النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ قال ابن العربيّ(١): وقد تساهلَ بعضُ علمائنا، فقال: إنما لم يثبت الحجُّ على العبد وإن أذن له السيد؛ لأنه كان كافراً في الأصل، ولم يكن حَجُّ الكافرِ معتدّاً به، فلما ضُرب عليه الرِّقُّ ضرباً مؤبّداً لم يخاطَبْ بالحج. وهذا فاسدٌ من ثلاثة أوجهٍ فاعلموه : أحدها: أنَّ الكفارَ عندنا مُخاطبون بفروع الشريعة، ولا خلافَ فيه في قول مالك. الثاني: أنَّ سائر العباداتِ تلزمُه من صلاة وصوم مع كونه رقيقاً، ولو فعلَها في حال كفره لم يعتدَّ بها، فوجبَ أنْ يكون الحجُّ مثلَها. الثالث: أنَّ الكفرَ قد ارتفع بالإسلام، فوجبَ ارتفاعُ حكمِه. فتبيَّنَ أنَّ المعتمدَ ما ذكرناه من تقدُّم حقوقِ السيد، واللّه الموفّق. الرابعة: قوله تعالى: ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (مَنْ)) في موضع خفضٍ، على بدل البعضِ من الكلّ، هذا قولُ أكثرِ النحويين. وأجاز الكسائيُّ أنْ يكونَ ((مَنْ)) في موضع رفعٍ بـ ((حِجُّ))، التقدير: أنْ يحجَّ البيتَ مَن. وقيل: هي شرط. و(استطاع)) في موضع جزم، والجواب محذوفٌ، أي: من استطاع إليه سبيلاً، فعليه الحجّ (٢)؛ روى الدار قطنِيُّ عن ابن عباس قال: قيل: يا رسولَ اللّه، الحجّ كلَّ عام؟ قال: ((لا، بل حجة))؟ قيل: فما السبيل، قال: ((الزاد والراحلة)). ورواه عن أنس وابن مسعود وابنٍ عمر وجابر وعائشةً، وعمرو بنٍ شعيب عن أبيه عن جدِّه(٣). = ٨/ ٢٠٩، وأخرجه الشافعي (٧٤٣) (بترتيب السندي)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ٢٥٧، والبيهقي ١٥٦/٥ عن ابن عباس موقوفاً، وصحح إسناده (يعني الموقوف) الحافظ في الفتح ٤/ ٧١ . (١) في أحكام القرآن ٢٨٧/١ - ٢٨٨ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٦/١. (٣) سنن الدار قطني ١٩٣/٢ - ١٩٦ (طبعة الكتب العلمية). قال صاحب التعليق المغني على الدارقطني ٢١٩/٢ : الروايات التي جاءت في هذا الباب كلها ضعيفة، كما صرح بذلك الزيلعي وابن حجر، وأحسن ما يستدل به في هذا الباب ما رواه البخاري في صحيحه عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا المدينة - وفي رواية: مكة - سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإَِ خَيْرَ الزَّارِ النَّقْوَنَّ﴾. : ٢٢٢ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ وعن عليٍّ بنِ أبي طالب ﴾، عن النبيِّ ◌َ﴾: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: فسئل عن ذلك، فقال النبيُّ ﴾: ((أنْ تجدَ ظهَرَ بَعير))(١). وأخرج حديثَ ابن عمرَ أيضاً ابن ماجه في سننه، وأبو عيسى الترمذيُّ في جامِعه وقال: حديث حَسَن، والعملُ عليه عند أهلِ العلم أنَّ الرجل إذا ملك زاداً وراحلةً وجب عليه الحج، وإبراهيم بنُ يزيدَ هو الخُوزيُّ المكيُّ، وقد تكلم فيه بعضُ أهلٍ الحديثِ من قِبلَ حِفظِه؛ أخرجاه(٢) عن وَكيع، والدَّارِ قُظْنِيُّ (٣) عن سفيانَ بنِ سعيد، قالوا: حدَّثنا إبراهيم بنُ يزيدَ، عن محمد بن عبّاد، عن ابن عمر قال: قام رجلٌ إلى النبيِّ ﴾، فقال: يا رسول اللّه، ما يوجبُ الحجَّ؟. قال: ((الزادُ والراحلة)). قال(٤): يا رسولَ اللّه، وما الحاجُ؟ قال: ((الشَّعِثُ الثَِّلُ)». وقام آخر فقال: يا رسول اللّه، وما الحجُّ؟ قال: ((العَجُّ والثَّجُ)). قال وكيع: يعني بالعجِّ: العجيجَ بالتّلبِية، والثَّجِّ: نحرَ البُذْن، لفظُ ابنٍ ماجه(٥). وممن قال: إنَّ الزاد والراحلةَ شرطٌ في وجوب الحجّ: عمر بنُ الخطاب، وابنُه عبدُ اللّه وعبد الله بنُ عباس، والحسن البصريُّ، وسعيد بنُ جُبير، وعطاء، ومجاهد. وإليه ذهب الشافعيُّ، والثوريُّ، وأبو حنيفة وأصحابُه، وأحمدُ، وإسحاق، وعبد العزيز بنُ (١) سنن الدارقطني ٢١٨/٢، وفي إسناده حسين بن عبدالله بن ضميرة، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٥٣٨/١: كذبه مالك، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، كذاب، وقال أحمد: لا يساوي شيئاً، وقال ابن معين: ليس بثقة ولا مأمون، وقال البخاري: منكر الحديث ضعيف. (٢) في (د) و (ظ) و (م): وأخرجاه، والمثبت من (خ)، وهو عند الترمذي (٨١٣) مختصر، وسنن ابن ماجه (٢٨٩٦)، وإبراهيم بن يزيد الخوزي قال فيه الحافظ في التقريب ص٣٥: متروك الحديث، وقال البيهقي ٤/ ٣٣٠ : ضغَّفه أهل العلم بالحديث، وقد تابعه محمد بن عبدالله بن عبيد عن محمد بن عباد، إلا أنه أضعف من إبراهيم بن يزيد، ورواه أيضاً محمد بن الحجاج عن جرير عن محمد بن عباد، ومحمد بن الحجاج متروك. (٣) سنن الدار قطني ٢/ ١٩٤ (طبعة الكتب العلمية). (٤) في النسخ: قالوا، والمثبت من (م)، ومصادر التخريج. (٥) برقم (٢٨٩٦)، وسلفت الإشارة إليه. قوله: الشَّعِث: المغبرّ الرأس، والتَّفِل: الذي ترك استعمال الطيب. انظر القاموس (شعث)، والنهاية (تفل). ٢٢٣ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ أبي سلمة، وابنُ حبيب، وذكر ابن عبدوس(١) مثلَه عن سُحُنون(٢). قال الشافعيّ(٣): الاستطاعة وجهان: أحدُهما: أنْ يكونَ مستطيعاً ببدنه، واجداً من ماله ما يبلِّغه الحجّ. والثاني: أنْ يكونَ معضُوباً (٤) في بدنه، لا يثبتُ على مَركَبِهِ، وهو قادرٌ على من يُطِيعُه إذا أمرَه أنْ يحجَّ عنه بأجرة وبغيرِ أجرة، على ما يأتي بيانه. أما المستطيع ببدنه، فإنه يلزمُه فرضُ الحجّ بالكتاب بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وأما المستطيعُ بالمال، فقد لزمَه فرضُ الحجِّ بالسُّنة بحديث الخثعمِيةِ على ما يأتي(٥). وأما