النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ سورة البقرة : الآية ٢٧١ وقال يزيد بنُ أبي حبيب: إنما نزلت هذه الآيةُ في الصَّدقة على اليهود والنصارى، فكان يأمر بقَسْم الزكاة في السرِّ. قال ابن عطيَّة(١): وهذا مردودٌ، لاسيَّما عند السلف الصالح؛ فقد قال الطبريُّ(٢): أجمع الناسُ على أن إظهار الواجبٍ أفضلُ. قلتُ: ذكر الكِيَا الطبريّ(٣) أن في هذه الآية دلالةً على أنَّ(٤) إخفاءَ الصَّدقات مطلقاً أَوْلى، وأنها حقُّ الفقير، وأنه يجوز لربِّ المال تفريقُها بنفسه، على ما هو أحدُ قولي الشافعيِّ. وعلى القول الآخر ذكروا أن المرادَ بالصدقات هاهنا التطوُّع دون الفرض الذي إظهارُه أَوْلى؛ لئلا يلحقَه تُهمةٌ، ولأجل ذلك قيل: صلاةُ النَّفْل فُرادى أفضل، والجماعةُ في الفرض أَوْلى؛ لأن إظهارَ الفرض(٥) أبعدُ عن التُّهمَة. وقال المَهْدَوِيُّ: المراد بالآية فرضُ الزكاة وما تطوّع به، فكان الإخفاءُ أفضل في مدَّة النبيِّ وَِّ، ثم ساءت ظنونُ الناس بعد ذلك، فاستحسنَ العلماء إظهارَ الفرائض؛ لئلا يُظَنَّ بأحدِ المنعُ. قال ابن عطيَّة(٦): وهذا القولُ مخالفٌ للآثار، ويُشْبِهِ في زماننا أن يَحْسُنَ التستُّر بصدقةِ الفرض، فقد كَثُر المانعُ لها، وصار إخراجُها عُرضةً للرياء. وقال ابنُ خُوَيْزِ مَنداد: وقد يجوز أن يُراد بالآية الواجباتُ من الزكاة والتطوُّع؛ لأنه ذَكَر الإخفاءَ ومدَحَه والإظهارَ ومَدحَه، فيجوز أن يتوجَّه إليهما جميعاً. وقال النقَّاش: إنَّ هذه الآية نسخَها قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالتَّهَارِ سِرًّاً وَعَلَانِيَةً﴾(٧) الآية [البقرة: ٢٧٤]. (١) المحرر الوجيز ٣٦٥/١. (٢) في تفسيره ٥/ ١٧ . (٣) أحكام القرآن ٢٢٦/١. (٤) في (م): قول. (٥) قوله: أولى لأن إظهار الفرض، ساقط من (م). (٦) المحرر الوجيز ٣٦٥/١. (٧) المصدر السالف. ٣٦٢ سورة البقرة : الآية ٢٧١ قوله تعالى: ﴿فَيْهِمَّا مِّ﴾ ثناءٌ على إبداء الصَّدقة، ثم حكم أنَّ (١) الإخفاء خيرٌ من ذلك، ولذلك قال بعضُ الحكماء: إذا اصطنعتَ المعروفَ فاستُرْه، وإذا اصطنع إليك فانشُره. قال دِعِْل الخُزاعيُّ (٢) : وإن أَنعَمُوا أَنْعَمُوا باكْتِتامٍ إذا انتقموا أعلَنُوا أمرهم وقال سَهْل بنُ هارون(٣). أعطاك ما ملكتْ كفاه واعتذرا خِلٌّ إذا جِئتَه يوماً لِتسألَه إنَّ الجميلَ إذا أخفيتَه ظَهَرا يُخفي صنائعَه والله يُظْهِرها وقال العباس بنُ عبد المطلب رضي الله عنه: لا يتمُّ المعروفُ إلا بثلاث خِصال: تعجيلُه وتصغيرُه وسَتْرهُ، فإذا عَجَّلْته هنَّيْتَه (٤)، وإذا صغّرته عظَّمته، وإذا سترتَه أتمَمْتَه. وقال بعضُ الشعراء فأحسن(٥): أنه عندك مستورٌ حقِيز زاد معروفَك عندي عِظَماً تَتَناساہ كأنْ لَمْ تأتِه وهو عند الناس مشهورٌ خطِيزٌ واختلف القرَّاء في قوله: ﴿فَنِعِمَا هِىِّ﴾، فقرأ أبو عَمرو، ونافعٌ في رواية ورش، وعاصمٌ في رواية حَفْص، وابنُ كَثير: ﴿فَنِعِنَا هِىَّ﴾ بكسر النون والعين(٦)، (١) في (د) و(م): على أن. (٢) ديوانه ص٤٢١، وهو أبو علي، دعبل بن علي، شاعر زمانه، كان من غلاة الشيعة، وكان خبيث اللسان والنفس حتى إنه هجا قبيلته خزاعة، وله كتاب ((طبقات الشعراء))، توفي على إثر طعنة في قدمه بحربة مسمومة سنة ٢٤٦هـ. السير ٥١٩/١١. (٣) أبو عمرو، وقيل: أبو محمد الدَّسْتَمِيساني، فارسي الأصل، انتقل إلى البصرة واتصل بخدمة المأمون، وتولى خزانة الحكمة له، وكان حكيماً، فصيحاً، شاعراً، أديباً، شعوبي المذهب شديد التعصب على العرب، وله مصنفات كثيرة منها: ((ثعلة وعفراء)) و((تدبير الملك والسياسة))، توفي سنة ٢١٥هـ. الوافي بالوفيات ١٨/١٦، معجم الأدباء ٢٦٦/١١. والبيتان في أدب الدنيا والدين ص ١٨٧ . (٤) في (م): أعجلته، وفي (ظ): هيّبته. والأثر أورده الماوردي في أدب الدنيا والدين ص ١٨٧. (٥) هما في أدب الدنيا والدين ص ١٨٧ دون نسبة. (٦) لكن قراءة أبي عمرو بإخفاء (أي اختلاس) كسرة العين، وهي أيضاً رواية عن قالون وأبي بكر. انظر التيسير ص ٨٤، والبحر المحيط ٣٢٤/٢. ٣٦٣ سورة البقرة : الآية ٢٧١ وقرأ أبو عَمرو أيضاً، ونافع في غير رواية وَرْش، وعاصمٌ في رواية أبي بكر والمفضَّل: ((فنِعْمًا)) بكسر النون وسكون العين. وقرأ الأعمشُ وابنُ عامر وحمزةٌ والكسائيُّ: ((فَنَعِمَّا)) بفتح النون وكسر العين، وكلُّهم شَدَّدَ (١) الميم(٢). ويجوز في غير القرآن: فَنِعْمَ مَا هي. قال النَّخَّاس (٣): ولكنه في السَّواد متَّصلٌ فلزِمَ الإدغام. وحكى النحويون في ((نِعْمَ)) أربعَ لغات: نَعِمَ الرجلُ زيدٌ، هذا الأصل، ونِعِمَ الرجلُ، فتُكْسَر النونُ لكسرةِ العين (٤)، ونَعْمَ الرجل، بفتح النون وسكون العین، والأصل نَعِمَ؛ حُذِفت الكسرةُ لأنها ثقيلةٌ، ونِعْمَ الرجلُ، وهذا أفصحُ اللغات، والأصل فيها نَعِم، وهي تقع في كلِّ مدح، فخُفِّفت وقُلبت كسرةُ العين على النون وأُسكنت العينُ، فمن قرأ: ﴿فَنِعِمَا هِىٌّ﴾ فله تقديران: أحدُهما أن يكونَ جاء به على لغة من يقول: نِعِم. والتقديرُ الآخر: أن يكون على اللغة الجيِّدة، فيكونُ الأصل نِعْمَ، ثم كُسِرت العينُ لالتقاء الساكنين. قال النخَّاس: فأمَّا الذي حُكي عن أبي عَمرو ونافع من إسكان العين فمحالٌ. حُكي عن محمد بن يزيد أنه قال: أمَّا إسكانُ العين والميمُ مشدّدةٌ فلا يقدِرُ أحدٌ أن ينطِقَ به، وإنما يَرُوم الجمعَ بين ساكنين ويُحَرِّك ولا يأتيه(٥). وقال أبو عليٍّ(٦): من قرأ بسكون العين لم يستقِمْ قولُه؛ لأنه جمعَ بين ساكنين الأوّلُ منهما ليس بحرفِ مدِّ ولِيْنٍ، وإنما يجوزُ ذلك عند النحويين إذا كان الأوَّلُ حرف مَدِّ؛ إذِ المدُّ يصيرُ عِوَضاً من الحركة، وهذا نحو دابَّة وضَوَالْ ونحوه، ولعلَّ (١) في (م): سگّن. (٢) المحرر الوجيز ٣٦٥/١، وانظر السبعة ص ١٩٠-١٩١، والتيسير ص ٨٤. وقراءة الأعمش ذكرها النحاس في إعراب القرآن ٣٣٨/١. (٣) إعراب القرآن ٣٣٨/١. (٤) في (م): بكسر النون لكسر العين. (٥) في إعراب القرآن للنحاس: ولا يأبه. وانظر النشر ٢٣٦/٢. (٦) الحجة ٣٩٦/٢-٣٩٧. ٣٦٤ سورة البقرة : الآية ٢٧١ أبا عَمرٍو أخفى الحركةَ واختَلَسَها، كأخْذِهِ بالإخفاء في ((بَارِئِكُم)) و(يَأْمُرُكُمْ)) فظنَّ السامعُ الإخفاءَ إسكاناً؛ لِلُظْفِ ذلك في السَّمع وخفائه (١). قال أبو عليٍّ(٢): وأمّا من قرأ: ((نَعِمًا)) بفتح النون وكسر العين؛ فإنما جاء بالكلمة على أصلها، ومنه قول الشاعر: ما أقلَّتْ قدمايَ إِنّهُمْ نَعِمَ السَّاعون في الأمر المُبِرّ(٣) قال أبو عليّ(٤): و((ما)) من قوله تعالى: (نِعمَّا) في موضع نصبٍ، وقولُه: ((هي)) تفسيرٌ للفاعل المضمَر قبل الذِّكْر، والتقدير: نِعْمَ شيئاً إبداؤُها، والإبداءُ هو المخصوصُ بالمدح، إلا أن المضافَ حُذِف وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه، ويدلُّك على هذا قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: الإخفاءُ خيرٌ، فكما أنَّ الضميرَ هنا للإخفاء لا للصَّدقات، فكذلك أوّلًا؛ الفاعلُ هو الإبداءُ، وهو الذي اتصلَ به الضَّمير، فحُذِفَ الإبداء وأُقيم ضميرُ الصَّدقات مُقَامَه(٥). ﴿وَإِن تُخْفُوهَا﴾ شرطٌ، فلذلك حُذِفت النون، ﴿وَتُؤْتُوُهَا﴾ عطفٌ عليه، والجوابُ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾(٦). ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ اختلَفَ القرّاء في قراءته، فقرأ أبو عَمرو، وابنُ كَثير، وعاصمٌ في (١) قال أبو حيان في البحر ٣٢٤/٢: وأما الإسكان فاختاره أبو عبيد وقال: الإسكان فيما يروى لغة النبي* في هذا اللفظ. ثم قال أبو حيان: وإنكار هؤلاء فيه نظر، لأن أئمة القراءة لم يقرؤوا إلا بنقل عن رسول الله وَ﴿، ومتى تطرَّق إليهم الغلط فيما نقلوه من مثل هذا؛ تطرّق إليهم فيما سواه، والذي نختاره ونقوله: إن نقل القراءات السبع متواتر لا يمكن وقوع الغلط فيه. (٢) الحجة ٣٩٨/٢. (٣) البيت لطرفة، وهو في ديوانه ص٥٨ برواية: خالتي والنفس قدماً إنهم نَعِمَ الساعون في القوم الشُّطُر وقد أورده في الخزانة ٣٧٦/٩ بمثل رواية المصنف، لكن فيه: قَدَمي (بالإفراد)، وقال في شرحه: والمُبِرُّ: اسم فاعل من أَبَرَّ فلان على أصحابه، أي: غلبهم، أي: هم نعم الساعون في الأمر الغالب الذي عجز الناس عن دفعه. (٤) الحجة ٣٩٩/٢. (٥) في (خ) و(د) و(م): مثله، والمثبت من (ظ). وقد نقل المصنف عن أبي علي بواسطة المحرر الوجيز ٣٦٥/١-٣٦٦. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٨/١. ٣٦٥ سورة البقرة : الآية ٢٧١ رواية أبي بكر، وقَتادةُ، وابن أبي إسحاق: ((ونُكَفِّرُ)) بالنون ورفع الراء. وقرأ نافعٌ(١) وحمزةُ والكسائي بالنون والجزم في الراء، ورُوي مثلُ ذلك أيضاً عن عاصم، وروى الحسينُ بنُ عليٍّ الجُعْفِيُّ عن الأعمش: ((يُكَفِّرَ)) بنصب الراء، وقرأ ابنُ عامٍ بالياء ورفع الراء، ورواه حفص عن عاصم، وكذلك رُوي عن الحسن، ورُوي عنه بالياء والجزم، وقرأ ابنُ عباس: ((وتُكَفِّرْ)) بالتاء وكسر الفاء وجزم الراء، وقرأ عِكْرمة: ((وتُكَفَّرْ)) بالتاء وفتح الفاء وجزم الراء، وحكى المَهْدَوِيُّ عن ابن هُرْمُز أنه قرأ: ((وتُكَفِّرُ)) بالتاء ورفع الراء، وحُكي عن عكرمة وشَهْر بن حَوْشب أنهما قرأا بتاء ونصبٍ الراء(٢). فهذه تسعُ قراءات أَبْيَنُهَا: ((ونُكَفِّرُ)) بالنون والرفع. هذا قولُ الخليل وسيبويه(٣). قال النَّاس(٤): قال سيبويه: والرفعُ هاهنا الوجهُ، وهو الجيّد؛ لأنَّ الكلامَ الذي بعد الفاء يجري مجراه في غير الجزاء. وأجاز الجزمَ بحمله على المعنى؛ لأنَّ المعنى: وإن تُخفوها وتؤتوها الفقراءَ يَكُنْ خيراً لكم، ونكفِّرْ عنكم. وقال أبو حاتم: قرأ الأعمشُ: ((يُكَفِّرْ)) بالياء دون واو قبلها؛ قال النَّاس: والذي حكاه أبو حاتم عن الأعمش بغير واوٍ جزماً يكون على البدل كأنه في موضع الفاء، والذي رُوي عن عاصم: ((ويُكَفِّرُ)) بالياء والرفع يكون معناه ويُكَفِّرُ الله. هذا قولُ أبي عُبَيد، وقال أبو حاتم: معناه: يكفِّرُ الإعطاءُ، وقراءة(٥) ابنُ عباس: ((وتُكَفِّرْ)) يكون معناه: وتكفِّر الصَّدقاتُ. (١) في النسخ: الأعمش، والمثبت من المحرر الوجيز ٣٦٦/١ والكلام منه. (٢) القراءات المتواترة في هذه اللفظة: ((ونُكَفِّرْ))، بالنون والجزم في الراء، وهي قراءة نافع وحمزة والكسائي، و«ونُكَفِّرُ)) بالنون ورفع الراء، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم في رواية شعبة، و((ويُكَفِّرُ)): بالياء ورفع الراء، وهي قراءة ابن عامر وعاصم في رواية حفص. أما القراءات الأخرى التي ذكرها المصنف، فهي شاذة. انظر السبعة ص ١٩١، والتيسير ص ٨٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣٣٨/١-٣٣٩، والبحر ٣٢٥/٢. (٣) المحرر الوجيز ٣٦٦/١، وإعراب القرآن للنحاس ٣٣٨/١-٣٣٩، وقراءة ابن عباس ذكرها أيضاً ابن خالويه ص١٧ . (٤) في إعراب القرآن ٣٣٩/١، وقول سيبويه في الكتاب ٩٠/٣. (٥) في (م): وقرأ. ٣٦٦ سورة البقرة : الآية ٢٧١ وبالجملة فما كان من هذه القراءات