النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سورة آل عمران: الآية ٤٠ تسعين سنةً، وامرأته قريبةُ السنِّ منه. وقال ابن عباس والضحاك: كان يومَ بُشِّر ابنَ عشرين ومئة سنةٍ، وكانت امرأته بنتَ ثمانٍ وتسعين سنةً؛ فذلك قوله: ((وامْرَأَتِي عَاقِرٌ)) أي: عَقِيمٌ لا تلد(١). يقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر: بيِّنة العُقْر، وقد عَقُرت - وعَقُر، بضم القاف فيهما - تَعْقُر عُقْراً: صارت عاقراً، مثل: حَسُنَتْ تَحْسُنُ حُسْناً؛ عن أبي زيد(٢). وعَقَارة أيضاً (٣). وأسماء الفاعِلِين من فَعُل: فَعِيلة، يقال: عَظُمت فهي عظيمة، وظرُفت فهي ظريفة. وإنما قيل: عاقرٌ؛ لأنه يُراد به: ذات عُقْرٍ، على النَّسَب(٤)، ولو كان على الفعل لقال: عَقُرت فهي عقيرة كأنَّ بها عُقْراً، أي: كبراً من السنِّ يمنعها من الولد . والعاقر: العظيم من الرمل لا يُنبت شيئاً. والعُقْر أيضاً: مَهْرُ المرأة إذا وُطئِت على شُبهة. وبيضة العُقْر - زعموا - هي بيضةُ الديك؛ لأنه يبيض في عمره بيضةً واحدة إلى الطُول [ما هي]. وعُقْر النار أيضاً: وسطُها ومعظَمُها. وعُقْر الحوض: مؤخّره حيث تقف الإبل إذا وردت؛ يقال: عُقْر وعُقُر مثل عُسْر وعُسُر، والجمعُ الأعقار (٥) فهو لفظٌ مشترك. والكاف في قوله: ((كذلك)) في موضع نصب، أي: يفعل الله ما يشاء مثلَ ذلك(٦). والغلامُ مشتقٌّ من الغُلْمةِ، وهي(٧) شدَّةُ طلبِ النكاح. واغْتَلَم الفحلُ غُلْمةً: هاج (١) تفسير الطبري ٣٨٣/٥، ومعاني القرآن للزجاج ٤٠٨/١، ومعاني القرآن للنحاس ٣٩٦/١، وعرائس المجالس ص٣٧٨، وتفسير البغوي ٢٩٩/١ - ٣٠٠، ومجمع البيان ٧٤/٣ . (٢) الصحاح (عقر). (٣) في اللسان (عقر): عِقُرت المرأة عَقارة وعِقارة. (٤) معاني القرآن للزجاج ٤٠٨/١ . (٥) الصحاح (عقر) وما سلف بين حاصرتين منه . (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٤/١. (٧) في (خ) و (د) و(م): وهو، والمثبت من (ظ). ١٢٢ سورة آل عمران: الآيتان ٤٠ - ٤١ من شهوة الضِّرَاب. وقالت لَيْلَى الأَخْيَليَّة(١): غلامٌ إذا هَزَّ القناةَ سقاها شفاها من الداء العُضَال الذي بها والغلام: الطارُّ الشارب. وهو بيِّن الغُلُومةِ والغُلومِيَّةِ، والجمعُ: الغِلْمة والغِلمان. ويقال: إِن الغَيْلم الشابُّ والجاريةُ أيضاً. والغَيْلم: ذكر السُّلَخْفاة. والغيلم: موضع. واغتلم البحر: هاج وتلاطمت أمواجُه (٢). قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَجْعَل لِيّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ٤١٦ إِلَّا رَمْزًا وَأَذْكُرُ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبٍّ أَجْعَل ◌ِيّ ءَايَةٌ﴾ ((اجْعَلْ(٣)) هنا بمعنى صيِّر، لتعدِّيه إلى مفعولين. و ((لي)) في موضع المفعول الثاني(٤). ولمّا بُشِّر بالولد ولم يَبْعُد عنده هذا في قدرة اللّه تعالى، طلب آيةً - أي: علامة - يَعرفُ بها صحةً هذا الأمرِ، وكونَه من عند اللّه تعالى؛ فعاقبه الله تعالى بأن أصابه السكوتُ عن كلام الناس؛ لسؤاله الآيةَ بعد مُشافَهة الملائكةِ إياه؛ قاله أكثر المفسرين(٥)؛ قالوا: وكذلك إن لم يكنْ من مرضٍ؛ خَرَسٍ أو نحوه؛ ففيه على كلِّ حال عقابٌ ما. قال ابن زيد: إن زكريا عليه السلام لمَّا حملت زوجه منه بیحیی أصبح لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو مع ذلك يقرأ التوراةَ ويذكر اللّه تعالى؛ فإذا أراد مقاولَة أحدٍ لم يطقه . (١) هي ليلى بنت عبدالله بن الرَّحَّال بن شداد بن كعب بن معاوية، وهي من النساء المتقدمات في الشعر من شعراء الإسلام. الأغاني ٢٠٤/١١ . والبيت فيه ٢٤٨/١١، وفي أمالي القالي ٨٦/١، وزاد المسير ٣٨٥/١ . (٢) المجمل ٦٨٣/٣، والصحاح (غلم). (٣) في (خ) و(د) و(م): جعل. (٤) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٣٧٤. (٥) هذا قول قتادة، وقد أخرجه عبد الرزاق في التفسير ١٢٠/١، والطبري ٣٨٦/٥، وابن أبي حاتم (٣٤٧٨)، وذكرته أغلب كتب التفسير. وانظر عرائس المجالس ص٣٧٩ . ١٢٣ سورة آل عمران: الآية ٤١ الثانية: قوله تعالى: ﴿إِلَا رَمْزًا﴾ الرمز في اللغة الإيماء بالشفتين، وقد يُستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين؛ وأصله الحركة. وقيل: طلبَ تلك الآيةَ زيادةً طمأنينة. المعنى: تَمِّمْ (١) النعمة بأن تجعل لي آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمةٍ وكرامة؛ فقيل له: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ أي: تُمنع من الكلام ثلاثَ ليالٍ؛ دليلُ هذا القول قوله تعالى بعد بشرى الملائكة له: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] أي: أو جدْتُك بقدرتي، فكذلك أُوجِدُ لك الولد. واختار هذا القولَ النحاسُ(٢) وقال: قولُ قتادة: إن زكريا عُوقب بترك الكلام قولٌ مرغوبٌ عنه؛ لأن اللّه عزَّ وجلَّ لم يخبرنا أنه أذنب، ولا أنه نهاه عن هذا؛ والقولُ فيه أن المعنى: اجعل لي علامةً تدلُّ على كون الولد؛ إذ كان ذلك مغيَّياً عني . و((رَمْزاً)) نصبٌ على الاستثناء المنقطع؛ قاله الأخفش(٣). وقال الكسائي: رَمَز يَرْمُزُ ويَرْمِز. وقرئ: ((إلَّا رَمَزا)) بفتح الميم، و((رُمُزاً)) بضمها وضمِّ الراء، والواحدة رُمْزة (٤). الثالثة: في هذه الآية دليلٌ على أن الإشارة تنزل منزلةً الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات ما حكم به النبيُّ من أمْرِ السوداء حين قال لها : ((أين اللّه))؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقال: ((أَعْتِقْها فإنها مؤمنة))(٥). فأجاز (١) في (ظ): تتم. (٢) إعراب القرآن ١/ ٣٧٥ . (٣) معاني القرآن ٤٠٥/١. (٤) نسب ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ٢٠ القراءة الأولى للأعمش، والثانية ليحيى بن وثاب. ونسب ابن