتقدَّمْ لهم
ذكر.
و﴿ءَانَ الَّلِ﴾: ساعاتُه، واحدُها إِنّى وأَنّى وإِنْيٌّ، وهو منصوبٌ على الظَّرف(٩).
(١) كذا في النسخ: عصيتُ، ومثله في معاني القرآن للفراء ١/ ٧٠، وتفسير الطبري ١/ ٣٤٤ و٦٩٠/٥،
ومجمع البيان ١٧١/٤، وزاد المسير ٤٤٢/١، والمحرر الوجيز ٤٩٢/١، ووقع في ديوان الهذليين
ص٧١، ومعاني القرآن للزجاج ٤٥٩/١: عصاني؛ قال الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على
الطبري ١/ ٣٢٧: المعنى لا يستقيم برواية: عصيت، والصواب رواية: عصاني.
(٢) في المصادر المذكورة آنفاً: سميع.
(٣) في إعراب القرآن ١/ ٤٠١، وقول الفراء منه، وانظر معاني القرآن له ١/ ٢٣٠، ومجمع البيان ١٧١/٤ ،
والبحر المحيط ٣٣/٣ .
(٤) في النسخ: أحدها، والمثبت من (م).
(٥) في النسخ: بشيء، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٤٠١/١، وفتح القدير ٣٧٣/١ . قال ابن
الأنباري في البيان ٢١٥/١: وليس قول من قال: إنه مرفوع بسواء صحيحاً، لأنه يؤدي إلى ألا يعود
من خبر ليس إلى اسمها شيء، وذلك لا يجوز.
(٦) عبارة النحاس: فلا يعود على اسمٍ ليس شيء يُرفع ...
(٧) في (م): الكافر، وفي إعراب القرآن: الكافرين، وقوله: الكافرة يعني الأُمَّة الكافرة.
(٨) مجاز القرآن ١/ ١٠١ - ١٠٢، وإعراب القرآن للنحاس ٤٠١/١، وعنه نقل المصنف.
(٩) انظر تفسير الطبري ٦٩٥/٥ - ٦٩٦، والوسيط ٤٨١/١، والمحرر الوجيز ٤٩٣/١.
٢٦٩
سورة آل عمران: الآيات ١١٢ - ١١٥
و﴿يَسْجُدُونَ﴾: يُصلُّون؛ عن الفراء والزجَّاج؛ لأنَّ التلاوةَ لا تكون في الرُّكوع
والسُّجود(١)، نظيره قوله: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، أي: يصلّون، وفي
الفرقان: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْ لِلَّمَنِ﴾ [٦٠] وفي النجم: ﴿فَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُوا﴾ [٦٢].
وقيل: يُراد به السجودُ المعروفُ خاصَّةً(٢). وسببُ النزولِ يردُّه، وأنَّ المرادَ
صلاةُ العتمةِ كِما ذكرنا عن ابن مسعود؛ فعبدةُ الأوثانِ ناموا حيث(٣) جَنَّ عليهم
الليلُ، والموَحِّدون قيامٌ بين يدي اللهِ تعالى في صلاة العشاءِ يتلون آياتِ الله؛ ألا
ترى لمَّا ذكر قيامَهم، قال: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾، أي: مع القيامِ أيضاً.
الثوريُّ(٤): هي الصَّلاةُ بين العشاءين.
وقيل: هي في قيام الليل، عن(٥) رجل من بني شيبةً كان يدرس الكتبَ قال: إنَّا
نجدُ كلاماً من كلام الربِّ عزَّ وجلَّ: أيحسَب راعي إبلٍ أو راعي غنمٍ، إذا جنَّه الليلُ
انخذل كمن هو قائمٌ وساجدٌ آناء الليل؟!
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ يعني: يُقِرُون بالله وبمحمدٍ مِ﴾(٦).
﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفٍ﴾ قيل: هو عمومٌ، وقيل: يراد به الأمرُ باتباع النبيِّي لَ﴾، ﴿وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ﴾ النهي عن المنكر: النهيُ عن مخالفته(٧).
﴿وَيُسَرِعُونَ فِىِ اٌلْخَيْرَتِ﴾ التي يعملونها مبادرين غيرَ متثاقلين؛ لمعرفتهم بقَدْرِ
ثوابِها (٢٨. وقيل: يبادرون بالعمل قبلَ الفوت(٩).
﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾، أي: مع الصالحين، وهم أصحابُ محمدٍ ﴾ في
(١) معاني القرآن للفراء ٢٣١/١، ومعاني القرآن للزجاج ٤٥٩/١.
(٢) ينظر تفسير الطبري ٦٩٩/٥، وزاد المسير ٤٤٤/١، والمحرر الوجيز ٤٩٣/١.
(٣) في (ظ): حين.
(٤) أورده الماوردي في النكت والعيون ١/ ٤١٧ .
(٥) في (م): وعن.
(٦) من (م): ويصدقون بمحمد %.
