النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة البقرة : الآية ٢٦٦ قوله تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ُ عَطَفَ ماضِياً على مستقبل وهو ((تَكُونَ))، وقيل: ((يَوَدُّ). فقيل: التقدير: وقد أصابه الكِبَر. وقيل: إنه محمول على المعنَى؛ لأنَّ المعنَى: أيوةُ أحدُكم أنْ لو كانت له جنَّة. وقيل: الواو واو الحال، وكذا في قوله تعالى: ((وَلَهُ))(١). قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَآَ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَأَخْتَرَقَتْ﴾ قال الحسن: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ ريحٌ فيها بردٌ شديد. الزجاج: الإعصار في اللغة: الريحُ الشديدة التي تَهُبُّ منَ الأرض إلى السماء كالعمود، وهي التي يقال لها: الزوبعة. قال الجوهريُّ: الزوبعة: رئيسٌ من رؤساء الجِنّ، ومنه سمِّيَ الإعصارُ زوبعةً. ويقال: أمُّ زوبعة، وهي ريحٌ تُثير الغبار، وترتفع إلى السماء، كأنه(٢) عمود. وقيل: الإعصار: ريح تثير سحاباً ذا رعد وبرق. المَهْدَوِيُّ: قيل لها: إعصار؛ لأنها تلتفُّ كالثوب إذا عُصِر. ابن عطية (٣): وهذا ضعيف. قلت: بل هو صحيح؛ لأنه المشاهدُ المحسوس، فإنه يصعد عموداً مُلْتَقًّا . وقيل: إنما قيل للريح: إعصار؛ لأنه يَعْصِر السحابَ، والسحابُ مُعْصِرات؛ إمَّا لأنها حوامل، فهي كالمُعْصِر(٤) من النساء، وإمَّا لأنها تنعصر بالرياح. وحكى ابن سِيدَه: أنَّ المعصرات فسَّرها قومٌ بالرياح، لا بالسحاب. ابن زيد: الإعصار: ريح عاصف وسَموم شديدة؛ وكذلك قال السُّدِّي: الإعصار: الريح، والنار: السَّموم. ابن عباس: ريحٌ فيها سَموم شديدة. قال ابن عطية(٥): ويكون ذلك في شدَّة الحرِّ، ويكون في شدَّة البرد، وكل ذلك من فَيْح جهنم ونَفَسِها، كما تضمن قول النبيِّ وَّهِ: ((إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا عن (١) انظر إعراب القرآن للنحاس ٣٣٦/١. (٢) في (م): كأنها. والمثبت موافق للصحاح. (٣) المحرر الوجيز ٣٦١/١. وما قبله منه. وانظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣٤٩/١، والصحاح للجوهري (زبع). (٤) المعصر: الجارية أول ما تحيض، لانعصار رحمها. النهاية (عصر). (٥) المحرر الوجيز ٣٦٠/١-٣٦١. وما قبله منه. وانظر المخصص لابن سيده ٩٦/٩، وتفسير الطبري ٤ / ٦٩٢. ٣٤٢ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ الصلاة، فإنَّ شِدَّة الحرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وإِنَّ النَّارَ اشتكتْ إلى ربِّها)) الحديث(١). ورُوي عن ابن عباس وغيره: أن هذا مَثَلٌ ضربه الله تعالى للكافرين والمنافقين، كهيئة رجل غرس بستاناً، فأكثر فيه منَ الثمر، فأصابه الكِبَر، وله ذريةٌ ضعفاءُ - يريد صبياناً، بناتٍ وغلماناً - فكانت معيشتُه ومعيشةُ ذريته من ذلك البستان، فأرسلَ اللهُ على بستانه ريحاً فيها نار فأحرقته، ولم يكن عنده قوَّةٌ فيغرسه ثانيةً، ولم یکن عند بنيه خيرٌ فيعودون على أبيهم. وكذلك الكافر والمنافق إذا وردَ إلى الله تعالى يوم القيامة ليست له كَرَّةٌ يُبعث فيردُّ ثانية، كما ليست عند هذا قوَّةٌ فيغرس بستانه ثانيةً، ولم يكن عند منِ افتقر إليه عند کِبَرِ سِنِّهِ وضعفٍ ذرِّیته غِنّی عنه. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ يريد كي ترجعوا إلى عظمتي وربوبيتي، ولا تتخذوا من دوني أولياء. وقال ابن عباس أيضاً: تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها(٢). قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِنَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَعَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بَِاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهٍ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدُ فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ﴾ هذا خطابٌ لجميع أُمة محمد ۀ واختلف العلماءُ في المعنى المراد بالإنفاق هنا؛ فقال عليّ بن أبي طالب وعَبِيدَةُ السَّلْمانيُّ وابنُ سِيرين: هي الزكاة المفروضة، نهى الناسَ عن إنفاق الرَّديء فيها بدل الجَيِّد. (١) أخرجه البخاري (٥٣٦-٥٣٧)، ومسلم (٦١٥) و(٦١٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقوله ((فيح جهنم)) أي: شدة غليانها وحرِّها. النهاية (فيح). (٢) ذكر نحوه الطبري ٦٨٦/٤ -٦٨٧. ٣٤٣ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ قال ابن عطية (١): والظاهرُ من قول البراء بن عازِب والحسن وقتادة أنَّ الآيةَ في التطوُّع، نُدِبوا إلى أن لا يتطوَّعوا إلا بمختارٍ جيّد، والآيةُ تعمُّ الوجهين، لكنَّ صاحب الزكاة تعلَّق بأنها مأمورٌ بها، والأمرُ على الوجوب، وبأنه نهى عن الرَّديء، وذلك مخصوصٌ بالفرض(٢)، وأما التطوُّع فكما للمرء أن يتطوَّع بالقليل، فكذلك له أن يتطوَّع بنازِلٍ في القَدْر، ودرهمٌ [زائفٌ] خيرٌ من تمرة(٣). تمسَّك أصحابُ النَّدب بأن لفظة اِفْعَلْ صالح للنَّدب صلاحيتَه للفرض، والرَّديُ منهيٌّ عنه في النفل كما هو منهيٌّ عنه في الفرض(٤)، والله أحقُّ من اخْتِيرَ له. وروى البراء أن رجلاً علَّق قِنْوَ حَشَفٍ، فرآه رسولُ اللهِ وَله، فقال: ((بئسما علَّق)) فنزلت الآية، خرَّجه الترمذيُّ(٥)، وسيأتي بكماله (٦). والأمرُ على هذا القول على الندب، نُدِبوا إلى أن لا يتطوَّعوا إلا بجيِّدٍ مختار. وجمهور المتأوّلین قالوا: معنی ﴿مِن طَبَتِ﴾ من جيّدٍ ومختار ما كسبتُم، وقال ابنُ زيد: من حلال ما كسبتُم (٧). الثانية: الكَسْب يكون بتعبٍ بدنٍ وهي الإجارةُ، وسيأتي حكمها(٨)، أو مُقاوَلةٍ في تجارة وهو البيعُ، وسيأتي بيانُه(٩)، والميراث داخلٌ في هذا؛ لأنَّ غيرَ الوارث