النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
وقوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ دليلٌ على أنَّ الأعمى من أهل الشَّهادة، لكن إذا عَلِم
يقيناً؛ مثلُ ما رُوي عن ابن عباس قال: سُئل رسولُ اللهِ نَّه عن الشهادة، فقال:
((ترى هذه الشَّمسَ، فاشهدْ على مثلِها أو دَعْ))(١). وهذا يدلُّ على اشتراط معاينةٍ
الشَّاهد لما يَشهَدُ به، لا مَن يَشهدُ بالاستدلال الذي يجوز أنْ يُخطئ. نعم يجوز له
وَظْءُ امرأتِه إذا عرف صوتَها؛ لأنَّ الإقدامَ على الوطء جائزٌ بغلبة الظنِّ، فلو زُقَّت
إليه امرأةٌ، وقيل: هذه امرأتُك وهو لا يعرفها جاز له وطؤها، ويحلُّ له قَبولُ هديةٍ
جاءته بقول الرَّسول. ولو أخبره مخبرٌ عن زيد بإقرار أو بيْعِ أو قَذْفٍ أو غَصْبٍ لَمَا
جاز له إقامةُ الشَّهادةِ على المخْبَر عنه؛ لأنَّ سبيلَ الشَّهادةِ اليقينُ، وفي غيرها يجوز
استعمالُ غالبِ الظّن، ولذلك قال الشافعيُّ وابنُ أبي ليلى وأبو يوسف: إذا عَلِمه
قبْل العمى جازت الشَّهادةُ بعد العمى، ويكون العمى الحائلُ بينه وبين الشهودِ عليه
كالغيبة والموتِ في المشهود عليه. فهذا مذهبُ هؤلاء.
والذي يمنع أداءَ الأعمى فيما تَحمَّل بصيرًا لا وجهَ له، وتصحُّ شهادته بالنَّسب
الذي يَثْبُتُ بالخبر المستفيض، كما يخبر عما تواتر حكمُه من الرسول وَّر. ومن
العلماء من قبِل شهادة الأعمى فيما طريقُه الصَّوت؛ لأنه رأى الاستدلالَ بذلك
يترقَّى إلى حدّ اليقين، ورأى أنَّ اشتباهَ الأصواتِ كاشتباه الصُّوَرِ والألوان. وهذا
ضعيفٌ يلزم منه جوازُ الاعتمادِ على الصَّوت للبصير(٢).
قلت: مذهبُ مالكِ في شهادة الأعمى على الصوت جائزةٌ في الطَّلاق وغيرهٍ
إذا عرف الصَّوت(٣).
قال ابن قاسم: قلت لمالك: فالرجلُ يسمع جارَه من وراء الحائطِ، ولا يراه،
يَسمعُه يُطلِّقُ امرأتَه، فيَشهَدُ عليه، وقد عرفَ الصَّوت؟ قال: قال مالك: شهادته
(١) أخرجه العقيلي ٧٠/٤، وأبو نعيم في الحلية ١٨/٤، والحاكم ٩٨/٤، والبيهقي ١٥٦/١٠، قال
الحافظ في التلخيص ١٩٨/٤: في إسناده محمد بن سليمان بن مسمول، وهو ضعيف. وقال البيهقي
١٥٦/١٠ : لم يُرو من وجه يعتمد عليه.
(٢) أحكام القرآن للكيا ٢٤٨/١-٢٤٩.
(٣) من قوله: في شهادة الأعمى ... إلى هذا الموضع سقط من (ظ) و(ف) ووقع بدلاً منه فيهما ما سيرد
قبل المسألة الثانية والثلاثين.

٤٤٢
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
جائزةٌ. وقال ذلك عليّ بنُ أبي طالب والقاسم بنُ محمد وشُرَيح الكنديُّ والشَّعْبيُّ
وعطاء بنُ أبي رَبَاحِ ويحيى بنُ سعيد وربيعة وإبراهيم النَّخعيُّ ومالك واللَّيث(١).
السابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ المعنى
إنْ لم يأت الطالب برجلين فليأت برجل وامرأتين، هذا قولُ الجمهور.
((فَرَجُلٌ)) رفعٌ بالابتداء، ((وَامْرَأَتَانٍ)) عطفٌ عليه، والخبر محذوف. أي: فرجل
وامرأتان يقومان مقامَهما. ويجوز النصب في غير القرآن، أي: فاستشهدوا رجلاً
وامرأتين. وحكى سيبويه(٢): إنْ خنجراً فخنجراً(٣).
وقال قوم: بل المعنى فإنْ لم يكن رجلان، أي: لم يوجدا، فلا يجوزُ استشهادُ
المرأتين إلا مع عدم الرِّجال. قال ابنُ عطية (٤): وهذا ضعيفٌ، فلفظُ الآيةِ
لا يُعطيه، بل الظاهر منه قولُ الجمهور، أي: إن لم يكن المستشهَد رجلين، أي:
إن أَغفل ذلك صاحبُ الحقِّ أو قصدَه لعذرٍ مّا، فليستشهدْ رجلاً وامرأتين. فجعل
تعالى شهادةَ المرأتين مع الرجل جائزةً مع وجودِ الرَّجلين في هذه الآية، ولم
يذكرها في غيرها، فأجيزت في الأموال خاصةً في قول الجمهور، بشرط أنْ يكونَ
معهما رجل. وإنما كان ذلك في الأموال دون غيرِها؛ لأنَّ الأموالَ كثَّر الله أسباب
تَوْثيقها لكثرة جهاتٍ تحصيلها وعمومِ البَلْوَى بها وتكرُّرِها؛ فجعل فيها التوَثُّقَ تارةً
بالكتبَة، وتارةً بالإشهاد، وتارةً بالرهن، وتارةً بالضمان، وأدخل في جميع ذلك
شهادةَ النساءِ مع الرجال. ولا يتوهّم عاقلٌ أنَّ قولَه تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾
يشتملُ على دَيْن المهرِ مع البُضْع، وعلى الصُّلح على دمِ العمد، فإنَّ تلك الشهادةَ
ليست شهادةً على الدَّيْن، بل هي شهادةٌ على النكاح(٥). وأجاز العلماء شهادتَهنَّ
منفرداتٍ فيما لا يطّلع عليه غيرُهنَّ للضرورة. وعلى مثل ذلك أُجيزت شهادةُ
(١) انظر المدونة ١٦٩/٥، ومختصر اختلاف العلماء ٣٦٣/٣، والمعونة ١٥٥٧/٣، والمغني ١٧٨/١٤ .
(٢) في الكتاب ٢٥٨/١.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٤/١-٣٤٥.
(٤) في المحرر الوجيز ٣٨١/١.
(٥) أحكام القرآن للكيا ١/ ٢٥١.