(٧) ينظر تفسير أبي الليث ٢٩٢/١، ومعاني القرآن للزجاج ٤٦٠/١ .
(٨) في (م): ثوابهم.
(٩) الوسيط للواحدي ١/ ٤٨١ .
٢٧٠
سورة آل عمران: الآيات ١١٢ - ١١٦
الجنَّة(١).
﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُهُ﴾، قرأ الأعمش وابنُ وَثَّاب وحمزةُ والكِسائيُّ
وحفص وخَلَف بالياء فيهما؛ إخباراً عَنِ الأمَّة القائمةٍ، وهي قراءةُ ابنِ عباسٍ،
واختيارُ أبي عبيد. وقرأ الباقون بالتَّاء فيهما على الخطاب؛ لقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ
أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وهي اختيارُ أبي حاتم، وكان أبو عمرو يرى
القراءتين جميعاً الياءً والتَّاء(٢).
ومعنى الآية: وما تفعلوا من خیرٍ فلن تُجحدوا ثوابه، بل يُشكّر لكم وتُجازَوْنِ
(٣)
عليه(٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُم مِّنَ اَللَّهِ
شَيْئًا وَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اسم إنَّ، والخبرُ: ﴿لَنْ تُغْفِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ
أَوْلَدُهُم مِّنَ اَللَِّ شَيْئًا﴾.
قال مقاتل: لمَّا ذكر تعالى مؤمني أهلِ الكتابِ، ذكر كفَّارَهم، وهو قوله: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال الكلبيُّ: جعل هذا ابتداءً، فقال: إنَّ الذين كفروا لن تُغنيّ عنهم كثرةُ
أموالِهم، ولا كثرةُ أولادِهم من عذاب اللهِ شيئاً(٤).
وخصَّ الأولادَ؛ لأنهم أقربُ أنسابِهم إليهم (٥).
(١) تفسير أبي الليث ١٣٩/١.
(٢) قال مكي في الكشف ٣٥٤/١: والمشهور عن أبي عمرو بالتاء وقال ابن الجزري في النشر ٢٤١/٢:
والوجهان صحيحان ... إلا أن الخطاب أكثر وأشهر، وعليه الجمهور من أهل الأداء. وينظر السبعة
ص٢١٥ ، والتيسير ص ٩٠ .
(٣) تفسير البغوي ٣٤٤/١ .
(٤) تفسير أبي الليث ١٣٩/١ .
(٥) من (خ): أنسبائه إليه، وفي (د) و (ظ): أنسابه إليه، والمثبت من (م).
٢٧١
سورة آل عمران: الآيتان ١١٦ - ١١٧
﴿وَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ ﴾ ابتداءٌ وخبرٌ، وكذا ﴿هُمْ فِهَا خَالِدُونَ﴾(١). وقد تقدَّم جميعُ
هذا (٢).
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِ هَذِهِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِهَا صِرُّ
أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَذِهِ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِیچ نِهَا مِئُّ﴾ ((ما)»
تصلحُ أنْ تكونَ مصدريةً، وتصلحُ أنْ تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ، أي: مَثَلُ
ما ينفقونه. ومعنى ((كُمثَلِ رِيحِ)): كمثل مهلكِ(٣)
قال ابنُ عباس: والصِّرُّ: البردُ الشَّديدُ (٤).
قيل: أصلُه من الصَّرير الذي هو الصَّوتُ، فهو صوتُ الريحِ الشَّديدة.
الزجَّاج: هو صوتُ لَهَبِ النار التي كانت في تلك الريح(٥). وقد تقدَّم هذا المعنى
في البقرة(٦). وفي الحديث: إنَّه نهى عن الجراد الذي قتله الصِّرُّ(٧).
ومعنى الآية: مَثَلُ نفقةِ الكافرين في بطلانها وذهابها وعدمٍ منفعتها، کمثل زرعٍ
أصابه ريحٌ باردةٌ أو نارٌ، فأحرقَتْه وأهلكَتْه، فلم ينتفع أصحابُه بشيءٍ بعد ما كانوا
يرجون فائدته ونفعه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بذلك، ﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ
(١) في (خ) و(م): وكذا و﴿هم فيها خالدون﴾، والمثبت من (د) و(ظ)، وهو الموافق لإعراب القرآن
للنحاس ٤٠٢/١ ، والكلام منه.
(٢) ٣٣/٥، ٤٨٩/١، ٤٩٠ .
(٣) في (د) و (ظ) و(م): مهبّ، والمثبت من (خ)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٤٠٢/١ ،
والكلام منه، وانظر مجمع البيان ٤/ ١٧٥ .
(٤) أخرجه الطبري ٧٠٥/٥ .
(٥) معاني القرآن ٤٦١/١، والنكت والعيون ٤١٨/١، والمحرر الوجيز ٤٩٥/١ .
(٦) ٤ /٣٤١.
