النص المفهرس

صفحات 1-20

كَارِ القُرآنِ
الجَامُ الَّـ
٧
وَالمُبَيِّنُ لِمَا تَضَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآي آلْقُرْقَانِ
تَأليفُ
أَبِيِ عَبْدِ اللَّهِ مُحَقَدِيْنِ أَحْمَد بْن أَبِي بَكِالقُرُبِيِّ
( ت ٦٧١ هـ )
تَحقِيْق
الدكتور عبد اللّه بن عبد المحسن التركيّ
شَارَكَ فِي تَحْقِيْقِ هَذَا الجُزْءِ
محمّد رضوان عرفيوسي
الجُرُءُ الخَامِسُ
مؤسسة الرسالة

جميع الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦م
سحالة وطى المصيطبة - شارع حبيب أبي شهلا - بناية المسكن، بيروت- لبنان
موسـ
للطباعة والنشر والتوزيع تلفاكس: ٣١٩٠٣٩-٨١٥١١٢ فاكس: ٨١٨٦١٥ ص.ب: ١١٧٤٦٠
Al-Resalah
BEIRUT/LEBANON-Telefax:815112-319039 Fax:818615-P.O.Box: 117460
Email: Resalah@Cyberia.net.Ib
PUBLISHERS

بِسْمِ اللَّهِ الرَّغْيِ الرَّحِيَةِ
سورة آل عمران
٢
اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ
قوله تعالى: ﴿الـ
فیه خمس مسائل :
﴾﴾ هذه السورةُ مدنيةٌ
الأولى: قوله: ﴿الَّ ﴿﴿ اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ
بإجماع. وحكى النقَّاش أنَّ اسمَها في الثَّوراة طَيْبة(١).
وقرأ الحسن وعمرو بنُ عُبَيْد وعاصم بن أبي النَّجُود وأبو جعفر الرُّؤاسِي(٢):
((الّمّ ألله)) بقطع ألف الوصل(٣)، على تقدير الوقف على ((الّمّ)) كما يُقدِّرون الوقفَ
على أسماء الأعداد في نحو واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، وهم واصلون.
قال الأخفشُ سعيدٌ: ويجوزُ ((الّم الله)) بكسر الميم لالتقاء السَّاكَنَين(٤). قال
الزَّجَّاجُ(٥): هذا خطأ، ولا تقولُه العربَّ لثقله.
قال النَّحاس(٦): القراءةُ [الأُولى] قراءةُ العامَّة، وقد تكلّم فيها النَّحويون
القدماءُ، فمذهبُ سيبويه(٧) أنَّ الميمَ فُتحت لالتقاءِ السَّاكنين، واختاروا لها الفتحَ لِئَلَا
يُجْمِعَ بينَ كسرةٍ وياءٍ وكسرةٍ قبلَها .
(١) المحرر الوجيز ٣٩٦/١.
(٢) محمد بن أبي سارة، الكوفي النحوي، سمِّي الرؤاسي لكبر رأسه، كان أستاذ الكسائي والفراء، أخذ
عن أبي عمرو بن العلاء، وتقدم في النحو وعُمِّر إلى أيام الرشيد. إنباه الرواة ٩٩/٤
(٣) نسبها ابن مجاهد في السبعة ص ٢٠٠ لأبي بكر عن عاصم، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة
ص١٩ لعاصم وغيره. ولكن قراءة عاصم المشهورة عنه كقراءة الجماعة، وهي بفتح الميم وإسقاط
الهمزة حالة الوصل. وينظر جامع البيان لأبي عمرو ٧٠/٢ .
(٤) معاني القرآن للأخفش ١٧٢/١ ونسب ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٩ هذه القراءة لعمرو بن عبيد.
(٥) معاني القرآن له ٣٧٣/١ .
(٦) في إعراب القرآن ٣٥٣/١ وما بين حاصرتين منه، ونقل المصنف عنه قولي الأخفش والزجاج
السالفين.
(٧) الكتاب ٤/ ١٥٣.

٦
سورة آل عمران: الآيتان ١ - ٢
وقال الكسائيُّ: حروفُ التهجِّي إذا لَقِيَتْها ألفُ وَصْلٍ، فحذِفَت ألفُ الوصلِ،
حرَّكتَها بحركة الألفِ، فقلْتَ: الّمَ اللّه، والّمُ اذْكُر، والّمِ اقْتَرَبتْ.
وقال الفرَّاء (١): الأصل: ((الَمْ اللّه)) كما قرأ الرؤاسيُّ، فأُلقيَتْ حركةُ الهمزة على
المیم.
وقرأ عمرُ بنُ الخطّاب: ((الْحَيُّ القَيَّام)»(٢). وقال خارجة: في مصحف عبدِ اللّه :
((الْحَيُّ القَيِّمُ)»(٣).
وقد تقدَّم ما للعلماء في الحروف التي في أوائل السُّورِ في أوَّل ((البقرة)». ومن
حيثُ جاء في هذه السورة: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُ﴾ جملةً قائمة بنفسها، فتتصوَّرُ
تلك الأقوالُ كلُّها .
الثانية: روى النَّسائيُّ(٤) أنَّ عمرَ بن الخطاب صلَّى العِشاءَ، فاستفتحَ ((آل
عمران))، فقرأ: ((الّمَ. اللَّهُ لََّ إِلهَ إلَّا هُوَالْحَيُّ القَيَّامُ)) فقرأ في الركعة الأولى بمئة آية،
وفي الثانية بالمئة الباقية(٥) .
قال علماؤنا: ولا يقرأ سورةً في ركعتين، فإنْ فعلَ أَجْزأَهُ. وقال مالك في
المجموعة: لا بأسَ به (٦)، وما هو بالشأن.
قلت: الصحيحُ جوازُ ذلك. وقد قرأ النبيُّ# بالأعراف في المغرب، فرَّقها في
(١) معاني القرآن له ٩/١ ونقل المصنف كلامه وكلام الكسائي السالف بواسطة إعراب القرآن للنحاس ٣٥٤/١
(٢) أخرجها ابن أبي داود في المصاحف (١٥٠) وما بعدها. وذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٩
وابن جني في المحتسب ١٥١/١ .
(٣) إعراب القرآن للنحاس ١ / ٣٥٤. ونسب ابن خالويه هذه القراءة في القراءات الشاذة ص١٩، وابن جني
في المحتسب ١ / ١٥١ لعلقمة بن قيس. ونسب ابن أبي داود في المصاحف ١ / ٣٠٩ ، وابن جني في
المحتسب ١ / ١٥١ لابن مسعود قراءة: ((الحيُّ القيام)).
(٤) في (د) و(م): الكسائي، وهو خطأ. وهذا الخبر رواه النحاس في معاني القرآن ١/ ٣٤٠ عن شيخه
النسائي، وعنه نقل المصنف، والخبر ليس في سنن النسائي.
(٥) أخرجه بتمامه ابن أبي داود في المصاحف ٢٨٦/١-٢٨٧. وأخرج منه ذكر القراءة ((الحيّ القيام)) سعيد
ابنُ منصور في سننه (٤٨٦) (قسم التفسير)، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص١٦٨ . وعلقه البخاري في
صحيحه في تفسير سورة نوح (الفتح ٦٦٦/٨). وذكر القراءة ابن جني في المحتسب ١٥١/١، وابن
خالويه في القراءات الشاذة ص١٤ .
(٦) المنتقى للباجي ١٤٨/١.