٤٤٣
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
الصبيان في الجراح فيما(١) بينهم للضَّرورة.
وقد اختلف العلماء في شهادة الصبيانِ في الجراح، وهي:
الثامنة والعشرون: فأجازها مالكٌ ما لم يَختلفوا ولم يَفترقوا. ولا يجوز أقلُّ
من شهادة اثنين منهم على صغير لكبير، ولكبير على صغير. وممن كانَ يَقضي
بشهادة الصِّبيانِ فيما بينهم من الجراح عبد الله بنُ الزبير. وقال مالك(٢): وهو الأمرُ
عندَنا المجتمعُ عليه. ولم يُجز الشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابه شهادتَهم؛ لقوله
تعالى: ﴿مِن رِجَالِكُمْ﴾، وقولهِ: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ﴾ وقولِه: ﴿ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُ﴾، وهذه
الصفاتُ ليست في الصَّبِيّ(٣).
التاسعة والعشرون: لما جعل الله سبحانه شهادةَ امرأتين بدلَ شهادة رجلٍ؛
وجب أنْ يكونَ حكمُهما حكمّه؛ فكما لَهُ أنْ يحلف مع الشاهد واليمين عندَنا(٤)،
وعند الشافعيِّ كذلك، يجب أنْ يحلفَ مع شهادةِ امرأتين بمُظْلَقِ هذه العِوَضيَّة.
وخالف في هذا أبو حنيفة وأصحابُه، فلم يَرَوا اليَمِينَ مع الشاهد، وقالوا:
إنَّ الله سبحانه قَسم الشهادةَ وعدَّدَها، ولم يذكر الشاهدَ واليمينَ، فلا يجوز القضاءُ.
به؛ لأنه يكون قِسْماً زائداً (٥) على ما قَسمه الله، وهذه زيادةٌ على النص، وذلك
نسخٌ(٦). وممن قال بهذا القولِ الثوريُّ والأوزاعيُّ وعطاء والحكم بنُ عُتَيْبَة وطائفة.
قال بعضهم: الحُكم باليمين مع الشاهدِ منسوخٌ بالقرآن.
وزعم عطاء أنّ أوَّلَ مَن قضى به عبدُ الملك بن مروان، وقال الحَكّم: القضاءُ
باليمين والشَّاهدِ بِدعةٌ، وأوَّلُ من حكم به معاويةُ. وهذا كلُّه غلطٌ وظنٌّ لا يُغني من
الحقِّ شيئاً، وليس مَن نَفى وجهِل كمن أَثبتَ وعلم! وليس في قول الله تعالى:
(١) لفظة: فيما، من (م).
(٢) في الموطأ ٧٢٦/٢.
(٣) انظر مختصر اختلاف العلماء ٣٣٧/٣، والكافي ٩٠٨/٢، والمنتقى ٢٢٩/٥، والمغني ١٤٦/١٤.
(٤) في (د) و(م): مع الشاهد عندنا، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي
٢٥٣/١، والكلام منه.
(٥) في (خ) و(ظ): قسماً ثالثاً.
(٦) انظر أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٣/١.

٤٤٤
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ الآية، ما يُردُّ به قضاءُ رسولِ الله ◌َِّ في اليمين
مع الشاهد(١)، ولا أنه لا يُتوصَّلُ إلى الحقوق ولا تُستَحقُّ إلا بما ذكر فيها لا غير،
فإنَّ ذلك يبطل بنُكول المطلوبٍ ويمينِ الطالب، فإن ذلك يُستحقُّ به المالُ إجماعاً،
وليس في كتاب الله تعالى، وهذا قاطعٌ في الردِّ عليهم(٢). قال مالك(٣): فمن
الحجَّةِ على من قال ذلك القولَ أنْ يُقالَ له: أرأيت لو أنَّ رجلاً ادّعى على رجل
مالاً، أليس يحلفُ المطلوبُ ما ذلك الحقُّ عليه؟ فإن حلَف بطل ذلك الحقُّ عنه،
وإن نَكّل عن اليمين حلَف صاحبُ الحقِّ إنَّ حقّه لحقٌّ، وثبت حقه على صاحبه.
فهذا مما لا اختلاف فيه عند أحدٍ من الناس، ولا ببلدٍ من البلدان، فبأيِّ شيءٍ أخذ
هذا، وفي أيِّ كتابِ الله وجده؟ فمن أقرَّ بهذا فليُقِرَّ باليمين مع الشاهد.
قال علماؤنا: ثم العجبُ مع شهرة الأحاديثِ وصحتِها بَدَّعُوا من عمل بها حتى
نَقضوا حكمَه واستقصروا علمه(٤) مع أنه قد عَمِل بذلك الخلفاء الأربعةُ وأبيّ بنُ
كعب ومعاويةٌ وشُريح وعمر بنُ عبد العزيز - وكتب به إلى عماله - وإياس بنُ معاوية
وأبو سلمة بنُ عبد الرحمن وأبو الزِّناد وربيعة؛ ولذلك قال مالك: وإنه ليكفي من
ذلك ما مضى مِن عَمَل السُّنَّة، أترى هؤلاء تُنقَضُ أحكامُهم، ويُحكّم ببدعتِهم (٥)؟!
هذا إغفالٌ شدید، ونظر غیرُ سدید.
روى الأئمة عن ابن عباس عن النبيِّ ◌َ ر أنه قضى باليمين مع الشاهد. قال
عمرو بنُ دِينار: في الأموال خاصةً؛ رواه سيف بنُ سليمان، عن قيس بنِ سعد،
عن عمرو بن دِینار، عن ابن عباس(٦).
قال أبو عمر (٧): هذا أصحُّ إسنادٍ لهذا الحديث، وهو حديثٌ لا مَطعن لأحد
(١) سيذكره المصنف قريباً.
(٢) انظر التمهيد ١٥٤/٢-١٥٥، والاستذكار ٥٢/٢٢، والمفهم ١٥٢/٥-١٥٣، والمغني ١٣٠/١٤-١٣١.
(٣) في الموطأ ٧٢٤/٢-٧٢٥.
(٤) في (د) و(م): استقصروا رأيه، والمثبت من (خ) و(ظ) و(ف)، وهو الموافق للمفهم ٥/ ١٥٢.
(٥) المفهم ٥/ ١٥٢-١٥٣.
(٦) أخرجه أحمد (٢٩٦٨)، ومسلم (١٧١٢)، وانظر الاستذكار ٦٠/٢٢ -٦١ .
(٧) في التمهيد ١٣٨/٢ - ١٤٠.

٤٤٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
في إسناده، ولا خلافَ بين أهلِ المعرفةِ بالحديث في أنَّ رجاله ثقاتٌ. قال يحيى
القَطَّان: سيف بنُ سليمان ثَبْتُ، ما رأيت أحفظَ منه. وقال النسائيّ(١): هذا إسنادٌ
جيِّد، سيْفٌ ثقة، وقيسٌ ثقة. وقد خرّج مسلم حديثَ ابنِ عباس هذا(٢). قال أبو
بكر البزار: سيف بنُ سليمان وقيس بنُ سعد ثقتان، ومَن بعدهما يُستغنَى عن
ذكرهما لشهرتهما في الثقة والعدالة.
ولم يأت عن أحد من الصحابة أنه أنكر اليمينَ مع الشاهد، بل جاء عنهم
القولُ به، وعليه جمهورُ أهل العلم بالمدينة. واختلف فيه عن عُروة بن الزبير وابنٍ
شهاب؛ فقال مَعْمَر: سألت الزهريَّ عن اليمين مع الشاهدِ، فقال: هذا شيءٌ أحدثه
الناس، لا بدَّ من شاهدَيْن. وقد رُوي عنه أنه أوَّلَ ما وَلِي القضاءَ حَكم بشاهد
ويَمين؛ وبه قال مالكٌ وأصحابه والشافعيُّ وأتباعُه وأحمدُ وإسحاقُ وأبو عبيد وأبو
ثور وداود بنُ عليّ وجماعةُ أهلِ الأثر، وهو الذي لا يجوز عندي خلافهُ، لتواتر
الآثارِ به عن النبيِّ لَّهِ وعملِ أهلِ المدينةِ قَرْناً بعد قرن(٣). وقال مالك: يُقضى
باليمين مع الشاهد في كلِّ البلدان، ولم يحتجَّ في موّئه لمسألةٍ غيرِها (٤). ولم
يُخْتَلَف عنه في القضاء باليمين مع الشاهدِ، ولا عن أحدٍ من أصحابه بالمدينة ومصرَ
وغيرِهما، ولا يَعرفُ المالكيون في كلِّ بلد غيرَ ذلك من مذهبهم إلا عندَنا
بالأندلس؛ فإنَّ يحيى بن يحيى زعم أنه لم ير الليثَ يُفتي به(٥)، ولا يذهبُ إليه.
وخالف يحيى مالكاً في ذلك مع مخالفته السُّنةَ والعملَ بدارِ الهجرة(٦).
ثم اليمينُ مع الشاهد زيادةُ حكم على لسان رسولِ الله وَّهِ، كنَهْيِه عن نكاح
المرأة على عمتها وعلى خالتها (٧) مع قولِ الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾
(١) في السنن الكبرى عند الحديث (٥٩٦٧).
(٢) رقم (١٧١٢)، وقد سلف قريباً.
(٣) التمهيد ١٥٣ -١٥٤ .
(٤) انظر الموطأ ٢/ ٧٢٤.
(٥) لفظة: به، من (م)، والتمهيد ١٥٤/٢ .
(٦) التمهيد ١٥٤/٢ .
(٧) أخرجه البخاري (٥١٠٩)، ومسلم (١٤٠٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو عند أحمد
(٥٧٧) من حديث علي رضي الله عنه.

