النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سورة البقرة : الآية ٢٨١ قوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اَللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ قيل: إن هذه الآيةَ نزلت قبل موت النبيِّ وَّهِ بتسع ليالٍ، ثمَّ لم ينزلْ بعدها شيءٌ؛ قاله ابن جُريج. وقال ابن جُبير ومقاتلٌ: بسبع ليال. ورُوي: بثلاث ليال. ورُوي أنها نزلت قبل موته بثلاث ساعات، وأنه عليه الصلاة والسلام قال: ((اجعلوها بين آية الرِّبا وآية الدَّيْن)). وحكى مكِّي أن النَّبيَّ ◌َّهِ قال: ((جاءني جبريلُ، فقال: اجعلها على رأس مئتين وثمانين آية))(١). قلت: وحكى عن أبيٍّ بن كعب وابن عباس وقتادة أن آخر ما نزل: ﴿لَقَدْ ◌َكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخر الآية(٢). والقولُ الأوَّلُ أعرفُ وأكثر وأصحُ وأشهر. ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال: آخِرُ ما نزل من القرآن: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فقال جبريل للنبيِّ وَلِهِ: ((يا محمدُ، ضعها على رأسٍ ثمانين ومئتين من البقرة))(٣). ذكره أبو بكر الأنباريُّ في كتاب ((الردّ)) له، وهو قول ابن عمر رضي الله عنه: أنها آخِرُ ما نزل، وأنه عليه الصلاة والسلام عاش بعدها أحداً وعشرين يوماً، على ما يأتي بيانُه في آخرِ سورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾ إن شاء الله تعالى(٤) . والآيةُ وعظٌ لجميع الناس وأمرٌ يخصُّ كلَّ إنسان. و((يَوْمًا)) منصوبٌ على (١) المحرر الوجيز ٣٧٨/١، والحديث الأول لم نقف على تخريجه، والثاني سيأتي لاحقاً. (٢) أخرجه أحمد (٢١١١٣)، والحاكم ٣٣٨/٢ وصححه، وهو من حديث ابن عباس، عن أبي بن كعب. (٣) أخرجه الفراء في معاني القرآن ١٨٣/١، وفي إسناده الكلبي عن أبي صالح، نقل الذهبي في الميزان ٥٥٧/٣ عن البخاري، أن الكلبي قال لسفيان: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب، وذكره الزمخشري في الكشاف ١/ ٤٠٢. (٤) وسيذكر المصنف حديث ابن عمر هناك بتمامه، وانظر الكشاف ١/ ٤٠٢. ٤٢٢ سورة البقرة : الآية ٢٨١ المفعول لا على الظرف. ﴿تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ مِن نعته. وقرأ أبو عمرو بفتح التاء وكسر الجيم؛ مثل: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ (١) [الغاشية: ٢٥]، واعتباراً بقراءة أبيٍّ: (يوم تَصيرون فيه إلى الله))(٢). والباقون بضم التاء وفتح الجيم؛ مثل: ﴿ثُمَّ رُدُّوَا إِلَى اٌللَّهِ﴾ [الأنعام: ٦٢]. ﴿وَلَيِن رُّدِدْتُ إِلَى رَةٍ﴾(٣) [الكهف: ٣٦]، واعتباراً بقراءة عبد الله: ((يوماً تردون فِيهِ إلى اللهِ))(٤). وقرأ الحسن: يُرجَّعون بالياء، على معنى: يرجع جميع الناس. قال ابن جِني(٥): كأنَّ الله تعالى رَفَق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرجعة، إذ هي مما تنفطر لها القلوب، فقال لهم: ﴿وَأَنَّقُواْ يَوْمًا﴾، ثم رجع في ذكر الرجعةِ إلى الغيبة رِفْقًا بهم. وجمهورُ العلماء على أن هذا اليومَ المحذَّرَ منه هو يومُ القيامة والحسابِ والتوفية. وقال قوم: هو يوم الموت. قال ابن عطية (٦): والأوَّلُ أصحُ بحكم الألفاظ في الآية. وفي قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ مضافٌ محذوف، تقديره إلى حُكْم الله وفصلٍ قضائه. ((وَهُمْ)) ردٌّ على معنى ((كُلُ) لا على اللفظ، إلَّا على قراءة الحسن: ((يُرجعون)) فقوله: ((وهم) ردٌّ على ضمير الجماعة في (يُرجعون)). وفي هذه الآية نصّ على أن الثواب والعقاب متعلّقٌ بكسب الأعمال، وهو ردّ على الجَبْرِيَّة، وقد تقدَّم (٧). (١) المحرر الوجيز ٣٧٨/١، وقراءة أبي عمرو في السبعة ص١٩٣، والتيسير ص ٨٥. (٢) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٤٠٢/١، وأبو حيَّان في البحر المحيط ٣٤١/٢. (٣) المحرر الوجيز ٣٧٨/١، والحجة للفارسي ٤١٧/٢. (٤) ذكرها الزمخشري في الكشاف ٤٠٢/١، وأبو حيّان في البحر ٣٤١/٢، ونسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٨، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧٨/١ لأبي بن كعب رضي الله عنه. (٥) المحتسب ١٤٥/١ - وقيدها بضم الياء - ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٧٨/١. (٦) المحرر الوجيز ٣٧٨/١. (٧) ٤١٤/٢. ٤٢٣ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُمُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَأَكْتُبُوا وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَتِبُ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنِ كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانٍ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَىَّ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَتَمُواْ أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًّا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطْ عِندَ اَللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْفَ أَلَّا تَرْتَابُوَاْ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَاً وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمَّ وَلَا يُضَارُّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ. فيه اثنتان وخمسون مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ﴾ الآية. قال سعيد بنُ المسيّب: بلغني أنَّ أحدثَ القرآنِ بالعرش آيةُ الدَّيْن. وقال