٧
سورة آل عمران: الآيتان ١ - ٢
ركعتين. خرَّجه النَّسَائيُّ أيضاً (١) وصحَّحه أبو محمد عبدُ الحق(٢)، وسيأتي(٣).
الثالثة: هذه السُّورةُ وردَ في فضلها آثارٌ وأخبار، فمن ذلك ما جاءَ أنَّها أمَانٌ من
الحيَّت، وكَنْزٌ للصُّعْلوك، وأنَّها تُحَاجُ عن قارئها في الآخرة، ويُكْتَب لمن قرأ آخرَها
في ليلةٍ کقيام ليلة، إلى غير ذلك:
ذكر الدَّارمي أبو محمد في مسنده: حدَّثنا أبو عُبَيْد القاسم بن سلَّام قال: حدَّثني
عُبَيْد اللّه الأشجعيّ قال: حذَّثني مِسْعَر قال: حذَّثني جابر قبلَ أنْ يقعَ فيما وقعَ فيه،
عن الشَّعْبي قال: قالَ عبدُ اللّه: نِعم كنْزُ الصُّعْلوك سورةُ آل عمران يقومُ بها في آخر
اللَّيل(٤).
حدَّثنا محمد بنُ سعيد، حدَّثنا عبدُ السَّلام، عن الجُرَيْرِيّ عن أبي السَّلِيل قال:
أصابَ رجلٌ دَماً قال: فأوى إلى وادي مَجَنّةً(٥): وادٍ لا يمشي فيه أحدٌ إلا أصابته
حيةٌ(٦)، وعلى شَفِير الوادي راهبان؛ فلمَّا أمسى قال أحدُهما لصاحبه: هلكَ واللّهِ
الرَّجلُ! قال: فافتتحَ سورةَ آل عمران قالا: فقرأ سورةَ طَيْبَة لعلَّه سينجو، قال:
فأصبحَ سليماً (٧) .
وأسندَ عن مَكْحُول قال: مَنْ قرأ سورةَ آلِ عمرانَ يومَ الجمعةِ، صلَّت عليه
الملائكةُ إلى اللَّيل(٨).
(١) في السنن الكبرى (١٠٦٥)، وفي المجتبى ١٧٠/٢ من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها. وأخرجه
أحمد (٢١٦٠٩) من حديث أبي أيوب أو زيد بن ثابت رضي الله عنهما.
(٢) في الأحكام الصغرى ٢٣٤/١ - ٢٣٥.
(٣) في أول سورة الأعراف.
(٤) سنن الدارميِّ (٣٤٤١)، وهو عند شيخه أبي عبيد في فضائل القرآن ص ١٢٧ وفي إسناده جابر بن يزيد
الجعفي، وهو ضعيف، وقول مسعر فيه: قبل أن يقع فيما وقع فيه، لعله يريد كذبه وتدليسه، وإيمانه
برجعة علي . تنظر ترجمته في تهذيب الكمال ٤ / ٤٦٥ .
(٥) قال البكري في معجمه ١١٨٧/٤: مَجَنَّة على أميال يسيرة من مكة، بناحية مرّ الظهران. وفي القاموس
(جنن): المَجَنَّة: الأرض الكثيرة الجنّ، وموضع قرب مكة، وقد تكسر ميمها.
(٦) في سنن الدارميِّ : جِئَّة.
(٧) سنن الدارميِّ (٣٤٤١)، والجُريري - وهو سعيد بن إياس - اختلط، ولم يُذكر عن عبد السلام - ولعله
ابن حرب - هل روی عن الجُریري قبل اختلاطه أم بعده.
(٨) سنن الدارميِّ (٣٤٤٠)، وهو مقطوع.