٤٤٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
[النساء: ٢٤]، وكنهيه عن أكل لحوم الحُمر الأهلية(١)، وكلِّ ذي ناب من السباع(٢)
مع قوله: ﴿قُل لَّ أَجِدُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وكالمسح على الخفَّين(٣)، والقرآنُ إنما
ورد بغسل الرِّجلين أو مسحِهما؛ ومثلُ هذا كثيرٌ. ولو جاز أنْ يقال: إنَّ القرآنَ نَسَخَ
حكمَ رسولِ اللهِ وَّه باليمين مع الشاهد، لجاز أن يقال: إنَّ القرآنَ في قوله عز
وجل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَوْ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وفي قولهِ: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ
تِجَكَرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ ناسخٌ لنهيه عن المُزَابَنَة وبيعِ الغَرَرِ وبيع ما لم يُخْلَقْ(٤)،
إلى سائر ما نهى عنه في البيوع، وهذا لا يسوغُ لأحد؛ لأنَّ السُّنةَ مبيّنةٌ للكتاب(٥).
فإن قيل: إنَّ ما ورد من الحديث قضيةٌ في عَيْن فلا عموم.
قلنا: بل ذلك عبارةٌ عن تَقْعيد هذه القاعدة؛ فكأنه قال: أَوجب رسولُ اللهِ وَل
الحكم باليمين مع الشاهد. ومما يشهد لهذا التأويل ما رواه أبو داود(٦) في حديث
ابن عباس أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ قضى بشاهدٍ ويَمين في الحقوق، ومن جهة القياس
والنظر أنَّا وجدْنا اليمينَ أقوى من المرأتين؛ لأنهما لا مدخلَ لهما في اللِّعان،
واليمينُ تدخلُ في اللعان. وإذا صحَّت السُّنةُ فالقولُ بها يجب، ولا تحتاج السُّنةُ
إلى ما يتابعُها؛ لأنَّ من خالفها محجوجٌ بها. وبالله التوفيق(٧).
الموفية ثلاثين: وإذا تقرَّر وثبت الحكمُ باليمين مع الشاهد، فقال القاضي أبو
محمد عبدُ الوهَّابِ(٨): ذلك في الأموال وما يتعلَّقُ بها دونَ حقوقِ الأبدان؛
(١) أخرجه أحمد (٥٩٢)، والبخاري (٥١١٥)، ومسلم (١٤٠٧) من حديث علي رضي الله عنه.
(٢) أخرجه أحمد (٢٧٤٧)، ومسلم (١٩٣٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.
(٣) منها ما أخرجه البخاري (١٨٢)، ومسلم (٢٧٤) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. والبخاري
أيضاً (٢٠٢) (٢٠٣) من حديث سعد بن أبي وقاص وأمية الضمري رضي الله عنهما .
(٤) حديث النهي عن المزابنة أخرجه أحمد (٤٤٩٠) والبخاري (٢١٧٢)، ومسلم (١٥٤٢) من حديث ابن
عمر رضي الله عنه، وحديث النهي عن بيع الغرر أخرجه أحمد (٧٤١١)، ومسلم (١٥١٣) من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه. وحديث النهي عن بيع ما لم يخلق سلف ذكره ص ٤٢٤ من هذا الجزء.
(٥) التمهيد ١٥٥/٢ - ١٥٦.
(٦) في سننه (٣٦٠٩).
(٧) انظر الاستذكار ٥٤/٢٢، والمفهم ١٥١/٥ .
(٨) في المعونة ٣/ ١٥٤٧ .

٤٤٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
للإجماع على ذلك من كلِّ قائلٍ باليمين مع الشاهد. قال: لأنَّ حقوقَ الأموالِ
أخفضُ من حقوقِ الأبدان؛ بدليل قبولِ شهادةِ النساءِ فيها. وقد اختلف قولُ مالكٍ
في جِراح العمد، هل يجب القَوَدُ فيها بالشاهد واليمين؟ فيه روايتان: إحداهما أنه
يجب به التخييرُ بين القَوَدِ والدِّيّة. والأخرى أنه لا يجبُ به شيء؛ لأنه من حقوق
الأبدان. قال: وهو الصحيح.
قال مالك في الموطأ(١): وإنما يكونُ ذلك في الأموال خاصةً، وقاله عمرو بنُ دِینار.
وقال المَازَريُّ(٢): يُقبل في المال المَخْضِ من غير خلاف، ولا يُقبلُ في
النكاح والطلاقِ المحضَين من غير خلاف، وإن كان مضمونُ الشهادةِ ما لیس
بمال، ولكنه يُؤدِّي إلى المال، كالشهادة بالوصيَّة والنكاح بعد الموت، حتى
لا يطلب من ثبوتها إلا المال إلى غير ذلك، ففي قبوله اختلاف؛ فمن راعَى المالَ
قَبِله كما يقبَلُه في المال، ومن راعى الحال لم يقبله.
وقال المهدوِيُّ: شهادةُ النساءِ في الحدود غيرُ جائزةٍ في قول عامّةِ الفقهاء،
وكذلك في النكاح والطلاقِ في قول أكثرِ العلماء؛ وهو مذهبُ مالك والشافعيِّ
وغيرِهما؛ وإنما يَشهَدْنَ في الأموال. وكلُّ ما لا يشهدْنَ فيه فلا يشهدْنَ على شهادة
غيرِهنَّ فيه، كان معهنّ رجلٌ أو لم يكن، ولا ينقُلْنَ شهادةً إلا مع رجلٍ نقَلن عن
رجل وامرأة(٣). ويُقضَى باثنتيْن منهنَّ في كلِّ ما لا يحضره غيرُهنَّ كالولادة
والاسْتِهْلال ونحوِ ذلك. هذا كلَّ مذهبُ مالك، وفي بعضه اختلاف (٤).
الحادية والثلاثون: قوله تعالى: ﴿مِنَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ في موضع رفعٍ على
الصِّفة لرجل وامرأتين.
(١) ٧٢٢/٢.
(٢) في المعلم ٢/ ٤٠٢-٤٠٣، والمازري هو الإمام أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المالكي.
كان بصيراً بعلم الحديث، حدث عنه القاضي عياض، صنف كتاب المُغْلم، وإيضاح المحصول،
وشرح كتاب التلقين للقاضي عبد الوهاب، وهو من أنفس الكتب، وله تأليف في الردِّ على الإحياء
أنصف فيه رحمه الله، مات بإفريقية سنة (٥٣٦هـ). السير ١٠٤/٢٠ .
(٣) في (ظ): أو امرأة.
(٤) انظر المعونة ٣/ ١٥٥٢، والكافي ٢ / ٩٠٢ و ٩٠٦ -٩٠٧.