المستطيعُ بنفسه؛ وهو القوِيُّ الذي لا تلحقه مشقَّةٌ غيرُ محتملةٍ في الركوب على الراحلة؛ فإنَّ هذا إذا ملك الزاد والراحلة؛ لزمه فرضُ الحجّ بنفسه، وإن عَدِم الزادَ والراحلةَ أو أحدَهما سقط عنه فرضُ الحج، فإن كان قادراً على المشي مُطيقاً له، ووجد الزاد، أو قَدَر على كسب الزادِ في طريقه بصنعةٍ؛ مثل الخرزِ والحجامةِ أو نحوِهما، فالمستحبُّ له أنْ يَحُجَّ ماشياً، رجلاً كان أو امرأة(٦). قال الشافعيّ: والرجلُ أقلُّ عُذْراً من المرأة؛ لأنه أقوى. وهذا عندهم على طريق الاستحبابِ، لا على طريق الإيجاب، فأمَّا إن قَدَرَ على الزاد بمسألة الناسٍ في الطريق، كَرِهْتُ له أنْ يحجَّ، لأنه يصير كَلّ على الناس(٧). وقال مالك بن أنس رحمه اللّه: إذا قَدَرَ على المشي ووجدَ الزادَ، فعليه فرضُ (١) في (د) و(م): وذكر عبدوس، والمثبت من (خ)، و(ظ)، وهو الصواب. وابن عبدوس: هو أبو عبدالله محمد بن إبراهيم، من كبار أصحاب سحنون وأفقههم، صنف المجموعة في الفقه على مذهب الإمام مالك. توفي سنة (٢٦٠ هـ). الديباج المذهب ١٧٤/٢ . (٢) النوادر والزيادات ٣١٧/٢، والمنتقى ٢٦٩/٢، وعقد الجواهر الثمينة ٣٧٩/١. (٣) الأم ٩٦/٢ و١٠٤، والتمهيد ١٢٧/٩ - ١٢٨، والاستذكار ٦٣/١٢ . (٤) أي: ضعيفاً زَمِناً، لا حراك به. القاموس (عضب). وسيذكر المصنف معناه في المسألة السابعة . (٥) ص٢٢٩ من هذا الجزء. (٦) انظر التمهيد ٩/ ١٢٧ - ١٢٨، والمعونة ٥٠٠/١ - ٥٠١، والمجموع ٥٧/٧ ، ٥٩ (٧) الأم ٢/ ٩٩ والتمهيد ١٢٧/٩ والمجموع ٧/ ٥٧ - ٥٨ . ٢٢٤ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ الحج، وإن لم يجد الراحلةَ، وقَدَر على المشي، نُظر؛ فإن كان مالكاً للزاد، وجب عليه فرضُ الحج، وإن لم يكن مالكاً للزاد، ولكنه يَقدِر على كسب حاجتِه منه في الطريق، نُظر أيضاً؛ فإن كان من أهل المروءاتِ ممن لا يكتسبُ بنفسه، لا يجب عليه، وإن كان ممن يَكتَسبُ كفايتَه بتجارة أو صناعةٍ، لزمه فرضُ الحج، وهكذا إن كانت عادتُه مسألةَ الناس، لزمه فرضُ الحجِّ. وكذلك أَوجبَ مالكٌ على المطيق للمشي(١) الحجَّ، وإن لم يكن معه زاد وراحلة. وهو قول عبد الله بن الزبير والشّغْبيّ وعكرمة(٢). وقال الضحاك: إنْ كان شابّاً قويّاً صحيحاً ليس له مالٌ، فعليه أن يؤجرَ نفسَه بأكلِهِ أو عُقَبِهِ حتى يقضِيَ حجَّه. فقال له قائل(٣): كلَّف اللّه الناسَ أنْ يمشوا إلى البيت؟ فقال: لو أنَّ لأحدهم ميراثاً بمكةَ، أكان تاركَه؟! بل ينطلق إليه ولو حَبْواً، كذلك يجبُ علیه الحُّ(٤). واحتجَّ هؤلاء بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِحَالًا﴾ [الحج: ٢٧] أي: مُشاةً. قالوا: ولأنَّ الحجَّ من عبادات الأبدان، ومن(٥) فرائضٍ الأعيان، فوجبَ ألَّا يكونَ الزادُ من شروط وجوبِها ولا الراحلةُ، كالصلاة والصيام. قالوا: ولو صحَّ حديثُ الخُوزِيِّ(٦): ((الزادُ والراحلة))، لحملناه على عموم الناسِ، والغالبِ منهم في الأقطار البعيدة. وخروجُ مطلقِ الكلام على غالب الأحوالِ كثيرٌ في الشريعة، وفي كلام العربِ وأشعارها. (١) في (د) و(م): المشي. (٢) انظر التمهيد ١٢٨/٩، والمنتقى ٢٦٩/٢، والمحرر الوجيز ٤٧٨/١، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٦١٥/٥ - ٠٦١٦ (٣) في النسخ: مقاتل، والمثبت من تفسير الطبري ٦١٥/٥ . (٤) أخرجه الطبري ٦١٥/٥، وقوله عُقَبِهِ: هو جمع عُقْبة، وهي الثَّوْبة. انظر معجم متن اللغة ٤/ ١٥٥، وأخرج قول الضحاك أيضاً ابنُ أبي حاتم في تفسيره ٧١٤/٣ بلفظ: إن كان فقيراً وهو صحيح شابٌ، فليؤاجر نفسه بالأَْلَةِ والعُقْبَة حتى يحجّ. وأخرج أيضاً عن معمر بن خثيم قال: قلت لأبي جعفر: قول الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ قال: يا معمر أن تكون لك راحلة، أو يمشي عُقبةً ويركب عُقبة. (٥) في (خ) (د). (م): من دون واو، والمثبت من (ظ). (٦) هو حديث ابن عمر رضي الله عنهما السالف أول هذه المسألة. ٢٢٥ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ وقد روى ابنُ وَهْب وابنُ القاسم وأشهبُ عن مالك أنه سُئل عن هذه الآيةِ، فقال: الناسُ في ذلك على قدر طاقتِهم ويُسْرهم وجَلَدِهم؛ قال أشْهَبُ لمالك: أهو الزادُ والراحلة؟ قال: لا والله، ما ذاك إلا على قدر طاقةِ الناس، وقد يجدُ الزادَ والراحلةَ، ولا يقدرُ على السير، وآخَرُ يقدر أنْ يمشيَ على رجليه(١). الخامسة: إذا وُجدت الاستطاعة، وتوجَّه فرضُ الحجِّ، فقد يعرضُ ما يمنعُ منه، كالغرِيم يمنعُه عن الخروج حتى يؤدّيَ الدَّيْن؛ ولا خلافَ في ذلك. أو يكونُ له عِيَالٌ يجبُ عليه نفقتُهم، فلا يلزمه الحجّ حتى يكونَ لهم نفقتُهم مدّةَ غَيْبَتِه لذهابه ورجوعه؛ لأنَّ هذا الإنفاقَ فرضٌ على الفَوْر، والحجُّ فرضٌ على التَّراخي، فكان تقديمُ العيالِ أوْلى، وقد قال النبيُّ :﴿: ((كَفَى بالمرء إثماً أنْ يُضيّعَ من يقوت))(٢) . وكذلك الأَبَوانِ يخافُ الضَّيْعةَ عليهما وعَدَمَ العِوَض في التلظُف بهما، فلا سبيلَ له إلى الحجّ؛ فإنْ مَنَعاه لأجل الشَّوْقِ والوَحْشةِ، فلا يُلتفتُ إليه. والمرأةُ يمنعُها زوجُها، وقيل: لا يمنعها. والصحيح المنعُ، لا سيما إذا قلنا: إنَّ الحج لا يلزم على الفَوْر(٣). والبحر لا يمنع الوجوبَ إذا كان غالبُه السَّلامة - كما تقدَّم بيانه في ((البقرة(٤)) - ويَعلمُ من نفسه أنه لا يَمِيد(٥). فإن كان الغالبَ عليه العَطَبُ أو المَيْدُ حتى يُعطِّلَ الصَّلاة، فلا. وإنْ كان لا يجد موضعاً لسجوده لكثرة الراكبٍ وضيقِ المكانِ، فقد قال مالك: إذا لم