النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ سورة آل عمران: الآية ١٣ في اللغة. قال الزجَّاج(١): وهذا بابُ الغَلَط، فيه غَلَطٌ في جميع المقاييس، لأنَّا إنما نعقِل مِثْلَ الشيء مُساویاً له، ونعقِل مثْلَيْه ما يُساويه مرتین. قال ابن كَيْسان: وقد بيَّن الفرّاء قوله بأن قال: كما تقول وعندك عبدٌ: أحتاج إلى مثله، فأنت مُحتاجٌ إليه وإلى مثله. وتقول: أحتاج إلى مِثْلَيه، فأنت محتاج إلى ثلاثة. والمعنى على خلاف ما قال، واللغةُ. والذي أوقع الفرّاءَ في هذا أنّ المشركين كانوا ثلاثةَ أمثال المؤمنين يوم بدر، فتوهَّم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلا على عِدَّتهم، وهذا بعيدٌ، وليس المعنى عليه. وإنما أراهم اللّه على غير عِدَّتهم لجهتين: إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك؛ لأن المؤمنين تقوّى قلوبهم بذلك. والأُخرى أنه آيةٌ للنبيّ ◌َ﴾(٢). وسيأتي ذكر وقعة بدر إن شاء اللّه تعالى(٣). وأمّا قراءة الياء، فقال ابن كيسان: الهاء والميم في ((يرونهم)) (٤) عائدةٌ على (وَأُخْرَى كَافِرَةٌ))، والهاء والميم في ((مِثْلَيْهم)) عائدةٌ على ((فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ»، وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام، وهو قوله: ﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَآءُ﴾. فدلَّ ذلك على أن الكافرين كانوا مِثْلَي المسلمين في رَأْي العين، وثلاثةً أمثالهم في العدد. قال: والرؤية هنا لليهود(٥) . وقال مكيّ(٦): الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل اللّه، والمَرْئية الفئة الكافرة، أي: يُري (٧) الفئةَ المقاتلةَ في سبيل اللّه الفئةَ الكافرةَ مِثْلَي الفئةِ المؤمنة، وقد كانت الفئةُ الكافرة ثلاثةَ أمثال المؤمنةِ، فقلَّلهم اللّه في أعينهم على ما تقدَّم. والخطاب في «لكم)) لليهود. (١) في معاني القرآن له ٣٨١/١، وفيه كلام الفراء السالف. (٢) معاني القرآن للنحاس ١/ ٣٦٤ - ٣٦٦. (٣) عند الآية (١٢٣) من هذه السورة. (٤) في (خ) و(د): ترونهم. (٥) معاني القرآن للنحاس ٣٦٢/١. (٦) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٣٣٧ . (٧) في (ز) و(ظ) و(م): ترى. ٤٢ سورة آل عمران: الآيتان ١٣ - ١٤ وقرأ ابن عباس وطلحة: (يُرَوْنَهم)) بضم الياء(١)، والسُّلميّ بالتاءِ(٢) مضمومة على ما لم يسمَّ فاعله. ﴿وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَارِ﴾ تقدَّم معناه والحمد لله. قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَاَلْبَنِينَ وَاَلْقَتَطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللّهُ عِنْدَهُ حُسْبُّ الْمَغَابِ فيه إحدى عشرةً مسألة : الأولى: قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ زُيِّنَ من التزيين(٣). واختلف الناس مَن المُزيِّن، فقالت فرقةٌ: اللّه زيَّن ذلك، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب ، ذَكّره البخاريّ(٤). وفي التنزيل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَمَا﴾ [الكهف: ٧]، ولما قال عمر: الآن يا ربِّ حين زيّنتها لنا! نزلت: ﴿قُلُّ أَوْنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]. وقالت فرقة: المزيِّن هو الشيطان، وهو ظاهر قول الحسن، فإنه قال: مَنْ زيَّنَها؟ ما أحدٌ أشدُّ لها ذَمّاً مِن خالقها. فتزيين اللّه تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجِبِّة على المَيْل إلى هذه الأشياء. وتزيين الشيطان هو (٥) بالوَسْوَسة والخديعة وتحسين أَخْذِها من غير وجوهها. والآية على كلا الوجهين ابتداءُ وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ لمعاصري محمد ﴿ من اليهود وغيرهم. (١) كذا في (د) و(ظ)، والقراءات الشاذة ص١٩، والمحتسب ١٥٤/١، والمحرر الوجيز ٤٠٦/١ : يُرونهم ، بضم الياء. ونسبها ابن خالويه لطلحة وحده، وزاد ابن عطية نسبتها لأبي حيوة، ووقع في (خ). و(ف) و(م): (تُرونهم)) بضم التاء، وكذا قيَّدها أبو حيان في البحر ٣٩٤/٢ . (٢) كذا في النسخ والمحرر الوجيز ٤٠٦/١: بالتاء، وقيّدها أبو حيان في البحر ٣٩٤/٢ بضمِّ الياء على الغيبة . (٣) في النسخ الخطية: التزيّن، والمثبت من (م). (٤) في صحيحه قبل الحديث (٦٤٤١)، ولفظه: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيَّنته لنا، اللهم إني أسألك أن أُنفقه في حقّه . (٥) في (م): إنما هو. ٤٣ سورة آل عمران: الآية ١٤ وقرأ الجمهور: (زُيِّنَ)) على بناء الفعل للمفعول، ورفع ((حُبّ)). وقرأ الضَّحاك ومجاهد: ((زَيَّنَ)) على بناء الفعل للفاعل، ونصب ((حُبّ))(١). وحُرِّكت الهاء من ((الشَّهَوَاتِ)) فرقاً بين الاسم والنعت(٢). والشَّهَوات جمع شَهْوة، وهي معروفة. ورجلٌ شهوانُ للشيء، وشيء شهيٍّ، أي: مُشْتَهِىّ. واتّباع الشهوات مُرْدٍ، وطاعتُها مَهْلَكة. وفي ((صحيح)) مسلم: ((حُفَّتِ الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشَّهَوات)) رواه أنس عن النبيّ ◌َ﴾(٣). وفائدةُ هذا التمثيل أن الجنة لا تُنال إلا بقطع مَفَاوز المكاره وبالصبر عليها . وأن النار لا يُنْجَى منها إلا بترك الشهوات وفِطام النفس عنها. وقد رُوِيَ عنه8: أنه قال: ((طريقُ الجنةِ حَزْنٌ بَرَبْوة، وطريقُ النارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ))(٤)، وهو معنى قوله: ((حُفَّتِ الجنة بالمكاره، وحُفَّتِ النار بالشهوات)). أي: طريقُ الجنة صعبةُ المَسْلك، فيه أعلى ما يكون من الرّوَابي، وطريقُ النار سَهْل لا غِلَظ فيه ولا وُعورة، وهو معنى قوله: ((سهلٌ بسهوة)) وهو بالسين المهملة(٥). الثانية: قوله تعالى: ﴿مِنَ النَِّاءِ﴾ بَدَأَ بِهِنَّ لِكثرة تشوُّف النفوسِ إليهنّ، لأنهنَّ حَبائلُ الشيطان وفتنةُ الرجال. قال رسول اللّه ﴾: ((ما تركتُ بعدي فِتنةً أضرَّ (٦) على (١) المحرر الوجيز ٤٠٨/١، وقولا عمر والحسن أخرجهما الطبري ٢٤٣/٦ - ٢٤٤. وقراءة مجاهد أوردها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٩، وإن جني في المحتسب ١/ ١٥٥ . (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٠/١. (٣) صحيح مسلم (٢٨٢٢)، وهو في مسند أحمد (١٢٥٥٩)، وفي الباب عن أبي هريرة ﴾ عند أحمد (٧٥٣٠)، والبخاري (٦٤٨٧)، ومسلم (٢٨٢٣). وعند البخاري: ((حُجبت)) بدل ((حُفّت)). (٤) في النسخ الخطية: بشهوة، والمثبت من (م)، وسيقيدها المصنف بالسين المهملة. والحديث أخرجه أحمد (٣٠١٥) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مطولاً، وفي إسناده نوح بن أبي مريم، قال البخاري وأحمد والحاكم: ذاهب الحديث، وقال مسلم: متروك الحديث. انظر ميزان الاعتدال ٢٧٩/٤ ، ولسان الميزان ٦/ ١٧٢ - ١٧٣، وتهذيب التهذيب ٢٤٧/٤ . وأخرجه البيهقي في الشعب (١٤٦١) من حديث أبي البُجيرُ، وفي إسناده سعيد بن سنان الحنفي، وهو متروك، رماه الدار قطني وغيره بالوضع، كما في تقريب التهذيب. (٥) انظر المفهم ٧/ ١٦١ . (٦) في (م): أشدَّ. ٤٤ سورة آل عمران: الآية ١٤ الرجال من النساء)) أخرجه البخاريّ ومسلم (١). ففتنة النساء أشدُّ من جميع الأشياء. ويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنةٌ واحدة. فأما اللَّتان في النساء، فإحداهما(٢) أن تُؤدِّيَ إلى قطع الرَّحِم؛ لأن المرأة تأمرُ زوجَها بقطعه عن الأُمَّهَات والأخوات، والثانية: يُبْتلى بجمع المال من الحلال والحرام. وأمّا البنون(٣)؛ فإنّ الفتنة فيهم واحدة، وهو ما ابْتُلي بجمع المال لأجلهم(٤). وروى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول اللّه ﴾: ((لا تُسْكِنوا نساءَكم الغُرَفَ، ولا تُعَلِّموهنّ الكِتَابِ))(٥). حذَّرهم رسولُ اللّه ◌ِفَ﴿، لأن في إسكانهنَّ الغُرفَ تطلُّعاً إلى الرجال، وليس في ذلك تَخْصِينٌ لهنَّ ولا سِتْر، لأنهنَّ قد يُشرفن على الرجال، فتحدُث الفتنةُ والبلاء، ولأنهنَّ خُلِقْن(٦) من الرجل، فَتَهْمتُهنَّ(٧) في الرجل، والرجلُ خُلِق فيه الشهوة، وجُعِلَتْ سَكَناً له، فغيرُ مأمونٍ كلٌّ واحدٍ منهما على صاحبه. وفي (١) صحيح البخاري (٥٠٩٦)، وصحيح مسلم (٢٧٤٠) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما ، وهو في مسند أحمد (٢١٧٤٦). (٢) في النسخ الخطية: فإحداهن ، والمثبت من (م). (٣) في النسخ الخطية وتفسير أبي الليث ١/ لوحة ١١٣ (والكلام منه): البنين، والمثبت من (م). (٤) في (خ) و(د) و(ز) و(ظ) وتفسير أبي الليث: لأجله، وفي (ف): من أجله، والمثبت من (م). (٥) أخرجه ابن عدي في الكامل ٢/ ٥٧٥ ، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ١٧٣ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، وفي إسناده جعفر بن نصر أبو ميمون العنبري، قال ابن عدي: حدّث عن الثقات بالبواطيل، وليس بالمعروف. وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٤/ ٢٢٤ ، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات ١٧٤/٢، وأورده الذهبي في الميزان ٤٤٦/٣ من حديث عائشة رضي الله عنها، وفي إسناده محمد بن إبراهيم الشامي، قال الذهبي: قال الدارقطني: كذاب، وقال ابن حبان: لا تحلُّ الرواية عنه إلا عند الاعتبار، كان يضع الحديث. وسيذكر المصنف حديث عائشة رضي الله عنها عند تفسير الآية (١) من سورة النور. ونسبه لابن مسعود ﴾ الحكيمُ الترمذي في نوادر الأصول ص٢٧٠-٢٧١ ونقله المصنف مع الكلام الذي بعده منه . ثم إنَّ قوله: ولا تعلموهن الكتاب، مخالف لما ورد في الكتاب والسنة، كما سنذكر. (٦) في (م): قد خلقن. (٧) في (د) و(ف) و(م) ونوادر الأصول: فهمّتها، وفي (خ): فنهمتها، والمثبت من (ظ). والنَّهمة، كما في القاموس (نهم): الحاجة، وبلوغ الهمَّة، والشهوة في الشيء. ٤٥ سورة آل عمران: الآية ١٤ تعلمهنَّ الكتابَ هذا المعنى من الفتنة وأشدُّ(١). وفي كتاب الشِّهاب عن النبيِ لَ﴿: ((أَغْرُوا النساء يَلْزَمْنِ الحِجَال))(٢). فعلى الإنسان إذا لم يصبر في هذه الأزمان أن يبحثَ عن ذات الدِّين لِيسلَم له الدِّينِ، قالِ ﴿: ((عليك بذاتِ الدِّين تَرِبَتْ يداك)) أخرجه مسلم عن أبي هريرة (٣). وفي (سنن)) ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو(٤) قال: قال رسول اللّه ◌ُ﴾: ((لا تَزَوَّجُوا النساء لحسنهنّ، فعسى حُسْنُهنَّ أنْ يُرْدِيَهنَّ، ولا تَزَوَّجُوهنَّ لأموالهنَّ، فعسى أموالُهنَّ (١) لا ينبغي بناء حكم على حديث تالف، فقوله: لا تعلِّموهن الكتاب، مخالف للعقل والنقل، فقد أمر الله تعالى عباده بتعلم القراءة في أول آية نزلت: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ وقال تعالى: ﴿الرحمن، علم القرآن﴾ وآيات أخرى، وترجم البخاري (كما في الفتح ١/ ١٩٠): باب تعليم الرجل أمته وأهله، وأورد حديث أبي موسى الأشعري (٩٧) مرفوعاً: ((ثلاثة لهم أجران)). وذكر منهم: ((ورجل كانت عنده أمة فأدَّبها فأحسن تأديبها، وعلّمها فأحسنَ تعليمها، ثم أعتقها فتزوَّجها، فله أجران)). وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (١٩٧٦٨) عن معمر، عن الزهري قال: بلغني أن النبي # قال لا مرأة: ((ألا تعلّمين هذه رُقْيَةَ النملة - يريد حفصةً زوجته - كما عَلَّمتِها الكتابة؟)). قال ابن القيم في زاد المعاد ٤/ ١٧٠: في الحديث دليل على جواز تعليم النساء الكتابة. (٢) مسند الشهاب (٦٨٩). وأخرجه أيضاً الطبراني في الكبير ١٩/ (١٠٦٣). والحديث من طريق عمرو ابن الحارث، عن مجمع بن كعب، عن مسلمة بن مخلد﴾، وهذا الإسناد ضعيف جداً، لانقطاع فيه وجهالة؛ فإن عمرو بن الحارث لا يروي عن مجمع بن كعب، بينهما جعفر بن ربيعة، كما في التاريخ الكبير ٧/ ٤١٠. ولا يروي عن مجمع بن كعب إلا جعفر بن ربيعة، كما في الجرح والتعديل ٢٩٧/٨، وثقات ابن حبان ٤٣٨/٥ . وقد أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١٢٩٧) . ورمز السيوطي لضعفه في الجامع الصغير ١٤٩/١، ووهم المناوي في فيض القدير ١/ ٥٦٠ في نقله عن الحافظ ابن حجر العسقلاني (في لسان الميزان ٥٢/٢) أن ابن عساكر حسَّنه، لإخراجه الحديث من وجه آخر في أماليه، فإن ذلك التحسین لحدیث آخر، ولیس لهذا الحديث. والله أعلم. قوله: أعروا النساء، أي: جرَّدوهن من ثياب الزينة والخيلاء، ومن الحليّ، وقوله: الججال: جمع حَجَلة، وهو بيت كالقبة يُستر بالثياب. قاله المناوي. (٣) صحيح مسلم (١٤٦٦)، وأخرجه أحمد (٩٥٢١)، والبخاري (٥٠٩٠) بلفظ: ((فاظفر)) بدل: ((عليك))، وفي الباب عن جابر ﴾ عند أحمد (١٤٢٣٧)، ومسلم ١٠٨٧/٢ (٧١٥)، وعن عائشة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عند أحمد (٢٥١٩١) و(١١٧٦٥). وسيأتي هذا الحديث بتمامه عند تفسير الآية التالية، وعند تفسير الآية (١٣) من سورة الحجرات. (٤) في (د) و(ز) و(ظ) و(ف) و(م): عبدالله بن عمر، وهو خطأ، والمثبت من (خ) وسنن ابن ماجه وتحفة الأشراف ٣٥٤/٦ . ٤٦ سورة آل عمران: الآية ١٤ أنْ تُطْغِيَهنَّ، ولكن تَزَوَّجُوهنَّ على الدِّين، وَلَأمةٌ سَوْداءُ خَرْماءُ ذاتُ دِين أفضلُ»(١). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلْبَنِينَ﴾ عطف على ما قبله. وواحد البنين(٢) ابن. قال اللّه تعالى مخبراً عن نوح: ﴿إِنَّ أَبْنِ مِنْ أَهْلِ﴾ [هود: ٤٥]. وتقول في التصغير: بُنَّيّ، كما قال لقمان(٣). وفي الخبر: أن النبي ﴾ قال للأشعث بن قيس: «هل لكَ من ابنة جَمْد(٤) من ولد؟)) قال: نعم، لي منها غلامٌ، ولَوَدِدْت أنَّ لي به جَفْنَةً مِنْ طعام أُطِعِمِها مَنْ بقيّ من بَنِي جَبَلة. فقال النبيّ ﴿: ((لئن قلتَ ذلك، إنهم لَثمرةُ القلوب، وقُرَّةُ الأعين، وإنهم مع ذلك لمَجْبَنَةٌ مَبْخَلَةٌ مَحْزَنَةٌ))(٥). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَالْقَتَطِيرِ﴾ القناطير جمع قِنطار، كما قال تعالى: ﴿وَءَتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، وهو العُقْدَة الكبيرة من المال، وقيل: هو اسمٌ للمِعْيار الذي يُوزَن به، كما هو الرِّطل والرُّبْع. ويقال لِما بَلَغ ذلك الوزنَ: هذا قِنطار، أي: يَعدِلُ القِنطار. والعرب تقول: قَنْطرَ الرجلُ: إذا بلغ مالُه [أنْ يُوزَنَ بالقِنطار. وقال الزجَّاج(٦): القِنطار مأخوذ مِن عَقْد الشيء وإحكامه، تقول العرب: قنطرتُ الشيء إذا أحكمتَه، ومنه سُميت القنطرة، لإحكامها. قال طَرَفة (٧): كَقَنْطَرَةِ الرُّومِيِّ أَقَسَمَ ربُّها لَتُكْتَنَفَنْ حتى تُشَادَ بِقَرْمَدٍ (١) سنن ابن ماجه (١٨٥٩)، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف، فيما ذكره الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب ص٢٨٢. قوله: ((خَرْماء)» أي: مثقوبة الأذن، أو التي قطعت وترةُ أنفها أو طرفُه. النهاية ٢/ ٢٧ . (٢) في (م): من البنين. (٣) كما في الآيات ١٣ - ١٧ من سورة لقمان. (٤) في النسخ: حمزة، وهو خطأ؛ والمثبت من المصادر. (٥) أخرجه بنحوه أحمد في المسند (٢١٨٤٠)، والحاكم في المستدرك ٢٣٩/٤ وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأورده بلفظ المصنف الطبرسيُّ في مجمع البيان ٣٠/٢ - ٣٩. قوله: ((مجبنة محزنة)) قال البغوي في شرح السنة ٣٦/١٣: أراد أن الرجل إذا كثر ولده، بخل بماله إبقاءً عليهم، وجَبُن عن الحروب استبقاءً لنفسه. (٦) في معاني القرآن ٣٨٣/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٩/١، والكلام الذي قبله وما بين حاصرتين منه. (٧) في ديوانه ص ٢٥ . ٤٧ سورة آل عمران: الآية ١٤ والقَنْطرة: المعقودة، فكأنَّ القِنطار عَقْدُ مال. واختلف العلماء في تحرير حَدِّهِ كم هو على أقوال عديدة، فروَى أُبيُّ بنُ کعب عن النبيِّ ﴿ أنه قال: ((القِنطار ألفُ أُوقِيَّة ومئتا أُوقِيَّة(١))). وقال بذلك معاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر، وأبو هريرة وجماعة من العلماء. قال ابن عطية(٢): وهو أصُ الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأُوقيّة. وقيل: اثنا عشر ألف أوقية، أسنده البُستيّ في «مسنده)) الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول اللّهِ﴾ قال: ((القِنطارُ اثنا عشرَ ألف أُوقيّة، الأُوقيّة خيرٌ مما بين السماء والأرض))(٣). وقال بهذا القول أبو هريرة أيضاً(٤). وفي ((مسند)) أبي محمد الدارميّ(٥) عن أبي سعيد الخدريّ قال: مَن قرأ في ليلة عشرَ آيات كُتِب من الذاكرين، ومَن قرأ بمئة آية كُتب من القانتين، ومَن قرأ بخمس مئة آية إلى الألف أصبح وله قِنطار من الأجر، قيل: وما القِنطار؟ قال: مِلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذهباً. موقوف، وقال به أبو نَضْرَة العَبْديّ(٦). وذكر ابنُ سِيده أنه هكذا بالسُّريانية. وقال النقّاش عن ابن الكلبي: إنه هكذا بلغة الروم. وقال ابن عباس والضحَّاك والحسن: ألف ومئتا مِثقال من الفضة، ورَفعَه الحسن. وعن ابن عباس: اثنا عشر ألف درهم من الفضة، ومن الذهب ألف دينار دِيَةُ الرجل المسلم، ورُوي عن الحسن والضحّاك. وقال سعيد بن المسيّب: ثمانون (١) أخرجه الطبري ٢٤٤/٦ - ٢٤٥، وفي إسناده مخلد بن عبد الواحد أبو الهذيل البصري؛ قال ابن حبان في المجروحين ٤٣/٣: منكر الحديث جداً. وأورد ابن كثير الحديث في تفسيره ٢/ ٢٠، وقال: هذا حديث منكر، والأقرب أن يكون موقوفاً على أبيّ بن كعب كغيره من الصحابة. (٢) في المحرر الوجيز ٤٠٨/١، وما قبله منه. (٣) صحيح ابن حبان (٢٥٧٣)، وهو في مسند أحمد (٨٧٥٨) . (٤) أورده ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٩/١ (٥) الحديث (٣٤٥٨) . (٦) هو المنذر بن مالك بن قُطَعة، العوفي، البصري، المحدث، الثقة، توفي سنة (١٠٨هـ). السير ٥٢٩/٤ . ٤٨ سورة آل عمران: الآية ١٤ ألفاً. قتادة: مئة رِظْل من الذهب، أو ثمانون ألف درهم من الفضة(١). وقال أبو حمزة الثُّمَاليّ: القنطار بإفريقيَّة والأندلس ثمانية آلاف مِثْقال من ذهب أو فضة(٢). السدّيّ: أربعة آلاف مثقال. مجاهد: سبعون ألف مثقال، ورُوي عن