٨
سورة آل عمران: الآيتان ١ - ٢
وأسندَ عن عثمانَ بنِ عفانَ قال: من قرأ آخرَ سورةٍ آل عمران في ليلة، كُتبَ له
قيامُ لَيلة. في طريقه ابنُ لَهِيْعَةَ (١) .
وخرَّج مسلمٌ عن النوَّاس بنِ سَمْعَان الكِلابي قال: سمعتُ النَّبيَّ # يقول: ((يُؤْتَّى
بالقرآن يومَ القيامةِ وأهلِه الذين كانوا يعملونَ به، تَقْدُمُه سورة البقرة وآل عمران» - وضربَ
لهما رسولُ اللّه ◌ِ﴾ ثلاثةَ أمْثَالٍ ما نسيتُهُنُّ بعدُ، قال : - («كأنَّھما غمامتانٍ، أو ظُلَّتَانِ
سَوْداوان بينَهما شَرْقٌ، أو كأنَّهما حِزْقَانٍ من طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عن صاحبهما(٢)).
وخرَّج أيضاً عن أبي أُمَامَة الباهليِّ قال: سمعت رسولَ اللّه # يقول: ((اقْرؤوا
القرآنَ فإنَّه يأتي يومَ القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا الزّهْرَاوَين البقرةَ وسورةَ آلٍ
عمرانَ، فإنَّهما يأتيان يوم القيامة كأنَّهما غمامتان، أو كأنَّهما غَيَايتَان، أو كأنَّهما
فِرْقَانِ من طَيْرٍ صَوَافَّ تُحاجَّانِ عن أصحابهما، اقرؤوا سورةَ البقرة، فإنَّ أخْذَها
بركَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا يَستطيعُها البَطَلَةُ)). قال معاوية: وبلغني أنَّ البَطَلةَ
السَّحَرةُ(٣).
الرابعة: للعلماء في تسمية البقرة وآلٍ عمرانَ بالزَّهْرَاوَيْنِ ثلاثةُ أقوال:
الأول: أنهما النَّيِّرتان، مأخوذٌ من الزَّهْر والزُّهْرَةِ، فإما لهدايتهما قارئهما بما
يزهر له من أنوارهما، أي: من معانيهما.
وإما لِما يترتَّبُ على قراءتهما من النُّورِ التَّامِّ يوم القيامة، وهو القولُ الثاني.
الثالث: سُمِّيتا بذلك؛ لأنَّهما اشتركتا في تضمُّن(٤) اسم الله الأعظم، كما ذكره
(١) سنن الدارميِّ (٣٤٣٩). وابن لهيعة: هو عبدالله، قال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق، خلَّط
بعد احتراق كتبه. اهـ . وهذا الخبر من رواية إسحاق بن عيسى الطباع عنه، ورواية إسحاق عنه قبل
احتراق كتبه، كما في علل أحمد (١٥٧٢)، والله أعلم.
(٢) صحيح مسلم (٨٠٥)، وهو في مسند أحمد (١٧٦٣٧)، قوله: شرق، هو بفتح الراء وإسكانها، أي:
ضياء ونور، يعني أن بين تلك الظلتين السوداوين مشارق أنوار، والحزقان بكسر الحاء المهملة وإسكان
الزاي: قطيعان وجماعتان. قاله النووي في شرح صحيح مسلم ٦/ ٩٠ - ٩١ .
(٣) صحيح مسلم (٨٠٤)، وأخرجه أحمد (٢٢١٤٦)، ومعاوية: هو ابن سلّام أحد رجال الإسناد. قوله:
فرقان، بكسر الفاء وإسكان الراء: قطيعان وجماعتان. قاله النووي في شرح مسلم.
(٤) في النسخ: فيما تضمنه، والمثبت من المفهم، ٢/ ٤٣٠ وعنه نقل المصنف.

٩
سورة آل عمران: الآيتان ١ - ٢
أبو داود وغيرُهُ(١) عن أسماءَ بنتِ يزيد أنَّ رسول اللّه ◌ِ﴾ قال: إن اسمَ اللّهِ الأعظم في
هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، والتي
في آل عمران: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُ﴾ أخرجه ابنُ ماجه أيضاً(٢) .
والغمام: السَّحابُ المُلْتَفُّ، وهو الغَيّايَة إذا كانت قريباً من الرأس، وهي الظُّلَّة
أيضاً. والمعنى: أنَّ قارِئَهما في ظِلِّ ثوابهما، كما جاء: ((الرجل في ظلِّ صَدقتِه))(٣).
وقوله: تُحاجَّان؛ أي: يخلقُ اللّهُ مَنْ يُجادلُ عنه بثوابهما ملائكة، كما جاء في
بعض الحديث أن « مَن قرأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية،
خلق اللّه سبعين مَلَكاً يستغفرون له إلى يوم القيامة)) (٤).
وقوله: بينهما شَرْقٌ؛ قُيِّد بسكون الراء وفتحها، وهو تنبيه عن الضياء؛ لأنه لما
قال: ((سَوْداوان)) قد يُتَوَهَّم أنَّهما مُظْلِمتان، فنفى ذلك بقوله: ((بينَهما شَرْقٌ)). ويعني
بكونهما سوداوان، أي: من كثافتهما التي بسببهما حالتًا بينَ مَنْ تحتهما وبينَ حرارةٍ
الشَّمس وشدَّة اللَّهَب. والله أعلم(٥).
الخامسة: صَدْرُ هذه السورة نزل بسبب وفد نَجْران فيما ذكر محمد بن
إسحاق(٦)، عن محمد بن جعفر بن الزُّبير، وكانوا نصارى وَفَدوا على رسول اللّهِمْ﴾
بالمدينة في ستِّين راكباً، فيهم من أشرافهم أربعةَ عشرَ رجلاً، في الأربعةَ عشرَ ثلاثةُ
نَفَرٍ ؛ إليهم يرجِعُ أمرُهم: العاقبُ: أميرُ القوم وذو آرائهم، واسمهُ عبدُ المسيح،
(١) سنن أبي داود (١٤٩٦)، وسنن الترمذي (٣٤٧٨).
(٢) في سننه (٣٨٥٥).
(٣) المفهم ٢/ ٤٣١، وأخرج الحديث أحمد (١٧٣٣٣)، وأبو يعلى (١٧٦٦)، وابن حبان (٣٣١٠) عن
عقبة بن عامر رضي الله عنه.
(٤) المفهم ٤٣١/٢، وأورده الكناني في تنزيه الشريعة ٢٩٨/١، والفتني في تذكرة الموضوعات ص ٨٠،
والشوكاني في الفوائد المجموعة ص ٣١٢ من حديث أنس رضي الله عنه. قال الفتني: وفيه مجاشع بن
عمرو كذاب يضع. اهـ. ونقل الذهبي في ترجمته في الميزان ٤٣٦/٣ عن ابن معين قوله فيه: أحد
الكذابين، وعن العقيلي: حديثه منکر.
(٥) المفهم ٢/ ٤٣٣ .
(٦) نقله عنه ابن هشام في السيرة ١/ ٥٧٣-٥٧٦ مطولاً.