٤٤٨
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
قال ابن بُكَير وغيره: هذه مخاطبةٌ للحكّام. ابن عطية(١): وهذا غيرُ نبيل،
وإنما الخطابُ لجميع الناس، لكن المتَلَبِّسُ بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا
كثيرٌ في كتاب اللهِ يعمّ الخطاب فيما يتلبَّسُ به البعض.
مسألة: ظاهرُ قوله: ﴿مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾(٢) يقتضي قبولَ شهادةِ الولدِ لوالده والوالدِ
لولده؛ لأنَّ الشاهد مرضيّ، ولو لم يكن مَرْضًّا وتطرَّقت التهمة إليه باستيلاء الهوى
عليه؛ لامتنعتْ شهادتُه مطلقاً، ولأَمْكَنَ أن يُقال: إن الذي يشهدُ لولده كاذباً يشهدُ
لأجنبيٍّ لِعَرَضِ يتعجَّلُه؛ كمالٍ أو جاهٍ أو غيره، إلا أنَّ العلماء أجمعوا على خلاف
ذلك إلا خلافاً شاذًّا(٣) يُحكى عن عثمان البِّي، ولا يعتدُّ به. ولعلَّ السبب فيه أن
الذي بينه وبين الابن من الاتحاد في الذات حتى يقال: هو بعضُه(٤)؛ يقتضي جعلَ
شهادتِه له في معنى شهادتِه لنفسه، فإذا كانت فيه شبهةُ الشهادةِ لنفسه؛ كان مدَّعياً
من تلك الجهة، والبيِّنَةُ على المدِّعي، ولا تُسمع شهادتُه فيما هو مدَّعِ فيه لنفسه،
ولا شكَّ أن هذا في غاية الجلاء(٥) مع المصير إلى تمييز أملاكهما التي هي محلٌّ
الشهادة، ويجب على الابن الحدُّ بوطء جارية أبيه، ولا يُجعل الاتحاد بينهما شبهةً
في الحدّ، [فكذلك لا يجعل شبهة في شهادته وإلحاقها بالدعوى].
الثانية والثلاثون: لما قال الله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ دلَّ على أنَّ في
الشهود من لا يُرْضى، فيجيء من ذلك أنَّ الناس ليسوا محمولين على العدالة حتى
تَثْبُتَ لهم، وذلك معنّى زائدٌ على الإسلام، وهذا قولُ الجمهور. وقال أبو حنيفة: كلُّ
مسلم ظاهرِ الإسلام مع السَّلامةِ من(٦) فِسْق ظاهرٍ، فهو عَدْلٌ وإنْ كان مجهولَ
(١) في المحرر الوجيز ٣٨١/١، وقول ابن بُكير منه.
(٢) هذه المسألة زيادة من (د) وقعت في هذا الموضع منها، وهي ذاتها التي وقعت في (ظ) و(ف) قبل
المسألة السابعة والعشرين، وأشرنا إليها ثمة. وآثرنا إثباتها كما في (د) لتعلقها بالآية المذكورة. وهذه
الزيادة ضمن خرم في كل من (خ) و(ز). وما بين حاصرتين استظهرناه من أحكام القرآن للكيا الطبري
٢٥٣/١، والكلام الآتي منه.
(٣) في (ظ) وأحكام القرآن للكيا: خلاف شاذ.
(٤) قوله: في الذات حتى يقال هو بعضه، ليس في (خ).
(٥) في النسختين المذكورتين: ليس في غاية الجلاء! والمثبت من أحكام القرآن للكيا.
(٦) في النسخ: عن، والمثبت من (م).

٤٤٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
الحال. وقال شُرَيح وعثمانُ البَتِّي وأبو ثور: هم عدولُ المسلمين وإن كانوا عبيداً (١).
قلت فعمَّمُوا الحكم، ويلزم منه قبولُ شهادةِ البَدَوِيّ على القَرَويّ إذا كان عدلاً
مرضياً - وبه قال الشافعيُّ ومن وافقه - وهو من رجالنا وأهلِ ديننا. وكونُه بَدِيًّا
ككونه من بلد آخرَ، والعموماتُ في القرآن الدَّالةُ على قبول شهادةِ العُدولِ تُسوِّي
بين البَدَوِيِّ والقرويِّ، قال الله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾، وقال تعالى:
﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فـ ((مِنكم)) خطابٌ للمسلمين(٢). وهذا
يقتضي قطعاً أنْ يكونَ معنى العدالةِ زائداً على الإسلام ضرورةً؛ لأن(٣) الصِّفةَ زائدةٌ
على الموصوف، وكذلك ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ﴾ مثلُه، خلاف ما قال أبو حنيفة، ثم لا يُعلَمُ
كونُه مرضيًّا حتى يُخْتَبِرَ حالُه، فيلزمُه ألَّ يكتفيَ بظاهر الإسلام. وذهب أحمد بنُ
حنبل ومالكٌ في رواية ابنِ وهب عنه إلى ردِّ شهادةِ البَدَوِيِّ على القروِيِّ؛ لحديث
أبي هريرة عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((لا تجُوزُ شهادةُ بَدَوِيٌّ على صاحب قرية)»(٤).
والصحيح جوازُ شهادتِه إذا كان عدلاً مرضيًّا، على ما يأتي بيانه في ((النساء)»
و((براءة)) إن شاء الله تعالى(٥).
وليس في حديث أبي هريرةً فرقٌ بين القَروِيِّ في الحضر أو السفر، ومتى كان
في السفر فلا خلافَ في قبوله(٦).
قال علماؤنا: العدالة هي الاعتدالُ في الأحوال الدِّينية، وذلك يتمُّ بأنْ يكون
مجتنباً للكبائر محافظاً على مروءته وعلى ترك الصَّغائر، ظاهرَ الأمانة غيرَ مغَفَّل.
وقيل: صفاءُ السَّريرةِ واستقامةُ السِّيرةِ في ظنِّ المعدِّل، والمعنى متقارب(٧).
(١) انظر أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٤/١، والمعونة ١٥١٧/٣.
(٢) انظر أحكام القرآن للكيا ٢٤٩/١.
(٣) في النسخ: أن، والمثبت من (م).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٦٠٢)، وابن ماجه (٢٣٦٧)، والحاكم ٩٩/٤، قال الذهبي في التلخيص: هو
حديث منكر على نظافة سنده.
(٥) عند تفسير الآية (١٣٥) من سورة النساء، والآية (٩٧) من سورة براءة.
(٦) انظر مختصر اختلاف العلماء ٣٣٨/٣، والمعونة ١٥٣٤/٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٥٢/١،
والمغني ١٤٩/١٤ -١٥٠ .
(٧) انظر المعونة ١٥١٨/٣.

٤٥٠
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
الثالثة والثلاثون: لما كانت الشهادةُ ولايةً عظيمةً ومرتبةً مُنيفةً، وهي قبولُ قولِ
الغيرِ على الغير، شَرَطَ تعالى فيها الرِّضا والعدالة. فمن حُكم الشَّاهدِ أنْ تكونَ له
شمائلُ ينفردُ بها وفضائلُ يتحلَّى بها حتى تكونَ له مزيةٌ على غيره، تُوجبُ له تلك
المزيَّةُ رتبةَ الاختصاصِ بقبول قولِه، ويُحْكُم بشغل ذمَّةِ المطلوبِ بشهادته. وهذا
أدَلُّ دليلٍ على جواز الاجتهادِ والاستدلالِ بالأماراتِ والعلاماتِ عندَ علمائنا على
ما خَفِي من المعاني والأحكام(١). وسيأتي لهذا في سورة يوسف زيادةُ بيانٍ إنْ
شاء الله تعالى(٢).
وفيه ما يدلُّ على تفويض الأمرِ إلى اجتهاد الحكام، فربما تَفَرّسَ في الشاهد
غفلةٌ أو رِيبَة، فيردُّ شهادتَه لذلك(٣).
الرابعة والثلاثون: قال أبو حنيفة: يُكتفى بظاهر الإسلام في الأموال دونَ
الحدود. وهذه مناقضةٌ تُسقط كلامَه، وتُفسد عليه مَرامَه؛ لأنا (٤) نقول: حقٌّ من
الحقوق. فلا يُكتفى في الشهادة عليه بظاهر الدِّينِ، كالحدود، قاله ابنُ العربي(٥).
الخامسة والثلاثون: وإذْ قد شَرَط الله تعالى الرضا والعدالةَ في المداينة كما
بَيًِّّا، فاشتراطُها في النكاح أوْلَى، خلافًا لأبي حنيفةَ حيثُ قال: إنَّ النكاحَ ينعقدُ
بشهادة فاسقين. فنفَى الاحتياط المأمور به في الأموال عن النكاح، وهو أولى لما
يتعلَّقُ به من الحلِّ والحُرْمَة والحدِّ والنَّسب(٦) .
قلت: قولُ أبي حنيفةً في هذا الباب ضعيفٌ جدًّا؛ لشرط اللهِ تعالى الرضا
والعدالةَ، وليس يُعْلَمُ كونُه مرضيًّا بمجرد الإسلام، وإنما يُعْلَم بالنَّظر في أحواله
حسْب ما تقدَّم. ولا يُغتَرُّ بظاهرٍ قوله: أنا مسلم. فربما انطوى على ما يُوجبُ ردّ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٤/١.
(٢) عند تفسير الآية: (٢٦)، (٨١) منها.
(٣) أحكام القرآن للكيا ٢٥٢/١.
(٤) في (م): لأننا.
(٥) في أحكام القرآن ١/ ٢٥٤.
(٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٥/١.