يستطع الركوعَ والسجودَ إلا على ظهر أخيه، فلا يركبه. ثم قال: أيركب حيثُ لا يُصلِّي؟! ويلٌ لمن ترك الصلاة !. ويسقط الحجُّ إذا كان في الطريق عدوٌّ يطلب الأنفسَ، أو يطلبُ من الأموال (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٨٨/١، والنوادر والزيادات ٣١٧/٢ . (٢) أخرجه بهذا اللفظ أحمد (٦٤٩٥)، وأبو داود (١٦٩٢)، والنسائي في الكبرى (٩١٣٢) من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، وأخرجه مسلم (٦٩٦) بلفظ: ((كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قُوْتَه)). (٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢٨٨/١ - ٢٨٩. (٤) ٢ /٤٩٥ - ٤٩٦ . (٥) قوله: يَميد، من: مَادَ: إذا أصابه غثيان ودُوّار. القاموس (ماد). ٢٢٦ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ مالاً(١) يتحدَّد بحدِّ مخصوصٍ، أو يتحدَّد بقدرٍ يُجحف(٢)، وفي سقوطه بغير المُجْحفِ خلاف. وقال الشافعيُّ: لا يُعطي حبَّةً، ويسقطُ فرضُ الحجّ. ويجبُ على المتسوِّل إذا كانت تلك عادته، وغلب على ظنّه أنه يجدُ من يُعطيه. وقيل: لا يجب(٣)، على ما تقدَّم من مراعاة الاستطاعة. السادسة: إذا زالت الموانعُ ولم يكن عنده من النَّاضِّ(٤) ما يحجّ به، وعندَه عُروض، فيلزمُه أنْ يبيعَ من عُروضه للحجّ ما يُباع عليه في الدَّيْن. وسُئل ابنُ القاسم عن الرجل تكون له القَرْية(٥) ليس له غيرُها، أيبيعُها في حجَّة الإسلام، ويترك ولَده ولا شيءَ لهم يعيشون به؟. قال: نعم، ذلك عليه، ويتركُ ولّدَه في الصدقة! والصحيح القولُ الأوَّل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((كفى بالمرء إثماً أنْ يُضَيِّعَ من يقوت))(٦)، وهو قولُ الشَّافعي(٧). والظاهرُ من مذهبه أنه لا يلزم الحجّ إلا من له ما يكفيه من النفقة ذاهباً وراجعاً - قاله في الإملاء - وإن لم يكن له أهلٌ وعِيالٌ. وقال بعضُهم: لا يعتبرُ الرجوع؛ لأنه ليس عليه كبيرُ مشقَّةٍ في تركه القيامَ ببلده؛ لأنه لا أهلَ له فيه ولا عيالَ، وكلُّ البلاد له وطن. والأوَّلُ أصوب؛ لأنَّ الإنسانَ يستوحش لفراق وطنِه كما يستوحشُ لفراق سكنِه (٨). ألا ترى أنَّ البِكر إذا زنا جُلد وغُرِّب عن بلده، سواء كان له أهلٌ أو لم يكن؟ قال الشافعيّ في الأمّ(٩): إذا كان له مسكنٌ وخادم، وله نفقةُ أهلِه بقدرٍ غيبتِه؛ (١) في (د) و (م): ما لم، والمثبت من (خ) و (ظ)، وهو الموافق لعقد الجواهر الثمينة ٣٨٠/١، والكلام منه. (٢) في (م): مجحف. (٣) عقد الجواهر الثمينة ١/ ٣٨٠، والعزيز شرح الوجيز ٢٩٢/٣. (٤) قوله: الناضّ؛ المراد به هنا الدراهم والدنانير، كما يسميه أهل الحجاز. انظر المصباح المنير (نضَّ). (٥) في (خ) و(م): القربة، والمثبت من (د) و (ظ)، وعقد الجواهر الثمينة ٣٨١/١، والكلام منه، والنوادر والزيادات ٣١٩/٢، والبيان والتحصيل ٤/ ٧٢ . (٦) سلف ذكره في المسألة الخامسة. (٧) الأم ٢/ ٩٩. (٨) العزيز شرح الوجيز للرافعي ٢٨٤/٣ - ٢٨٥، والمجموع ٧/ ٥٢ - ٥٣ و ٦٩ . (٩) ٢/ ٩٩. ٢٢٧ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ يلزمه الحج. وظاهرُ هذا أنه اعتبر أنْ يكون مالُ الحج فاضلاً عن الخادم والمسكن؛ لأنه قدَّمه على نفقة أهلِه، فكأنه قال: بعد هذا كله. وقال أصحابه: يلزمُه أنْ يبيعَ المسكنَ والخادمَ ويَكْتَريّ مسكناً وخادماً لأهله، فإن كان له بضاعةٌ يَتَّجر بها، وربحُها؛ قدرُ كفايتِه وكفاية عيالِه على الدوام، ومتى أنفقَ من أصل البضاعة اختلَّ عليه ربحُها؛ ولم يكن فيه قدرُ كفايته(١)؛ فهل يلزمُه الحجُّ من أصل البضاعةِ أم لا؟ قولان: الأوّل للجمهور، وهو الصحيحُ المشهور؛ لأنه لا خلافَ في أنه لو كان له عَقَارٌ تكفيه غَلَّتُه، لزمه أنْ يبيعَ أصلَ العَقارِ في الحجّ، فكذلك البضاعة. وقال ابن سُريج(٢): لا يلزمه ذلك، ويُبقي البضاعة، ولا يحجُّ من أصلها؛ لأنَّ الحج إنما يجبُ عليه في الفاضل من كفايته. فهذا الكلامُ في الاستطاعة بالبدن والمال(٣). السابعة: المريضُ والمَعْضُوبُ، والعَضْبُ: القطع، ومنه سُمِّيَ السَّيفُ عَضْباً، وكأنَّ من انتهى إلى ألَّ يقدرَ أنْ يستمسكَ على الراحلة، ولا يثبتَ عليها بمنزلة من قُطعت أعضاؤه؛ إذْ لا يقدرُ على شيء. وقد اختلف العلماء في حكمهما بعد إجماعهم أنه لا يلزمُهما المسيرُ إلى الحج؛ لأنَّ الحجَّ إنما فرَضه اللّه على المستطيع إجماعاً، والمريضُ والمعضوب لا استطاعةً لهما. فقال مالك: إذا كان معضُوباً سقط عنه فرضُ الحجِّ أصلاً، سواء كان قادراً على مَنْ يحجُّ عنه بالمال أو بغير المال، لا يلزمه فرضُ الحج(٤). ولو وجب عليه الحج، ثم عُضِب وزَمِن، سقط عنه فرضُ الحجِّ، ولا يجوز أنْ يُحَجّ عنه في حال حیاتِه بحال، بل إنْ أوصى أن يُحَجّ عنه بعد موته، حُجَّ عنه من الثلث، وكان تطوُّعاً؛ واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ١٩]، فأخبر أنه ليس له إلا ما سعى. فمن قال: إنه له سَعْيُ غيره، فقد خالف (١) بعدها في (ظ): وكفاية عياله على الدَّوام. (٢) في (د) و (م): شريح، وفي (خ): سريح، والمثبت من (ظ)، والعزيز شرح الوجيز ٢٨٦/٣ . (٣) العزيز شرح الوجيز ٢٨٥/٣ - ٢٨٦، والمغني ١٢/٥ . (٤) الاستذكار ٦٢/١٦، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٨٩/١، والمفهم ٤٤١/٣ - ٤٤٢. ٢٢٨ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ ظاهرَ الآية. وبقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾، وهذا غيرُ مستطيع؛ لأن الحجَّ هو قصدُ المكلَّفِ البيتَ بنفسه، ولأنها