١٠
سورة آل عمران: الآيات ١ - ٤
والسيِّد: ثِمالُهم (١) وصاحبُ مجتمعهم، واسمُه الأَيْهم، وأبو حارثة بنُ علقمة:
أحدُ بكر بن وائل أُسْقُقُّهم وعالِمُهم، فدَخلُوا على رسول اللّه لَ﴾ إثرَ صلاةِ العَصْرِ،
عليهم ثيابُ الحِبَرات(٢) جُبَبٌ وأرْدية. فقال أصحابُ النبيِّ﴾: ما رأينا وَفْداً مثلَهم
جَمَّالاً وجلالةً. وحانت صلاتُهم، فقاموا فصلَّوا في مسجد النبيِّ:﴿ إلى المَشْرِق،
فقال النَّبيُّ ◌َ﴿: ((دَعُوهم))، ثم أقاموا بها أياماً يُناظرون رسول اللّه ل﴾ في عيسى،
ويزعمون أنه ابنُ اللّه، إلى غير ذلك من أقوال شنيعةٍ مضطربةٍ، ورسولُ اللّه ◌ُ﴾ يردُّ
عليهم بالبراهين الساطعة وهم لا يُبْصرون، ونزل فيهم صَدْرُ هذه السُّورةِ إلى نَيِّفٍ
وثمانينَ آيَةً؛ إلى أن آلَ أمرُهم إلى أنْ دعاهم رسول اللّه ◌َ﴾ إلى الابتهال(٣) حسب
ما هو مذكورٌ في سيرة ابنٍ إسحاق(٤) وغيرِه.
قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ
٣
مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ اَلْفُوْقَانُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِهَايَتِ اَللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُوَ أَنِقَاءٍ.
قوله تعالى: ﴿فَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ يعني القرآن ﴿بَلْحَقِّ﴾ أي: بالصِّدق، وقيل:
بالحجَّة الغالبة. والقرآن نزل نُجوماً: شيئاً بعدَ شيء، فلذلك قال: ((نَزَّلَ)) والتَّنزيل مرَّةٌ
بعدَ مرَّة. والتَّوراةُ والإنجيلُ نزلا دَفْعةً واحدةً؛ فلذلك قال: ((أَنْزَلَ)).
والباء في قوله: ((بِالحَقِّ)) في موضع الحالِ من الكتاب، والباءُ متعلِّقةٌ بمحذوفٍ،
التَّقدير: آتياً بالحقِّ. ولا تتعَلّقُ بـ (نَزَّلَ))؛ لأنه قد تعدَّى إلى مفعولين أحدُهما بحرفٍ
جرِّ، ولا يَتعدَّى إلى ثالث.
(١) الثِّمال بوزن الكتاب: غياث القوم الذي يقوم بأمرهم. القاموس (ثمل)
(٢) الجِبَرة كعِنْبَة: ضرب من بُرود اليمن. القاموس (حبر).
(٣) المحرر الوجيز ٣٩٦/١ - ٣٩٧، والابتهال: الاجتهاد في الدعاء وإخلاصُه لله عز وجل، وفي التنزيل
﴿ثُمَّ نَجْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ الَّهِ عَلَى الْكَذِينَ﴾ (آل عمران: ٦١) أي: يخلص ويجتهد كل منا في الدعاء
واللعن على الكاذب منا. اللسان (بهل).
(٤) سيرة ابن هشام ١ / ٥٨٢-٥٨٤ .

١١
سورة آل عمران: الآيتان ٣ - ٤
و((مُصَدِّقًا)) حال مؤكِّدة غير مُنتقِلةٍ، لأنه لا يمكنُ أنْ يكونَ غيرَ مُصدِّق، أي: غيرَ
موافق؛ هذا قول الجمهور. وقدَّر فيه بعضُهم الانتقالَ، على معنى أنه مصدِّقٌ لنفسه
ومصدِّقٌ لغيره(١) .
قوله تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّةٌ﴾ يعني من الكتب المنزَّلة. والتَّوراةُ معناها الضياءُ
والنُّور؛ مشتقّةٌ من وَرَى الزَّنْدُ وَوَرِيَ، لُغتان: إذا خرجت نارهُ. وأصلُها تَوْرَيَّةٌ على
وزن تَفْعَلةٌ، التاء زائدة، وتحرَّكت الياءُ وقبلَها فتحة فقُلِبت ألفاً. ويجوزُ أن تكونَ
تَفْعِلة، فتنقلُ الراء من الكسر إلى الفتح، كما قالوا في جاريةٍ: جَارَاة، وفي ناصِيةٍ :
ناصاة، كلاهما عن الفرّاء(٢).
وقال الخليل: أصلُها فَوْعَلة، فالأصل: وَوْرَيَةٌ، قُلِبت الواو الأولى تاءً، كما
قلبت في تَوْلَج (٣)، والأصلُ: وَوْلَجِ؛ فَوْعَلٌ من وَلَجَت، وقُلبت الياء ألفاً لحركتها
وانفتاح ما قبلَها. وبناء فَوْعَلَة أكثر من تَفْعَلَةِ(٤).
وقيل: التوراة مأخوذة من الثَّورِية، وهي التَّعريض بالشيء والكتمان لغيره؛ فكأنَّ
أكثرَ التوراة معاريضُ وتلويحات من غير تصريح وإيضاح(٥)، هذا قول المؤَرِّج.
والجمهور على القول الأول لقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ
وَذِكْرًا لِلْمُنَّقِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] يعني التَّوراةَ.
والإنجيل : إفْعِيلٌ من النَّجْل، وهو الأصل، ويجمع على أنَاجِيل، وتوراة على
تَوَارٍ (٦)؛ فالإنجيل أصلٌ لعلوم وحِكَم. ويقال: لعن اللّه نَاجِلَيْه، يعني والدَيه، إذْ كانا
أصلَه. وقيل: هو من نَجَلْتُ الشيء: إذا استَخرجتَه؛ فالإنجيل مُستخرَج به علومٌ
وحِكُم، ومنه سُمِّ الوَلدُ والنَّسْلِ نَجْلاً لخروجه(٧)؛ كما قال:
(١) انظر المحرر الوجيز ٣٩٧/١ - ٣٩٨، والوسيط للواحدي ٤١٢/١، وتفسير البغوي ٢٧٧/١.
(٢) ذكرهما في كتابه المصادر فيما ذكر الأزهري في تهذيب اللغة ٣٠٧/١٥ .
(٣) التَّوَجُ: كِناسُ الوحش، وهو مستتره من الشجر. القاموس (ولج، كنس)
(٤) المحرر الوجيز ٣٩٨/١، ومعاني القرآن للزجاج ٣٧٥/١، وللنحاس ٣٤٢/١.
(٥) تفسير البغوي ١/ ٢٧٧ .
(٦) معاني القرآن للزجاج ٣٧٥/١، وللنحاس ٣٤٣/١
(٧) زاد المسير ٣٤٩/١، وينظر المعرّب للجواليقي ص٧١-٧٢.

