النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ سورة آل عمران: الآيتان ١٦ - ١٧ وقال سفيان الثوريّ: بلغني أنه إذا كان أوّلُ الليل نادى مُنادٍ: لِيَقُمِ القانتون. فيقومون كذلك يُصلُّون إلى السَّحَر، فإذا كان عند السَّحَر نادى مُنادٍ: أين المستغفرون، فيستغفر أولئك، ويقوم آخرون فيصلون فيلحقون بهم. فإذا طلَع الفجر؛ نادى مُنادٍ: ألا لِيقُم الغافلون، فيقومون من فُرشِهم كالموتى نُشِروا من قبورهم. وروي عن أنس قال(١): سمعتُ النبيَّ # يقول: ((إنّ اللّه يقول: إني لأهُمُّ بعذاب أهل الأرض، فإذا نظرتُ إلى عُمَّار بيوتي، وإلى المتحابّين فيَّ، وإلى المتهجِّدين والمستغفرين بالأسحار، صَرفتُ عنهم العذابَ بهم))(٢). قال مكحول: إذا كان في أُمَّة خمسةَ عشرَ رجلاً يستغفرون اللّه كلَّ يوم خمساً وعشرين مرةً، لم يؤاخذِ اللّه تلك الأُمّةَ بعذاب العامَّة. ذكره أبو نُعيم في كتاب ((الحلية))(٣). وقال نافع: كان ابن عمر يُحيي الليلَ ثم يقول: يا نافع، أَسحَرْنا؟ فأقول: لا . فَيُعاودُ الصلاةَ ثم يسأل، فإذا قلت: نعم، فَعَد يستغفر. وروَى إبراهيم بنُ حاطِب عن أبيه قال: سمعتُ رجلاً في السَّحَر في ناحية المسجد يقول: يا ربّ، أمرتَني فأطعتُك، وهذا سَحَرٌ، فاغْفِرْ لي. فنظرتُ، فإذا ابنُ مسعود(٤). قلت: فهذا كلُّه يدلُّ على أنه استغفارٌ باللسان مع حضور القلب، لا ما قال ابنُ زيد أنّ المرادَ بالمستغفرين الذين يُصلُّون صلاةَ الصبح في جماعة(٥)، والله أعلم . (١) لفظة: قال، من (ظ). (٢) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٩٠٥١) وفي إسناده صالح بن بشير المرّي، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب، وضعفه السيوطي في الجامع الصغير ٢٦٠/١ . (٣) ١٨٣/٥. ووقع في (م): الحلية له. (٤) في (م): فإذا هو ابن مسعود، وأخرج هذا الأثر والذي قبله الطبري ٢٦٦/٦ . وانظر المحرر الوجيز ٤١١/١ . (٥) أخرجه الطبري ٢٦٧/٦، وأورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٤١١/١ من قول زيد بن أسلم. ٦٢ سورة آل عمران: الآيتان ١٦ - ١٧ وقال لقمانُ لابنه: يا بُنيَّ لا يَكُنِ الدِّيكُ أكيَسَ منك، يُنادِي بالأسحار وأنت نائم (١). والمختار من لفظ الاستغفار ما رواه البخاريُّ عن شدَّاد بنٍ أوس - وليس له في ((الجامع)) غيره - عن النبيِّ :﴿ قال: ((سيد الاستغفار أن تقول: اللّهم أنت ربِّي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أَبُوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ لك(٢) بذنبي، فاغفِرْ لي، فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت)). قال: ((ومَنْ قالَها من النهار مُوقناً بها، فماتَ من يومه قبل أن يُمسيَ، فهو من أهل الجنة، ومَنْ قالَها من الليل وهو مُوقِنٌ بها، فماتَ من ليله(٣) قبل أن يُصبحَ، فهو من أهل الجنة))(٤). وروى أبو محمد عبد الغنيّ بنُ سعيد من حديث ابن لَهيعةً، عن أبي صخر، عن أبي معاوية، عن سعيد بنٍ جُبير، عن أبي الصَّهْباء البكريّ، عن عليٍّ بن أبي طالب ﴾ أنّ رسول اللّه # أخذَ بيد عليّ بن أبي طالب ﴾، ثم قال: «ألا أُعَلِّمك كلماتٍ تقولُهنَّ لو كانت ذنوبُك كَمَدبِّ النمل - أو كَمَدبّ الذّرّ - لَغَفَرَها الله لك، على أنه مغفورٌ لك: اللّهم لا إله إلا أنت سبحانك، عَمِلتُ سوءاً وظلمتُ نفسي، فاغفِرْ لي، فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنتَ))(٥). (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥٦٩٨)، وأورده البغوي في تفسيره ١/ ٢٨٥ من قول الحسن. (٢) قوله : ((لك)) ليس في (د) و(م). (٣) في (ظ): من ليلته. (٤) صحيح البخاري (٦٣٠٦)، وهو في مسند أحمد (١٧١١١) . (٥) ذكر الهندي في كنز العمال (٥٠٥٢) أنه في إيضاح الإشكال لعبد الغني بن سعيد، وزاد نسبته لابن أبي الدنيا في الدعاء. قلنا: وأخرجه من طريق ابن لهيعة - بهذا الإسناد - البيهقيُّ في الدعوات الكبير (١٩٠). وابن لهيعة - وهو عبدالله - ضعيف. وفي إسناده أيضاً محفوظ بن أبي توبة، وهو ضعيف كما في علل أحمد (٥١٣٤). وأبو صخر: هو حميد بن زياد. وأبو معاوية: هو عمار بن معاوية الدهني البجلي. وأخرج أحمد (٨)، والبخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥) عن أبي بكر الصديق أنه قال لرسول الله %: علّمني دعاءً أدعو به في صلاتي. قال: ((قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم)). وفي رواية: ظلماً كثيراً. ٦٣ سورة آل عمران: الآية ١٨ قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِاَلْقِسْطِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ الْحَكِيمُ فيه أربع مسائل : الأولى: قال سعيد بن جُبير: كان حولَ الكعبة ثلاثُ مئة وستون صنماً، فلما نزلت هذه الآيةُ خَرَّتْ(١) سُجّداً (٢). وقال الكلبيّ: لما ظهر رسولُ اللّه : ﴿ بالمدينة قَدِمَ عليه حِبْران من أحبار أهل الشام، فلما أبصَرا المدينةً قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبيِّ الذي يخرجُ في آخر الزمان !. فلما دخلا على النبيِّ ﴿، عَرَفاه بالصِّفة والنَّعْت فقالا له: أنت محمد؟ قال: ((نعم))، قالا: وأنت أحمد؟ قال: ((نعم))، قالا: نسألك عن شهادة، فإنْ أنت أخبرتنا بها آمنًا بك وصدَّقناك. فقال لهما رسول اللّه ◌ِ﴾: (سَلَاني)). فقالا: أَخْبِرْنا عن أعظم شهادة في كتاب اللّه. فأنزل الله تعالى على نبيه ﴾: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْرِ قَبِمًا بِالْقِسْطِ﴾. فأسلمَ الرجلان، وصدَّقا برسول اللّه ﴾(٣). وقد قيل: إنّ المراد بأُولي العلم الأنبياءُ عليهم السلام. وقال ابن كَيْسان: المهاجرون(٤) والأنصار. مقاتل: مؤمنو(٥) أهل الكتاب. السدّيّ والكلبيّ: المؤمنون كلهم(٦)، وهو الأظهرُ، لأنه عامّ. الثانية: في هذه الآية دليلٌ على فضل العلم وشَرَف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان (١) في (خ) و(د) و(م): خَرَرْن. (٢) أورده ابن الجوزي في زاد المسير ٣٦٢/١، والسيوطي في الدر المنثور ١٢/٢ ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر، والله أعلم بصحته. (٣) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص٩٢، وابن الجوزي في زاد المسير ٣٦٢/١. (٤) في النسخ: المهاجرين، والمثبت من (م). (٥) في النسخ: مؤمني، والمثبت من (م). (٦) أورد هذه الأقوال البغوي في تفسيره ٢٨٦/١، وفيه قول مقاتل: علماء مؤمني أهل الكتاب، وقول السُّدّيّ والكلبيّ: يعني جميع علماء المؤمنين. ٦٤ سورة آل عمران: الآية ١٨ أحدٌ أشرفَ من العلماء لَقَرِنَهم الله باسمه واسم ملائكته كما قَرَنَ اسمَ العلماء. وقال في شرف العلم لنبيه *: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. فلو كان شيء أشرفَ من العلم لأمر اللّه تعالى نبيَّه #: أن يسأله المزيدَ منه كما أمره(١) أن يَستزيدَه من العلم. وقال ﴿: ((إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء))(٢). وقال: ((العلماءُ أُمَنَاء اللّه على خَلْقه))(٣). وهذا شَرَفٌ للعلماء عظيم، ومحلٌّ لهم في الدِّين خطير. وخرَّج أبو محمد عبد الغنيّ الحافظ من حديث بَركَة بن نشيط - وهو غَشْكل(٤) بن حکارك، وتفسیرہ: برکة بن نَشِیط ۔ وکان حافظاً، حدثنا عمر بن المُؤمل، حدثنا محمد بن أبي الخصيب، حدثنا غثكل، حدّثنا محمد بن اسحاق، حدثنا شَريك، عن أبي اسحاق، عن البراء قال: قال رسول اللّه﴾: ((العلماءُ ورثةُ الأنبياء، يُحبُّهم أهلُ السماء، ويستغفرُ لهم الحِيتانُ في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة))(٥). وفي هذا الباب(٦) عن أبي الدرداء، خرَّجه أبو داود(٧). الثالثة: روى غالبٌ القظّان قال: أتيت الكوفةَ في تجارة، فنزلتُ قريباً من الأعمش، فكنت أختلف إليه. فلما كان ليلة أردتُ أن أنحدرَ إلى البصرة قام فتهجد (١) في (م): أمر. (٢) أخرجه أحمد (٢١٧١٥)، وأبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢) من حديث أبي الدرداء ه مطولاً وفيه قصة. وأورده البخاري في صحيحه في ترجمة كتاب العلم؛ باب: العلم قبل القول والعمل (فتح الباري ١٥٩/١ - ١٦٠). (٣) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١١٥) من حديث أنس . وحسنه السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ١٥٢ والعامري في شرح الشهاب فيما ذكره المُناوي في فيض القدير ٣٨٢/٤ . (٤) في النسخ: عنكل (في الموضعين) والمثبت من نزهة الألباب في الألقاب للحافظ ابن حجر ٢/ ٤٧، فقد قيَّده بمعجمة، ثم مثلثة، بوزن جعفر، ووقع في مطبوع موضح أوهام الجمع والتفريق ٣٥٧/٢ : غتكل؛ بالتاء . (٥) نسبه السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ١٥٣ لابن النجار من حديث أنس، ورمز لضعفه، وتعقبه المناوي في فيض القدير ٣٨٥/٤ ، بأنه خرَّجه أبو نعيم والديلمي والحافظ عبد الغني، وغيرهم، بعضهم من حديث أنس، وبعضهم من حديث البراء، ونقل عن الحافظ ابن حجر قوله فيه: له طرق وشواهد، یعرف بها أن للحديث أصلاً. (٦) بعدها في (م): حديث. (٧) رقم (٣٦٤١)، وفيه: ((إن العلماء ورثة الأنبياء)) وقد سلف قريباً، وهو هند أحمد (٢١٧١٥). ٦٥ سورة آل عمران: الآية ١٨ من الليل، فقرأ بهذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَابِمًا بِاَلْقِسْطَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَِزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾، قال الأعمش: وأنا أشهدُ بما شَهِد اللّه به، وأَستودعُ اللّهَ هذه الشهادةَ، وهي لي عند اللّه وديعةٌ، وأنّ الدين عند الله الإسلام - قالها مِراراً - فَغَدوتُ إليه وودَّعتُه، ثم قلت: إني سمعتُك تقرأُ هذه الآيةَ، فما بلغكَ فيها؟ أنا عندك منذ سنة لم تُحدِّثني به. قال: واللّه، لا حدَّثْتُك به سنةً. قال: فأقمتُ وكتبتُ على بابه ذلك اليوم، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد، قد مضتِ السنة. قال: حدثني أبو وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسولُ اللّه ◌ِ﴾: ((يُجَاءُ بصاحبها يومَ القيامة، فيقول الله تعالى: عبدي عَهِدَ إليَّ، وأنا أحَقُّ مَنْ وَفَى، أَدْخِلوا عبدي الجنةَ)). قال أبو الفرج الجوزيّ: غالبٌ القطّان: هو غالب بن خُطّاف القطّان، يروي عن الأعمش حديث: ((شَهِدَ اللّه))، وهو حديثٌ مُعْضَل(١)، قال ابن عَدِيّ: الضعف على حديثه بَيِّن. وقال أحمد بن حنبل: غالبُ بن خُطَّاف القَطّان ثِقةٌ ثقة(٢). وقال ابن مَعِين: ثقة (٣). وقال أبو حاتم: صدوق صالح (٤). قلت: يَكفيكَ من عَدالته وثِقته أن خرَّج له البخاريّ ومسلمٌ في كتابيهما، وحسبك بهما (٥) . ورُوي من حديث أنس عن النبيَِّ﴿ أنه قال: ((مَنْ قرأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا (١) كذا نقل المصنف رحمه الله عن ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين ٢٤٤/٢، ونقله ابن الجوزي عن ابن عدي في الكامل ٢٠٣٥/٦ ، ولم يتبين لنا الإعضال فيه، ولم يُعِلَّ أحدٌ الحديثَ بالإعضال، إنما أعلوه بالراوي عن غالب بن خُطّاف، كما فعل ابن الجوزي نفسهٍ في العلل، فإسناد الحديث متصل، وهو من رواية عمار بن عمر بن المختار، عن أبيه، عن غالب بن خُطّاف، به. كذا أخرجه البيهقي في الشعب (٢٤١٤)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١٤٦). قال البيهقي: عمار بن عمر عن أبيه ضعيفان، وهذا لم يأت به غيرهما، وقال ابن الجوزي في