(٧) أورده النحاس في معاني القرآن ٤٦٤/١، والخطابي في غريب الحديث ٢٣/٣ والزمخشري في الفائق
٢٩٧/٢ . وأخرجه أحمد في العلل ٢٥٤/٢ وأبو عبيد في غريب الحديث ٢/ ٤٤٥ عن هُشَيم، عن حجَّاج،
عن عطاء من قوله، قال أحمد: لم يسمعه هُشيم من حجَّاج، وقوله: الصرُّ، المقصود به هنا: البرد.
٢٧٢
سورة آل عمران: الآيتان ١١٧ - ١١٨
يَظْلِمُونَ﴾ بالكفر والمعصيةِ ومَنْع حقِّ الله تعالى(١).
وقيل: ظلموا أنفسهم بأنْ زرعوا في غير وقتِ الزّراعة، أو في غير موضعِها
فأدَّبهم الله تعالى؛ لوضعهِم الشَّيءَ في غيرِ موضعه، حكاه المَهْدَوِيُّ(٢).
قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةُ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا
وَدُّواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرْ قَدْ بَيِّنَا لَكُمُ
اُلْآَيَتِّ إِن كُمْ تَعْقِلُونَ
فیه ست مسائل:
الأولى: أكَّدَ الله تعالى الزَّجْرَ عن الركون إلى الكفار. وهو متَّصلٌ بما سبق من
قوله: ﴿إِن تُطِيعُواْ فَرِبِقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ [آل عمران: ١٠٠].
والبِطَانَةُ مصدرٌ، يُسَمَّى به الواحدُ والجمع. وبِطَانَةُ الرجلِ: خاصَّتُه الذين
يستبطنون أمرَه. وأصلُه من البَطْن، الذي هو خلافُ الظَّهْر. وبَطَنَ فلانٌ بفلان يبْطُن
بُطوناً وبِطَانَةً: إذا كان خاصَّاً به(٣). قال الشاعر:
أولئك خُلْصاني نعَمْ وبِطَانَتِي
وهم عَيْبَتِي من دون كلِّ قَرِيبٍ(٤)
الثانية: نهى الله عزَّ وجلَّ المؤمنين بهذه الآيةِ أنْ يَتَّخِذوا من الكفّار واليهودِ
وأهلِ الأهْوَاءِ دُخَلاءَ ووُلَجاءَ، يفاوضونهم في الآراء، ويُسنِدون إليهم أمورهم،
ويُقال: كلٌّ من كان على خلاف مَذْهَبِك ودينِك، فلا(٥) ينبغي لك أنْ تُحادثَه(٦)؛ قال
الشاعر :
(١) ينظر تفسير البغوي ١/ ٣٤٤، والوسيط ٤٨٢/١.
(٢) ينظر النكت والعيون ٤١٩/١، والمحرر الوجيز ٤٩٥/١.
(٣) ينظر مجمع البيان ١٧٦/٢، وتفسير البغوي ٣٤٥/١، والنكت والعيون ٤١٩/١.
(٤) ورد البيت في مجمع البيان ١٧٦/٤، واللباب ٤٨٨/٥، والدّر المصون ٣٦٣/٣، والبحر المحيط
٣٣/٣ من غير نسبة، وقوله: خُلْصاني، أي: خالصتي، يستوي فيه الواحد والجماعة، وعَيْبَتي، أي:
خاصَّتي وموضعُ سري، والجمع: عِيَب. اللسان (خلص، عيب).
(٥) في النسخ: لا، والمثبت من (م).
(٦) انظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٤٠٢، ومعاني القرآن للزجاج ٤٦١/١، والمحرر الوجيز ٤٩٦/١ .
٢٧٣
سورة آل عمران: الآية ١١٨
فكلُّ قَرِينٍ(٢) بالمُقارِن يَقْتَدِي(٣)
عن المَرْءِ لا تَسْأَلُ(١) وسَلْ عن قَرِينِه
وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﴾ قال: «المرءُ على دِينِ خليلِهِ،
فَلْينظرْ أحدُكُم مَنْ يُخَالِلُ)) (٤).
ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: اغْتبِروا الناسَ بِإِخوانِهِم (٥).
ثم بيَّن تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة، فقال: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾
يقول: فساداً. يعني: لا يتركون الجُهدَ في فسادكم، يعني: أنهم وإنْ لم يقاتلوكم في
الظاهر، فإنهم لا يتركون الجُهْدَ في المكر والخديعة(٦)، على ما يأتي بيانُه.
روى أبو أُمَامَةَ(٧) عن رسول اللـه : ﴿ في قول الله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَّخِذُواْ بِطَانَةُ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾، قال: ((هم الخوارجُ)) (٨).
ورُوي أنَّ أبا موسى الأشعريَّ استَكتَب ذِمِّيّاً، فكتب إليه عمرُ يُعنِّفُه، وتلا عليه
هذه الآية(٩).
