النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
سورة آل عمران: الآيات ٤٥ - ٤٧
إليك حاجةً، قال: ما هي؟ قالت: تجمعُ عظامي وعظامَ ولدي(١) في موضع واحد،
قال: ذاك لكِ، لِمَا لكِ علينا من الحق. فأمر بهم فأُلقوا واحداً بعد واحد، حتى بلغ
رضيعاً فيهم فقال: فَعِي يا أمَّه، ولا تقاعسِي، فإنَّا على الحقّ. قال: وتكلّم أربعة وهم
صغار: هذا، وشاهد یوسف، وصاحب ◌ُریح، وعيسى ابن مريم.
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبٍ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ
مَا يَبْشَاءَ، إِذَا قَضَّ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ﴾ أي: يا سَيّدي. تخاطب جبريل عليه السلام، لأنه لمَّا
تمثّل لها قال لها: ((إنما أنا رسولُ رَبِّكِ لِيَهَبَ لكِ غلاماً زكيّاً))(٢). فلما سمعت ذلك
من قوله استفهمت عن طريق الولد، فقالت: أنَّى يكون لي ولد ولم يمسَسْني بشر؟!
أي: بنكاح، في سورتها: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠]، ذكرت هذا تأكيداً، لأن قولها:
(لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)) يشمل الحرام والحلال. تقول: العادة الجارية التي أجراها اللّه في
خلقه أن الولد لا يكون إلَّا عن نكاح أو سِفَاح. وقيل: ما استبعدت من قدرة الله
تعالى شيئاً، ولكن أرادت: كيف يكون هذا الولد، أَمِنْ قِبَلٍ زوجٍ في المستقبل، أم
يخلقُه اللّه ابتداءً(٣)؟ فرُوي أن جبريل عليه السلام حين قال لها: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا
يَشَآءُ﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٢١]، نفخ في جيب دِرعها وكُمِّها .
قاله ابن جُريج (٤).
= والشعب: بنقرة. قال ابن الأثير في النهاية (بقر) ١٤٥/١: قال الحافظ أبو موسى: الذي يقع لي في
معناه أنه لا يريد شيئاً مصوغاً على صورة البقرة، ولكنه ربما كانت قدراً كبيراً واسعة فسماها بقرة،
مأخوذاً من التبقَّر: التوسع، أو كان شيئاً يسع بقرة تامة بتوابلها فسميت بذلك. وقال ١٠٥/٥ (نقر) بعد
أن أورد الحديث بالرواية الأخرى: النقرة قدر يسخن فيها الماء وغيره، وقيل: هو بالباء الموحدة.
(١) يعني أولادي، كما يدل عليه قوله قبله: ماشطة ابنة فرعون وأولادها، وقوله بعده: فأمر بهم فأُلقوا
واحداً بعد واحد. فلفظ ((ولد)» يطلق على الواحد، وعلى الجمع.
(٢) قال أبو حيان في البحر ٢/ ٤٦٢: من ذهب إلى أن قولها: ((ربِّ))، وقول زكريا: ((ربِّ)) إنما هو نداء
لجبريل لِما بشَّرهما، ومعناه يا سيدي، فقد أبعد، وقال الزمخشري: هو من بدع التفاسير.
(٣) تفسير الطبري ٤٨٩/١٥ .
(٤) أخرجه الطبري ١٥/ ٤٩١. وقال أبو حيان في البحر ٢/ ٤٨٠: في قصة زكريا: ((يفعل ما يشاء)» من
حيث أن أمر زكريا داخل في الإمكان العادي الذي يُتعارف، وإن قلّ، وفي قصة مريم: ((يخلق)) لأنه لا
يُتعارف مثله، وهو وجود ولد من غير والد، فهو إيجاد واختراع من غير سبب عادي، فلذلك جاء =

١٤٢
سورة آل عمران: الآيات ٤٧ - ٤٩
ابن عباس(١): أخذ جبريلُ رُدْنَ(٢) قميصها بأصبعه، فنفخ فيه فحملت من ساعتها
بعيسى. وقيل غيرُ ذلك، على ما يأتي بيانه في سورتها إن شاء اللّه تعالى(٣).
وقال بعضهم: وقع نَفْخُ جبريل في رحمها، فعلِقت بذلك. وقال بعضهم: لا
يجوز أن يكون الخلق من نفخ جبريل، لأنه يصير الولد بعضُه من الملائكة وبعضه من
الإنس(٤)، ولكن سبب ذلك أن اللّه تعالى لمَّا خلق آدم وأخذ الميثاق من ذُرِّيته،
فجعل بعضَ الماء في أصلاب الآباء وبعضَه في أرحام الأمَّهات، فإذا اجتمع الماءان
صارا(٥) ولداً، وأن اللّه تعالى جعل الماءين جميعاً في مريم، بعضه في رحمها
وبعضه في صُلبها، فنفخ فيه جبريل لتهيج شهوتُها، لأن المرأة ما لم تَهِج شهوتها لا
تحبل، فلما هاجت شهوتها بنفخ جبريل، وقع الماء الذي كان في صُلبها في رَحِمها،
فاختلط الماءان فعلِقت بذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا قَضَوَ أَمْرًا﴾ يعني إذا أراد أن
يخلق خلقاً ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(٦). وقد تقدَّم في ((البقرة)) القول فيه مستوفى(٧).
وَرَسُولًا إِلَ بَنِىّ
قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَّةَ وَالْإِنْجِيلَ
إِسْرَِّيلَ أَنِى قَدْ جِئْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنّ ◌َغْلُقُ لَكُم مِّنَ الِّينِ كَهَيْئَةٍ
اَلَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اَللَّهِ وَأَتْرِىءُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَمَ وَأُخْىِ الْمَوْقَ
بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ يُوتِكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةً لَّكُمْ إِن
كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴾
قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ﴾ قال ابن جُريج:
= بلفظ ((يخلق)) الدالّ على هذا المعنى.
(١) في (م): قال ابن عباس. والأثر ذكره الواحدي في الوسيط ٣/ ١٨٠، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ
دمشق ٣٤٩/٤٧ (طبعة دار الفكر).
(٢) في مختار الصحاح: الرُّدْن، بالضم: أصل الكُمّ.
(٣) عند تفسير الآية: ٢٠ منها.
(٤) هذا كلام مردود بداهة.
(٥) في (خ) و(ظ): صار.
(٦) تفسير أبي الليث ٢٦٨/١ . وهذا الكلام المذكور لا يصحُّ شرعاً ولا عقلاً، ويُخرج المعجزة في خلق
عيسى عليه السلام عن معناها.
(٧) ٣٣٦/٢ - ٣٣٧ .