جني في المحتسب ص١٦١ القراءة الثانية للأعمش. (٥) أخرجه بهذه السياقة (يعني أنها أشارت برأسها إلى السماء) الإمام أحمد في المسند (٧٩٠٦) من حديث أبي هريرة ، وفي إسناده المسعودي، وقد اختلط. وأخرجه أحمد أيضاً (٢٣٧٦٢)، ومسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم مطولاً، وفيه: قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أين الله؟)) فقالت: في السماء. قال: ((من أنا؟)) قالت: أنت رسول الله ... وأخرجه أيضاً أحمد (١٥٧٤٣) عن رجل من الأنصار، وفيه: قال لها رسول الله ﴾: ((أتشهدين أن لا إله إلا الله؟)) قالت: نعم. قال: ((أتشهدين أني رسول الله؟)). قالت: نعم ... قال الشوكاني في شرح الموطأ ٨٥/٤: يؤوَّل قوله: قالت: نعم، على أنها قالت بالإشارة، وأنه وقع منها الأمران، فقالت: نعم باللفظ ... وأشارت إلى السماء حين قوله: أين الله؟ ... ١٢٤ سورة آل عمران: الآية ٤١ الإسلامَ بالإشارة الذي هو أصلُ الديانة، الذي يَحْرُز الدمَ والمالَ، وتُستحقُّ به الجنة، ويُنَجَّى به من النار، وحَكّم بإيمانها كما يُحكم بنطق مَن يقول ذلك؛ فيجب أن تكون الإشارةُ عاملةً في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء(١). وروى ابن القاسم عن مالك: أن الأخرس إذا أشار بالطلاق أنه يَلْزَمُه(٢). وقال الشافعيُّ في الرجل يمرض فيختلُّ لسانه: فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائزٌ إذا كانت إشارتُهُ تُعرف، وإن شُكَّ فيها فهي باطلٌ(٣). وليس ذلك بقياس، وإنما هو استحسان. والقياس في هذا كلِّه أنه باطل؛ لأنه لا يتكلّم ولا تُعقل إشارته. قال أبو الحسن بن بطّال: وإنما حمل أبا حنيفة على قوله هذا أنه لم يعلم السُّنن التي جاءت بجواز الإشارات في أحكام مختلفة في الديانة. ولعلَّ البخاريَّ حاول بترجمته: ((باب الإشارة في الطلاق والأمور))(٤) الردَّ عليه. وقال عطاء: أراد بقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ صومَ ثلاثة أيام، وكانوا إذا صاموا لا يتكلَّمون إلَّا رَمْزاً(٥). وهذا فيه بُعْدٌ. والله أعلم. الرابعة: قال بعض من يجيز نسخَ القرآن بالسُّنَّة: إن زكريا عليه السلام مُنع الكلامَ وهو قادرٌ عليه. وإنه منسوخٌ بقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا صَمتَ يوماً (٦) إلى (١) المحرر الوجيز ٤٣٢/١. (٢) المدونة ٢٤/٣. (٣) مختصر اختلاف العلماء ٢/ ٤٥١ . (٤) صحيح البخاري، قبل الحديث (٥٢٩٣)، وينظر فتح الباري ٤٣٨/٩ . (٥) عرائس المجالس ص٣٧٩، وتفسير البغوي ١/ ٣٠٠ . (٦) كذا في النسخ: يوماً (في الموضعين)، والحديث أخرجه أبو داود (٢٨٧٣) من حديث علي بلفظ: ((لا صمات يوم إلى الليل)). قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ١٥٢/٤ - ١٥٣ وقد روي هذا الحديث من رواية جابر بن عبدالله وأنس بن مالك وليس فيها شيء يثبت. قال عبد الحق في الأحكام الوسطى ٣٢٣/٣: المحفوظ موقوف على علي. قلنا: أخرج الموقوف عبد الرزاق (١١٤٥١) وانظر علل الدار قطني ٤/ ١٤٢. ١٢٥ سورة آل عمران: الآية ٤١ الليل)). وأكثرُ العلماء على أنه ليس بمنسوخ(١)، وأن زكريا إنما مُنع الكلامَ بآفةٍ (٢) دخلت عليه منعته إياه، وتلك الآفة (٣): عدمُ المقدرةِ (٤) على الكلام مع الصحة؛ كذلك قال المفسرون(٥) . وذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنه: ((لا صَمتَ يوماً إلى الليل)) إنما معناه: عن ذكر اللّه، وأما عن الهَذَر وما لا فائدة فيه، فالصمتُ عن ذلك حسن. قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَيِّحْ بِالْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ﴾ أَمَره بألَّ يتركَ الذكرَ في نفسه مع اعتقال لسانه، على القول الأوَّل. وقد مضى في البقرة معنى الذكر(٦). وقال محمد بن كعب القُرَظيُّ: لو رُخِّصَ لأحد في ترك الذکرِ لرُخّص لزکریا بقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَنَّةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَهْزًّا وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ كَثِيرًا﴾ ولرُخِّص للرجل يكون في الحرب بقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥]. ذكره الطبري(٧) . ﴿وَسَبْخْ﴾ أي: صلِّ؛ سمِّيت الصلاةُ سُبْحةً لِمَا فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء. و((العشيّ)) جمع عشيَّة، وقيل: هو واحد. وذلك من حين تزولُ الشمسُ إلى أن تغيب؛ عن مجاهد(٨). وفي الموطأ(٩) عن القاسم بن محمد قال: ما أدركتُ الناسَ إلَّا وهم يصلُّونَ الظُهرَ بعشيٍّ. ((والإبكار)): من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. (١) المحرر الوجيز ٤٣٢/١. (٢) في (د) و (خ): بآية . (٣) في النسخ الخطية: الآية، والمثبت من (م). (٤) في (م): القدرة. (٥) قال ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٣٢/١: وقال قوم من المفسرين: لم تكن آفة، ولكنه منع محاورة الناس فلم يقدر عليها، وكان يقدر على ذكر الله، قاله الطبري. وانظر تفسيره ٣٩٠/٥ . (٦) ٢ /٤٥٩ - ٤٦٠ . (٧) في (م) وذكره الطبري، وهو في تفسيره ٣٩١/٥، وتفسير ابن أبي حاتم (٣٤٨٤)، دون قوله: ولرخص للرجل يكون في الحرب، وأخرجه بتمامه أبو نعيم في الحلية ٢١٥/٣ . (٨) أخرجه الطبري ٥/ ٣٩٢. (٩) ١/ ٩ . ١٢٦ سورة آل عمران: الآية ٤٢ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنْكِ وَطَهَّرَكٍ وَاصْطَفَتَكِ عَلَى (٤٢ نِسَاءِ الْعَلَمِينَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَئِكِ﴾ أي: اختاركِ، وقد تقدَّم (١). ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ أي: من الكفر؛ عن مجاهد والحسن (٢). الزجَّاج(٣): من سائر الأدناسٍ، من الحيض والنِّفاس وغيرهما، واصطفاك لولادة عيسى. ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ﴾ يعني: عالَمِي زمانِها؛ عن الحسن وابن جُريجٍ وغيرهما (٤). وقيل: ((على نساء العالمين)) أَجْمَعَ إلى يوم الصُّور، وهو الصحيح على ما نبيِّنه، وهو قول الزجَّاج وغيره(٥). وكرَّر الاصطفاء لأن معنى الأوَّل: الاصطفاء لعبادته، ومعنى الثاني : لولادة عيسى. وروى مسلم(٦) عن أبي موسى قال: قال رسول اللّه ◌ِ﴾: ((كَمُلَّ من الرجال كثيرٌ، ولم يكمل من النساء غيرُ مريمَ بنتِ عمرانَ، وآسيةَ امرأةٍ فرعون، وإن فَضْلَ عائشةً على النساء، كفضل الثَّريدِ على سائرِ الطعام)). قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم(٧): الكمالُ هو التناهي والتمام؛ ويقال في ماضيه: ((كمل) بفتح الميم وضمِّها، و((يَكْمُل)) في مضارعه بالضم، وكمال كلِّ شيءٍ بحَسبِهِ. والكمالُ المطلَق إنما هو لله تعالى خاصةً، ولا شكَّ أن أكملَ نوع الإنسان الأنبياءُ، ثم يليهم الأولياءُ من الصدِّيقين والشهداءِ والصالحين. وإذا تقرَّر هذا فقد قيل: إن الكمالَ المذكورَ في الحديث يعني به النبؤَّةَ، فيلزم عليه أن تكون مريمُ عليها السلام (١) ٤٠٦/٢ . (٢) النكت والعيون ٣٩٢/١، وأخرج الطبري ٣٩٦/٥ وابن أبي حاتم (٣٤٨٩) قول مجاهد. (٣) معاني القرآن ١/ ٤١٠ . (٤) زاد المسير ٣٨٧/١ وزاد نسبته لابن عباس، وأخرج الطبري ٣٩٦/٥ خبر مجاهد. ونقل ابن الجوزي عن ابن الأنباري قوله: وهذا قول الأكثرين. (٥) معاني القرآن ١/ ٤١٠ . (٦) صحيح مسلم (٢٤٣١)، وهو عند أحمد (١٩٥٢٣)، والبخاري (٣٤١١). (٧) المفهم ٦/ ٣٣١ - ٣٣٢. ١٢٧ سورة آل عمران: الآية ٤٢ وآسيةُ نبيَّتين، وقد قيل بذلك. والصحيح أن مريم نبيَّة؛ لأن اللّه تعالى أوحى إليها بواسطة الملك كما أوحى إلى سائر النبيِّين حَسْبَ ما تقدَّم، ويأتي بيانُه أيضاً في ((مريم)) (١). وأما آسيةُ فلم يَرِدْ ما يدلُّ على نبوَّتها دلالةً واضحة، بل على صدِّيقيّتها وفضلها، على ما يأتي بيانُه في ((التحريم)) (٢). ورُوي من طرق صحيحة أنه عليه الصلاة والسلام قال فيما رواه عنه أبو هريرة: («خيرُ نساء العالمين أربعٌ: مريمُ بنتُ عمرانَ، وآسيةُ بنتُ مُزَاحِمِ امرأةٌ فرعون، وخديجةُ بنتُ خُوَيْلد، وفاطمةُ بنتُ محمد))(٣) . ومن حديث ابن عباسٍ، عن النبيِّ﴿: ((أفضلُ نساءِ أهلِ الجنةِ خديجةُ بنتُ خويلدٍ، وفاطمةُ بنتُ محمد، ومريمُ بنتُ عمرانَ، وآسيةُ بنتُ مُزَاحِمِ امرأة فرعون))(٤). وفي طريق آخر عنه: ((سيدةُ نساءِ أهلِ الجنةِ بعد مريمَ فَاطمةٌ وخدیجة»(٥) . فظاهرُ القرآن والأحاديث يقتضي أنَّ مريمَ أفضلُ من جميع نساءِ العالَم؛ من حوَّاء إلى آخِرِ امرأة تقوم عليها الساعة؛ فإن الملائكة قد بلَّغتها الوحيّ عن الله عزَّ وجلَّ بالتكليف والإخبار والبشارة، كما بلَّغت سائر الأنبياء؛ فهي إذاً نبيَّة، والنبيُّ أفضلُ من الوليٍّ، فهي أفضلُ من كلِّ النساء: الأوَّلين والآخِرِين مطلقاً. ثم بعدها في الفضيلة فاطمة، ثم خديجة، ثم آسِية. وكذلك رواه موسى بن عقبةً، عن كُرَيْب، عن ابن (١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ [الآية: ١٦]. (٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها﴾ [الآية: ١٢]. (٣) المفهم ٦/ ٣١٤، وأخرج الحديث ابن عبد البر في الاستيعاب على هامش الإصابة ١٧٩/١٢، وله شاهد من حديث أنس ﴾ أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٩٦١)، وابن حبان، (٦٩٥١)، والطبراني في المعجم الكبير ٢٢/ (١٠٠٤). (٤) أخرجه أحمد (٢٦٦٨)، وأبو يعلى (٢٧٢٢)، والطبراني (١١٩٢٨)، والحاكم ١٨٥/٣ وصححه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٢٢٣: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجالهم رجال الصحيح. (٥) المفهم ٣١٤/٦، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢١٧٩) وزاد في آخره: ((وآسية امرأة فرعون)» قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٠١/٩ : رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجال الكبير رجال الصحيح. ١٢٨ سورة آل عمران: الآية ٤٢ عباس قال: قال رسول اللّهَ﴾: ((سيدةُ نساء العالمين مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسِية)). وهذا حديثٌ حسن يرفع الإشكال(١). وقد خَصَّ اللّه مريمَ بما لو يؤته أحداً من النساء، وذلك أن روحَ القُدُسِ كلَّمها وظهر لها، ونفخ في دِرعها، ودنا منها للنفخة، فليس هذا لأحدٍ من النساء. وصدَّقت بكلمات ربِّها، ولم تسأل آيةً عندما بُشِّرت كما سأل زكريا # من الآية(٢)؛ ولذلك سمَّاها اللّه في تنزيله صِدِّيقةٌ، فقال: ﴿وَأَتُهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥]، وقال: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَئِنِينَ﴾ [التحريم: ١٢]. فشهد لها بالصدِّيقيَّة، وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى، وشهد لها بالقُنُوت. وإنما(٣) بُشِّر زكريا بغلام، فلَحظ إلى كِبَرِ سنِّه وعَقَّامةِ رحم امرأته، فقال: أَنَّى يكون لي غلام وامرأتي عاقر(٤)، فسأل آيةً؛ وُبشِّرتْ مريمُ بالغلام(٥)، فلحظَت أنها بِكْرٌ ولم يمسَسْها بشرٌ، فقيل لها: ﴿ كَذَلِكٍ قَالَ رَبُّكٍ﴾ [مريم: ٢١]، فاقتصرت على ذلك، وصدَّقْت بكلمات ربِّها، ولم تسأل آيةً ممن يعلم كُنْهَ هذا الأمر. ومن أين(٦) لا مرأةٍ في جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب؟! ولذلك رُوي أنها سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة؛ جاء في الخبر عنه#: ((لو أقسمتُ لبرَرْتُ، لا يدخل الجنة قبل سابقي أمتي إلَّ بضعةَ عشرَ رجلاً، منهم إبراهيمُ، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباطُ، وموسى، وعيسى، ومريمُ ابنة عمران))(٧). (١) المفهم ٦/ ٣١٥، والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٢٣/ (٢) لكن في إسناده محمد بن حسن ابن زبالة، وهو متروك، كما ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٢٣/٩، ويغني عنه الأحاديث السالفة قبله. (٢) قوله: من، ليس في (ظ). (٣) في (ظ): ولما. (٤) لفظ الآية (٤٠) من آل عمران: ﴿قَالَ رَبٍّ أَنَّ يَكُونُ لِ كُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ اَلْحِكِبَرُ وَأَمْرَأَنِ عَافِرٌّ﴾ . (٥) في (خ) و (ظ): بغلام. (٦) قوله: أين، من (ظ). (٧) أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ ٣٤٤/٢، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٣٦٨) من حديث عتبة بن عبد . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٩/١٠: فيه بقية [بن الوليد] وهو ثقة لكنه مدلس. ١٢٩ سورة آل عمران: الآيتان ٤٢ -٤٣ وقد كان يحِقُّ على من انتحل علمَ الظاهرِ، واستدلَّ بالأشياء الظاهرة على الأشياء الباطنة، أن يعرف قولَ رسول اللّه ◌ِ ﴾: ((أنا سيِّدُ ولدِ آدَمَ ولا فخر))(١) وقوله حيث يقول: ((لِواءُ الحمدِ يومَ القيامةَ بيدي، ومفاتيح الكرم بيدي، وأنا أوَّلُ خطيبٍ، وأوَّلُ شفيعٍ، وأوَّلُ مُبشِّرٍ، وأوَّل وأوَّل))(٢). فلم ينل هذا السُّؤدد في الدنيا على الرسل إلّا لأمرٍ عظيم في الباطن. وكذلك شأنُ مريم لم تنل شهادة اللّه في التنزيل بالصدِّيقيَّة والتصديقٍ بالكلمات إلَّا لمرتبة قريبة دانية. ومن قال: لم تكن نبيَّةً، قال: إن رؤيَتها للملك كما رُؤي جبريلُ عليه السلام في صفة دِحية الكلِيِّ حين سؤاله عن الإسلام والإيمان، ولم تكن الصحابة بذلك أنبياءَ، والأولُ أظهرُ وعليه الأكثر. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿يَرْيَمُ أَقْتُتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرْكَعِى مَعَ الرَّكِينَ ٤٣ أي: أطيلي القيامَ في الصلاة. عن مجاهد. قتادة: أديمي الطاعَة (٣). وقد تقدَّم القولُ في القنوت(٤)؛ قال الأوزاعِيُّ: لمَّا قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاةِ حتى وَرِمَتْ قدماها وسالت دماً وقيحاً عليها السلام(٥). ﴿وَأَسْجُدِى وَأَرَكَبِى﴾ قدَّم السجود هاهنا على الركوع؛ لأن الواو لا توجب الترتيب، وقد تقدَّم الخلافُ في هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ﴾. فإذا قلتَ: قام زيد وعمرو جاز أن يكون عمرو قام قبل زيد، فعلى هذا يكون المعنى: واركعي واسجدي. وقيل: كان شرعهم السجودَ قبل الركوع. ﴿مَعَ الزَّكِعِينَ﴾ قيل: معناه: افعلي كفعلهم وإن لم تصلِّي معهم. وقيل: المراد به صلاةٌ - (١) أخرجه بهذا اللفظ ابن حبان (٦٢٤٢) من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه وأحمد (١٠٩٨٧) وابن ماجه (٤٣٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وسلف ٢٦٢/٣. (٢) أخرجه بنحوه الترمذي (٣٦١٠) وقال: حسن غريب. وينظر الشفا للقاضي عياض ٢٠٦/١ - ٢٠٧. (٣) النكت والعيون ٣٩٢/١ . (٤) ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥ و ٤ /١٨٤. (٥) تفسير البغوي ١/ ٣٠١، والمحرر الوجيز ٤٣٤/١، وأخرجه الطبري ٣٩٩/٥، وابن أبي حاتم (٣٤٩٦) . ١٣٠ سورة آل عمران: الآيتان ٤٣ - ٤٤ الجماعة (١). وقد تقدَّم في البقرة(٢) . قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكُ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ 33 أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنَّبَاءِ الْغَیپٍ﴾ أي: الذي ذکرنا من حدیث زکریا ويحيى ومريمَ عليهم السلام من أخبار الغيب. ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكٌ﴾ فيه دلالة على نبوَّة محمد ﴾، حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب، وأخبر عن ذلك وصدَّقه أهل الكتاب بذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكٌ﴾. فردَّ الكناية إلى (ذلك)) فلذلك ذُكِّر (٣). والإيحاء هنا: الإرسال إلى النبيِّ﴾. والوحيُّ يكون إلهاماً وإيماءً وغير ذلك. وأصلُه في اللغة: إعلامٌ في خفاء، ولذلك صار الإلهام يسمَّى وحياً، ومنه: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِِّنَ﴾ [المائدة: ١١١]، وقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. وقيل: معنى ﴿أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّنَ﴾: أمرتهم، يقال: وَحَى وأَوْحَى، ووَمَى وأَوْمَى بمعناه(٤). قال العجَّاج: أوحى لها القرارَ فاستقرَّتٍ(٥). (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٦/١، والنكت والعيون ١/ ٣٩٢، وتفسير البغوي ١/ ٣٠١. ورأي ابن عطية رحمه الله في المحرر ٤٣٤/١: أن مريم أمرت بالقنوت والسجود وهذان يختصان بصلاتها مفردة ، ثم أمرت - بعدُ - بالصلاة في الجماعة ، فقيل لها: ﴿واركعي مع الراكعين﴾ وقُصد هنا مَعلم من معالم الصلاة؛ لئلا يتكرر اللفظ، ولم يرد بالآية السجود والركوع الذي هو منتظم في ركعة واحدة . (٢) ٢٥/٢ . (٣) تفسير أبي الليث ٢٦٧/١، وتفسير البغوي ٣٠١/١. (٤) في النسخ: رمى وأرمى، والتصويت من تهذيب اللغة ٢٩٦/٥ - ٢٩٧، واللسان (وحى)، وتاج العروس (ومی). (٥) ديوانه ٤٠٨/١ - ٤٠٩ وبعده: وشدها بالراسيات الثَّت. ورواية الديوان: وحى لها ... ، قال ابن دريد في الجمهرة ١٩٨/٢، والجوهري في الصحاح (وحى): ويروى: أوحى لها. ١٣١ سورة آل عمران: الآية ٤٤ أي: أمر الأرضَ بالقرار. وفي الحديث: ((الوَحَى الوَحَى))(١) وهو السرعة، والفعل منه تَوَخَّيتُ تَوَحِّياً. قال ابن فارس(٢): الوحيُ الإشارة والكتابة(٣) والرسالة، وكلُّ ما ألقيتَه إلى غيرك حتى يعلمه وحيّ كيف كان. والوَحِيُّ: السريع. والوَحَى الصَّوْت، ويقال: استوحيناهم، أي: استصرخناهم. قال: أوحيتُ ميموناً لها والأزرقَ (٤) الثانية: قوله تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أي: وما كنتَ يا محمد لديهم، أي: بحضرتهم وعندهم. ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ﴾ جَمْعُ قَلَم، مِن قَلَمَه: إِذا قطعه. قيل: قِدَاحهم وسهامهم. وقيل: أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة، وهو أجود، لأن الأزلام قد نهى اللّه عنها، فقال: ﴿ذَلِكُمْ فِسْؤُ﴾ [المائدة: ٣]. إلَّ أنه يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك على غير الجهة التي كانت عليها الجاهلية تفعلها(٥). ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ أي: يحضُنها، فقال زكريا: أنا أحقُّ بها، خالتُها عندي. وكانت عنده أشيعُ بنتُ فاقود أختُ حَنَّةَ بنتِ فاقود أمِّ مريم. وقال بنو إسرائيل: نحن أحقُّ بها، بنت عالمِنا. فاقترعوا عليها، وجاء كلُّ واحد بقلمه، واتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري، فمَن وقف قلمه ولم يُجرِه الماء(٦) فهو حاضنها(٧). قال (١) قطعة من خطبة أبي بكر الصديق ﴾ أخرجها هنّد في الزهد ٤٩٥، والطبري في التاريخ ٢٢٣/٣ - ٢٢٤، والحاكم ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤، وأبو نعيم في الحلية ٣٤/١ - ٣٥. وأخرجها أحمد في الزهد ص ٣٤٠ عن الحسن، وذكر الأزهري في تهذيب اللغة ٢٩٨/٥، والجوهري في الصحاح (وحى)، والميداني في مجمع الأمثال ٢/ ٣٩٢ أن من كلام العرب قولهم: الوحَى الوحَى، أي العَجْلَ العَجَلِ. وقال ابن الأثير في النهاية (وحى): يُمدّ ويقصر، يقال: توخّيتُ تَوَخِّياً: إذا أسرعتَ، وهو منصوب على الإغراء بفعل مضمر . (٢) مجمل اللغة ٤ / ٩١٩ . (٣) في النسخ: والكتاب، والمثبت من (م). (٤) في (د) و(ز) و(م): والأزراق، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المجمل ، ولم نقف على قائله . (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٦/١. (٦) في (خ): ولم يجر بالماء، وفي (ظ): ولم يجر مع الماء، وفي أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٢٧٣ (والكلام منه): ولم يجر في الماء . (٧) في (ظ) وأحكام القرآن: صاحبها . ١٣٢ سورة آل عمران: الآية ٤٤ النبيُّ ﴿: ((فَجَرَتِ الأقلام وعالَ قلمُ زكريا)»(١). وكانت آيةً له، لأنه نبيٌّ تجري الآيات علی یدیه. وقيل غير هذا . و﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ ابتداء وخبر في موضع نصبٍ بالفعل المضمَر الذي دلَّ عليه الكلام، التقدير: ينظرون أيُّهم يكفل مريم. ولا يعمل الفعل في لفظ ((أي)) لأنها (٢) استفهام(٢). الثالثة: استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القُرْعة، وهي أصلٌ في شرعنا لكلِّ مَن أراد العدل في القسمة، وهي سنَّةٌ عند جمهور الفقهاء في المستَوِيين في الحجة ليُعدلَ بينهم وتطمئنّ قلوبهم، وترتفعَ (٣) الظَّنَّة عمن يتولَّى قسمتهم، ولا يَفْضُلَ أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد، اتباعاً للكتاب والسنَّة. وردّ العملَ بالقُرْعة أبو حنيفة وأصحابُه، وردُّوا الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنها لا معنَى لها وأنها تشبه الأزلام التي نَهى اللّه عنها. وحكى ابن المنذر(٤) عن أبي حنيفة أنه جوَّزها وقال: القرعةُ في القياس لا تستقيم، ولكنَّا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنَّة. قال أبو عبيد(٥): وقد عمِل بالقرعة ثلاثةٌ من الأنبياء: يونس وزكريا ونبيُّنا محمدٌ ﴾. قال ابن المنذر: واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول مَن ردَّها(٦). (١) لم نقف عليه مرفوعاً، وعلقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم عن ابن عباس رضي الله عنهما في كتاب الشهادات، باب القُرعة في المشكلات (الفتح ٢٩٢/٥) ووصله البيهقي في السنن ٢٨٦/١٠ - ٢٨٧، وأخرجه الطبري ٣٤٨/٥ عن عكرمة قوله. وعن السُّدِّيِّ كذلك مطولاً. قال الحافظ في الفتح ٢٩٤/٥: قوله: وعال قلم زكريا، أي: ارتفع، وفي رواية الكشميهني: وعلا ، وفي نسخة: وعدا بالدال . (٢) مشكل إعراب القرآن ١٥٩/١، وتتمة كلامه: ولا يعمل في الاستفهام ما قبله . (٣) في (ظ): وتدفع . (٤) الإشراف ٢/ ٤٤٢ . (٥) بنحوه في غريب الحديث ٢٣٤/٢. (٦) إكمال المعلم ٢٨٦/٨، والمفهم ٣٦٥/٧ وشرح النووي لصحيح مسلم ١٧/ ١٠٣. ١٣٣ سورة آل عمران: الآية ٤٤ وقد ترجم البخاريُّ في آخر كتاب الشهادات: باب القُرْعةِ في المشكِلات وقولِ اللّه عزَّ وجلَّ: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ﴾ وساق حديثَ النعمان بن بشير: ((مَثَلُ القائم على حدود اللّه والمُدْهِنِ فيها كمَثَل(١) قومِ اسْتَهَمُوا على سفينةٍ)) الحديث(٢). وسيأتي في (الأنفال)) إن شاء اللّه تعالى، وفي سورة ((الزخرف)) أيضاً بحَوْلِ اللّه سبحانه(٣). وحديثَ أمِّ العلاء، وأن عثمان بن مَظْعُون طار لهم سَهمُه في السُّكْنَى حين اقترعت الأنصار سُكْنَى المهاجرين، الحديث(٤)، وحديثَ عائشة قالت: كان رسول اللّه ◌ِ﴾. إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهنَّ خرج سهمها خرج بها، وذكر الحديث(٥). وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك، فقال مرَّةً: يُقْرع، للحديث. وقال مَرَّة: يسافِر بأوفقهنَّ له في السفر(٦). وحديثُ أبي هريرة أن رسول اللّه ﴾ قال: ((لو يعلمُ الناس ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأول، ثم لم يجدوا إلَّا أن يَسْتَهِموا عليه لاستهموا))(٧). والأحاديثُ في هذا المعنى كثيرة. وكيفيةُ القُرْعة مذكورةٌ في كتب الفقه والخلاف. واحتجَّ أبو حنيفة بأن قال: إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبيِّ # كانت ممَّا لو تراضَوْا عليه دون قرعةٍ لجاز. قال ابن العربيّ(٨): وهذا ضعيف، لأن القرعة إنما فائدتُها استخراجُ الحكم الخَفِيِّ عند التَّشَاحِ، فأما ما