٤٥١
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
شهادِته، مثلُ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُمْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ
عَ مَا فِى قَلْبِهِ ﴾ إلى قوله: ﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤-٢٠٥]. وقال:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمّ﴾ الآية [المنافقون: ٤].
السادسة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَ إِحْدَهُمَا﴾ قال أبو عبيد (١): معنى
تَضِلَّ: تنسى. والضَّلالُ عن الشهادةِ إنما هو نِسْيَانُ جزءٍ منها وذِكرُ جزء، ويبقى
المرءُ خَيْرانَ بين ذلك ضَالًّا. ومن نسيَ الشهادة جُمْلَةً فليس يقال: ضلَّ فيها.
وقرأ حمزة ((إن)) بكسر الهمزة على معنى الجزاء، والفاءُ في قوله: ﴿فتذكِّرُ﴾(٢)
جوابه، وموضعُ الشَّرطِ وجوابُه رفعٌ على الصِّفة للمرأتين والرجل، وارتفع («تُذَكِّرُ))
على الاستئناف، كما ارتفع قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْثَقِمُ اَللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] هذا قولُ
سيبويه(٣). ومن فتح ((أنْ)) فهي مفعولٌ له، والعاملُ فيها محذوف. وانتصب ((فَتُذَكِّرَ))
على قراءة الجماعةِ عطفاً على الفعل المنصوب بأن.
قال النحاس(٤): ويجوز: (تَضَلّ)) بفتح التاء والضَّاد، ويجوز: ((تِضَلّ)) بكسر
التاء وفتحِ الضَّاد. فمن قال: ((تَضَل)) جاء به على لغة من قال: ضَلِلْتَ تَضَلُّ. وعلى
هذا تقول: تِضَل، فتكسر التاء لتدلَّ على أنَّ الماضي: فَعِلْت.
وقرأ الجحدرِيُّ وعيسى بنُ عمر ((أَنْ تُضَلّ)) بضم التاء وفتحِ الضاد بمعنى
تُنْسى(٥)، وهكذا حكى عنهما أبو عمرو الدانيّ. وحكى النقَّاش عن الجَحدَريّ ضمَّ
التاء وكسرَ الضاد، بمعنى أنْ تُضِلَّ الشهادة. تقول: أضْلَلْتُ الفرس والبعيرَ إذا تلِفًا
لك وذهبًا فلم تجدهما(٦).
السابعة والثلاثون: قوله تعالى: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ خفَّف الذال والكافَ ابنُ كثير
(١) كذا في النسخ، وهو عند أبي عبيدة في مجاز القرآن ٨٣/١.
(٢) السبعة ص١٩٤، والتيسير ص ٨٥.
(٣) الكتاب ٥٣/٣، والمحرر الوجيز ٣٨٢/١، وعنه نقل المصنف.
(٤) في إعراب القرآن ٣٤٥/١-٣٤٦.
(٥) انظر القراءات الشاذة ص١٨، ومعاني القرآن للنحاس ٣١٨/١، والكشاف ٤٠٣/١، والبحر المحيط
٣٤٩/١.
(٦) المحرر الوجيز ٣٨٢/١.

٤٥٢
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
وأبو عمرو(١)؛ وعليه فيكون المعنى أنْ تَرُدَّها ذَكَرًا في الشهادة؛ لأنَّ شهادةَ المرأةِ
نصفُ شهادة، فإذا شهِدتا صار مجموعُهما كشهادةِ ذَكرٍ؛ قاله سفيان بن عيينة وأبو
عمرو بن العلاء(٢). وفيه بعدٌ؛ إذْ لا يحصل في مقابلة الضَّلالِ الذي معناه النِّسيانُ
إلا الذِّكْر، وهو معنى قراءةِ الجماعة ((فَتُذَكِّرَ)) بالتشديد، أي: تنبِّهها إذا غَفلت
ونَسِيت(٣).
قلت: وإليها تَرجع قراءةُ أبي عمرو، أي: إنْ تنسَ إحداهما فتُذْكِرُها الأخْرَى؛
يقال: تَذَكَّرْتُ الشَّيءَ وأذْكَرْتُه غيرِي وذَكَّرْتُه بمعنَى، قاله في الصحاح(٤).
الثامنة والثلاثون: قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الثُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ قال الحسن:
جمعت هذه الآيةُ أمرين، وهما ألَّا تأبَى إذا دُعِيتَ إلى تحصيل الشهادة، ولا إذا
دُعِيتَ إلى أدائها؛ وقاله ابن عباس. وقال قتادة والربيعُ وابنُ عباس: أي: لِتَحَمُّلِها
وإثباتِها في الكتاب. وقال مجاهد: معنى الآيةِ إذا دُعِيتَ إلى أداء شهادةٍ وقد
حَصَلَتْ عندك. وأسند النَّقاشُ إلى النبيِّ وَ﴿ أنه فسَّر الآيةَ بهذا؛ قال مجاهد: فأما
إذا دُعِيتَ لتشهدَ أوَّلاً، فإن شئتَ فاذهبْ وإنْ شئتَ فلا؛ وقاله أبو مجلز وعطاء
وإبراهيم وابنُ جبير والسُّدِّيُّ وابن زيد وغيرُهم(٥).
وعليه فلا يجبُ على الشهود الحضورُ عند المتعاقدين، وإنما على المتداينَين
أَنْ يحضرا عندَ الشهود، فإذا حضراهم وسألاهم إثباتَ شهادتهم في الكتاب، فهذه
الحالة التي يجوزُ أنْ تراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الثُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ لإِثبات
الشهادةٍ، فإذا ثبتت شهادتُهم، ثم دُعُوا لإقامتها عند الحاكم، فهذا الدُّعاء هو
بحضورهما عندَ الحاكم، على ما يأتي.
(١) انظر السبعة ص١٩٤، والتيسير ص ٨٥.
(٢) قول سفيان أخرجه الطبري ٨٩/٥، وقول أبي عمرو ذكره الرازي في تفسيره ١٢٣/٧، وابن الجوزي
في زاد المسير ٣٣٨/١. وقال الزمخشري في الكشاف ٤٠٣/١: هي من بدع التفاسير.
(٣) انظر معاني القرآن للنحاس ٣١٨/١، والمحرر الوجيز ٣٨٢/١.
(٤) الصحاح (ذكر).
(٥) المحرر الوجيز ٣٨٣/١، وانظر معاني القرآن للزجاج ٣٦٥/١، ومعاني القرآن للنحاس ٣١٨/١،
وأخرج الأقوال السالفة الطبريُّ ٩٤/٥ - ١٠٠.