العلل: هذا حديث لا يصحُّ عن رسول الله﴾، تفرَّد به عمر بن المختار، وعمر يحدث بالأباطيل. وقال الذهبي في الميزان في ترجمة غالب بن خُطَّاف ٣٣١/٣: الآفة فيه من عمر، فإنه متهم بالوضع، فما أنصف ابن عدي في إحضاره هذا الحديث في ترجمة غالب . (٢) علل أحمد ٢٠٧/٢ . (٣) اختلف قول ابن معين فيه ، فقد نقل المزي في تهذيب الكمال ٢٣/ ٨٤ عنه توثيقه، ونقل عثمان الدارمي في تاريخه ص١٨٩ عنه تضعيفه، ونقل الذهبي في الميزان ٣٣٠/٣ قوله فيه: لا أعرفه. (٤) الجرح والتعديل ٤٨/٧ . (٥) لفظة ((بهما))، من (ظ). ٦٦ سورة آل عمران: الآية ١٨ هُوَ وَالْمَلَبِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْرِ قَبِمًا بِاَلْقِسْطٍ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَهِزُ الْحَكِيمُ﴾ عند مَنامه خَلَق الله له سبعين ألفَ ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة))(١). ويقال: مَن أقرَّ بهذه الشهادة عن عَقْد من قلبه؛ فقد قام بالعَدْل. ورُوي عن سعيد بن جُبير أنه قال: كان حولَ الكعبة ثلاث مئة وستون صنماً؛ لكل حَيٍّ من أحْيَاء العرب صَنّمٌ أو صنمان. فلما نزلت هذه الآية أصبحت الأصنام قد خرَّتْ ساجدةً لله(٢). : الرابعة: قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ﴾ أي: بَيَّنَ وأَعْلم، كما يقال: شَهِد فلانٌ عند القاضي إذا بيَّن وأَعْلم لمن الحقُّ، أو على مَنْ هو. قال الزجَّاج(٣): الشاهد هو الذي يَعلم الشيء ويُبَيِّنه، فقد دَلّنا اللّه تعالى على وحدانيته بما خَلَق وبَیّن. وقال أبو عُبَيْدة (٤): ((شهِد اللّه)) بمعنى: قَضَى اللّه، أي: أعلم. قال ابن عطية(٥): وهذا مردودٌ من جهات. وقرأ الكِسائي بفتح ((أنّ)) في قوله: ((أنّه لا إله إلاّ هُو)) وقولِه: ((أنّ الدِّينَ)) (٦). قال المبرّد: التقدير: أنّ الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو، ثم حذفت الباء كما قال: أمرتُك الخيْرَ ... (٧) أي: بالخير. قال الكِسائيّ: أنصِبهما جميعاً، بمعنى: شَهِد اللّه أنه كذا، وأنَّ الدين عند الله. قال ابن كيسان: ((أنّ)) الثانية بدل من الأُولى، لأنّ الإسلام تفسير المعنى الذي هو التوحيد. وقرأ ابن عباس فيما حكّى الكِسائي: ((شَهِدَ اللّهُ إِنَّهُ)) بالكسر، ((أَنّ الدِّين)) بالفتح. والتقدير: شَهِد اللّه أَنَّ الدين الإسلام، ثم ابتدأ فقال: إنه لا إله إلا هو. وقرأَ أبو (١) حديث موضوع، وسلف في الصفحة ٩ . (٢) سلف في المسألة الأولى. (٣) في معاني القرآن ٣٨٥/١. (٤) في مجاز القرآن ٨٩/١ . (٥) في المحرر الوجيز ١/ ٤١٢، ونقل المصنف عنه قول أبي عبيدة السالف. (٦) السبعة في القراءات ص٢٠٢ ، والتيسير ص٨٧ . (٧) هو من بيت نسبه سيبويه في الكتاب ٣٧/١ لعمرو بن معدي كرب، وذكر البغدادي في الخزانة ٣٤٣/٩ اختلافاً في قائله على أربعة أقوال، وتمامه: أمرتك الخيرَ فافعل ما أُمرت به فقد تركتُك ذا مالٍ وذا نشبٍ ٦٧ سورة آل عمران: الآية ١٨ المُهلَّب - وكان قارئاً -: ((شُهَدَاءَ لله))(١)، بالنصب على الحال(٢)، وعنه: ((شُهَدَاءُ لله))(٣). وروى شعبةُ، عن عاصم، عن زِرِّ، عن أُبَيِّ، عن النبيّ :﴿ أنه كان يقرأ(٤): ((أن الدين عند الله الحنيفية، لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية(٥)). قال أبو بكر الأنبارِيّ: ولا يخفى على ذي تمييزٍ أنَّ هذا كلامٌ(٦) من النبيّ # على جهة التفسير، أَدخله بعضُ مَن نقل الحديثَ في القرآن. و﴿قَبِمًا﴾ نصب على الحال المؤكّدة من اسمه تعالى في قوله: ((شَهِدَ اللّهُ))، أو مِن قوله: ((إلَّا هو)). وقال الفرّاء(٧): هو نصب على القطع، كان أصلُه: القائم، فلما قطعت الألف واللام نُصب، كقوله: ﴿وَلَهُ الْذِينُ وَصِيبًا﴾ [النحل: ٥٢]. وفي قراءة عبد اللّه: ((القائمُ بالقسط)) على النعت، والقِسْط العدل(٨). ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَيِزُ الْحَكِيمُ﴾ كرّر لأنّ الأُولى حَلَّتْ محلَّ الدعوى، والشهادةُ الثانية حلَّت محلَّ الحُكم. وقال جعفر الصادق: الأُولى وصفٌ وتوحيدٌ، والثانية رَسْمٌ وتعليمٌ، يعني: قولوا: لا إله إلا اللّه العزيز الحكيم(٩). (١) في (م): شهداء الله (في الموضعين). ويمكن قراءتها في (د) و(ظ): شُهُد الله، وهي مروية عن أبي المهلب، فيما ذكر أبو حيان في البحر ٢/ ٤٠٣، وقيدها بضم الشين والهاء ، جمع شهيد . (٢) انظر معاني القرآن للنحاس ٣٦٩/١ - ٣٧١، وقراءة ابن عباس رضي الله عنهما ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٩، وابن عطية في المحرر الوجيز ٤١٢/١. وقد ردَّ الطبري في تفسيره ٢٦٨/٦ على الكسائي قراءته بالنصب فيهما. (٣) وذكر النحاس في إعراب القرآن ٣٦٢/١، أنه روي عنه أيضاً: شهداء الله، بالرفع والنصب. (٤) في (خ) و(ظ): يقول. (٥) أخرج نحوه أحمد (٢١٢٠٢)، والترمذي (٣٧٩٣) مطولاً. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (٦) في (م): الكلام. (٧) في معاني القرآن ١/ ٢٠٠ . (٨) انظر إعراب القرآن للنحاس ٣٦٢/١، والمحرر الوجيز ٤١٣/١. (٩) زاد المسير ٣٦٢/١. ٦٨ سورة آل عمران: الآية ١٩ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ وَمَا أَخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَّا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِثَايَتِ الَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِعُ الْحِسَابِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَهُ﴾ الدِّين في هذه الآية الطاعةُ والمِلَّة، والإسلام بمعنى الإيمان والطَّاعات. قاله أبو العالية، وعليه جُمهور المتكلّمين(١). والأصل في مسمَّى الإيمان والإسلام التَّغَايرُ، لحديث جبريل(٢). وقد