ابن عباس: هذه الآيةُ نزلت في السَّلَم خاصة. معناه أنَّ سَلَمَ أهلِ المدينةِ كان سببَ الآيةِ، ثم هي تتناول جميعَ المدايناتِ إجماعاً (١). وقال ابنُ خُویزمنداد: إنها تضمنت ثلاثین حکماً، وقد استدلَّ بھا بعضُ علمائنا على جواز التأجيلٍ في القروض، على ما قال مالك، إذْ لم يفصل بين القرضٍ وسائرِ العقودِ في المداينات. وخالف في ذلك الشافعيةُ، وقالوا: الآية ليس فيها جوازُ التأجيلِ في سائر الديون، وإنما فيها الأمرُ بالإشهاد إذا كان دَيْناً مؤجَّلاً، ثم يُعلم بدلالةٍ أخرى جوازُ التأجيلِ في الدَّين وامتناعُه (٢). (١) المحرر الوجيز ٣٧٨/١، وقول كل من ابن المسيب وابن عباس أخرجهما الطبريُّ ٦٨/٥، ٧٠. (٢) انظر أحكام القرآن للكيا ٢٣٩/١. ٤٢٤ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ الثانية: قوله تعالى: ﴿بِدَيْنٍ﴾ تأكيد، مثلُ قوله (١): ﴿وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾. [الأنعام: ٣٨]، ﴿فَسَجَدَ الْمَلَبِّكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [ص: ٧٣]. وحقيقةُ الدَّيْنِ عبارةٌ عن كلِّ معاملةٍ، كان أحدُ العِوضين فيها نقداً والآخرُ في الذّمّة نسيئَةً، فإنَّ العَيْنَ عند العربِ ما كان حاضراً، والدَّيْنَ ما كان غائباً؛ قال الشاعر: وَعَدَتْنا بِدْهَمَيْنَا طِلاءٌ وشِواءً معجَّلاً غيرَ دَيْنٍ(٢) وقال آخر(٣): إذا لم تَرمٍ بي في الحُفْرَتَّيْنِ لِتَرْمٍ بِيَ المَنايَا حيثُ شاءتْ فذاك الموتُ نَقْداً غيرَ دَيْنِ إذا ما أَوْقَدوا حطباً وناراً وقد بيَّن الله تعالى هذا المعنى بقوله الحقّ: ﴿إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى﴾. الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى﴾ قال ابن المنذر: دلَّ قول الله: ﴿إِلَى أَجَلٍ تُسَنَى﴾ على أنَّ السَّلَمَ إلى الأجل المجهولِ غيرُ جائز، ودَلَّت سنةُ رسولِ اللهِ وَّرِ على مثلِ معنى كتابِ الله تعالى؛ ثبت أنَّ رسولَ الله وَله قدِم المدينةَ وهم يُسلِفون(٤) في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله وَلافيه: ((من أسلفَ في تمرٍ فليُسلِفْ في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلوم إلى أجلٍ معلوم)) رواه ابن عباس. أخرجه البخاريُّ ومسلم وغيرهما (٥). وقال ابن عمر: كان أهلُ الجاهليةِ يتبايعون لَحم الجَزُورِ إلى حَبَل الحَبَلَة. وحَبَلُ الحَبَلَةِ: أنْ تُنْتَجَ الناقةُ، ثم تَحمِلَ التي نُتِجت. فنهاهم رسول الله مَّر عن ذلك (٦). (١) لفظة: قوله، من (م). (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢٤٧/١، والبيت قاله الأُقَيشر، وهو في الأغاني ١١/ ٢٦٢ بلفظ: .. أو طلاءٌ معجَّلاً غيرَ دَينٍ وعدَتْنا بدرهمين نبيذاً (٣) لم نقف على قائله. (٤) في (م): يستلفون. (٥) صحيح البخاري (٢٢٣٩)، وصحيح مسلم (١٦٠٤)، وهو عند أحمد (١٨٦٨). (٦) أخرجه أحمد (٥٤٦٦)، والبخاري (٢٢٥٦)، ومسلم (١٥١٤). ٤٢٥ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ وأجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ السَّلَمَ الجائزَ أنْ يُسلِمَ الرجلُ إلى صاحبه في طعام معلوم موصوف، من طعام أرض عامّة لا يخطئ مثلها، بكيل معلوم، إلى أجلٍ معلوم، بَدنانيرَ أو دراهمَ معلومةٍ، يدفع عن ما أسْلَم فيه قبل أنْ يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه، وسَمَّيا المكان الذي يُقْبَض فيه الطعام. فإذا فعلا ذلك، وكان جائزً الأمر، كان سَلَماً صحيحاً لا أعلم أحداً من أهل العلم يُبطله. قلت: وقال علماؤنا: إنَّ السَّلَمَ إلى الحَصاد والجَذَاذ والتَّيْروز والمِهْرَجَان جائز، إذْ ذاك يَختصُّ بوقت وزمنٍ معلوم(١). الرابعة: حدّ علماؤنا رحمة الله عليهم السَّلَم فقالوا: هو بيعُ معلوم في الذمّة محصورٍ بالصفة بعَيْن حاضرةٍ، أو ما هو في حكمها، إلى أجلٍ معلوم. فتَقْيِيدُه بمعلوم في الذمّة يُفِيد التحرُّزَ من المجهول، ومن السَّلَم في الأعيان المعيَّنة؛ مثلُ الذي كانوا يستلفون في المدينة حين قَدِم عليهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام، فإنهم كانوا يستلفون في ثمار نخيلٍ بأعيانها؛ فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغَرَر، إذْ قد تُخْلِف تلك الأشجارُ، فلا تُثْمِرُ شيئاً . وقولُهم: مَخْصُور بالصّفة؛ تحرُّزٌ عن المعلوم على الجملة دون التفصيل، كما لو أسْلَم في تمر أو ثيابٍ أو حيتان، ولم يبيِّن نوعَها ولا صفتَها المعيّنة. وقولهم: بعَيْن حاضِرَة؛ تحرّزٌ من الدَّيْن بالدَّيْن. وقولُهم: أو ما هو في حكمها؛ تحرّزٌ من اليومين والثلاثةِ التي يجوز تأخيرُ رأسٍ مالِ السَّلَمِ إليه، فإنه يجوز تأخيرُه عندنا ذلك القَدْر، بشرط ويغير شرطٍ لقرب ذلك، ولا يجوز اشتراطُه عليها. ولم يُجِز الشافعيُّ ولا الكوفيُّ تأخيرَ رأسِ مالٍ السَّلَم عن العقد والافتراق، ورأوا أنه كالصَّرف. ودليلُنا أنَّ البابين مختلفان بأخصِّ أوصافِهما، فإن الصَّرفَ بابُه ضَيِّقٌ كثُرت فيه الشروطُ بخلاف السّلَمِ، فإنَّ شوائبَ المعاملاتِ عليه أكثر. والله أعلم. (١) انظر المدونة ١٥٨/٤، والمعونة ٩٨٩/٢. ٤٢٦ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ وقولهم: إلى أجل معلوم؛ تحرّزٌ من السَّلَم الحالّ، فإنه لا يجوز على المشهور (١) وسيأتي. ووصفُ الأجلِ بالمعلوم تحرُّزٌ من الأجل المجهولِ الذي كانوا في الجاهلية يُسلمون إليه(٢). الخامسة: السَّلَم والسَّلَفُ عبارتان عن معنى