٤٥٣
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
وقال ابن عطية (١): والآيةُ كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب؛
فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحةُ لكثرة الشُّهود والأمن
من تعطل(٢) الحقِّ؛ فالمدعوُّ مَنْدُوبٌ، وله أنْ يَتَخَلَّف لأدنى عُذْر، وإن تخلَّف لغير
عذرٍ؛ فلا إِثْمَ عليه ولا ثوابَ له. وإذا كانت الضرورةُ وخِيفَ تعظُّلُ الحقِّ أدنى
خوفٍ؛ قَوِي النَّدب، وقرُبَ من الوجوب، وإذا علم أنَّ الحقَّ يذهب ويتلف بتأخّرٍ
الشَّاهدِ عن الشَّهادة، فواجبٌ عليه القيامُ بها، لا سيَّما إنْ كانت مُحَصَّلةً، وكان
الدعاءُ إلى أدائها، فإن هذا الظرفَ آكدُ؛ لأنها قِلادةٌ في العُنق، وأمانةٌ تقتضي
الأداء.
قلت: وقد يستلوح من هذه الآيةِ دليلٌ على أنَّ جائزاً للإمام أنْ يُقيمَ للناس
شهوداً، ويجعلَ لهم من بيت المال كفايتَهم، فلا يكون لهم شغلٌ إلا تحمُّلُ حقوقٍ
الناسِ حفظاً لها، وإن لم يكن ذلك ضاعت الحقوقُ وبطَلَت. فيكون المعنى
ولا يأبَ الشُّهداء إذا أخذوا حقوقَهم أنْ يُجيبوا. والله أعلم.
فإن قيل: هذه شهادةٌ بالأجرة؛ قلنا: إنما هي شهادةٌ خالصةٌ من قومٍ استوفَوا
حقوقَهم من بيت المال، وذلك كأرزاق القضاةِ والؤُلاةِ وجميع المصالح التي تَعِنُّ (٣)
للمسلمين، وهذا من جملتها. والله أعلم. وقد قال تعالى: ﴿وَأَلْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾.
[التوبة: ٦٠] ففَرَضَ لهم(٤).
التاسعة والثلاثون: لما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ دلَّ على أنَّ
الشاهدَ هو الذي يمشي إلى الحاكم، وهذا أمرٌ بُنِي عليه الشَّرعُ، وعُمِل به في كلِّ
زمانٍ، وفَهِمَته كلُّ أمة، ومن أمثالهم: في بَيْتِهِ يُؤتَى الحَكَمُ (٥) .
(١) في المحرر الوجيز ٣٨٣/١.
(٢) في (م): تعطيل.
(٣) قوله: تعِنُّ؛ من عنَّ الشيء عنوناً إذا ظهر أمامك واعترض. القاموس (عنن).
(٤) انظر القبس ٨٨٧/٣-٨٨٨.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٦/١، والمثل ورد في مجمع الأمثال ٧٢/٢، وجمهرة الأمثال ١٠١/٢،
والمستقصى في أمثال العرب ١٨٣/٢.

٤٥٤
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
الموفية أربعين: وإذا ثبت؛ هذا فالعبدُ خارجٌ عن جملة الشهداء، وهو يخصُّ
عمومَ قولهِ: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾؛ لأنه لا يمكنه أنْ يجيب، ولا يصحُّ له أنْ يأتيَ؛ لأنه
لا استقلالَ له بنفسه، وإنما يَتَصَرَّف بإذن غيرهِ، فانحظّ عن منصب الشهادةِ کما
انحظّ عن منزل الولاية. نعم! وكما انحطّ عن فرض الجمعةِ والجهاد والحج(١)،
على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى(٢) . .
الحادية والأربعون: قال علماؤنا: هذا في حال الدعاءِ إلى الشَّهادة. فأمّا من
كانت عنده شهادةٌ لرجل لم يعلمها مستحقُّها الذي ينتفعُ بها، فقال قوم: أداؤها
ندبٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ ففرَضَ الله الأداءَ عند الدعاء؛
فإذا لم يُدْع كان ندباً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((خير الشهداءِ الذي يأتي بشهادته
قبلَ أنْ يُسألها)) رواه الأئمة(٣).
والصَّحيحُ أنَّ أداءها فرضٌ وإنْ لم يُسْألها إذا خاف على الحقِّ ضياعه أو فَوْته،
أو بطلاق أو عتقٍ على من أقام على تصرفه على الاستمتاع بالزوجة واستخدامٍ
العبد؛ إلى غير ذلك، فيجبُ على من تحمَّلَ شيئاً من ذلك أداءُ تلك الشهادة.
ولا يَقِف أداؤها على أنْ تسألَ منه فيضيع الحقُّ؛ وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَدَةَ
لِلّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. وفي
الصحيح عن النبيِّ وَلجر: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً))(٤). فقد تعيَّن عليه نصرُه
بأداء الشهادةِ التي له عندَه إحياءً لحقِّه الذي أماتَه الإنكار(٥).
الثانية والأربعون: لا إشكالَ في أنَّ من وجبت عليه شهادةٌ على أحَدِ الأوْجُهِ
التي ذكرناها، فلم يؤدها أنها جُرحةٌ في الشاهد والشهادةِ؛ ولا فرقَ في هذا بينَ
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٧/١
(٢) عند تفسير الآية: (٩) من سورة الجمعة.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٠٤٠) ومسلم (١٧١٩) من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه.
(٤) سلف ذكره ٢٤٩/٣.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٧/١.

٤٥٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
حقوقِ اللهِ تعالى وحقوقِ الآدميّين؛ هذا قولُ ابنِ القاسم وغيره. وذهب بعضُهم إلى
أنَّ تلك الشهادةَ إنْ كانت بحقِّ من حقوق الآدميين كان ذلك جُرحةً في تلك الشهادةِ
نفسِها خاصةً، فلا يصلح له أداؤها بعد ذلك. والصحيح الأوَّلُ؛ لأنَّ الذي يُوجب
جرحتَه إنما هو فسقُه بامتناعه من القيام بما وجب عليه من غير عذر، والفسقُ يسلُب
أهليَّةَ الشهادةِ مطلقًا، وهذا واضح(١).
الثالثة والأربعون: لا تَعارُضَ بين قوله عليه الصلاة والسلام: ((خيرُ الشُّهداءِ
الذي يأتي بشهادته قبلَ أنْ يُسألَها)) وبين قوله عليه الصلاة والسلام في حديث
عِمرانَ بنِ حصين: ((إنَّ خيرَكم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم، الذين
يلونهم)) - ثم قال عمران: فلا أدري أقال رسولُ اللهِ وَله بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً -:
(ثم يكونُ بعدهم قومٌ يَشْهَدون ولا يُستشْهَدون، ويخونون ولا يُؤْتَمنون، ويَنْذِرون
ولا يُوفون، ويظهرُ فيهم السِّمَن)) أخرجهما الصحيحان(٢).
وهذا الحديثُ محمولٌ على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنْ يراد به شاهدُ الزُّور، فإنه يَشهَد بما لم يُستشهد، أي: بما لم
يتحمَّله، ولا حُمِّلَه. وذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة(٣) أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه
خطب بباب الجابية، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ وَالێ قام فينا کمقامي فیکم، ثم قال: ((یا
أيها الناس، اتقوا الله في أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو
الكذب وشهادةُ الزُّور».
الوجه الثاني: أنْ يُرادَ به الذي يحملُه الشّرَهُ على تنفيذ ما يشهدُ به، فيبادر
بالشهادة قبلَ أنْ يُسألها، فهذه شهادةٌ مردودةٌ؛ فإنَّ ذلك يدلُّ على هَوَى غالبٍ على
الشَّاهد.
(١) المفهم ٥/ ١٧٣ -١٧٤، وانظر إكمال المعلم ٥٧٨/٥-٥٧٩.
(٢) الحديث الأول لم يخرجه البخاري، وأخرجه مسلم (١٧١٩) من حديث زيد الجهني رضي الله عنه،
وسلف ذكره في المسألة الحادية والأربعين، والحديث الثاني أخرجه البخاري (٦٤٢٨)، ومسلم
(٢٥٣٥)، وهو عند أحمد (١٩٨٣٥).
(٣) في المصنف ١٢ / ١٧٧ .