قد كسبه(١٠). (١) المحرر الوجيز ٣٦١/١، وتفسير الطبري ٤ / ٦٩٤. (٢) انظر أحكام القرآن لابن العربي ٢٣٤/١. (٣) المحرر الوجيز ٣٦١/١، وما بين حاصرتين منه. (٤) أحكام القرآن ٢٣٥/١، وانظر التقريب والإرشاد للباقلاني ٢٦/٢. (٥) سنن الترمذي (٢٩٨٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وأخرجه كذلك ابن ماجه (١٨٢٢). والقِنْو: العِذْق بما فيه من الرطب، والحشف: اليابس الفاسد من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له، كالشِّيص. النهاية (قنو، حشف). (٦) ص ٣٧١ من هذا الجزء. (٧) المحرر الوجيز ٣٦١/١. (٨) عند تفسير قوله تعالى: ﴿عَلَىَ أَن تَأْجُرَّبِ ثَمَِىَ حِجَجْ﴾ (القصص: ٢٧). (٩) ص ٣٩٥ من هذا الجزء. (١٠) انظر المحرر الوجيز ٣٦٢/١. ٣٤٤ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ قال سَهْل بنُ عبد الله: وسُئل ابنُ المبارك عن الرجل يريد أن يكتسِبَ وينويَ باكتسابه أن يصِلَ به الرَّحم، وأن يُجاهد، ويعمَلَ الخيراتِ، ويدخلَ في آفاتٍ الكَسْب لهذا الشأن، قال: إن كان معه قَوامٌ من العيش بمقدار ما يَكُفُّ نفسه عن الناس فتركُ هذا أفضلُ؛ لأنه إذا طلَبَ حلالاً وأنفق في حلال، سُئل عنه وعن كَسْبه وعن إنفاقه، وتركُ ذلك زهدٌ؛ فإن الزهدَ في ترك الحلال. الثالثة: قال ابنُ خُوَيزمنداد: ولهذه الآية جازَ للوالد أن يأكل من کَسْب ولده؛ وذلك أنَّ النبيَّ وَّهِ قال: ((أولادُكم من طَيِّب أَكْسابكم، فكُلُوا من أموال أولادكم هَنِيئاً))(١). الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني النباتَ والمعادنَ والرِّكاز، وهذه أبوابٌ ثلاثةٌ تضمَّنتها هذه الآية. أما النباتُ فروى الدار قطنيُّ عن عائشة رضي الله عنها قالت: جرتِ السُّنة من رسول الله ﴿* [أنه] ليس فيما دونَ خمسةٍ أَوْساقٍ زكاةٌ، والوَسْقُ ستون صاعاً، فذلك ثلاث مئة صاع من الحنطة والشَّعير والتَّمر والزَّبيب، وليس فيما أنبتت الأرضُ من الخُضَر زكاة (٢). وقد احتجَّ قومٌ لأبي حنيفة بقول الله تعالى: ﴿وَمِنَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ وأن ذلك عمومٌ في قليلٍ ما تُخرجُه الأرضُ وكثيرِهِ، وفي سائر الأصناف، ورأوا ظاهِرَ الأمر الوجوبَ. وسيأتي بيانُ هذا في ((الأنعام)) مستوفّى (٣). وأما المَعْدِنُ؛ فروى الأئمة عن أبي هريرة، عن رسول الله بَ ليل أنه قال: ((العَجْماءُ جَرْحُها جُبَارٌ، والبئر جُبارٌ، والمَعْدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكاز الخُمُسُ))(٤). قال (١) أخرجه أحمد (٧٠٠١)، وأبو داود (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وفيه: من أطيب كسبكم. وفي الباب عن السيدة عائشة عند أحمد (٢٤٠٣٢)، وانظر تتمة شواهده في المسند (٦٦٧٨). (٢) سنن الدارقطني ١٢٩/٢، وما بين حاصرتين منه وجاء في (م): أوسق، بدل أوساق. (٣) في المسألة السادسة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِيٌ﴾ [١٤١]. (٤) أخرجه البخاري (١٤٩٩)، ومسلم (١٧١٠)، وأحمد (٧٢٥٤) وقوله: العجماء جبار: سيرد بيانه عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِ الْحَرَّثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] المسألة الرابعة عشر. وقوله: ((البئر جبار))= ٣٤٥ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ علماؤنا(١): لمَّا قَال ◌َّهِ: ((وفي الرِّكاز الخُمُس)) دلَّ على أنَّ الحكم في المعادن غيرُ الحكم في الرِّكاز؛ لأنه وَ ﴿ قد فَصَلَ بين المعادن والرِّكاز بالواو الفاصلة، ولو كان الحكم فيهما سواءً لقال: والمعدنُ جُبارٌ وفيه الخُمُس، فلما قال: ((وفي الرِّكاز الخُمُس)) عُلم أن حكم الرِّكاز غيرُ حكم المعدِن فيما يُؤخذ منه، والله أعلم. والرِّكازُ أصله في اللغة: ما ارتكّز بالأرض من الذَّهب والفضّة والجواهر، وهو عند سائر الفقهاء كذلك؛ لأنهم يقولون في النَّدْرة(٢) التي تُوجد في المعدِن مرتكزةً بالأرض لا تُنال بعمل ولا بسَعْي ولا نَصَبٍ: فيها الخُمُسُ؛ لأنها رِكاز(٣). وقد رُوي عن مالك أن النَّدْرة في المعدِن حكمُها حكم ما يُتكلَّف فيه العملُ مما يُستخرج من المعدِن في الرِّكاز، والأوَّلُ تحصيلُ مذهبِهِ، وعليه فتوى جمهور الفقهاء(٤). وروى عبد الله بنُ سعيد بن أبي سعيد المَقْبُريُّ، عن أبيه، عن جدِّه، عن أبي هريرة قال: سُئل رسولُ اللهِ وَلِّ عن الرِّكاز فقال: ((الذَّهبُ الذي خلق الله في الأرض يومَ خلَقَ السماواتِ والأرض»(٥). عبد الله بنُ سعيد هذا متروكُ الحديث، ذكر ذلك ابنُ أبي حاتم، وقد رُوي من طريقٍ أُخرى عن أبي هريرة، ولا يصحُّ، ذكره الدَّار قطنيُّ(٦). = أي: إذا حفرها الإنسان في ملكه على الوجه الجائز، فهلك فيها شيء فلا شيء على صاحب البئر. و((المعدن جبار)) يعني لو انهار المعدن على العَمّلة، فإن لم يكن رب المعدن قد غرهم، وهلكوا فلا يلزمه شيء ولا عاقلته. المفهم ١٤٥/٥ . (١) انظر التمهيد ٣١/٧. (٢) ندر الشيء: سقط، وإنما يقال ذلك لشي يسقط من بين شيء، أو من جوف شيء، والندرة: القطعة من الذهب أو الفضة توجد في المعدن. تهذيب اللغة ١٤ / ٩٥. (٣) التمهيد ٧/ ٣٠. وتحرفت فيه الندرة إلى البدرة. (٤) الكافي لابن عبد البر ٢٩٦/١. (٥) أخرجه البيهقي ١٥٢/٤، ونقل عن الشافعي قوله: قد روى أبو سلمة وسعيد (يعني ابن المسيب) وابن سيرين ومحمد بن زياد وغيرهم عن أبي هريرة حديثه عن النبي وهو ((في الركاز الخمس)) لم يذكر أحد منهم شيئاً من الذي ذکر المقبري في حديثه، والذي روی ذلك شیخ ضعیف، إنما رواه عبد الله بن سعيد المقبري، وعبد الله قد اتقى الناسُ حديثَه، فلا يجعل خبر رجل قد اتقى الناسُ حديثَه حجة. (٦) العلل ١٢٣/١٠ من طريق حبان بن علي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ومن