ابن عمر. وحَكَى مكيٌّ قولاً أنَّ القِنطار أربعون أُوقيَّة من ذهب أو فضة، وقاله ابن سِيدَه في ((المحكم)) وقال: القنطار بلغة بَرْبَر ألف مثقال. وقال الربيع بن أنس: القنطار المال الكثير بعضُه على بعض(٣)، وهذا هو المعروف عند العرب، ومنه قوله: ﴿وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنِطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، أي: مالاً كثيراً. ومنه الحديث: إنَّ صفوانَ بنَ أُميَّة قَنْطَرَ في الجاهلية وقَنْطَرَ أبوه(٤)، أي: صار له قِنطارٌ من المال. وعن الحَكَم: القنطارُ هو ما بين السماء والأرض(٥). واختلفوا في معنى ((المُقَنْطَرَةِ))، فقال الطبري(٦) وغيرُه: معناه المُضَعَّفة، وكأنّ القناطيرَ ثلاثةٌ، والمُقنطرةَ تسعٌ. ورُوي عن الفرّاء(٧) أنه قال: القناطيرُ جمع القنطار، والمُقنطرة جمع الجمع، فيكون تسعَ قناطير. السُّدِّيّ: المُقنطرة: المضروبة حتى (١) المحرر الوجيز ٤٠٨/١ - ٤٠٩. وأخرج الأقوال السابقة الطبري في تفسيره ٢٤٥/٦ - ٢٤٨. (٢) أورده ابن قتيبة في تفسير غريب بالقرآن ص١٠٢، ولم ينسبه، وأبو حيان في البحر ٣٩٧/٢، وأبو حمزة الثمالي: هو ثابت بن أبي صفية الأزدي، الكوفي، توفي في خلافة أبي جعفر، قال عنه أحمد وابن معين: ليس بشيء، وقال الدارقطني: متروك. تهذيب التهذيب ٢٦٤/١ . (٣) المحرر الوجيز ٤٠٨/١ - ٤٠٩، وأخرج الأقوال السابقة الطبري ٢٤٨/٦ - ٢٤٩، وفيهما قول السدي: القنطار: ثمانية آلاف مثقال. (٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١١٩/٢٤ من قول أبي عبيدة. وصفوان بن أمية بن خلف القرشي الجمحي المكي: صحابي، أسلم بعد الفتح، وشهد اليرموك أميراً على كُردوس، توفي سنة (٤١هـ) . السير ٢ / ٥٦٢ (٥) أورده البغوي في تفسيره ٢٨٤/١ . (٦) في تفسيره ٢٤٩/٦ . (٧) انظر معاني القرآن له ١٩٥/١. ٤٩ سورة آل عمران: الآية ١٤ صارت دنانيرَ أو دراهم. مكيّ: المُقنطرة: المُكمَّلة(١)، وحكاه الهروي(٢)، كما يقال: بَدْرة(٣) مُبَدَّرَة، وَألفٌ(٤) مؤلّفة. وقال بعضهم. ولهذا سُمِّي البناءُ القنطرةَ لِتكاثف البناء بعضِه على بعض. ابن کیسان والفرّاء: لا تكون المُقنطرة أقلّ من تسعة(٥) قناطير(٦). وقيل: المُقَنْطَرة إشارةٌ إلى حضور المال وكونه عتيداً(٧) . وفي ((صحيح)) البُستي: عن عبد الله بن عمرو (٨) عن رسول اللّهِ ﴾ أنه قال: ((مَنْ قامَ بعشر آياتٍ لم يُكتَبْ من الغافلين، ومَن قام بمئة آيةٍ كُتبَ من القانتين، ومَن قام بألف آية كُتب من المُقَنْطِرِين)). الخامسة: قوله تعالى: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ﴾ الذهب مُؤَنَّثة، يقال: هي الذَّهب الحسنةُ، جمعُها ذِهاب وذُهُوب. ويجوز أن يكون جمعُ ذهبة، ويجمع على الأَذْهَاب. وذهب فلانٌ مَذْهباً حسناً. والذَّهَب: مِكْيالٌ لأهل اليمن. ورجل ذَهِبٌ: إذا رأى مَعْدِنَ الذَّهب فَدَهِش. والفضّة معروفة، وجمعها فِضَضٌ(٩) . (١) المحرر الوجيز ٤٠٩/١، ونقل المصنف عنه قول الطبريّ السالف، وأخرج قولَ السُّدِّيِّ الطبريُّ ٦/ ٢٥٠ (٢) انظر تهذيب اللغة ٩/ ٤٠٥، وفيه: المقنطرة: المُتَمَّمة. (٣) في (خ) و(د) و(ف) و(م): بدر، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص١٠٢ . والبدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار. القاموس المحيط (بدر). (٤) في (م): آلاف، وانظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص١٠٢ . (٥) في (خ) و(د): سبعة، وفي (ظ): سبع، وفي (م): تسع، والمثبت من (ف). (٦) نسب ابن عطية في المحرر الوجيز١ /٤٠٩ والنحاس في إعراب القرآن هذا القول لابن كيسان وحده وذكر ابن عطية أيضاً أن المهدوي حكى عن ابن كيسان والفراء: لا تكون المقنطرة أكثر من تسعة. (٧) المحرر الوجيز ٤٠٩/١ . (٨) في (د) و(ظ) و(م): عبدالله بن عمر، وهو خطأ، والمثبت من (خ) و(ف) وهو الموافق لصحيح ابن حبان (٢٥٧٢). (٩) انظر إعراب القرآن للنحاس ٣٦٠/١، ومجمل اللغة ٣٦١/١. وقوله: الذهب مؤنثة، كذا عند النحاس، وفي معاجم اللغة أن الذهب يُذكَّر ويُؤنَّث. وقوله: جمعها ذهاب، هذا أيضاً عند النحاس، وفي معاجم اللغة أن جمع الذّهَب: أذهاب وذُهوب، وذُهبان. وانظر تهذيب اللغة ٦/ ٢٦٣، والقاموس المحيط، واللسان (ذهب). ٥٠ سورة آل عمران: الآية ١٤ فالذهب مأخوذة من الذَّهَاب، والفضة مأخوذة من انفَضّ الشيء تفرَّق(١)، ومنه فَضَضْتُ القوم فانفضُّوا، أي: فرَّقتُهم فتفرَّقوا، وهذا الاشتقاقُ يُشعر بزوالهما وعدم تُبُوتهما كما هو مُشاهَد في الوجود. ومن أحسن ما قيل في هذا (٢) قولُ بعضهم: النّارُ آخرُ دِينارٍ نطقت به والهَمُّ آَخِرُ هذا الدِّرْهِم الجاري والمرءُ بينَهما إن كان ذا وَرَعِ مُعذّبُ القلبِ بين الهَمِّ والنارِ السادسة: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ﴾ الخيل مُؤنَّئة. قال ابن كيسان: حُدِّثت عن أبي عُبيدة أنه قال: واحدُ الخيل خائل، مثل: طائر وطير، وضائن وضَيْن، وسُمِّيَ الفرس بذلك لأنه يختال في مَشْيه (٣). وقال غيره: هو اسم جمع لا واحدَ له من لفظه، واحده فرس(٤)، كالقوم والرَّهْط والنساء والإبل ونحوها . وفي الخبر من حديث عليّ، عن النبيِّ ﴾: ((إنَّ اللّه خلَق الفرسَ من الريح، ولذلك جعلَها تطيرُ بلا جناح))(٥). وَهْبُ بن مُنَبِّه: خلَقها من ريح الجَنُوب. قال وهب: فليس من(٦) تسبيحةٍ ولا تكبيرة ولا تهليلة يُكبِّرها صاحبُها إلا وهو يَسمعه(٧)، فَيُجيبُه بمثلها(٨). وسيأتي لذكر الخَيْلِ ووصفِها في سورة الأنفال(٩) ما فيه كفايةٌ إن شاء اللّه تعالى. (١) انظر تفسير البغوي ٢٨٤/١ . (٢) في (م): هذا المعنى. (٣) في (ظ): مشيته. (٤) انظر إعراب القرآن للنحاس ٣٦٠/١، والمحرر الوجيز ٤٠٩/١. (٥) أورده الثعلبي في قصص الأنبياء ص٣٠٥ عن أبي عبدالله عقيل الأنصاري بإسناده عن علي ﴾. وأبو عبدالله عقيل لم نقف له على ترجمة، ولم نقف على إسناد الخبر، والضعف فيه ظاهر. والثعلبي - وهو أحمد بن إسحاق ـ قال فيه