(١) في (٥) و(خ): لا تَسَلْ، وهو صواب أيضاً.
(٢) في (خ) و (ظ): فإن القرين، والمثبت من (د) و(م)، وهو الموافق للديوان.
(٣) في (خ) و (ظ): مقتد، وفي (د): مقتدي، والمثبت من (م)، وهو الموافق للديوان والبيت لطرفة بن
العبد وهو في ديوانه ص٤٤ ، قال التبريزي في شرح القصائد العشر ص١٢٤ : قيل: إنه لعدي بن زيد.
ونسبه له الجاحظ في البيان والتبيين ٧/ ١٥٠ ، ورواية البيت فيه:
فإنَّ القرينَ بالمقارن مقتدي
عن المرء لا تسأل وأبصِر قرينه
(٤) سنن أبي داود (٤٨٣٣)، وفيه: الرجل، بدل: المرء، وأخرجه أيضاً أحمد (٨٠٢٨)، والترمذي
(٢٣٧٨).
(٥) رواه الطبراني في الكبير (٨٩١٩)، وفيه: بأخدانهم، بدل بإخوانهم، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٩٠ :
فيه محمد بن كثير بن عطاء، وثقه ابن معين وغيره، وفيه ضعف. وأخرجه أيضاً ابن عدي ٢/ ٥٨٥ ، والبيهقي
في الشعب (٩٤٤٠) بلفظ : ... اعتبروا الصاحب بالصاحب. وانظر فيض القدير ٥٥١/١ - ٥٥٢ .
(٦) تفسير أبي الليث ١/ ٢٩٤ .
(٧) في (د) و (م): ورُوي عن أبي أمامة، والمثبت من (خ) و(ظ).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٤٢، والطبراني في الكبير (٨٠٤٧) وفي إسناده أبو غالب حزوَّر، قال الذهبي
في الميزان ٤/ ٥١٠ : فيه شيء، وقال ٤٧٦/١: ضعفه النسائي، وقال ابن حبان: لا يحتج به، وقد
صحح له الترمذي.
(٩) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ١/ ٤٤٧، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤٩٦/١ .
٢٧٤
سورة آل عمران: الآية ١١٨
وقدِم أبو موسى الأشعريُّ على عمر رضي الله عنهما بحساب، فرفعه إلى عمر
فأعجبَهُ، وجاء عمرَ كتابٌ، فقال لأبي موسى: أين كاتبُك يقرأ هذا الكتابَ على
الناس؟ فقال: إنه لا يدخلُ المسجد، فقال: لِمَ! أجُنُبٌ هو؟ قال: إنه نصرانيٌّ؛
فانتهره، وقال: لا تُدْنِهم وقد أقصاهم الله، ولا تُكرمْهم وقد أهانَهم الله، ولا تَأْمَنهم
وقد خوَّنهم الله(١).
وعن عمرَ﴾ قال: لا تستعملوا أهل الكتابِ، فإنهم يَستَحِلُّون الرِّشا، واستعينوا
على أموركم وعلى رعيَّتِكم بالذين يخشون الله تعالى(٢).
وقيل لعمر : إنَّ ههنا رجلاً من نصارى الحِيرةِ لا أحدَ أكتَبُ منه، ولا أخظُ
بقلم، أفلا يَكتُبُ عنك؟ فقال: إذاً أنَّخذُ(٣) بِطانةً من دون المؤمنين(٤). فلا يجوزُ
استكتابُ أهلِ الذِّمةِ، ولا غيرُ ذلك من تصرُّفاتهم في البيع والشراءِ والاستنابة
(٥)
إليهم(٥).
قلت: وقد انقلبتِ الأحوالُ في هذه الأزمانِ باتخاذ أهلِ الكتابِ كَتَبةً وأُمناءَ،
وتَسوَّدُوا بذلك عند الجَهَلةِ الأغْبِياءِ، من الولاة والأمراء ..
روى البخاريُّ عن أبي سعيد الخدرِيِّ، عن النبيِّل:﴿ قال: ((ما بعث اللهُ مِن نبيِّ
ولا استَخلفَ مِن خليفةٍ إلا كانت له بِطانتانٍ: بِطانةٌ تأمرُهُ بالخير (٦)، وتحُضُّه عليه،
وبطانةٌ تأمرُه بالشرِّ، وتحضُّه عليه، والمعصومُ من عَصَمه(٧) اللهُ تعالى)) (٨).
وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله:#: ((لا تستضِيؤوا بِنار المشركين،
(١) أخرجه البيهقي ١٠/ ١٢٧.
(٢) لم نقف علیه.
(٣) من (د) و(م): لا آخذ، والمثبت من (خ) و (ظ).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٦٥٨ .
(٥) انظر المحرر الوجيز ٤٩٦/١ .
(٦) في (م): بالمعروف.
(٧) من (م): فالمعصوم من عصم.