يُخرجه التراضي فبابٌ آخر، ولا يصحُّ لأحد أن يقول: إن القرعة تجري مع موضِع التراضي، فإنها لا تكون أبداً مع التراضي، وإنما تكون فيما يَتَشاحُ الناس فيه ويُضَنُّ به. وصفة القرعة عند الشافعيِّ ومَن قال بها: أن تُقطع رِقاعٌ صغار مستوية، فيكتب في كلِّ رقعةٍ اسمُ ذي السهم، ثم تجعل في بنادق طينٍ مستوية لا تفاوتَ فيها، ثم (١) في (م): مثل . (٢) صحيح البخاري (٢٦٨٦)، وهو عند أحمد (١٨٣٦١)، قوله: المدهن، أي: المحابي. الفتح ٢٩٥/٥. (٣) الآية: ٢٥ من سورة الأنفال، والآية: ٣٣ من سورة الزخرف. (٤) صحيح البخاري (٢٦٨٧)، وهو عند أحمد (٢٧٤٥٧) . (٥) صحيح البخاري (٢٦٨٨)، وهو عند أحمد (٢٥٦٢٣)، ومسلم (٢٧٧٠). (٦) إكمال المعلم ٢٨٧/٨، والمفهم ٣٦٥/٧ - ٣٦٦. (٧) أخرجه أحمد (٧٢٢٦)، والبخاري (٢٦٨٩). (٨) أحكام القرآن ١/ ٢٧٣ . ١٣٤ سورة آل عمران: الآية ٤٤ تجفّف قليلاً، ثم تُلقى في ثوب رجل لم يحضُر ذلك، ويغطّ عليها ثوبه، ثم يدخل يده ويُخرج، فإذا أُخرج(١) اسم رجل أُعطي الجزء الذي أُقرع عليه. الرابعة: ودلَّت الآية أيضاً على أن الخالة أحقُّ بالحضانة من سائر القرابات ما عدا الجدَّة، وقد قضى النبيُّ﴾ في ابنة حمزة - واسمُها أَمَةُ اللّه - لجعفر، وكانت عنده خالتُها، وقال: ((إنما الخالةُ بمنزلة الأم))(٢). وقد تقدَّمت في البقرة هذه المسألة(٣). وخرَّج أبو داود(٤) عن عليٍّ قال: خرج زيد بن حارثة إلى مكة فقدِم بابنة حمزة، فقال جعفر: أنا آخذُها، أنا أحقُّ بها، ابنةُ عمي وخالتُها عندي، وإنما الخالةُ أم. فقال عليٍّ: أنا أحقُّ بها، ابنةُ عمي وعندي ابنةُ رسول اللّه ◌َ﴿، فهي أحقُّ بها. وقال زيد: أنا أحقُّ بها، أنا خرجتُ إليها وسافرتُ وقدِمت بها، فخرج النبيُّ 8*، فذكر حديثاً؛ قال: ((وأما الجاريةُ فأقضي بها لجعفر تكونُ مع خالتها، وإنما الخالةٌ أمِّ)(٥). وذكر ابن أبي خَيْئَمة (٦) أن زيد بن حارثة كان وصِيَّ حمزة(٧)، فتكون الخالةُ على هذا أحقَّ من الوصِيِّ، ويكون ابن العم إذا كان زوجاً غيرَ قاطعٍ بالخالة في الحضانة، وإن لم يكن مَحْرَماً لها(٨) (١) في النسخ الخطية: خرج والمثبت من (م). (٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٩) من حديث البراء بن عازب. قال الحافظ في الفتح ٧/ ٥٠٥: ابنة حمزة اسمها عمارة، وقيل: فاطمة، وقيل: أمامة، وقيل: أمة الله، وقيل: سلمى، والأول هو المشهور ، ونقل في الإصابة ١٢٦/١٢ عن الخطيب: أن رسول الله * زوجها من سلمة بن أم سلمة. (٣) ٤ / ١١٣. (٤) سنن أبي داود (٢٢٧٨)، وهو عند أحمد (٧٧٠)، وتقدم ١١٣/٤ . (٥) جاء في رواية أحمد: فقال رسول الله﴾: ((أمَّا أنت يا جعفر، فأشبّهْتَ خَلْقي وخُلُقي، وأمَّا أنت يا عليَّ، فمنِّي وأنا منك، وأما أنت يا زيد، فأخونا ومَوْلانا، والجاريةُ عند خالتها فإن الخالة والدة». ووقع هذا أيضاً عند البخاري من حديث البراء السالف. (٦) واسمه أحمد بن زهير بن حرب، صاحب كتاب ((التاريخ الكبير)) الكثير الفائدة، توفي في سنة (٢٧٩ هـ). السير ١١/ ٤٩٢ . (٧) أخرجه ابن سعد في الطبقات ١٥٩/٨ من حديث ابن عباس ، وهو من رواية الواقدي. (٨) أحكام القرآن لابن العربي ٢٧٤/١. ١٣٥ سورة آل عمران: الآيتان ٤٥ - ٤٦ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِىِ الْمَهْدِ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِىِ الدُّنْيَا وَاَلْأَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ ٤٦ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّلِينَ دليلٌ على نبوَّتها كما تقدَّم. و((إذ)) متعلقةٌ بـ ((يختصِمون)). ويجوز أن تكون متعلقةً بقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾(١) . ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ وقرأ أبو السَّمَّال(٢): ((بِكِلْمَة))، وقد تقدَّم. ﴿أَسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ ولم يقل: اسمها: لأن معنى ((كلمة)): ولد(٣). والمسيح لقبٌ لعيسى، ومعناه: الصدِّيق، قاله إبراهيم النخَعيُّ(٤). وهو فيما يقال معرَّب، وأصله الشين وهو مشترك. قال ابن فارس(٥): والمسيح: العَرَق، والمَسِيح: الصِّدِّيق، والمَسِيح: الدرهم الأطلسُ لا نقشَ فيه. والمَسْح: الجماع، يقال: مسحها. والأَمْسح: المكان الأملس. والمَسْحَاءُ: المرأة الرَّسْحاء التي لا اسْتَ لها. وبفلان مَسْحة من جمال. والمسائح قِسِيٍّ چیاد، واحدتها مَسِیحة. قال: لها مَسائحُ زُورٌ في مراكِضها لِينٌ وليس بها وَهْيٌّ ولا رَقَق(٦) (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٧٧/١. قال ابن عطية في المحرر ٤٣٥/١: وهذا كله يردُّه المعنى، لأن الاختصام لم يكن عند قول الملائكة . (٢) في (د): السماك، وفي (خ) و(ظ): سماك، وفي (م): السمان، والمثبت هو الصواب، وسلف ص ١١٥، عند قوله تعالى: (مصدقاً بكلمة من الله)، ونسبها لأبي السمال أيضاً أبو حيان في البحر ١/ ٤٤٧ . (٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): لأن معنى كلمة معنى ولد، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ٣٧٧/١، والكلام منه . (٤) علقه عنه البخاري بصيغة الجزم في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك .. ﴾. وأخرجه الطبري ٤٠٩/٥، وابن أبي حاتم (٣٥١٦). ونقل الأزهري في تهذيب اللغة ٣٤٧/٤ عن أبي بكر بن الأنباري قوله: واللغويون لا يعرفون هذا ، قال: ولعل هذا كان مستعملاً في بعض الأزمان ، فدّرَس فيما درس من الكلام . (٥) المجمل ٣/ ٨٣٠ وما قبله منه. (٦) المجمل ٨٣٠/٣، والصحاح واللسان (مسح)، ووقع في (م) والصحاح واللسان: وهن، بدل: وهي، ونسبه ابن منظور في اللسان لأبي الهيثم الثعلبي، ونقل عن ابن بري قوله: صواب: إنشاده: لنا مسائح، أي: لنا قسِيٌّ. وزور: جمع زوراء وهي المائلة، ومراكضها: يريد مِرْكضَيْها وهما جانباها من عن يمين الوتر ويساره، والوهن والرقق: الضعف. ١٣٦ سورة آل عمران: الآيتان ٤٥ - ٤٦ واختلف في المسيح ابن مريم مماذا أخذ؟ فقيل: لأنه مسح الأرض، أي: ذهب فيها فلم يستكِنَّ بِكِنٍّ، ورُوي عن ابن عباس أنه كان لا يمسح ذا عاهةٍ إلَّا بَرِئ، فكأنه سُمِّي مسيحاً لذلك، فهو على هذا فعيلٌ بمعنى فاعل. وقيل: لأنه ممسوحٌ بدهن البركة، كانت الأنبياء تُمسح به، طيِّبٍ الرائحة، فإذا مُسح به علم أنه نبيّ . وقيل: لأنه كان ممسوح الأَخْمَصَيْن. وقيل: لأن الجمال مَسَحَه، أي: أصابه وظهر عليه. وقيل: إنما سُمي بذلك لأنه مُسح بالظُهر(١) من الذنوب. وقال أبو الهيثم (٢): المسيح ضِدُّ المسيخ، يقال: مَسَحَه اللّه، أي: خلقه خَلْقاً حسناً مباركاً، ومسخه أي: خَلَقه خلقاً ملعوناً قبيحاً. وقال ابن الأعرابيِّ: المسيح الصِّدِّيق [وبه سمي عيسى]، والمسيخ الأعور، وبه سُمِّ الدجّال. وقال أبو عبيد: المسيح أصلُه بالعبرانية مَشِيحاً، بالشين، فعرِّب كما عُرِّب موشى بموسى. وأما الدَّجَّال فسمِّي مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين. وقد قيل في الدَّجَّال مِسِّيح، بكسر الميم وشدِّ السِّين. وبعضُهم يقوله(٣) كذلك بالخاء المنقوطة. وبعضهم يقول: مَسِيخ، بفتح الميم وبالخاء والتخفيف، والأوَّل أشهرُ وعليه الأكثر. سمِّي به لأنه يسيح في الأرض، أي: يطوفُها، ويدخل جميع بلدانها، إلَّ مكةً والمدينة وبيتَ المقدس، فهو فَعِيل بمعنى فاعل، فالدجّال يمسح الأرض مِحْنَةً، وابن مريم يمسحها مِنْحةً. وعلى أنه ممسوح العين فعيل بمعنى مفعول(٤). وقال الشاعر: (١) في النسخ الخطية: بالتطهير والمثبت من (م). (٢) أبو الهيثم الرازي، اشتهر بكنيته، كان بارعاً حافظاً صحيح الأدب، عالماً ورعاً كثير الصلاة، من كتبه: الشامل في اللغة، والفاخر في اللغة، توفي سنة (٢٧٦هـ). إنباه الرواة ١٨٢/٤، ومقدمة تهذيب اللغة ٢٦/١ (٣) في (ظ) و(م): يقول. (٤) تهذيب اللغة ٣٤٧/٤ - ٣٤٨، وإكمال المعلم ٥١٩/١ - ٥٢٠، والمفهم ٣٩٨/١ - ٣٩٩، وما بين حاصرتين مثبت من هذه المصادر. وينظر كذلك المحرر الوجيز ٤٣٦/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٧٧/١ . ١٣٧ سورة آل عمران: الآيتان ٤٥ - ٤٦ إنَّ المسِيح يقتل المسِيحا(١) وفي صحيح مسلم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ): ((ليس مِن بلدٍ إلَّا سَيَطَؤُه الدجَّال إلاّ مكّةَ والمدينةَ)) الحديث(٢). ووقع في حديث عبد الله بن عمرو: ((إلا الكعبةَ وبيتَ المقدس)) ذكره أبو جعفر الطبري(٣) . وزاد أبو جعفر الطَّحَاويُّ: ((ومسجد الطور))، رواه من حديث جُنَادَة بنِ أبي أمية، عن بعض أصحاب النبيِّي *، عن النبيِّ ﴾(٤). وفي حديث أبي بكر بن أبي شيبة، عن سَمُرةَ بن جُنْدُب، عن النبيِّ ◌َ﴾: ((وأنه سيظهرُ على الأرض كلِّها إلَّ الحرمَ وبيتَ المقدس، وأنه يَحصُر المؤمنين في بيت المقدس)) وذكر الحديث(٥). وفي صحيح مسلم: ((فبينا هو كذلك، إذ بعث اللّه المسيحَ ابنَ مريم، فينزلُ عند المنارةِ البيضاءِ شَرْقِيَّ دِمَشق، بين مَهْرُودتين، واضِعاً كفّيه على أجنحةِ مَلَكَيْن، إذا طَأُطَأَ رأسه قَطَر، وإذا رَفَعَه تحدَّر منه جُمَان كاللؤلؤ، فلا يَحِلُّ لكافر يجدُ ريح نَفَسه إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طَرْفُه، فيطلبه حتى يُدْركَه بباب لُدِّ فيقتلُه)) الحديثَ بطوله(٦). (١) في (د) و(ظ) و(م): المسيخا، والمثبت من (خ)، وهو الموافق لما في تهذيب اللغة ٣٤٧/٤، ومجمع البيان ٢/ ٨٠، واللسان (مسح)، وهو في التهذيب واللسان برواية: إذا المسيح. وفي مجمع البيان: إذ المسيح، ولم نقف على قائله. (٢) صحيح مسلم (٢٩٤٣)، وأخرجه البخاري (١٨٨١)، وهو عند أحمد بنحوه (١٢٩٨٦). (٣) لم نقف عليه عند الطبري، ونسبه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٣٥٠ إلى الطبراني وقال: وفيه من لم أعرفهم. (٤) شرح مشكل الآثار (٥٦٩٢)، وهو عند أحمد (٢٣٠٩٠)، قال الحافظ في الفتح ١٠٥/١٣ : رجاله ثقات . (٥) مصنف ابن أبي شيبة ٤٦٩/٢، وهو عند أحمد (٢٠١٧٨)، والحاكم ٣٣٠/١ وصححه. (٦) صحيح مسلم (٢٩٣٧)، وهو عند أحمد (١٧٦٢٩) من حديث النَّوَّاس بن سمعان الكلابي. قوله: بين مهرودتين، أي: في شُقّتَيْن أو حُلَّتين، وقيل: الثوب المهرود: الذي يصبغ بالورس ثم بالزعفران، فيجيء لونه مثل لون زهرة الحوذانة. النهاية ٢٥٨/٥. وقال القاضي عياض في إكمال المعلم ٤٨٦/٨: قوله: لا يحل ، قيل: لا يمكن ، ومعناه عندي: واجب وحق . ١٣٨ سورة آل عمران: الآيتان ٤٥ - ٤٦ وقد قيل: إن المسيح اسمٌ لعيسى غيرُ مشتقٌّ؛ سمَّاه الله به (١). فعلى هذا يكون عیسی بدلاً من المسيح، من البدل الذي هو هو . وعيسى اسم أعجميٍّ، فلذلك لم ينصرف، وإن جعلتَه عربيّاً لم ينصرف في معرفة ولا نكرة، لأن فيه ألف تأنيث. ويكون مشتقّاً من عاسَه يَعُوسُه: إذا ساسَه وقامَ عليه(٢) . ﴿وَجِيهًا﴾ أي: شريفاً ذا جاهٍ وقَدْر، وانتصب على الحال، قاله الأخفش. ﴿وَمِنَ اٌلْمُقَرَِّينَ﴾ عِند اللّه تعالى، وهو معطوف على ((وجيهاً)) أي: ومُقَرَّباً، قاله الأخفش. وجَمْعُ وجيه: وُجَهَاء ووِجاه (٣). ﴿وَيُكَلِمُ النَّاسَ فِ اَلْمَهْدِ﴾ عطف على ((وجيهاً))، قاله الأخفش أيضاً . و﴿اَلْمَهْدِ﴾ مضجع الصبيِّ في رضاعه. ومَهَّدْتُ الأمر: هيَّأْتُه ووظَّأْتُه. وفي التنزيل ﴿فَلَأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]. وامتّهد الشيءُ: ارتفع كما يمتهد سَنَام البعير. ﴿وَكَهْلًا﴾ الكهلُ بين حال الغلومة وحال الشيخوخة. وامرأة كَهْلَة. واكتَهلت الروضة: إذا عمَّها النَّوْر(٤). يقول: يكلِّم الناس في المهد آيةً، ويكلمهم کھلاً بالوحي والرسالة. وقال أبو العباس(٥): كلَّمهم في المهد حين برَّأ أمَّه، فقال: ﴿إِنِّى عَبْدُ الَّهِ﴾ الآية [مريم: ٣٠]. وأما كلامه وهو كهل؛ فإذا أنزله اللّه تعالى أنزله على(٦) صورة ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة، وهو الكهل، فيقول لهم: ((إني عبد اللّه)) كما قال في المهد. فهاتان آیتان وحُجّتان . قال المهدوِيُّ: وفائدة الآية أنه أعلمهم أن عيسى عليه السلام يكلّمهم في المهد، (١) المفهم ٣٩٩/١ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ١/ ٣٧٧. (٣) في (خ) و(م): ووجهاء، والمثبت من (د) و(ظ) وهو الموافق لما في إعراب القرآن للنحاس ١/ ٣٧٧ والكلام منه، وكلام الأخفش في معاني القرآن ١/ ٤٠٧ . (٤) مجمل اللغة ٨١٨/٣ (مهد)، و٣/ ٧٧٣ (كهل). (٥) هو ثعلب، أحمد بن يحيى، وقد نقل الأزهري هذا القول عنه بنحوه في تهذيب اللغة ١٨/٦. (٦) في النسخ الخطية: في . والمثبت من (م). ١٣٩ سورة آل عمران: الآيتان ٤٥ - ٤٦ ويعيش إلى أن يكلِّمهم كهلاً، إذ كانت العادة أنَّ من تكلم في المهد لم يعش. قال الزجَّاج: ((وكهلاً)) بمعنى: ويكلِّم الناس كهلاً. وقال الفَرَّاء والأخفش: هو معطوف على ((وجِيهاً))(١). وقيل: المعنى: ويكلِّم الناسَ صغيراً وكهلاً. وروى ابن جُريح عن مجاهد قال: الكهلُ: الحليم(٢). قال النحاس(٣): هذا لا يُعرف في اللغة، وإنما الكهل عند أهل اللغة مَن ناهز الأربعين. وقال بعضهم: يقال له حَدَثٌّ إلى ستَّ عَشْرَةَ سنة، ثم شابٌّ إلى اثنتين وثلاثين سنة. ثم يَكْتهل في ثلاثٍ وثلاثين. قال(٤) الأخفش: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ عطف على ((وجِيهاً)) أي: وهو من العِباد الصالحين. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة: حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن حُصَيْن، عن هلال بن بِسَاف قال: لم يتكلَّم في المهد إلا ثلاثةٌ: عيسى، وصاحبُ يوسفَ، وصاحبُ جريج(٥). كذا قال: ((وصاحب يوسف)). وفي (٦) صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبيِّ﴿ قال: ((لم يتكلّم في المهد إلَّا ثلاثةٌ: عيسى ابن مريم، وصاحب جُریج، ... ، وبيْنا صبيٍّ يرضع من أمِّه)) وذكر الحديث بطوله(٧) . وقد جاء من حديث صُهيبٍ في قصة الأُخدود ((أنَّ امرأةً جِيءَ بها لتُلقَى في النار (١) معاني القرآن للزجَّاج ٤١٢/١، وللفراء ٢١٣/١، وللأخفش ٤٠٧/١ ، ونقل المصنف هذه الأقوال بواسطة النحاس في إعراب القرآن ١/ ٣٧٧ . (٢) علقه البخاري عنه قبل الحديث (٣٤٣٣)، قال الحافظ في الفتح ٤٧٢/٦: وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) إعراب القرآن ٣٧٨/١. (٤) في (م): قاله. وكلامه في إعراب القرآن ٣٧٨/١ . (٥) مصنف ابن أبي شيبة ٥٤٥/١١ . وهو مرسل كما ذكر الحافظ في الفتح ٦/ ٤٨٠ . (٦) في (خ) و(م): وهو في. (٧) وقع في النسخ: ((وصاحب جُريج، وصاحب الجبَّار، وبينا صبيٍّ يرضع من أمه))، بزيادة لفظ: وصاحب الجبَّار، وهو تكرار، فلفظ الحديث كما في صحيح مسلم (٢٥٥٠): (٨): ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابنُ مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلاً عابداً، فاتخذ صومعة ... )). وذكر قصة جُريج ... وبعده: ((وبينا صبيّ يرضعُ من أمه، فمرَّ رجل راكبٌ على دابة فارهة وشارة حسنة ... )) إلى آخر الحديث. فـ ((صاحب الجبار)) هو الصبيّ الذي يرضع من أمه. والحديث أيضاً عند أحمد (٨٠٧١) والبخاري (٣٤٣٦). ١٤٠ سورة آل عمران: الآيتان ٤٥ - ٤٦ على إيمانها ومعها صبيٌّ - في غير كتاب مسلم: يَرضعُ - فتقاعست أن تقع فيها، فقال الغلام: يا أمَّة، اصبري، فإنك على الحقّ))(١). وقال الضخَّاك: تكلّم في المهد ستَّةٌ: شاهِدُ يوسف، وصبيُّ ماشِطةِ امرأةٍ فرعون، وعيسى، ويحيى، وصاحبُ جُريج، وصاحبُ الجَبَّار. ولم يَذكر الأخدود، فأسقَطَ صاحبَ الأخدود، وبه يكون المتكلِّمون سبعة. ولا معارضةً بين هذا وبين قوله عليه الصلاة والسلام: ((لم يتكلَّم في المهد إلَّا ثلاثةٌ)) بالحصر، فإنه أخبر بما كان في علمه ممَّا أُوحي إليه في تلك الحال، ثم بعد هذا أعلمه اللّه تعالى بما شاء من ذلك فأخبر به(٢) . قلت: أمَّا صاحبُ يوسفَ فيأتي الكلام فيه(٣)، وأما صاحب جُریج وصاحبُ الجَبَّار وصاحبُ الأخدودِ، ففي صحيح مسلم. وستأتي قصةُ الأخدود في سورة (البروج)) إن شاء اللّه تعالى. وأما صبيُّ ماشطةِ امرأةٍ فرعونٍ، فذكر البيهقيُّ عن ابن عباس(٤) قال: قال النبيُّ ﴾: ((لما أُسري بي سِرْتُ في (٥) رائحة طيّبة، فقلت: ما هذه الرائحة؟ قالوا: ماشطةُ ابنةٍ فرعون وأولادها، سقط مشطُها من يديها (٦) فقالت: بسم اللّه، فقالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: ربِّي وربُّكِ وربُّ أبيكِ، قالت: أوَلكِ ربِّ غيرُ أبي؟ قالت: نعم، ربِّي وربُّكِ وربُّ أبيكِ اللّهُ، قال: فدعاها فرعونُ، فقال: ألكِ ربِّ غيري؟ قالت: نعم، ربي وربُّكَ اللّه، قال: فأمر بنُقرةٍ(٧) من نُحاس، فأُحميت، ثم أمر بها لتلقَى فيها، قالت: إن لي (١) المفهم ٥١١/٦، والحديث في صحيح مسلم (٣٠٠٥)، ومسند أحمد (٢٣٩٣١) ولفظه فيه: ((فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست)). (٢) المفهم ٦/ ٥١٢ ، وقوله: وصاحب الجبار، من (م) وليس في باقي النسخ، ووقع في المفهم بدلاً منه: وصاحب الأخدود، وقال أبو العباس إثره: فأسقط الضحاك صبي الجبار وذكر مكانه يحيى، وعلى هذا يكون المتكلمون سبعة . (٣) عند قوله تعالى: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ [٢٦]. (٤) دلائل النبوة ٣٨٩/٢، والشعب (١٦٣٦)، وهو عند أحمد (٢٨٢١)، وابن حبان (٢٩٠٤). (٥) في (د): سرت بي، وفي الدلائل والشعب: مرَّت بي، وعند أحمد: أتت علي. (٦) في (خ) و(ظ): من بين يديها، وفي الدلائل والشعب: من يدها. (٧) في (ظ): ببقرة، وقد رويت في الحديث بالوجهين، ففي المسند والدلائل: ببقرة، وعند ابن حبان =