طريق الدارقطني أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/ ٥٠٠. ٣٤٦ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ ودَفْنُ الجاهلية لأموالهم عند جماعةِ العلماء رِكازٌ أيضاً، لا يختلفون فيه إذا كان دفنُه قبل الإسلام من الأموال العادية(١)، وأمَّا ما كان من ضَرْبِ الإسلام فحكمه عندهم حكم اللَّقَطَّة. الخامسة: واختلفوا في حكم الرِّكاز إذا وُجِدَ؛ فقال مالك: ما وُجِدَ من دَفْن الجاهليّة في أرض العرب، أو في فیافي الأرض التي مَلَگها المسلمون بغیر حربٍ فهو لواجده، وفيه الخُمُس، وأمَّا ما كان من ضَرْبٍ(٢) الإسلام فهو كاللُّقَطة، قال: وما وُجِدَ من ذلك في أرض العَنْوة فهو للجماعة الذين افتتحوها دونَ واجِدِه، وما وُجِدَ من ذلك في أرض الصُّلْح فإنه لأهل تلك البلاد دونَ الناس، ولا شيءً للواجد فيه، إلّا أن يكون من أهل الدار، فهو له دونَهم. وقيل: بل هو لجملةٍ أهل الصُّلح(٣). قال إسماعيل(٤): وإنما حُكِمَ للرِّكاز بحكم الغَنيمة؛ لأنه مالُ كافٍ وجَدَه مسلم، فأُنزِلَ منزلةً من قاتَلَه وأخَذَ مالَه، فكان له أربعةُ أخماسِهِ. وقال ابنُ القاسم: كان مالك يقول في العُروض والجواهر والحديد والرَّصاص ونحوه يُوجَدُ رِكازًا: إنَّ فيه الخُمُس، ثم رجَعَ فقال: لا أرى فيه شيئًا، ثم آخر ما فارقناه [عليه] أن قال: فيه الخُمُس. وهو الصّحيح؛ لعموم الحديث، وعليه جمهور الفقهاء. وقال أبو حنيفة ومحمد في الرِّكاز يُوجَدُ في الدار: إنه لصاحب الدار دون الواجِدِ، وفيه الخُمُس، وخالَفَه أبو يوسف فقال: إنه للواحِدِ دون صاحب الدار، وهو قولُ الثَّوريِّ، وإِن وُجِدَ في الفَلاة فهو للواجِدِ في قولهم جميعًا، وفيه الخُمس، ولا فرقَ عندهم بين أرض الصُّلح وأرض العَنْوة، وسواءٌ عندهم أرضُ العرب وغيرُها، وجائزٌ عندهم لواجِدِه أن يحتَبِسَ الخُمُس لنفسه إذا كان محتاجاً، وله أن يُعطيَه للمساكين(٥). (١) في التمهيد ٧/ ٣٠-٣١ (والكلام منه): الأمور العادية. (٢) في النسخ و(م): في أرض، والمثبت من الكافي، وانظر المدونة ٢٩٠/١، والنوادر والزيادات ٢٠٢/٢. (٣) الكافي ١/ ٢٩٧. (٤) هو ابن إسحاق. (٥) انظر التمهيد ٢٩ - ٣٠، وما بين حاصرتين منه. ٣٤٧ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ ومِن أهل المدينة وأصحاب مالك من لا يُفرِّقُ بين شيء من ذلك، وقالوا: سواءٌ وُجِدَ الرِّكاز في أرض العَنْوة، أو أرض الصُّلح، أو أرض العرب، أو أرض الحرب، إذا لم يكن مِلْكاً لأحدٍ، ولم يَدَّعِهِ أحدٌ، فهو لواجده، وفيه الخُمُس على عموم ظاهر الحديث، وهو قول اللَّيث وعبد الله بن نافع والشافعيِّ وأكثر أهل العلم (١). السَّادسة: وأما ما يُوجَدُ من المعادن ويَخْرُج منها فاختلف فيه؛ فقال مالك وأصحابه: لا شيء فيما يَخْرُج من المعادن من ذهبٍ أو فضَّة حتى يكون عشرين مِثْقالاً ذهباً، أو خمسَ أواقيَ فضَّة، فإذا بلغتا هذا المقدارَ وجبتْ فيهما الزكاةُ، وما زاد فبحسابٍ ذلك ما دام في المَعَدِن نَيْلٌ، فإن انقطَعَ ثم جاء بعد ذلك نَيْلٌ آخر؛ فإنه يُبتدأُ فيه الزكاةُ مكانَه، والمعدِنُ(٢) عندهم بمنزلة الزَّرع، تُؤخذ منه الزكاةُ في حِيْنِه، ولا يُنتَظَّر به حَوْلاً. قال سُحنون في رجل له معادن: إنه لا يضمُّ ما في واحدٍ منها إلى غيرها ولا يُزِّي إلا عن مئتي درهم أو عشرين ديناراً في كلِّ واحد، وقال محمد بن مَسْلَمة: يَضُمُّ بعضَها إلى بعض ويُزَكِّي الجميعَ كالزرع. وقال أبو حنيفة وأصحابه: المعدِنُ كالرِّكاز، فما وُجِدَ في المعدن من ذهبٍ أو فضَّة بعد إخراج الخُمُس اعتُبِرَ كلُّ واحدٍ فيما(٣) حصَلَ بيده ما تجب فيه الزَّكاة؛ زّاهُ لتمام الحول؛ إن أتى عليه حولٌ وهو نِصابٌ عنده، هذا إذا لم يكن عنده ذهبٌ أو فضَّة وجبت فيه الزكاةُ، فإن كان عنده من ذلك ما تجِبُ فيه الزكاةُ ضَمَّه إلی ذلك وزّاه، وكذلك عندهم كلُّ فائدة تُضَمُّ في الحول إلى النِّصاب من جنسها وتُزَّى بحول الأصل، وهو قول الثَّري. وذكر المُزَنيُّ عن الشافعيِّ قال: وأما الذي أنا واقفٌ فيه فما يَخْرِجُ من المعادن. قال المُزَنيُّ: الأولى به على أصله أن يكون ما يَخْرج من المعدِن فائدةً یُزگَّی لحوله بعد إخراجه. وقال اللَّيث بنُ سَعْد: ما يَخْرج من المعادن من الذّهب والفضّة فهو بمنزلة الفائدة (١) الكافي ١/ ٢٩٧. (٢) في النسخ و(م): والركاز، وهو خطأ، والمثبت من التمهيد ٣٢/٧، وانظر المدونة ٢٨٨/١. (٣) في (م): اعتبر كل واحد منهما فمن. ٣٤٨ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ يَستأنِفُ به حولاً، وهو قول الشافعيِّ فيما حصَّله المُزَنيُّ من مذهبه، وقال به داود وأصحابه إذا حال عليها الحَول عند مالكٍ صحيح المِلْك؛ لقوله وَله: ((من استفادَ مالاً فلا زكاةَ عليه حتى يَحُولَ عليه الحَول)). أخرجه التِّرمذيُّ والدَّارَقُطنيُّ(١). واحتجُّوا أيضاً بما رواه عبد الرحمن بنُ [أَبي] نُعْم، عن أبي سعيد الخُذريِّ أنَّ النبيَّ وَّ﴿ أعطى قوماً من المُؤَلَّفة قلوبُهم ذُهَيبةً في تربتها، بَعَثَها عليٍّ رضي الله عنه من اليمن(٢). قال الشافعيُّ: والمؤلّفةُ قلوبُهم حقُّهم في الزكاة، فتبيَّن بذلك أن المعادن سُنّها سُنَّة الزكاة. وحجَّة مالك حديثُه عن ربيعةَ بنِ أبي عبد الرحمن، أن النبيَّ وَّ أَقَطَعَ بلالَ بنَ الحارث المعادنَ القَبَلِية وهي من ناحية الفُرْعِ، فتلك المعادنُ لا يُؤْخَذُ منها إلى اليوم إلا الزكاة(٣). وهذا حديثٌ منقطعُ الإسناد، لا يَحتجُّ بمثله أهلُ الحديث، ولكنَّه عملٌ يُعمَلُ به عندهم في المدينة(٤) . ورواه الدّرَاوَزْدِيّ عن ربيعة، عن الحارث بن بلال المُزَنِيّ، عن أبيه. ذكره البزّار(٥). (١) سنن الترمذي (٦٣١)، وسنن الدار قطني ٢/ ٩٠ من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما. ثم أخرجه الترمذي (٦٣٢) من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، موقوفاً. وقال: وهذا أصح من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. (٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٤)، ومسلم (١٠٦٤)، وأحمد (١١٦٤٨) مطولاً. وتحرف ابن أبي نعم في النسخ إلى ابن أنعم. (٣) الموطأ ٢٤٨/١-٢٤٩، ومن طريقه أخرجه أبو داود (٣٠٦١). قال في النهاية (قبل): القبلية: منسوبة إلى قَبَل - بفتح القاف والباء - وهي ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل: هي من ناحية الفُرْع: وهو موضع بين نخلة والمدينة. (٤) التمهيد ٧/ ٣١-٣٤. (٥) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٣٧/٣ - وعنه نقل المصنف - من طريق البزار، وليس في مسنده. وأخرجه أبو عبيد في الأموال ص٢٧٣، وابن خزيمة (٢٣٢٣)، والحاكم ٤٠٤/١، والبيهقي ٤/ ١٥٢ من طريق نعيم بن حماد، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، به. ولفظه: أن رسول الله وَ لل أخذ من معادن القبلية الصدقة، وأنه أقطع بلال بن الحارث العقيق أجمع. قال الشافعي في الأم ٣٦/٢ بعد أن أخرج حديث مالك المنقطع: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث رواية، ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي ◌َله إلا إقطاعه، فأما الزكاة في المعادن دون الخُمس فليست مروية عن النبي ◌ُّر فيه. ٣٤٩ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ ورواه كثير بنُ عبد الله بن عمرو بن عَوْف، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ وَحول أنه أقطَعَ بلالَ بنَ الحارث المعادنَ القَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّها وغَوْرِيَّها. وحيث يصلُح للزرع من قُدْس ولم يُعْطِه حقَّ مُسْلم، ذكره البزار(١) أيضاً، وكثيرٌ مجمعٌ على ضعفه. هذا حكم ما أخرجته الأرضُ، وسيأتي في سورة النَّحل(٢) حكمُ ما أخرجه البحرُ؛ إذ هو قَسِيمُ الأرض. ويأتي في ((الأنبياء)»(٣) معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «العَجْماء جَرْحُها جُبار))(٤) كلٌّ في موضعه إن شاء الله تعالى. السابعة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ تيمَّموا معناه: تقصدوا، وستأتي الشواهد من أشعار العرب في أن التيمُّم القَصْدُ في ((النساء))(٥) إن شاء الله تعالى. ودلَّت الآيةُ على أنَّ المكاسِبَ فيها طيِّب وخبيثٌ. وروى النسائيُّ(٦) عن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيف في الآية التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخِيثَ مِنْهُ تُنِفِقُونَ﴾ قال: هو الجُعْرُورِ وَلَوْنُ حُبَيْقٍ (٧)، فنهى رسولُ الله ◌َ﴿ أن يُؤْخذا في الصَّدقة. وروى الدَّارقطنيُّ عن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيف، عن أبيه قال: أَمر رسولُ الله ﴿﴿ بصَدَقة، فجاء رجل من هذا السُّخَّل بكبائس - قال سفيان: يعني (١) البحر الزخار (٣٣٩٥)، وأخرجه كذلك أبو داود (٣٠٦٢). وقوله: جَلْسِيَّها: یرید نجديَّها، وقال الأصمعي: کل مرتفع جلس، والغور: ما انخفض. وقوله: قَدْس: قال في النهاية: هو بضم القاف وسكون الدال: جبل معروف، وقيل: هو الموضع المرتفع الذي يصلح للزراعة. (٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ الآية ١٤. (٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرَّهِ﴾ الآية ٧٨، المسألة الرابعة عشر. (٤) سلف تخريجه ص ٣٤٤ من هذا الجزء. (٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَنِبًا﴾ الآية ٤٣، المسألة الرابعة والثلاثون. (٦) المجتبى ٤٣/٥ . (٧) الجُعْرور: ضرب رديءٌ من التمر يحمل رطباً صغاراً لا خير فيه. ولونُ حُبيق: نوع رديء من التمر منسوب إلى رجل اسمه ذاك. حاشية السندي على المجتبى. ٣٥٠ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ الشِّيصَ - فقال رسول الله وَّه: ((مَنْ جاء بهذا؟!)) وكان لا يجيءُ أحدٌ بشيء إلا نُسِبَ إلى الذي جاء به، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾. قال: ونَهَى النبيُّ ◌َّه عن الجُعْرُور وَلَوْن الحُبَيقِ أن يُؤْخذا في الصَّدقة. قال الزُّهريُّ: لونَين من تمر المدينة(١). وأخرجه الترمذيُّ (٢) من حديث البراء وصحَّحه، وسيأتي(٣). وحكى الطبريُّ والنخَّاس(٤) أن في قراءة عبد الله: ((ولا تَأَمَّمُوا))(٥)، وهما لغتان، وقرأ مسلم بنُ جُندب: ((ولا تُيَمِّموا)) بضمِّ التاء وكسر الميم (٦)، وقرأ ابنُ كثير: ([ولا] تَّيَمَّمَوا)) بتشديد التاء (٧). وفي اللفظة لغاتٌ، منها أَمَمْتُ الشَّيءَ، مخففة الميم الأولى و: أَمَّمته بشدِّها، و: يَمّمْتُه وتَمَّمْتُه. وحكى أبو عَمرو أن ابن مسعودٍ قرأ: ((ولا تُؤَمِّمُوا)) بهمزةٍ بعد التاء المضمومة (٨). الثامنة: قوله تعالى: ﴿مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ قال الجُرجانيُّ (٩) في كتاب «نَظْم القرآن»: قال فريقٌ من الناس: إنَّ الكلام تمَّ في قوله تعالى: ﴿الْغِيثَ﴾، ثم ابتدأ خبراً آخر (١) سنن الدارقطني ١٣٠/٢-١٣١، وأخرجه أبو داود (١٦٠٧) مختصراً. والسُّخّل: قال في النهاية ٣٤٨/٢: قال أبو موسى: هكذا يرويه أكثرهم بالحاء المهملة، وهو الرطب الذي لم يتمّ إدراكه وقوته، ولعله أُخذ من السَّحيل: الحبل، ويروى بالخاء المعجمة. وقال في (سخل): السُّخَّل بضم السين وتشديد الخاء: الشّيص عند أهل الحجاز، يقولون: سخلت النخلة: إذا حملت شِيصاً. وسفيان: هو ابن حسين، أحد رجال الإسناد، الراوي عن الزهري. (٢) سنن الترمذي (٢٩٨٧). (٣) ص ٣٧١ من هذا الجزء. (٤) تفسير الطبري ٣/ ٨١ (طبعة البابي الحلبي)، وإعراب القرآن للنحاس ٣٣٦/١. (٥) نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٧ لأبي صالح صاحب عكرمة. (٦) ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٧، والمحتسب ١٣٨/١ وزاد نسبتها للزهري. (٧) يعني حالة الوصل، وهي من رواية البزّي عنه. انظر التيسير ص ٨٣. (٨) المحرر الوجيز ٣٦٢/١. ووقع في تفسير الطبري: ٦٩٨/٤: تؤمُّوا. (٩) أبو علي الحسن بن يحيى بن نصر الجُرجاني الجَمَاجِمي، كان مسكنه بجرجان بباب الخندق في سكة تعرف بجماجِمُو، له من التصانيف عدة، منها في نظم القرآن مجلدتان، وكان من أهل السنة. ولم نقف على سنة وفاته، وقد روى عنه أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الطوسي المتوفى سنة ٣٤٤هـ. تاريخ جرجان ١٨٧-١٨٨، الأنساب ٢٨٩/٣. ٣٥١ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ في وصف الخبيث، فقال: ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ وأنتم لا تأخذونَه إلا إذا أغمضتُم، أي: تساهلتُم(١). كأنَّ هذا المعنى عتابٌ للناس وتَقْريعٌ، والضَّمير في ((منه)) عائدٌ على ((الخبيث)) وهو الدُّون والرديء. قال الجرجانيُّ: وقال فريقٌ آخر: الكلامُ متَّصلٌ إلى قوله ((فيه))(٢)، فالضَّمير في ((منه)) عائدٌ على ((ما كسبتُم))، ويجيءُ ((تُنفِقُونَ)) كأنه في موضعٍ نصبٍ على الحال، وهو كقولك: أنا أخرجُ أجاهدُ في سبيل الله. التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُقْمِضُواْ فِيهِ﴾ أي: لستُم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم من الناس إلا أن تساهلوا في ذلك وتتركوا من حقوقكُم، وتكرهونَه ولا ترضونَه، أي: فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونَه لأنفسكم. قال معناه البَراء بنُ عازِب وابنُ عباس والضخَّاك، وقال الحسن: معنى الآية: ولستُم بآخذيه، ولو وجدتُموه في السُّوق يُباع، إلا أن يُهضَم لكم من ثمنه، ورُوي نحوه عن عليٍّ رضي الله عنه. قال ابن عطية(٣): وهذان القولان يُشبهان كونَ الآية في الزكاة الواجبة . قال ابن العربيّ(٤): لو كانت في الفرض لما قال: ﴿وَلَسْتُم بِفَاخِذِيهِ﴾ لأن الرديءَ والمَعِيبَ لا يجوز أخذُه في الفرض بحالٍ، لا مع تقدير الإغماض ولا مع عدمه، وإنما يُؤخذ مع عدم إغماض(٥) في النَّفْل. وقال البراء بنُ عازب أيضاً معناه: ولستُم بآخذيه لو أُهدي لكم إِلَّ أن تُغْمِضوا فيه، أي: تَسْتَخيِي من المُهدِي فتقبل منه ما لا حاجةً لك به ولا قَدْر له في نفسه. قال ابنُ عطية(٦): وهذا يُشْبِهُ كونَ الآية في التطوُّع. وقال ابنُ زيد: ولستُم بآخذي الحرامِ إلا أن تُغْمِضوا في مكروهه. (١) المحرر الوجيز ٣٦٢/١، وقد نقل ابن عطية كلام الجرجاني، ثم أتبعه بقوله: كأن هذا المعنى ... الخ. (٢) في (م) و(خ): ((منه))، وهو خطأ. وقوله: فالضمير ... لابن عطية. (٣) في المحرر الوجيز ١/ ٣٦٢، وما قبله منه. (٤) في أحكام القرآن ٢٣٥/١. (٥) كذا في النسخ، والذي في أحكام القرآن: يؤخذ بإغماض. (٦) في المحرر الوجيز ٣٦٣/١، وقول البراء فيه، وأخرجه الطبري ٧٠٧/٤، وانظر حديث البراء السالف ص ٣٤٣ من هذا الجزء. ٣٥٢ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ العاشرة: قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ كذا قراءةُ الجمهور، من أغمض الرجلُ في أمرٍ كذا: إذا تساهَلَ فیه ورَضِيَ ببعض حقِّه وتجاوز، ومن ذلك قول الطَّرِمَّاح(١): لم يَفُتْنا بالوِتْر قومٌ وللذَّ لّ أناسٌ يَرضَون بالإغماضِ وقد يَحتمِلُ أن يكون منتزعاً: إمَّا من تغميضٍ العين؛ لأن الذي يريد الصَّبر على مکروهِ يُغمِضُ عینیه. قال: إلى كّمْ وكَمْ أشياءَ منك تُرِيبُني أُغَمِّضُ عنها لستُ عنها بذي عَمَى (٢) وهذا كالإغضاء عند المكروه. وقد ذكر النَّقَّاش هذا المعنى في هذه الآية وأشار إليه مكِّيّ. وإمَّا من قول العرب: أَغْمض الرجلُ: إذا أتى غامِضاً من الأمر، كما تقول: أَعْمَن، أي: أتى عُمان، وأَعْرَق، أي: أتى العِراق، وأَنْجَد وأَغْوَر، أي: أتى نجداً والغَوْر الذي هو تِهامة، أي: فهو يطلب التأويلَ على أخذه. وقرأ الزُّهْريُّ بفتح التاء وكسر الميم مخفَّفاً (٣)، وعنه أيضاً: ((تُغَمِّضوا)) بضمِّ التاء وفتح الغين وكسر الميم وشدِّها. فالأولى على معنى: تَهضِموا سَوْمَها من (١) ديوانه ص٢٧٦، وفيه: وللضيم رجال بدل: وللذلّ أناس، وقوله: الوتر؛ قال محققه: الثأر، وقال الزمخشري في أساس البلاغة (وتر): وَتَرتُ الرجل: قتلتُ حميمه فأفردتُه منه، وطلب وِتْره ووَتْره وتِرَتَه. والطّرِمَّاح: هو ابن حكيم الطائي، يكنى أبا نّفْر، شاعر إسلامي في الدولة المروانية، مولده ونشأته بالشام، ثم انتقل إلى الكوفة، فاعتقد مذهب الخوارج الأزارقة. خزانة الأدب ٨/ ٧٤، والشعر والشعراء ٥٨٥/٢. والطرماح: الطويل، وكل شيء طوّلته فقد طرمَخْتَه. الاشتقاق ص٣٩٢. (٢) لم نقف على قائله. وهو في المحرر الوجيز ٣٦٣/١. (٣) القراءات الشاذة لابن خالويه ص١٦. وقال ابن جني في المحتسب ١٣٩/١: لم يذكر ابن مجاهد هل الميم مع فتح التاء مكسورة أو مضمومة، والمحفوظ في هذا غَمَضَ الشيء يَغْمُضُ، كغار یغور، ودخل يدخُل، وكمن يكمُن وغرب يغرُب. وقال السمين الحلبي ٦٠٣/٢ بعد أن ذكر قراءة الزهري (تُغَمِّضوا)): وروي عنه أيضاً: ((تَغْمَضوا)) بفتح التاء وسكون الغين وفتح الميم، مضارع غَمِضَ بكسر الميم، وهي لغة في أغمض الرباعي، فيكون مما اتفق فيه فَعِلَ وأفعل. ٣٥٣ سورة البقرة : الآية ٢٦٧ البائع منكم فيحّكم. والثانيةُ، وهي قراءة قتادة فيما ذكر النخَّاس(١)، أي: تأخذوا بنقصان. وقال أبو عمرو الدَّاني: معنى قراءتي الزُّهريِّ: حتى تأخذوا بنقصان. وحكى مَكِّيٌّ عن الحسن: ((إِلَّا أَنْ تُغَمَّضوا)) مشدّدةَ الميم مفتوحةً. وقرأ قتادة أيضاً: ((تُغْمَضوا)) بضمِّ التاء وسكون الغين وفتح الميم مخفَّفاً(٢). قال أبو عمرو الدَّانِيُّ: معناه: إلا أن يُغْمَضَ لكم، وحكاه النخَّاس(٣) عن قتادة نفسه. وقال ابن جِنِّي(٤): معناها: تُوجَدُوا قد غَمَضْتُم في الأمر بتأوُّلِكم أو بتساهُلِكُم، وجريتُم على غير السابق إلى النفوس، وهذا كما تقول: أحمدتُ الرجلَ: وجدته محموداً، إلى غير ذلك من الأمثلة. قال ابن عطيّة(٥): وقراءةُ الجمهور تُخَرَّجُ على التجاوز، وعلى تغميض العين؛ لأنَّ أغمَضَ بمنزلة غمَّض، وعلى أنها بمعنى: حتى تأتوا غامضًا من التأويل والنظر في أخذ ذلك؛ إمَّا لكونه حراماً على قول ابن زيد، وإِمَّا لكونه مُهْدَى أو مأخوذاً في دَيْن على قول غيره. وقال المَهْدَويُّ: ومن قرأ: ((تُغْمِضوًا)) فالمعنى تُغْمِضُون أعينَ بصائركم عن أَخْذِهِ. قال الجوهريُّ(٦): وغَمَّضْتُ عن فلان: إذا تساهلتَ عليه في بيعٍ أو شراء وأَغْمَضْتُ. وقال تعالى: ﴿وَلَسْتُم بِقَاخِذِيهِ إِلَّ أَنْ تُغْرِضُواْ فِيْءٍ﴾. يقال: أَغْمِضْ لي(٧) فيما بِعتني، كأنك تريدُ الزيادةَ منه الرداءته، والحطّ من ثمنه. و((أن)) في موضع نصبٍ، والتقديرُ: إلا بأن. الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ نبّه سبحانه وتعالى على صفة الغِنَى، أي: لا حاجةَ به إلى صدقاتكم؛ فمن تقرَّبَ وطلب مثوبةً فليفعل (١) في إعراب القرآن ٣٣٦/١. نسب هذه القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٦، وابن جني في المحتسب ١٣٩/١ الزهري فقط. (٢) المحتسب ١٣٩/١، وفي ابن خالويه ص١٦-١٧: ((يُغْمَضوا)). (٣) إعراب القرآن ٣٣٦/١. (٤) المحتسب ١٣٩/١. (٥) المحرر الوجيز ٣٦٣/١، وقد نقل عنه القرطبي من أول المسألة غير قول النحاس. (٦) الصحاح: غمض. (٧) في (خ) و(د): أغمضني. ٣٥٤ سورة البقرة : الآية ٢٦٨ ذلك بما له قَدْرٌ وبالٌ، فإنما يقدّم لنفسه. و((حَميدٌ)) معناه محمودٌ في كلِّ حال(١). وقد أتينا على معاني هذين الاسمين في ((الكتاب الأسنى))(٢) والحمدُ لله. قال الزجَّاج(٣) في قوله: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾: أي: لم يأمُرْكم أن تَصَدَّقوا من عَوَزٍ، ولكنه بَلَا أخبارَكم، فهو حميدٌ على ذلك وعلى جميع نِعَمِه. قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًاْ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ فيه ثلاث مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ﴾ تقدَّم معنى الشيطان واشتقاقُه(٤)، فلا معنى لإعادته. و﴿يَعِدُكُمُ﴾ معناه يُخوِّفكم ﴿اَلْفَقْرَ﴾ أي: بالفقر لئلا تُنفقوا، فهذه الآية متصلةٌ بما قبلُ، وأن الشيطان له مدخلٌ في التثبيط للإنسان عن الإنفاق في سبيل الله، وهو مع ذلك يأمرُ بالفحشاء، وهي المعاصي والإنفاقُ فيها. وقيل: أي بأن لا تتصدَّقوا فتعصوا وتتقاطعوا. وقُرئ: ((الفُقْرَ)»(٥) بضم الفاء، وهي لغةٌ. قال الجوهريُّ(٦): والفُقْر لغةٌ في الفَقْر، مثل الضُّعف والضَّعف. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا﴾ الوَعْد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير، وإذا قُيِّد بالموعود ما هو، فقد يُقَيِّدُ(٧) بالخير وبالشر كالبِشارة. فهذه الآية ممَّا يُقَيَّد فيها الوعدُ بالمعنيين جميعاً. قال ابن عباس: في هذه الآية اثنتان من الله تعالى واثنتان من الشيطان(٨). (١) المحرر الوجيز ٣٦٣/١. (٢) ص٢٢٣، وقد ذكر فيه اسم الغني، ولم نقف على شرحه لمعنى ((الحميد)) في المطبوع منه. (٣) معاني القرآن ٣٥٠/١. (٤) ١/ ١٤٠. (٥) رواها حيوة عن رجل من أهل الرباط. المحرر الوجيز ٣٦٤/١، والبحر المحيط ٣١٩/٢. (٦) الصحاح: (فقر). (٧) في (م) و(خ): ((يقدر)). (٨) المحرر الوجيز ٣٦٤/١. ٣٥٥ سورة البقرة : الآية ٢٦٨ وروى الترمِذِيُّ عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ للشيطان لَمّةً بابن آدم وللمَلَك لَمَّةً، فأما لَمَّةُ الشيطان؛ فإيعادٌ بالشَّرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأما لَمَّةُ المَلَك؛ فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وجَدَ ذلك؛ فليعلم أنه من الله [فليحمد الله] ومَن وجد الأُخرى فليتعوَّذ بالله من الشيطان))، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَلِ﴾. قال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح(١). ويجوزُ في غير القرآن: (ويأمُركم الفحشاءَ)) بحذف الباء، وأنشَدَ سيبويه: أمرتُكَ الخيرَ فافعَلْ ما أُمِرْتَ به فقد تركتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبٍ (٢) والمغفرةُ: هي السَّتْر على عباده في الدنيا والآخرة، والفَضْل: هو الرزقُ في الدنيا والتَّوسِعَةُ، والنَّعيمُ في الآخرة، وبكلِّ قد وعد الله تعالى. الثالثة: ذكر النَّقَّاش أن بعضَ الناس تأنَّسَ بهذه الآية في أن الفَقْرَ أفضلُ من الغِنَى؛ لأنَّ الشيطانَ إنما يُبعِدُ العبدَ من الخير، وهو بتخويفه الفقر یُبعِدُ منه. قال ابن عطية(٣): وليس في الآية حجةٌ قاطعةٌ، بل المعارضةُ بها قويَّةٌ. ورُوي أن في التوراة: ((عبدي أنفِقْ من رزقي أَبْسُطُ عليك فَضْلي، فإنَّ يدي مبسوطةٌ على كلِّ يدٍ مبسوطةٍ))، وفي القرآن مِصداقُه، وهو قوله: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِّفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الزَّرِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]. ذكره ابن عباس(٤). (١) سنن الترمذي (٢٩٨٨) وما بين حاصرتين منه، وفيه: حسن غريب، وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تخريجه لأحاديث الطبري ٥/ ٥٧٢ أن في بعض نسخ الترمذي: حسن صحيح غريب. وأخرجه كذلك النسائي في الكبرى (١٠٩٨٥). واللمَّة: الخطرة تقع في