١٤٣
سورة آل عمران: الآيتان ٤٨ - ٤٩
الكتابُ: الكتابة والخط(١). وقيل: هو كتابٌ غيرُ التوراة والإنجيل علَّمه الله عيسى
عليه السلام.
﴿وَرَسُولًا﴾ أي: ونجعلُه رسولاً. أو يكلِّمهم رسُولاً. وقيل: هو معطوفٌ على
قوله: ((وجيهاً))(٢). وقال الأخفش: وإن شئت جعلتَ الواو في قوله: ((ورسولاً))
مُفْحَمةً والرسولَ حالاً للهاء، تقديره: ويعلِّمه الكتاب رسولاً (٣). وفي حديث أبي ذَرِّ
الطويلِ: ((وأوَّل أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخِرهُم عيسى عليه السلام)) (٤).
﴿أَنّ ◌َغْلُقُ لَكُمْ﴾ أي: أصوِّر وأقدِّر لكم ﴿مِّنَ الِينِ كَهَّئَةِ اَلَّيْرِ﴾ قرأ
الأعرج وأبو جعفر: ((كهَّة)) بالتشديد، الباقون بالهمز(٥). والطير يُذكَّر ويؤنَّث.
﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ أي: في الواحد منه، أو منها، أو في الطّين، فيكونُ طائراً. وطائرٌ
وطَيْر مثلُ تاجرٍ وتَجْر(٦).
قال وَهْب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً،
ليتميَّز فعلُ الخلق من فعل اللّه تعالى.
وقيل: لم يخلقْ غيرَ الخُفّاش؛ لأنه أكملُ الطير خَلْقاً ليكونَ أبلغَ في القدرة، لأن
لها ثَدْياً وأسناناً وأُذناً، وهي تحيض وتطهرُ وتلد(٧).
(١) ذكره البغوي ٣٠٢/١ ولم ينسبه، وأخرج ابن أبي حاتم (٣٥٣١) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
((الكتاب)) الخط بالقلم.
(٢) معاني القرآن للأخفش ٤٠٨/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٩/١.
(٣) تفسير الرازي ٧/ ٥٧ - ٥٨ .
(٤) ذكره ابن كثيرٍ في التفسير عند قوله تعالى: (ورسلاً لم نقصصهم عليك) [الآية: ١٦٤] ونسبه لابن
حبَّان، وهو في صحيح ابن حبان (٣٦١) بتمامه دون هذه العبارة التي ذكرها المصنّف. وفي إسناده:
إبراهيم بن هشام قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١/ ٧٣: متروك. وله طريق أخرى أخرجه الطبري في
التاريخ ٤٥١/١ وإسناده ضعيف. وأورده السيوطي في الجامع الصغير ٣٨٣/١ ضمن حديث، ورمز
لضعفه .
(٥) النشر ٤٠٥/١ عن أبي جعفر، وقرأ بها حمزة وقفاً كما في التيسير ص٣٨.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٩/١.
(٧) عرائس المجالس ص٣٩٥، وتفسير البغوي ٣٠٣/١.

١٤٤
سورة آل عمران: الآيتان ٤٨ - ٤٩
ويقال: إنما طلبوا خَلْق خُفَّاشٍ لأنه أعجبُ من سائر الخلق، ومن عجائبه أنه
لحمٌ ودٌ يطير بغير ريشٍ، ويلد كما يلد الحيوانُ، ولا يبيض كما يبيض سائرُ الكُيور،
فيكون له الضَّرع يخرج منه اللَّبن، ولا يُبْصِر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، وإنما
يَرى في ساعتين: بعد غروب الشمس ساعةٌ، وبعد طلوع الفجر ساعةً قبل أن يُسفِر
جدّاً، ويضحك كما يضحك الإنسان، ويحيض كما تحيض المرأة.
ويقال: إن سؤالهم كان له على وجه التعنُّت، فقالوا: اخلق لنا خُفّاشاً واجعل فيه
روحاً إن كنتَ صادقاً في مقالتك. فأخذ طيناً وجعل منه خُفَّاشاً، ثم نفخ فيه، فإذا هو
يطير بين السماء والأرض. وكان تسويةُ الطين والنفخُ من عيسى، والخلقُ من اللّه عزَّ
وجلَّ، كما أن النفخ [في مريم] من جبريلَ والخَلْقَ من اللّه(١).
قوله تعالى: ﴿وَأَبْرِىءُ الْأَكْمَةَ وَالْأَبْرَعَ﴾ الأكمهُ: الذي يولَد أعمى، عن ابن
عباس. وكذا قال أبو عبيدةً؛ قال: هو الذي يولد أعمى(٢)، وأنشد لرؤية:
فارتدَّ ارْتِدادَ الأكمهِ(٣)
وقال ابن فارس(٤): الكَمَهُ: العمى، يولد به الإنسان، وقد یعْرِض. قال سُوید:
كَمِھتْ عيناه حتى ابيضَّتًا (٥)
مجاهد: هو الذي يُبصر بالنهار ولا يُبصر بالليل. عكرمة: هو الأعمش. ولكنه
في اللغة العمَى، يقال: كَمِه يَكْمَه كَمَهاً، وكَمَّهْتُها أنا: إذا أعميتها(٦).
(١) تفسير أبي الليث ٢٦٩/١ وما بين حاصرتين منه في مطبوعه ٢٦٩/١.
(٢) مجاز القرآن ٩٣/١، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٤٢٢/٥، وابن أبي حاتم (٣٥٤٢).
(٣) لم نقف عليه في ديوان رؤبة، وهو في تفسير الطبري ٤٢٣/٥، ومعاني القرآن للزجاج ٤١٤/١ ،
والأضداد لابن الأنباري ص٣٧٨، ومعاني القرآن للنحاس ٤٠٣/١، واللسان (كمه) (هرج) وتمامه:
مرَّجْتُ فارتد ارتداد الأكمه
قوله: هرَّجتُ ، قال في اللسان (هرج): هرَّج بالسَّبُع: صاح به وزجره.
(٤) مجمل اللغة ٣/ ٧٧٠ .
(٥) المفضّليَّات ص ٢٠٠، والأضداد ٣٧٨ وعجزه: فهو يلحى نفسه لما نزع وسويد بن أبي كاهل، من بني
يشكر، شاعر متقدم من مخضرمي الجاهلية والإسلام. جعله محمد بن سلام في الطبقة السادسة وقرنه
بعنترة العبسي. الأغاني ١٠٢/١٣، وطبقات فحول الشعراء ١/ ١٥٢.
(٦) تفسير الطبري ٥/ ٤٢٣.

١٤٥
سورة آل عمران: الآيتان ٤٨ - ٤٩
والبَرَصُ معروفٌ: وهو بياض يعتري الجلدَ، والأبرصُ القمر، وسامُّ أَبْرَصَ
معروفٌ، ويُجمع على الأَبَارِص(١) .
وخُصَّ هذان بالذكر لأنهما عَياءان. وكان الغالبُ على زمن عيسى عليه السلامُ
الطِّبَّ، فأراهم اللّه المعجزة من جنس ذلك(٢).
﴿وَأَخِّيِ الْمَوْقَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قيل: أحيا أربعة أنفس: العازَرَ(٣)، وكان صديقاً له،
وابنَ العجوز، وابنة العاشر، وسام بنَ نوح، فالله أعلم.
فأمَّا العازَرُ فإنه كان قد تُوقِّي قبل ذلك بأيام، فدعا اللّه، فقام بإذن اللّه ووَدَكُه
يقْطُر (٤)، فعاش وُلِدَ له.
وأما ابنُ العجوز: فإنه مرَّ به يُحمّل على سريره، فدعا الله، فقام ولیس ثيابه،
وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله.
وأما بنتُ العاشرِ(٥): فكان أتى عليها ليلة، فدعا اللّه، فعاشت بعد ذلك، ووُلد
لها .
فلما رأَوا ذلك قالوا: إنك تُحيي مَن كان موته قريباً، فلعلَّهم لم يموتوا،
فأصابتهم سكتةٌ، فأخي لنا سام بن نوح. فقال لهم: دُلَّوني على قبره، فخرج وخرج
القوم معه حتى انتهى إلى قبره، فدعا اللّه، فخرج من قبره وقد شابَ رأسُه، فقال له
عيسى: كيف شابَ رأسُك ولم يكن في زمانكم شيْبٌ؟ فقال: يا روحَ اللّه، إنك
دعوتني، فسمعتُ صوتاً يقول: أَجِبْ روحَ اللّه، فظننتُ أن القيامةَ قد قامت، فمِن
هول ذلك شاب رأسي. فسأله عن النَّزْع فقال: يا روح اللّه، إن مرارة النزع لم تَذْهَبْ
(١) المجمل ١٢١/١ .
(٢) تفسير البغوي ١/ ٣٠٣، وتفسير أبي الليث ١/ ٢٧٠.
(٣) قيَّده صاحب القاموس (عزر) على وزن هاجر، ووقع في (ظ) و(م): العاذر (في الموضعين).
(٤) في القاموس: الوَدَك: الدَّسَم.
(٥) وقع في عرائس المجالس ص٣٩٧: ابنة العشار، رجل كان يأخذ العشر.