يكون بمعنى المُرَادفة. فَيُسمَّى كلُّ واحد منهما باسم الآخر، كما في حديث وَقْد عبد القَّيْس، وأنه أمرهم بالإيمان بالله وحده وقال: ((هل تدرون ما الإيمان؟)) قالوا: الله ورسوله أعلمُ. قال: ((شهادةُ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وصومُ رمضان، وأن تُؤَدُّوا خُمساً من المَغْنم)) الحديث(٣). وكذلك قوله﴿: «الإيمانُ بِضْعٌ وسبعون باباً، فأدناها إماطةُ الأذى، وأرفعُها قولُ لا إله إلا الله)) أخرجه الترمذي(٤). وزاد مسلم(٥): ((والحياءُ شعبةٌ من الإيمان)). ويكون أيضاً بمعنى التداخل، وهو أن يُطلق أحدهما ويُراد به مُسمَّاه في الأصل ومسمَّى الآخر، كما في هذه الآية إذ قد دخَل فيها التصديق والأعمال، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((الإيمانُ معرفةٌ بالقلب، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان)) أخرجه ابن ماجه، وقد تقدّم(٦). والحقيقةُ هو الأوّل وضعاً (٧) وشرعاً، وما عداه من باب (١) المحرر الوجيز ٤١٣/١. (٢) أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩) من حديث أبي هريرة ﴾، وأخرجه أحمد (٣٦٧)، ومسلم (٨) من حديث عمر والذي يسأل فيه جبريل عليه السلام النبيَّ#: ما الإيمان ... ما الإسلام ... ما الإحسان ... (٣) أخرجه أحمد (٢٠٢٠)، والبخاري (٥٣) ، ومسلم (١٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) رقم (٢٦١٤) من حديث أبي هريرة ﴾، وهو في مسند أحمد (٩٧٤٨). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (٥) في صحيحه (٣٥)، وهو عند أحمد (٩٣٦١)، والبخاري (٩)، ولفظ البخاري: ((الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان)). (٦) سنن ابن ماجه (٦٥). (٧) في (د) و(ظ): وصفاً. ٦٩ سورة آل عمران: الآيتان ١٩ - ٢٠ التوسُّع. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَخْتَلَفَ اَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ الآية. أخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب أنه كان على علم منهم بالحقائق، وأنه كان بَغْياً وطَلَباً للدنيا. قاله ابن عمر وغيره(١). وفي الكلام تقديمٌ وتأخير، والمعنى: وما اختلف الذين أُوتوا الكتاب بَغْياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم، قاله الأخفش(٢). قال محمد بن جعفر بن الزُّبير: المراد بهذه الآية النصارى، وهي توبيخٌ لنصارى نَجْران. وقال الربيع بن أنس: المرادُ بها اليهود. ولفظ ((الذين أوتوا الكتاب)» يعمُّ اليهود والنصارى(٣)، أي: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب - يعني في نبوّة محمد ﴾ . - إلّ مِنْ بعد ما جاءهم العلمُ. يعني: بيان صِفته ونبوَّته في كُتبهم. وقيل: أي: وما اختلف الذين أوتوا الإنجيل(٤) في أمر عيسى، وفرَّقوا فيه القول، إلا من بعد ما جاءهم العلمُ بأنَّ اللّه إلهٌ واحد، وأنَّ عيسى عبدُ اللّه ورسولُه(٥). و((بَغْياً)) نصب على المفعول من أجله، أو على الحال من ((الذين)). واللّه تعالى أعلم(٦). قوله تعالى: ﴿فَإِن ◌ََّجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنَّ وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِيِِّنَ ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَواْ وَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَاللهُ . # ٢٠ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنٍ﴾ أي: جادَلوك بالأقاويل المزوَّرة والمغالطات، فأَسْنِدْ أمرَك إلى ما كُلِّفتَ من الإيمان والتَّبليغ، وعلى اللّه نصرُك(٧). (١) المحرر الوجيز ٤١٣/١، وأخرج قول ابن عمر رضي الله عنهما الطبري ٦/ ٢٧٧. (٢) في معاني القرآن ١/ ٤٠١، وذكره الزجاج في معاني القرآن ٣٨٧/١، والنحاس في إعراب القرآن ٣٦٢/١ (٣) المحرر الوجيز ٤١٣/١، وأخرج قولي محمد بن جعفر بن الزبير والربيع بن أنس الطبريُّ ٦/ ٢٧٧ - ٢٧٨ . (٤) في (د): الكتاب. (٥) انظر تفسير البغوي ١/ ٢٨٧. (٦) المحرر الوجيز ٤١٣/١. (٧) المحرر الوجيز ٤١٣/١ - ٤١٤ . ٧٠ سورة آل عمران: الآية ٢٠ وقوله: ((وَجْهِي) بمعنى ذاتي، ومنه الحديث: ((سجد وجهي للَّذي خلقَه وصوَّره))(١). وقيل: الوَجْهُ هنا بمعنى القَصْد، كما تقول: خرج فلانٌ في وجه كذا. وقد تقدَّم هذا المعنى في البقرة مستوفىٌ(٢)، والأوَّل أَوْلى. وعبَّر بالوجه عن سائر الذَّات؛ إذ هو أشرفُ أعضاء الشّخص وأجمعُها للحواسِّ(٣). وقال(٤): أسلمتُ وجْهِي لمَنْ أسلَمَتْ له المُزْنُ تحمِلُ عَذْباً زُلَالَا وقد قال حُذَّاق المتكلِّمين في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]: إنها عبارةٌ عن الذَّات(٥). وقيل: العملُ الذي يُقُصَدُ به وجهُه(٦) . وقوله: ((ومَنِ اتَّبَعَنِ))؛ ((من)) في محلِّ رفعٍ عطفاً على التّاء في قوله: ((أَسْلَمْتُ)) أي: ومنِ اتَّبعنِ أسلمَ أيضاً، وجاز العطفُ على الضَّمير المرفوع من غير تأكيدٍ للفصل بينهما . وأثبت نافع وأبو عمرو ويعقوب ياء ((اتَّبعنٍ)) على الأصل، وحذف الآخرون اتّباعاً للمصحف، إذ وقعت فيه بغير ياء(٧). وقال الشاعر: ليس تَخِفَى يَسارَتي قَدْرَ یومٍ ولقد تُخْفِ شيمتي إعساري(٨) (١) أخرجه أحمد (٧٢٩)، ومسلم (٧٧١) من حديث علي مطولاً في صفة صلاة النبي #. وأخرجه أحمد (٢٤٠٢٢) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٢) ٣١٩/٢ . (٣) المحرر الوجيز ٤١٤/١ . (٤) زيدُ بن عمرو بن نُفيل، والبيت في سيرة ابن هشام ٢٣١/١، والمعارف ص٥٩ ، وتأويل مشكل القرآن ص٣٦٦ كلاهما لابن قتيبة، وتفسير الطبري ٢/ ٥١١، والأغاني ١٢٨/٣. (٥) المحرر الوجيز ٤١٤/١ . (٦) الذي عليه السَّلَف رضي الله عنهم إثبات صفة الوجه لله تعالى على