النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة آل عمران: الآية ٦٤ بذلك لأنهم جعلوا أحبارَهم في الطاعة لهم كالأرباب. وقيل: هو لليهود والنصارى جميعاً(١)؛ وفي كتاب النبيِّ ﴾ إلى هِرقلَ: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ رسولِ اللّه إلى هِرقلَ عظِيمِ الرّوم، سلامٌ على من اتبع الهدى [أما بعدُ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام] أسلِمْ تسلّمْ [وأَسلِمْ] يؤتِك اللّهُ أجرَك مرتين، وإن تولَّتَ فإن عليك إثمَ الأريسيِّين، و﴿يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَتِ سَآَمٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. لفظُ مسلم (٢). والسواءُ: العدل والنَّصَفَة؛ قاله قتادة. وقال زهير: أَرُوني خُظَّةً لا ضَيْمَ فيها يُسَوَّى بيننا فيها السَّواءُ(٣) الفرَّاء(٤): ويقال في معنى العدل: سِوىّ وسُوىّ. فإذا فتحتَ السينَ مددتَ، وإذا كسرت أو ضممتَ؛ قصرتَ، كقوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوَّى﴾ [طه: ٥٨]. قال: وفي قراءة عبدالله: ((إلى كلمةٍ عدلٍ بيننا وبينكم))، وقرأ قَعْنَب: ((كِلْمَة)) بإسكان اللام، ألقى حركة اللام على الكاف؛ كما يقال: كِبْد(٥). فالمعنى: أجيبوا إلى ما دُعيتم إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميلٌ عن الحق؛ وقد فسَّرها بقوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾. فموضعُ ((أن)) خَفْضٌ على البدل من ((كلمة))، أو رفعٌ على إضمار مبتدأ، التقدير: هي أن لا نعبدَ إلا اللّه. أو تكون مفسِّرةً لا موضعَ لها، ويجوز مع ذلك في ((نعبد)» وما عُطف عليه الرفعُ والجزم: فالجزم على أن تكون ((أن)) مفسِّرة بمعنى ((أي))، كما قال عزَّ وجلَّ: ﴿أَن (١) تفسير الطبري ٥/ ٤٧٣، والمحرر الوجيز ٤٤٨/١. (٢) صحيح مسلم (١٧٧٣) وما بين حاصرتين منه، وهو عند أحمد (٢٣٧٠)، والبخاري (٧) وهو جزء من حديث طويل لابن عباس رضي الله عنهما. (٣) معاني القرآن للنحاس ٤١٨/١، وللزجاج ٤٢٥/١، والبيت في ديوان زهير بشرح ثعلب ص ٨٤ برواية: أرونا سنة لا عيب فيها . (٤) معاني القرآن ٢٢٠/١، وتفسير البغوي ٣١١/١. (٥) معاني القرآن للفراء ٢٢٠/١، والقراءات الشاذة ص٢٣،٢١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٨٣/١، والمحرر الوجيز ٤٤٩/١. قعنب: هو أبو السَّمَّال، وسلف ذكر القراءة عنه ص ١١٥ . ١٦٢ سورة آل عمران: الآية ٦٤ آَمْشُواْ﴾ [ص: ٦]، وتكون ((لا)) جازمة؛ هذا مذهبُ سيبويه. ويجوز على هذا أن ترفع ((نعبد)) وما بعده، ويكون(١) خبراً، ويجوز الرفعُ بمعنى: أنه لا نعبدُ؛ ومثلُه: ﴿أَلَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَمُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩]. وقال الكسائيُّ والفرَّاء: ((وَلَا نُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً وَلَا يَتّخِذْ)) بالجزم على التوهُّم أنه ليس في أوَّلِ الكلام ((أن)(٢). الثانية: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: لا نتَّبعه في تحليلِ شيءٍ أو تحريمه إلَّا فيما حلَّله اللّه تعالى، وهو نظير قوله تعالى: ﴿اَّخَذُوّا أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. معناه: أنَّهم أنزلوهم منزلةَ ربِّهم في قَبول تحريمهم وتحليلهم لِمَا لم يحرِّمْه اللّه ولم يُحِلَّه اللّه. وهذا يدلُّ على بطلان القول بالاستحسان المجرَّد الذي لا يستندُ إلى دليل شرعيّ؛ قال الكيا الطبريُّ (٣): مِثل استحسانات أبي حنيفةً في التقديرات التي قدَّرها دون مستَنَّدَاتٍ بَيِّنة . وفيه رةٌّ على الرَّوافض الذين يقولون: يجب قَبول قول الإمام دونَ إبانةٍ مُسْتَنَدٍ شرعيّ، وأنه يُحِلُّ ما حرَّمه الله من غير أن يُبيِّنَ مسْتَنداً من الشريعة. وأرباب: جمع رب. و((دون)) هنا بمعنى غير. الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي: أَعْرَضوا عما دُعوا إليه. ﴿فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَا مُسْلِمُونَ﴾ أي: متَّصفون بدين الإسلام، مُنْقادون لأحكامه، معترفون بما لِلّه علينا في ذلك من المِنّن والإنعام(٤)، غيرُ متَّخذين أحداً ربّاً، لا عيسى ولا عُزَيراً ولا الملائكة؛ لأنهم بشرٌ مثلُنا، مُحدَث كحدوثنا، ولا نقبل من الرُّهبان شيئاً بتحريمهم علينا ما لم يحرِّمه اللّه علينا، فتكونَ قد اتخذناهم أرباباً . (١) في (م): يكون، والكلام من إعراب القرآن للنحاس ٣٨٤/١. (٢) معاني القرآن للفراء ٢٢٠/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٨٣/١ - ٣٨٤، ومشكل إعراب القرآن لمكي ١/ ١٦٢. (٣) أحكام القرآن ٢٨٨/١ (٤) المفهم ٦٠٩/٣ ١٦٣ سورة آل عمران: الآيتان ٦٤ - ٦٥ وقال عكرمة: معنى ((يَتَّخِذَ)): يسجد(١). وقد تقدَّمَ أن السجودَ كان إلى زمن النبيِّ ﴾، ثم نهى النبيُّ لَ﴾(٢) مُعَاذَاً لمّا أراد أن يسجدَ؛ كما مضى في البقرة بيانُه(٣). وروى أنسُ بن مالك قال: قلنا يا رسول اللّه، أينحني بعضنا لبعض؟ قال: ((لا)) قلنا: أيعانق بعضُنا بعضاً؟ قال: ((لا، ولكن تصافحوا)) أخرجه ابن ماجه في سننه (٤). وسيأتي لهذا المعنى زيادةُ بيانٍ في سورة يوسف إن شاء اللّه(٥). وفي ((الواقعة)) مسُّ القرآنِ أو بعضِه على غير طهارة إن شاء اللّه تعالى(٦). قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُونَ فِىَ إِْرَهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَةُ وَاُلْإِنجِيلُ إِلَّ مِنْ بَعْدِهِةٍ أَفَلاَ تَمْقِلُونَ ٦٥ قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَكَُّّونَ فِىَ إِّرَهِيمَ﴾ الأصل ((لِمَا)) فحُذِفَتِ الألفُ فرقاً بين الاستفهام والخبر(٧). وهذه الآية نزلَتْ بسبب دعوى كلِّ فريق من اليهود والنصارى أن إبراهيم كان على دينه، فَأَكْذَبَهُمُ اللّهُ تعالى بأنَّ اليهوديةَ والنصرانيةَ إنما كانتا من بعده؛ فذلك قوله: ﴿وَمَّا أُنزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنجِيلُ إلَّا مِنْ ج بعدون﴾. (١) أخرجه الطبري ٤٨٠/٥، وابن أبي حاتم (٣٦٣٥). (٢) في (خ) و(ظ): ثم نهى عنه ﴾. (٣) ١/ ٤٣٧ . (٤) برقم (٣٧٠٢)، وهو عند أحمد (١٣٠٤٤)، والترمذي (٢٧٢٨)، وابن عدي في الكامل ٨٢٨/٢. قال الحافظ في التلخيص الحبير ١٤٩/٣: حسنه الترمذي، واستنكره أحمد، لأنه من رواية السدوسي (وهو حنظلة بن عبدالله) وقد اختلط، وتركه يحيى القطان. (٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَخَرُواْ لَهُ سُبَّدًا﴾ [الآية: ١٠٠]. (٦) عند قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَشُهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الآية: ٧٩]، ويبدو أن المصنّف قد ذكر هذا تعقيباً على كتاب النبي # إلى هرقل، وأن هرقل قد أمسكه وفيه آيات من القرآن الكريم، وقال أبو العباس القرطبي في المفهم ٣/ ٦١٠ في هذا الحديث: وفيه دليل على جواز مس الجنب والكافر كتب الفقه والتفسير وإن كان فيها قرآن، لأن القرآن فيها تابع لغيره، بخلاف ما إذا كان القرآن وحده، فلا يجوز للجنب ولا للكافر أن يمسًا منه شيئاً. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٤/١. ١٦٤ سورة آل عمران: الآيتان ٦٥ - ٦٦ قال الزَّجَّاج(١): هذه الآية أبْيَنُ حجةٍ على اليهود والنصارى؛ إذٍ (٢) التوراةُ والإنجيلُ أُنْزِلا من بعده، وليس فيهما اسمه بواحد (٣) من الأديان، واسمُ الإسلام [له] فِي كلِّ كتاب. ويقال: كان بين إبراهيمَ وموسى ألفُ سنةٍ، وبين موسى وعيسى أيضاً ألفُ سنةٍ(٤). ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ دحوضَ حُجَتِكم وبطلانَ قولِكم. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿هَكَنتُمْ هَؤُلَاءٍ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ، عِلَمٌ فَلِمَ تُحَاجُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلَمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿هَكَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ حَجَجْتُمْ﴾ يعني في أمر محمد ﴾؛ لأنهم كانوا يَعْلَمُونه فيما يجدون من نعته في كتابهم، فحاجُوا فيه بالباطل ﴿فَلِمَ تُحَكُونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلّ﴾ يعني دعواهم في إبراهيمَ أنَّه كان يهوديّاً أو نصرانياً(٥). والأصلُ في ((ها أنتم)): أأنتم، فأُبدل من الهمزة الأولى هاءٌ؛ لأنها أختُها. عن أبي عمرو بنِ العلاء والأخفش. قال النخَّاس(٦): وهذا قولٌ حسنٌ. وقرأ قُنْبُل عن ابن كثير: ((هَأَنْتُم)) مثل: هَعَنْتُم(٧). والأحسن منه(٨) أن يكون الهاءُ (١) معاني القرآن ٤٢٦/١ ، وما سیرد بین حاصرتین منه. (٢) في النسخ الخطية: أن، والمثبت من (م). (٣) في النسخ الخطية: وليس فيها اسم لواحد، وفي (م): وليس فيهما اسم لواحد، والمثبت من معاني القرآن، والوسيط ١/ ٤٤٧. (٤) كذا وقع في النسخ، والذي في تفسير البغوي ٣١٢/١: ألفا سنة، وذكر الثعلبي في عرائس المجالس ص٣٧٤ أنه بين عمران أبي موسى عليه السلام وعمران والد مريم ألف وثمان مئة عام، وذكر ابن حبيب في المحبَّر ص١، أنه من موسى إلى داود خمس مئة وتسعون سنة، ومن داود إلى عيسى ألف وثلاث وخمسون سنة ، والله أعلم. (٥) تفسير البغوي ٣١٣/١. (٦) إعراب القرآن ٣٨٤/١، وما قبله منه دون ذكر الأخفش، ونقله عن الأخفشِ البغويُّ ٣١٢/١. (٧) السبعة ص ٢٠٧ . وانظر التيسير ص٨٨ . وقنبل: هو محمد بن عبد الرحمن المخزومي مولاهم، المكي، إمام في القراءة، راوي ابن كثير المكي، مات سنة (٢٩١ هـ). السير ١٤ / ٨٤. (٨) في (خ) و(ظ): فيه. ١٦٥ سورة آل عمران: الآية ٦٦ بدلاً من همزةٍ، فيكون أصلُه: أأنتم. ويجوز أن تكون ((ها)) للتنبيه؛ دخلت على ((أنتم))، وحُذِفَت الألفُ لكثرة الاستعمال. وفي ((هؤلاءِ)) لغتان: المدُّ والقصرُ (١). ومن العرب من يَقْصُرُها. وأنشد أبو حاتم: لعمركَ إنّا والأحاليفُ هاؤلا لفي محنةٍ أظفارُها لم تُقَلَّمِ (٢) وهؤلاء ها هنا في موضع النداء، يعني: يا هؤلاء. ويجوز ((هؤلاء)) خبر أنتم، على أن يكون أولاء بمعنى الذين، وما بعده صلة له، ويجوزُ أن يكونَ خبرُ ((أنتم)): حاججتُم. وقد تقدَّم هذا في ((البقرة))(٣) والحمد لله. الثانية: في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علمَ له، والحظرِ على من لا تحقيقَ عندَه، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿هَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ، عِلَمٌ فَلِمَ تُحَآَجُونَ فِيمَا لَيَسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمَّ﴾. وقد وَرَدَ الأمرُ بالجِدال لمن عَلِم وأَيْقَنَ (٤)؛ فقال تعالى: ﴿وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [النحل: ١٢٥]. ورُوي عن النَّبِيِّ ﴾ أنه أتاه رجلٌ أنكر ولدَه، فقال: يا رسولَ اللّه، إنَّ امرأتي ولدَتْ غلاماً أسودَ، فقال رسول اللّه ﴾: «هل لك مِن إبل؟)) قال: نعم. قال: ((ما ألوانُها؟)) قال: حُمْرٌ: قال: ((هل فيها مِنْ أَوْرَقَ؟)) قال: نعم. قال: ((فِمن أين ذلك؟)) قال: لعلَّ ◌ِرْقاً نَزَعَه. فقال رسولُ اللّه ◌ِ﴾: ((وهذا الغلامُ لعلَّ عِرقاً نَزَعَه))(٥). وهذا حقيقةُ الجدالِ، ونهايةٌ في تبيين الاستدلال من رسول اللّه ◌ِ﴾ .. (١) انظر الحجة للفارسي ٤٦/٣ - ٤٧ و٥١، والمحرر الوجيز ٤٥٠/١. (٢) قائله أوس بن حجر، وهو في ديوانه ص ١٢٠، والمعاني الكبير لابن قتيبة ٨٩٨/٢ وشرح ديوان زهير للأعلم الشنتمري ص٢٢، برواية: حقبة، بدل: محنة . قال ابن قتيبة: أي نحن في حرب. وأظفارها كناية عن السلاح. قال الأعلم الشنتمري: أول من كنى بالأظفار عن السلاح أوس بن حجر. (٣) ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨، وينظر معاني القرآن للزجاج ١/ ١٦٧، وإعراب القرآن للنحاس ٢٤٣/١. (٤) في (ظ): وأتقن. (٥) أخرجه أحمد (٧١٨٩)، والبخاري (٥٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠) من حديث أبي هريرة ، والأورق: الأسمر. وقوله: لعل عرقاً نزعه، يقال: نزع إليه في الشبه، إذا أشبهه. النهاية (ورق) (نزع). ١٦٦ سورة آل عمران: الآيتان ٦٧ - ٦٨ قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِنَزَهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَائِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ ٦٧ مِنَ الْمُشْرِكِينَ نزَّهه تعالى من دعاويهم الكاذبةِ، وبيَّنَ أنه كان على الحنيفيَّة الإسلاميَّة، ولم يكن مشركاً. والحنيفُ: الذي يوحِّدُ ويحجُّ ويُضَحِّي ويختِتنُ ويستقبل القبلة(١). وقد مضى في ((البقرة)) اشتقاقُه(٢). والمسلِمُ في اللغة: المتذلِّلُ لأمر اللّه تعالى المنطاعُ له. وقد تقدَّم في ((البقرة)) معنى الإسلام مستوفىّ(٣) والحمد لله. قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنَهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ١٦٨ قال ابن عباس: قال رؤساء اليهود: والله يا محمد، لقد علمتَ أنَّا أَولى الناسِ بدين إبراهيمَ منك ومن غيرك، وإنه(٤) كان يهوديّاً، وما بك إلا الحسدُ، فأنزل الله تعالى هذه الآية(٥). ﴿أَوْلى﴾ معناه أحقُّ، قيل: بالمعونة والنصرة. وقيل: بالحجة(٦). ﴿لَلَّذِينَ أَتَّبَهُوهُ﴾ على مِلَّته وسنَّته. ﴿وَهَذَا النَّبِىُّ﴾ أفردَ ذكرَهُ تعظيماً له؛ كما قال: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. وقد تقدَّم في ((البقرة)) هذا المعنى مستوفىّ(٧). و((هذا)) في موضع رفعٍ عطفُ(٨) على الذين، و((النبيُّ)) نعتٌ لـ ((هذا))، أو بدل(٩)، (١) تفسير البغوي ١/ ٣١٣. (٢) ٢ / ٤١٤ . (٣) ٢/ ٤٠٧ . (٤) في (م): فإنه. (٥) أسباب النزول للواحدي ص١٠٠ . (٦) مجمع البيان ١١٠/٣ . (٧) ٢٦٢/٢، ١٧٤/٤ - ١٧٥ . (٨) في (خ) و(ظ): على العطف . (٩) قوله: أو بدل، من (خ) و(ظ)، وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في مشكل إعراب القرآن ١٦٢/١، والكلام منه. ١٦٧ سورة آل عمران: الآيتان ٦٨ - ٦٩ أو عطفُ بيان، ولو نُصب لكان جائزاً في الكلام عطفاً على الهاء في ((اتبعوه)). ﴿وَّهُ وَبِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ناصرُهم. وعن ابن مسعود أن النبيَّ﴾ قال: ((إنَّ لكل نبيٍّ ولاةً من النبيين، وإنَّ ولِيِّيَ منهم أبي وخليلُ ربي، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِزَهِيمَ لَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَِّىُّ﴾))(١) . قوله تعالى: ﴿وَدَتِ طَآَبِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾ نزلت في معاذ بن جبلٍ وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسرٍ؛ حين دعاهم اليهود من بني النضير وقريظة وبني قينقاع إلى دينهم. وهذه الآيةُ نظيرُ قولهِ تعالى: ﴿وَذَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا﴾(٢) [البقرة: ١٠٩]. و(مِنْ)) على هذا القول للتبعيض. وقيل: جميع أهل الكتاب. فتكونُ ((مِنْ)) لبيان الجنس(٣) . ومعنى ((لَوْ يُضِلُّونَكُم)) أي: يُكسبونكم المعصية بالرجوع عن دين الإسلام والمخالفة له. وقال ابن جرير(٤): ((يُضِلُّونكم)) أي: يهلكونكم؛ ومنه قول الأخطل: قَذَفَ الْأَتِيُّ به فضلَّ ضلالا(٥) كُنْتَ الْقَذَی في مَوْجِ أكْدَرَ مُزْبِدٍ أي: هلك هلاكاً . ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ﴾ نفيٌ وإيجاب. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: يفطنون أنهم لا يَصِلُون إلى إضلال المؤمنين. وقيل: ((وما يشعرون)) أي: لا يعلمون بصحة الإسلام، (١) أخرجه أحمد (٣٨٠٠)، والترمذي (٢٩٩٥)، والطبري ٤٩٨/٦ . (٢) أسباب النزول للواحدي ص ١٠٤، وتفسير البغوي ٣١٥/١، ونسبه ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب ٢/ ٦٩٢ لمقاتل بن سليمان. (٣) المحرر الوجيز ٤٥٢/١. (٤) في النسخ: ابن جريج، ولم نقف عليه من قول ابن جُرِيج، ولعلها سبق قلم من المصنف رحمه الله، وهو قول الطبري في تفسيره ٦/ ٥٠٠، ونقله عنه ابن عطية في المحرر ٤٥٢/١. (٥) ديوانه ص٥٠، والأتيُّ: اليل الذي يأتي من بلد مُطر فيه إلى بلد لم يُمطر فيه. اللسان (أتى). ١٦٨ سورة آل عمران: الآيات ٦٩ - ٧٢ وواجب عليهم أن يعلموا؛ لأن البراهينَ ظاهرةٌ والحججَ باهرةٌ(١)، والله أعلم. ٧٠ قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أي: بصحة الآيات التي عندكم في كتبكم؛ عن قتادة والسُّدي(٢). وقيل: المعنى: وأنتم تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء التي أنتم مُقِرُّون بها . قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ اللَّبْس: الخَلْط، وقد تقدّم في البقرة(٣)، ومعنى هذه الآية والتي قبلها معنى تلك (٤). ﴿وَتَكْثُمُونَ الْحَقّ﴾ ويجوز: ((وتكتموا)) على جواب الاستفهام(٥). ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة في موضع الحال. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ ظَِّفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ءَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَاْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بنِ الصّيف وغيرهما، قالوا للسَّفِلة من قومهم: آمِنوا بالذي أُنزل على الذين آمنوا وجه النهار، يعني أولَه (٦). وسُمّيَ وجهاً؛ لأنه أحسنُه، وأول ما يُواجَه منه أولُه. قال الشاعر: وتُضيءُ في وجه النهارِ منيرةً كجُمانةِ البَحْرِيِّ سُلَّ نظامُها(٧) (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٥/١. (٢) تفسير الطبري ٤٩١/٥ - ٤٩٢، والمقصود بالآيات هنا: نعت النبي 8# وأنه موجود في كتبهم، وهم یشهدون بذلك ثم یکفرون به وینکرونه. (٣) ١٩/٢ . (٤) في (د) و (م): ذلك. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٦/١ . (٦) ينظر تفسير أبي الليث ١/ ٢٧٧ . (٧) معاني القرآن للنحاس ٤٢٠/١، والبيت للبيد بن ربيعة، وهو في ديوانه ص٣٠٩، وفيه: الظلام، = ١٦٩ سورة آل عمران: الآية ٧٢ وقال آخر : مَنْ كان مسروراً بمقتل مالكٍ فليأتِ نسوتَنا بوجه نهارٍ (١) وهو منصوب على الظرف، وكذلك («آخرَه)). ومذهب قتادةً أنهم فعلوا ذلك ليُشكِّكُوا المسلمين(٢) . والطائفة الجماعة، من: طاف يطوف، وقد يستعمل للواحد على معنى نفس طائفة. ومعنى الآية: أن اليهود قال بعضهم لبعض: أَظْهِرُوا الإيمان بمحمد في أول النهار، ثم اكفروا به آخرَه؛ فإنكم إذا فعلتُم ذلك ظهر لمَنْ يتبعه ارتيابٌ في دينه، فيرجعون عن دينه إلى دينكم، ويقولون: إنَّ أهل الكتاب أعلمُ به منا(٣). وقيل: المعنى: آمِنوا بصلاته في أول النهار إلى بيت المقدس، فإنه الحقّ، واكفُروا بصلاته آخِرَ النهار إلى الكعبة لعلهم يرجعون إلى قِبْلتكم. عن ابن عباس وغيره(٤). وقال مقاتل: معناه: أنهم جاؤوا محمداً ﴿ أوَّلَ النهار، ورجعوا من عنده فقالوا للسَّفِلَةِ: هو حقٌّ فاتَّبِعوه، ثم قالوا: حتى ننظرَ في التوراة، ثم رجعوا في آخر النهار فقالوا: قد نظرنا في التوراة فليس هو به. يقولون: إنه ليس بحقِّ، وإنما أرادوا أن يُكَبِّسُوا على السَّفِلَةِ، وأن يُشكِّكُوا فيه(٥). = بدل: النهار. وقوله: كجُمانة البحري؛ قال شارح الديوان: لؤلؤة الغواص الصغيرة. وقوله: سُلَّ نظامها: خيطها. (١) البيت للربيع بن زياد العبسي، وقد أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٩٧، والطبري في تفسيره ٥٠٩/٦، والزجاج في معاني القرآن ٤٢٩/١، والبغدادي في خزانة الأدب ٣٦٩/٨. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٦/١. (٣) ينظر زاد المسير ٤٠٥/١ . (٤) ينظر معاني القرآن للزجاج ٤٢٩/١، وأخرج قول ابن عباس الطبريُّ في تفسيره ٥٠٨/٦ . (٥) تفسير أبي الليث ١/ ٢٧٧ . ١٧٠ سورة آل عمران: الآية ٧٣ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْقََّ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ بُعَتُوُنْ عِندَ رَبَّكُمْ قُلْ إِنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اللَهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ. وَسِعُ عَلِيمٌ (٧٣) قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ هذا نهيٌّ، وهو من كلام اليهود بعضِهم لبعض. أي: قال ذلك الرؤساء للسَّفِلَة. وقال السُّدِّيّ: من قول يهود خيبر ليهود المدينة(١). وهذه الآية أشكلُ ما في السورة(٢). فرُوِيَ عن الحسن ومجاهد أن معنى الآية: ولا تؤمنوا إلا لمَنْ تَبعَ دينَكم، ولا تؤمنُوا أن يُحاجُوكم عندَ ربِّكم؛ لأنهم لا حُجَّةَ لهم، فإنكم أصحُّ منهم دِيناً(٣). و((أن يحاجُوكم)) (٤) في موضع خفض، أي: بأنّ يُحاجُوكم، أي: باحتجاجهم(٥). أي: لا تصدِّقوهم في ذلك، فإنهم لا حجةً لهم أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ من التوراة والمَنِّ والسَّلْوى وفَرْقِ البحر، وغيرِها من الآيات والفضائل(٦). فيكون: ((أن يؤتى)) مؤخّراً بعد: ((أو يُحَاجُوكم))، وقوله: ((إنّ الْهُدَى مُدی الله)) اعتراضٌ بین کلامین(٧). وقال الأخفش: المعنى: ولا تؤمنوا إلا لِمَنْ تَبعَ دينكم، ولا تؤمنوا أنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم، ولا تُصدِّقوا أنْ يُحاجُوكم، يذهب إلى أنه معطوف(٨). وقيل: المعنى: ولا تؤمنوا إلا لمَنْ تَبِعَ دينكم، أنْ يُؤتَى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم، بالمدّ (٩) على الاستفهام أيضاً؛ تأكيدٌ للإنكار الذي قالوه: إنه لا يُؤتى أحدٌ مثلَ ما (١) النكت والعيون ١/ ٤٠١، والقول الأول عنده من كلام السَّدِّيّ، والثاني من كلام الحسن. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٦/١. (٣) ينظر الوسيط للواحدي ٤٥٠/١، وتفسير البغوي ٣١٦/١. (٤) يعني في قول الحسن ومجاهد: ولا تؤمنوا أن يُحاجُّوكم، ووقع في (م): وأن ويحاجُّوكم، وهو خطأ. (٥) ينظر الوجيز للواحدي - بهامش مراح لبيد ١/ ١٠٤. (٦) ينظر تفسير أبي الليث ١/ ٢٧٧، وتفسير البغوي ٣١٦/١. (٧) المحرر الوجيز ١ / ٤٥٤ . (٨) معاني القرآن للأخفش ١/ ٤١١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٨٧/١ وعنه نقل المصنف. (٩) في (د) و (م): فالمدّ. ١٧١ سورة آل عمران: الآية ٧٣ أُوتوه؛ لأن علماء اليهود قالت لهم: لا تؤمنوا إلا لمَنْ تَبَعَ دينكم أنْ يؤتى أحدٌ مثل ما أُوتيتم، أي: لا يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، فالكلام على نسقه. و ((أنْ)) في موضع رفعٍ على قول مَنْ رفع في قولك: أزيدٌ ضربتَه، والخبر محذوف تقديره: أنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلِ ما أُوتيتم تصدِّقون أو تُقرُّون، أي: إيتاء موجود مصدَّقٌ أو مُقَرِّ به، أي: لا تصدِّقون بذلك. ويجوز أن تكون ((أنْ)) في موضع نصب على إضمار فعل، كما جاز في قولك: أزيداً ضربته، وهو (١) أقوى في العربية؛ لأن الاستفهام بالفعل أوْلى، والتقدير: أتقرُّون أنْ يؤتى، أو: أَتُشِيعون ذلك، أو: أَتَذْكرون ذلك ونحوه(٢). وبالمدّ قرأ ابنُ كثير(٣) وابن مُحَيصِن وحميد. وقال أبو حاتم: ((آن)) معناه: أَلِأَنْ (٤)، فحذفت لام الجرِّ استخفافاً، وأُبدلت مَدَّةٌ، كقراءة مَنْ قرأ: ((آنْ كَانَ ذَا مَالٍ))(٥) [القلم: ١٤] أي: أَلِأن. وقوله: ((أو يُحَاجُّوكُم)) على هذه القراءة رجوعٌ إلى خطاب المؤمنين. و(٦) تكون ((أو)) بمعنى ((أَنْ))؛ لأنهما حَرْفا شكٌّ وجزاء، يوضَع أحدُهما موضعَ الآخر. وتقدير الآية: وأن يحاجُوكم عند ربِكم يا معشر المؤمنين، فقل یا محمد: إن الهدى هدى اللّه ونحن عليه(٧). ومَنْ قرأ بترك المدّ قال: إن النفي الأول دلَّ على إنكارهم في قولهم: ولا تؤمنوا. فالمعنى: أن علماء اليهود قالت لهم: لا تصدقوا بأنْ يُؤْتَى أحدٌ مثل ما أُوتيتم(٨). (١) في (د) و (م): وهذا. (٢) الكشف عن وجوه القراءات ٣٤٧/١ - ٣٤٨ . (٣) السبعة ص٢٠٧، والتيسير ص٨٩، وقال أبو عمرو في البيان ٢/ ٨١: قرأ ابن كثير ((أن يؤتى)) على الاستفهام بهمزة محققة بعدها همزة مسهلة بين بين من غير ألف فاصلة بينهما على مذهبه في جميع الاستفهام، وقرأ الباقون على الخبر بهمزة واحدة محققة من غير مدّ. (٤) في (د) و (ظ): لأن. (٥) قرأ أبو بكر وحمزة: أَأَن كان، بهمزتين محققتين، وابن عامر بهمزة ومدة، وابن ذكوان دون هشام في المدّ، والباقون بهمزة واحدة مفتوحة على الخبر. التيسير ص٢١٣، وانظر السبعة ص٦٤٦ . (٦) في (د) و(م): أو. (٧) تفسير البغوي ٣١٦/١. (٨) الكشف عن وجوه القراءات ٣٤٨/١. ١٧٢ سورة آل عمران: الآية ٧٣ أي: لا إيمان لهم ولا حجَّة، فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمنِّ والسلوى وفَلْق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات. أي: إنها لا تكون إلا فيكم، فلا تؤمنوا أنْ يُؤتى أحدٌ مثلَ ما أُوتيتم إلا مَنْ تبع دينكم، فالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة، واللام زائدة(١)، و((مَن)) استثناء(٢)؛ ليس من الأول، وإلا لم يجز الكلام. ودخلت ((أَحَدٌ)) لأن أول الكلام نفي، فدخلت في صلة فـ((أنْ))، لأنه مفعول الفعل المنفي، فـ((أنْ)) في موضع نصب؛ لعدم الخافض. وقال الخليل: ((أنْ)) في موضع خفض بالخافض المحذوف. وقيل: إن اللام ليست بزائدة، و(تُؤمِنُوا)) محمول على تُقِرُّوا(٣). وقال ابن جُريج: المعنى: ولا تؤمنوا إلا لمَنْ تبع دينكم؛ كراهيةً أن يُؤتَى أحدٌ مثل ما أُوتيتم. وقيل: المعنى: لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد ﴿ إلا لِمَنْ تَبعَ دينكم؛ لئلا يكون طريقاً إلى عَبدَة الأوثان إلى تصديقه(٤). وقال الفرَّاء(٥): يجوز أن يكون قد انقطع كلامُ اليهود عند قوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ ثم قال لمحمد ﴿: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اَللَّهِ﴾. أي: إن البيان الحقَّ هو بيانُ اللّه عزَّ وجلَّ ﴿أَن يُؤْنَ أَحَدٌ مِثْلَ مَآَ أُوتِيتُمْ﴾؛ بيّن أنْ لا يُؤتى أحدٌ مثل ما أُوتِيتُم، و((لا)) مقدرة بعد ((أن) أي: لئلا يؤتى، كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ ﴾ [النساء: ١٧٦] أي: لئلا تضلوا. فلذلك صلح(٦) دخول ((أحد)) في الكلام. و((أو)) بمعنى ((حتى)) و((إلا أن))؛ كما قال امرؤ القيس: (١) معاني القرآن للنحاس ٤٢٢/١. (٢) في (د) و(ظ) و(م): استثنى، وانظر الدر المصون ٢٥١/٣ وما بعدها. (٣) ينظر الحجة للفارسي ٥٢/٣ - ٥٥، والكشف عن وجوه القراءات ٣٤٨/١. (٤) ينظر النكت والعيون ١/ ٤٠١ وفيه: أنهم نُهوا أن يؤمنوا إلا لمن تبع دينهم؛ لئلا يكون طريقاً لعبدة الأوثان إلى تصديقه. وقال: هذا قول الزجاج. (٥) معاني القرآن له ٢٢٢/١ - ٢٢٣، وإعراب القرآن للنحاس ٣٨٧/١، وعنه نقل المصنف. (٦) في النسخ: صلحت، والمثبت من (م). ١٧٣ سورة آل عمران: الآية ٧٣ نحاول مُلكاً أو نموتَ فتُعذّرا(١) فقلتُ له لا تَبكِ عَيْنُك إنما وقال آخر: كَسَرْتُ كُعُوبَها أو تستقيما(٢) وكنتُ إذا غَمِزْتُ قَناةً قومٍ ومثلُه قولهم: لا نلتقي أو تقومَ الساعة، بمعنى: ((حتى)) أو: ((إلى أن))، وكذلك مذهب الكسائيّ(٣). وهي عند الأخفش عاطفةٌ على ((وَلَا تُؤْمِنُوا)) وقد تقدَّم. أي: لا إيمانَ لهم ولا حجَّة، فعطف على المعنى. ويحتمل أن تكون الآية كلُّها خطاباً للمؤمنين من اللّه تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم، والتشحيذ لبصائرهم؛ لئلا يشكّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم. والمعنى: لا تصدِّقوا يا معشر المؤمنين إلا مَنْ تَبعَ دينكم، ولا تُصدِّقوا أنْ يُؤتى أحدٌ مثل ما أُوتيتم من الفضل والدِّين، ولا تُصدِّقوا أنْ يُحاجُّوكم(٤) في دينكم عند ربِّكم مَنْ خالفَكم أو يقدرون(٥) على ذلك؛ فإن الهدى هدى اللّه، وإنَّ الفضلَ بيد اللّه(٦). قال الضحَّاك: إن اليهود قالوا: إنا نُحاجُ عند ربِّنا مَنْ خالفَنا في ديننا، فبيَّنَ اللّه تعالى أنهم هم المُدْحَضُون المعذّبون، وأن المؤمنين هم الغالبون(٧). ومحاجّتُهم خصومتُهم يوم القيامة، ففي الخبر عن رسول اللّه ﴾: ((إن اليهود والنصارى يُحاجُونا عند ربّنا، فيقولون: أعطيتنا أجراً واحداً وأعطيتَهم أجرَيْن فيقول: هل ظلمتُكم من حقوقكم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: فإن ذلك فَضْلي أُوتيه مَنْ أشاء)»(٨). (١) معاني القرآن للنحاس ٤٢٣/١، وبيت امرئ القيس في ديوانه ص٦٦. (٢) نسبه سيبويه في الكتاب ٤٨/٣، وابن الشجري في أماليه ٧٨/٣ لزياد الأعجم، وليس في ديوانه. (٣) انظر النكت والعيون ١/ ٤٠٢. (٤) في (م) یحاجکم. (٥) كذا في النسخ الخطية، وفي (م): يقدر. (٦) تفسير البغوي ١/ ٣١٧. (٧) أورده الطبرسي في مجمع البيان ١١٧/٣، وفيه: المغلوبون، بدل: المعذبون. (٨) أخرجه بنحوه أحمد (٥٩٠٢) والبخاري (٢٢٦٩) من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. ١٧٤ سورة آل عمران: الآية ٧٣ قال علماؤنا: فلو علموا أنَّ ذلك من فضل اللّه لم يُحاجُونا عند ربِّنا، فأعلمَ اللّه نبيّهَ﴿ أنهم يحاجُونكم(١) يومَ القيامة عند ربّكم، ثم قال: قلْ لهم الآن: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيِّدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَدَةُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾. وقرأ ابن كثير: ((آنْ يُؤتى)) بالمدّ على الاستفهام(٢)، كما قال الأعشى: أَأَنْ رَأَتْ رجلاً أغْشَى أضَرَّ بهِ رَيْبُ المَنُونِ ودَهْرٌ مُثْبِلٌ خَبِلُ(٣) وقرأ الباقون بغير مدٍّ على الخبر(٤). وقرأ سعيد بن جبير: ((إِنْ يُؤتى)) بكسر الهمزة، على معنى النفي(٥)، ويكون من كلام اللّه تعالى كما قال الفرَّاء، والمعنى: قل يا محمد: إن الهُدَى هدَى اللّه إنْ يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، أو يحاجُّوكم عند ربّكم - يعني اليهود - بالباطل، فيقولون: نحن أفضلُ منكم(٦). ونصب ((أو يحاجُّوكم)) يعني بإضمار ((أن))، و((أو)) تضمر بعدها ((أن)) إذا كانت بمعنى: ((حتى) و ((إلا أن)). وقرأ الحسن ((أن يُؤْتِيَ)) بكسر التاء وياء مفتوحة، على معنى: أن يُؤْتِيَ أحدٌ أحداً مثلَ ما أُوتيتم، فحذف المفعول(٧). قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اَللَّهِ﴾ فيه قولان: أحدُهما: أن الهدى إلى الخير والدلالة إلى اللّه عزَّ وجلَّ بيد الله جلَّ ثناؤه يؤتيه أنبياءَه، فلا تنكروا أن يُؤتى أحدٌ سواكم مثلَ ما أُوتيتم، فإنْ أنكروا ذلك، فقل لهم: ﴿إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾. (١) في النسخ: يحاجوكم، والمثبت من (م). (٢) نقلنا ص١٧٨ من هذا الجزء عن أبي عمرو أن ابن كثير قرأ بهمزة محققة بعدها همزة مسهلة بين بين، من غير ألف فاصلة بينهما. (٣) ديوان الأعشى ص ١٠٥، وفيه: مُفْنِد، بدل: مُثْبِل. وقوله: مُثْبِل أي: رماه الدهر بصروفه وأفناه. القاموس (تبل). وقوله: خَبِل أي: ملتوٍ على أهله. القاموس (خبل). (٤) السبعة لابن مجاهد ص٢٠٧ . (٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢١ للأعمش وطلحة. (٦) انظر معاني القرآن للفراء ٢٢٢/١. (٧) المحتسب ١/ ١٦٣. ١٧٥ سورة آل عمران: الآيات ٧٣ - ٧٥ والقول الآخر: قل: إنَّ الهدى هدى الله الذي آتاه المؤمنين من التصديق بمحمد ﴾ لا غيرُه(١). وقال بعض أهل الإشارات في هذه الآية: لا تُعاشروا إلا مَنْ يوافقُكم على أحوالكم وطريقتكم، فإن مَنْ لا يوافقُكم لا يرافقُكم. والله أعلم (٢). قوله تعالى: ﴿يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ٧٤ أي: بنبوَّته وهدايته. عن الحسن ومجاهد وغيرهما، ابن جُريج: بالإسلام والقرآن(٣). ﴿َمَن يَشَآءُ﴾. قال أبو عثمان: أجمَلَ القولَ ليبقى معه رجاءُ الراجي وخوفُ الخائف. ﴿وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمَاأُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى اُلْأُمَّتِعِنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٧٥ فيه ثمان مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدٍِِّ إِلَيْكَ﴾ مثل عبدالله بن سَلّام. ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّوْءٍ إِلَيْكَ﴾ وهو فنحاص بن عازوراء اليهودي، أودعه رجلٌ ديناراً، فخانه. وقيل: كعب بن الأشرف وأصحابه (٤). وقرأ ابن وثَّاب والأشهب العُقيلي: «مَنْ إنْ تِيْمَنْه))(٥) على لغة مَنْ قرأ: (نِسْتَعين))، وهي لغة بكر وتميم(٦). وفي حرف عبد اللّه: ((مالك لَا تِيْمَنَّا على (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٧/١. (٢) ينظر لطائف الإشارات للقشيري ١/ ٢٥١ . (٣) النكت والعيون ٤٠٢/١، وأخرج الآثار الطبري في تفسيره ٥٠٧/٥ . (٤) انظر تفسير البغوي ٣١٧/١ . (٥) القراءات الشاذة لابن خالويه ص٢١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٨٧/١. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٨/١، والقراءات الشاذة ص١. ١٧٦ سورة آل عمران: الآية ٧٥ يوسف))(١) والباقون بالألف. وقرأ نافع والكسائيُّ: ((يؤدِّهِي)) بياء في الإدراج (٢). قال أبو عبيد: واتفق أبو عمرو والأعمش وحمزة وعاصم(٣) في رواية أبي بكر على وقف الهاء، فقرؤوا: ((يؤدِّه إليك)). قال النحاس(٤): بإسكان الهاء لا يجوز إلا في الشعر عند بعض النحويين، وبعضُهم لا يجيزُه البتة، ويرى أنه غلطٌ ممن قرأً به، وأنه توهّم أن الجزم يقع على الهاء. وأبو عمرو أجَلُّ من أن يَجوز عليه مثلُ هذا، والصحيح عنه أنه کان یکسرُ الهاء، وهي قراءة يزيد بن القَعْقاع(٥). وقال الفرَّاء (٦): مذهبُ بعضِ العرب يجزمون الهاء إذا تحرَّك ما قبلَها، يقولون: ضربتُهُ ضَرْباً شديداً، كما يسكّنون ميم أنتُم وقمتُم، وأصلُها الرفع. كما قال الشاعر: مالَ إلى أرْطَاةِ حِقْفٍ فاضطجَعْ(٧) لما رأى ألَّ دَعَهْ ولا شِبَعْ (١) قيَّدها المصنف رحمه الله في سورة يوسف (الآية: ١١) بكسر التاء ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٦٢ ليحيى بن وثاب، وضبطت في مطبوعه بفتح التاء . (٢) قراءة نافع هي من رواية ورش عنه، وهي أيضاً قراءة ابن كثير، وعاصم: من رواية حفص، وابن عامر من رواية ابن ذكوان، ووجه لهشام عنه. وأما قالون فقرأ بالاختلاس، وكذا هشام بوجه. انظر السبعة ص٢٠٨ ، والتيسير ص٨٩ . ٤ (٣) في (د) و(م): وعاصم وحمزةٌ، والمثبت من باقي النسخ، وهو الصواب؛ لأن أبا بكر (وهو شعبة) راوي عاصم. وانظر المصدرين السالفين. (٤) في إعراب القرآن ٣٨٨/١، وما قبله منه. (٥) هو أبو جعفر المدني من العشرة. وذكر ابن الجزري له في النشر ٣٠٥/١ وجهين: الإسكان واختلاس الكسر، وذكر له في تحبير التيسير ص ١٠٠ الإسكان فقط. (٦) ينظر معاني القرآن له ٢٢٣/١ . (٧) الرجز في إصلاح المنطق لابن السكيت ص١٠٨، وفي المحتسب ١٠٧/١ ، والخصائص لابن جني ٦٣/١، وفي المخصص لابن سيده ٢٤/٨ دون نسبة، ونسبه البغدادي في شرح شواهد الشافية ٣٢٤/٢ لمنظور بن مرثد الأسدي. قوله: أرطاة: واحدة الأرطى، وهو شجر من شجر الرمل. والحقف: التل المعوج. شرح شواهد الشافية ٣٢٤/٢. ١٧٧ سورة آل عمران: الآية ٧٥ وقيل: إنما جاز إسكانُ الهاء في هذا الموضع؛ لأنها وقعت في موضع الجزم، وهي الياء الذاهبة(١). وقرأ أبو المُنْذر سلَّام والزُّهْريُّ: ((يؤدِّهُ))، بضم الهاء بغير واو (٢). وقرأ قتادة وحُميدٌ ومجاهد: ((يُؤَدِّهُو))، بواو في الإدراج، اختير لها الواو؛ لأن الواو من الشَّفَة، والهاءُ بعيدةُ المخرج. قال سيبويه: الواو في المذكَّر بمنزلة الألف في المؤنَّث، ويبدل منها ياء؛ لأن الياء أخفُّ إذا كان قبلَها كسرة أو ياء، وتُحذف الياء وتَبقى الكسرة؛ لأن الياء قد كانت تُحذف والفعل مرفوع، فأثبتت بحالها(٣). الثانية: أخبر تعالى أنَّ في أهل الكتاب الخائنَ والأمينَ، والمؤمنون لا يميزون ذلك، فينبغي اجتنابُ جميعهم. وخصَّ أهل الكتاب بالذِّكْر - وإنْ كان المؤمنون كذلك - لأن (٤) الخيانة فيهم أكثر، فخرج الكلامُ على الغالب. والله أعلم. وقد مضى تفسير القنطار(٥). وأما الدينار فأربعةٌ وعشرون قيراطاً، والقيراط: ثلاثُ حبات من وسط الشعير، فمجموعُه اثنتان وسبعون حبةٌ، وهو مُجْمَعٌ عليه(٦). ومَنْ حَفِظَ الكثير وأدَّاه؛ فالقليل أَوْلى، ومَنْ خانَ في اليسير أو منّعه؛ فذلك في الكثير أكثر. وهذا أدلُّ دليل على القول بمفهوم الخطاب. وفيه بين العلماء خلافٌ مذكور(٧) في أصول الفقه. وذکر تعالى قسمين: مَنْ یؤدِّي، ومَنْ لا يؤدِّي إلا بالملازمة علیه، وقد یکون من الناس مَنْ لا يؤدِّي وإن دُمتَ عليه قائماً، فذكر تعالى القسمين؛ لأنه الغالب والمعتاد، والثالث نادرٌ، فخرج الكلام على الغالب(٨). (١) تفسير البغوي ٣١٧/١. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٨/١، وانظر إملاء ما مَنَّ به الرحمن للعكبري ٨٧/٢، والبحر المحيط ٥٠٠/٢ . (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٨/١، وانظر الكتاب لسيبويه ١٨٩/٤. (٤) في النسخ: لكن، والمثبت من (م). (٥) ص٤٦ من هذا الجزء. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٢٧٥ . (٧) في (م): خلاف كثير مذكور. (٨) أحكام القرآن لابن العربي ٢٧٦/١ . ١٧٨ سورة آل عمران: الآية ٧٥ وقرأ طلحة بنُ مُصَرِّف وأبو عبد الرحمن السُّلَميّ وغيرهما: ((دِمْتَ))؛ بكسر الدال، وهما لغتان، والكسر لغةُ أزْد السَّراة، من: دِمْتَ تَدَامُ؛ مثل: خفتَ تخافُ. وحكى الأخفش: دِمْتَ تدومُ، شاذّاً(١). الثالثة: استدلَّ أبو حنيفةَ على مذهبه في ملازمة الغريم بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قََّبِمَا﴾ وأباه سائر العلماء(٢)، وقد تقدم في البقرة(٣). وقد استدلَّ بعض البغداديين من علمائنا على حبس المِذْيان(٤) بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ يِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآَيِمَا﴾. فإذا كان له ملازمتُه ومَنْعُه من التصرف، جاز حيسُه(٥). وقيل: إن معنى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا﴾ أي: بوجهك، فيهَابُك ويستحي منك، فإنَّ الحياء في العينين، ألا ترى إلى قول ابن عباس : لا تطلبوا من الأعمى حاجةً؛ فإن الحياء في العينين. وإذا طلبت من أخيك حاجة، فانظر إليه بوجهك حتى يستحي فيقضيها. ويقال: ((قائماً)) أي: ملازماً له، فإنْ أنظَرْتَه أنكرك(٦). وقيل: أراد بالقيام إدامةً المطالبة لا عينَ القيام. والدِّينار أصله: دِنَّار، فعوِّضت من إحدى النونين ياء؛ طلباً للتخفيف؛ لكثرة استعماله(٧). يدلُّ عليه أنه يجمع: دنانير، ويصغَّر: دُنَيْنِير. الرابعة: الأمانةُ عظيمةُ القَدْرِ في الدِّيْن، ومن عِظَم قدرِها أنها تقومُ هي والرَّحِم (١) معاني القرآن للأخفش ١/ ٤١١، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٣٨٨/١، ونسب فيه قراءة: دمت، بكسر الدال ليحيى بن وثاب والأعمش، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص٢١ لیحیی بن وثاب وحده. وانظر المحرر الوجيز ٤٥٨/١. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢٧٦/١ . (٣) ٤ / ٤١٧ . (٤) هو الذي عادتُه أن يأخذ بالدين ويستقرض. الصحاح (دين). (٥) انظر المعونة للقاضي عبد الوهاب البغدادي ١١٨١/٢، والمحرر الوجيز ٤٥٨/١ (٦) تفسير الرازي ١٠٨/٨. (٧) مجمع البيان ١١٩/٣ . ١٧٩ سورة آل عمران: الآية ٧٥ على جَنَبَتَي الصراط، كما في صحيح مسلم(١)، فلا يُمَكَّن من الجواز إلا مَنْ حفظهما(٢). وروى مسلم(٣) عن حذيفة قال: حدّثنا النبيُّ# عن رفع الأمانة، قال: ((ينامُ الرجلُ النَّومةَ فتُقبضُ الأمانة من قلبه)) الحديث. وقد تقدم بكماله أولَ البقرة(٤). وروى ابن ماجه: حدثنا محمد بن المُصَفَّى، حدّثنا محمد بن حرب، عن سعيد ابن سِنان، عن أبي الزَّاهِرِيَّة، عن أبي شجرةً كثيرٍ بن مُرَّة، عن ابن عمر؛ أن النبيَّ 8* قال: ((إن الله عزَّ وجلَّ إذا أرادَ أن يُهلك عبداً نزَع منه الحياء، فإذا نزَع منه الحياء لم تَلْقه إلا مَقِيتاً مُمقَّتاً، فإذا لم تَلْقه إلا مَقِيتاً مُمقَّتاً؛ نُزِعت منه الأمانة، فإذا نُزِعت منه الأمانة؛ لم تَلْقه إلا خائناً مُخَوَّناً، فإذا لم تَلْقه إلا خائناً مُخوَّناً؛ نُزِعت منه الرحمةُ، فإذا نُزِعت منه الرحمةُ؛ لم تَلْقه إلا رَجِيماً مُلعَّناً، فإذا لم تَلْقه إلا رجِيماً مُلغَّناً؛ نُزِعت منه رِبْقةُ الإسلام))(٥). وقد مضى في البقرة معنى قوله عليه الصلاة والسلام: ((أدِّ الأمانةَ إلى مَنِ ائْتَمَنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانَك))(٦). والله أعلم. الخامسة: ليس في هذه الآية تعديلٌ لأهل الكتاب ولا لبعضهم، خلافاً لمَنْ ذهب إلى ذلك؛ لأن فُسَّاق المسلمين يوجد فيهم مَنْ يؤدِّي الأمانة، ويُؤمَّنُ على المال الكثير، ولا يكونون بذلك عدولاً. فطريقُ العدالة والشهادة ليس يجزئُّ فيه أداءُ الأمانة في المال من جهة المعاملة والوديعة، ألا ترى قولهم: ﴿لَيَسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمَّيْنَ سَبِيلٌ﴾؟ فكيف يُعدَّل مَنْ يعتقدُ استباحةَ أموالِنا وحَرِيمِنا بغير حرج عليه؟! ولو كان ذلك كافياً في تعديلهم لَسُمعت شهادتُهم على المسلمين. (١) برقم (١٩٥) من حديث حذيفة ﴾. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢٧٦/١ - ٢٧٧ . (٣) في صحيحه (١٤٣) . (٤) ٢٨٨/١ . (٥) سنن ابن ماجه (٤٠٥٤) وقال البوصيري في الزوائد ١٩٥/٤: هذا إسناد ضعيف؛ لضعف سعيد بن سنان والاختلاف في اسمه. وقال ابن حجر: متروك. تقريب التهذيب ص ١٧٧ . (٦) ٢٤٨/٣. ١٨٠ سورة آل عمران: الآية ٧٥ السادسة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ يعني اليهود: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِ الْأُمَّيْنَ سَبِيلٌ﴾ قيل: إن اليهود كانوا إذا بايعوا المسلمين يقولون: ليس علينا في الْأُمِّيِّينَ سبيلٌ - أي: حرجٌ في ظلمهم - لمخالفتهم إيَّانا. وادَّعَوْا أن ذلك في كتابهم، فأكذَبهم اللّه عزَّ وجلَّ، وردّ عليهم فقال: ((بلى)) أي: بلى عليهم سبيلُ العذاب بكذبهم واستحلالهم أموالَ العرب. قال أبو إسحاق الزَّجَّاج: وتمَّ الكلام، ثم قال: ﴿مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى﴾(١). ويقال: إن اليهود كانوا قد استدانوا من الأعراب أموالًا، فلما أسلم أرباب الحقوق قالت اليهود: ليس لكم علينا شيءٌ؛ لأنكم تركتم دِيْنَكم، فسقط عنا دَيْنُكُم(٢). واذَّعَوا أنه حُكم التوراة، فقال الله تعالى: ((بلى))، ردّاً لقولهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمَيْنَ سَبِيلٌ﴾ أي: ليس كما تقولون، ثم استأنف فقال: ﴿مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى﴾ الشركَ، فليس من الكاذبين، بل يحبُّه الله ورسولُه. السابعة: قال رجل لابن عباس: إنَّا نصيبُ في العَمْد من أموال أهل الذمَّة الدجاجةً والشاةَ، ونقول: ليس علينا في ذلك بأس؟ فقال له: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُنِعْنَ سَبِيلٌ﴾. إنهم إذا أدَّوا الجزية لم تحلَّ لكم أموالهم إلا عن طِيْب أنفسهم؛ ذكره عبد الرازق عن معمر، عن أبي إسحاق الهَمْداني، عن صَعْصعةً؛ أن رجلاً قال لابن عباس، فذكره(٣). الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يدلُّ على أنَّ الكافر لا يُجعل أهلاً لقبول شهادتِه؛ لأن اللّه تعالى وصفه بأنه كذَّاب، وفيه ردٌّ على الكَفَرة الذين يُحرِّمون ويحلِّلون من (٤) غير تحريم اللّه وتحليله، ويجعلون ذلك من الشرع. قال ابن العربي(٥): ومن هذا يخرَّج الردُّ على مَنْ يحكم بالاستحسان من غير (١) معاني القرآن للزجاج ١/ ٤٣٤، ونقله المصنف عنه بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٣٨٩/١، وانظر تفسير البغوي ٣١٨/١ . (٢) انظر تفسير الرازي ١٠٩/٨ . (٣) تفسير عبد الرزاق ١٢٣/١ - ١٢٤، وأخرجه أيضاً الطبري في تفسيره ٥١٣/٥ . (٤) لفظة (من) ليست في (د) و (م). (٥) في أحكام القرآن له ١/ ٢٧٧ ، وما قبله منه.