١٤٦
سورة آل عمران: الآيتان ٤٨ - ٤٩
عن (١) حَنْجَرَتي، وقد كان من وقتٍ موتهِ أكثرُ من أربعة آلاف سنة، فقال للقوم:
صدِّقوه فإنه نبيّ، فآمن به بعضُهم، وكذَّبه بعضُهم وقالوا: هذا سحر(٢).
ورُوي من حديث إسماعيل بن عيَّاش قال: حدثني محمد بن طلحة، عن رجل :
أن عيسى ابن مريم كان إذا أراد أن يُحييّ الموتى صلَّى رَكعتين يقرأ في الأولى:
﴿وَبَرَكَ اَلَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وفي الثانية: ((تنزيل)) السجدة، فإذا فرَغْ حمد (٣) اللّه وأثنى
عليه، ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديمُ، يا خَفيُّ، يا دائمُ، يا فَرْدُ، يا وِتْرُ، يا أحدُ، يا
صمد. ذكره البيهقيُّ وقال: ليس إسناده بالقويّ (٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لَّكُمْ إِن
كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالذي تأكلونه وما تدَّخرون. وذلك أنه(٥) لمَّا أحيا لهم الموتى،
طلبوا منه آيةً أُخرى وقالوا: أَخْبِرْنا بما نأكل في بيوتنا وما ندَّخر للغد، فأخبرهم
فقال: يا فلان أنت أكلتَ كذا وكذا، وأنت أكلتَ كذا وكذا، وادخرتَ كذا وكذا،
فذلك قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ﴾ الآية(٦).
وقرأ مجاهد والزُّهرِيُّ والسَّخْتِيانِيُّ: ((وما تَذْخَرون)) بالذال المعجَمة مخفَّفاً(٧)
وقال سعيد بن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان في الكُتَّاب بما يدَّخرون، حتى
منعهم آباؤهم من الجلوس معه. قتادة: أخبرهم بما أكلوه من المائدة وما ادَّخروه منها
: -(٨)
خِفْية(
.(
(١) في النسخ: من.
(٢) تفسير أبي الليث ٢٦٩/١، وعرائس المجالس ص٣٩٦-٣٩٧، وتفسير البغوي ٣٠٣/١ - ٣٠٤.
(٣) في (خ) و(ظ): مدح.
(٤) الأسماء والصفات (١٦١)، وأخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٧٠٠٣) من طريق محمد بن طلحة بن
مصرف، عن أبي بشر عن أبي الهذيل قال: كان عيسى ابن مريم . وذكر الحديث. قال ابن كثير في
تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَ بِإِذْنِ﴾ [المائدة: ١١٠]: هذا أثر عجيب جدّاً.
(٥) في (م): أنهم.
(٦) تفسير أبي الليث ٢٦٩/١ - ٢٧٠ .
(٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٩/١، وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٠ .
(٨) أخرج الخبرين الطبري ٥/ ٤٢٧، ٤٢٩.

١٤٧
سورة آل عمران: الآيتان ٥٠ - ٥١
قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيَْ يَدَىَّ مِنَ الثَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى
إِنَّ اللَّهَ رَبِّ
حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بَِايَةٍ مِنِ زَّيِّكُمّ قَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
٥١
وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ
﴿وَمُصَدِّقًا﴾ عطف على قوله: ((ورَسُولاً))(١). وقيل: المعنى: وجئتكُم مصدِّقاً.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ﴾ُ لَمَا قَبْلِي. ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ فيه حذف، أي: ولِأُحِلَّ لكم جئتُكم.
﴿بَعْضَ الَّذِىِ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني من الأطعمة. قيل: إنما أَحلَّ لهم عيسى عليه
السلام ما حُرِّم عليهم بذنوبهم ولم يكن في التوراة، نحو أَكْلِ الشحوم وكلِّ ذي ظُفُر.
وقيل: إنما أحلَّ لهم أشياءَ حرَّمَتْها عليهم الأحبارُ ولم تكن في التوراة محرَّمة
عليهم (٢). قال أبو عبيدة(٣): يجوز أن يكون (بعض)) بمعنى كل، وأنشد لَبِيد:
تَرَّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لم أَرْضَها
أو يَرْتَبِظْ بعضَ النفوسِ حِمامُها (٤)
وهذا القول غَلَطّ عند أهل النظرِ من أهل اللغة، لأن البعضَ والجزءً لا يكونان
بمعنى الكلِّ في هذا الموضع، لأن عيسى ﴿ إنما أَحَلَّ لهم أشياءَ ممَّا حرَّمها عليهم
موسى، من أَكْل الشحوم وغيرها، ولم يُحِلَّ لهم القتلَ ولا السرقةَ ولا فاحشةً.
والدليلُ على هذا أنه رُوي عن قتادةً أنه قال: جاءهم عيسى بألْينَ ممَّا جاء به موسى
صلى الله عليهما وعلى نبينا، لأن موسى جاءهم بتحريم الإبل وأشياءً من الشحوم،
فجاءهم عيسى بتحليل بعضِها (٥).
وقرأ النَّخَعيُّ: ((بَعْضَ الذي حَرُمَ عَلَيْكُمْ)) (٦) مثل كَرُمَ، أي: صار حراماً.
(١) تفسير البغوي ١/ ٣٠٤، قال الفراء في معاني القرآن ٢١٦/١: وليس نصبه بتابع لقوله: ((وجيهاً)) لأنه
لو کان کذلك لكان: و مصدقاً لما بین یدیه.
(٢) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٣٨٠.
(٣) مجاز القرآن ١/ ٩٤ .
(٤) شرح ديوان لبيد ص ٣١٣، براوية: أو يعتلق بعض النفوس، وأشار شارح الديوان إلى رواية: أو
يرتبط، قال الزوزني في شرح المعلقات السبع ص١٠٩: وتحرير المعنى: إني لا أترك الأماكن التي
أجتويها، وأقليها إلّا أن أموت.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤٠٣/١ - ٤٠٤، وخبر قتادة أخرجه الطبري ٤٣٩/٦.
(٦) القراءات الشاذة ص ٢٠ .

١٤٨
سورة آل عمران: الآيات ٥٠ - ٥٢
وقد يوضَعُ البعضُ بمعنى الكلِّ إذا انضمَّت إليه قرينةٌ تدلُّ عليه، كما قال
الشاعر(١):
حَنَانَيْك، بعضُ الشرِّ أهْوَنُ من بعضٍ
أبا مُنْذِرٍ أفْنَيتَ فاستَبْقِ بعضنا
يريد: بعضُ الشَّرِّ أهونُ من كلِّه.
﴿وَجِئْتُكُر بَِايَةٍ مِّن رَّبِكُمْ﴾ إنَّما وحَّد وهي آياتٌ؛ لأنها جنسٌ واحدٌ في الدلالة
على رسالته(٢).
قوله تعالى: ﴿فَلَمََّ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ
اْحَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ ءَامَنَا بِالَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
نه
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ أي: من بني إسرائيل. و((أَحَسَّ))
معناه: علم ووجَد، قاله الزجَّاج(٣). وقال أبو عبيدة(٤): معنى ((أحسَّ)): عرف.
وأصْلُ ذلك وجودُ الشيء بالحاسَّة. والإحساس: العِلم بالشيء، قال اللّه تعالى:
﴿هَلْ تُحُ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٩]. والحَسُّ: القتلُ، قال اللّه تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم
بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. ومنه الحديثُ في الجَرَاد: ((إذا حَسَّهُ البَرْدُ))(٥).
﴿مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ أي: الكفر بالله. وقيل: سَمِعَ منهم كلمةَ الكفر. وقال الفَرَّاءُ:
أرادوا قتلّه(٦).
﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى الْهِ﴾: استنصَرَ عليهم. قال السدِّيُّ والثورِيُّ وغيرُهما:
المعنى: مع اللّه، فـ((إلى)) بمعنى مع، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُوَ أَمْوَهُمْ إِلَ أَمْوَلِكُمْ﴾
[النساء: ٢] أي: مع. واللّه أَعْلَم. وقال الحسنُ: المعنى من أنصاري في السبيل إلى
(١) هو طرفة، والبيت في ديوانه ص٦٦ .
(٢) تفسير البغوي ٣٠٤/١ .
(٣) معاني القرآن ٤١٦/١ .
(٤) مجاز القرآن ٩٤/١ .
(٥) مجمل اللغة ٢١٢/١، والحديث لم نقف عليه وذكره ابن الأثير في النهاية (حس) ٣٨٥/١ وينظر ما
يأتي في الصفحة ٢٧١ من هذا الجزء.
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٠/١.