ابن تيمية في مقدمة أصول التفسير ص٧٦ : والثعلبي في نفسه كان فيه خير ودين، ولكنه كان حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع. (٦) لفظة: من، ليست في (م). (٧) في (م): يسمعها. (٨) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٣٠١) مطولاً، وهو من الإسرائيليات. (٩) في تفسير الآية (٦٠) منها. ٥١ سورة آل عمران: الآية ١٤ وفي الخبر(١): إن اللّه عرضَ على آدمَ جميعَ الدوابِّ، فقيل له: اختَرْ منها واحداً، فاختار الفرس، فقيل له: اخترتَ عِزَّك، فصار اسمه الخير من هذا الوجه. وسُمِّيت خيلاً لأنها مَوْسُومَةٌ بالعِزِّ، فمن رکبه اعتزَّ پنخلة الله له، واختال(٢) به على أعداء اللّه تعالى. وسُمِّيَ فرساً لأنه يفترسُ مسافاتِ الجوِّ افتراسَ الأسد وَثَباناً، ويقطعُها كالالتهام بيديه على شيء خَبْطاً وتناولاً، وسُمِّ عربيّاً لأنه جيء به من بعد آدَمَ لإسماعيلَ جزاءً عن رفع قواعدِ البيت، وإسماعيلُ عربيٍّ، فصار له نِحلةً من الله تعالى فسمِّي عربياً (٣). وفي الحديث عن النبي ﴾: «لا يدخل الشيطانُ داراً فيها فرسٌ عَتِيقِ)) (٤). وإنما سُمِّ عَتيقاً لأنه قد تخلَّص من الهَجانة(٥). وقد قال﴾: ((خيرُ الخيلِ الأدهمُ الأَفْرِحُ الأَرْثمُ، [ثم الأقرحُ المحجَّل]، طلقُ اليمين، فإن لم يكن أدهمَ، فكُميت على هذه الشِّيّةٍ)). أخرجه الترمذيّ عن أبي قتادة . (٦) ٠ وفي مسند الدارميّ عنه أن رجلاً قال: يا رسول اللّه، إني أُريد أن أشتريَ فرساً [فأيُّها أشترِي؟] قال: ((إِشْترِ أدهمَ، أرثمَ، مُحجَّل(٧)، طَلْقَ اليمين، أو من الكُميت (١) هو قطعة من قول وهب بن منبِّه السالف. (٢) في (خ) و (د) و(ف) و(م): ويختال، والمثبت من (ظ) .. (٣) تقدم نحو هذا الكلام ٢/ ٣٩٠، وذكر المصنف ثمة حديثاً موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما. (٤) أخرجه ابن عدي في الكامل ١١٩٧/٣، وأبو الشيخ في العظمة (١٣٠٥) من حديث عَريب المُليكي، وفي إسناده سعيد بن سنان أبو مهدي الحمصي؛ قال الذهبي في الميزان ٢/ ١٤٤: ضعّفه أحمد، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك، وسيتكرر الخبر عند تفسير الآية (٦٠) من سورة الأنفال. قوله: ((فرس عتيق)): هو الرائع الكريم. اللسان (عتق). (٥) الهجين من الخيل: الذي ولدته بِرْذَونة من حصان عربي، وفرس هجين: غير عتيق. انظر تهذيب اللغة ٦٠/٦ والقاموس المحيط (هجن). (٦) سنن الترمذي (١٦٩٦)، وما بين حاصرتين منه، وهو في مسند أحمد (٢٢٥٦١). قال السندي كما في حاشية مسند أحمد: قوله: ((الأدهم))، أي: الأسود. ((الأقرح)): هو ما كان في جبهته قُرحة - بالضم - وهو بياض يسير دون الغُرّة. ((الأرثم)): هو الذي أنفه أبيض وشفته العليا. ((المحجل)): هو الذي في قوائمه بياض. ((طلق اليمين))، أي: مُطلقُها، ليس فيها تحجيل. ((فكُميت)) بضم الكاف مصغّر: هو الذي لونُه بين السواد والحمرة، يستوي فيه المذكر والمؤنث. ((على هذه الشَّية)) بكسر الشين: هو اللون المخالف لغالب اللون. (٧) كذا وقع في النسخ وسنن الدارمي: محجل، والجادة: مُحجَّلاً. ٥٢ سورة آل عمران: الآية ١٤ على هذه الشِّيّة، تغنَم وتسلَم))(١). وروى النسائيُّ عن أنس قال: لم يكن أحبَّ إلى رسول اللّه ﴾ بعد النساء من الخيل(٢). وروَى الأئمةُ عن أبي هريرةَ أنّ رسول اللّه ◌ِ ﴾ قال: «الخيلُ ثلاثة: لرجلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، ولرجل وِزْرٌ)) الحديث(٣) بطوله، شُهرته أغنتْ عن ذكره. وسيأتي ذكر أحكام الخيل في ((الأنفال)) و((النحل)) (٤) بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى. السابعة: قوله تعالى: ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ يعني الراعية في المُروج والمسارح، قاله سعيد ابنُ جُبير. يقال: سامَت الدابةُ والشاةُ إذا سَرَحَتْ، تسومُ سَوْماً، فهي سائمة. وأسَمْتُها أنا: إذا تركتُها لذلك، فهي مُسامَة. وسؤَّمتها تسويماً فهي مُسوَّمة(٥). وفي ((سنن)) ابن ماجه (٦) عن عليّ قال: نهى رسولُ اللّه ﴾ عن السَّوْمِ قبل طلوعٍ الشمس، وعن ذَبْح ذواتِ الدَّرِّ. السَّوم هنا في معنى الرعي. وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]. قال الأخطل(٧) : مثل ابنِ بَزْعةً (٨) أو كآخَرَ مثلِهِ أَوْلَى لك ابنَ مُسِيمَةِ الأَجْمالِ أراد: ابنَ راعية الإبل. والسَّوَام: كل بهيمة تَرْعَى، وقيل: المُعَدَّة للجهاد، قاله ابن زيد. مجاهد: المُسَوَّمَة: المُطَهَّمَة الحِسان. وقال(٩) عِكرمة: سوَّمها الحُسن، (١) سنن الدارمي (٢٤٢٨)، وما بين حاصرتين منه. (٢) المجتبى ٢١٧/٦ - ٢١٨، وفي الباب عن معقل بن يسار ظ عند أحمد (٢٠٣١٢). (٣) أخرجه أحمد (٧٥٦٣)، والبخاري (٢٣٧١)، ومسلم (٩٨٧). (٤) عند تفسير الآية (٦٠) من الأنفال، وتفسير الآية (٨) من النحل. (٥) انظر المحرر الوجيز ٤٠٩/١، وقول سعيد أخرجه الطبري ٦/ ٢٥٢ . (٦) الحديث (٢٢٠٦) . (٧) في ديوانه ص ١٥٩ . (٨) وقع في (خ): ضل ابن زرعة، وفي (د): ظل ابن زرعةٍ، ولم تتبين في (ظ)، والمثبت من الديوان، قال شارحه: ابن بزعة: يعني شداد بن المنذر أخا حصين الذُّهلي، وبزعة أُمُّه، وروايته في الأغاني ٣١٩/٨: کابن البزيعة . (٩) في النسخ: وقاله، والمثبت من (م). ٥٣ سورة آل عمران: الآية ١٤ واختاره النحاس(١)، من قولهم: رجل وَسِيم. ورُوي عن ابن عباس أنه قال: المسؤَّمة المُعْلَمة بِشِيات الخيل في وجوهها، من السِّيما، وهي العلامة (٢). وهذا مذهب الكِسائيّ وأبي عبيدة(٣). قلت: كل ما ذكر يحتمله اللفظ، فتكون راعيةٌ مُعَدَّةً حِساناً مُعْلَمَةً لِتُعرفَ من غيرها . قال أبو زيد: أصلُ ذلك أن تجعلَ عليها صُوفةً أو علامةً تخالف سائر جسدها لتبين من غيرها في المرعى(٤). وحكى ابن فارس اللغويّ في ((مجمله))(٥): المسَوَّمَة: المُرْسَلَة وعليها رُكبانها . وقال المُؤرِّجِ: المسؤَّمة: المَكْوِيَّة. المبرّد: المعروفة في البلدان. ابن كَيْسان: البُلْقُ(٦). وكلُّها