١٢
سورة آل عمران: الآيتان ٣ - ٤
أصاغرَهم وكلُّ فَخْل لهم نَجْلُ(١)
إلى مَعْشَرٍ لم يُورِثِ اللؤمَ جَدُّهم
والنَّجْلُ: الماء الذي يخرجُ من النَّزِّ. واستَنْجَلَت الأرضُ، وبها نِجَالٌ: إذا خرجَ
منها الماءُ(٢)، فسمِّي الإنجيل به؛ لأنَّ اللّه تعالى أخرج به دَارِساً من الحقِّ عافياً.
وقيل: هو من النَّجَلِ في العين، بالتحريك، وهو سَعَتُها(٣)، وطعنةٌ نَجْلاء، أي:
واسعة، قال :
رُبَّما ضَرْبةٍ بسيفٍ صَقيلِ بين بُصْرَى وطعنةٍ نَجْلاءٍ(٤)
فسمِّيَ الإنجيلُ بذلك؛ لأنَّه أصلٌ أخرجه لهم ووسَّعه عليهم نُوراً (٥) وضياءً.
وقيل: التَّاجُلِ التَّنازُع؛ وسمِّيَ إنجيلاً لتنازع الناس فيه. وحكى شَمِرٌ عن
بعضهم: الإنجيلُ كلُّ كتابٍ مكتوبٍ وافرِ السُّطور. وقيل: نَجَل: عَمِلَ وصنَع؛ قال:
وأنجلُ في ذاك الصَّنيع كما نَجَلْ(٦)
أي: أعملُ وأصنَعُ. وقيل: التوراة والإنجيل من اللغة السُّرْيانية. وقيل: الإنجيل
بالسُّريانية إنْكليون؛ حكاه الثعلبيُّ .
قال الجوهري (٧): الإنجيل كتابُ عيسى عليه السَّلام يذكَّر ويؤنَّث، فمن أنَّثَ أرادَ
الصَّحيفة، ومن ذكَّر أرادَ الكتابَ.
قال غيرهُ: وقد يُسمَّى القرآن إنجيلاً أيضاً، كما رُوي في قصة مناجاة موسى عليه
السَّلامِ أنَّه قال: يا ربِّ، أرى في الألواح أقواماً أناجيلُهم في صدورهم، فاجعلْهم
(١) قائله زهير بن أبي سلمى، والبيت في ديوانه ص ١٠٠، قال شارحه: النجل: النسل.
(٢) المحرر الوجيز ٣٩٨/١.
(٣) تفسير البغوي ١/ ٢٧٧ .
(٤) قائله عدي بن الرَّعلاء الغساني، والبيت من قصيدة له في الأصمعيات ص١٥٢، وخزانة الأدب ٥٨٢/٩،
وأمالي ابن الشجري ٢ /٥٦٦ .
(٥) في (م): ونوراً.
(٦) صدره: ولما أتى يوم بأيام فخة، وهو لبلعاء بن قيس كما في تاج العروس (نجل).
(٧) في الصحاح (نجل).

١٣
سورة آل عمران: الآيتان ٥ - ٦
أمَّتي، فقال الله تعالى له: تلك أمَّةُ أحمدَ ﴾. وإنَّما أرادَ بالأناجيل القرآنَ(١).
وقرأ الحسن: ((والأَنْجيل)) بفتح الهمزة (٢)، والباقون بالكسر، مثلُ الإكليل،
لغتان. ويُحتملُ إن سُمع أنْ يكونَ ممَّا عرَّبته العربُ من الأسماء الأعجمية، ولا مثالَ
له في کلامها .
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يعني القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ قال ابن فُورَك: التقديرُ: هدىً
للنَّاس المتقين؛ دليلُه في البقرة: ﴿هُدَّى لِلَّْقِينَ﴾ فردَّ هذا العامَّ إلى ذلك الخاص(٣).
و(هدىّ) في مَوضِع نَصبٍ على الحال. و﴿ الْقُقَانٌ﴾: القرآن. وقد تقدَّم.
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا فِىِ السَّمَآءِ
هذا خبرٌ عن علمِه تعالى بالأشياء على التَّفصيل، ومثلُه في القرآن كثير. فهو
العالم بما كان وما يكونُ وما لا يكونُ، فكيف يكونُ عيسى إلهاً أو ابنَ إلهٍ وهو تَخْفى
عليه الأشياء ؟!
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوْرُكُمْ فِ اْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَأُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعِزُ
الْحَكِيمُ
فيه مسألتان :
الأولى: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ﴾ أخبر تعالى عن تصويره للبشر في
أرحام الأمَّهات.
وأصل الرَّحِم من الرَّحْمة؛ لأنَّها مما يُتَراحَمُ به. واشتقاقُ الصُّورَة من صارَه
إلى كذا: إذا أماله، فالصُّورة مائلةٌ إلى شَبَهٍ وهَيْئة .
وهذه الآيةُ تعظيمٌ لله تعالى، وفي ضمنها الرَّدُّ على نصارى نَجْرانَ، وأنَّ عيسى
(١) تفسير أبي الليث ٢٤٤/١، وأخرجه الطبري ٤٥٢/١٠-٤٥٣، وابن أبي حاتم ١٥٦٤/٥ -١٥٦٥ عن قتادة.
(٢) المحتسب ١/ ١٥٢، والقراءات الشاذة ص١٩.
(٣) المحرر الوجيز ٣٣٩/١.