١٤٩
سورة آل عمران: الآية ٥٢
اللّه؛ لأنه دعاهم إلى اللّه عزَّ وجلَّ. وقيل: المعنى: مَن يضمُّ نُضرته إلى نُصرة الله
عزَّ وجلَّ(١). فـ((إلى)) على هذين القولين على بابها، وهو الجيِّد.
وطَلَبَ النُّصْرَةَ ليَحْتميَ بها من قومه ويُظْهرَ الدَّعوة، عن الحسن ومجاهد. وهذه
سنَّةُ اللّه في أنبيائه وأوليائه، وقد قال لوط: ﴿لَوَّ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَّكْنِ شَدِيدٍ﴾
[هود: ٨٠] أي: عشيرة وأصحاب ينصُرونني.
﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ أي: أنصارُ نبيِّه ودينه. والحواريُّون أصحابُ
عيسى عليه السلام، وكانوا اثني عشر رجلاً، قاله الكلبيُّ(٢) وأبو رَوْق.
واختُلِفَ في تسمیتهم بذلك، فقال ابنُ عباس : سُمُّوا بذلك لبیاض ثيابهم،
وكانوا صيَّادين(٣). ابن أبي نَجِيح وأبو أرْطَاةَ(٤): كانوا قصَّارين، فسُمُّوا بذلك
لتبييضهم الثياب.
قال عطاء: أسْلَمَتْ مريمُ عيسى إلى أعمالٍ شَتَّى، وآخِرُ ما دفعته إلى الحواريين،
وكانوا قصَّارين وصبَّاغين، فأراد معلِّمُ عيسى السفَر، فقال لعيسى: عندي ثيابٌ كثيرةٌ
مختلفةُ الألوان، وقد علَّمتُكَ الصَّبغَة فاصبغها. فطَبَخَ عيسى حُبّاً(٥) واحداً، وأَدْخَلَه
جميعَ الثياب وقال: كوني بإذنْ اللّه على ما أريد منك. فقَدِم الحواريُّ والثيابُ كلُّها
في الحُبِّ، فلما رآها قال: قد أفْسَدْتَها، فأخرجَ عيسى ثوباً أحمرَ وأصفرَ وأخضرَ إلى
غير ذلك ممَّا كان كلُّ(٦) ثوبٍ مكتوب عليه صِبْغُه، فَعجِبَ الحواريُّ، وعَلِم أنَّ ذلك
من اللّه، ودعا الناسَ إليه، فآمنوا به، فهمُ الحواريُّون(٧) .
(١) تفسير البغوي ٣٠٥/١، والمحرر الوجيز ٤٤٢/١. وقول السدي أخرجه الطبري ٥/ ٤٣٧، وقول
الثوري أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٦٦) .
(٢) تفسير أبي الليث ١/ ٢٧٠، وتفسير البغوي ٤٠٦/١ .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤٠٦/١، وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٦٨).
(٤) وقع في النسخ: وابن أرطاة، وهو خطأ، والمثبت من تفسير الطبري ٥/ ٤٤٣، وذكره أيضاً عن أبي أرطاة
ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٤٢/١، وأبو حيان في البحر ٤٧١/٢، والسيوطي في الدر ٣٥/٢.
(٥) في القاموس (حبب): الحُبُّ: الجرَّة، أو الضخمة منها.
(٦) في (م): على كل.
(٧) عرائس المجالس ص ٣٩٢، وتفسير البغوي ٣٠٦/١ .

١٥٠
سورة آل عمران: الآيتان ٥٢ - ٥٣
قتادة والضحاك: سُمُّوا بذلك لأنهم كانوا خاصَّةً الأنبياء. يريدان لنقاء
قلوبهم(١) .
وقيل: كانوا ملوكاً، وذلك أن الملِكَ صنع طعاماً، فدعا الناسَ إليه، فكان عيسى
على قَصْعَةٍ، فكانت لا تنقُصُ، فقال الملِك له: من أنت؟ قال: عيسى ابنُ مريم.
قال: إني أترك مُلْكي هذا وأَشَِّعُك. فانطَلَق بمن اتَّبَعَه معه، فهم الحوارُّون، قاله ابنُ
عون(٢).
وأصلُ الحَوَرِ في اللغة البياضُ، وحَوَّرْتُ الثيابَ: بَيَّضْتُها، والحُوَّارَى من
الطعام: ما حُوِّر، أي: بُيِّضَ، واخْوَرَّ الشيء(٣): ابيضَّ، والجَفْنَة المحوَّرةُ: المبيَّضَة
بالسَّنَام، والحَوَاريُّ أيضاً: النَّاصر، قال رسولُ اللّه لَ﴾: ((لكل نبيٍّ حَوَاريٌّ، وحَوارِي
الزبير)). والحَواريّاتُ: النِّساء لبياضهن(٤)، وقال(٥):
فقُلْ للحوَارِيَّاتِ يَبْكِيْنَ غيرنا ولا تَبْكنا إلَّ الكلابُ النَّوابحُ
قوله تعالى: ﴿رَبََّآ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ
٥٣
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَا بِمَا أَنزَلْتَ﴾ أي: يقولون: ربَّنا آمنًّا. ﴿بِمَآ أَنَزَلْتَ﴾ يعني
في كتابك، وما أظهرْتَهُ من حكمك. ﴿وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ يعني عيسى. ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَّهِينَ﴾ يعني أُمَّةَ محمد :﴿، عن ابن عباس(٦). والمعنى: أَثْبِتْ أسماءَنا مع
أسمائهم، واجعلنا من جملتهم.
وقيل: المعنى: فاكتبنا مع الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق.
(١) النكت والعيون ٣٩٥/١، وأخرج قوليهما الطبري ٤٤٣/٥.
(٢) عرائس المجالس ص٣٩٤ .
(٣) قوله: الشيء، ليس في (م).
(٤) مجمل اللغة ٢٥٦/١، والحديث أخرجه أحمد (١٤٢٩٧)، والبخاري (٢٨٤٦)، ومسلم (٢٤١٥) من
حديث جابر ، وأخرجه أحمد (٦٨٠) من حديث علي ، و(١٦١١٣) من حديث عبدالله بن الزبير ضه.
قوله: وحواريّي، ذكر القاضي في إكمال المعلم ٤٢٨/٧: أنه اختلف في ضبطه، فضبطه جماعة من
المحققین بفتح الياء من الثاني کمصرخيَّ، وضبطه أکثرهم بکسرها.
(٥) هو أبو جَلْدة اليَشْكُري، والبيت في مجاز القرآن ٩٥/١، والأغاني ٣١١/١١، والمؤتلف والمختلف
ص١٠٦، والحماسة الشجرية ٢٤٣/١، ومعاني القرآن للنحاس ٤٠٧/١.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٧٧) وجوَّد إسناده الحافظ ابن كثير في تفسيره.