متقارب من السِّيما. قال النابغة(٧): وضُمْرٍ كالقِدَاحِ مُسَوَّمَاتٍ عليها مَعْشَرٌ أَشْبَاهُ جِنِّ الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَاَلْأَنَْمِ﴾ قال ابن كَيْسان: إذا قلت: نَعَمٌ، لم تكن إلَّا للإبل، فإذا قلت: أنعامٌ وقعتْ للإبل وكلِّ ما يرعى(٨). قال الفرّاء: هو مُذَكَّر ولا يؤنّث، يقولون: هذا نَعَمٌ واردٌ، ويُجمع أنعاماً (٩). قال الهَرَوِيّ(١٠): والنَّعَم يذكّر ويؤنّث، والأنعام: المَواشي من الإبل والبقر والغنم، وإذا قيل: النَّعَم فهو الإبل (١) في معاني القرآن ١/ ٣٦٧ . (٢) انظر المحرر الوجيز ٤٠٩/١ - ٤١٠، وأخرج الأقوال السابقة الطبري ٢٥٢/٦ - ٢٥٤، وقول عكرمة فيه: تسويمها الحُسن. (٣) انظر مجاز القرآن ٨٩/١، ومعاني القرآن للنحاس ٣٦٧/١. (٤) ذكره النحاس في معاني القرآن ٣٦٨/١. (٥) ٤٧٩/١ . (٦) أورد قولي المؤرّج وابن كيسان ابنُ الجوزي في زاد المسير ١/ ٣٦٠، وقول المبرد أورده أبو حيان في البحر ٣٩٨/٢ . (٧) هو الذبياني، والبيت في ديوانه ص١٢٤ . (٨) إعراب القرآن للنحاس ٣٦٠/١. (٩) الصحاح (نعم) وعنه نقل المصنف كلام الفراء، وفيه: يُجمع على نُعمان، مثل: حَمّل وحُملان. اهـ. (١٠) انظر تهذيب اللغة ١٣/٣. ٥٤ سورة آل عمران: الآية ١٤ خاصَّة. وقال حسان(١): خِلالَ مُروجِها نَعَمٌ وشَاءُ وكانت لا يزالُ بها أَنِيسٌ وفي ((سنن)) ابن ماجه عن عُروة البارقيِّ يرفعه قال: «الإبلُ عِزِّ لأهلها والغنم بركةٌ، والخيرُ معقودٌ في نواصي الخيل إلى يوم القيامة))(٢). وفيه عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه ﴿: ((الشاة من دوابِّ الجنة))(٣). وفيه عن أبي هريرة قال: أمَر رسول اللّه ﴾ الأغنياءَ باتِّخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدَّجَاج. وقال: ((عند اتِّخاذ الأغنياءِ الدجاج أذَن اللّه تعالى بهلاك القُرى»(٤). وفيه عن أُمِّ هانِئْ أنّ النبيّ :﴿ قال لها: ((اتّخذِي غَنَماً، فإنَّ فيها بركةً)). أخرجه عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، عن وكيع، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن أمِّ هانئ، إسناد صحيح(٥). التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَالْعَرْثِ﴾ الحرث هنا اسمٌ لكل ما يُحْرَث، وهو مصدر سُمِّيَ به، تقول: حَرَثَ الرجلُ حَرْئاً: إذا أثار الأرضَ لمعنى (٦) الفِلاحَة، فيقع اسمُ الجرائَة على زرع الحبوب وعلى الجَنّات وغير(٧) ذلك من نوع الفلاحة (٨). وفي (١) في دیو انه ص ٥٨ (٢) سنن ابن ماجه (٢٣٠٥)، وقوله منه: ((الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة)) أخرجه أحمد (١٩٣٥٤)، والبخاري (٣٦٤٣)، ومسلم (١٨٧٣)، وسلف ٢٤١/٣. (٣) سنن ابن ماجه (٢٣٠٦). قال البوصيري في الزوائد ٢/ ٢٧: هذا إسناد ضعيف، زَرْبي بن عبدالله، أبو يحيى الأزدي [وهو أحد رجال السند] متفق على ضعفه، وانظر ميزان الاعتدال ٦٩/٢. (٤) سنن ابن ماجه (٢٣٠٧) قال البوصيري في الزوائد ٢٨/٢: هذا إسناد ضعيف، علي بن عروة تركوه، قال ابن حبان: يضع الحديث، وعثمان بن عبد الرحمن مجهول، والمتن ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من حديث نافع عن عبدالله بن عمر . (٥) سنن ابن ماجه (٢٣٠٤)، وهو في مسند أحمد (٢٧٣٨١). (٦) في (د) و(ظ): بمعنى. (٧) في (م): وعلى غير. (٨) المحرر الوجيز ١/ ٤١٠ . ٥٥ سورة آل عمران: الآية ١٤ الحديث: ((أُخْرُتْ لدنياك كأنك تعيش أبداً (١)). يقال: حرثتُ واحترثت. وفي حديث عبد الله: اخْرُتُوا هذا القرآن(٢)، أي: فَتِّشُوه. قال ابن الأعرابيّ: الحرث التَفْتِيشُ، وفي الحديث: ((أصدقُ الأسماء الحارِثُ)) (٣) لأنَّ الحارث هو الكاسب، واحتراثُ المال كَسْبُه، والمِحْرَاثُ: مِسْعَرُ النار(٤)، والحَرَاثُ مَجْرى الوَتَر في القوس، والجمع أَحْرِثة، وأحرثَ الرجل ناقتَه: أهْزَلها. وفي حديث معاوية: ما فعلتْ نَواضِحُكم؟ قالوا: حرَثْناها يومَ بَذْر. قال أبو عبيد(6): يعنون: هزلناها، يقال: حرثت الدابةً وأحرثتها، لغتان. وفي ((صحيح)) البخاريّ عن أبي أمامة الباهِليّ قال؛ وقد رأى سِكّةً وشيئاً من آلة الحرث، فقال: سمعتُ رسول اللّه * يقول: ((لا يدخلُ هذا بيتَ قوم إلا دَخَّله الذُّرُ)) (٦). قيل: إنَّ الذُّلَّ هنا ما يلزَمُ أهلَ الشُّغلِ بالحرث من حقوق الأرض التي يُطالبهم بها الأئمة والسلاطين. وقال المهلب: معنى قوله في هذا الحديث - والله أعلم - الحَضّ على مَعالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات، وذلك لما خَشِي النبيّ :﴿ على أمّته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل اللّه، لأنهم إن اشتغلوا بالحَرْث؛ غلَبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها، فحضَّهم على التعيُّش من الجهاد؛ لا من الخُلود إلى عِمارة الأرض ولزوم المِهْنَة. ألا ترى أنَّ عمر قال: (١) سلف ٣٨٦/٣. (٢) ذكره الأزهري في تهذيب اللغة ٤٧٨/٤ والكلام منه، وانظر مجمل اللغة ٢٣٠/١. (٣) أخرجه أحمد (١٩٠٣٢)، وأبو داود (٤٩٥٠) من حديث أبي وهب الجُشمي، وإسناده ضعيف، فيه عقيل بن شبيب، قال الذهبي في الميزان ٨٨/٣ : لا يعرف هو ولا الصحابي إلا بهذا الحديث، تفرد به محمد بن مهاجر عنه . (٤) وهو ما سُعِرَ به، كالمِسعار. القاموس (سعر). وقال في معجم متن اللغة: هو ما تحرك به النار حديداً كان أو خشباً لتسعر . (٥) في غريب الحديث ٤/ ٢٦٥، وأورد خبر معاوية أيضاً الزمخشري في الفائق ٣٨٣/٢ . (٦) صحيح البخاري (٢٣٢١). قوله: سِكَّة، بكسر المهملة: هي الحديدة التي تحرث بها الأرض. فتح الباري ٥/ ٥ . ٥٦ سورة آل عمران: الآية ١٤ تَمَعْدَدُوا واخْشَوْشِنُوا، واقطعُوا الرُّكُبَ، وَئِبُوا على الخيل وَثْباً؛ لا تَغلبنَّكم عليها رُعاة الإبل(١). فأمرهم بملازمة الخيل، ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها. وفي ((الصحيحين)) عن أنس بن مالك قال: قال النبيّ ﴾: ((ما مِن مسلم يَغْرِسُ غَرْساً، أو يَزْرَعُ زرعاً(٢)، فيأكلُ منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلا كان له به صدقة))(٣). قال العلماء(٤): ذكَر اللّه تعالى أربعةَ أصناف من المال، كلُّ نوع من المال يتموَّل به صِنْفٌ من الناس، أمّا الذهب والفضة فيتموَّل بها التجار، وأمّا الخيل المسؤَّمة فيتموَّل بها الملوك، وأمَّا الأنعام فيتموَّل بها أهل البوادي، وأمّا الحرث فيتموَّل به(٥) أهل الرَّساتيق(٦). فتكون فتنةُ كلِّ صنف في النوع الذي يتموَّل، فأمّا النساء والبنون ففتنةٌ للجميع. العاشرة (٧): قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَكَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيِّ﴾ أي: ما يُتَمَتَّع به فيها، ثم يذهَب ولا يبقى. وهذا منه تزهيدٌ في الدنيا وترغيبٌ في الآخرة. روى ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمرو (٨) أنّ رسول اللّه ◌ِ﴾ قال: ((إنما الدنيا متاعٌ، وليس من متاع الدنيا شيءٌ أفضلَ من المرأة الصالحة)»(٩). وفي الحديث: ((إِزهَدْ في الدنيا يُحِبَّك (١) لم نقف عليه بهذا السياق، وأخرجه أحمد (٣٠١)، وفيه: وأَلقوا الرُّكُبّ، وانزُوا نَزْواً، وعليكم بالمَعَدِّية. وابنُ حبان (٥٤٥٤) وفيه: واخشوشنوا، واخلولقوا .. وانزُوا نَزْواً . قال السندي كما في حاشية المسند: عليكم بالمّعَدِّية (تمعدَدُوا): يريد خشونة العيش واللباس تشبهاً بمعّدٍّ بن عدنان جَدِّ العرب وقوله: الرُّكُب: جمع ركاب، وهو موضع القدم في السَّرج. وقوله: وانزُوا نَزْواً ، أي ثُوا على الخيل وثباً. (٢) في (د) و(ز) و(ف) و(م): غرس غرساً وزرع زرعاً، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في البخاري ومسلم. (٣) صحيح البخاري (٢٣٢٠)، وصحيح مسلم (١٥٥٣)، وهو في مسند أحمد (١٢٤٩٥). (٤) القائل هو أبو الليث السمر قندي في تفسيره ١/ ٢٥١ - ٢٥٢ . (٥) في (م): بها. (٦) قوله: الرساتيق: جمع رُستاق، وهو السواد والقُرى، انظر القاموس المحيط (رستق). (٧) قوله العاشرة، لم ترد هنا في النسخ الخطية، بل وردت عند قوله: قال العلماء (السالف)، والمثبت من (م) وهو الأنسب. (٨) في (د) و(ظ) و(ف) و(م): عمر، وهو خطأ، والمثبت من (خ) ومصادر الحديث. (٩) سنن ابن ماجه (١٨٥٥)، وأخرجه أحمد (٦٥٦٧)، ومسلم (١٤٦٧) بنحوه. ٥٧ سورة آل عمران: الآيتان ١٤ - ١٥ اللّه))(١) أي: في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروريّ. قال﴾: «ليس لابن آدَمَ حقٌّ في سوى هذه الخِصالِ: بيتٌ يَسكنُه، وثوبٌ يُوارِي عورتَه، وجِلْفُ الخبز والماء)). أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب(٢). وسُئلِ سهلُ بنُ عبد اللّه: بِمَ يسهُلُ على العبد تركُ الدنيا وكلِّ الشَّهوات؟ قال: بتشاغُله بما أُمِرَ به. الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَعَابِ﴾ ابتداءٌ وخبر. والمآب: المَرْجِع، آبَ يؤوبُ إياباً: إذا رجَعَ، قال امرؤ القيس(٣): رضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإیابِ وقد طوَّفْتُ في الآفاق حتى وقال آخر (٤): وكلُّ ذِي غَيْبَةٍ يؤُوبُ وغائِبُ الموتِ لا يؤوبُ وأصلُ مَآب: مَأْوَب، قُلبت حركةُ الواو إلى الهمزة، وأُبدل من الواو ألف، مثل: مَقال. ومعنى الآية: تقليل الدنيا وتحقيرُها، والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة(٥). قوله تعالى: ﴿قُلْ أَقْنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمُّ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْاْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنٌَّ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَلِينَ فِيهَا وَأَزْوَجٌ مُطَهَرَةٌ وَرِضْوَبٌّ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرًا بِالْعِبَادِ منتهى الاستفهام عند قوله: (مِن ذلكم)). (للّذينَ اتَّقَوا)) خبرٌ مقدَّم، و((جناتٌ)) رَفْع ٠ (١) أخرجه ابن ماجه (٤١٠٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي ، وفي إسناده خالد بن عمرو القرشي، قال أحمد وابن معين وابن عدي: أحاديثه موضوعة، وقال البخاري: منكر الحديث. وصححه الحاكم ٣١٣/٤ فتعقبه الذهبي بقوله: خالد وضاع. وانظر جامع العلوم والحكم ٢/ ١٧٤. (٢) سنن الترمذي (٢٣٤١)، وهو من حديث عثمان بن عفان، ﴾، وليس من حديث المقدام بن معدي کرب ﴾ وهو في مسند أحمد (٤٤٠). وفي إسناده حُريث بن السائب؛ وقد وهم في رفعه، والصواب: عن بعض أهل الكتاب؛ كما ذكر الدارقطني في العمل ٢٩/٣ . وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية ٧٩٩/٢: هذا حديث لا يصح. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح !.. قال النضر بن شُميل: جلف الخبز یعني لیس معه إدام. (٣) في ديوانه ص٩٩ . (٤) هو عَبيد بن الأبرص، والبيت في ديوانه ص٢٦ . (٥) انظر المحرر الوجيز ٤١٠/١ . ٥٨ سورة آل عمران: الآيات ١٥ - ١٧ بالابتداء. وقيل: مُنتهاه ((عند رَبِّهم))، و((جنات)) على هذا رفع بابتداء مضمر، تقديره: ذلك جناتٌ. ويجوز على هذا التأويل ((جَنَّاتٍ)) بالخفض بدلاً من ((خيرٍ))، ولا يجوز ذلك على الأوَّل. قال ابن عطية (١): وهذه الآيةُ والتي قبلها نظيرُ قوله عليه الصلاة والسلام: ((تُنْكَح المرأة لأربع: لِمَالِها وحَسَبها وجمالها ودِينها، فاظْفَرْ بذاتِ الدِّين تَرِبَتْ يَداك)) خرَّجه مسلم وغيره(٢). فقوله: ((فاظْفَرْ بذات الدِّين)) مِثالٌ لهذه الآية. وما قبلُ مثالٌ للأُولى. فذكر تعالى هذه تسليةً عن الدنيا وتقويةً لنفوس تاركيها. وقد تقدّم(٣) في البقرة معاني ألفاظ هذه الآية . والرِّضوان مصدر من الرِّضا، وهو أنه إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ يقول الله تعالى لهم: («تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: يا ربَّنا، وأيُّ شيءٍ أفضلُ من هذا؟ فيقول: رِضايَ، فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) خرَّجه مسلم (٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيْرٌ بِالْعِبَادِ﴾ وعدٌ وَوَعِيدٌ(٥). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَيَّنَا إِنَّثَآ ءَامَنًا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ® الصَّبِينَ وَالصَّدِّقِينَ وَالْقَدْنِتِينَ وَالْمُفِقِينَ وَالْمُتَغْفِينَ بِالْأَسْحَارِ ١٧) ﴿الَّذِينَ﴾ بدلٌ من قوله: (للّذِين اثَّقوا))، وإن شئتَ كان رفعاً، أي: هم الذين، أو نصباً على المدح. ﴿رَبَّنَا﴾ أي: يا ربَّنا. ﴿إِنَّاَ ءَامَنَا﴾ أي: صدَّقنا. ﴿فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ دعاء بالمغفرة. ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ تقدّم في البقرة(٦). (١) في المحرر الوجيز ٤١٠/١، والكلام الذي قبله منه. (٢) سلف ص ٤٧ من هذا الجزء. (٣) ٣٥٨/١. (٤) برقم (٢٨٢٩) من حديث أبي سعيد الخدري ﴾، وأخرجه أحمد (١١٨٣٥)، والبخاري (٦٥٤٩)، ولفظه عندهم: ((أُحِلُّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً)). (٥) انظر المحرر الوجيز ٤١١/١ . (٦) ٣/ ٣٥٧ . ٥٩ سورة آل عمران: الآيتان ١٦ - ١٧ ﴿اَلْضَّبِينَ﴾ يعني عن المعاصي والشَّهوات، وقيل: على الطاعات. ﴿وَالضَدِينَ﴾ أي: في الأفعال والأقوال. ﴿وَالْقَدِنِينَ﴾ الطائعين. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ يعني في سبيل اللّه. وقد تقدّم في البقرة هذه المعاني على الكمال(١). ففسر تعالى في هذه الآية أحوالَ المتقين الموعودين بالجنات(٢). واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِنَ بِالْأَسْحَارِ﴾ فقال أنس بن مالك: هم السائلون المغفرةَ. قتادة: المُصَلُّون(٣). قلت: ولا تناقض، فإنهم يُصلَّون ويستغفرون. وخَصَّ السَّحَرَ بالذكر، لأنه مَظَانُّ القَبول، ووقتُ إجابة الدعاء. قال رسول اللّه ﴾ في تفسير قوله تعالى مُخبِراً عن يعقوب عليه السلام لِينيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّ﴾ [يوسف: ٩٨]: ((إنه أخَّر ذلك إلى السَّحَر)) خَرَّجَه الترمذي، وسيأتي(٤). وسأل النبيُّ ﴾ جبريلَ: ((أيُّ الليل أسمعُ؟)) فقال: لا أدري غير أنَّ العرشَ يهتزُّ عند السَّحَر))(٥). يقال: سَحَر وسَخْر، بفتح الحاء وسكونها، وقال الزجَّاج(٦): السَّحَر من حين (١) ينظر ٢٧٣/١، ٣٥١ و٦٥/٢. (٢) ينظر المحرر الوجيز ٤١١/١. (٣) أخرجهما الطبري ٠٦/ ٢٦٥ - ٢٦٦، ولفظ قول أنس فيه: أُمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة ، وسيأتي قريباً . (٤) سنن الترمذي (٣٥٧٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه أنه أخَّر الاستغفار حتى تأتي ليلة الجمعة. قال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم. وسيأتي بأطول من هذا في تفسير الآية (٩٨) من سورة يوسف. وأما القول بأنه أخَّر ذلك إلى السحر، فأخرجه الطبري ٢٦١/٦ - ٢٦٢ من قول ابن مسعود طته. (٥) لم نقف عليه بهذا السياق، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٢٠٠ من طريق حماد بن سلمة، وأحمد في الزهد ص٨٩، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٠٣ من طريق جعفر بن سليمان، كلاهما عن سعيد بن إياس الجريري قال: بلغنا أن داود سأل جبريل فقال: يا جبريل، أي الليل أفضل؟ قال: يا داود ما أدري، إلا أن العرش يهتز من السحر. وهو ضعيف لانقطاعه. ويغني عنه ما أخرجه أبو داود (١٢٧٧) بإسناد صحيح عن عمرو بن عبسة السلمي أنه قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الليل أسمع؟ قال: ((جوف الليل الآخِر، فصلِّ ما شئت، فإنَّ الصلاة مشهودة مكتوبة)). (٦) انظر معاني القرآن له ٣٨٥/١، ونقله المصنف عنه بواسطة النحاس في إعراب القرآن ٣٦٢/١. وينظر المحرر الوجيز ٤١١/١ ٦٠ سورة آل عمران: الآيتان ١٦ - ١٧ يُدبر الليلُ إلى أن يطلُعَ الفجر الثاني، وقال ابن زيد: السَّحر هو سُدس الليل الآخِرِ. قلت: أصُّ من هذا ما روَى الأئمة عن أبي هريرة عن النبيِّ ﴾ قال: ((ينزِلُ اللّه عزَّ وجلَّ إلى سماء الدنيا كلَّ ليلة حين يمضي ثلثُ الليل الأوّل، فيقول: أنا المَلِكُ، أنا(١) المَلِكُ، مَن ذا الذي يدعوني فأستجيبَ له، مَن ذا الذي يسألني فأُعطيَه، مَن ذا الذي يستغفرني فأغفِرَ له، ولا يزال(٢) كذلك حتى يطلُعَ الفجر)). في روايةٍ: ((حتى يَنفجِرَ الصبح)). لفظ مسلم(٣). وقد اختلف في تأويله، وأولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النَّسائيّ (٤) مفسَّراً عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي اللّه عنهما قالا: قال رسول اللّه ◌َ ﴾: ((إنَّ اللّه عزَّ وجلَّ يُمهِلُ حتى يمضيَ شطرُ الليل الأوّل، ثم يأمُر منادياً فيقول: هل من داعٍ يُستجابُ له، هل من مُستغفِر يُغفَرُ له، هل من سائل يُعطَى)). صحَّحه أبو محمد عبد الحقّ(٥)، وهو يرفع الإشكالَ، ويُوضح كلّ احتمال، وأنّ الأوّلَ من باب حذف المضاف، أي: ينزل مَلَكُ ربَّنا فيقول. وقد رُوي: ((يُنزِل)) بضم الياء(٦)، وهو يُبيِّن ما ذكرنا، وباللّه توفيقنا. وقد أتينا على ذكره في ((الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى))(٧) . مسألة: الاستغفار مندوبٌ إليه، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين في هذه الآية وغيرها، فقال: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]. وقال أنس بن مالك: أُمِرْنا أن نستغفر بالسَّحَر سبعين استغفارة (٨). (١) من هنا إلى ص١١٩ من هذا الجزء (الآية: ٣٨) سقط من (ف). (٢) في (م): فلا يزال. (٣) أخرجه أحمد (٩٤٣٦) ، والبخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨)، وفي رواية البخاري ورواية أخرى لمسلم: (حين يبقى ثلث الليل الآخر)) وذكر القاضي عياض في إكمال المعلم ١١١/٣ أنها الروايةُ الصحيحة. (٤) في عمل اليوم والليلة (٤٨٢) . (٥) الأحكام الصغرى ٢٧٨/١ . (٦) انظر المفهم ٣٨٦/٢. (٧) لم نقف عليه فيه . (٨) أخرجه الطبري ٦/ ٢٦٦ .