٤٥٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
الثالث: ما قاله إبراهيمُ النخعِيُّ راوي طرقٍ بعضٍ هذا الحديث(١): كانوا
يَنْهَوْنَنا ونحن غلمان عن العهد والشَّهادات(٢).
الرابعة والأربعون: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُوْ أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيًّا إلَ
أَجَلِِّ﴾ (تَسْأَمُوا)) معناه تَمَلُّوا. قال الأخفش(٣): يقال سَئِمْتُ أَسْأَمُ سَأْمًا وسَآمَةً
وسَآَمَاً وسَأُمَةٌ(٤) وسَأَمًا؛ كما قال الشاعر(٥):
سَئِمْتُ تَكاليفَ الحياةِ ومَن يَعِشْ ثمانين حَوْلاً - لا أبا لك - يَسْأَمِ
((أَنْ تَكْتُبُوهُ)) في موضع نصب بالفعل(٦). ((صَغِيرًا أَوْ كَبِيراً)) حالان من الضمير
في (تَكْتُبُوهُ)) وقدَّم الصغير اهتماماً به. وهذا النهيُ عن السآمة إنما جاء لتردُّد المداينةِ
عندهم، فخيف عليهم أنْ يَمَلُّوا الكَتْب(٧)، ويقول أحدهم: هذا قليلٌ لا أحتاج إلى
گتْبِه؛ فأگَّد تعالى التحضيضَ(٨) في القليل والكثير. قال علماؤنا: إلا ما كان من
قيراط ونحوِه لنزارته وعدمٍ تشوُّفِ النَّفسِ إليه إقراراً وإنكاراً (٩).
الخامسة والأربعون: قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطْ عِندَ اللَّهِ﴾ معناه أعدل، يعني
أن يُكْتَبَ القليلُ والكثِير، ويُشْهَدَ عليه. ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ﴾، أي: أصحُ وأحفظ.
﴿وَأَدْنَ﴾ معناه أقرب. و﴿تَرْتَابُواْ﴾ تَشْكُّوا(١٠).
السادسة والأربعون: قوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهْدَةِ﴾ دليلٌ على أنَّ الشاهدَ إذا
(١) يعني حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ولم يذكره المصنف، وليس المراد حديث عمران وعمر
رضي الله عنهما المتقدمين كما يُفهم من السياق، وهذه الأوجه الثلاثة نقلها المصنف من المفهم
١٧٣/٥، وانظر الاستذكار ٢٧/٢٢، وإكمال المعلم ٧/ ٥٧٢.
(٢) أخرجه أحمد (٤١٣١)، والبخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣).
(٣) في معاني القرآن له ١/ ٣٩٠، وإعراب القرآن للنحاس ٣٤٦/١، وعنه نقل المصنف.
(٤) لفظة: سأمة، من (م)، ومعاني القرآن للأخفش ٣٩٠/١.
(٥) هو زهیر، والبيت في ديوانه ص٢٩ .
(٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٦/١.
(٧) المحرر الوجيز ٣٨٣/١.
(٨) في (خ) و(د) و(ز) و(ظ): التحصين، وفي (ف): التخصيص، والمثبت من (م).
(٩) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٧/١.
(١٠) انظر المحرر الوجيز ٣٨٣/١.

٤٥٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
رأى الكتابَ، ولم يذكر الشهادةَ لا يؤدّيها لِمَا دَخل عليه من الرِّيبة فيها، ولا يؤدِّي
إلَّا ما يَعْلم، لكنه يقول: هذا خطَّي، ولا أذكر الآنَ ما كتبتُ فيه (١). قال ابنُ
المنذر: أكثر مَن يُحفْظَ عنه من أهل العلمِ يَمنعُ أنْ يشهدَ الشَّاهدُ على خطّه إذا لم
يذكر الشهادة. واحتجّ مالك على جواز ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَآَ إِلَّا بِمَا
عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١].
وقال بعض العلماء: لمَّا نسب الله تعالى الكتابةَ إلى العدالة وسِعَهُ أنْ يَشهد
على خطِّه وإنْ لم يتذكَّر. ذكر ابن المبارك عن مَعْمَر، عن ابن طاوُس، عن أبيه في
الرجل يَشهدُ على شهادةٍ، فينساها، قال: لا بأسَ أنْ يشهد إنْ وجد علامتَه في
الصَّكّ أو خطَّ يده. قال ابن المبارك: استحسنتُ هذا جدًّا. وفيما جاءت به
الأخبار عن رسول اللهِ وَ ﴿ أنه حكم في أشياءَ غيرٍ واحدةٍ بالدلائل والشواهد، وعن
الرسل من قبله ما يدلّ على صحة هذا المذهب. والله أعلم (٢).
وسيأتي لهذا مزيدُ بيانٍ في ((الأحقاف)) إنْ شاء الله تعالى(٣).
السابعة والأربعون: قوله تعالى: ﴿إِلَّا أنْ تكونَ تجارةٌ حاضرةٌ تُدِيرُونها بينكم﴾
((أنْ)) في موضع نصب استثناءً ليس من الأوّل. قال الأخفش(٤): أي: إلَّا أنْ تقع
تجارةٌ، فكان بمعنى وقع وحدث. وقال غيره: ((تُديرونها)) الخبر. وقرأ عاصم
وحده: ((تِجَارَةً)) على خبر كان، واسمها مضمرٌ فيها(٥). ((حَاضِرَةً)) نعتٌ لتجارة،
والتقدير: إلا أنْ تكونَ التجارةُ تجارةً، أو: إلا أنْ تكونَ المبايعةُ تجارةً؛ هكذا
قدَّره مكّي(٦) وأبو عليّ الفارسيّ(٧)؛ وقد تقدَّم نظائره والاستشهاد عليه.
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٨/١.
(٢) انظر المدونة ١٤٥/٥، ومختصر اختلاف العلماء ٣٥٠/٣، والكافي ٢/ ٩١٥ - ٩١٦.
(٣) في تفسير الآية (٤) منها .
(٤) في (م): الأخفش أبو سعيد، وهو خطأ، وهو أبو الحسن سعيد، والكلام في معاني القرآن ٣٩٠/١،
وإعراب القرآن للنحاس ٣٤٦/١، وعنه نقل المصنف.
(٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٦/١، وانظر السبعة ص ١٩٤، والتيسير ص ٨٥.
(٦) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٣٢١.
(٧) في الحجة ٤٤١/٢.

٤٥٨
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
ولمَّا عَلِمَ الله تعالى مشقَّةَ الكتابِ عليهم، نصَّ على ترك ذلك ورفعِ الجُنَاحِ فيه
في كلِّ مبايعةٍ بنقد، وذلك في الأغلب إنما هو في قليلٍ، كالمطعوم ونحوِه، لا في
كثير، كالأملاك ونحوِها. وقال السُّدِّيّ والضَّحاك: هذا فيما كان يدًا بيد (١).
الثامنة والأربعون: قوله تعالى: ﴿تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ يقتضي التقابضَ والبينونةَ
بالمقبوض. ولمَّا كانت الرِّباع والأرضُ وكثيرٌ من الحيوان لا يقبلُ البينونةَ
ولا يغابُ(٢) عليه، حَسُن الكَتْبُ فيها، ولحقت في ذلك بمبايعة(٣) الدَّين؛ فكان
الكتابُ توثُّقاً لِما عسى أنْ يطرأَ من اختلاف الأحوالِ وتغيُّرِ القلوب. فأما إذا
تفاصلا في المعاملة وتقابضا، وبان كلُّ واحدٍ منهما بما ابتاعه من صاحبه، فيقلُّ
في العادة خوفُ التنازع إلا بأسباب غامضة. ونبّه الشرع على هذه المصالحِ في
حالتي النسيئةِ والنقدِ وما يغابُ(٤) عليه وما لا يغاب، بالكتاب والشهادة والرهن.
قال الشافعي: البيوع ثلاثة: بيعٌ بكتاب وشهود، وبيعٌ برِهان، وبيعٌ بأمانة؛ وقرأ
هذه الآية. وكان ابنُ عمر إذا باع بنقدٍ أَشهد، وإذا باع بنسيئة كتب(٥).
التاسعة والأربعون: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَا﴾ قال الطبريُّ: معناه وأشهِدوا
على صغير ذلك وكبيرِه(٦).
واختلف الناس هل ذلك على الوجوب أو الندب، فقال أبو موسى الأشعريُّ
وابن عمر والضخّاك وسعيد بنُ المسيِّب وجابر بنُ زيد ومجاهد وداود بنُ عليّ وابنه
أبو بكر: هو على الوجوب(٧)، ومِن أشدِّهم في ذلك عطاء، قال: أشْهِذْ إذا بِعت
وإذا اشتريتَ؛ بدرهم أو نصفِ درهم أو ثلثِ درهم، أو أقلّ من ذلك، فإن الله عزَّ
وجلَّ يقول: ﴿وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
(١) المحرر الوجيز ٣٨٣/١، وقول الضحاك أخرجه الطبري ١٠٦/٥.
(٢) في (خ) و(ظ): يعاب.
(٣) في (٥) و(ز) و(م): مبايعة، والمثبت من (خ) و(ظ)، والمحرر الوجيز ٣٨٣/١، والكلام منه.
(٤) في (ظ): يعاب، ومثله في الموضع الثاني.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٨/١-٢٥٩، وعنده: الشعبي بدل: الشافعي.
(٦) تفسير الطبري ١٠٩/٥، والمحرر الوجيز ٣٨٤/١، وعنه نقل المصنف.
(٧) المحرر الوجيز ٣٨٤/١، وانظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٠٩/٢، والإيضاح لناسخ القرآن
ومنسوخه ص ١٩٧ -١٩٨ .