القلب، أراد إلمام المَلَك أو الشيطان به والقرب منه. النهاية (لمم). (٢) الكتاب ١/ ٣٧، ونسبه إلى عمرو بن معدي كرب، وكذلك نسبه ابن الشجري في أماليه ٥٥٨/٢، وهو في ديوانه ص٦٣، وينسب كذلك لخفاف بن ندبة، ديوانه (شعراء إسلاميون ص٥٢٩)، ونسبه الآمدي في المؤتلف والمختلف ص١٧ لأعشى طرود، ونسب كذلك لزرعة بن السائب وللعباس بن مرداس، الخزانة ٣٤٣/١، وهو في ديوان العباس ص٤٦، وقد رجح محققه أنه له. والنَّشَب: المال والعقار. الصحاح: (نشب). (٣) المحرر الوجيز ٣٦٤/١ وما قبله منه. (٤) المحرر الوجيز ٣٦٤/١. ٣٥٦ سورة البقرة : الآية ٢٦٩ ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ تقدَّم معناه، والمرادُ هنا أنه سبحانه وتعالى يُعطِي من سَعَةٍ، ويعلمُ حيث يضَعُ ذلك، ويعلمُ الغيب والشهادة، وهما اسمان من أسمائه، ذكرناهما في جملة الأسماء في ((الكتاب الأسنى))(١) والحمد لله. قوله تعالى: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًاً ٢٦ كَثِيراً وَمَا يَذَّكَرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ قوله تعالى: ﴿يُؤْتِ الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ﴾ أي: يعطيها لمن يشاء من عباده. واختلف العلماءُ في الحكمة هنا، فقال السُّدِّيُّ: هي النبوّة. ابن عباس: هي المعرفةُ بالقرآن: فقهِهِ ونسخِه ومحكمِه ومتشابهه وغَرِيبِه ومُقَدَّمِه ومُؤَخَّرِه، وقال قَتادة ومجاهد: الحكمةُ هي الفقهُ في القرآن، وقال مجاهدٌ: الإصابةُ في القول والفعل، وقال ابنُ زيد: الحكمةُ العقلُ في الدِّين، وقال مالك بن أنس: الحكمةُ المعرفة بدين الله، والفقهُ فيه، والاتِباعُ له، وروى عنه ابنُ القاسم أنه قال: الحكمةُ التفكّر في أمر الله والاتِّبَاعُ له، وقال أيضاً: الحكمةُ طاعة الله، والفقهُ في الدِّين، والعملُ به، وقال الرَّبيع بنُ أنس: الحكمةُ الخشيةُ، وقال إبراهيم النَّخَعِيُّ: الحكمة الفهم في القرآن، وقاله زيد بن أسلم، وقال الحسن: الحكمةُ الورعُ(٢). قلت: وهذه الأقوال كلُّها ما عدا قولَ السُّدِّيِّ والربيع والحسن قريبٌ بعضُها من بعض؛ لأن الحكمةَ مصدرٌ من الإحكام: وهو الإتقانُ في قولٍ أو فعل: فكلُّ ما ذُكِر فهو نوعٌ من الحكمة التي هي الجنس، فكتابُ الله تعالى حِكمةٌ، وسُنَّة نبيِّه حكمةٌ(٣)، وكلُّ ما ذُكِر من التفضيل فهو حكمةٌ. وأصلُ الحكمة ما يُمتَنَع به من السَّفَّه، فقيل للعلم: حكمةٌ؛ لأنه يُمتَنَع به، وبه يُعلم الامتناع من السَّفَه: وهو كلُّ فعلٍ قبيح، وكذا القرآنُ والعقلُ والفَهْم (٤). وفي (١) لم نقف عليه في المطبوع منه. (٢) تفسير الطبري ٨/٥-١٢، والمحرر الوجيز ٣٦٤/١. وقول إبراهيم عندهما: الحكمة الفهم. (٣) المحرر الوجيز ٣٦٤/١. (٤) معاني القرآن للنحاس ٢٩٨/١. ٣٥٧ سورة البقرة : الآية ٢٦٩ البخاريِّ: ((من يُرِد الله به خيراً يُفَقِّهه في الدِّين))(١)، وقال هنا: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً﴾. وكرَّرَ ذِكْر الحِكمة ولم يُضْمِرها اعتناءً بها، وتنبيهاً على شرفها وفضلها حسب ما تقدَّم بيانُه عند قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا﴾(٢) [٥٩]. وذكر الدَّارمي أبو محمد في ((مسنده)): حدَّثنا مروان بنُ محمد، حدَّثنا رِفْدة الغَسَّانِيُّ، قال: حدَّثنا ثابتُ بنُ عَجْلان الأنصاريُّ، قال: كان يقال: إن الله لَيُريد العذابَ بأهل الأرض، فإذا سمع تعليمَ الصبيانِ(٣) الحكمةَ صرَفَ ذلك عنهم. قال مروان: يعني بالحكمة القرآنّ(٤). قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَبْرًا كَثِيراً وَمَا يَذَّكَرُ إِلَّ أُوْلُواْ اَلْأَلْبَبِ﴾ يقال: إنَّ من أُعطيَ الحكمةَ والقرآنَ فقد أُعطيَ أفضلَ ما أُعطي مَنْ جَمَعَ علمَ كتب الأوَّلين(٥) من الصُّحف وغيرها؛ لأنه قال لأولئك: ﴿وَمَآ أُوْتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وسمّى هذا خيراً كثيراً؛ لأنَّ هذا هو جوامعُ الكلم. وقال بعضُ الحكماء: من أُعطي العلم والقرآن ينبغي أن يعرِفَ نفسَه، ولا يتواضَعَ لأصحاب(٦) الدنيا لأجل دنياهم؛ فإنما أُعطي أفضلَ ممَّا (٧) أُعطي أصحابُ الدنيا؛ لأنَّ الله تعالى سَمَّى الدنيا متاعاً قليلاً، فقال: ﴿قُلّ مَنَعُ الذُّنَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، وسَمَّى العلمَ والقرآن خيراً كثيراً(٨). وقرأ الجمهور: ﴿وَمَن يُؤْتَ﴾ على بناء الفعل للمفعول، وقرأ الزُّهريُّ (١) صحيح البخاري (٧١) من حديث معاوية، وأخرجه مسلم (١٠٣٧)، وهو في المسند (١٦٨٣٧). (٢) ١٣٣/٢. (٣) مسند الدارمي (٣٣٤٥). ورِفْدَة - وهو ابن قضاعة - ضعيف، ثم إنه مقطوع. (٤) في (د) و(م): تعليم المعلم الصبيان. (٥) في تفسير أبي الليث: ما أعطي جميع كتب الأولين. (٦) في (م): ((لأهل)). (٧) المثبت من (خ) وتفسير أبي الليث، وفي (م) وباقي النسخ: ((ما)). وفي (ظ): فإنما أعطى أصحاب الدنيا قليلاً. (٨) تفسير أبي الليث ٢٣٢/١. ٣٥٨ سورة البقرة : الآية ٢٧٠ ويعقوبُ: ((ومَنْ يُؤْتِ)) بكسر التاء (١)، على معنى: ومن يؤتِ اللهُ الحكمةَ، فالفاعل اسمُ الله عزَّ وجلَّ. و((مَنْ)) مفعولٌ أوَّل مقدَّم، والحكمةُ مفعولٌ ثان. والألبابُ: العقول، واحدُها لُبُّ(٢) وقد تقدَّم (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ, وَمَا لِلَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ٧٠ شرطٌ وجوابه. وكانت النُّذور من سِيْرة العرب؛ تُكثِرُ منها، فذكر الله تعالى النَّوعين: ما يفعلُه المرء متبرِّعاً، وما يفعلُه بعد إِلزامه لنفسه. وفي الآية معنى الوعد والوعيد، أي: من كان خالصَ النية فهو مُثابٌ، ومن أنفقَ رِياءً، أو لمعنّى آخر كما يكشِفُه(٤) المنُّ والأذى ونحو ذلك، فهو ظالم، يذهب فعلُه