واحدٍ، وقد جاء في الحديث؛ غير أنَّ الاسم الخاصَّ بهذا البابِ: السَّلَم؛ لأنَّ السَّلَفَ يقال على القرض. والسَّلَم بيعٌ من البيوع الجائزةِ بالاتّفاق، مستثنى من نهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع ما ليس عندك (٣). وأرخصَ في السّلَم؛ لأنَّ السَّلَمَ لَمَّا كان بيعَ معلومٍ في الذِّمة كان بيعَ غائبٍ تدعو إليه ضرورةُ كلِّ واحدٍ من المتبايعين؛ فإنَّ صاحب رَأسِ المالِ محتاجٌ إلى أنْ يشتريَ الثمرة، وصاحبَ الثمرةِ محتاجٌ إلى ثمنها قبل إيَّانها ليُنْفِقَه عليها، فظهر أنَّ بيع السَّلَم من المصالح الحاجيَّة، وقد سمّاه الفقهاء بيعَ المحاويج، فإنْ جاز حالاً بطلت هذه الحكمةُ، وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن الاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة. والله أعلم (٤). السادسة: في شروط السَّلَمِ المتفَقِ عليها والمختلَفِ فيها، وهي تسعة: ستةٌ في المُسْلَم فيه، وثلاثةٌ في رأس مالِ السَّلَم. أمّا الستةُ التي في المُسلّم فيه: فأنْ يكونَ في الذمَّة، وأنْ يكونَ موصوفاً، وأنْ يكونَ مقدَّراً، وأنْ يكونَ مؤجَّلاً، وأنْ يكونَ الأجل معلوماً، وأنْ يكونَ موجوداً عند محلِّ الأجل. وأما الثلاثةُ التي في رأس مال السَّلَم: فأنْ يكون معلومَ الجنس مقدَّراً، نقداً. وهذه الشروط الثلاثةُ التي في رأس المالِ متفقٌ عليها إلا النقدَ حسب ما تقدَّم. قال ابنُ العربيّ(٥): وأمّا الشرط الأوَّلُ وهو أنْ يكونَ في الذمة فلا إشكالَ في (١) من قوله: ولم يُجز الشافعي ولا الكوفي ... إلى قوله: والله أعلم، وقع في (ف) في هذا الموضع. (٢) المفهم ٥١٤/٤، و٥١٧، وانظر المنتقى ٢٩٧/٤، والمغني ١٤/ ٢٠٤. (٣) أخرجه أحمد (٦٦٢٨) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. (٤) المفهم ٥١٤/٤ و٥١٦. (٥) في القبس ٨٣٢/٢-٨٣٣، وما قبله منه. ٤٢٧ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ أنَّ المقصودَ منه كونُه في الذمة؛ لأنه مُدَايَنَة، ولولا ذلك لم يُشرَعْ دینًا، ولا قَصَدَ الناسُ إليه ربحاً ورفقاً. وعلى ذلك القولِ اتفق الناس. بَيْد أنَّ مالكاً قال: لا يجوز السَّلَمُ في المعيَّن إلا بشرطين: أحدُهما: أنْ يكونَ قريةً مأمونة. والثاني: أنْ يشرعَ في أخذه كاللبن من الشاة والرُّطبِ من النخلة، ولم يقل ذلك أحدٌ سواه. وهاتان المسألتان صحيحتان في الدليل؛ لأنَّ التعيينَ امتنع في السَّلَم مخافةً المُزَابَنَة والغَرَر؛ لئلا يتعَذَّر عند المحلّ. وإذا كان الموضعُ مأموناً لا يتعذر وجودٌ ما فيه في الغالب جاز ذلك؛ إذ لا يُتَيَقَّن ضمانُ العواقبِ على القطع في مسائل الفقه؛ ولا بدَّ من احتمال الغَرَرِ اليسير، وذلك كثيرٌ في مسائل الفروع، تَعدادها في کتب المسائل. وأمَّا السَّلَم في اللبن والرُّطبِ مع الشروعِ في أخذه فهي مسألةٌ مَدَنِيَّة اجتمع عليها أهلُ المدينة، وهي مبنيةٌ على قاعدة المصلحة؛ لأنَّ المرءَ يحتاج إلى أخذ اللبنِ والرُّطَبِ مُيَاوَمَةٌ، ويشقُّ أنْ يأخذَ كلَّ يوم ابتداءً؛ لأنَّ النقدَ قد لا يحضره، ولأنَّ السعرَ قد يختلف عليه، وصاحب النخل واللبنِ محتاجٌ إلى النقد؛ لأنَّ الذي عنده عُروضٌ لا يتصرَّف له. فلما اشتركا في الحاجة رخّص لهما في هذه المعاملة قياساً على العَرَايَا وغيرِها من أصول الحاجاتِ والمصالح. وأمّا الشرط الثاني - وهو أنْ يكونَ موصوفاً - فمتفقٌ عليه، وكذلك الشرطُ الثالث. والتقدير يكونُ من ثلاثة أوجه: الكيل، والوزنُ، والعدد، وذلك يَنْبَني على العُرْف، وهو إمّا عرفُ الناسِ، وإمّا عرفُ الشرع. وأما الشرط الرابع - وهو أنْ يكونَ مؤجَّلاً - فاختلف فيه، فقال الشافعيّ: يجوز السَّلَم الحالُّ، ومنعه الأكثرُ من العلماء. قال ابن العربيّ(١): واضطربت المالكية في تقدير الأجلٍ حتى ردُّوه إلى يوم؛ (١) في القبس ٨٣٤/٢، وما قبله منه. ٤٢٨ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ حتى قال بعضُ علمائنا: السَّلَم الحالُّ جائز. والصحيحُ أنه لا بدَّ من الأجل فيه؛ لأنَّ المبيعَ على ضربين: معَجَّل وهو العين، ومؤجَّل. فإن كان حالًا ولم يكن عند المُسْلَم إليه فهو من باب: بيع ما ليس عندك، فلا بدَّ من الأجل حتى يَخْلُصَ كلُّ عقدٍ على صفته وعلى شروطه، وتتنزَّلُ الأحكامُ الشرعية منازلَها. وتحديدُه عند علمائنا مدَّة تختلف الأسواق في مثلها. وقولُ الله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى﴾ وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((إلى أجل معلوم)) يُغني عن قول كلِّ قائل. قلت: الذي أجازه علماؤنا من السَّلَم الحالِّ ما تختلفُ فيه البلدان من الأسعار، فيجوز السَّلَم فيما كان بينه وبينه يومٌ أو يومان أو ثلاثة. فأمَّا في البلد الواحد فلا؛ لأنَّ سعرَه واحد، والله أعلم(١) . وأمّا الشرط الخامسُ وهو أنْ يكونَ الأجلُ معلوماً فلا خلافَ فيه بين الأمة، لوصف الله تعالى ونبيِّه الأجلَ بذلك. وانفرد مالكٌ دون الفقهاءِ بالأمصار بجواز البيعِ إلى الجَذَاذ والحصاد؛ لأنه رآه معلوماً. وقد مضى القولُ في هذا عند قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَمِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩](٢). وأما الشرط السادس - وهو أنْ يكونَ موجوداً عن المحلِّ - فلا خلاف فيه بين الأمة أيضاً؛ فإن انقطع المبيع عند محلِ الأجلِ بأمرٍ من الله تعالى؛ انفسخ العقد عند كافة العلماء(٣). السابعة: ليس من شرط السَّلَم أنْ يكونَ المُسْلَمُ إِليه مالكاً للمسْلَم فيه؛ خلافاً لبعض السّلَف، لما رواه البخاري عن محمد بن المُجَالِد قال: بعثني عبد الله بنُ شدَّاد وأبو بُرْدَةً إلى عبد الله بن أبي أوْفَى، فقالا: سله، هل كان أصحابُ النبيِّ وَاهـ في عهد النَّبِي ◌َّه يُسْلفون في الحنطة؟ فقال عبد الله: كنا نُسْلِف نَبِيط أهلِ الشام في الحنطة والشعيرِ والزيت في كيلٍ معلومٍ إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصلُه عنده؟ قال: ما كنا نسألُهم عن ذلك. ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بنٍ أَبْزَى، فسألته (١) انظر المفهم ٥١٥/٤-٥١٦. (٢) ٢٣٢/٣. (٣) القبس ٢/ ٨٣٤. ٤٢٩ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ فقال: كان أصحابُ النَّبِيِّ وَّهِ يُسْلِفون على عهد النبيَّ نَّهِ، ولم نسألهم ألهم حرثٌ أم لا(١)؟. وشرطَ أبو حنيفة وجودَ المُسْلَم فيه من حين العقدِ إلى حين الأجل، مخافةَ أنْ يُظْلَبَ المُسْلَمُ فيه فلا يوجد، فيكون ذلك غَرَراً، وخالفه سائر الفقهاء وقالوا : المُرَاعَى وجودُه عند الأجل. وشرط الكوفيون والثوريُّ أنْ يَذكرَ موضع القبضٍ فيما له حملٌ ومؤنٌ، وقالوا: السَّلَم فاسد إذا لم يذكر موضعُ القبض. وقال الأوزاعيّ: هو مكروه. وعندنا لو سكتوا عنه لم يفسُد العقد، ويتعيَّن موضعُ القبض، وبه قال أحمد وإسحاقُ وطائفةٌ من أهل الحديث؛ لحديث ابنِ عباس(٢)، فإنه ليس فيه ذكرُ المكانِ الذي يُقبض فيه السَّلَم، ولو كان من شروطه لبيَّنْه النبيُّ وَ ﴿ كما بيَّن الكيلَ والوزنَ والأجل، ومثلُه حديثُ ابنِ أبِي أَوْفى (٣). الثامنة: روى أبو داود عن سعد - يعني الطائي - عن عطية بن سعد، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: ((مَنْ أَسْلف في شيء فلا يَصْرِفْه إلى غيره))(٤). قال أبو محمد عبدُ الحق: عطية(٥) هو العَوْفِيُّ، ولا يحتج أحد بحديثه، وإن كان الأجِلَّة قد رَوَوْا عنه(٦). (١) صحيح البخاري (٢٢٤٤-٢٢٤٥)، وهو عند أحمد (١٩٣٩٦) بنحوه، وقوله: نبيط؛ هم جيلٌ معروف كانوا ينزلون بالبطائح بين العراقين. النهاية (نبط). (٢) سلف ذكره في المسألة الثالثة. (٣) انظر اختلاف الفقهاء ص ٩٨، ومختصر اختلاف العلماء ٩/٣، والاستذكار ٢٢/٢٠، والمغني ٦/ ٤٠٧ و٤١٤، وحديث ابن أبي أوفى تقدم أول المسألة. (٤) سنن أبي داود (٣٤٦٨)، وأخرجه أيضاً الترمذي في العلل ١/ ٥٢٤، وابن ماجه (٢٢٨٣)، قال الحافظ في التلخيص ٢٥/٣: أعله أبو حاتم ٢٨٧/١، والبيهقي ٦/ ٣٠ وعبد الحق وابن القطان بالضعف والاضطراب. (٥) في (د) و(ز) و(ظ) و(م): عبد الحق بن عطية، وهو خطأ. (٦) الأحكام الوسطى ٢٧٨/٣ . ٤٣٠ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ قال مالك: الأمر عندنا فيمن أسلف(١) في طعام بسعر معلوم إلى أجلٍ مسمَّى، فحلَّ الأجل، فلم يجد المُبتاعُ عند البائع وفاءً مما ابتاعه منه فأقاله، أنه لا ينبغي له أنْ يأخذَ منه إلّا ورِقَه أو ذَهَبَه أو الثمنَ الذي دفع إليه بعينه، وأنه لا يشتري منه بذلك الثمنِ شيئاً حتى يَقِضَه منه، وذلك أنه إذا أخذ غيرَ الثمنِ الذي دفع إليه، أو صرفه في سلعة غيرِ الطعام الذي ابتاعه منه، فهو بيعُ الطعام قبل أن يستوفى. قال مالك: وقد نهى رسولُ اللهِ وَّهِ عن بيع الطعام قبل أنْ يستوفىَ (٢). التاسعة: قوله تعالى: ﴿فَأَكْتُبُوهُ﴾ يعني الدَّيْنَ والأجل. ويقال: أمر بالكتابة، ولكن المراد الكتابةُ والإشهاد؛ لأنَّ الكتابةَ بغير شهودٍ لا تكون حُجة. ويقال: أُمِرنا بالكتابة؛ لكيلا ننْسی. وروى أبو داود الطيالسيُّ في مسنده عن حمّاد بنِ سَلَمة، عن عليّ بنِ زيد، عن يوسف بنِ مهران، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّهِ وَل﴿ في قول اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَأَكْتُبُوهُ﴾ إلى آخر الآية: ((إنَّ أوَّلَ من جَحد آدمُ عليه السلام، إنَّ اللهَ أَراه ذرِّيَّتَه، فرأى رجلاً أزهرَ ساطعاً نورُه، فقال: يا ربِّ، مَنْ هذا؟ قال: هذا ابنُك داود، قال: يا ربِّ، فما عمرُه؟ قال: ستون سنةً، قال: يا ربِّ، زذه في عمره، فقال: لا، إلا أنْ تزيدَه من عمرك، قال: وما عُمري؟ قال: ألفُ سنةٍ، قال آدم: فقد وهبتُ له أربعين سنةً، قال: فكتب الله عليه كتاباً وأَشهد عليه ملائكته، فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة، قال: إنه بقي من عمري أربعون سنة، قالوا: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما وهبتُ لأحدٍ شيئاً، قال: فأخرج الله تعالى الكتابَ، وشهِد عليه ملائكتُه)(٣). في رواية: وأتمَّ لداودَ مئةَ سنةٍ ولآدم عمره ألف سنة. خرَّجه الترمذيُّ أيضاً (٤). (١) في (د) و(ظ): سلف. (٢) الموطأ ٦٤٤/٢، والاستذكار ٢٤/٢٠. (٣) مسند الطيالسي (٢٦٩٢)، وهو عند أحمد (٢٢٧٠)، وفي إسناده علي بنُ زيد بن جُدعان، وهو ضعيف. التقريب ص ٣٤٠، وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي (٣٠٧٦)، (٣٣٢٨)، وابن حبان (٦١٦٧). (٤) في سننه (٣٣٢٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد ذُكر في التعليق قبله. ٤٣١ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ وفي قوله: ((فاكتبوه)) إشارةٌ ظاهرةٌ إلى أنه يكتبُه بجميع صفتِه المبيِّنةِ له المُعْرِبة عنه؛ للاختلاف المتوهّم بين المتعاملِين، المعرِّفة للحاكم ما یحكم به عند ارتفاعهما إليه. والله أعلم (١). العاشرة: ذهب بعضُ الناسِ إلى أنَّ كتْبَ الديونِ واجبٌ على أربابها، فرضٌ بهذه الآية، بيعاً