١٤
سورة آل عمران: الآيتان ٥ - ٦
من المصَوَّرين، وذلك مما لا يُنكره عاقلٌ(١).
وأشار تعالى إلى شرح التَّصْوير في سورة الحَجِّ والمؤمنُون(٢).
وكذلك شرحَه النبيُّ ﴿ في حديث ابن مسعود، على ما يأتي هناك بيانُه إنْ شَاءً
اللّهُ تعالى.
وفيها الردُّ على الطبائعيين أيضاً، إذْ يجعلونها فاعلةً مستِدَّة. وقد مضى الردُّ
عليهم في آية التَّوحيد(٣).
وفي مسند ابن سنجر - واسمُه محمد بن سنجر (٤) - حديث: ((إنَّ اللّه تعالى يخلقُ
عِظامَ الجنينِ وغَضاريفَه من مَنيِّ الرَّجلِ، وشحمَه ولحمَه من مَنيّ المرأةِ(٥)).
وفي هذا أدَلُّ دليل على أنَّ الولدَ يكونُ من ماء الرَّجل والمَرأة، وهو صريح قوله
تعالى: ﴿يَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَفْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأَنَتَّى﴾ [الحجرات: ١٣].
وفي صحيح مسلم(٦) من حديث ثوبان وفيه: أنَّ اليهوديَّ قال للنبيِّ لَ﴾: وجئتُ
أسألُك عن شيءٍ لا يعلمُه أحدٌ من أهل الأرض إلا نبيٍّ أو رجلٌ أو رجلان. قال:
(يَنفعُك إنْ حدَّثْتُك))؟ قال: أسمعُ بأُذُنيَّ، قال: جئتُكَ أسألُكَ عن الوَلَدِ؛ فقال
النبيَُّ﴾: ((ماءُ الرَّجلِ أبيضُ، وماءُ المرأَةِ أصْفَرُ، فإذا اجْتَمَعَا فَعَلا مَنيُّ الرَّجلِ مَنيَّ
المرأةِ أذْكَرا بإذْنِ اللّه تعالى، وإذا عَلاَ مَنيُّ المرأةِ مَنيَّ الرَّجل آنْثًا بإذن الله)) الحديث.
وسيأتي بيانُه آخرَ الشُّورَى إن شاء اللّه تعالى (٧).
(١) المحرر الوجيز ٤٠٠/١.
(٢) في تفسير الآية (٥) من سورة الحج، والآيات (١٢-١٤) من سورة المؤمنون.
(٣) ٥٠٤/٢ .
(٤) أبو عبدالله، الجرجاني، صاحب المسند، سمع يزيد بن هارون والفريابي وأبا نعيم والحميدي، كان
ثقة خيِّراً، توفي سنة (٢٥٨هـ) بصعيد مصر. تذكرة الحفاظ ٥٧٨/٢، وشذرات الذهب ٢٥٩/٣،
وتاريخ جرجان ص٣٧٩ .
(٥) نقله ابن عطية في المحرر الوجيز ٤٠٠/١، والله أعلم.
(٦) برقم (٣١٥).
(٧) في تفسير الآيتين (٤٩-٥٠) منها.

١٥
سورة آل عمران: الآيتان ٥-٦
الثانية: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يعني من حُسْنٍ وَقُبْح، وسَوَادٍ وبَيَاضٍ، وُطُولٍ
وقِصَرٍ، وسَلامةٍ وعاهةٍ، إلى غير ذلك من الشَّقاء والسَّعادة.
وذُكر عن إبراهيم بن أدْهَم أن القُرَّاءَ اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من
الأحاديث، فقال لهم: إني مشغولٌ عنكم بأربعةٍ أشياءً، فلا أتفرَّغُ لرواية الحديث،
فقيل له: وما ذاك الشُّغلُ؟ قال:
أحدُها: أني أتفكّر في يوم الميثاق حيثُ قال: ((هؤلاءِ في الجنةِ ولا أُبَالي،
وهؤلاءِ في النَّار ولا أُبَالي(١))) فلا أدري من أيِّ الفريقين كنتُ في ذلك الوقت.
والثاني: حيث صُوِّرتُ في الرَّحِم، فقال المَلَكُ الذي هو موثّل على الأرحام:
(يا ربِّ، شَقيٍّ هو أم سعيد(٢)) فلا أدري كيف كان الجوابُ في ذلك الوقت.
والثالثُ: حينَ يَقبِضُ مَلَكُ الموتِ رُوحي فيقولُ: يا ربِّ مع الكفر أم مع
الإيمان. فلا أدري كيف يخرجُ الجوابُ.
والرابع: حيث يقولُ: ﴿ وَأَمْتَدُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] فلا أدري في أيِّ
الفريقين أكونُ.
ثم قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا خالِقٍ ولا مصوَّر [إلا هو](٣)، وذلك
دليلٌ على وحدانيَّته، فكيف يكون عيسى إلهاً مُصَوِّراً وهو مُصَوَّرٌ؟!
﴿اَلْزِيزُ﴾: الذي لا يغالب. ﴿اَلْحَكِيمُ﴾: ذو الحكمة أو المُحْكِم، وهذا أخصُّ
بما ذكر من التّصویر.
(١) أخرجه أحمد (٣١١) و (١٧٥٩٣) و(١٧٦٦٠) و(٢٢٠٧٧) و (٢٧٤٨٨) من حديث عمر، وأبي عبدالله
رجل من الصحابة، وعبد الرحمن بن قتادة السلمي، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، رضي الله عنهم.
(٢) قطعة من حديث أخرجه أحمد (٣٦٢٤)، والبخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣) عن عبدالله بن مسعود،
وأحمد (١٢١٥٧)، والبخاري (٣١٨)، ومسلم (٢٦٤٦) عن أنس بن مالك، وأحمد (١٦١٤٣)، ومسلم
(٢٦٤٤) عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنهم.
(٣) تفسير أبي الليث ٢٤٥/١ وما بين حاصرتين منه، وعنه نقل المصنف كلام ابن أدهم.