(٨) صحيح البخاري (٦٦١١)، (٧١٩٨)، وهو عند أحمد (١١٨٣٤) بنحوه.
٢٧٥
سورة آل عمران: الآية ١١٨
ولا تَنْقُشوا في خواتيمكم عَربيّاً)»(١)، فسَّرِه الحسن بنُ أبي الحسن، فقال: أراد عليه
الصَّلاة والسلام: لا تستشيروا المشركين في شيءٍ من أموركم، ولا تَنْقُشوا في
خواتيمكم محمداً، قال الحسن: وتصديقُ ذلك في كتاب الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ﴾(٢) الآية.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿مِّن دُونِكُمْ﴾ يعني: مِن سواكم. قال الفرَّاء: ﴿وَيَعْمَلُونَ
عَمَلَا دُونَ ذَلِكٌ﴾ [الأنبياء: ٨٢] أي: سِوى ذلك.
وقيل: (مِن دونِكم)) يعني: في السِّيرِ (٣) وحُسْنِ المذهب(٤).
ومعنى ((لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً»: لا يُقصِّرون فيما فيه الفسادُ عليكم، وهو في موضع
الصِّفةِ لـ ((بِطَانَةٌ من دُونِكُم))، يقال: لا أَلُو جُهْداً، أي: لا أُقصِّر. وأَلَوْتُ أُلُوّا(٥)
قصَّرت؛ قال امرؤ القيس :
وما المرءُ ما دامتْ حُشاشَةُ نفسِه
بمُذْرِكِ أطرافِ الخُطُوبِ ولا آلٍ (٦)
والخَبَال: الخَبْل. والخَبْل: الفساد، وقد يكون ذلك في الأفعال والأبدانِ
والعقول. وفي الحديث: ((من أُصيب بدَمٍ أو خَبْلٍ)» (٧)، أي: جُرْحٍ يُفسِدُ العُضْوَ.
(١) في (د) و (م): غريباً، وقد سقطت الكلمة من (ظ)، والمثبت من (خ) و (ز)، وهو الموافق لمصادر
التخريج.
(٢) أخرجه الطبري ٧١٠/٥، والبيهقي ١٢٧/١٠، وفي الشعب (٩٣٧٥). وأخرجه أيضاً أحمد
(١١٩٥٤)، والنسائي ١٧٦/٨ - ١٧٧ دون تفسير الحسن رحمه الله. قال ابن كثير عند تفسير الآية
(١١٨) من آل عمران: وهذا التفسير [يعني تفسير الحسن] فيه نظر، ومعناه ظاهر؛ ((لا تنقُشوا في
خواتيمكم عَربيّاً))، أي: بخط عربي، لئلا يشابه نقشَ خاتم النبي {8#، فإنه كان نقشُه محمد رسول الله،
وأما الاستضاءة بنار المشركين فمعناه: لا تقاربوهم في المنازل بحیث تکونون معهم في بلادهم.
(٣) في (خ): السّتر.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٤٠٢/١ .
(٥) ضبطت في (خ): أَلْواً، وهو صحيح أيضاً، وينظر مجمع البيان ١٧٦/٤، والبيان لابن الأنباري ١/ ٢١٧ ،
والمحرر الوجيز ٤٩٦/١ .
(٦) ديوان امرئ القيس ص٣٩. ومعنى البيت أن الإنسان ما دام حيّاً فإنه لا يدرك أواخر الأمور، ولا يتأتى
له كل ما يريد، وهو مع ذلك لا يألو، أي: لا يترك جهداً في الطلب. شرح الديوان ص٣٩ .
(٧) قطعة من حديث أبي شُريح الخُزاعي ؛ أخرجه أحمد (١٦٣٧٥)، وأبو داود (٤٤٩٦)، وابن ماجه
(٢٦٢٣).
٢٧٦
سورة آل عمران: الآية ١١٨
والخَبْلِ: فسادُ الأعضاء، ورجُلٌ خَبْلٌ ومُخْتَبَلٌ، وخَبَلَه الحبُّ، أي: أفسده؛ قال:
أوْسٌ:
أبنِي لُبَيْنَى لستُمُ بِيْدٍ إِلَّا يداً مَخْبولَةَ العَضُدِ (١)
أي: فاسدةَ العَضُد(٢). وأنشد الفرَّاء:
كانت لِصُحْبِك والمطِيِّ خَبالاً(٣)
نَظَر ابنُ سعدٍ نظرةً وبَّتْ بها
أي: فساداً (٤).
وانتصب ((خَبَالاً)) بالمفعول الثاني؛ لأنَّ الْأَلْوَ يتعدَّى إلى مفعولين، وإنْ شئتَ
على المصدر، أي: يخَبِلونكم خَبالاً. وإنْ شئتَ بنزع الخافض، أي: بالخبال؛ كما
قالوا: أوجعتُه ضرباً (٥).