كان أو قرضاً؛ لئلا يقعَ فيه نسيانٌ أو جُحود، وهو اختيارُ الطبريّ(٢). وقال ابن جُريج: مَن ادَّانَ فليكتب، ومَن باع فليُشهِد. وقال الشَّعبيُّ: كانوا يَرَوْن أنَّ قوله: ((فَإِنْ أَمِنَ)» ناسخٌ لأمره بالكتب. وحكى نحوَه ابن جُرَيج، وقاله ابن زيد، ورُوي عن أبي سعيد الخدري. وذهب الرَّبيع إلى أنَّ ذلك واجبٌ بهذه الألفاظ، ثم خفّفَه الله تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا﴾ . وقال الجمهور: الأمر بالكَتْب ندبٌ إلى حفظ الأموالِ وإزالةِ الرّيب، وإذا كان الغريمُ تَقِيًّا فما يضرُّه الكتاب، وإن كان غيرَ ذلك فالكتب(٣) ثَقَافٌ(٤) في دينه وحاجة صاحبٍ الحقِّ. قال بعضهم: إنْ أشهدتَ فَحَزْمٌ، وإن ائتَمَنْتَ ففي حِلِّ وسَعةٍ. ابن عطية(٥): وهذا هو القولُ الصحيح. ولا يترتب نسخٌ في هذا؛ لأنَّ اللهَ تعالى ندَبَ إلى الكتاب فيما للمرء أنْ يهبَه ويتركّه بإجماع، فندْبُه إنما هو على جهة الحَيْطةِ للناس. الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاِبُ بِاَلْعَدْلِ﴾ قال عطاء وغيره: واجبٌ على الكاتب أن يكتب؛ وقاله الشعبيُّ، وذلك إذا لم يوجد كاتبٌ سواه، فواجبٌ عليه أنْ يكتب. السُّدي: واجبٌ مع الفَرَاغ(٦). وحُذفت اللام من (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٤٨/١. (٢) في تفسيره ٥/ ٧٢. (٣) في (ز) و(م): فالكتاب. (٤) قوله: ثَقاف، من ثقُف إذا صار حاذقاً فطناً. القاموس (ثقف). (٥) المحرر الوجيز ٣٧٩/١، وما قبله منه، والأقوال أخرجها الطبري ٥/ ٧٢-٧٦. (٦) المحرر الوجيز ٣٧٩/١، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٥/ ٧٧. ٤٣٢ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ الأوَّل، وأُثبتت في الثاني، لأنَّ الثانيّ غائبٌ، والأوَّل للمخاطَب. وقد ثبتت في المخاطب، ومنه قوله تعالى: (فلتفرحوا) بالتاء. وتحذف في الغائب، ومنه: إذا ما خِفْتَ من شيءٍ تَبَالا(١) محمدُ تَغدٍ نفسَك كلُّ نَفْسٍ الثانية عشرة: قوله تعالى: ((بِالْعَذْلِ))، أي: بالحقِّ والمَعْدِلَةَ، أي: لا يُكتب لصاحب الحقِّ أكثرُ مما قاله ولا أقلّ. وإنما قال: (بَيْنَكُمْ))، ولم يقل: أحدكم؛ لأنه لما كان الذي له الدَّيْن يَتَّهِم في الكتابة الذي عليه الدَّيْن، وكذلك بالعكس، شرع الله سبحانه كاتباً غيرَهما يكتب بالعدل، لا يكون في قلبه ولا قلمه هوادةٌ(٢) لأحدهما على الآخر. وقيل: إنَّ الناسَ لما كانوا يتعاملون حتى لا يشذَّ أحدهم عن المعاملة، وكان منهم من یکتب ومن لا يكتب، أمر الله سبحانه أن يكتب بينهم كاتبٌ بالعدل. الثالثة عشرة: الباء في قوله تعالى: ((بِالْعَدْلِ)) متعلقةٌ بقوله: ((وَلْيَكْتُبْ))، وليست متعلقةً بـ ((كَاتِبٌ))؛ لأنه كان يلزم ألَّ يكتبَ وثيقةً إلا العدلُ في نفسه، وقد یکتبها الصبيُّ والعبد والمتحوِّط(٣) إذا أقاموا فقهَها. أمّا أنَّ المنتصبين(٤) لكتْبها فلا(٥) يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولاً مرضيين. قال مالك رحمه الله تعالى: لا يكتب الوثائق بين الناسِ إلا عارفٌ بها؛ عدلٌ في نفسه مأمون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِّ﴾(٦). (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٤/١، والبيت اختلف في نسبته للأعشى وحسان وأبي طالب، وليس في ديوان أحد منهم، وهو في الكتاب ٨/٣، والمقتضب ١٣٢/٢، وأمالي ابن الشجري ٢/ ١٥٠، وشرح المفصل ٣٥/٧، والخزانة ١١/٩، وقوله: تبالا: هو سوء العاقبة ، وأصله وبال، فتاؤه مبدلة من الواو، قاله الأعلم كما في الخزانة ٩/ ١٣ . (٢) في (ز) و(م): موادة، والمثبت من (خ) و(د) و(ظ)، وهو الموافق لأحكام القرآن لابن العربي ٢٤٨/١، والكلام منه. (٣) لم تجود الكلمة في النسخ، وفي المحرر الوجيز ٣٧٩/١، والكلام منه: المسخوط، والمثبت من البحر المحيط ٣٤٤/٢. (٤) في (ز): أما المنتصبون، والمثبت من (خ) و(د) و(ظ)، وهو الموافق المحرر الوجيز ٣٧٩/١، وفي البحر المحيط ٣٤٤/٢: أما أن المنتخبين. (٥) في (خ) و(د) و(ظ): لا، والمثبت من (ز). (٦) المحرر الوجيز ٣٧٩/١. ٤٣٣ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ قلت: فالباء على هذا متعلقة بـ ((كاتب))، أي: ليكتب بينكم كاتب عدل؛ فـ((بالعدل)) في موضع الصفة . الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاِبُ أَنْ يَكْثُبَ﴾ نهى الله الكاتب عن الإباء. واختلف الناس في وجوب الكتابةِ على الكاتب والشهادةِ على الشاهد، فقال الطبريُّ والربيع: واجبٌ على الكاتب إذا أُمِر أن يكتب(١). وقال الحسن(٢): ذلك واجبٌ عليه في الموضع الذي لا يُقْدَرُ على كاتبٍ غيرِهِ، فیضرُّ صاحبَ الدين إن امتنع، فإن كان كذلك فهو فريضةٌ، وإن قُدِر على كاتبٍ غيرِه فهو في سَعَة إذا قام به غيرُه. السدِّي(٣): واجبٌ عليه في حال فراغِه، وقد تقدَّم(٤). وحكى المهدويُّ عن الربيع والضحاك أنَّ قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ﴾ منسوخٌ بقوله: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾(٥) . قلت: هذا يتمشَى على قول من رأى أو ظَنَّ أنه قد كان وَجَب في الأوَّل على كلِّ من اختاره المتبايعان أنْ يكتب، وكان لا يجوز له أنْ يمتنعَ حتى نسخَه قولُه تعالى: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾، وهذا بعيدٌ، فإنه لم يثبت وجوبُ ذلك على كلِّ من أراده المتبايعان كائناً من كان. ولو كانت الكتابة واجبةً ما صحَّ الاستئجار بها(٦)؛ لأنَّ الإجارةَ على فعل الفروض باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز أخذٍ الأجرةِ على كتب الوثيقة. ابن العربيّ(٧): والصحيح أنه أمرُ إرشادٍ، فلا يكتبُ حتى يأخذَ حقّه. وأبَى يَأْبَى شاذٌّ، ولم يجئ إلا قَلَى يَقْلَى، وأبَى يَأْبَى، وغَسَى يَغْسَى(٨)، وجَبَى (١) تفسير الطبري ٧٨/٥-٧٩. (٢) أورده البغوي ٢٦٨/٣. (٣) أخرجه الطبري ٧٨/٥. (٤) في المسألة الحادية عشرة. (٥) المحرر الوجيز ٣٧٩/١، وقول الربيع والضحاك أخرجه الطبري ٧٨/٥. (٦) في أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٣٩/١-٢٤٠ (والكلام منه): عليها. (٧) في أحكام القرآن ٢٤٨/١ . (٨) في (خ) و(د) و(ظ): عَسى يعسى، وفي (ف): غشي يغشى، وهو خطأ، والمثبت من اللسان (غسا). ٤٣٤ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ الخراجَ يَجْبَى(١)، وقد تقدَّم. الخامسة عشرة: قوله تعالى: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلَيَكْتُبْ﴾ الكاف في ((كما)) متعلقةٌ بقوله: ((أَنْ يَكْتُبَ)) المعنى كتبًا كما علمه الله. ويحتمل أنْ تكونَ متعلِّقةً بما في قوله: ((وَلَا يَأْبَ)) من المعنى، أي: كما أنعم الله عليه بعلم الكتابة؛ فلا يَأْبَ هو؛ وليُفْضِلْ كما أفضلَ الله(٢) عليه. ويحتملُ أنْ يكونَ الكلام على هذا المعنى تامًّا عند قوله: ((أَنْ يَكْتُبَ))، ثم يكونَ ((كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ)) ابتداءً كلام، وتكونَ الكاف متعلّقةً بقوله: ((فَلْيَكْتُبْ))(٣). السادسة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِىِ عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ وهو المديونُ المطلوب؛ يُقرُّ على نفسه بلسانه ليُعلم ما عليه. والإملاء والإملالُ لغتان، أمَلَّ وأمْلَى؛ فأمَلَّ لغةُ أهلِ الحجازِ وبني أسد، وتميمُ تقول: أَمْلَيْت. وجاء القرآن باللغتين، قال عزَّ وجل: ﴿فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. والأصلُ: أَمْلَلْتُ؛ أُبدِل من اللام ياءٌ؛ لأنه أخفّ(٤). فأمر الله تعالى الذي عليه الحقُّ بالإِمْلَاءِ؛ لأنَّ الشهادةَ إنما تكون بسبب إقرارِهِ. وأمرَه تعالى بالتقوى فيما يُمِلُّ، ونهى عن أنْ يبخَسَ شيئاً من الحقِّ. والبَخْس: النقص(٥). ومن هذا المعنى قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِى أَزْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهَا أَوْ ضَعِيفًا﴾ قال بعض الناس: أي: صغيراً، وهو خطأً، فإنَّ السفية قد يكون كبيراً على ما يأتي بيانه(٦). ((أَو ضَعِيفًا)) أي: كبيراً لا عقل له. ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ﴾. جعل الله الذي عليه الحقُّ أربعة أصناف: مستقلٌّ بنفسه يُمِلُّ، وثلاثةُ أصنافٍ لا يُمِلُّون(٧)، وتقع (١) انظر المحرر الوجيز ٣٧٩/١. (٢) لفظ الجلالة، من (م). (٣) المحرر الوجيز ٣٧٩/١. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٤٤/١. (٥) المحرر الوجيز ٣٨٠/١. (٦) انظر المحرر الوجيز ٣٨٠/١. (٧) أحكام القرآن لابن العربي ٢٤٩/١. ٤٣٥ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ نوازلهم في كل زَمَن، وكونُ الحقِّ يترتب لهم في جهات سوى المعاملاتِ كالمواريث إذا قُسِمَتِ وغيرِ ذلك، وهم السَّفِيهُ والضَّعيفُ والذي لا يستطيع أنْ يُمِلَّ. فالسفيه المُهَلْهَلُ الرأي في المال الذي لا يُحسنُ الأخذَ لنفسه ولا الإعطاءَ منها، مشَبَّه بالثوب السفيهِ، وهو الخفيفُ النَّسجِ (١). والبَذِيءُ اللسانِ يسمَّى سفيهًا؛ لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلَّ في جهَّال الناسِ وأصحاب العقولِ الخفيفة. والعربُ تُطلِقِ السَّفَهَ على ضعفِ العقل تارةً، وعلى ضعف البدنِ أخرى، قال الشاعر: نَخافُ أنْ تَسْفَهَ أحلامُنا ويجهلَ الدَّهرُ مع الحالم(٢) وقال ذو الرُّمّة: مَشَيْنَ كما اهتزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّھَتْ أعالِيَهَا مَرُّ الرياحِ النَّواسِمِ (٣) أي: استضعفها واستلانها فحرَّكها . وقد قالوا: الضُّعف بضم الضاد في البدن، وبفتحها في الرأي، وقيل: هما لغتان(٤). والأوَّلُ أصحُ، لِما رَوى أبو داود عن أنس بنِ مالك أنَّ رجلاً على عهد النبيِّ وَّر كان يبتاع وفي عقله(٥) ضَعْفٌ، فأتى أهلُه نبيَّ الله ◌َّه، فقالوا: يا نبيَّ الله، احْجُرْ على فلانٍ، فإنه يبتاع وفي عقله ضعفٌ، فدعاه النبيُّ ◌َّر، فنهاه عن البيع، فقال: يا رسولَ الله، إني لا أصبر عن البيع ساعة. فقال رسول الله صلحه: ((إن كنتَ غيرَ تاركِ البيعَ فقل: هَا وهَا، ولا خِلابة))(٦). (١) المحرر الوجيز ٣٨٠/١. (٢) أحكام القرآن للكيا ٢٤٢/١، والبيت ورد في مجمع البيان ٣٧٥/٢، واللباب ٤٨٤/٤ من غير نسبة. (٣) ديوان ذي الرمة ٢/ ٧٥٤، وفيه: رُويداً بدل: مَشين، وأورده مثل رواية المصنف سيبويه في الكتاب ٥٢/١. (٤) انظر أحكام القرآن لابن العربي ٢٤٩/١- ٢٥٠. (٥) في (خ) و(ظ): عُقدته، وكذلك في الموضع الثاني. (٦) سنن أبي داود (٣٥٠١)، وهو عند أحمد (١٣٢٧٦)، وقوله: ها وها؛ هو أن يقول كل واحد من البيّعين: هاء، فيعطيه ما في يده، وقيل: معناه هاك وهات، أي: خذ وأعط، قال الخطابي: أصحاب الحديث يروونه ((ها وَها)) ساكنة الألف، والصواب مدُّها وفتحها، لأن أصلها ماك، أي: خذ، فحذفت الكاف وعوضت منها المدة والهمزة، يقال للواحد: هاء، وللاثنين: هاؤما، وللجميع: هاؤم. النهاية (ما)، وقوله: لا خلابة، أي: لا خداع: النهاية (خلب). ٤٣٦ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ وأخرجه أبو عيسى محمد بنُ عيسى السلميُّ الترمذيّ من حديث أنس، وقال: هو صحيح، وقال: إنَّ رجلاً كان في عقله ضعفٌ، وذكر الحديث(١). وذكره البخاريُّ في ((التاريخ))، وقال فيه: ((إذا بايعت فقل: لا خِلابةَ، وأنت في كلِّ ◌ِلعةٍ ابتعتها بالخيار ثلاثَ ليال))(٢). وهذا الرجلُ هو حَبَّان بنُ مُنْقِذ بن عمرو الأنصاريُّ والدُ يحيى وواسع ابني حَبَّان: وقيل: هو منقذ جدُّ يحيى وواسعٍ شيخَي مالك ووالد(٣) حَبان، أتى عليه مئة وثلاثون سنة، وكان شُجَّ في بعض مَغازيه مع النبيِّ وَِّ مَأْمُومَةٌ(٤) خُبِل منها عقلُه ولسانه. وروی الدّارقطنيّ قال: كان حَبَّان بنُ منقذ رجلاً ضعيفاً ضریرَ البصرِ، وکان قد سُفِع في رأسه مأمومةً، فجعل رسولُ اللهِ وَلِّ له الخيارَ فيما يشتري ثلاثةَ أيام، وكان قد ثَقُل لسانُه، فقال له رسول الله وَله: ((بع وقُلْ: لا خِلَابةَ))، فكنت أسمعه يقول: لا خِذَابةَ لا خِذَابةً(٥). أخرجه من حديث ابنِ عمر (٦). والخلابة: الخديعة، ومنه قولهم: إذا لم تَغْلِبْ فاخْلُب(٧). الثامنة عشرة: اختلف العلماءُ فيمن يُخدَع في البيوع لقلّة خِبرتِه وضَعفِ عقلِه، فهل يُحجرُ عليه أوْ لا؟ فقال بالحَجْر عليه أحمدُ وإسحاق. وقال آخرون: لا يحجرُ عليه. والقولان في المذهب، والصحيح الأوَّلُ؛ لهذه الآية (٨)، ولقوله في (١) سنن الترمذي (١٢٥٠). (٢) التاريخ الكبير ١٧/٨ . (٣) في (م): ووالده. (٤) قوله: المأمومة: هي الشجة التي بلغت أم الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ. النهاية (أمم). (٥) سنن الدارقطني ٥٤/٣-٥٥، وهو عند أحمد (٦١٣٤) بنحوه. وأخرجه مسلم (١٥٣٣) (٤٨) مختصراً، وقوله: سُفع: لُطم، وضُرب. انظر القاموس (سفع). (٦) في (ز) و(م): ابن عمرو، وهو خطأ . (٧) ورد هذا المثل في كتاب الأمثال ١٥٦/١، وجمهرة الأمثال ٦٦/١، ومجمع الأمثال ٣٤/١، والمستقصی في أمثال العرب ٣٧٥/١، قال الزمخشري: فاخلُب، أي: اخدع، ويُروى بكسر اللام للازدواج، وقيل: هو من مخلب الطائر، أي: انتشْ شيئاً بعد شيء، يضرب في التوصل إلى الأمر بالترفق عند إعواز القوة والغلبة. (٨) انظر سنن الترمذي ٥٥٢/٣، ومختصر اختلاف العلماء ٢١٥/٥-٢١٦، ومعالم السنن ١٣٨/٣-١٣٩، والمغني ٥٩٥/٥. ٤٣٧ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ الحديث: يا نبيَّ اللهِ، احجُرْ على فلان(١). وإنما تَرك الحَجْرَ عليه لقوله: يا نبيَّ اللهِ، إنّي لا أصبرُ عن البيع. فأباح له البيعَ، وجعلَه خاصّاً به؛ لأنَّ من يُخْدَعُ في البيوع ينبغي أنْ يُحْجَرَ عليه؛ لاسيَّما إذا كان ذلك لخَبَل عقلِه. ومما يدلُّ على الخصوصية ما رواه محمد بنُّ إسحاق قال: حدَّثني محمد بنُ يحيى بنِ حَبان قال: هو جدِّي منقِذ بنُ عمرو، وكان رجلاً قد أصابته آمٌّ في رأسه، فكسرت لسانه، ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارةَ، ولا يزال يُغْبَن، فأتى رسولَ اللهِ وَ﴿، فذكر ذلك له، فقال: ((إذا بِعْتَ فقل: لا خِلابةَ، ثم أنت في كلِّ سِلْعَةٍ تبتاعُها بالخيار ثلاثَ ليالٍ، فإنْ رضِيتَ فأمسِكْ، وإن سَخِطَتَ فاردُذها على صاحبها)). وقد كان عُمِّر طويلاً(٢). عاش ثلاثين ومئة سنة، وكان في زمن عثمانَ بنِ عفان رضي الله عنه حين فشا النَّاسُ وكثروا، يبتاعُ البيع في السُّوق، ويرجع به إلى أهله وقد غُبِن غَبْناً قبيحاً، فيلومونه ويقولون له: تبتاع؟ فيقول: أنا بالخيار، إنْ رَضِيتُ أخذتُ، وإن سخِطتُ رددتُ، قد كان رسول الله ◌َّ# جعلني بالخيار ثلاثاً. فيردُّ السلعة على صاحبها من الغد وبعدَ الغد، فيقول: والله لا أقْبَلُها، قد أخذتَ سِلعتي، وأعطيتني دراهم، قال: فيقول: إنَّ رسولَ اللهِ وَ ل﴿ل قد جعلني بالخيار ثلاثاً. فكان يمرُّ الرجلُ من أصحاب رسولِ الله وَ له فيقولُ للتاجر: ويحك! إنه قد صدق؛ إِنَّ رسولَ اللهِ وَّه قد كان جعلَه بالخيار ثلاثاً. أخرجه الدار قطني(٣). وذكره أبو عمر في الاستيعاب(٤)، وقال: ذكره البخاري في ((التاريخ))(٥) عن عَيَّاش بنِ الوليد، عن عبد الأعلى، عن ابن إسحاق. التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ الضعيف هو المدخولُ العقلِ الناقصُ الفِطرةِ(٦) العاجزُ عن الإملاء، إمَّا لِعِيِّه(٧) أو لخَرَسه أو جهلِه بأداء الكلام، وهذا (١) سلف قريباً . (٢) في (م): عُمِّرَ عمرًا طويلاً. (٣) ٥٥/٣-٥٦. (٤) ٢٠٢/١٠-٢٠٣ (بهامش الإصابة). (٥) ١٧/٨-١٨. (٦) في (د) و(ظ): الفطنة. (٧) العيُّ: ضد البيان. (مختار الصحاح). ٤٣٨ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ أيضاً قد يكون وليُّه أباً أو وصِيًّا. والذي لا يستطيع أنْ يُمِلَّ هو الصغير، ووليُّه وصيُّه أو أبوه، والغائبُ عن موضع الإشهاد؛ إمَّا لمرضٍ أو لغير ذلك من العذر، ووليُّه وكيلُه. وأما الأخرَس فيسوُ أنْ يكونَ من الضعفاء؛ والأولى أنه ممن لا يستطيع. فهذه أصنافٌ تتميز (١)؛ وسيأتي في ((النساء)» بيانُها والكلامُ عليها إنْ شاء الله تعالى (٢). الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِتُّهُ بِالْعَدْلِ﴾؛ ذهب الطبريُّ إلى أنَّ الضميرَ في ((وَليُّهُ)) عائدٌ على ((الْحَقُّ)) وأَسنَد في ذلك عن الربيع، وعن ابن (٣) عباس وقيل: هو عائدٌ على ﴿الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾، وهو الصحيح. وما رُوي عن ابن عباس لا يصحّ. وكيف تشهد البيّنة على شيءٍ وتُدخل مالاً في ذمّة السَّفيه بإملاء الذي له الدَّيْن؟ هذا شيءٌ ليس في الشريعة. إلا أنْ يريدَ قائله: إنَّ الذي لا يستطيع أنْ يُمِلَّ لمرض أو كبرِ سنٍّ؛ لِثقَّلِ لسانِه عن الإملاء أو لِخَرَس، وإذا كان كذلك؛ فليس على المريض ومن ثَقُل لسانُه عن الإِملاء لِخَرَس وليٍّ عند أحد من العلماء(٤)، مثلُ ما ثبت على الصبيِّ والسفيه عند من يحجر عليه. فإذا كان كذلك فليُمِلَّ صاحبُ الحقِّ بالعدل ويُسمِع الذي عجز، فإذا كمل الإملاءُ أقرَّ بِهِ. وهذا معنّى لم تَعْنِ الآية إليه، ولا يصحُّ هذا إلا فيمن لا يستطيع أنْ يُملَّ لمرض ومن ذُكر (٥) معه(٥) . الحادية والعشرون: لمَّا قال الله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ اَلْحَقُّ﴾ دلَّ ذلك على أنه مُؤْتَمَنٌ فيما يُورده ويُصدِره؛ فيقتضي ذلك قبولَ قولٍ(٦) الراهنِ مع يمينه إذا اختلف هو والمرتهنُ في مقدار الدَّينِ والرهنُ قائمٌ، فيقول الراهن: رهنتُ بخمسين، (١) المحرر الوجيز ٣٨٠/١، وانظر أحكام القرآن للكيا ١/ ٢٤٢. (٢) عند تفسير الآية (٥) منها . (٣) تفسير الطبري ٨٤/٥-٨٥. ونقله المصنف عنه بواسطة المحرر الوجيز. (٤) في (ز) و(م): أحد العلماء. (٥) المحرر الوجيز ٣٨٠/١. (٦) لفظة: قول، من (م)، وأحكام القرآن للكيا ٢٦٨/١. ٤٣٩ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ والمرتهن يدَّعي مئة، فالقول قولُ الراهنِ والرهنُ قائم، وهو مذهبُ أكثرِ الفقهاء: سفيان الثوريّ والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، واختاره ابنُ المنذر قال: لأنَّ المرتهنَ مُدَّع للفضل، وقال النبيُّ وَّ: ((البينة على المُدَّعي واليمينُ على المدّعَى عليه))(١). وقال مالك: القول قولُ المرتهِنِ فيما بينه وبين قيمةِ الرهنِ ولا يصدَّقُ على أكثرَ من ذلك. فكأنه يَرى أنَّ الرهنَ ويمينَه (٢) شاهدٌ للمرتهن؛ وقولُه تعالى: ﴿وَلْيُعْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ردِّ عليه. فإنَّ الذي عليه الحقُّ هو الراهن. وستأتي هذه المسألة. وإنْ قال قائل: إنَّ اللهَ تعالى جعل الرهنَ بدلاً عن الشهادة والكتابِ، والشَّهادة دالّةٌ على صدق المشهود له فيما بينه وبين قيمةٍ الرهن، فإذا بلغ قيمته فلا وثيقةً في الزيادة. قيل له: الرهن لا يدلُّ على أنَّ قيمته تجب أنْ تكونَ مقدارَ الدَّين؛ فإنه ربما رهن الشّيءَ بالقليل والكثير. نعم؛ لا ينقُصُ الرهن غالباً عن مقدار الدين، فأمّا أنْ يطابقَه فلا. وهذا القائلُ يقول: يصدَّق المرتهِنُ مع اليمين في مقدار الدَّيْنِ إلى أنْ يساويَ قيمةَ الرَّهن. وليس العرفُ على ذلك فربما نقَص الدينُ عن الرهن وهو الغالب، فلا حاصلَ لقولهم هذا(٣). الثانية والعشرون: وإذا ثبت أنَّ المرادَ الوليُّ؛ ففيه دليلٌ على أنَّ إقرارَه جائزٌ على يتيمه؛ لأنه إذا أملاه فقد نفذ قولُه عليه فيما أملاه. الثالثة والعشرون: وتصرُّفُ السّفيهِ المحجورِ عليه دونَ إذنٍ وليِّه فاسدٌ إجماعاً مفسوخٌ أبداً؛ لا يوجب حكماً ولا يؤثِّر شيئاً. فإنْ تصرَّف سفيةٌ ولا حجرَ عليه، ففيه خلافٌ يأتي بيانه في ((النساء)) إن شاء الله تعالى (٤). الرابعة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾؛ الاستشهادُ (١) سلف ذكره ١٩٨/٢ . (٢) في أحكام القرأُ للكيا: وثمنه. (٣) أحكام القرآن للكيا ٢٦٨/١-٢٦٩، وانظر مختصر اختلاف العلماء ٣٠٧/٤، والمغني ٥٢٥/٦. (٤) عند تفسير الآية (٦) منها. ٤٤٠ سورة البقرة : الآية ٢٨٢ طلبُ الشهادة. واختلف الناس هل هي فرضٌ أو ندب، والصحيحُ أنه ندبٌ على ما يأتي بيانُه إنْ شاء الله تعالى(١). الخامسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿شَهِيدَيْنِ﴾ رتَّب الله سبحانه الشهادةَ بحكمته في الحقوق الماليّةِ والبدنيةِ والحدودِ، وجعل في كلِّ فَنَّ شهيدين إلا في الزِّنى، على ما يأتي بيانه في سورة النساء(٢). وشهيدٌ بناءُ مبالغة؛ وفي ذلك دلالةٌ على من قد شهد وتكرر ذلك منه، فكأنه إشارةٌ إلى العدالة. والله أعلم. السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿مِن رِجَالِكُمْ﴾ نصُّ في رَفْض الكفارِ والصِّبيانِ والنساء، وأما العبيدُ فاللفظُ يتناولهم(٣). وقال مجاهد: المرادُ الأحرار، واختاره القاضي أبو إسحاق وأظْنَب فيه (٤). وقد اختلف العلماءُ في شهادة العبيد؛ فقال شُريح وعثمانُ البَثِّي وأحمدُ وإسحاق وأبو ثور: شهادةُ العبدِ جائزةٌ إذا كان عدلاً، وغلَّبوا لفظ الآية. وقال مالكٌ وأبو حنيفة والشافعيُّ وجمهورُ العلماء: لا تجوز شهادةُ العبد، وغلَّبوا نَقْصَ الرِّق(٥)، وأجازها الشَّعبيُّ والنخعيُّ في الشَّيء اليسير. والصحيح قولُ الجمهور؛ لأنَ اللهَ تعالى قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، وساق الخطابَ إلى قوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، فظاهرُ الخطابِ يتناول الذين يتداينون، والعبيدُ لا يملكون ذلك دون إذْن السَّادة. فإن قالوا: إنَّ خصوصَ أوَّلِ الآيةِ لا يمنع التَّعِلقَ بِعُموم آخرِها. قيل لهم: هذا يخصُّه قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الثُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾ على ما يأتي بيانه(٦). (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥١/١. (٢) عند تفسير الآية (١٥) منها . (٣) المحرر الوجيز ٣٨٠/١-٣٨١. (٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥١/١، وقول مجاهد أخرجه الطبري ٨٦/٥ . (٥) المحرر الوجيز ٣٨١/١، وانظر مختصر اختلاف العلماء ٣٣٥/٣. (٦) انظر أحكام القرآن للكيا ٢٤٤/١.