١٦
سورة آل عمران: الآية ٧
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ
وَأَخَرُ مُتَشَبِهَتْ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيٌْ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَآءَ
تَأْوِيلِّ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا الَّهُ وَالزَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلٌّ مِنْ عِندِ
رَيْنَا وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ
٧
فیه تسع مسائل:
الأولى: خرَّج مسلم(١) عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول اللّه ◌َ﴾: ﴿هُوَّ
الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ مَايَكُ تُحُكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأَخَرُ مُتَشَِهَتُّ فَمَّا الّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ ذَيْعٌ
فَقَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيَةُ: إِلَّا اللَّهُ وَالزَّسِحُونَ فِى الْمِلْمِ يَقُولُونَ
ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِنْ عِندِ رَبِنَاً وَمَا يَذَكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ قالت: قال رسول اللّه ◌َ﴾: ((إذا رأيتُم
الذين يتَبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمَّاهم اللّه فاحذروهم)).
وعن أبي غالب قال: كنتُ أمشي مع أبي أُمَامة وهو على حمارٍ له، حتى إذا
انتهى إلى دَرَج مسجدٍ دمشق؛ فإذا رؤوسٌ منصوبة، فقال: ما هذه الرُّؤوس؟ قيل:
هذه رؤوسُ خوارج يُجاء بهم من العراق، فقال أبو أمامةَ: كلابُ النَّار، كلابُ النَّار،
كلابُ النَّار، شرٌّ قتلى تحت ظلِّ السماء، طوبى لمَن قتلَهم وقتلُوه - يقولُها ثلاثاً - ثم
بكى. فقلت: ما يُبكيك يا أبا أمامة؟ قال: رحمةً لهم، إنَّهم كانوا من أهل الإسلام،
فخرجوا منه، ثم قرأ: ﴿هُوَ الَّذِىَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَتُ تُحْكَمَهُ﴾ إلى آخر الآيات. ثم
قرأ: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَهُمُ الْبَمِنَتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
فقلت: يا أبا أُمَامة، هُمْ هؤلاء؟ قال: نعم. قلتُ: أشيءٌ تقولُه برأيك، أم شيءٌ سمعتَه
من رسول اللّهِ ﴾؟ فقال: إني إذاً لَجَرِيءٌ، إني إذاً لَجَرِيء، بل سمعتُه من رسول اللّه ◌ِ﴾
غيرَ مرَّةٍ ولا مرتين ولا ثلاثٍ ولا أربع ولا خمسٍ ولا ست ولا سبع، ووضعَ أُصبعيْه في
أُذُنَيْهِ، قال: وإلَّا فصُمَّتا - قالها ثلاثاً - ثم قال: سمعت رسول اللّه ﴾ يقول: ((تفرَّقت بنو
إسرائيل على إحدى وسبعين فرقةً، واحدة في الجنَّة، وسائرهم في النار، ولَتزيدنَّ عليهم
(١) في صحيحه (٢٦٦٥)، وأخرجه أحمد (٢٦١٩٧)، والبخاري (٤٥٤٧).

١٧
سورة آل عمران: الآية ٧
هذه الأمَّةُ واحدةً، واحدةٌ في الجنَّة وسائرُهم في النَّار(١)).
الثانية: اختلف العلماءُ في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة، فقال
جابر بن عبد الله [بن رئاب]، وهو مقتضى قول الشعبيِّ وسفيان الثوريِّ وغيرهما:
المحكمات من آي القرآن ما عُرِف تأويلُه، وفُهِم معناه وتفسيرُه. والمتشابه ما لم يكن
لأحدٍ إلى علمه سبيلٌ، مما استأثر اللّه تعالى بعلمه دونَ خلقِه. قال بعضُهم: وذلك
مِثْلُ وقتٍ قيامِ السَّاعة، وخروجٍ يأجوج ومأجوجَ والدَّجالِ وعيسى، ونحوُ الحروفِ
المقطّعةِ في أوائلِ السُّورِ(٢).
قلت: هذا أحسنُ ما قيل في المتشابه. وقد قدَّمنا في أوّل(٣) سورة البقرة عن
الربيع بن خُثيم أن اللّه تعالى أنزلَ هذا القرآنَ، فاستأثرَ منه بعلم ما شاءَ، الحديث.
وقال أبو عثمان: المحكم فاتحةُ الكتاب التي لا تُجزِئ الصلاة إلا بها .
وقال محمد بنُ الفضل: سورة الإخلاص؛ لأنَّه ليس فيها إلا التَّوحيدُ فقط. وقد
قيل: القرآن كُلُّه مُحْكَم؛ لقوله تعالى: ﴿كِنَبُّ أُمْكِمَتْ ءَايَنُهُ﴾ [هود: ١]، وقيل: كلُّه
متشابِهِ؛ لقوله: ﴿كِثَبًا مُّتَشَبِهَا﴾ [الزمر: ٢٣].
قلتُ: وليس هذا من معنى الآية في شيء، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿كِنَبُّ أُشْكِمَتْ مَإِيَتُهُ﴾
أي: في النَّظم والرَّصْف، وأنَّه حقٌّ من عند اللّه. ومعنى ﴿كِنَبًا مُّتَشَبِهَا﴾ أي: يُشبِهُ
بعضُه بعضاً، ويُصدِّق بعضُه بعضاً. وليس المرادُ بقوله: ((آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ)) ((وأُخَرُ
مُتَشَابِهاتٌ)) هذا المعنى، وإنَّما المتشابه في هذه الآيةِ من بابِ الاحتمال والاشتباه،
من قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]، أي: التبسَ علينا، أي: يحتملُ أنواعاً
كثيرةً من البقر. والمرادُ بالمُحكّم ما في مقابلةِ هذا، وهو ما لا التباسَ فيه، ولا
يحتملُ إلَّا وجهاً واحداً.
(١) أخرجه بهذا السياق الطبراني في الكبير (٨٠٥١)، وأخرجه مختصراً أحمد (٢٢١٨٣) و (٢٢٢٠٨)،
والترمذي (٣٠٠٠).
(٢) المحرر الوجيز ٤٠١/١ وما بين حاصرتين منه.
(٣) في (م): أوائل، وسلف خبر الربيع ٢٣٤/١.

١٨
سورة آل عمران: الآية ٧
وقيل: إنَّ المتَشابِهِ ما يحتملُ وجوهاً، ثم إذا رُدَّت الوجوهُ إلى وجهٍ واحدٍ وأبطل
الباقي؛ صارَ المتشابِهِ مُحكّماً. فالمحكّمُ أبداً أصلٌ تُردُّ إليه الفروع، والمتشابه هو
الفرعُ.
وقال ابنُ عباس: المحكماتُ: هي (١) قولُه في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوَا أَثْلُ مَا
حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [١٥١] إلى ثلاث آيات، وقولُه في بني إسرائيل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا
تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. قال ابن عطية(٢): وهذا عندي مثالٌ
أعطاه في المحكمات.
وقال ابن عباس أيضاً: المحكماتُ: ناسخه(٣)، [وحلاله]، وحرامه، وفرائضه،
وما يؤمنُ به، ويعمل(٤)، والمتشابهات: المنسوخاتُ، ومقدَّمه، ومؤخّره، وأمثالُه،
وأقسامُه، وما يؤمنُ به ولا يعملُ به.
وقال ابنُ مسعود وغيرُه: المحكماتُ: الناسخاتُ، والمتشابهاتُ: المنسوخاتُ،
وقاله قتادة والربيع والضَّحاك(٥).
وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكّماتُ: هي التي فيها حجَّةُ الربِّ، وعصمةُ
العباد، ودفعُ الخُصوم والباطل، ليس لها تصريفٌ ولا تحريفٌ عما وُضِعْنَ عليه.
والمتشابهاتُ: لهنَّ تصريفٌ وتحريفٌ وتأويل، ابتلى الله فيهنَّ العبادَ، وقاله مجاهد
وابن إسحاق(٦).
قال ابنُ عطية(٧): وهذا أحسنُ الأقوالِ في هذه الآية.
قال النَّحاس(٨): أحسنُ ما قيلَ في المحكّمات والمتشابهات: إن المحكماتِ ما
(١) في (د) و (م): هو ..
(٢) في المحرر الوجيز ٤٠٠/١ .
(٣) في النسخ الخطية: ناسخه ومنسوخه، وهو خطأ، والمثبت من (م).
(٤) في (د) و (م): ويعمل به.
(٥) المحرر الوجيز ١/ ٤٠٠ وما بين حاصرتين منه، وأخرج الأقوال الطبري ١٩٣/٥ - ١٩٦.
(٦) أخرج أثر محمد بن جعفر الطبريُّ ١٩٧/٥، وانظر سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦.
(٧) في المحرر الوجيز ١/ ٤٠١ وعنه نقل المصنف قول محمد بن جعفر.
(٨) في إعراب القرآن ٣٥٥/١.