((وما)) في قوله: ﴿وَدُواْ مَا عَنْتُمْ﴾ مصدريةٌ، أي: وَدُّوا عَنَتَكُم. أي: ما يشُقُّ
عليكم. والعَنَت: المشقّةُ(٦)، وقد مضى في (البقرة)) معناه(٧).
الرابعة: قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ يعني: ظهرت العداوةُ
والتكذيبُ لكم من أفواههم(٨). والبغضاءُ: البغضُ، وهو ضدُّ الحُبِّ. والبغضاءُ مصدرٌ
مؤنث(٩).
(١) قائله أوس بن حجر، وهو في ديوانه ص٢١، وروايته : ... إلا يدأ ليست لها عضدُ، وذكره بمثل رواية
المصنف الزجاج في معاني القرآن ١/ ٤٦٢ .
(٢) ينظر مجمل اللغة ٣١١/٢ - ٣١٢، وتهذيب اللغة ٤٢٦/٧ - ٤٢٧.
(٣) قائله عبد الرحمن بنُ دارة، وهو في الأغاني ٢١/ ٢٤٧ بلفظ: نظر ابن سَعْدَةً نظرةً ويلاً لها ... ، وقوله:
وبَتْ، من الوَبِّ، وهو التهيؤ للحرب، اللسان (وبب)، وهذا البيت قاله ابنُ دارة مع أبیات له يهجو فيها
الكُميتَ وهو ابنُ سعدةَ المذكورُ في البيت. انظر الأغاني ٣٤٦/٢١ - ٣٤٧ .
(٤) في (م): فساد.
(٥) ينظر تفسير البغوي ٣٤٥/١ .
(٦) المحرر الوجيز ٤٩٦/١ .
(٧) ٣/ ٤٥٣ .
(٨) تفسير أبي الليث ٢٩٤/١ .
(٩) ينظر معاني القرآن للفراء ٢٣١/١.
٢٧٧
سورة آل عمران: الآية ١١٨
وخصَّ تعالى الأفواه بالذِّكر دونَ الألسنةِ إشارةً إلى تَشدُّقهم وثَرْثَرَتِهم في أقوالهم
هذه، فهم فوق المتَسِّر الذي تبدو البغضاءُ في عينيه. ومن هذا المعنى نهيُه عليه
الصلاة والسَّلام أنْ يَتَشَخَّى(١) الرجلُ فاه في عِرض أخيه. معناه: أنْ يفتحَ؛ يُقَالُ:
شحَى الحمارُ فاه بالنَّهيق، وشحَى الفَمُ نفسُه. وشحَى اللِّجامُ فمَ الفرسِ شَخياً،
وجاءتْ الخيلُ شَوَاحِيَ: فاتحاتٍ أفواهَها. ولا يُفهمُ من هذا الحديثِ دليلُ خطابٍ
على الجواز، فيأخذَ أحدٌ في عِرْضٍ أخيه هَمْساً؛ فإنَّ ذلك يَخرمُ باتفاق من
العلماء(٢). وفي التنزيل ﴿وَلَا يَغْتَبِ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] الآية. وقال :﴿: ((إنَّ
دِماءَكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ»(٣). فذِكرُ الشَّخوِ إنما هو إشارةٌ إلى
التشدُّق والانبساطِ (٤)، فاعلم.
الخامسة: وفي هذه الآية دليلٌ على أنَّ شهادةَ العدوّ على عدوِّه لا تجوز، وبذلك
قال أهلُ المدينةِ وأهلُ الحجاز، ورُوي عن أبي حنيفةً جوازُ ذلك(٥).
وحكى ابن بَطَّال عن ابن شعبانَ أنه قال: أجمع العلماءُ على أنه لا تجوزُ شهادةٌ
العدوِّ على عدوّه في شيءٍ وإن كان عدلاً، والعداوةُ تُزيلُ العدالةَ، فكيف بعداوةٍ
كافرٍ(٦)؟.
السادسة: قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ إخبارٌ وإعلامٌ بأنهم يُبطنون
من البغضاء أكثرَ ممَّا يُظهِرون بأفواههم.
وقرأ عبدالله بنُ مسعود: ((قد بدا(٧) البغضاءُ)) بتذكير الفعل؛ لمَّا كانت البغضاءُ
(١) في (د) و(م): يشتحي، ولم تجود الكلمة في باقي النسخ، والمثبت من المحرر الوجيز ٤٩٦/١،
والكلام منه، قال في اللسان (شحا): تَشَخَّى فلان على فلان إذا بسط لسانه فيه، وأصله التوسعُ في كل
شيء، قال: شحا فاه يشحوه، ويشحاه شحواً فتحه، وشحا فوه انفتح، يتعدى ولا يتعدى، والحديث لم
نقف علیه.
(٢) انظر المحرر الوجيز ٤٩٦/١ - ٤٩٧، وتهذيب اللغة ١٤٨/٥.
(٣) سلف ٢٢٨/٣ .