باطلاً، ولا يجدُ له ناصرًا فيه. ومعنى ﴿يَعْلَمُهُ﴾: يُحصيه، قاله مجاهدٌ. ووحَّد الضمير وقد ذكر شيئين(٥)، فقال النخَّاس(٦): التقدير: وما أنفقتُم من نفقةٍ فإنَّ الله يعلّمُها، أو نذرتُم من نذرٍ فإنَّ الله يعلمُهُ، ثم حذف، ويجوز أن يكون التقديرُ: وما أنفقتُم فإنَّ الله يعلَمُه، وتعود الهاء على ((ما))، كما أنشد سيبويه(٧) لا مرئ القَيْس: فتُوضِحَ فالمِقْرَاةِ لم يَعْفُ رَسْمُها لِما نَسَجَتْهُ مِن جَنُوبٍ وشَمَأَلٍ(٨) (١) القراءات الشاذة ص ١٧، والمحتسب ١/ ١٤٣، وقراءة يعقوب من العشر، ويثبت الياء وقفاً. انظر النشر ٢٣٥/٢. (٢) المحرر الوجيز ٣٦٤/١-٣٦٥. (٣) ٣٣٠/٣. (٤) في (م): مما يكسبه، وفي (ظ): كما يكتنفه. (٥) المحرر الوجيز ٣٦٥/١. (٦) في إعراب القرآن ١/ ٣٧٧. (٧) كذا في النسخ، وليس هو في الكتاب، ولم يذكر النحاس أن سيبويه أنشده. (٨) ديوانه ص٨، وروايته: نسجتها، وكذا في (م). قوله: فتوضحَ فالمقراة: موضعان، وهو عطف على ما قبله : قِفا نَبْكِ من ذِکری حبیبٍ ومنزلٍ = بِسِقْطِ اللَّوَى بين الدَّخُول وحَؤْملٍ ٣٥٩ سورة البقرة : الآية ٢٧١ ويكون ﴿أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾ معطوفاً عليه. قال ابن عطيّة(١): ووحَّد الضمير في ﴿یَعلمُ﴾ وقد ذکر شیئین من حیث أراد ما ذکر أو نصّ. قلتُ: وهذا حسنٌ؛ فإنَّ الضمير قد يُراد به جميعُ المذكور وإن کَثُر. والنَّذْر حقيقةُ العبارةِ عنه أن تقول: هو ما أوجّبَه المكلَّفُ على نفسه من العبادات مما لو لم يُوجِبْه لم يَلْزَمه، تقول: نذر الرجلُ كذا: إذا التزمَ فِعْلَه، ينذُر بضم الذال، وينذِرُ بكسرها. وله أحكام يأتي بيانُها في غير هذا الموضع إن (٢) شاء الله تعالى قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوَهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّنِ سَنْثَانِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ذهب جمهور المفسّرين إلى أنَّ هذه الآية في صدقة التطوُّع؛ لأنَّ الإخفاء فيها أفضلُ من الإظهار، وكذلك سائرُ العبادات الإخفاءُ أفضل في تطوُّعها؛ لانتفاء الرِّياء عنها، وليس كذلك الواجبات. قال الحسن: إظهارُ الزكاة أحسنُ، وإخفاءُ التطوُّع أفضلُ؛ لأنه أدلُّ على أنه يُراد الله عزَّ وجلَّ به وحدَه(٣). قال ابن عباس: جعلَ الله صدقَةَ السِّرِّ في التطوُّع تَفْضُل علانِيَتَها؛ يقال: بسبعين ضِعْفاً، وجعل صدقةً الفريضة علانِيَتَها أفضلَ من سِرِّها، يقال: بخمسة وعشرين ضِعْفاً، قال: وكذلك جميعُ الفرائض والنوافل في الأشياء كلِّها(٤). قلت: مِثلُ هذا لا يقال من جهة الرأي، وإنما هو توقيفٌ، وفي ((صحيح مسلم) عن النبيِّ وَل﴿ أنه قال: ((أفضلُ صلاة المرء في بيته إِلا المكتوبة))(٥) وذلك أن الفرائض ويَعْفُ: يدرس، والرسم: الأثر، والجنوب: الريح القِبْلية، والشمأل: الجوفية (نسبة إلى الجَوْف في شمال مكة)، ونسجتها: تعاقبت عليها فمحت آثارها. قاله شارح الديوان. (١) المحرر الوجيز ٣٦٥/١. (٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُوقُونَ بِأَنَّذْرِ﴾ (الدهر: ٧). (٣) كذا نقل المصنف عن الحسن، والذي نقله الماوردي ٣٤٥/١، والطبرسي ٣٤٩/٢، وابن الجوزي ٣٢٦/١ عنه أن إخفاء الصدقتين فرضاً ونفلاً أفضل. (٤) المحرر الوجيز ٣٦٥/١. (٥) صحيح مسلم (٧٨١) من حديث زيد بن ثابت، ولفظه: (( ... فإن خير صلاة المرء ... )). ٣٦٠ سورة البقرة : الآية ٢٧١ لا يدخلُها رِياءٌ، والنوافل عُرضةٌ لذلك. وروى النَّسائيُّ(١) عن عُقبة بن عامر أنَّ رسول الله وَل﴾ قال: ((إنَّ الذي يَجْهر بالقرآن كالذي يَجْهر بالصَّدقة، والذي يُسِرُّ بالقرآن كالذي يُسِرُّ بالصَّدقة)). وفي الحديث: ((صدقةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غضَبَ الربِّ))(٢). قال ابنُ العربيِّ: وليس في تفضيل صدقةِ العلانِيَة على السِّرِّ، ولا تفضيل صدقة السِّرِّ على العلانِيَة حديثٌ صحيحٌ، ولكنه الإجماعُ الثابت، فأمَّا صدقةُ النفل فالقرآنُ ورَدَ مصرِّحاً بأنها في السِّرِّ أفضلُ منها في الجهر؛ بَيْدَ أنَّ علماءنا قالوا: إن هذا على الغالب مَخْرَجُه، والتحقيقُ فيه أن الحال [في الصدقة] تختلف بحال المُعْطِي [لها]، والمعطَى إياها، والناسِ الشاهدين [لها]. أما المعطِي فله فيها فائدةُ إظهار السُّنَّة وثوابُ القدوة(٣). قلت: هذا لمن قَوِيت حالُه، وحسنت نيّتُه، وأَمِنَ على نفسه الرِّياء، وأما من ضَعُفَ عن هذه المرتبة فالسِّرُّ(٤) له أفضل. وأما المُعْطَى إياها؛ فإنَّ السِّرَّ أسلمُ له من احتقار الناس له، أو نسبته إلى أنه أخذها مع الغنَى عنها وترَكَ التعقُّفَ. وأما حالُ الناس فالسَّتْرُ(٥) عنهم أفضلُ من العلانِيَة لهم، من جهة أنهم ربَّما طعنوا على المعطِي لها بالرِّياء، وعلى الآخِذِ لها بالاستغناء، ولهم فيها تحريكُ القلوب إلى الصَّدقة؛ لكن هذا اليومَ قليلٌ. (١) المجتبى ٢٢٥/٣، والكبرى (١٣٧٨)، وهو في المسند (١٧٣٦٨). (٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٠١٤) من حديث أبي أمامة، وحسن إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (١٠٣٥). وأخرجه الطبراني في الكبير أيضاً ١٩/ (١٠١٨)، وفي الأوسط (٩٤٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٠٢) من حديث معاوية بن حيدة، وذكره المنذري (١٣٠٤) وقال: وفيه صدقة بن عبد الله السمين، ولا بأس به في الشواهد. وأخرجه الطبراني في الصغير (١٠٣٤)، والقضاعي (٩٩) من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. قال الهيثمي ١١٥/٣: وفيه أصرم بن حوشب، وهو ضعيف. (٣) أحكام القرآن ٢٣٦/١ -٢٣٧، وما بين حاصرتين منه. (٤) في النسخ: فالستر، والمثبت من (م). (٥) في النسخ: ((فالسّرّ))، والمثبت من (د).