١٥١
سورة آل عمران: الآية ٥٤
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
٥٤
قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله﴾ يعني كفَّارَ بني إسرائيلَ الذين أحسَّ منهم
الكُفْرَ، أي: قَتْلَه. وذلك أن عيسى عليه السلام لمَّا أخرجه قومُه وأمَّه من بين
أظُهُرهم، عاد إليهم مع الحواريِّين، وصاحَ فيهم بالدعوة، فَهَمُّوا بقتله، وتواطُّؤُوا
على الفتك به، فذلك مكرُهم(١). ومَكْرُ اللّه: استدراجُه لعباده من حيثُ لا يعلمون،
عن الفرّاء(٢) وغيره. قال ابن عباس: كلّما أحدثوا خطيئة جدَّدْنا لهم نعمة. وقال
الزَّجاج(٣): مَكْرُ اللّه: مجازاتُهم على مكرهم، فسمَّى الجزاءَ باسم الابتداء، كقوله:
﴿الَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]. وقد تقدَّم في البقرة.
وأصلُ المكر في اللغةِ الاحتيالُ والخِداعُ. والمَكْرُ: خَدَالَةُ السّاق. وامرأةٌ
ممكورةُ الساقين. والمَكْرُ: ضَرْبٌ من النَّبات(٤). ويقال: بل هو المَغْرَة، حكاه ابن
(٥)
فارس(٥) .
وقيل: ((مَكْرُ اللّه)): إلقاؤُهُ(٦) شَبَهَ عيسى على غيره، ورَفْعُ عيسى إليه، وذلك أن
اليهودَ لمَّا اجتمعوا على قتل عيسى دخل البيتَ هارباً منهم، فرفعه جبريلُ من الكُوَّة
إلى السماء، فقال مَلِكهم لرجل منهم خبيثٍ يقال له يهوذا: ادْخُلْ عليه فاقتله، فدخلَ
الخَوْخَة، فلم يجدْ هناك عيسى، وألقى اللّه عليه شَبَهَ عيسى، فلمَّا خرجَ رَأَوْه على شَبَه
عيسى، فأخذوه وقتلوه وصَلَبوه. ثم قالوا: وجهُه يشبه وجْهَ عيسى، وبدنُه يشبه بدنَ
صاحِبنا، فإن كان هذا صاحبنا؛ فأين عيسى؟! وإن كان هذا عيسى؛ فأين صاحبُنا؟!
فوقع بينهم قتالٌ، فقتَلَ بعضُهم بعضاً، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ
خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾(٧). وقيل غيرُ هذا على ما يأتي.
(١) تفسير البغوي ٣٠٧/١.
(٢) معاني القرآن ٢١٨/١.
(٣) معاني القرآن ٤١٩/١، ونقله المصنف عنه بواسطة البغوي في التفسير ٣٠٧/١.
(٤) في النسخ: الثياب، وهو خطأ.
(٥) المجمل ٨٣٨/٤. خدالة الساق: استدارتها، والمَغْرَة: طين أحمر يُصبغ به. اللسان (خدل) واللسان
(مغر).
(٦) في (م) إلقاء.
(٧) تفسير أبي الليث ١/ ٢٧١ .

١٥٢
سورة آل عمران: الآيتان ٥٤ - ٥٥
﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾: اسمُ فاعلٍ من مَكَر يمْكُر مَكْراً. وقد عدَّه بعضُ العلماء في
أسماءِ اللّه تعالى، فيقول إذا دعا به: يا خيرَ الماكرين امكُرْ لي. وكان عليه الصلاة
والسلام يقول في دعائه: ((اللّهمَّ امْكُرْ لي ولا تَمْكُر عَلَيَّ)). وقد ذكرناه في ((الكتاب
الأَسْنَى في شرح أسماء الله الحسنى))(١) والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَنْعِيسَىّ إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَتَّعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (ِ
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَئِيسَىّ إِّ مُتَوَفِيكَ ﴾ العامل في ((إذْ)): ((ومَكَرَ اللّه))(٢)،
أو فِعْلٌ مُضْمَر(٣).
وقال جماعة من أهل المعاني - منهم الضحاك والفراء - في قوله تعالى: ﴿إِّ
مُتَوَفِيكَ وَرَافِعَكَ إِلَ﴾: هو (٤) على التقديم والتأخير؛ لأن الواو لا توجبُ الرتبة(٥).
والمعنى: إني رافعك إليَّ، ومطهّرك من الذين كفروا، ومتوفِيك بعد إنزالك(٦) من
السماء، كقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَّهُ سَبَقَتْ مِن رَّيَّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَنَّى﴾ [طه: ١٢٩]، والتقدير:
ولولا كلمةٌ سبقت من ربك وأجلٌ مسمّى لكان لِزاماً. قال الشاعر:
أَلَا يا نخلةٌ مِن ذات عِرْقٍ
عليكِ ورحمةُ اللّه السلامُ (٧)
(١) ص٤٣، والحديث أخرجه أحمد (١٩٩٧)، والترمذي (٣٥٥١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
وقال: حسن صحيح.
(٢) في النسخ: مكروا، بدل: ومكر الله، وهو خطأ، وهذا الرأي هو اختيار الطبري في التفسير ٤٤٧/٥
والتقدير عنده: ومكر الله بهم حين قال الله لعيسى إني متوفيك ورافعك إلي.
(٣) تقديره: اذكر، كما في المحرر الوجيز ٤٤٤/١ .
(٤) لفظة: هو ، من (خ).
(٥) في (خ) و(ظ): الترتيب.
(٦) في (د) و(م): بعد أن تنزل، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في معاني القرآن للفراء ٢١٩/١،
وتفسير البغوي ١/ ٣٠٨ .
(٧) ذكره البَطّلْيَوسي في كتاب الحلل في شرح أبيات الجمل ص١٨٩ وقال: لا أعلم لمن هو، ونسبه قومٌ إلى
الأحوص (عبدالله بن محمد). وهو بلا نسبةٍ في الخصائص ٣٨٦/٢، وأمالي ابن الشجري ١/ ٢٧٦،
والخزانة ٣٩٩/١ . قال البغدادي: وذات عرق: موضعٌ بالحجاز .

١٥٣
سورة آل عمران: الآية ٥٥
أي عليكِ السلامُ ورحمةُ الله.
وقال الحسن وابن جُريج: معنى: ((متوفِيك)): قابضُك(١) ورافعُك إلى السماء من
غير موت، مثلُ: تَوَقَّيْتُ مالي من فلانٍ، أي: قبضتُه. وقال وهب بن منبِّه: تَوَنَّى اللّه
عيسى عليه السلام ثلاثَ ساعاتٍ من نهارٍ، ثم رفَعه إلى السماء. وهذا فيه بُعْدٌ، فإنه
صَعَّ في الأخبار عن النبيِّ # نزولُه وقتلُه الدجّالَ، على ما بيَّناه في كتاب
((التذْكِرة))(٢)، وفي هذا الكتاب حَسْبَ ما تقدَّم، ويأتي (٣).
وقال ابن زيد: متوفِّك: قابضُك، ومتوفِّك(٤) ورافعُك واحدٌ، ولم يَمُتْ بعدُ.
وروى ابنُ أبي(٥) طلحةً عن ابنِ عباسٍ: معنى ((متوفِّيك)): مميتُك. الربيعُ بن
أنس: هي وفاةُ نوم (٦)، قال اللّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّكُمْ بِلَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي:
ينيمكم؛ لأن النوم أخو الموت، كما قال ﴿ لمَّا سُئل: أفي الجنة نومٌ؟ قال: ((لا،
النوم أخو الموت، والجنةُ لا موتَ فيها)). أخرجه الدار قطنيّ (٧).
والصحيحُ أنَّ اللّه تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاةٍ ولا نوم كما قال الحسن
وابن زيد، وهو اختيار الطَّبَري(٨). وهو الصحيحُ عن ابن عباس، وقاله الضحَّاك؛
قال الضحَّاك: كانتِ القِصَّةُ لمَّا أرادوا قتلَ عيسى اجتمع الحواريُّون في غرفةٍ، وهم
(١) جاء بعدها في (خ) و(ظ) زيادة نصُها: ويقالُ إنه يتزوج امرأةً من العرب بعدما يقتل الدجال وتلدُ له بنتاً
فتموت، ثمَّ يموت هو بعدما يعيش سنين، لأنه سأل ربَّه أن يجعله من هذه الأمة فاستجاب الله دعاءه،
وهذه الزيادة في تفسير أبي الليث ٢٧٢/١ .
(٢) ص ٦٦٨ .
(٣) تقدم في الصفحة ١٣٧ ، وسيأتي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننَّ به قبل
موته﴾ [النساء : ١٥٩].
(٤) قبلها في النسخ: قال .
(٥) قوله: أبي، من (خ)، وهو علي بن أبي طلحة، وروى ابنُ أبي حاتم في المراسيل ص١١٨ ، عن أبيه
قال: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مرسل، ولم يسمع من ابن عباس التفسير.
(٦) معاني القرآن للنحاس ٤٠٩/١، وتفسير البغوي ٣٠٨/١، وأخرج الآثار المذكورة الطبري ٤٤٨/٥ - ٤٥٠ .
(٧) لم نقف عليه عند الدارقطني. وأخرجه البَزَّار (٣٥١٧) من طريق محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعاً،
وأخرجه بنحوه العقيلي في الضعفاء ٢/ ٣٠١، وابن عدي في الكامل ٤/ ١٥٣٣ و٢٣٦٤/٦. قال ابنُ
أبي حاتم في العلل: قال أبي: الصحيح ابن المنكدر عن النبي {8#، ليس فيه جابر. اهـ. وقد أخرج
المرسّل العقيلي في الضعفاء ٢/ ٣٠١ . وأورده السيوطي في الجامع الصحيح ٥٨٨/٢، ورمز لضعفه.
(٨) في تفسيره ٤٥٢/٥ .

١٥٤
سورة آل عمران: الآية ٥٥
اثنا عشرَ رجلاً، فدخلَ عليهمُ المسيحُ من مِشكاة الغرفة، فأخبر إبليسُ لعنه الله جمعَ
اليهود، فركبَ منهم أربعةُ آلافِ رجلٍ، فأخذوا باب الغرفة، فقال المسيح
للحواريِّين: أيُّكم يخرجُ ويُقتَلُ ويكونُ معي في الجنة؟ فقال رجلٌ: أنا يا نبيَّ اللّه،
فألقى إليه مِدْرَعَةً من صوفٍ وعِمامةً من صوف، وناولَه ◌ُكَّازه، وأُلْقيَ عليه شَبَهُ
عيسى، فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه. وأمَّا المسيح؛ فكساه اللّه الرِّشَ، وألبسه
النور، وقطع عنه لَّذَّةَ المطعم والمشرب، فطارَ مع الملائكة.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة(١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لمَّا أراد الله تبارك وتعالى أن يرفع عيسى إلى
السماء، خرج على أصحابه - وهم اثنا عشرَ رجلاً - من عينٍ في البيت ورأسُه يقطُرُ
ماءً، فقال لهم: أمَا إنَّ منكم مَن سيكفر بي اثنتي عَشْرةَ مرةً بعدَ أن آمن بي، ثم قال:
أيُّكم يُلقَى عليه شَبَهي، فيُقْتلُ مكاني، ويكونُ معي في درجتي؟، فقامَ شابٌّ مِن
أَحْدَثِهم فقال: أنا، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا،
فقال عيسى: اجلس. ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا، فقال: نعم، أنت ذاك.
فألقى اللّه عليه شَبَهَ عيسى عليه السلام. قال: ورفع اللّه تعالى عيسى من رَوْزَنةٍ كانت
في البيت إلى السماء. قال: وجاء الطَّلَبُ من اليهود، فأخذوا الشبية، فقتلوه ثم
صلبوه، وكفر به بعضُهم اثنتي عشرةَ مرَّةً بعد أن آمن به، فتفرَّقُوا ثلاثَ فرقٍ: قالت
فرقةٌ: كان فينا اللّه ما شاءَ، ثم صَعِدَ إلى السماء، وهؤلاء اليَعْقُوبية. وقالت فرقة:
كان فينا ابنُ اللّهِ ما شاء اللّهُ، ثم رفعه اللّهُ إليه، وهؤلاءِ النَّسْطُورِيّة. وقال فرقة: كان
فينا عبدُ اللّه ورسوله ما شاء اللّه، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون. فتظاهرَتِ
الكافرتان على المسْلِمةِ، فقتلوها، فلم يزلِ الإسلامُ طامساً حتى بعث الله محمداً ﴾،
فأنزل(٢) اللّه تعالى: ﴿فَامَنَت ◌َّيِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَت ◌َِّفَةٌ فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: آمن
أباؤُهم في زمن عيسى ﴿عَلَى عَدُوِهٍ﴾ بإظهار دينهم على دين الكفار ﴿فَضَبَعُواْ ظَيْهِنَ﴾
[الصف: ١٤].
(١) في مصنفه ٥٤٦/١١ - ٥٤٧، وأخرجه أيضاً النسائي في السنن الكبرى (١١٥٢٧)، والطبري في
التفسير ٦٢٢/٢٢ - ٦٢٣ .
(٢) قبلها في النسخ: فقتلوا، ولا معنى لها، وليست في المصادر.

١٥٥
سورة آل عمران: الآية ٥٥
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرةَ(١) قال: قال رسول اللّه ◌ِ﴾: ((والله لينزِلَنَّ ابنُ
مريمَ حَكَماً عادلاً (٢)، فَلَيَكْسِرنَّ الصليبَ، ولَيَقْتُلَنَّ الخنزيرَ، ولَيَضَعَنَّ الجِزْيةَ،
ولتُتْرَكَنَّ القِلَاصُ(٣)، فلا يُسْعَى عليها، ولَتَذْهَبَنَّ الشحناءُ والتباغضُ والتحاسِدُ،
ولَيُدْعَوُنَّ إلى المال، فلا يقبلُه أحد)».
وعنه أيضاً عن النبيِّ :﴿ قال: ((والذي نفسي بيده لَيُهِلَّنَّ ابنُ مريمَ بفَجِّ الرَّوْحاء،
حاجّاً، أو معتمِراً، أو لَيَثْنِتَّهما))(٤)
ولا ينزلُ بِشَرْعٍ مبتَدَأ فينسَخَ به شريعتنا، بل ينزل مجدِّداً لما دَرَس منها متَّبِعَها(٥)،
كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﴾ قال: ((كيف أنتم إذا نزل ابنُ
مریم فیکم وإمامُکم منکم؟» - وفي رواية: «فأمّکم منکم)) - قال ابن أبي ذئب: تدري ما
أمَّكم منكم؟. قلت: تخبرني. قال: فَأَمَّكم بكتاب ربِّكم تبارك وتعالى وسنّةٍ نبيكم مَ﴾(٦).
وقد زدنا هذا الباب بياناً في كتاب ((التذكرة))(٧) والحمدُ لله.
و((مُتَوفِيكَ)): أصلُه: متوفِيُك، حُذِفتِ الضَّمةُ استثقالاً، وهو خبرُ إنَّ. و((رَافِعُكَ))
عطفٌ عليه، وكذا ((مُطَهِّرُكَ))، وكذا ((وجَاعِلُ الّذِينَ اتَّبَعُوكَ)). ويجوز: ((وجاعلٌ
الذين)) وهو الأصلُ. وقيل: إن الوقفَ التامَّ عند قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾. قال النَّحاس(٨): وهو قولٌ حسنٌ.
﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّهُوكَ﴾ يا محمدُ ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوًا﴾ أي: بالحجَّةِ وإقامةِ البرهان.
(١) برقم (١٥٥): (٢٤٣)، وهو عند أحمد (١٠٤٠٤)، وأخرجه البخاري بنحوه (٣٤٤٨).
(٢) في (ظ): عدلاً .
(٣) جمع قُلُوص: وهي الناقة الشابة، أي: لا يخرج ساعٍ إلى زكاة، لقلة حاجة الناس إلى المال واستغنائهم
عنه. النهاية ٤ / ١٠٠.
(٤) صحيح مسلم (١٢٥٢)، وهو عند أحمد (٧٢٧٣) قوله: ((لَيَثْنِيَنَّهما)) أي: يقرن بينهما، وفجّ الرَّوْحّاء:
هو بين مكة والمدينة، وكان طريق رسول الله # إلى بدر، وإلى مكة عام الفتح وعام حجة الوداع.
صحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٢٢٤ .
(٥) المفهم ٣٧١/١ .
(٦) صحيح مسلم (١٥٥): (٢٤٤) و(٢٤٦)، وهو عند أحمد (٧٦٨٠)، والبخاري (٣٤٤٩). ابن أبي ذئب:
هو محمد بن عبد الرحمن، أحد رجال الإسناد.
(٧) ص ٦٧٥ .
(٨) إعراب القرآن ١/ ٣٨١، وما قبله منه.