(٤) المحرر الوجيز ١/ ٤٩٧ .
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢٩٦/١.
(٦) انظر النوادر والزيادات ٣٠٨/٨ وما بعدها.
(٧) في (م): قد بدأ.
٢٧٨
سورة آل عمران: الآيتان ١١٨ - ١١٩
بمعنى البُغض(١).
قوله تعالى: ﴿هَنْتُمْ أُوْلَاءِ تُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبٍ كُلِهِ، وَإِذَا لَقُوكُمْ
قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِّ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
بِذَاتِ الصُّدُورِ
(١١٩)
قوله تعالى: ﴿مَأَنْتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ يعني: المنافقين؛ دليلُه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا
لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا﴾؛ قاله أبو العالية ومقاتل(٢).
والمحبةُ هنا بمعنى: المصافاةُ، أي: أنتم أيها المسلمون تُصافونهم، ولا
يُصافونكم لِنفاقهم (٣).
وقيل: المعنى: تريدون لهم الإسلامَ، وهم يريدون لكم الكفر (٤).
وقيل: المرادُ: اليهودُ(٥)؛ قاله الأكثرُ.
والكتاب اسمُ جنسٍ؛ قال ابن عباس: يعني: بالكُتُب. واليهودُ يؤمنون بالبعض؛
كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ
بِمَا وَرَآءَهُ﴾ [البقرة: ٩١].
﴿وَإِذَا لَقُوَكُمْ قَالُوَأْ ءَمَنَّا﴾، أي: بمحمد ﴿، وأنه رسولُ اللهِ لَ﴾. ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ فيما
بينهم ﴿عَضُواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ يعني: أطراف الأصابع ﴿مِنَ الْفَظِ﴾ والحنَقِ عليكم؛
فيقول بعضُهم لبعض: ألا ترَون إلى هؤلاء ظهروا وكثُروا(٦).
والعَضُّ: عبارةٌ عن شِدَّة الغيظِ مع عدم القدرة على إنفاذه؛ ومنه قولُ أبي طالب:
(١) المحرر الوجيز ٤٩٧/١، وقراءة ابن مسعود وردت في معاني القرآن للفراء ٢٣١/١، وتفسير
الطبري ٧١٤/٥، والكشاف ٤٥٨/١ .
(٢) قول أبي العالية أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٤٤٧/١، وقول مقاتل أورده البغوي في تفسيره ٣٤٥/١.
(٣) ينظر مجمع البيان ١٧٩/٤، وزاد المسير ٤٤٧/١ .
(٤) ينظر الوسيط ٤٨٣/١ .
(٥) ينظر المحرر الوجيز ٤٩٧/١ .
(٦) تفسير أبي الليث ١/ ٢٩٤.
٢٧٩
سورة آل عمران: الآية ١١٩
يَعَضُّونَ غَيْظاً خَلْفَنَا بالْأنامِلِ(١)
وقال آخر:
إذا رَأَونِي - أطال الله غيظَهُمُ - عَضُوا من الغَيْظِ أطرافَ الْأَبَاهِيم (٢)
يقال: عَضَّ يَعَضُّ عَضّاً وعَضِيضاً. والعُضُّ، بضم العين: عَلَفُ أهلِ(٣)
الأمصار، مثلُ الكُسْبِ والنَّوَى المَرْضُوخِ، تقول(٤) منه: أعَضَّ القومُ، إذا أكلت
إبلُهم العُضَّ. وبعير عُضّاضيٍّ، أي: سمينٌ، كأنه منسوبٌ إليه. والعِضُّ، بالكسر:
الدَّاهي من الرجال والبليغُ المُنكَرُ(٥)
وعَضُّ الأناملِ من فعل المُغْضَبِ الذي فاته ما لا يَقدِرُ عليه، أو نزل به ما لا يَقدِرُ
على تغييره. وهذا العَضُّ هو بالأسنان، كعَضِّ اليد على اليد (٦) على فائتٍ قريبٍ
الفوت(٧). وكقرع السِّنِّ النَّادمةِ، إلى غير ذلك من عدِّ الحصى والخَطِّ في الأرض
للمهموم. ويُكتب هذا العضُّ بالضاد السَّاقطة، وعَظُّ الزمانِ بالظاء المشالة(٨)؛ كما
قال :
وعَظّ زمانٍ يا ابنَ مَرْوانَ لم يَدَعْ من المال إلا مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ(٩)
(١) المحرر الوجيز ٤٩٧/١، والبيت ورد في السيرة النبوية لابن هشام ٢٧٢/١، والروض الأنف ١٣/٢،
والدر المصون ٣٧٠/٣، واللباب ٤٩٧/٥، والبحر المحيط ٤١/٣، وصدره: وقد حالفوا قوماً علينا
أَظِئَةٌ.
(٢) قائله الفرزدق، وهو في ديوانه ٣٥٨/٢ .