٤٥٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
وعن إبراهيم قال: أشْهدْ إذا بعتَ وإذا اشتريت؛ ولو دَسْتَجَة بَقَالْ(١). وممن
كان يذهب إلى هذا ويرجِّحه الطبريُّ(٢)، وقال: لا يحلُّ لمسلم إذا باع وإذا اشترى
إلا أنْ يُشْهد، وإلا كان مخالفاً كتابَ اللهِ عزَّ وجل، وكذا إن كان إلى أجل فعليه أنْ
يكتُبَ ويُشْهدَ إنْ وجد كاتبًا .
وذهب الشَّعبي والحسن إلى أنَّ ذلك على النَّذْب والإرشاد، لا على الحَثْم.
ويُحكى أنَّ هذا قولُ مالكِ والشافعيّ وأصحاب الرأي(٣) .
وزعم ابنُ العربيّ(٤) أنَّ هذا قولُ الكافّة، قال: وهو الصحيح. ولم يُحكَ عن
أحد ممن قال بالوجوب إلا الضَّحاك(٥). قال: وقد باع النبيُّ ◌َّ، وكتَب. قال:
ونسخة كتابه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى العدَّاء بنُ خالد بن هوذةَ
من محمد رسولِ اللهِ وَ﴿، اشترى منه عبدًا - أو أمةً - لا داءَ ولا غائِلَةَ ولا خِبْئَة،
بیعَ المسلم المسلم(٦)). وقد باع، ولم يُشهد، واشترى، ورَهَن دِرعَه عند يهوديِّ،
ولم يُشهد. ولو كان الإشهاد أمراً واجبًا؛ لوجب مع الرهن لخوفِ المنازعة (٧).
(١) أخرج قول عطاء وإبراهيم أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (٢٦٢) (٢٦٣)، وقوله: دستجة: الحزمة،
معرب. القاموس. (دستج).
(٢) في تفسيره ١١١/٥، والناسخ والمنسوخ للنحاس ١١١/١، وعنه نقل المصنف.
(٣) الناسخ والمنسوخ للنحاس ١٠٩/١-١١٢، وقول الشعبي والحسن أخرجه الطبري ١٠٩/٥-١١٠.
(٤) في أحكام القرآن ٢٥٨/١.
(٥) أخرجه الطبري ٩٩/٥ - ١٠٠ .
(٦) في (د): للمسلم.
(٧) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٨/١-٢٥٩، وحديث العدَّاء علقه البخاري قبل حديث (٢٠٧٩)، ووصله
الترمذي (١٢١٦)، وابن ماجه (٢٢٥١)، ووقع عند البخاري أن النبي صل* هو المشتري، قال الحافظ في
تغليق التعليق: قد تتبعت طرق هذا الحديثِ فاتفقت كلُّها على أن العداء هو المشتري، وأن النبي ◌َ ◌ّر هو
البائع، وهو بخلاف ما علقه البخاري، وقد تؤوِّل، قال القاضي عياض: ما وقع في البخاري من ذلك بأن
البخاري ذكره بالمعنى على لغة من يُطلق اشترى مكان باع، وباع مكان اشترى، قال الحافظ: وهو تأويلٌ
متكلف. وقوله: لا داء، هو العيب الباطن في السلعة الذي لم يطلع عليه المشتري. النهاية (دوا).
وحديث رهن درعه ل# عند يهودي أخرجه أحمد (٢٤١٤٦)، والبخاري (٢٠٦٨)، ومسلم (١٦٠٣)،
من حديث عائشة رضي الله عنها، وأخرجه أيضاً أحمد (١٢٣٦٠)، والبخاري (٢٠٦٩) من حديث أنس
رضي الله عنه.

٤٦٠
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
قلت: قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك. وحديثُ العدَّاء هذا أخرجه
الدّار قطنيُّ وأبو داود(١). وكان إسلامه بعد الفتح وحُنَين، وهو القائل: قاتلنا
رسول الله وَ﴿ يوم حُنَيْن، فلم يُظهِرنا الله، ولم ينصرْنا، ثم أسلم، فحسن إسلامُه.
ذكره أبو عمر (٢)، وذكر حديثه هذا، وقال في آخره: قال الأصمعيّ: سألت سعيد بنَ
أبي عروبة عن الغائلة، فقال: الإباق والسرقة والزنا، وسألته عن الخِيْئَة فقال: بيعُ
أهل عهد المسلمين .
وقال الإمام أبو محمد بن عطية(٣): والوجوب في ذلك قَلِقٌ، أمّا في الدّقَائِق
فصعبٌ شاقٌ، وأما ما كثُر فربما يقصِدُ التاجرُ الاستئلافَ بترك الإشهاد، وقد يكونُ
عادةً في بعض البلاد، وقد يَسْتَخيي من العالم والرجل الكبيرِ الموقّرِ فلا يُشهدُ
عليه؛ فيدخل ذلك كلُّه في الائتمان، ويبقى الأمر بالإشهاد ندباً؛ لما فيه من
المصلحة في الأغلب؛ ما لم يقع عذرٌ يمنع منه كما ذكرنا.
وحكى المهدوِيُّ والنحاسُ ومكيٍّ عن قوم أنهم قالوا: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا
تَبَايَعْتُمْ﴾ منسوخٌ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضَا﴾(٤).
وأسنده النحاس(٥) عن أبي سعيد الخدريِّ، وأنه تلا ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى
أٌؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾، قال: نَسَخَتْ هذه الآيةُ ما قبلها.
قال النحاس: وهذا قول الحسنِ والحگم وعبد الرحمن بنٍ زید.
قال الطبريُّ(٦): وهذا لا معنى له؛ لأنَّ هذا حكمٌ غير الأوّل، وإنما هذا حُكْمُ
مّن لم يجدْ كاتباً، قال الله عزَّ وجل: ﴿وَإِن كُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَِبًا فَرِهَانٌ
(١) سنن الدارقطني ٣/ ٧٧، ولم نقف عليه في سنن أبي داود.
(٢) في الاستيعاب بهامش الإصابة ٩/ ٧٤.
(٣) في المحرر الوجيز ٣٠٤/١.
(٤) الناسخ والمنسوخ ١١١/٢، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص١٩٦، والمحرر الوجيز ٣٠٤/١،
وعنه نقل المصنف.
(٥) في الناسخ والمنسوخ ١١١/٢، وأخرجه أيضاً ابن ماجه (٢٣٦٥).
(٦) في تفسيره ٧٨/٥- ٨٠ ١١١، والناسخ والمنسوخ ٢١٢/٢، وعنه نقل المصنف.