بالنون؛ فهي نونُ العظمة، وما كان منها بالتاء؛ فهي الصَّدقة؛ فاعلَمْه، إلا ما رُوي عن عكرمة من فتح الفاء، فإنَّ التاء في تلك القراءة إنَّما هي للسيئات، وما كان منها بالياء، فالله تعالى هو المكفِّر، والإعطاءُ في خفاء مكفّرٌ أيضاً كما ذكرنا، وحكاه مَكِّيّ (١). وأما رفعُ الراء فهو علی وجھین: أحدُهما: أن يكون الفعل خبرَ ابتداءٍ؛ تقديرُه: ونحن نكفِّرُ، أو: وهي تكفّر، أعني الصَّدقةَ، أو: والله يكفِّر. والثاني: القطعُ والاستئنافُ، ولا تكون الواو العاطفة للاشتراك، لكن تعطفُ جملةَ الكلامِ على جملة(٢). وقد ذكرنا معنى قراءة الجزم، فأما نصبُ ((ونُكَفِّرَ)) فضعيفٌ، وهو على إضمار أن، وجاز على بُعْد(٣). قال المَهدويُّ: وهو مُشَبَّه بالنصب في جواب الاستفهام؛ إذ الجزاءُ يجب به الشَّيء لوجوبٍ غيره كالاستفهام، والجزمُ في الراء أفصحُ هذه القراءات؛ لأنها تُؤْذِنُ بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطاً إن وقع الإخفاءُ، وأما الرَّفعُ فليس فيه هذا المعنى (٤). قلتُ: هذا خلاف ما اختاره الخلیلُ وسییویه. و((مِنْ)) في قوله: ﴿مِّن سَبَِّاتِكٌ﴾ للتبعيض المَخْض، وحكى الطبريُّ(٥) عن فرقة أنها زائدة. قال ابن عطيّة (٦): وذلك منهم خطأ . ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وعدٌ ووعيد. (١) الكشف عن وجوه القراءات ٣١٧/١. (٢) المحرر الوجيز ٣٦٦/١. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٩/١. (٤) المحرر الوجيز ٣٦٧/١. (٥) تفسير الطبري ١٨/٥، وقد حكاه عن بعض نحوبي البصرة. (٦) المحرر الوجيز ٣٦٧/١. ٣٦٧ سورة البقرة : الآية ٢٧٢ قوله تعالى: ﴿﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآَةُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ الَّهِّ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَهُونَ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾. فيه ثلاثُ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ هذا الكلامُ متَّصل بِذِكْر الصَّدقات، فكأنّه بيَّن فيه جوازَ الصَّدقة على المشركين. روى سعيد بنُ جُبير مُرْسَلًا عن النبيِّ وَلّ في سبب نزول هذه الآية أنَّ المسلمين كانوا يتصدَّقون على فقراء أهل الذِّمَّة، فلمَّا كَثُر فقراءُ المسلمين قال رسول الله وَله: ((لا تتصدَّقوا إلَّ على أهل دينكم)). فنزلت هذه الآيةُ مبيحةً للصَّدقة على مَنْ ليس من دين الإسلام(١). وذكر النّقَّاشُ أن النبيَّ وَّ أَتِيَ بصدقاتٍ، فجاءه يهوديٌّ فقال: أعطني، فقال النبيُّ وَاجُ: (ليس لك من صَدَقةِ المسلمين شيءٌ))، فذهَبَ اليهوديُّ غيرَ بعيدٍ، فنزلت: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ فدعاه رسولُ اللهِوَلِّ فأعطاه، ثم نَسَخَ الله ذلك بآية الصَّدقات(٢). وروى ابن عباس أنه قال: كان ناسٌ من الأنصار لهم قراباتٌ في(٣) بني قُرَيظة والنَّضِير، وكانوا لا يتصدَّقون عليهم رغبةً منهم في أن يُسلموا إذا احتاجوا، فنزلت الآيةُ بسبب ذلك(٤). وحكى بعضُ المفسّرين أن أسماء ابنةً أبي بكر الصِّدِّيق أرادت أن تَصِلَ جَدَّها أبا قُحافة، ثم امتنعت من ذلك لكونه كافراً، فنزلت الآيةُ في ذلك(٥). (١) أخرجه ابن أبي شيبة ١٧٧/٣ وزاد فيه قوله: ((تصدقوا على أهل الأديان))، والطبري ٢١/٥، وقال ابن العربي في أحكام القرآن ٢٣٧/١: حديث باطل. (٢) لم نقف على من أخرجه، وهو في المحرر الوجيز ٣٦٧/١. (٣) في (م): من. (٤) في (م): أولئك. والأثر أخرجه الطبري ٥/ ٢٠. (٥). حكاه مقاتل بن سليمان كما ذكر الحافظ ابن حجر في العجاب ٦٣٢/١، ثم قال الحافظ ٦٣٣/١: والمحفوظ لأسماء أن أمها قدمت عليها المدينة تسألها. ٣٦٨ سورة البقرة : الآية ٢٧٢ وحكى الطبريُ(١) أن مَقْصِدَ النبيِّ وَله بمنع الصَّدقة إنما كان ليُسلموا ويدخلوا في الدِّين، فقال الله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾. وقيل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ [غير] متصل(٢) بما قَبْلُ فيكون ظاهراً في الصَّدقات وصَرْفِها إلى الكفار، بل يَحتمِلُ أن يكون معناه ابتداءَ كلام. الثانية: قال علماؤنا: هذه الصَّدقة التي أُبِيحت لهم حسب ما تضمَّنته هذه الآثارُ هي صدقةُ التطوُّع، وأما المفروضةُ فلا يُجزئ دَفْعُها لكافرٍ، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((أُمرتُ أن آخُذَ الصَّدقة من أغنيائكم وأَرُدَّها في فقرائكم))(٣). قال ابن المُنْذِر: أجمع (٤) من أحفَظُ عنه من أهل العلم أن الذِّميَّ لا يُعْطَى من زكاة الأموال شيئاً، ثم ذكر جماعةً ممن نصَّ على ذلك، ولم يذكر خلافاً. وقال المَهْدَوِيُّ: رُخِّص للمسلمين أن يُعطوا المشركين من قراباتهم من صدقةِ الفريضة بهذه الآية(٥). قال ابنُ عطَّية(٦): وهذا مردودٌ بالإجماع. والله أعلم. وقال أبو حنيفة: تُصرف إليهم صدقةٌ (٧) الفِطْر. ابنُ العربيّ(٨): وهذا ضعيفٌ لا أصلَ له، ودليلُنا أنها صدقةُ طُهْرةٍ واجبةٌ، فلا تُصرف إلى الكافر، كصدقة الماشية والعَيْن؛ وقد قال النبيّ وَلجر: ((أغنوهم عن سؤال هذا اليوم))(٩) يعني يوم الفِطْر. (١) في تفسيره ١٩/٥. (٢) كذا في النسخ، وما بين حاصرتين زيادة ضرورية، يدل عليها سياق الكلام. (٣) أورده ابن عبد البر في التمهيد ١٠١/٤. وأخرج البخاري (٦٣)، ومسلم (١٢) من حديث أنس أن ضمام بن ثعلبة قال للنبي : أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي ◌َّله: ((اللهم نعم)). (٤) بعدها في (م): كل. (٥) في (د) و(م): لهذه الآية. (٦) المحرر الوجيز ٣٦٧/١، والمسألة الأولى والثانية منه. (٧) في (م): زكاة. (٨) أحكام القرآن ١/ ٢٣٨. (٩) أخرجه الدارقطني ٢/ ١٥٣ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، بلفظ: ((أغنوهم في هذا اليوم))، والبيهقي ٤/ ١٧٥ بلفظ: ((أغنوهم عن طواف هذا اليوم))، وقد ضعف الحافظ إسناده في بلوغ المرام (٦٤٨). ٣٦٩ سورة البقرة : الآية ٢٧٢ قلتُ: وذلك لتشاغُلِهِم بالعيد وصلاة العيد، وهذا لا يتحقَّقُ في المشركين. وقد يجوزُ صَرْفُها إلى غير المسلم في قول من جعلها سُنَّة، وهو أحدُ القولين عندنا، وهو قول أبي حنيفة على ما ذكرنا، نظراً إلى عموم الآية في البِرِّ وإطعام الطّعام وإطلاق الصَّدقات. قال ابن عطيَّة(١): وهذا الحكم متصوَّر للمسلمين مع أهل ذِمَّتهم ومع المسترَقِين من الحربيِّين. قلتُ: وفي التنزيل ﴿وَيُطْعِعُونَ الطَّعَمَ عَلَى حُبِّهِهِ مِسْكِيْنًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركاً(٢). وقال تعالى: ﴿لَّا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم ◌ِّن دِيَِّكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمّ﴾ [الممتحنة: ٨] فظواهِرُ هذه الآيات تقتضي جوازَ صَرْفِ الصَّدقات إليهم جملةً، إلا أنَّ النبيَّ وَّ خصَّ منها الزَّكَواتِ(٣) المفروضةَ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: ((خُذِ الصَّدقةَ من أغنيائهم ورُدَّها على فقرائهم)) (٤) واتفق العلماء على ذلك على ما تقدَّم، فيُدفَع إليهم من صدقة التطوُّع إذا احتاجوا، والله أعلم. قال ابن العربيّ(٥): فأما المسلمُ العاصي فلا خلافَ أنَّ صدقة الفِطْر تُصرف إليه، إلا إذا كان يترُكُ أركان الإسلام من الصَّلاة والصِّيام، فلا تُدفع إليه الصدقةُ حتى يتوب، وسائرُ أهل المعاصي(٦) تُصرف الصَّدقة إلى مرتكبها (٧) لدخولهم في اسم المسلمين، وفي ((صحيح مسلم))(٨) أنَّ رجلاً تصدَّقَ على غَنِيٍّ وسارقٍ وزانيةٍ وتُقُبِّلت صدقتُه، على ما يأتي بيانُه في آية الصَّدقات(٩)، إن شاء الله تعالى. (١) المحرر الوجيز ٣٦٧/١. (٢) في (ظ): مسترقاً. (٣) في (م): الزكاة. (٤) أحكام القرآن للجصاص ١/ ٤٦١، وحديث معاذ أخرجه البخاري (١٣٩٥) ومسلم (١٩) بلفظ: (( ... فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم». (٥) أحكام القرآن ٢٣٨/١. (٦) في أحكام القرآن: وسائر المعاصي. (٧) في (م): مرتكبيها. (٨) (١٠٢٢) من حديث أبي هريرة، وأخرجه أيضاً البخاري (١٤٢١). (٩) هي قوله تعالى في سورة التوبة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ (٦٠). ٣٧٠ سورة البقرة : الآية ٢٧٢ الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ أي: يُرشِدُ من يشاء. وفي هذا رَدُّ على القَدَريَّة وطوائفَ من المعتزلة(١)، كما تقدَّم(٢). قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُِّكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا أَبْتِغَاءَ وَجْهِ اَللَّهِ﴾ شرطٌ وجوابُه. والخيرُ في هذه الآية المالُ؛ لأنه قد اقترن بذِكْر الإنفاق، فهذه القرينةُ تدلُّ على أنه المالُ، ومتى لم يقترن بما يدلُّ على أنه المالُ فلا يلزمُ أن يكون بمعنى المال، نحو قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وقوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ﴾ [الزلزلة: ٧]، إلى غير ذلك. وهذا تحرُّزٌ من قول عكرمة: كلُّ خيرٍ في كتاب الله تعالى فهو المال(٣). وحُكي أن بعضَ العلماء كان يصنَعُ كثيراً من المعروف، ثم يحلِفُ أنه ما فعل مع أحدٍ خيراً، فقيل له في ذلك، فيقول: إنما فعلتُ مع نفسي، ويتلو: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَشُِّكُمْ﴾. ثم بيَّن تعالى أن النفقةَ المعتَدَّ بقبولها إنما هي ما كان ابتغاءَ وجهه، و((ابتغاءَ)) هو على المفعول [من أجله](٤)، وقيل: إنه شهادةٌ من الله تعالى للصحابة رضي الله عنهم أنهم إنما يُنفقون ابتغاءَ وجهه؛ فهذا خَرَجَ مخرج التفضيل والثناء عليهم، وعلى التأويل الأوَّل هو اشتراٌ عليهم، ويتناول الاشتراطُ غيرَهم من الأمة(٥)، قال رسول الله ﴿ لسَعْد بن أبي وقَّاص: ((إنك لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وَجْهَ الله تعالى إلا أُجِرْتَ بها، حتى ما تجعَلُ في في امرأتك))(٦). قوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرِ يُوَفَّ إِلَّكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (ُوَفَّ إِلِيكُمْ)) تأكيدٌ وبيانٌ لقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَقُبِكُمْ﴾ وأنَّ ثوابَ الإنفاق يُوَفَّى إلى المنفقين ولا يُخَسون منه شيئاً، فيكون ذلك البَخْسُ ظلماً لهم. (١) المحرر الوجيز ٣٦٧/١. (٢) ٢٣٠/١. (٣) المحرر الوجيز ٣٦٨/١. (٤) في النسخ: المفعول به، والمثبت من المحرر الوجيز ٣٦٨/١. (٥) المحرر الوجيز ٣٦٨/١. (٦) أخرجه أحمد (١٥٤٦)، والبخاري (٥٦)، ومسلم (١٦٢٨). ٣٧١ سورة البقرة : الآية ٢٧٣ قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُخْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسُبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَأْ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِيهُ فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿لِلْغُقَرَآءِ﴾ اللام متعلِّقة بقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ وقيل: بمحذوفٍ تقديرُه: الإنفاقُ، أو الصَّدقة للفقراء. قال السُّدِّيُّ ومجاهدٌ وغيرهما: المراد بهؤلاء الفقراء فقراءُ المهاجرين من قريشٍ وغيرهم، ثم تتناولُ الآية كلَّ من دخل تحت صِفَة الفقراء غابرَ الدَّهر. وإنما خصَّ فقراءَ المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم(١)، وهم أهل الصُفَّة، وكانوا نحواً من أربع مئة رجلٍ، وذلك أنهم كانوا يَقْدَمون فقراءَ على رسول اللهِوَّه، وما لهم أهلٌ ولا مال، فُبُنِيَثْ لهم صُفَّة في مسجد رسول الله وَله، فقيل لهم: أهلُ الصُّفَّة(٢). قال أبو ذَرٍّ: كنتُ من أهل الصُّفَّة، وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله وَّه فيأمر كلَّ رجل فينصرف برجل، ويبقى مَن بقي من أهل الصُّفَّة عشرة أو أقل، فيؤتَى النبيّ وَ ل﴿ بعَشائه ونتعشَّى معه، فإذا فرغنا قال رسول الله وَ له: ((ناموا في المسجد))(٣). وخرَّج الترمذيُّ(٤) عن البَرَاء بن عازِب ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ قال: نزلت فينا معشرَ الأنصار، كنا أصحاب نَخْلٍ، قال: فكان الرجلُ يأتي من نخله على قَدْر كثرته وقِلَّته، وكان الرجل يأتي بالقِنْو والقِنْوين فيعلِّقه في المسجد، وكان أهلُ الصُّفَّة ليس لهم طعام، فكان أحدُهم إذا جاع أتى القِنْوَ فيضربه بعصاه، فيسقُطُ من البُسْر والتمر فيأكل، وكان ناسٌ ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقِنْو فيه الشِّيصُ (١) المحرر الوجيز ٣٦٨/١. (٢) نقل القاضي عياض في إكمال المعلم ٣٢٥/٦ عن الحربي أن الصّفَّة مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه، يبيتون فيه، ثم قال: وأصله صفة البيت، وهو مثل الظُّلَّة أمامه، وذكر عن بعضهم أنهم إنما سموا أصحاب الصُّفَّة لأنهم كانوا يصفون على باب المسجد. (٣) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١/ ٣٥٢. (٤) سلف تخريجه ص ٣٤٣ من هذا الجزء. ٣٧٢ سورة البقرة : الآية ٢٧٣ والحَشَف، وبالقِنْو قد انكسر، فيعلِّقه في المسجد، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِنَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنِفِقُونَ وَلَسْتُم بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾. قال: ولو أنَّ أحدكم أُهديَ إليه مثلُ ما أعطاه لم يأخُذْه إلا على إغماضٍ وحَيَاء. قال: فكنا بعد ذلك يأتي الرجلُ بصالحِ ما عنده. قال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيحٌ. قال علماؤنا: وكانوا رضي الله عنهم في المسجد ضرورةً، وأكلوا من الصَّدقة ضرورةً، فلمَّا فتح الله على المسلمين؛ استغنَوا عن تلك الحال وخرجوا، ثم مَلَكوا وتَأَمَّروا . ثم بَيَّن الله سبحانه من أحوالِ أولئك الفقراء المهاجرين ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عليهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمعنى: حُبسوا ومُنعوا. قال قتادة وابنُ زيد: معنى ﴿أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حَبَسوا أنفسَهم عن التصرُّف في معايشهم خوفَ العدوِّ(١)، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ لكون البلاد كلِّها كفراً مُطْبِقاً، وهذا في صدر الإسلام، فقِلَّتُهم (٢) تمنعُ من الاكتساب بالجهاد، وإنكارُ الكفّار عليهم إسلامَهم يمنعُ من التصرُّف في التجارة، فبقُوا فقراء(٣) . وقيل: معنى ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لِمَا قد ألزموا أنفسَهم من الجهاد، والأوَّل أظهرُ. والله أعلم. الثانية: قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: إنهم من الانقباض وتَرْكِ المسألة والتوُّل على الله بحيثُ يظنُّهم الجاهلُ بهم أغنياءَ. وفيه دليلٌ على أنَّ اسم الفقر يجوز أن يُطلق على مَنْ له كسوةٌ ذاتُ قيمةٍ، ولا يمنعُ ذلك من إعطاء الزكاة إليه، وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا من المهاجرين الذين يُقاتِلُون مع رسول الله وَّهِ غير مَرْضَى ولا عُمْيَان. (١) جاء قول قتادة وابن زيد في المحرر ٣٦٨/١: أحصر إنما يكون بالمرض والأعذار وحصر بالعدو، وذكر أن تفسير الإحصار بالعدو هو قول السدي. (٢) في (خ) و(م): فعلتهم. (٣) المحرر الوجيز ٣٦٨/١-٣٦٩. ٣٧٣ سورة البقرة : الآية ٢٧٣ والتَعفُّف تفَعُّلٌ، وهو بناءُ مبالغةٍ من عفَّ عن الشَّيء: إذا أمسَكَ عنه وتنزَّه عن طَلَبه، وبهذا المعنى فسَّر قَتادةُ وغيره. وفَتْحُ السِّين وكسرُها في ((يحسَبهم)) لغتان. قال أبو عليٍّ (١): والفتحُ أقْيَس؛ لأنَّ العينَ من الماضي مكسورةٌ، فبابُها أن تأتي في المضارع مفتوحةً، والقراءةُ بالكسر حسنةٌ؛ لمجيء السَّمْع به، وإن كان شاذّاً عن القياس. و((مِنْ)) في قوله: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ لابتداء الغاية، وقيل: لبيان الجنس(٢). الثالثة: قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾ فيه دليلٌ على أن للسِّيما أثراً في اعتبار من يظهَرُ عليه ذلك، حتى إذا رأينا ميتاً في دار الإسلام وعليه زُنَّارٌ وهو غيرُ مختونٍ لا يُدفَنُ في مقابر المسلمين، ويُقدَّم ذلك على حُكْم الدار في قولِ أكثر العلماء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]. فدلَّت الآيةُ على جواز صَرْف الصَّدقة إلى مَنْ له ثيابٌ وکسوةٌ وزِيٌّ في التجمُّل، واتفق العلماءُ على ذلك، وإن اختلفوا بعدَه في مقدارٍ ما يأخُذُه إذا احتاج؛ فأبو حنيفة اعتبر مقدارَ ما تجِبُ فيه الزكاةُ، والشافعيُّ اعتبر قوتَ سنةٍ، ومالكٌ اعتبرَ أربعين درهماً، والشافعيُّ لا يصرِفُ الزكاةَ إلى المكتسب. والسِّيما مقصورةً: العلامةُ، وقد تُمَدُّ فيقال: السيماء(٣). وقد اختلف العلماء في تعيينها هنا؛ فقال مجاهد: هي الخشوع والتواضُعُ. السُّدِّي: أَثَر الفاقَةِ والحاجة في وجوههم وقلَّة النِّعمة. ابنُ زيد: رَثَاثُ ثيابهم. وقال قومٌ، وحكاه مَكْيٌّ: أَثَرُ السُّجود. ابنُ عطيّة(٤): وهذا حسنٌ؛ وذلك لأنهم كانوا متفرِّغين متوَكِّلين، لا شُغْلَ لهم في الأغلب إلا الصَّلاة، فكان أَثَرُ السُّجود عليهم. (١) الحجة ٤٠٣/٢. (٢) المحرر الوجيز ٣٦٩/١. (٣) في المحرر الوجيز ٣٦٩/١ - والكلام منه -: السيمياء، بزيادة ياء، وبالمد. وكلاهما صحيح، قال الطبري ٢٧/٥ بعدما ذكر الآية: هذه لغة قريش، ومن العرب من يقول: ((بسيمائهم)) فيمدها، وأما ثقیف وبعض أسد فإنهم يقولون: ((بسیمیائھم)). (٤) المحرر الوجيز ٣٦٩/١، وما سبق منه، والآثار في معنى السيما في تفسير الطبري أيضاً ٢٧/٥-٢٩. ٣٧٤ سورة البقرة : الآية ٢٧٣ قلتُ: وهذه السِّيما التي هي أثرُ السجود اشترك فيها جميعُ الصحابة رضوان الله عليهم بإخبار الله تعالى في آخر ((الفتح)) بقوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِ رُحُومِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [٢٩] فلا فرقَ بينهم وبين غيرهم، فلم يَبْقَ إلا أن تكون السِّيماءُ أثرَ الخَصاصة والحاجة، أو يكون أثرُ السجود أكثر، فكانوا يُعرفون بصُفْرةِ الوجوه من قيام الليل وصومِ النهار. والله أعلم. وأما الخشوعُ فذلك محلُّه القلب، ويشتركُ فيه الغنيُّ والفقير، فلم يبقَ إلا ما اخترناه، والموفِّقُ الإله. الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًاً﴾ مصدرٌ في موضعٍ الحال، أي: مُلْحِفين، يقال: أَلْحَفَ، وأَخْفَى، وأَلْعَّ في المسألة، سواء، ويقال: وليس للمُلْحِف مِثْلُ الرَّد(١) واشتقاق الإلحاف من اللِّحاف(٢)، سُمِّيَ بذلك لاشتماله على وجوه الطَّلَب في المسألة كاشتمال اللِّحاف من التغطية، أي: هذا السائل يَعُمُّ الناسَ بسؤاله، فيُلحِفُهم ذلك، ومنه قولُ ابن أحمر: فَظَلَّ يَحُقُّهُنَّ بِقَفْقَفَيْهِ . ويَلْحَفُهُنَّ هَفْهافاً ثَخِينَا(٣) يَصِفُ ذَكَرِ النَّعام يحضُن بيضاً بجناحيه (٤)، ويجعلُ جناحَه لها كاللِّحاف، وهو رقیقٌ مع ثخنه. (١) الرجز لبشار بن برد، وهو في ديوانه ٥٥٨/١، وقبله: الحُرُّ يُلَحِى والعصا للعبد وتحرف فيه: للملحف إلى: للمحلف. انظر البيان والتبيين ٣٧/٣. (٢) في (خ): واشتقاق اللحاف من الإلحاف. وقال الزجاج في معاني القرآن ٣٥٧/١ ومعنى ألحف، أي: اشتمل بالمسألة وهو مستغن عنها، واللحاف من هذا اشتقاقه، لأنه يشمل الإنسان بالتغطية. وقال في أساس البلاغة (لحف): لحفه ثوباً وألحفه ... ومن المجاز: ألحف السائل: إذا شمل بسؤاله ... (٣) ديوانه ص١٥٨، وقفقفا الطائر: جناحاه، والهفهاف: الخفيف، سمي به الجناح لخفته، وجعله ثخيناً لتراكب الريش. اللسان: (قفف) و(هفف). (٤) المحرر الوجيز ٣٦٩/١. ٣٧٥ سورة البقرة : الآية ٢٧٣ وروى النَّسائيُّ ومسلم(١) عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله ◌ِ ﴿ قال: ((ليس المسكينُ الذي تردُّه التمرةُ والتمرتان واللُّقمة والُّقمتان، إنَّما المسكينُ المتعفِّفُ، اقرؤوا إن شئتمُ: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَاناً﴾)). الخامسة: واختلف العلماء في معنى قوله: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافَأْ﴾ على قولين؛ فقال قومٌ منهم الطبريُّ والزجَّاج(٢): إنَّ المعنى: لا يسألون البنَّةَ، وهذا على أنهم متعفِّفون عن المسألة عِفَّة تامَّة، وعلى هذا جمهورُ المفسرين، ويكون التعقُّفُ صفةً ثابتةً لهم، أي: لا يسألون الناس إلحاحاً ولا غيرَ إلحاح. وقال قوم: إن المرادَ نفيُ الإلحاف، أي: إنهم يسألون غيرَ إلحافٍ، وهذا هو السَّابق للفهم، أي: يسألون غيرَ مُلْحِفين، وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسألُ الناس إلحافاً (٣). روى الأئمة - واللفظُ لمسلم(٤) - عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله وسلم: ((لا تُلْحِفُوا في المسألة، فوالله لا يسألُني أحدٌ منكم شيئاً فَتُخرِجُ له مسألتُه مِنِّي شيئاً وأنا له كاره فيُبارَكَ له فيما أعطيتُه)). وفي ((الموطأ))(٥): عن زيد بن أَسْلَم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد أنه قال: نزلتُ أنا وأهلي ببَقِيع الغَرقَد، فقال لي أهلي: اذهب إلى رسول الله ﴿، فاسأله لنا شيئاً نأكُلُه، وجعلوا يَذْكُرون من حاجتهم، فذهبتُ إلى رسول الله ﴿ ﴿، فوجدتُ عنده رجلاً يسألُه ورسولُ اللهِوَله يقول: ((لا أجدُ ما أُعطيك)) فتولَّى الرجلُ عنه وهو مُغْضَبٌ وهو يقول: لَعَمْرِي إنك لتُعْطِي من شئتَ، فقال رسولُ الله ◌ِّهِ: ((إنه لَيغضَبُ عليَّ ألَّ أجدَ ما أُعطيه، من سأَلَ منكم وله أُوقِيَّة (١) صحيح مسلم (١٠٣٩) (١٠٢)، والمجتبى ٨٥/٥. وأخرجه كذلك البخاري (٤٥٣٩)، وهو في المسند (٩١٤٠). (٢) تفسير الطبري ٣٠/٥، ومعاني القرآن للزجَّاج ٣٥٧/١. (٣) المحرر الوجيز ٣٦٩/١-٣٧٠. (٤) صحيح مسلم (١٠٣٨)، وأخرجه أحمد (١٦٨٩٣)، والنسائي في المجتبى ٩٧/٥-٩٨. (٥) ٩٩٩/٢. ٣٧٦ سورة البقرة : الآية ٢٧٣ أو عِدْلُها فقد ألحف))(١). قال الأسديُّ: فقلتُ: لَلَفْحَةٌ لنا (٢) خيرٌ من أوقيَّة - قال مالك: والأوقيَّةُ أربعون درهماً - قال: فرجعتُ ولم