(٣) في (م): علف دواب أهل، والمثبت من النسخ الخطية، وهو موافق لما في الصحاح (عضض)،
وتهذيب اللغة ١/ ٧٥ .
(٤) في (خ) و (د): يقال، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق للصحاح (عضض)، والكلام منه.
(٥) في (م): المكر، والمثبت من النسخ الخطية، وهو موافق لما في الصحاح والمجمل (عضض) وتهذيب
اللغة ١/ ٧٤ .
(٦) قوله: على اليد، ليست في (م).
(٧) في (د) و(م): الفوات، والمثبت من (خ) و (ظ).
(٨) انظر المحرر الوجيز ٤٩٧/١ .
(٩) قائله الفرزدق، وهو في ديوانه ص٥٥٦، وفيه: مجرَّف بدل: مجلَّف، وفيه أيضاً وفي المحتسب
٣٦٥/٢، وطبقات فحول الشعراء ٣٦٨/١، والجمل للزجاجي ص ٢٠٤، والإنصاف ١٨٨/١، =
٢٨٠
سورة آل عمران: الآية ١١٩
وواحدُ الأناملِ: أَنْمُلة . بضم الميم.، ويقال: بفتحها، والضَّمُّ أشهر. وكان أبو
الجَوْزَاء إذا تلا هذه الآيةَ قال: هُم الإباضية (١)، قال ابن عطيّة(٢): وهذه الصِّفةُ قد
تترتَّبُ في كثيرٍ من أهل بدعٍ من الناس إلى (٣) يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿قُلّ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ إن قيل: كيف لم يموتوا
والله تعالى إذا قال لشيء: کن، فیکون؟ قيل عنه جوابان:
أحدُهُما: قال فيه الطبريُّ(٤) وكثيرٌ من المفسرين: هو دعاءٌ علیهم، أي: قل یا
محمدُ: أدام الله غيظَكم إلى أنْ تموتوا. فعلى هذا يتجه أن يُدْعَى(٥) عليهم بهذا
مُوَاجهةً وغيرَ مواجَهةٍ، بخلاف اللَّعْنَة.
الثاني: أنَّ المعنى: أَخْبِرْهم أنهم لا يدركون ما يُؤَمِّلون، فإنَّ الموتَ دون ذلك.
فعلى هذا زال(٦) معنى الدعاءِ، وبقي معنى التقْرِيعِ والإغَاظَة. ويجري هذا المعنى مع
قول مسافرٍ بن أبي عمرو:
ونَنْمِي(٧) في أَرُومتنا
ونَفْقَأُ عِينَ مَنْ حَسَدا(٨)
= والخزانة ١٤٤/٥: وعضُّ، بدل: وعظٌّ، ونقل البغدادي في الخزانة ١٥٢/٥ عن الخليل قوله:
العضّ كله بالضاد إلا عظّ الزمان والحرب، ونقل أيضاً عن ابن سراج: العظّ المجازي بالظاء
والحقيقي بالضاد، وقوله: مُسْحَت، أي: مُهْلَك، ومُجلَّف: الذي بقيت منه بقية، والمجلّف أيضاً
الرجل الذي جلّفته السّنون، أي: أذهبت أمواله. اللسان (جلف).
(١) أخرجه الطبري ٧١٩/٥ وسلف التعريف بالإباضية في الصفحة ٢٤٤ من هذا الجزء.
(٢) في المحرر الوجيز ٤٩٨/١، وما قبله منه.
(٣) في (د) و (م): أهل البدع إلى، والمثبت من (خ) و(ط)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٤٩٨/١ .
(٤) في تفسيره ٧٢١/٥، والمحرر الوجيز ٤٩٨/١، وعنه نقل المصنف.
(٥) في (م): يدعو.
(٦) في (د) و (م): هذا المعنى زال، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق للمحرر الوجيز ٤٨٩/١.
(٧) في (د) و (م): يتمنى، وفي (خ): ينمي، وسقطت الكلمة من (ز) و(ظ)، والمثبت من المحرر الوجيز
٤٩٨/١، والكلام منه.
(٨) ورد البيت في السيرة النبوية لابن هشام ١/ ١٥٠، والأغاني ٩/ ٥٥، وفيهما: وزمزم، بدل: وننمي،
وقوله: ننمي من نمى ينمي نمياً، ونمى الماء: طمى وعلا. انظر القاموس (نما)، وقوله: أرومتنا، بوزن
أكولة: الأصل. النهاية (أرم). ومسافر بن أبي عمرو هو أبو أمية كان سيداً جواداً، أحد أزواد الركب
الثلاثة: زمعة بن الأسود، وأبو أمية بن المغيرة، ومسافر، وسُمُّوا بذلك؛ لأنهم كانوا لا يدّعون غريباً ولا
محتاجاً إلا تكفّلوا به حتى يظعن. انظر الأغاني ٤٩/٩ . وهذا الرجز قاله مسافر في أبيات له يفخر بها على
قريش.