عبادةٌ لا تدخلها النِّيابة مع العجزِ عنها كالصلاة(١). وروى محمد بنُ المُنْكَدر عن جابر قال: قال رسول اللّهَ﴾: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ لَيُدخِلُ بالحَجّة الواحدةِ ثلاثةً الجنةَ: الميِّتَ، والحاجَّ عنه، والمنفِذَ ذلك)). خرّجه الطبرانيُّ أبو القاسم سليمان بنُ أحمدَ قال: حدثنا عُمر بن حفص(٢) السَّدوسي قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدثنا (٣) أبو معشر عن محمد بن المنكدر، فذكره (٤). قلت: أبو معشر اسمه نَجِيحٌ، وهو ضعيفٌ عندهم. وقال الشافعيُّ(٥) في المريض الزَّمِنِ والمعضوبِ والشيخِ الكبيرِ يكون قادراً على من يُطِيعُه إذا أمره بالحج عنه؛ فهو مستطيعٌ استطاعةً مّا. وهو على وجهين: أحدُهما أنْ يكونَ قادراً على مالٍ يستأجرُ به من يَحُجُّ عنه، فإنه يلزمُه فرضُ الحجِّ. وهذا قولُ عليٍّ بنِ أبي طالب ﴾، رُوِيَ عنه أنه قال لشيخ كبيرٍ لم يَحجّ: جهِّزْ رجلاً يحجُّ عنك(٦). وإلى هذا ذهبَ الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، وابنُ المبارك، وأحمدُ، وإسحاق. والثاني أن يكونَ قادراً على من يبذل له الطاعةً والنيابةَ، فيحجُّ عنه، فهذا أيضاً (١) المعونة ١/ ٥٠١، والكافي ٣٥٦/١ - ٣٥٧، والمنتقى ٢٦٩/٢، والمجموع ٨٠/٧ . (٢) في (ظ): عمرو بن حفص، وفي (د) و(م): عمرو بن حصين، والمثبت من (خ)، وهو الصواب، فقد روى عنه الطبراني في معاجمه، وانظر تاريخ بغداد ٢١٦/١١ . (٣) قوله: ((إسحاق بن بشر قال: حدثنا))، ليس في (م). (٤) لم نقف عليه في مصنفات الطبراني، وأخرجه أيضاً الحارث بن أبي أسامة في مسنده (بغية الباحث) (٣٥٥)، وابن عديٍّ ٣٣٦/١، وأبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ٢/ ٣٦٥ من طريق إسحاق بن بشر به. قال ابن عديٍّ: هو في عداد من يضع الحديث. وأبو معشر قال فيه البيهقي ١٨٠/٥: مدني ضعيف، وقال ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ١٣٠: هذا حديث لا يصح عن رسول الله 8#، والمتهم به إسحاق بن بشر. وتابع إسحاق بنّ بشر عبد الرزاق كما في تنزيه الشريعة ١٧٣/٢ عن أبي معشر به، وأبو معشر سلف الكلام عليه وأورده السيوطي في الجامع الصغير ٢٥٥/١، ورمز لضعفه. (٥) في الأم ٢/ ٩٦ - ٩٧ . (٦) أورده الشافعي في الأم ٩٨/٢ . ٢٢٩ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ يلزمه الحجّ عنه(١) عندَ الشافعيِّ وأحمدَ وابن راهويه، وقال أبو حنيفة: لا يلزم الحجُ ببذل الطاعةِ بحال(٢). استدلَّ الشافعيُّ بما رواه ابن عباس أنَّ امرأةً من خَشْعَم سألتِ النبيَّ :8#، فقالت: يا رسولَ اللّه، إنَّ فريضةَ اللّهِ على عباده في الحجِّ أدركتْ أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أنْ يثبتَ على الراحلة، أفأحجُ عنه؟ قال: ((نعم)). وذلك في حجَّة الوَدَاعِ (٣). في رواية: لا يستطيع أنْ يستويَ على ظهر بعيرِهِ، فقال النبيُّ ل﴿: ((فحجِّ عنه، أرأيتٍ لو كان على أبيكِ دَيْنٌ، أكنتِ قاضِيَتَه))؟ قالت: نعم. قال: ((فدَيْنُ اللّهِ أحقُّ أنْ يُقْضَى)) (٤). فأوجبَ النبيُّ ﴾ الحجَّ بطاعة ابنته إياه، وبذلِها من نفسها له بأنْ تحجَّ عنه، فإذا وجب ذلك بطاعة البنتِ له، كان بأنْ يجب عليه بقدرته على المال الذي يستأجرُ به أوْلى. فأمَّا إنْ بذل له المال دونَ الطاعة؛ فالصحيح أنه لا يلزمُه قبولُه والحجُّ به عن نفسه، ولا يصيرُ ببذل المالِ له مستطيعاً (٥). وقال علماؤنا: حديثُ الخثعمية ليس مقصودُه الإيجابَ، وإنَّما مقصودُه الحثُّ على بِرِّ الوالدَيْن، والنظرِ في مصالحهما دُنْيا ودِيناً (٦)، وجلبُ المنفعةِ إليهما جِلَّةً وشَرْعاً، فلما رأى من المرأة انفعالاً وطواعيةً ظاهرة ورغبةً صادقة في بِرِّها بأبيها، وحرصاً على إيصال الخيرِ والثَّوابِ إليه، وتأسَّفت أنْ تفوتَه بركةُ الحجِّ، أجابَها إلى ذلك، كما قال للأخرى التي قالت: إنَّ أُمِّي نذرت أنْ تحجَّ، فلم تحجّ حتى ماتت، (١) لفظة: عنه، من (م). (٢) المنتقى ٢٦٩/٢، والعزيز شرح الوجيز ٣٠٠/٣ - ٣٠٢ و٣٠٥ - ٣٠٦. والمفهم ٤٤٢/٣، والمجموع ٧/ ٧٥ - ٧٦ ، و ٨٠ - ٨١ . (٣) أخرجه أحمد (٣٢٣٨) (٣٣٧٥)، والبخاري (١٥١٣)، ومسلم (١٣٣٤). (٤) أخرجه ابن ماجه (٢٩٠٩) بنحوه، وأخرجه أيضاً النسائي ١١٨/٥، لكن فيه أن السائل رجل، وأحمد (١٦١٢٥) والنسائي ١١٧/٥ - ١١٨ من حديث عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما. وانظر حديث ابن عباس السالف ٣٦١/٣ . (٥) الوجيز ٣٠٥/٣ . (٦) في (ظ): وأُخرى. ٢٣٠ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ أفأحجُ عنها؟ قال: ((حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمِّك دينٌ أكنتٍ قَاضِيَتَه))؟ قالت: نعم(١). ففي هذا ما يدلُّ على أنه من باب التطوّعاتِ وإيصالِ البرِّ والخيراتِ للأموات؛ ألا ترى أنه قد شبَّه فعلَ الحج بالذَّيْن. وبالإجماع لو مات ميِّتٌ وعليه دينٌ لم يجبْ على وَلِيُّه قضاؤه من ماله، فإن تَطَوَّعَ بذلك تأدَّى الدَّينُ عنه(٢). ومن الدليل على أنَّ الحجَّ في هذا الحديثِ ليس بفرضٍ على أبيها ما صرَّحت به هذه المرأة بقولها: لا يستطيع، ومن لا يستطيعُ لا يجبُ عليه. وهذا تصريحٌ بنفي الوجوبٍ ومنعِ الفريضة، فلا يجوز ما انتفى في أوّل الحديثِ قطعاً أن يثبتَ في آخره ظَنّاً؛ يحقّقُه قَولُه: ((فدَين اللّه أحقُّ أن يُقضى))، فإنه ليس على ظاهره إجماعاً، فإنَّ دَيْنَ العبدِ أوْلى بالقضاءِ، وبه يُبدأ إجماعاً، لفقر الآدميّ، واستغناءِ اللّه تعالى؛ قاله ابن العربيّ(٣). وذكر