ما يليق به، من غير تحريف ولا تعطیل، ولا تکییف ولا تمثیل. (٧) تفسير البغوي ١/ ٢٨٧، وأثبتها نافع وأبو عمرو وصلاً، انظر السبعة ص ٢٢٢ - ٢٢٣، والتيسير ص ٩٣ ، وأثبتها يعقوب وصلاً ووقفاً، انظر النشر ٢٤٧/٢. (٨) البيت في ديوان الأدب للفارابي ٢٣٤/٣، والصحاح واللسان (يسر)، والإنصاف لابن الأنباري ص٣٨٨ ٧١ سورة آل عمران: الآيات ٢٠ - ٢٢ قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِحِنَ ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَواْ وَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُّ وَلَّهُ بَصِيْرًا بِالْعِبَادِ﴾ يعني اليهودَ والنَّصارى. ((والأمِّين)) الذين لا كتاب لهم، وهم مشركو العرب. ((أَأَسْلَمْتُمْ)) استفهامٌ معناه التَّقرير، وفي ضمنه الأمرُ، أي: أسلموا، كذا قال الطبريُّ(١) وغيره. وقال الزجاج (٢): ((أأسلمتُم)) تهديد. وهذا حسن، لأن المعنى: أأسلمتُم أم لا. وجاءت العبارةُ في قوله: (فَقَدِ اهْتَدَوْا)) بالماضي مبالغةً في الإخبار بوقوع الهُدى لهم وتحصيله . و(البلاغ)) مصدر بَلَغَ(٣)، بتخفيف عينِ الفعل، أي: إنَّما عليك أن تُبلِّغَ. وقيل: إنه ممَّا نُسخ بالجهاد. وقال ابن عطيّة(٤): وهذا يحتاجُ إلى معرفةٍ تاريخ نزولها، وأما على ظاهر نزولِ هذه الآيات في وَفْد نَجْران فإنما المعنى: فإنما عليك أن تُبلِّغَ ما أُنزِل إليك بما فيه من قتالٍ وغيره. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّيْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( أُوْلَبِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّنِْ نَّصِينَ فيه ستُّ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِثَّايَتِ اَللَّهِ وَيُقْتُلُونَ النَّبِنَ﴾ قال أبو العبّاس المبرِّد(٥): كان ناسٌ من بني إسرائيل جاءهم النبيُّون يَدعونَهم إلى الله عزَّ وجلَّ (١) في تفسيره ٦/ ٢٨١ - ٢٨٢ . (٢) في معاني القرآن ٣٩٠/١. (٣) في النسخ: بالغ، والمثبت من (م). (٤) في المحرر الوجيز ٤١٤/١ وما قبله منه، وعنه نقل المصنف كلام الطبري والزجاج. (٥) كذا قال المصنف رحمه الله، ونقله عنه الشوكاني في فتح القدير ٣٢٧/١ - ٣٢٨، والذي في إعراب القرآن للنحاس ٣٦٣/١ وعنه نقل المصنف: أبو العالية، ولم نقف على كلام المبرد في كتبه التي بين أیدینا . ٧٢ سورة آل عمران: الآيتان ٢١ - ٢٢ فقَتلوهم، فقام أناسٌ من بعدهم من المؤمنين، فأمَروهم بالإسلام فقتلوهم، ففيهم نزلت هذه الآية. وكذلك قال مَعْقِلُ بنُ أبي مسكين: كانت الأنبياءُ صلواتُ الله عليهم تجيءُ إلى بني إسرائيلَ بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قومٌ ممن اتَّبعهم فيأمرون بالقسط - أي: بالعدل - فيُقْتَلون(١). وقد رُوي عن ابن مسعود قال: قال النبيُّ ◌َ﴾: ((بئس القومُ قومٌ يقتلون الذين يأمُرون بالقِسْط من الناس، بئس القومُ قومٌ لا يأمرون بالمعروف ولا ينهَوْن عن المنكر، بئس القومُ قومٌ يمشي المؤمنُ بينهم بالتَّقيَّة)»(٢). وروى أبو عبيدة بنُ الجرّاح أن النبيَّ ﴿ قال: ((قتلت بنو إسرائيل ثلاثةً وأربعين نبيّاً من أوَّل النَّهار في ساعةٍ واحدة، فقام مئةُ رجلٍ واثنا عشر رجلاً من عبَّاد بني إسرائيل؛ فأمروا بالمعروف ونَهَوا عن المنكر، فقُتِلوا جميعاً في آخر النَّهار من ذلك اليوم، وهم الذين ذكرهم اللّه في هذه الآية))(٣). ذكره المهدويُّ وغيرُه. وروى شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبد اللّه قال: كانت بنو إسرائيل تقتُلُ في اليوم سبعين نبياً، ثم تقوم سُوقُ بَقْلِهم من آخر النهار (٤). (١) معاني القرآن للنحاس ٣٧٥/١، وأخرجه الطبري ٢٨٥/٦، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٢١. (٢) لم نقف عليه بتمامه، وأخرج شطره الأخير ابن عدي في الكامل ١٢٩٤/٣، وفيه سوّار بن مصعب الهمداني، قال ابن عدي: عامة ما يرويه ليس محفوظاً، وهو ضعيف، اهـ. ونقل الذهبي في الميزان ٢٤٦/٢ بعد إيراده الحديث عن ابن معين قوله فيه: ليس بشيء، وعن البخاري: منكر الحديث، وعن النسائي: متروك، وعن أبي داود: ليس بثقة. (٣) النكت والعيون ١/ ٣٨١، وأخرجه الطبري ٢٨٥/٦ - ٢٨٦، وابن أبي حاتم ٦٢٠/٢ - ٦٢١ ، والبغوي في تفسيره ٢٨٨/١ . (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٣/١، وأبو عبيدة - وهو عامر بن عبدالله بن مسعود - لم يسمع من أبيه كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص١٩٦ . وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (٦٣٦) من طريق شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن أبي معمر الأزدي، عن ابن مسعود قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاث مئة نبي ... الخبر، ورجاله ثقات . ٧٣ سورة آل عمران: الآيتان ٢١ - ٢٢ فإن قال قائلٌ: الذين وُعِظوا بهذا لم يَقتلوا نبِيّاً؟ فالجواب عن هذا أنهم رَضُوا فعلَ من قَتل، فكانوا بمنزلته، وأيضاً فإنهم قاتلوا النبيَّ :﴿ وأصحابَه، وهَمُّوا بقتلهم، قال اللّه عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوَكَ﴾(١) [الأنفال: ٣٠]. الثانية: دلَّت هذه الآيةُ على أن الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدِّمة، وهو فائدة الرِّسالة وخلافةُ النبوّة. قال الحسن: قال النبيُّ نَ﴾: ((مَنْ أمرَ بالمعروف ونهى عن المنكر، فهو خليفةُ اللّه في أرضه، وخليفةُ رسوله، وخليفةٌ کتابه)»(٢). وعن دُرَّةً بنتِ أبي لهبٍ قالت: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ◌َ﴾ وهو على المنبر فقال: مَن خيرُ الناس يا رسول الله؟ قال: ((آمَرُهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله، وأوصلُهم لِرَحِمِه))(٣). وفي التنزيل: ﴿اَلْمُنَّفِقُونَ وَالْمُنَّفِقَتُ بَعْضُهُمْ مِّنْ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ ثم قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْفُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ بَأْمُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٦٧ -٧١]. فجعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين، فدلَّ على أن أخصَّ أوصافِ المؤمن الأمْرُ بالمعروف والنهيُّ عن المنكر، ورأسُها الدعاءُ إلى الإسلام والقتالُ عليه. ثم إن الأمرَ بالمعروف لا يليقُ بكلِّ أحد، وإنما يقومُ به السلطان، إذْ كانت إقامةُ الحدود إليه، والتَّعْزِيرُ [ موكَلٌ] إلى رأيه، والحبسُ والإطلاقُ له، والنفيُ والتَّغريبُ، فينصِبُ في كلِّ بلدة رجلاً صالحاً قوياً عالماً أمِيناً ويأمره بذلك، ويُمضِي الحدودَ على وجهها من غير زيادة. قال اللّه تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِن ◌َّكََّهُمْ فِى الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ﴾ [الحج: ٤١](٤). (١) معاني القرآن للنحاس ٣٧٥/١ - ٣٧٦. (٢) لم نقف عليه من طريق الحسن مرسلاً، كما ذكره المصنف، وأخرجه ابن عدي ٦/ ٢١٠٤ من حديث عبادة بن الصامت، وفي إسناده كادح العُرني، قال ابن عدي: وأحاديثه عامة ما يرويه غير محفوظة ولا يتابع عليه في أسانيده ولا متونه. (٣) لفظ: لرحمه، من (م)، والحديث أخرجه أحمد (٢٧٤٣٤) ، وإسناده ضعيف. (٤) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي ٢١٦/٣ وما بين حاصرتين منه. ٧٤ سورة آل عمران: الآيتان ٢١ -٢٢ الثالثة: وليس من شرط النَّاهي أن يكون عَدْلاً عند أهل السنَّة، خلافاً للمبتدِعة حيث تقول: لا يُغيِّرِه إلا عَدْل. وهذا ساقط؛ فإن العدالة محصورةٌ في القليل من الخَلْقِ، والأمْرُ بالمعروف والنهي عن المنكر عامٌّ في جميع الناس. فإن تشبّئوا بقوله تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] ونحوِه، قيل لهم: إنما وقع الذمُّ ها هنا على ارتكاب ما نَهَى عنه، لا على نَهْيه عن المنكر. ولا شكَّ في أن النَّهيَ عنه ممن يأتيه أقبحُ ممن لا يأتيه(١)، ولذلك يدور في جهنّم كما يدور الحمار بالرَّحى، كما بينَّاه في البقرة عند قوله تعالى: ﴿ أَتَأْمُونَ النَّاسَ بِالْبِرِ﴾(٢). الرابعة: أجمعَ المسلمون - فيما ذكر ابنُ عبد البر(٣) - أن المنكر واجبٌ تغییرُه على كلِّ مَن قَدَر عليه، وأنه إذا لم يلحقْه بتغييره إلّا اللَّومُ الذي لا يتعدَّى إلى الأذى؛ فإن ذلك لا يجب أن يمنعَه من تغييره [بيده]، فإن لم يقدِر فبلسانه، فإن لم يقدِر فبقلبه، ليس عليه أكثرُ من ذلك. وإذا أنكر بقلبه فقد أدَّى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك. قال: والأحاديثُ عن النبيِّ ◌َ﴾ في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرةٌ جداً، ولكنها مقيَّدةٌ بالاستطاعة. قال الحسن: إنما يُكَلَّم مؤمنٌ يُرجَى، أو جاهلٌ يُعلَّم، فأمَّا مَنْ وضعَ سيفَه أو سَوطَه وقال : اتَّقِنِي اتَّقِنِي (٤)، فما لك وله؟! وقال ابنُ مسعود: بِحِسْبِ المرء إذا رأى منكراً لا يستطيعُ تغييرَه أن يَعلم الله من قلبه أنه له كاره. وروى ابنُ لَهِيعَةَ عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّهِ ﴾: ((لا يَحِلُّ لمؤمن أن يُذِلَّ نفسَه)). قالوا: يا رسول اللّه، وما إذلالُه نفسَه؟ قال: ((يتعرَّض من (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٦٦/١. (٢) ٢ / ٥٧ - ٥٨ . (٣) في التمهيد ٢٨١/٢٣ - ٢٨٤ وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في النسخ الخطية: اتقي اتقي، والمثبت من (م) والتمهيد ٢٨٣/٢٣ ٧٥ سورة آل عمران: الآيتان ٢١ - ٢٢ البلاء لِما يقومُ له))(١). قلت: وخرَّجه ابنُ ماجه عن عليٍّ بن زيد بن جُدْعان، عن الحسن، عن جُندب(٢)، عن حُذيفةَ، عن النبيِّ لَ﴾، وكلاهما قد تُكُلِّم فيه. ورُوي عن بعض الصحابة أنه قال: إن الرَّجلَ إذا رأى مُنكراً لا يستطيع النَّكيرَ عليه فليقل ثلاث مرات: اللّهم إن هذا منكر، فإذا قال ذلك؛ فقد فعل ما عليه. وزعم ابن العربي(٣) أن مَن رجا زوالَه، وخاف على نفسه من تغييره الضَّربَ أو القتلَ، جاز له عند أكثر العلماء الاقتحامُ عند هذا الغَرَر، وإن لم يَرْجُ زوالَه فأيُّ فائدةٍ عنده. قال: والذي عندي أن النيّة إذا خَلَصت(٤) فليقتحمْ كيف ما كان ولا يُبالي. قلت: هذا خلافُ ما ذكره أبو عمر من الإجماع، وهذه الآية تدلُّ على جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خوفِ القتلِ، وقال تعالى: ﴿وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَّا أَصَابَكٌ﴾ [لقمان: ١٧]، وهذا إشارةٌ إلى الإذاية. الخامسة: روى الأئمة(٥) عن أبي سعيد الخدرِيِّ قال: سمعتُ رسولَ اللّهِ ﴾. يقول: ((مَنْ رأى منكم منكراً فليُغيِّرْهُ بيده، فإن لم يستطعْ فبلسانه، فإن لم يَسْتطِعْ فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). قال العلماء: الأمرُ بالمعروف باليد على الأُمراء، وباللّسان على العلماء، (١) التمهيد ٢٨٤/٢٣ و٣١٣/٢٤ - ٣١٤، وروايته من طريق عبدالله بن أبي حسان (ولم نعرفه) عن ابن لهيعة، وابن لهيعة خلَّط بعد احتراق كتبه، ولم يُذكر ابنُ أبي حسان هذا من الذين رَوَوْا عنه قبل احتراق كتبه . (٢) في النسخ: عن الحسن بن جندب، وهو خطأ، والحديث في سنن ابن ماجه (٤٠١٦). وعلي بن زيد ابن جُدعان ضعيف، وهو في مسند أحمد (٢٣٤٤٤). ورواه عبد الرزاق (٢٠٧٢١) عن الحسن وقتادة مرسلاً، ورواه البيهقي في شعب الإيمان (١٠٨٢١) عن الحسن مرسلاً. (٣) في أحكام القرآن ٢٦٦/١ - ٢٦٧ . (٤) في النسخ الخطية: حصلت، والمثبت من (م) وأحكام القرآن. (٥) أحمد (١١٠٧٣)، ومسلم (٤٩)، وأبو داود (١١٤٠) و(٤٣٤٠)، والترمذي (٢١٧٢) ، والنسائي ١١٢/٨، وابن ماجه (١٢٧٥) و(٤٠١٣). ٧٦ سورة آل عمران: الآيتان ٢١ - ٢٢ وبالقلب على الضُّعفاء، يعني لعوامِّ الناس. فالمنكر إذا أمكنَ (١) إزالتُه باللسان للنَّهِي فليفعله، وإن لم يُمكنْه إلا بالعقوبة أو القتل فليفعلْ، فإن زالَ بدون القتلِ لم يَجُزِ القَتْلُ، وهذا تُلُقِّي من قول اللّه تعالى: ﴿فَقَدِلُواْ الَِّى تَبْغِى حَّى نَفَِّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. [الحجرات: ٩]. وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصَّائلَ على النَّفس أو على المال عن نفسه، أو عن ماله، أو نفْسٍ غيره، فله ذلك، ولا شيء عليه. ولو رأى زيد عَمْراً وقد قصد مالَ بكرٍ، فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحبُ المال قادراً عليه ولا راضياً به، حتى لقد قال العلماء: لو فَرَضْنا قَوَداً (٢). وقيل: كلُّ بلدة يكون فيها أربعةٌ فأهلُها معصومون من البلاء: إمامٌ عادلٌ لا يَظلِم، وعالِمٌ على سبيل الهُدى، ومشايخُ يأمرون بالمعروف ويَنْهَوْن عن المنكر، ويُحرِّضون على طلب العلم والقرآن، ونساؤهم مستورات لا يَتبرَّجْنَ تبرُّجَ الجاهلية الأولى. السادسة: روى أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله، متى نترك(٣) الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: ((إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلَكم)). قلنا: يا رسول اللّه، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «المُلْكُ في صِغاركم، والفاحشةُ في كِباركم، والعلمُ في رُذَالتكم)» . قال زيد: تفسير معنى قولِ النبيِّ ◌َ﴿: ((والعلمُ في رُذَالتكم)) إذا كان العلمُ في الفُسَّاق. خرَّجه ابنُ ماجه(٤). وسيأتي لهذا الباب مزيدُ بيان في ((المائدة)»(٥) وغيرها إن شاء اللّه تعالى. وتقدَّم معنى ((فَبَشِّرْهُم)) و((حَبِطَتْ)) في البقرة (٦) فلا معنى للإعادة. (١) في (م): يعني عوامَّ الناس، فالمنكر إذا أمكنت. (٢) كذا في النسخ الخطية و(م). (٣) في النسخ الخطية: يترك، والمثبت من (م)، وهو الموافق لمصدر الحديث. (٤) في سننه (٤٠١٥) ، وزيد: هو ابن يحيى بن عُبيد الخُزاعي، أحد رجال الإسناد. (٥) في تفسير الآية (٧٩) منها. (٦) ١/ ٣٥٨ و٤٢٨/٣. ٧٧ سورة آل عمران: الآية ٢٣ قوله تعالى: ﴿أَلَزْ تَرَّ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِنَبٍ اللَّهِ لِيَحْكُمْ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ فيه ثلاثُ مسائل : الأولى: قال ابن عباس: هذه الآيةُ نزلت بسبب أنَّ رسول اللّه ◌ِ ﴾ دخل بيت المِدْرَاس على جماعةٍ من يهود، فدعاهم إلى اللّه، فقال له نُعَيم بن عمرو والحارثُ ابنُ زيد: على أيِّ دينٍ أنت يا محمد؟ فقال النبيُّ ◌َ﴾: ((أنا(١) على مِلَّة إبراهيم)). فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديّاً. فقال النبيُّ ◌َ﴾: «فهلُّموا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم)). فأبيا عليه، فنزلت الآية(٢). وذكر النّقَّاش أنها نزلت لأن جماعةً من اليهود أنكروا نبؤَّة محمد ﴿، فقال لهم النبيُّ: ((هلمُّوا إلى التوراة ففيها صِفتي)) فأبَوا(٣). وقرأ الجمهور: (لِيَحْكُمْ))، وقرأ أبو جعفر يزيدُ بن القعقاع: ((لِيُخْكِمَ)) بضمِّ الياء، والقراءة الأولى أحسن؛ لقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَبْنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقّ﴾ [الجاثية: ٢٩](٤). الثانية: في هذه الآية دليلٌ على وجوب ارتفاع المَدعُوِّ إلى الحاكم؛ لأنه دُعي إلى كتاب اللّه، فإن لم يفعل، كان مخالفاً يتعيَّن عليه الزجرُ بالأدب على قدر المُخالِفِ والمخالَف(٥). وهذا الحكم جارٍ عندنا بالأندلس وبلادِ المغرب، وليس بالديار المصرية. وهذا الحكم الذي ذكرناه مبيَّن في التنزيل في سورة النور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُقُوّاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم ◌ُعْرِضُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بَّ أُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [٤٨- ٥٠]. (١) في (خ) و (م): إني. (٢) المحرر الوجيز ٤١٥/١، وأخرجه الطبري ٢٨٨/٦ - ٢٨٩، وفي إسناده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، وهو مجهول، كما في تقريب التهذيب. (٣) المحرر الوجيز ٤١٦/١ . (٤) معاني القرآن للنحاس ٣٧٦/١، وقراءة أبي جعفر من العشرة، ينظر النشر ٢٢٧/٢ و٢٣٩. (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٢٦٧. ٧٨ سورة آل عمران: الآيتان ٢٣ - ٢٤ وأسند الزَّهراوي(١) عن الحسن أن رسول اللّـه ﴾ قال: ((مَن دعاه خصمُه إلى حاكم من حُكّام المسلمين، فلم يُجب، فهو ظالمٌ، ولا حقَّ له))(٢). قال ابن العربي(٣): وهذا حديثٌ باطل. أما قولُه: ((فهو ظالم)) فكلامٌ صحيح. وأما قوله: ((فلا حقَّ له)) فلا يصحّ، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق. قال ابن خُوَيْز مَنداد المالكيّ: واجبٌ على كلِّ من دُعِيَ إلى مجلس الحاكم أن يُجِيبَ ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو يعلم عداوةً بين (٤) المدَّعي والمدَّعَى عليه. الثالثة: وفيها دليلٌ على أن شرائعَ مَنْ قبلَنا شريعةٌ لنا إلَّا ما علِمنا نسخَه، وأنه يجبُ علينا الحكمُ بشرائع الأنبياء قبلَنا، على ما يأتي بيانُه. وإنما لا نَقرأ التوراةَ ولا نعمل بما فيها؛ لأن مَن هي في يده غيرُ أمين عليها، وقد غيَّرها وبدَّلها، ولو علمنا أن شيئاً منها لم يتغيَّر ولم يتبدَّل، جاز لنا قراءتُه. ونحو ذلك رُوِيّ عن عمر حيث قال لكعب: إن كنت تعلمُ أنها التوراةُ التي أنزلها اللّه على موسى بن عمران فاقرأها(٥). وكان عليه الصلاة والسلام عالماً بما لم يغيَّر منها، فلذلك دعاهم إليها وإلى الحُكم بها . وسيأتي بيانُ هذا في ((المائدة))(٦) والأخبار الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى. وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في ذلك. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَشَنَا النَّارُ إِلََّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَّهُمْ فِ دِينِهِم مَّا ٢٤ كَانُواْ يَفْتَرُونَ إشارةٌ إلى التَّلِّي والإعراض، واغترارٌ منهم في قولهم: ﴿نَحْنُ أَبَُْاْ اللَّهِ وَأَحِبََّؤُمُ﴾ (١) في (د) و (م): الزهري، والمثبت من (خ) و (ظ)، وسيرد أيضاً ٢٩٤/١٢ (الطبعة المصرية)، والزهراوي هو عمر بن عبيد الله. (٢) أخرجه أبو داود في المراسيل (٣٩١)، والجصاص في أحكام القرآن ٣٢٩/٣، والدار قطني ٢١٤/٤، والبيهقي ١٠/ ١٤٠ وقال: هذا مرسل. (٣) في أحكام القرآن ١٣٧٩/٣. (٤) في (م): من. (٥) التمهيد ٣٨٧/١٤ . (٦) في تفسير الآية (٤١) منها. ٧٩ سورة آل عمران: الآيات ٢٤ - ٢٦ [المائدة: ١٨]، إلى غير ذلك من أقوالهم(١). وقد مضى الكلامُ في معنى قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَنَا النَّارُ﴾ في البقرة(٢). قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَّوْرٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ٢٥ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ خطابٌ للنبيِّ ﴾ وأمَّتِه على جهةِ التَّوقيفِ والتعجُب، أي: فكيف يكون حالُهم، أو كيف يصنعون إذا حُشروا يومَ القيامة واضمحلَّت عنهم تلك الزخارفُ التي ادَّعَوْها في الدنيا، وجُوْزُوا بما اكتسبوه من كفرهم واجترائهم وقبيح أعمالهم(٣). واللام في قوله: ((ليوم)) بمعنى ((في))، قاله الكسائيُّ. وقال البصريُّون: المعنى: لحساب يوم(٤). الطبريّ: لِما يَحدث في يوم(٥). قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلّكِ تُؤْتِ اَلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُ مَن تَشَأَةٌ بِيَدَِّ الْخَيْرٌّ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال عليٌّ ه: قال النبيُّ﴾: ((لمَّا أرادَ اللّه تعالى أن يُنزلَ فاتحةَ الكتاب، وآيةً الكُرسيّ، وشهد اللّه، وقل اللّهمَّ مالك الملك، إلى قوله: بغير حساب؛ تعلَّقنَ بالعرش، وليس بينهنَّ وبين الله حجابٌ، وقلن: يا ربّ تهبط بنا إلى دار الذّنوب، وإلى مَن يعصيك، فقال اللّه تعالى: وعزَّتي وجلالي، لا يقرأُكنَّ عبدٌ عَقِبَ كلِّ صلاةٍ مكتوبة إلّا أسكنتُه حظيرةَ القُدس على ما كان منه، وإلّا نظرتُ إليه بعيني المكنونة في كلِّ يوم سبعين نظرة، وإلا قضيتُ له في كلِّ يوم سبعين حاجةً، أدناها المغفرة، وإلا (١) المحرر الوجيز ٤١٦/١ . (٢) ٢ / ٢٢٤ . (٣) المحرر الوجيز ٤١٦/١. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٤/١. (٥) تفسير الطبري ٦/ ٢٩٤ . ٨٠ سورة آل عمران: الآية ٢٦ أعذتُه من كلِّ عدوٍّ ونصرتُه عليه، ولا يمنعُه من دُخول الجنة إلا أن يموت))(١). وقال معاذ بنُ جبل: احتبستُ عن النبيِّ ﴿ يوماً، فلم أصلِّ معه الجمعة، فقال: ((يا معاذ، ما منعك من صلاة الجمعة؟)) قلت: يا رسول اللّه، كان ليوحنّا بن بارِیا اليهودي عليَّ أوقِيَّة من تِبر، وكان على بابي يرصُدني، فأشفقتُ أن يحبِسني دونك. قال: «أتحبُّ يا معاذُ أنْ يقضيّ اللّه دَينَك؟)) قلت: نعم. قال: ((قل كلَّ يوم: قُلِ اللَّهمَّ مَالِكَ المُلْكِ، إلى قوله: بِغَيْرِ حِسَابٍ، رحمانَ الدُّنيا والآخرةِ ورحيمَهما، تُعطي منهما مَن تشاء، وتمنعُ منهما مَن تشاء، اقْضٍ عنّي دَيني. فلو كان عليك مِلْء الأرض ذهباً لأدَّاه اللّه عنك))(٢). خرَّجه أبو نعيم الحافظ أيضاً (٣) عن عَطاء الخُراسانيِّ أنَّ معاذَ بنَ جبل قال: علَّمَني رسولُ اللّه ◌ِ﴾ آياتٍ من القرآن وكلماتٍ، ما في الأرض مسلمٌ يدعو بهنَّ وهو مكروبٌ، أو غارِمٌ أو ذو دَيْن، إلا قضى اللّه عنه، وفرَّج همَّه، احتبسْتُ عن النبيِّ ◌ِ﴾، فذكره. غريبٌ من حديث عطاء، أرسله عن معاذ. وقال ابن عباس وأنس بن مالك: لما افتتحَ رسولُ اللّه ◌ِ﴿ مَّةَ، وواعدَ أمَّته مُلْكَ فارسَ والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات! من أين لمحمد مُلْكُ فارسَ والروم؟! هم أعزُّ وأمنعُ من ذلك، ألم يكفِ محمداً مكةُ والمدينةُ حتى طمِع في مُلْك فارس والروم؟! فأنزل الله تعالى هذه الآية(٤). وقيل: نزلت دامغةً لباطل نصارى أهل نجران في قولهم: إن عيسى هو اللّه، وذلك أن هذه الأوصافَ تبيِّن لكلِّ صحيح الفطرةِ أنَّ عيسى ليس في شيءٍ منها(٥). (١) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (١٢٥)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق ٤٢٧/٢، والواحدي في الوسيط ٤٢٦/١، وابن الجوزي في الموضوعات (٢٥٣) وقال: هذا حديث موضوع، تفرد به الحارث بن عمير، وأورده ابن حبان في المجروحين ٢٢٣/١ وقال: موضوع لا أصل له. (٢) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٠/(٣٢٣) و(٣٣٢)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٨٦/١٠: في الراوية الأولى نصر بن مرزوق، ولم أعرفه، وسعيد بن المسيب لم يسمع من معاذ، وفي الرواية الثانية من لم أعرفه. (٣) في حلية الأولياء ٥/ ٢٠٤. وعطاء الخراساني لم يسمع من معاذ. انظر تهذيب التهذيب ١٠٨/٣ - ١٠٩ (٤) أسباب النزول للواحدي ص ٩٣، وتفسير البغوي ٢٨٩/١ - ٢٩٠، ولم نقف له على إسناد. (٥) المحرر الوجيز ٤١٦/١ .