١٩
سورة آل عمران: الآية ٧
كانَ قائماً بنفسه لا يحتاجُ أنْ يُرجَع فيه إلى غيره، نحو: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًّا
أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ﴾ [طه: ٨٢]. والمتشابهاتُ نحوُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، يُرجع فيه إلى قوله جل وعلا: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ﴾
[طه: ٨٢]، وإلى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨].
قلت: ما قاله النَّحاس يبيِّن ما اختاره ابنُ عطيّة، وهو الجاري على وَضْعِ
اللسان، وذلك أن المُحكّم اسمُ مفعولٍ من أَحْكُم، والإحكامُ الإتقان، ولا شك في
أنَّ ما كان واضحَ المعنى لا إشكالَ فيه ولا تردُّد، وإنما يكونُ كذلك لوضوح مفرداتٍ
كلماتِهِ واتِّفاق (١) تركيبها، ومتى اخْتَلَّ أحدُ الأمرين جاءَ التّشابُه والإشكال(٢). والله
أعلم.
وقال ابن خُويزٍ مَنْدَاد: للمتشابه وجوهٌ، والذي يتعلَّقُ به الحكمُ ما اختلف فيه
العلماء أيّ الآيتين نسخت الأخرى؛ كقول عليٍّ وابن عباس في الحامل المتوفَّى عنها
زوجُها: تعتدُّ أُقْصَى الأجلين. فكان عمرُ وزيدُ بنُ ثابت وابنُ مسعود وغيرُهم
يقولون: وضعُ الحمل، ويقولون: سورةُ النساء القُصرى(٣) نسختْ: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وكان عليٍّ وابنُ عباس يقولان: لم تُنسخ.
وكاختلافهم في الوصيَّة للوارث هل نُسِخت أم لم تُنْسخ.
وكتعارُض الآيتين أيُّهما أولى أن تُقدَّم إذا لم يُعرف النَّسخُ، ولم تُوجد شرائطُه،
كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، يقتضي الجمعَ بين الأقارب
من مِلك اليمين، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾
[النساء: ٢٣]، يمنع ذلك منه(٤).
(١) في (خ) و (م): وإتقان.
(٢) المفهم ٦/ ٦٩٦ .
(٣) يعني سورة الطلاق؛ أخرج البخاري (٤٩١٠) عن عبدالله بن مسعود قال: لَّنَزَّلَتْ سورةُ النساء القُصرى بعد
الطولى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٦٥٥/٨: أي
سورة الطلاق بعد سورة البقرة. وانظر الإتقان ١ / ٥٥ .
(٤) لفظ: منه، ليس في (م).

٢٠
سورة آل عمران: الآية ٧
ومنه أيضاً تعارضُ الأخبار عن النبيِّ # وتعارضُ الأقْيسَة، فذلك المتشابه.
وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين ويكون الاسم (١) محتملاً أو مُجملاً
يحتاجُ إلى تفسير؛ لأنَّ الواجبَ منه قدرُ ما يتناولُه الاسم أوجميعُه. والقراءتان
كالآيتين يجبُ العملُ بموجبهما جميعاً، كما قرئ: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾
[المائدة: ٦] بالفتح والكسر، على ما يأتي بيانُه في ((المائدة)) إن شاء الله تعالى.
الثالثة: روى البخاريُّ(٢) عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني
أجدُ في القرآن أشياءَ تختلفُ عليَّ، قال: ما هو؟ قال: ﴿فَلَّ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَيِذٍ وَلَا
يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَ لُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، وقال:
﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقال: ﴿وَأَلَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد
كتموا في هذه الآية. وفي النازعات: ﴿أَمِ اُلَّمَاءُ بَنَهَا﴾ إلى قوله: ﴿رَحَنَهَآَ﴾. فذكر خلق
السماء قبلَ خلقِ الأرض، ثم قال: ﴿ أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ إلى
قوله(٣): ﴿طَّبِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، فذكر في هذه(٤) خلق الأرض قبل خلق السماء.
وقال: ﴿وَكَانَ اَللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، ﴿وَكَانَ اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨]، ﴿وَكَانَ
اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، فكأنه كان ثم مضى.
فقال ابن عباس: ﴿فَلَا أَسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النَّفخة الأولى، ثم يُنفَخُ في الصُّور،
فصَعِقَ مَنْ في السَّماوات ومن في الأرض إلّا مَن شاءَ اللّه، فلا أنسابَ بينهم عند ذلك
ولا يتساءلون، ثم في النَّفخة الآخِرة أقبلَ بعضُهم على بعض يتساءلون. وأما قولُه:
﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَلَا يَكْتُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فإنَّ اللّه يَغْفر لأهل الإخلاص ذنوبَهم، وقال
المشركون: تعالَوا نقولُ: ما كنا(٥) مشركين، فختم اللّهُ على أفواههم، فتَنطقُ
(١) في (خ): الأمر.
(٢) في صحيحه باب تفسير سورة فصلت، (٨/ ٥٥٥ فتح الباري)، وما سیرد بین حاصرتين منه.
(٣) لفظ: قوله، من (خ).
(٤) في النسخ: هذا، والمثبت من صحيح البخاري.
(٥) في (م) وصحيح البخاري: لم نكن.