أبو عمر بنُ عبد البَرّ(٤) أنَّ حديثَ الخثعميةِ عند مالك وأصحابِهِ مخصوصٌ بها. وقال آخرون: فيه اضطراب. وقال ابن وهب وأبو مصعب: هو في حقِّ الولدِ خاصَّةً. وقال ابنُ حبيب: جاءت الرخصةُ في الحجِّ عن الكبير الذي لا منهض له ولم يحجَّ، وعمَّن مات ولم يحجّ، أنْ يَحُجّ عنه ولده وإنْ لم يُوصٍ به، ويجزتُه إنْ شاء الله تعالى(٥). فهذا الكلامُ على المعضوب وشبهه. وحديثُ الخثعمية أخرجه الأئمة(٦)، وهو يردُّ على الحسن قولَه: إنه لا يجوزُ حجُّ المرأةِ عن الرجل(٧). الثامنة: وأجمعَ العلماء على أنه إذا لم يكن للمكلَّف قوتٌ يتزوَّده في الطريق، لم (١) أخرجه أحمد (٢١٤٠)، والبخاري (١٨٥٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وانظر الكلام على الحديث في الفتح ٤/ ١٩٤ - ١٩٥ . (٢) المفهم ٣/ ٤٤٣ . (٣) في أحكام القرآن ١/ ٢٩٠ . (٤) في الاستذكار ١٢/ ٥٩ - ٦٠، وانظر المفهم ٤٤٣/٣. (٥) النوادر والزيادات ٤٨٢/٢ . (٦) سلف قريباً. (٧) التمهيد ١٣٦/٩، والاستذكار ٦٨/١٢، وإكمال المعلم ٤/ ٤٤٠، والمفهم ٣٤٣/٣. ٢٣١ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ يلزمه الحجّ. وإنْ وَهب له أجنبيٌّ مالاً يحجُّ به، لم يلزمه قبولُه إجماعاً، لما يلحقُه من المِنَّة في ذلك. فلو كان رجلٌ وهبَ لأبيه مالاً؛ فقد قال الشَّافعيّ: يلزمُه قبولُه؛ لأنَّ ابنَ الرجلِ من كسْبِهِ، ولا مِنَّةَ عليه في ذلك. وقال مالك وأبو حنيفة: لا يلزمه قبولُه؛ لأنَّ فيه سقوطَ حُرْمَةِ الأبوّة؛ إذ يقال: قد جَزَاه وقد وقَّاه(١). والله أعلم. التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ قال ابن عباس(٢) وغيره: المعنى: ومن كفر بفرض الحجِّ، ولم يره واجباً. وقال الحسنُ البصريُّ وغيره: إنَّ من ترك الحج وهو قادرٌ عليه فهو كافر(٣). وروى الترمذيُّ عن الحارث، عن عليٍّ قال: قال رسولُ اللّهِ ﴾: ((مَنْ ملكَ زاداً وراحلةً تُبلِّغُه إلى بيت اللّهِ، ولم يحجَّ، فلا عليه أنْ يموت(٤) يهودياً أو نصرانياً، وذلك أنَّ اللّه يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مَقال، وهلال ابنُ عبد اللّه مجهول، والحارث يُضعَّف(٥). ورُوِيَ نحوُه عن أبي أمامة(٦) وعمرَ بنِ الخطاب رضي اللّه عنهما(٧). وعن عبد خير بن يزيدَ عن عليّ بن أبي طالب أنَّ رسولَ اللّهِ ﴾ قال في خطبته: ((يا أيها الناس، إنَّ اللّه فرضَ الحجّ(٨) على من استطاع إليه سبيلاً، ومن لم (١) أحكام القرآن ١/ ٢٩٠، وانظر المجموع ٧٤/٧ - ٧٥، و ٧٧، ٨٠. (٢) أخرجه الطبري ٦١٩/٥ . (٣) أورده الزجاج في معاني القرآن ١/ ٤٤٧ من غير نسبة. (٤) في (د) و (ظ): لا يموت، وفي (خ): ألا، والمثبت من (م)، وسنن الترمذي. (٥) سنن الترمذي (٨١٢)، وقال البخاري في هلال هذا: منكر الحديث، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، ميزان الاعتدال ٣١٥/٤؛ وقال الذهبي: ويروى عن علي قوله. (٦) أخرجه الدارمي (١٧٨٥)، والبيهقي ٣٣٤/٤، والبغوي في تفسيره ٢٣١/١، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. (٧) أخرجه ابن أبي شيبة ٣٣٧/٤ (الجزء المفقود) عن عمر موقوفاً، وصحح إسناده ابن كثير (يعني موقوفاً) في مسند الفاروق ١/ ٢٩٢ . (٨) في (م) فرض عليكم الحجّ. ٢٣٢ سورة آل عمران: الآيتان ٩٦ - ٩٧ يفعلْ فليمتْ على أيّ حالٍ شاء؛ إنْ شاء يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً، إلا أنْ يكون به عذرٌ من مرض، أو سلطانٍ جائٍ. ألا لا نصيبَ(١) له في شفاعتي ولا وُرودِ حَوْضِي))(٢). وقال ابن عباس: قال رسول اللّه ◌ِ﴾: ((من كان عنده مالٌ يبلّغه الحجّ فلم يحجّ، أو عنده مالٌ تحلُّ فيه الزكاة فلم يزكِّه، سأل عند الموت الرجعةً)). فقيل: يا ابن عباس، إنَّا كنَّا نرى هذا للكافرين، فقال: أنا أقرأ عليكم به قرآناً: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَنْوَلُكُمْ وَلَّ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ، وَأَنِفِقُواْ مِن ◌َا رَزَفْتَّكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبٍ لَوْلَآ ◌َخَّرْتَبِيّ إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾(٣) [المنافقون: ١٠٩]. قال الحسن بنُ صالح في تفسيره: فأزكّي وأحجّ. وعن النبيَِّ﴾ أنَّ رجلاً سألَه عن الآية، فقال: ((مَنْ حَجَّ لا يرجو ثواباً، أو جلس لا يخافُ عقاباً، فقد كفر به» (٤). وروى قتادةُ عن الحسن قال: قال عمر : لقد هممتُ أنْ أبعثَ رجالاً إلى الأمصار، فينظرون إلى مَنْ كان له مالٌ ولم يحجَّ، فيضربون عليه الجزية، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ اُلْعَلَمِينَ﴾ (٥). قلتُ: هذا خرجَ مَخرِجَ التغليط، ولهذا قال علماؤنا: تَضَمَّنتِ الآيةُ أنَّ من ماتَ ولم يحجَّ وهو قادرٌ، فالوعيدُ يتوجَّه عليه، ولا يُجزئُّ أنْ يَحَجَّ عنه غيرُه؛ لأنَّ حجّ الغيرِ لو أسقط عنه الفرضَ؛ لسقط عنه الوعيد. والله أعلم. (١) في (م): ألا نصيب؛ سقطت منه (لا). (٢) أخرجه أبو الليث في تفسيره ٢٨٦/١، وروايته من طريق داود بن المحبر، عن عباد بن كثير الثقفي، عن عبد خير. وداود وعباد كلٍّ منهما متروك الحديث كما ذكر الحافظ في التقريب. (٣) أخرجه الترمذي (٣٣١٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .. (٤) أورده النحاس في معاني القرآن ٤٤٨/١، والسيوطي في الإتقان ٢/ ١٢٤٣، وعزاه لعبد بن حميد في تفسيره عن نفيع مرسلاً. (٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه - كما في مسند الفاروق لابن كثير ٢٩٣/١، والدر المنثور ٥٦/٢ - »، وابن الجوزي في التحقيق ١١٨/٢. ٢٣٣ سورة آل عمران: الآيات ٩٦ - ٩٩ وقال سعيد بنُ جُبير: لو مات جارٌ لي وله مَيْسرةٌ ولم يحجّ، لم أصلٌ عليه (١). قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدُ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ٩٨ قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ ٩٩٦ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَكَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: تَصرِفون عن دين اللّه ﴿مَنْ ءَامَنَ﴾. وقرأ الحسن: ((تُصِدُّون))، بضم التاء وكسر الصاد(٢)، وهما لغتان: صَدَّ وأصَدَّ، مثل: صلَّ اللحمُ وأصَلَّ: إذا أنْتَنَ، وخَمّ وأخَمَّ أيضاً: إذا تغيَّر. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: تطلبون لها، فحذف اللام، مثل: ﴿وَإِذَا كَالُوَهُمْ﴾ [المطففين: ٣]. يقال: بغيتُ له كذا، أي: طلبتُه. وأبغيتُه كذا، أي: أَعَنْتُه [عليه](٣). والعِوَج: المَيْلُ والزَّيغ - بكسر العين - في الدِّين والقولِ والعملِ، وما خرج عن طريق الاستواء. وبالفتح: في الحائِط والجِدار، وكلِّ شخصٍ قائم. عن أبي عبيدةً وغيرِه(٤). ومعنى قولِه تعالى: ﴿يَّعُونَ الَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهِّ﴾ [طه: ١٠٨]، أي: لا يقدرون أنْ يَعُوجُوا عن دعائه. وعاجَ بالمكان وعَوَّجَ: أقام ووقف. والعائجُ الواقف(٥)، قال الشاعر: هلَ أنْتُمْ عائجونَ بنا لعنَّا نَرَى العَرَصاتِ أو أثَرِ الخِيامِ(٦) (١) أخرجه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٣٧ (الجزء المفقود). (٢) القراءات الشاذة ص ٢٢، والمحرر الوجيز ٤٨١/١. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٩/١ وما بين حاصرتين منه، وانظر معاني القرآن للفراء ٢٢٧/١، ومعاني القرآن للزجاج ١/ ٤٤٧ (٤) مجاز القرآن لأبي عبيدة ٩٨/١، وتفسير البغوي ٣٣١/١. (٥) الصحاح (عوج)، وتهذيب اللغة ٣/ ٤٧ . (٦) أورده البغدادي في شرح شواهد الشافية ٤٦٤/٤ و٤٦٦. بمثل رواية المصنف، ونسبه للفرزدق، ونسبه إليه كذلك صاحب طبقات فحول الشعراء ٣٦٥/٢، وصاحب الأغاني ٣٠٧/٢١، وروايته فيهما: ألستم عائجين بنا لعنًّا. قال البغدادي: الأصل: لعلنا، فأُبدلت اللام نوناً بضعف . = ٢٣٤ سورة آل عمران: الآيات ٩٨ - ١٠٠ والرجل الأعوجُ: السيِّئُ الخَلْقِ، وهو بَيِّنُ العَوَج. والعُوجُ من الخيل التي في أرجلها تَحْنِيبٌ، والأَعْوجِيَّةُ من الخيل تُنسبُ إلى فرسٍ كان في الجاهلية سابقاً(١). ويقال: فرسٌ مُحَتَّبٌ: إذا كان بعيدَ ما بين الرِّجْلَيْن بغير فَحَج(٢)، وهو مَدْحٌ. ويقال: الحَنَب اعوجاجٌ في السَّاقَين. قال الخليل: التَّحْنيبُ يوصف في الشذَّة، وليس ذلك باعوجاج(٣). قوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ﴾ أي: عقلاء. وقيل: شهداء أنَّ في التوراة مكتوباً أنَّ دِينَ اللّه الذي لا يُقبل غيرُه الإسلامُ، إذ فيه نعتُ محمدٍ ﴾. قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ يَرُدُوكُمْ بَعْدَ إِيَكُمْ كَفِينَ ١٠٠ نزلت في يهوديِّ أرادَ تجديد الفِتنة بين الأَوْسِ والخَزْرَج بعد انقطاعها بالنبيِّ ﴿*، فجلس بينَهم وأنشدَهم شِعْراً قاله أحدُ الحَيَّيْنِ في حربهم. فقال الحَيُّ الآخر: قد قال شاعرُنا في يوم [كذا: ] كذا وكذا، فكأنهم دخلَهم من ذلك شيءٌ، فقالوا: تعالَوْا نردًّ الحربَ جَذَعاً (٤) كما كانت. فنادى هؤلاء: يا آلَ أَوْس. ونادى هؤلاء: يا آل خَزْرَج. فاجتمعوا وأخذُوا السلاحَ، واصطفُّوا للقتال، فنزلت هذه الآية، فجاء النبيُّ لِ# حتى = وأورده ابن منظور في اللسان (لغن) ونسبه للفرزدق أيضاً، وروايته فيه: قفا يا صاحبيَّ بنا لِغنًّا. وبنحوه أورده ابن الأنباري في الإنصاف ٢٢٥/١، ولم ينسبه. ولغنَّ (بالغين المعجمة) لغة في (لعلَّ) كما ذكر ابن منظور، وقال: بعض بني تيم يقول: لغنَّك ، بمعنى: لعلّك، وأورد البيت. وأورده ابن منظور أيضاً في اللسان (أنن)، ونسبه لجرير، وروايتُه فيه: هلّ أنتم عائجون بنا لأَنَّا. أي: لعلنا، فقد تكون (أنَّ) المفتوحة بمعنى: لعلَّ، كما ذكر. قوله: العَرَّصات؛ هو جمع عَرْصَة، وهي كل بقعة بين الدور واسعة، ليس فيها بناء. اللسان (عرض). (١) مجمل اللغة ٦٣٥/٣ . (٢) في القاموس (فحج): فَحَجَ في مِشيته (كمنعَ): تدانى صدورُ قدميه، وتباعَدَ عَقِباه .. وهو أنحج، بيِّنُ الفَحَج، محر کةٌ. (٣) العين ٣/ ٢٥٠، ومجمل اللغة ٢٥٣/١، وعنه نقل المصنف كلام الخليل. (٤) في (م): جذعاء. ولم تجود اللفظة في النسخ. والمثبت من أسباب النزول للواحدي ص١١١. قال في اللسان (جذع): أعدت الأمر جَذّعاً، أي: جديداً كما بدأ .. وإذا طفئت حرب بين قوم فقال بعضهم: إن شئتم أعدناها جَذَعة، أي أول ما يبتدأ فيها. ٢٣٥ سورة آل عمران: الآيتان ١٠٠ - ١٠١ وقف بين الصَّفَّين، فقرأها ورفعَ صوتَه، فلما سمعوا صوتَه، أَنْصَتوا له، وجعلوا يستمعون، فلما فرغَ؛ ألْقَوا السِّلاح، وعانق بعضُهم بعضاً، وجعلوا يبكون. عن عكرمة وابن زيد وابن عباس. والذي فعل ذلك شاسُ بنُ قيس اليهوديُّ، دَسَّ على الأوْس والخَزْرِجِ مَنْ يُذَكِّرُهم ما كان بينهم منَ الحروب، وإنَّ النبيَّ :﴿ أتاهم وذَكَّرهم، فعرف القومُ أنها نَزْغَةٌ منَ الشيطانْ، وَكَيْدٌ من عدوّهم، فألْقَوا السلاحَ من أيديهم، وبكُوا، وعانقٌ بعضُهم بعضاً، ثم انصرفوا مع النبيِّ # سامعين مُطيعين، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعني الأوسَ والخزرجَ. ﴿إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ يعني شاساً وأصحابَه ﴿يَرُذُوكُمْ بَعْدَ إِيَتِكُمْ كَفِينَ﴾. قال جابر بن عبد اللّه: ما كان طَالِعٌ أكْرَهَ(١) إلينا من رسول اللّه ﴾، فأومأ إلينا بيده فكَفَفْنا، وأصلحَ اللهُ تعالى ما بينَنا، فما كان شخصٌ أحبَّ إلينا من رسول الله *، فما رأيتُ يوماً أقبحَ؛ ولا أَوْحَشَ أوَّلاً، وأحسَنَ آخِراً؛ من ذلك اليوم(٢). قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ, وَمَن يَعْنَصِمِ بِلَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيم قاله تعالى على جهة التعجُّب، أي: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اَللَّهِ﴾ يعني القرآن. ﴿وَفِيكُمْ رَسُولٌ ﴾ يعني محمداً ﴾. قال ابن عباس: كان بين الأَوْس والخَزْرَج قتَالٌ وشَرٌّ في الجاهلية، فذكروا ما كان بينَهم، فثارَ بعضُهم على بعض بالسيوف، فَأُتِيَ النبيُّ :﴿، فذكر ذلك له، فذهب (١) كذا وقع في النسخ و (م) وأسباب النزول للواحدي والعجاب لابن حجر: (أكره). ومعناه - إن صحَّ - أنه لم يكن شيء أكره إليهم من أن يراهم رسولُ الله ﴾ على تلك الحال من التنازع والاختلاف. ووقع في تفسير أبي الليث ٢٨٩/١ (المجلد ١/ ورقة ١٣٦): فما كان من طالع يومئذ أكرم إلينا من رسول الله *، إذ طلع إلينا فأومأ إلينا بيده .. (٢) انظر أسباب النزول للواحدي ص ١١١ - ١١٢، وما سلف بين حاصرتين منه. وأخرج الطبري ٥/ ٦٢٧ حديث زيد بن أسلم، وأورده ابن حجر في الإصابة ١/ ١٣٩ - ١٤٠ وقال: إسناد مرسل، وفيه راوٍ مبهم. وأخرج ابن المنذر - كما في الدر المنثور ٥٨/٢ - حديث عكرمة، وسترد رواية ابن عباس في الآية بعدها. ٢٣٦ سورة آل عمران: الآية ١٠١ إليهم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهًا﴾(١). ويدخل في هذه الآية مَنْ لم يَرَ النبيَّ ◌َ﴾؛ لأنَّ ما فيهم من سُنَّته يقوم مَقام رؤيته. قال الزَّجَّاج: يجوزُ أن يكونَ هذا الخطابُ لأصحاب محمدٍ﴿ خاصَّةً؛ لأنَّ رسولَ اللّهِ ﴾ كان فيهم وهم يشاهدونه، ويجوز أن يكونَ هذا الخطابُ لجميع الأمة؛ لأنَّ آثارَه وعلاماتِه والقرآنَ الذي أُوتِيَّهِ(٢) فِينَا، فكأنَّ(٣) النبيَّ ﴾ فِينَا، وإنْ لم (٤) نشاهده. وقال قتادة: في هذه الآية عَلَمان بيِّنان: كتابُ اللّه، ونبيُّ اللّه. فأمّا نبيُّ اللّه فقد مَضَى، وأمّا كتابُ اللّه فأبقاه(٥) اللّهُ بين أظهرهم رحمةً منه ونعمةً، فيه حلالُه وحرامُه، وطاعتُه ومعصيتُه(٦). ﴿وَكَيْفَ﴾ في موضع نصب، وفُتحت الفاءُ عند الخليل وسيبويه لالتقاء الساكنين، واخْتِير لها الفتحُ، لأنَّ ما قبل الفاء ياء، فتَقُل أن يجمعوا بين ياء وكسرة(٧). قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْنَصِمٍ بِلَّهِ﴾ أي: يمتنع به(٨) ويتمسَّك بدينه وطاعته. ﴿فَقَدْ هُدِىَ﴾: وُفْقَ وأُرشد ﴿إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ابن جُريج: ﴿يَعْنَصِمِ بِاللَّهِ﴾: يؤمن به(٩). وقيل: المعنى: ﴿وَمَن يَعْنَصِم بِاللَّهِ﴾ أي: يتمسَّك بحبل الله، وهو القرآن. يقال: أَعصم به واعتصم، وتمسَّك واستمسك: إذا امتنع به من غيره. واعتصمتُ فلاناً: هيَّأْتُ له ما يَعتصِمُ به. وكلُّ متمسِّكِ بشيءٍ مُعْصِمٌ ومُعتصِمٌ. وكل مانع شيئاً فهو (١) أسباب النزول للواحدي ص١١٣، وأخرجه الطبري ٦٣٦/٥، وابن أبي حاتم (٣٨٩٨). (٢) في (د) و(خ) و(م): أوتي. (٣) في (د) و(م): مكان. (٤) معاني القرآن للزجاج ١ /٤٤٨، ونقله المصنف عنه بواسطة تفسير أبي الليث ٢٨٧/١ . (٥) في (م): فقد أبقاه. (٦) أخرجه الطبري ٦٣٤/٥، وابن أبي حاتم (٣٨٩٩). (٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٩٧/١ . (٨) لفظة (به) من (خ) و (ظ). (٩) أخرجه الطبري ٦٣٤/٥، وابن أبي حاتم (٣٩٠١). ٢٣٧ سورة آل عمران: الآيتان ١٠١ - ١٠٢ عاصم. قال الفرزدق(١): إذا مَا أَعْظَمُ الحَدَثانِ نَابَا أنا ابنُ العاصِمينَ بَنِي تَميم وقال النابغة : بالخَيْزُرانةِ بَعْدَ الأَيْنِ والنَّجَدِ (٢) يَظَلُّ من خوفه الملََّّحُ مُعْتصِماً وقال آخر: فأَشْرَطَ فيها نَفْسَه وهو مُعْصِمٌ وأَلقَى بأسبابِ له وتَوَّلا(٣) وعَصَمه الطعامُ: منعَ الجوعَ منه، تقول العرب: عَصَم فلاناً الطعامُ، أي: منعه من الجوع، فكَنَّوْا السَّوِيقَ بأبي عاصم لذلك. قال أحمد بن يحيى: العربُ تُسمِّ الخبزَ عاصماً وجابراً، وأنشد: فلا تلوميني ولُومِي جابرا فجابرٌ كلَّفني الهواجِرَا ويُسمُّونه عامراً. وأنشد : أبو مالكٍ يعتادُنِي بالظّهائرِ يجيءُ فيُلقي رَحْلَهُ عند عامِرٍ أبو مالك كنية الجوع(٤). قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ قَـ فيه مسألة واحدة: (١) ديوانه ص٩٩. (٢) ديوان النابغة الذبياني ص٣٦ . والخيزرانة: ذنب السفينة، وهو السُّكَّان الذي تسكَّن به السفينة، والأَيْن: الإعياء. والنَّجَد: العَرَق. القاموس (خزر) (أين) (نجد). (٣) قائله أوس بن حجر، والبيت في ديوانه ص٨٧. وقوله: فأشرط أي: أعلم وأعدّ. مختار الصحاح (شرط). (٤) تهذيب اللغة للأزهري ٥٨/٢ - ٥٩ . ٢٣٨ سورة آل عمران: الآية ١٠٢ رَوَى النحاس(١) عن مُرة عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّـهِ ﴾: ﴿حَقَّ تُقَائِهِ﴾ أَنْ يُطاعَ فلا يُعْصَى، وأَنْ يُذْكَرَ فلا يُنْسَى، وأَنْ يُشْكَرَ فلا يُكْفر))(٢). وقال ابن عباس: هو ألَّا يُعْصَى طَرْفةً عيْن(٣). وذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول اللّه، مَنْ يَقْوَى على هذا؟ وشقَّ عليهم، فأنزل اللّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَنَقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾. فنسخت هذه الآيةَ، عن قتادةَ والرَّبيع وابنٍ زيد (٤). قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ شيءٌ إلَّا هذه الآية(٥). وقيل: إنَّ قوله: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ بيانٌ لهذه الآية. والمعنى: فاتَّقوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ما اسْتَطَعْتُم (٦)، وهذا أصوب؛ لأنَّ النسخ إنما يكون عند عدم الجمع، والجمعُ ممكنٌ فهو أوْلَی. وقد رَوَى عليُّ بنُ أبي طلحة، عن ابن عباس قال: قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ قال: لم تُنسخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَائِهِ﴾ أنْ تُجاهدوا(٧) في اللّه (٨) حَقَّ جهادِه، ولا تَأْخُذْكم في اللّه لَوْمةُ لائم، وتقُوموا بالقسط ولو على أنفسكم (١) في (خ) و (ف) و (م): البخاري، وهو خطأ. والمثبت من (د) و (ظ). (٢) هو في الناسخ والمنسوخ له (٢٩٩) موقوف على ابن مسعود، وذكر أنه أصح ما روي في تفسير هذه الآية. وأخرجه موقوفاً النسائي في الكبرى (١١٨٤٧)، وابن المبارك في الزهد ص٨ ، وعبد الرزاق في تفسيره ١٢٩/١، وابن أبي شيبة ٢٩٧/١٣، والطبري ٦٣٧/٥، والطبراني في المعجم الكبير ٩/ (٨٥٠١) و(٨٥٠٢)، والحاكم ٢٩٤/٢ وصححه على شرط الشيخين، وأبو نعيم في الحلية ٢٣٨/٧ . قال ابن كثير: إسناد صحيح موقوف. (٣) تفسير الرازي ٨/ ١٧١. (٤) أخرج أقوالهم الطبري ٥/ ٦٤٢ - ٦٤٣ . (٥) تفسير البغوي ٣٣٣/١ . (٦) انظر المحرر الوجيز ٤٨٣/١. (٧) في (د) و (خ) و(م): يجاهد، وفي (ظ): يجاهدوا والمثبت من الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٣٠/٢. (٨) في (خ) و (ظ) و(م): في سبيل الله، والمثبت من (د)، وهو الموافق الناسخ والمنسوخ للنحاس. ٢٣٩ سورة آل عمران: الآيتان ١٠٢ - ١٠٣ وأبنائكم(١). قال النحاس(٢): وكلُّ ما ذُكِر في الآية؛ واجبٌ على المسلمين أن يستعملوه، ولا يقع فيه نسخٌ. وقد مضى في البقرة (٣) معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُثُّنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ ١٠٣ فيه مسألتان : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ﴾ العِصمة: المَنْعَة، ومنه يقال للبَذْرَقَة: عِضْمٌ. والبَذْرَقَةُ: الخَفَارَةُ للقافِلة، وذلك بأن يرسَلَ معها مَن يحميها ممَّن يُؤذيها. قال ابن خالويه: البّذْرَقَةُ ليست بعربية، وإنما هي كلمة فارسيَّة عرَّبتها العرب؛ يقال: بعثَ السلطانُ بَذْرَقَةٌ مع القافلة (٤). والحَبْل لفظ مشترك، وأصله في اللغة: السببُ الذي يُوصَل به إلى البُغية والحاجة(٥). والحَبْلُ: حَبْلُ العاتق(٦). والحَبْلُ: مستطيلٌ من الرمل، ومنه الحديث: واللّهِ ما تركتُ مِن حَبْلٍ إلا وقفتُ عليه، فهل لي مِن حَجِّ(٧)؟ والحَبْلُ: الرَّسَنُ. والحَبْل: (١) أخرجه أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٤٧٤)، والطبري ٦٤٠/٥ - ٦٤١، وابن أبي حاتم (٣٩١٠)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ ١٣٠/٢. (٢) الناسخ والمنسوخ ١٣٠/٢. (٣) ٢/ ٤١١ . (٤) انظر اللسان (بذق). (٥) تفسير الطبري ٥/ ٦٤٣ . (٦) حبل العاتق: عَصّب ما بين العنق والمنكب. انظر النهاية (عتق). (٧) هو من حديث عروة بن مضرِّس؛ أخرجه أحمد (١٦٢٠٨)، والترمذي (٨٩١)، والنسائي ٢٦٣/٥، وابن ماجه (٣٠١٦)، وقال الترمذي: حسن صحيح. ٢٤٠ سورة آل عمران: الآية ١٠٣ العهد، قال الأعشى(١): وإذا تُجَوِّزُها حِبالُ قَبيلةٍ أخذتْ مِنَ الأُخْرَى إليك حِبالَها يريد الأمان. والحَبْل: الداهية، قال كُثَيّر (٢): بُنُصْحِ أَتَى الواشُونَ أم بِحُبُولٍ فلا تعجَلِي يا عَزُّ أنْ تَتَفَهَّمِي والحِبَالة: حِبالةُ الصائد(٣). وكلُّها ليس مراداً في الآية إلا الذي بمعنى العهد، عن ابن عباس(٤). وقال ابن مسعود: حبلُ اللّه: القرآن(٥). ورواه عليّ وأبو سعيد الخدريُّ عن النبيِّ ﴾(٦). وعن مجاهد وقتادة مثل ذلك(٧). وأبو معاوية عن الهَجَريّ، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ﴿: ((إنَّ هذا القرآنَ هو حَبْلُ اللّه))(٨). ورَوَى بَقِيُّ(٩) بنُ مَخْلَد، حدَّثنا يحيى بنُ عبد الحميد، حدَّثنا هُشيم، عن العوَّامِ ابن حَوْشب، عن الشعبيِّ، عن عبد الله بن مسعود: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا نَفَرَّقُواْ﴾ قال: الجماعة، رُويّ عنه وعن غيره من وجوه(١٠)، والمعنى كلُّه متقارب (١) ديوانه ص٧٩ . (٢) في النسخ الخطية: لبید، والبيت في ديوان كثير ص٢٧٨ . (٣) انظر مجمل اللغة ٢٦٢/١. (٤) ذكره النحاس في معاني القرآن ١/ ٤٥٣ . (٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٦٤٦/٥ . (٦) حديث علي # أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩١٤)، وهو قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد (٧٠٤)، والترمذي (٢٩٠٦). وسلف ١٠/١. وحديث أبي سعيد الخدري ﴾ أخرجه الطبري ٦٤٦/٥. وأخرجه أحمد (١١١٠٤) بأطول منه. (٧) أخرجه الطبري ٥ / ٦٤٤ - ٦٤٥ . (٨) سلف مطولاً ١/ ١٢. (٩) في النسخ و(م): تقي، وهو خطأ، والخبر في التمهيد ٢٧٣/٢١، وعنه نقل المصنف، وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور في تفسيره (٥٢٠)، والطبري ٦٤٤/٥، والطبراني في المعجم الكبير ٩/ (٩٠٣٣). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣٢٦/٦ وقال: منقطع الإسناد. (١٠) ذكرها ابن عبد البر في التمهيد ٢١/ ٢٧٣.