أسأله، فقُدِمَ على رسول الله وَّه بعد ذلك بشعيرٍ وزبيب، فقَسَمَ لنا منه حتى أغنانا الله. قال ابن عبد البر(٣): هكذا رواه مالكٌ، وتابعه هشام بنُ سَعْد وغيره، وهو حديثٌ صحيحٌ، وليس حكمُ الصَّاحب(٤) إذا لم يُسَمَّ كحكم مَنْ دونه إذا لم يُسَمَّ عند العلماء؛ لارتفاع الجُرْحة عن جميعهم، وثبوتِ العدالة لهم. وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ السؤال مكروهٌ لمن له أوقيةٌ من فضَّة، فمن سأل وله هذا الحدُّ والعددُ والقَدْر من الفضَّة، أو ما يقومُ مقامَها ويكون عِدْلاً منها، فهو مُلْحِفٌ، وما علمتُ أحداً من أهل العلم إلا وهو يكرهُ السُّؤال لمن له هذا المِقْدار من الفضَّة أو عِدْلُها من الذهب على ظاهر هذا الحديث، وما جاءه من غير مسألةٍ فجائزٌ له أن يأكُلَه إن كان من غير الزكاة، وهذا ممَّا لا أعلم فيه خلافاً، فإن كان من الزكاة ففيه خلافٌ يأتي بيانُه في آية الصَّدقات إن شاء الله تعالى(٥). السادسة: قال ابنُ عبد البر(٦): مِن أحسن ما رُوي من أجوبة الفقهاء في معاني السُّؤال وكراهيته ومذهب أهل الوَرَع فيه ما حكاه الأَثْرم عن أحمد بن حَنْبل، وقد سُئل عن المسألة متى تَحِلُّ؟ قال: إذا لم يكن عنده ما يُغدِّيه ويُعَشِّيه على حديث سَهْل بن الحَنْظَلِيَّةِ(٧). قيل لأبي عبد الله: فإن اضطُرَّ إلى المسألة؟ قال: هي مباحةٌ له إذا اضطُرَّ. قيل له: فإن تعفَّفَ؟ قال: ذلك خيرٌ له. ثم قال: ما أظنُّ أحداً (١) في الموطأ: فقد سأل إلحافا. (٢) في النسخ: للقحتنا، والمثبت من (م) والموطأ. واللقحة بفتح اللام وكسرها: الناقة القريبة العهد بالنّتاج. النهاية: (لقح). (٣) في التمهيد ٤/ ٩٣-٩٧. (٤) في (م): الصحابي. (٥) هي قوله تعالى في سورة التوبة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ (٦٠). (٦) في التمهيد ٤/ ١٢٠-١٢٣. (٧) يريد به حديث النبي ◌َّاله: (من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم)) قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: ((ما يُغَدِّيه أو يُعَشِّيه)). أخرجه أحمد (١٧٦٢٥)، وأبو داود (١٦٢٩). ٣٧٧ سورة البقرة : الآية ٢٧٣ يموتُ من الجوع، الله يأتيه برزقه. ثم ذكر حديث أبي سعيد الخُذْرِيِّ: ((مَنِ استعفَّ أعقَّه الله))(١). وحديثَ أبي ذرٍّ، أن النبيَّ نَّه قال: ((تَعَقَّفْ))(٢). قال أبو بكر: وسمعتُه يُسأل عن الرجل الذي لا يجدُ شيئاً، أَيسأل الناسَ أم يأكُلُ الميتةَ؟ فقال: أيأكلُ الميتةَ وهو يَجِدُ من يسألُه! هذا شَنِعٌ. قال: وسمعتُه يُسأل(٣): هل يَسألُ الرجلُ لغيره؟ قال: لا، ولكن يُعَرِّض، كما قال النبيُّ وَّه حين جاءه قومٌ حُفَاة عُراة مُجْتابِي النِّمار، فقال: (تَصَدَّقوا)) ولم يقل: أعطوهم(٤). قال أبو عمر: قد قال النبيُّ وَّ: ((اشفعوا تُؤْجَرُوا))(٥)، وفيه إطلاقُ السُّؤال لغيره. والله أعلم. وقال: ((ألا رجلٌ يتصدَّقُ على هذا [فيُصَلِّيَ معه]؟))(٦). قال أبو بكر: قيل له - يعني أحمد بن حنبل -: فالرجلُ يَذْكُر الرجلَ فيقول: إنه محتاجٌ؟ فقال: هذا تعريضٌ، وليس به بأس، إنَّما المسألةُ أن يقول: أَعْطِهِ. ثم قال: لا يُعجبني أن يسأل المرءُ لنفسه، فكيف لغيره! والتعريضُ هاهنا أعجَبُ (٧) إليَّ. قلتُ: قد روى أبو داود والنَّسائيُّ(٨) وغيرهما أنَّ الفِراسيَّ قال لرسول الله وَّه: أَسْأَلُ يا رسول الله؟ قال: ((لا، وإن كنتَ سائلاً لا بُدَّ فاسأل الصَّالحين)). فأباح ◌ِّ سؤالَ أهل الفَضْل والصَّلاح عند الحاجة إلى ذلك، وإن أوقَعَ حاجتَه بالله فهو أعْلَى. قال إبراهيم بنُ أَذهم: سؤالُ الحاجات من الناس هي الحجابُ بينك (١) أخرجه أحمد (١٠٩٨٩)، والبخاري (١٤٦٩). (٢) أخرجه أحمد (٢١٣٢٥)، وابن حبان (٦٦٨٥) في سياق حديث طويل. (٣) في (م): يسأله. (٤) أخرجه مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، وسلف ٤٢٨/١. قوله: النِّمار، بكسر النون، جمع نَمرة، بفتحها، وهي ثياب صوف فيها تنمير. وقوله: مجتابي النمار، أي: خرقوها وقوّروا وسطها. شرح مسلم للنووي ٧/ ١٠٢ . (٥) أخرجه أحمد (١٩٥٨٤)، والبخاري (١٤٣٢)، ومسلم (٢٦٢٧) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. (٦) أخرجه أحمد (١١٦١٣)، وأبو داود (٥٧٤) من حديث أبي سعيد الخدري، وما بين حاصرتين من مصادر التخريج. (٧) في (د) و(م): هنا أحب، والمثبت من (خ) و(ظ) والتمهيد. (٨) سنن أبي داود (١٦٤٦)، والمجتبى ٩٥/٥، وهو في المسند (١٨٩٤٥). ٣٧٨ سورة البقرة : الآية ٢٧٣ وبين الله تعالى، فَأَنْزِلْ حاجتَكَ بمن يملِكُ الضُّرَّ والنّفْع، وليكن مَفْزَعُك إلى الله تعالى يَكْفِكَ (١) الله ما سواه، وتعيشُ مسروراً. السَّابعة: فإن جاءه شيءٌ من غير سؤال فله أن يقبّلَه ولا يَرُدَّه؛ إذ هو رزقٌ رزقَهُ الله. روى مالك(٢) عن زيد بن أَسْلَم، عن عطاء بن يسار، أنَّ رسول اللهِ وَه أرسل إلى عُمر بنِ الخطّاب بعطاءٍ فردَّه، فقال له رسول الله وَله: (لِم رَدَدْتَه؟» فقال: يا رسولَ الله، أليسَ أخبرتَنا أنَّ أحدَنا خيرٌ له ألَّ يأخُذَ شيئاً؟ فقال رسول الله ﴿: ((إنَّما ذاك عن المسألة، فأمَّا ما كان من غير مسألةٍ؛ فإنَّما هو رزقٌ رَزَقَكَه الله)). فقال عمر بنُ الخطّاب: والذي نفسي بيده، لا أسألُ أحداً شيئاً، ولا يأتيني شيءٌ من غير مسألةٍ إلا أخذتُه. وهذا نصّ. وخرَّجَ مسلمٌ في ((صحيحه))، والنَّسائيُّ في ((سننه))(٣)، وغيرُهما عن ابن عمر قال: سمعتُ عمر يقول: كان النبيُّ وَهِ يُعطيني العطاءَ، فأقول: أَعْطِهِ أفقَرَ إليه مِنِّي، حتى أعطاني مرَّة مالًا، فقلتُ: أعْطِهِ أفقَرَ إليه منِّي، فقال رسول الله إِليه : (خُذْه، وما جاءك من هذا المال وأنتَ غيرُ مُشْرِفٍ ولا سائِلٍ فخذه، وما لا، فلا تُتْبِعه نفْسَك)). زاد النسائيُّ بعد قوله: ((خُذْه)): ((فَتَمَوَّلْه أو تصدّقْ به)). وروى مسلم(٤) من حديث عبد الله بن السَّعْديِّ المالكيِّ، عن عمر، فقال لي رسول الله ﴿﴿: ((إذا أُعطِيتَ شيئاً من غير أن تَسأل فكُلْ وتصدَّقْ)). وهذا يُصحّحُ لك حديثَ مالكِ المُرْسَل. قال الأَثْرَمِ: سمعتُ أبا عبد الله أحمدَ بنَ حنبل يُسألُ عن قول النبيِّ وَلير: ((ما أتاك من غيرِ مسألةٍ ولا إشرافٍ»: أيَّ الإشراف أراد؟ فقال: أن تستشرِفَه وتقول: لعلَّه يُبعَثُ إليّ، بقلبك، قيل له: وإن لم يتعرَّضْ، قال: نعم، إنَّما هو بالقلب، قيل (١) في (د) و(م): يكفيك، والمثبت من (خ) و(ظ). (٢) في الموطأ ٩٩٨/٢. (٣) صحيح مسلم (١٠٤٥): (١١٠)، وسنن النسائي ١٠٥/٥، وأخرجه أيضاً البخاري (٧١٦٤)، وهو في المسند (١٣٦). (٤) صحيح مسلم (١٠٤٥): (١١٢) وفيه قصة، وأخرجه البخاري (٧١٦٣)، وهو في المسند (١٠٠). ٣٧٩ سورة البقرة : الآية ٢٧٣ له: هذا شديدٌ! قال: وإن كان شديداً فهو هكذا، قيل له: فإن كان رجلٌ لم يعوِّدني أن يُرسِلَ إليَّ شيئاً، إلا أنه قد عَرَضَ بقلبي، فقلتُ: عسى أن يبعَثَ إليَّ. قال: هذا إشرافٌ، فأمَّا إذا جاءك من غيرِ أن تَحْتَسِبَه، ولا خَطَر على قلبك، فهذا الآن ليس فيه إشرافٌ. قال أبو عمر (١): الإشرافُ في اللغة: رفعُ الرأس إلى المطموع عنده والمطموع فيه، وأن يَهَشَّ الإنسانُ ويتعرَّضَ. وما قاله أحمدُ في تأويله الإشراف تضييقٌ وتشديدٌ، وهو عندي بعيدٌ؛ لأنَّ الله عز وجل تجاوَزَ لهذه الأمَّة عمَّا حدَّثت به أنفُسَها ما لم ينطقْ به لسانٌ أو تعمَلْه جارحةٌ، وأما ما اعتقدَهُ القلبُ من المعاصي ما خلا الكفرَ؛ فليس بشيء حتى يعمَلَ به، وخطراتُ النَّفْس متجاوَزٌ عنها بإجماعِ. الثامنة: الإلحاحُ في المسألة والإلحافُ فيها مع الغنى عنها حرامٌ لا يَحِلُّ. قال رسول الله وَله: ((من سأل الناسَ أموالَهم (٢) تكثُّرًا فإنَّما يسألُ جَمْرًا، فليَستَقِلَّ أو لِيَستكثِرْ)). رواه أبو هريرة، خرَّجه مسلم(٣). وعن ابن عمر أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((لا تزالُ المسألةُ بأحدِكم حتى يلقى اللهَ وليس في وجهه مُزْعَةُ لحم)). رواه مسلمٌ أيضاً(٤). التاسعة: السائلُ إذا كان محتاجاً فلا بأس أن يُكَرِّرَ المسألةَ ثلاثاً؛ إعذاراً وإنذاراً، والأفضل تَرْكُه(٥)، فإن كان المسؤول يعلمُ ذلك وهو قادرٌ على ما سأله؛ وجَبَ عليه الإعطاءُ، وإن كان جاهلاً به فيعطيه مخافةً أن يكون صادقاً في سؤاله فلا يفلحُ في رَدِّه. العاشرة: فإن كان محتاجاً إلى ما يُقيم به سُنَّةً، كالتجمُّلِ بثوبٍ يلبَسُه في العيد والجمعة، فذكر ابنُ العربيِّ(٦): سمعتُ بجامع الخليفة ببغدادَ رجلاً يقول: هذا (١) التمهيد ٨٩/٥- ٩٠، وعنه نقل المصنف قول الأثرم. (٢) في النسخ: من سأل أموال الناس، والمثبت من (م) وصحيح مسلم. (٣) صحيح مسلم (١٠٤١)، وهو في المسند (٧١٦٣). (٤) صحيح مسلم (١٠٤٠): (١٠٣)، وأخرجه أيضاً البخاري (١٤٧٤)، وهو في المسند (٤٦٣٨). (٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢٤٠/١. (٦) أحكام القرآن ١/ ٢٤٠. ٣٨٠ سورة البقرة : الآية ٢٧٤ أخوكم يحضُرُ الجمعةَ معكم، وليس عنده ثيابٌ يُقيمُ بها سُنَّة الجمعة، فلما كان في الجمعة الأُخرى رأيتُ عليه ثياباً أخر، فقيل لي: كساه إيَّاها أبو الطّاهر البرسني أَخْذَ الثناء(١). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِنَّا وَعَلَانِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ فيه مسألة واحدة: رُوي عن ابن عباس وأبي ذَرِّ وأبي أمامة وأبي الدَّرداء وعبد الله بن بِشْر الغافقيِّ والأوزاعيِّ أنها نزلت في عَلَفِ الخيل المربوطة في سبيل الله(٢). وذكر ابنُ سَعْد في ((الطبقات)) قال: أُخبرت عن محمد بن شعيب بن شابور، قال: أخبرنا سعيد بنُ سِنان، عن يزيد بن عبد الله بن عَرِيب، عن أبيه، عن جدِّه عَريب(٣): أن رسول الله وَ﴿ سُئل عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالتَّهَارِ سِنَّاً وَعَلَنِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ﴾ قال: ((هم أصحابُ الخيل)). وبهذا الإسناد قال: قال رسول اللهِ وَله: ((المُنْفِقُ على الخيل كباسطِ يدِهِ بالصدقة لا يقبِضُها، وأبوالُها وأَرْواتُها [عند الله] يوم القيامة كَذَكِيّ المسك))(٤). ورُوي عن ابن عباس أنه قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، كانت معه أربعةُ دارهم، فتصدَّق بدرهم ليلاً، ويدرهم نهاراً، وبدرهم سرًّا، وبدرهم جهراً؛ ذكره عبد الرزاق قال: أخبرنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، (١) كذا في النسخ، والذي في أحكام القرآن: رأيت عليه ثياباً جدداً، فقيل لي: كساه إياها فلان لأخذ الثناء بها. ولم نقف على ترجمة أبي الطاهر البرسني. (٢) المحرر الوجيز ٣٧١/١. (٣) عريب - بمهملة بوزن عظيم - المُلَيْكي، أبو عبد الله، عداده في أهل الشام، قال البخاري: له صحبة، وقال ابن السكن: يقال إنه كان راعياً لرسول الله وص له. الإصابة ٤١٩/٦. (٤) طبقات ابن سعد ٤٣٣/٧-٤٣٤ وما بين حاصرتين منه، وأخرجهما بنحوهما الطبراني ١٧ / (٥٠٤) و(٥٠٥) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧/٧: فيه مجاهيل.