١٥٦
سورة آل عمران: الآيات ٥٥ - ٦٠
وقيلَ: بالعزِّ والغَلَبة (١). وقال الضخَّاك ومحمد بن أَبَان: المرادُ الحواريُّون(٢). واللّه
تعالى أعلمُ.
قوله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَمَا
وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَلِحَتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمُّ
٥٦
لَهُم مِّن ◌َّصِرِينَ
(٥٨
ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
٥٧
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِينَ
قوله تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ يعني
بالقتل والصَّلْبِ(٣) والسَّبْيٍ والجِزْيَةِ، وفي الآخرةِ بالنَّار(٤).
﴿َلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ ((ذلك)) في موضع رفعٍ بالابتداء، وخبرُه ((نتلوه)). ويجوز:
الأمرُ ذلك، على إضمار المبتدأ (٥) .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمِّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ ﴿﴿ الْحَقُّ مِن رَّبِكَ فَلاَ تَكُ مِّنَ الْمُمْتَّينَ
٦٠
قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمٌّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ دليلٌ على صحّة
القياس(٦). والتشبيهُ واقعٌ على أن عيسى خُلِقَ من غير أبٍ كآدمَ، لا على أنه خُلقَ من
تراب. والشيء قد يشبَّهُ بالشيء - وإن كان بينهما فرقٌ كبيرٌ - بعدَ أن يجتمعا في وصفٍ
واحد، فإن(٧) آدَمَ خُلِقَ من تراب ولم يُخلقْ عيسى من تراب، فكان بينهما فرقٌ من
هذه الجهة، ولكن شَبَهُ ما بينَهما أنهما خُلقا(٨) من غير أبٍ، ولأن أصلَ خلقهما(٩)
(١) معاني القرآن للزجاج ٤٢٠/١ .
(٢) أورده البغوي ٤٠٩/١ عن الضحاك.
(٣) قوله: والصلب، ليس في (خ) و(ظ).
(٤) معاني القرآن للزجَّاج ١/ ٤٢٠، وتفسير البغوي ٣٠٩/١.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٢/١.
(٦) المحرر الوجيز ٤٤٦/١ .
(٧) في (خ): وكما أن، وفي (د) و(ظ): كما أن .
(٨) في (خ) و(م): خَلّقَهما .
(٩) في (د) و(ز) و(م): خلقتهما، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في تفسير أبي الليث ٣٧٣/١،
والكلام منه.

١٥٧
سورة آل عمران: الآيتان ٥٩ - ٦٠
كانَ من ترابٍ؛ لأن آدَمَ لم يُخْلَقْ مِن نفس التراب، ولكنه جَعَل التراب طيناً، ثم جعله
صَلْصالاً، ثم خلقه منه، فكذلك عيسى حوَّلَه من حالٍ إلى حال، ثم جعله بشراً من
غير أبٍ(١).
ونزلتْ هذه الآيةُ بسبب وفد نجرانَ حين أنكروا على النبيِّ ﴾ قوله: ((إنَّ عيسى
عبدُاللّه وكلمتُه)) فقالوا: أرِنا عبداً خُلِقَ من غير أب، فقال لهم النبيُّ ◌َ﴿هُ: ((آدمُ، مَن
كان أبوه؟ أعجبْتُم من عيسى ليس له أبٌّ؟ فآدمُ عليه السلامُ ليس له أبٌ ولا أمّ))(٢).
فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أي: في عيسى ﴿إِلَّ ◌ِشْتَكَ بِآلْحَقِ﴾ في آدمَ
﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣].
وروي أنه عليه الصلاة والسلام لمَّا دعاهم إلى الإسلام قالوا: قد كنا مسلمين
قبلَك. فقال: ((كذبتم، يمنعُكم من الإسلام ثلاثٌ: قولُكم اتخذَ اللّه ولداً، وأكُلُكُمُ
الخنزيرَ، وسجودُكُم للصَّليب)). فقالوا: من أبو عيسى؟ فأنزل اللّه تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ
عِيسَى عِندَ اللَِّ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اَللَّهِ عَلَى
اَلْكَّذِينَ﴾. فدعاهمُ النبيُّ ◌َ﴾ [إلى الالتعان]، فقال بعضُهم لبعض: إن فعلتُم اضطرمَ
الوادي عليكم ناراً. فقالوا: أما تَعرض علينا سوى هذا؟ فقال: ((الإسلامُ، أو
الجزيةُ، أو الحرب)) فأقرُّوا بالجزية(٣) على ما يأتي (٤).
وتَمَّ الكلامُ عند قوله: ((آدَمَ))، ثم قال: ﴿خَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
أي: فكان، والمستقبلُ يكون في موضع الماضي إذا عُرِفَ المعنى (٥).
(١) تفسير أبي الليث ١/ ٢٧٣ .
(٢) أخرج بعضه الطبري بنحوه ٥/ ٤٦٠، وابن أبي حاتم (٣٦٠٦) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
وقوله: ((أعجبتم من عيسى ... )). لم نقف عليه .
(٣) معاني القرآن للنحاس ٤١٥/١ - ٤١٦، وما سلف بين حاصرتين منه، والحديث أخرجه أبو نعيم في
دلائل النبوة (٢٤٥) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وأخرجه بنحوه أبو نعيم أيضاً
في دلائل النبوة (٢٤٤)، والواحدي في أسباب النزول ص٩٩، وفي إسناده بشر بن مهران الخصاف -
ويقال بشير - قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٣٧٩/٢: ترك أبي حديثه، وأمرني أن لا أقرأ عليه
حديثه. وأخرجه الواحدي ص٩٨ عن الحسن مرسلاً.
(٤) في المسألة الثانية من تفسير الآية التالية.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٨٢/١.

١٥٨
سورة آل عمران: الآيات ٥٩ - ٦١
قال الفرَّاء(١): ﴿اَلْحَقُّ مِن رَّيِّكَ﴾ مرفوعٌ بإضمار هو. أبو عبيدة (٢): هو استئنافُ
كلام، وخبرُه في قوله: ﴿مِن رَّيِّكَ﴾. وقيل: هو فاعل، أي: جاءك الحقُّ.
﴿فَلاَ تَكُ مِّنَ اُلْهُمْتَّينَ﴾ الخطاب للنبيِّ ﴾، والمرادُ أمتُه، لأنه ﴾ لم يكن شاكّاً في
أمر عيسى عليه السلام(٣).
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَآَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا
وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى
اُلْكَذِينَ
فيه ثلاثُ مسائلَ :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاَجَّكَ﴾ أي: جادلَك وخاصمَكَ يا محمدُ. ﴿فِيهِ﴾
أي: في عيسى. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ بأنه عبدُ اللّه ورسولهُ. ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ﴾
أي: أقبِلوا. وُضِعَ لمن له جلالةٌ ورِفعةٌ، ثم صارَ في الاستعمال لكل داعٍ إلى
الإقبال، وسيأتي له مزيدُ بيانٍ في ((الأنعام)) (٤).
﴿َنَدْعُ﴾ في موضع جزم. ﴿أَبَْةَنَا﴾ دليل على أن أبناء البناتِ يسمَّونَ أبناءً، وذلك
أن النبيَّ # جاء بالحسن(٥) والحسين، وفاطمة تمشي خلفَه وعليٍّ خلفها(٦)، وهو
يقول لهم: ((إن أنا دعوتُ فَأَمِّنُوا))(٧) وهو معنى قوله: ﴿ثُمَّ نَبْتِلْ﴾ أي: نتضرع في
(١) معاني القرآن له ٢٢٠/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٨٢/١.
(٢) مجاز القرآن ٩٥/١.
(٣) معاني القرآن للزجاج ٤٢٣/١، وتفسير البغوي ٣١٠/١.
(٤) عند تفسير الآية: ١٥١ منها.
(٥) في (ظ): جاءه الحسن.
(٦) في (خ) و(ظ): خلفهما.
(٧) أخرجه مطولاً أبو نعيم في دلائل النبوة (٢٤٥) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي
الله عنهما، وذكره الواحدي في الوسيط ٤٤٤/١، والبغوي ٣١٠/١.
وأخرج أحمد (١٦٠٨)، ومسلم (٢٤٠٤): (٣٢) عن سعد بن أبي وقاص أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿ندع
أبناءنا وأبناءكم﴾ دعا رسول الله 8 # عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: ((اللهم هؤلاء أهلي)).

١٥٩
سورة آل عمران: الآية ٦١
الدعاء، عن ابن عباس. أبو عبيدة والكسائي: نلتعِن(١). وأصلُ الابتهال: الاجتهادُ
في الدعاء باللَّعن وغيرِهِ. قال لبيد:
في كهول سادةٍ من قومِه
نَظَرَ الدهرُ إليهم فابتهلْ(٢)
أي: اجتهد في إهلاكهم. يقال: بَهَلَه اللّهُ، أي: لعنه، والبَهْلُ: اللَّعنُ، والبَهْلُ:
الماء القليل، وأَبْهَلْتُه: إذا خلَّيتَه وإرادته، وبهلتُه أيضاً (٣).
وحكى أبو عبيدةَ: بَهَلَهُ اللّهُ يبهَلُه بَهْلةً، أي: لعنه. قال ابن عباس: هم أهلُ
نجرانَ: السّيِّد والعاقبُ وابنُ الحارث رؤساؤهم. ﴿فَنَجْعَل لَّمْنَتَ اَللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ﴾
[عطف] (٤).
الثانية: هذه الآيةُ من أعلام نبوَّةِ محمد ﴿؛ لأنه دعاهم إلى المباهلة فأَبَوْا منها،
ورضُوا بالجزيةِ بعدَ أَنْ أعْلَمَهُم كبيرُهم العاقبُ أنهم إن باهلوه اضطرمَ عليهمُ الوادي
ناراً، فإنّ محمداً نبيٍّ مرسَل، ولقد تعلمون أنه جاءكم بالفصل في أمر عيسى، فتركوا
المباهلةَ، وانصرفوا إلى بلادهم على أن يؤدُّوا في كل عام ألفَ حُلَّةٍ في صَفَر، وألفَ
حُلَّةٍ فِي رَجَب، فصالحهم رسولُ اللّه :﴿ على ذلك بدلاً من الإسلام(٥).
الثالثة: قال كثيرٌ من العلماء: إنَّ قوله عليه الصلاة والسلام في الحسن والحسين
لمَّا باهل: ﴿َنَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ﴾ وقولَه في الحسن: ((إن ابني هذا سيِّد)) (٦) مخصوص
بالحسن والحسين أن يُسَمَّيا ابني النبيِّ ﴾ دونَ غيرِهما، لقوله عليه الصلاة والسلام:
((كلُّ سببٍ ونَسَبٍ يَنقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي))(٧) ولهذا قال بعض أصحاب
(١) تفسير البغوي ١/ ٣١٠ . وقول أبي عبيدة في مجاز القرآن ٩٦/١، وأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي
حاتم (٣٦٢٣) وفيه: (ثم نبتهل): نجتهد .
(٢) ديوان لبيد ص ١٩٧ برواية: في قرومٍ سادةٍ .
(٣) مجمل اللغة ١٣٨/١.
(٤) مجاز القرآن ٩٦/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٨٣/١، وما بين حاصرتين منه. وأخرج خبر ابن
عباس أبو نعيم في دلائل النبوة (٢٤٥) وقد تقدم آنفاً وانظر ما سلف ص ١٠.
(٥) تفسير الطبري ٤٦٩/٥ - ٤٧٠، والمحرر الوجيز ٤٤٨/١ .
(٦) أخرجه أحمد (٢٠٣٩٢)، والبخاري (٢٧٠٤). وقد تقدم ص١١٦ من هذا الجزء.
(٧) أخرجه أحمد (١٨٩٠٧)، والطبراني ٢٠/ (٣٠) مطولاً من حديث المسور بن مخرمة، وصححه الحاكم
١٥٨/٣، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٢٠٣: وفيه أم بكر بنت المسور، ولم يجرحها أحد، =

١٦٠
سورة آل عمران: الآيات ٦١ - ٦٤
الشافعيِّ فيمن أوصى لولد فلان، ولم يكن له ولد لصلبه(١)، وله ولدُ ابنٍ وولدُ ابنة:
إن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة؛ وهو قول الشافعيّ(٢) وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ
في (الأنعام)) و((الزخرف)) إن شاء اللّه تعالى(٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ اَلْحَقِّ وَمَا مِنْ إِلٍَّ إِلَّ اللّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ اُلْعَزِيزُ
اُلْحَكِيمُ ( فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقّ﴾ الإشارةُ في قوله: ((إن هذا)) إلى القرآن
وما فيه من الأقاصيص، سمِّيت قَصَصاً لأن المعاني(٤) تتابع فيها، فهو من قولهم:
فلانٌ يقُصُّ أثر فلان، أي : يتَّبعه.
﴿وَمَا مِنْ إِلَءٍ إِلَّ الله﴾ ((مِن)) زائدةٌ للتوكيد، والمعنى: وما إلهٌ إلَّا اللّهُ ﴿الْعَزِيزُ﴾
أي: الذي لا يُغْلَب. ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ ذو الحكمة(٥). وقد تقدَّم مِثلُه(٦)، والحمد لله.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَيَبْتَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ
إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اَلَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ
فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
فيه ثلاثُ مسائلَ :
الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾ الخطاب في قول الحسن وابن زيد
والسُّدِّي لأهل نجران، وفي قول قَتادة وابن جُريج وغيرِهما ليهود المدينة(٧)، خوطبوا
= ولم يوثقها أحد، وبقية رجاله وثقوا. وأخرجه الطبراني (١١٦٢١) من حديث ابن عباس رضي الله
عنهما، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ١٧٣ : ورجاله ثقات.
وأخرجه الطبراني بنحوه (٢٦٣٣) (٢٦٣٥)، والحاكم ١٤٢/٣ من حديث عمر بن الخطاب ﴾.
(١) في (ظ): ولم یکن لصلبه ولد.
(٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٨٨/١ .
(٣) سورة الأنعام الآية (٨٤)، وسورة الزخرف الآية: (٢٨).
(٤) في (ظ): المعنى.
(٥) معاني القرآن للنحاس ٤١٦/١ - ٤١٧.
(٦) ١/ ٤٢٩ .
(٧) النكت والعيون ٣٩٩/١، وأخرج هذه الأخبار الطبري ٤٧٤/٥ - ٤٧٥.