النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ سورة البقرة : الآية ٢٥٩ لا يكون كاذباً فيما أَخبر به؛ ومثلُه قولُ أصحاب الكهف: ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] وإنما لَبِثوا ثلاثَ مئة وتسعَ سنين - على ما يأتي - ولم يكونوا كاذبين؛ لأنهم أَخبَروا عمَّا عندهم، كأنهم قالوا: الذي عندنا وفي ◌ُنوننا أنَّا لَبِثنا يوماً أو بعض يوم. ونظيرُه قولُ النبيِّ ◌َّهِ في قصَّة ذي اليَدَين: ((لم أقصر ولم أَنْس))(١). ومن الناس مَن يقول: إنه كَذِبٌ؛ على معنى وجودٍ حقيقةِ الكَذِبِ فيه، ولكنَّه لا مُؤاخذةَ(٢) به، وإلَّا فالكذبُ: الإخبارُ عن الشيء على خلافٍ ما هو عليه، وذلك لا يَختلِفُ بالعِلم والجهل، وهذا بَيِّنٌّ في نظر الأصول. فعلى هذا يجوز أن يقال: إن الأنبياء لا يُعصّمون عن الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه إذا لم يكن عن قَصدٍ، كما لا يُعصَمون عن السَّهو والنِّسيان. فهذا ما يتعلَّقُ بهذه الآية، والقولُ الأول أصحُ. قال ابن جُريج وقَتادة والربيع: أماته الله غُدوةَ يومٍ ثم بُعِثَ قبل الغُروب، فظنَّ هذا اليومَ واحداً فقال: لبثتُ يومًا، ثم رأى بقيَّةً من الشمس، فخَشي أن يكون كاذباً فقال: أو بعضَ يومٍ، فقيل: بل لبثتَ مئةَ عامٍ، ورأى من عِمارة القريةِ وأشجارِها ومبانيها ما دلَّ على ذلك(٣). قوله تعالى: ﴿فَأَنْتُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ وهو التِّينُ الذي جمعه من أشجار القرية التي مرَّ عليها . ﴿وَشَرَبِكَ لَمْ يَتَسَنَّةٌ﴾ وقرأ ابنُ مسعود: ((وهذا طعامُك وشرابُك لم يَتَسَنَّه)). وقرأ طلحةُ بن مُصَرِّف وغيرُه: ((وانظر لطعامك وشرابك لمئةٍ سنةٍ)) (٤). (١) أحكام القرآن للكيا ٢٢٥/١-٢٢٦، وأخرج الحديث أحمد (٩٤٤٤)، والبخاري (٧١٤)، ومسلم (٥٧٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) في (د): يؤاخذه، وفي أحكام القرآن للكيا ٢٢٦/١: ولكن لا نؤاخذه. (٣) المحرر الوجيز ٣٤٨/١، وأخرج الآثار الطبري ٤/ ٥٩٧-٥٩٨. (٤) المحرر الوجيز ٣٤٩/١، وذكرهما أبو حيان ٢٩٢/٢. ٣٠٢ سورة البقرة : الآية ٢٥٩ وقرأ الجمهور بإثبات الهاء في الوَصْل إِلا الأخَوَين(١)، فإنَّهما يَحذِفانِها، ولا خلافَ أن الوَقْفَ عليها بالهاء(٢). وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّف أيضاً: ((لم يَسَّنَّ)) ((وانظر)) أدغم التاء في السين(٣)، فعلى قراءة الجمهور الهاءُ أصليَّةٌ، وحُذفت الضمةُ للجزم، ويكون ((يَتَسَنَّهْ)) من السَّنَه، أي: لم تُغيِّره السِّنون. قال الجوهريُّ(٤): ويقال سُنون، والسَّنَة واحدةُ السِّنين(٥)، وفي نُقصانها قولان: أحدُهما الواو، والآخر الهاء. وأصلُها سَنْهة مثلُ الجَبْهة؛ لأنه من سَنَهَتِ النَّخلةُ وتستَّهت: إذا أتت عليها السِّنون. ونخلةٌ سَنَّاء، أي: تحمِلُ سنةً ولا تحمِل أخرى؛ وسَنْهَاء أيضاً، قال بعض الأنصار (٦): فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءٍ ولا رُجَّبِيَّةٍ ولكنْ عَرَايَا في السِّنِينَ الجوَائح(٧) وأَسْنَهْتُ عند بني فلان: أقمتُ عندهم، وتَسنَّيتُ أيضاً. واستأجرته مساناةً ومُسانَهَةً أيضاً. وفي التَّصغير سُنّة وسُنَيْهَة. (١) في النسخ و(م) الأخوان، وهما حمزة والكسائي. (٢) السبعة ص١٨٨- ١٨٩، والتيسير ص٨٢. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٢/١. (٤) في الصحاح (سنه). (٥) في النسخ: السنون، والمثبت من (م). (٦) هو سويد بن الصامت، قاله عندما استغاث بقومه في قضاء دينه فقصروا عنه، وهو في معاني القرآن للفراء ١٧٣/١، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ٩٤، ومجالس ثعلب ص ٧٦، وتفسير الطبري ٦٠٠/٤، وإعراب القرآن للنحاس ٣٣٢/١، والصحاح واللسان (سنه)، وأمالي القالي ١٢١/١، وسمط اللآلي للبكري ٣٦١، والمحرر الوجيز ٣٤٩/١. (٧) في (خ) و(ظ): المواحل، وفي (د): النواجل، والمثبت من المصادر. قوله: رُجبية - بضم الراء وتشديد الجيم المفتوحة، أو فتحها بغير تشديد - نسبة شاذة إلى الرُّجبة، بضم فسكون، وذلك أن تُعمد النخلة الكريمة إذا خيف عليها أن تقع لطولها وكثرة حملها، فيُبنى تحتها دَكّانِ ترجب به، وذلك حين تبلغ إلى الضعف ولكنه يكرمها بذلك، والعرايا جمع ◌َرِيّة، وهي التي يوهب ثمرها في عامها، يفعل بها ذلك الكرمه، والجوائح: السنون المجدبة الشداد التي تجتاح المال. يقول: قد جئتُ أستدينكم على أن أؤدي من نخلي ومالي، ففيمَ الجزع؟ أتخافون أن يكون ديني مغرماً تغرمونه! وهذه نخلي أصف لكم من جودتها وكرمها ما أنتم به أعلم. قاله الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على تفسير الطبري ٥/ ٤٦٢ . ٣٠٣ سورة البقرة : الآية ٢٥٩ قال النحاس: من قرأ: ((لم يَتَسَنَّ وانظر)) قال في التصغير: سُنَيَّة، وحُذفت الألفُ للجزم، ويقفُ على الهاء فيقول: ((لم يَتَسَنَّه)) تكون الهاءُ لبيان الحركة(١). قال المَهْدَوِيُّ: ويجوزُ أن يكون أصلُه من سانَيْتُه مُساناً، أي: عاملتُه سنَّةً بعد سنة، أو من سانَهْتُ، بالهاء(٢)، فإن كان من سانَيْتُ، فأصلُه يَتَسَنَّى، فسقَطت الألفُ للجزم، وأصلُه من الواو بدليل قولهم: سَنَوات، والهاءُ فيه للسَّكْتِ، وإن كان من سانَهْتِ فالهاء لامُ الفعل، وأصلُ سَنَة على هذا سَنْهة. وعلى القول الأوَّل سَنَوَة. وقيل: هو من أسِنَ الماءُ: إذا تغيَّر، وكان يجب أن يكون على هذا يتأسَّن. أبو عمرو الشيبانيُّ: هو من قوله ﴿حٍَ مَسْنُورٍ﴾ [الحجر: ٢٦] فالمعنى لم يتغيَّر(٣). الزجاج(٤): ليس كذلك، لأن قوله: ((مسنون)) ليس معناه متغيِّراً، وإنما معناه مصبوبٌ على سنة الأرض. قال المهدويُّ: وأصلُه على قول الشيباني: ((يتَسنَّن)) فأُبدلت إحدى النونين ألفاً(٥) كراهية التَّضعيف فصار: يَتَسنَّى، ثم سَقطت الألفُ للجزم، ودخلت الهاءُ للسَّكْتِ. وقال مجاهد: (لم يَتَسَنَّهْ)) لم يُنِنَ(٦). قال النحاس(٧): أصحُّ ما قيل فيه أنه من السَّنَه، أي: لم تغيِّره السّنون. ويحتمل أن يكون من السَّنَة، وهي الجَذْبُ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، وقولُه عليه الصلاة والسلام: ((اللَّهُمَّ اجعلها (١) إعراب القرآن ٣٣٢/١. وفيه: وحذف الألف، والذي قرأ: لم يَتَسَنَّ هو حمزة والكسائي من السبعة وصلاً، سلف ذكر قراءتهما قريباً . (٢) لفظة: بالهاء، من (م). (٣) ذكره النحاس في معاني القرآن ١/ ٢٨٠، وأبو علي الفارسي في الحجة ٣٧٤/٢، ومكي في الكشف عن وجوه القراءات ٣٠٩/١. (٤) معاني القرآن له ٣٤٤/١ وفيه: سنة الطريق، والمحرر الوجيز ٣٤٩/١ وعنه نقل المصنف. (٥) في (خ) و(د): هاء، وفي (ظ) و(م): ياء، والمثبت من هامش (د). (٦) أخرجه الطبري ٦٠٥/٤ . (٧) في إعراب القرآن ٣٣٢/١. ٣٠٤ سورة البقرة : الآية ٢٥٩ عليهم سِنِينَ كسِنِي يوسف))(١). يقال منه: أسنَتَ القومُ، أي: أَجدَبوا، فيكون المعنى: لم يغيِّر طعامَك القُحوطُ والجُدوب، أو لم تغيِّره السّنون والأعوام، أي: هو باقٍ على طراوته وغَضارته(٢). قوله تعالى: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ قال وهب بن منبه وغيره: وانظر إلى اتّصال عظامه وإحيائه جزءاً جزءاً. ويُروى أنه أحياه الله كذلك حتى صار عظاماً مُلتئمة، ثم كساه لحماً حتى كَمُلَ حماراً، ثم جاءه ملَكٌ، فتَفَخ في أنفه(٣) الروحَ، فقام الحمار يَنْهَق، على هذا أكثر المفسِّرين. ورُوي عن الضحّاك ووهب بن منبّه أيضاً أنهما قالا: بل قيل له: وانظُر إلى حمارك قائماً في مَربَطِه لم يُصِبْه شيءٌ مئةَ عام، وإنما العظامُ التي نظر إليها عظامُ نفسِه بعد أن أحيا الله منه عينيه ورأسَه، وسائرُ جسده ميتٌ، قالا: وأعمى الله العيون عن إرمياء وحمارِه طولَ هذه المدَّةِ(٤). قوله تعالى: ﴿وَإِنَجْعَلَكَ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ﴾ قال الفرَّاء(٥): إنما أدخل الواو في قوله: ((وَلِنَجْعَلَكَ)) دلالةً على أنها شَرٌ لفعلِ بعدها(٦)، معناه: ((وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ)) ودلالةً على البعث بعد الموت جَعلنا ذلك. وإن شئتَ جعلتَ الواو مُفْحمةً زائدة. وقال الأعمش: موضعُ كونِه آيةً هو أنه جاء شابًّا على حاله يوم مات، فوجد الأبناءَ والحَفَدةَ شيوخاً. عكرمة: وكان يوم مات ابنَ أربعين سنة(٧) . ورُوي عن علي رضوان الله عليه أن عُزيراً خرج من أهله وخَلَّف امرأته حاملاً ، (١) أخرجه أحمد (٧٢٦٠)، والبخاري (٦٢٠٠)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) انظر الكشف عن وجوه القراءات ٣٠٨/١، والمحرر الوجيز ٣٤٩/١. (٣) في (م): فنفح فيه. (٤) المحرر الوجيز ١/ ٣٥٠، وأخرج الآثار الطبري ٦٠٧/٤-٦٠٨. (٥) في معاني القرآن ١٧٣/١، ونقله المصنف عنه بواسطة البغوي ٢٤٥/١. (٦) في (د) و(م): بعده. (٧) المحرر الوجيز ٣٥٠/١، وأخرج الطبري ٦١٤/٤ أثر الأعمش، وأخرج ابن أبي حاتم ٥٠٥/٢ أثر عكرمة. ٠ ٣٠٥ سورة البقرة : الآية ٢٥٩ وله خمسون سنة، فأماته الله مئةً عام ثم بعثه، فرجع إلى أهله وهو ابنُ خمسين سنة، وله وَلدٌ من مئة سنة، فكان ابنُه أكبرَ منه بخمسين سنة (١) . ورُوي عن ابن عباس قال: لما أحيا الله عُزيرًا ركب حمارَه، فأتى مَحلَّته، فأنكر الناسَ وأنكروه، فوجد في منزله عجوزًا عمياء كانت أمَةً لهم، خرج عنهم عُزير وهي بنتُ عشرين سنة، فقال لها: أهذا منزلُ عُزير؟ قالت: نعم، ثم بكت وقالت: فارقَنا عُزيرٌ منذ كذا وكذا سنة، قال: فأنا عُزير، قالت: إن ◌ُزيراً فقدناه منذ مئة سنة، قال: فالله أماتني مئةً سنة ثم بَعثني. قالت: فعُزير كان مُستجابَ الدَّعوة للمريض وصاحبِ البلاء فيُفيق، فادعُ الله يردّ عليَّ بَصري، فدعا الله ومسحَ على عينيها بيده، فصحَّت مكانَها كأنما(٢) أُنشِطت من عِقَال. قالت: أشهد أنك عُزير. ثم انطلقت إلى ملأ بني إسرائيل - وفيهم ابنٌ لعزير شيخٌ ابنُ مئة وثمانيةٍ وعشرين سنة، وبنو بنيه شيوخ - فقالت: يا قوم، هذا والله عُزير. فأقبل إليه ابنُه مع الناس، فقال ابنُه: كانت لأبي شامةٌ سوداءُ مثلُ الهلال بين كَتِفِيه، فنظرها فإذا هو ◌ُزِير(٣). وقيل: جاء وقد هلَك كلُّ مَن يعرف، فكان آيةً لمن كان حيًّا من قومه، إذ كانوا موقنين بحاله سماعاً. قال ابن عطية(٤): وفي إماتته هذه المدَّة ثم إِحيائه أعظمُ(٥) آيةٍ، وأمرُه كلُّه آية غابرَ الدَّهر، ولا يحتاج إلى تخصيصٍ بعضٍ ذلك دون بعض . قوله تعالى: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى أَلْيِظَامِ كَيْفَ نُنْثِرُهَا﴾ قرأ الكوفيُّون وابنُ عامر بالزاي، والباقون بالراء (٦)، ورَوى أَبَانُ عن عاصم: ((تَنْشُرُهَا)) بفتح النون، وضمِّ (١) النكت والعيون ٣٣٢/١. (٢) في (د): إنما، وفي (م): كأنها . (٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٢٣/٤٠-٣٢٤، وفي إسناده إسحاق بن بشر، قال الدارقطني: كذاب متروك. ميزان الاعتدال ١/ ١٨٤ . (٤) في المحرر الوجيز ١/ ٣٥٠ وما قبله منه. (٥) في (د) و(م): إحيائه بعدها أعظم. (٦) الكشف عن وجوه القراءات لمكي ٣١٠/١، وانظر السبعة ص١٨٩، والتيسير ص٨٢. ٣٠٦ سورة البقرة : الآية ٢٥٩ الشين والراء، وكذلك قرأ ابنُ عباس والحسن وأبو حَيْوَة (١)، فقيل: هما لغتان في الإحياء بمعنَى؛ كما يقال: رَجَع وَرَجَعْتُه، وغاضَ الماءُ وغِضْتُه، وحَسَرت الدابةُ وحَسَرتُها، إلا أن المعروفَ في اللغة: أنشر الله الموتى فَنَشَروا، أي: أحياهم الله فخَيُوا، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، ويكون نَشْرُها مثلَ نشرِ الثوب. نشرَ الميّتُ يَنشُرُ نُشوراً، أي: عاش بعد الموت، قال الأعشى(٢): حتّى يقولَ الناسُ مما رأَوْا يا عَجَباً للميِّت النَّاشِرِ فكأنَّ الموتَ طيٍّ للعظام والأعضاء، وكأن الإحياءَ وجمعَ الأعضاء بعضِها إلى بعض نَشْرٌ. وأما قراءة: (نُنْشِزُهَا)) بالزاي؛ فمعناه: نَرفعُها. والنَّشْزُ: المرتَفِعُ من الأرض؛ قال : إذا ما علا نَشْزًا حِصانٌ مجلَّلُ(٣) ترى الشَّعلبَ الحَوْليَّ فيها كأنَّه قال مكيُّ(٤): المعنى: انظر إلى العظام كيف نَرفعُ بعضَها على بعضٍ في التَّركيب للإحياء، لأن النَّشْزَ الارتفاعُ، ومنه المرأةُ النُّشُوز، وهي المرتفِعَةُ عن موافقةِ زوجها، ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ آنشُرُواْ فَأَنشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١]، أي: ارتفِعوا وانضَمُّوا. وأيضاً فإن القراءة بالراء بمعنى الإحياء، والعظامُ لا تحيا على الانفراد حتى يَنْضِمَّ بعضُها إلى بعض، والزَّايُ أولى بذلك المعنى، إذ هو بمعنى الانضمام دون الإحياء. فالموصوفُ بالإحياء هو الرَّجُل دون العظام على انفرادها، ولا يُقال: هذا عظمٌ حيٍّ، وإنما المعنى: فانظر إلى العظام كيف نرفَعُها من أماكنها من الأرض إلى جسم صاحبها للإحياء. (١) المحرر الوجيز ٣٥٠/١، وانظر السبعة ص١٨٩، والقراءات الشاذة ص ١٦، ومعاني القرآن للفراء ١٧٣/١، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٩٦، وإعراب القرآن للنحاس ٣٣٢/١، والكشاف ٣٩١/١، وزاد المسير ٣١٢/١. (٢) ديوانه ص١٩١ . (٣) المحرر الوجيز ١/ ٣٥٠، والبيت للأخطل، وهو في ديوانه ص٧. (٤) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣١٠/١. ٣٠٧ سورة البقرة : الآية ٢٥٩ وقرأ النَّخَعيُّ: ((نَنشُزُها)) بفتح النُّون وضمِّ الشين والزاي، ورُوي ذلك عن ابن عباس وقتادة. وقرأ أُبَيُّ بن كعب: ((نُنْشِيها)) بالياءِ(١). والكُسوَةُ: ما وارَى من الثِّياب، وشُبِّه اللحمُ بها. وقد استعاره الثَّابغةُ (٢) للإسلام فقال: حتى اكْتَسَيْتُ من الإِسلامِ سِرْبالا(٣) وقد تقدَّم أوَّلَ السورة. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ بقطع الألف. وقد رُويّ أن الله جلَّ ذكره أحيا بعضَه ثم أراه كيف أحيا باقيَ جسدِه. قال قتادة: إنه جعلَ ينظرُ كيف يُوصِلُ بعضَ عظامه إلى بعض، لأن أوَّلَ ما خلق الله منه رأسَه، وقيل له: انظر، فقال عند ذلك: ((أعلم)) بقطع الألف، أي: أعلم هذا (٤). وقال الطبريُّ(٥): المعنى في قوله: ((فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ)) أي: لما اتَّضح له عِياناً ما كان مُستنكّراً في قدرة الله عنده قبلَ عِيانه قال: أعلم. قال ابن عطية(٦): وهذا خطأٌ، لأنه أَلزم ما لا يقتضيه اللَّفظُ، وفسَّر على القول الشّاذِ والاحتمالِ الضَّعیف، وهذا عندي لیس بإقرارٍ بما كان قبلُ يُنکِرہ كما زعم الطبريُّ، بل هو قولٌ بعثَه الاعتبارُ، كما يقول الإنسانُ المؤمنُ إذا رأى شيئاً غريباً من قدرة الله تعالى: لا إله إلا الله، ونحو هذا. وقال أبو عليٍّ(٧): معناه: أعلمُ هذا الضَّربَ من العلم الذي لم أكن علمتُه. (١) المحرر الوجيز ٣٥١/١. وذكرهما أبو حيان في البحر ٢٩٣/٢-٢٩٤. (٢) غيّر هذه اللفظة محققو (م) إلى: لبيد، وسلف ٢٣٦/١ منسوباً للبيد وغيره. (٣) صدره: فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي، وهو في ديوان النابغة الجعدي ص١٠١، والمحرر الوجيز ٣٥١/١ وعنه نقل المصنف. (٤) معاني القرآن للنحاس ١/ ٢٨٢. (٥) في تفسيره ٤/ ٦٢٠ . (٦) في المحرر الوجيز ٣٥١/١ وعنه نقل المصنف قول الطبري. (٧) في الحجة للقراء السبعة ٣٨٣/٢. ٣٠٨ سورة البقرة : الآية ٢٥٩ قلت: وقد ذكرنا هذا المعنى عن قتادة، وكذلك قال مكيّ رحمه الله، قال مكيّ (١): إنه أخبر عن نفسِه عندما عاين من قُدرة الله تعالى في إحيائه الموتى، فتيقَّن ذلك بالمشاهدة، فأقرَّ أنه يعلم أن الله على كل شيءٍ قدير، أي: أعلم أنا هذا الضَّربَ من العلم الذي لم أكن أعلمُه على مُعاينةٍ، وهذا على قراءة مَن قرأ ((أَعْلَمُ)) بقطعِ الألف وهم الأكثرُ من القُرَّاء. وقرأ حمزة والكسائي بوصلِ الألف(٢)، ويحتمل وجهين: أحدهما: قال له الملك: اعلم، والآخر هو أن يُنزِّلَ نفسَه منزلةَ المخاطَب الأجنبيِّ المنفَصِلِ، فالمعنى: فلما تبيَّن له قال لنفسِه: اغْلمي يا نفسُ هذا العلمَ اليقين الذي لم تكوني(٣) تعلمينَ معاينةً، وأنشد أبو عليّ(٤) في مثل هذا المعنى: وَدِّعْ هُرَيرَةَ إِن الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ ألم تغْتَمِضْ عيناكَ ليلةَ أَرْمَدا(٥) قال ابن عطية(٦): وتأنَّس أبو عليٍّ في هذا المعنى بقول الشاعر(٧): تذَكَّرَ من أنَّى ومن أين شُرْبُه يُؤامِرُ نفْسَيْه(٨) كذِي الهَجْمَةِ الأَبِلْ قال مكيّ(٩): ويَبعُد أن يكون ذلك أمراً من الله جلَّ ذكره له بالعلم؛ لأنه قد (١) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٣١٢. (٢) السبعة ص١٨٩، والتيسير ص٨٢. (٣) في النسخ: اعلم ... تكن، والمثبت من (م). (٤) في الحجة ٣٨٤/٢. (٥) البيتان للأعشى، وعجز الأول: وهل تطيقُ وداعاً أيها الرجلُ، وهو في ديوانه ص ١٠٥، وعجز الثاني: وعادَكَ ما عاد السليمَ المسهَّدا، وهو في ديوانه ص ١٨٥ . (٦) في المحرر الوجيز ٣٥٢/١ وما قبله منه. (٧) هو الكميت بن زيد، والبيت في ديوانه ٣٩٦/٢، وتفسير الطبري ٧٦٠/٣، والحجة للفارسي ٣٨٣/٢. (٨) في النسخ: نفسه، والمثبت من (م) والمصادر، قوله: الهجمة: القطعة الضخمة من الإبل من السبعين إلى المئة، ويقال: رجل أَبِل: إذا كان حاذقاً بمصلحة الإبل والقيام عليها. قاله الشيخ محمود شاكر رحمه الله في تعليقه على الطبري ٤١٥/٤ . (٩) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣١٢/١. ٣٠٩ سورة البقرة : الآية ٢٦٠ أَظهر إليه قدرةً (١)، وأراه أمراً أيقنَ صِحَّتَه وأقرَّ بالقُدرة، فلا معنى بأن(٢) يأمرَه الله بعلم ذلك، بل هو يأمرُ نفسَه بذلك، وهو جائزٌ حسَن. وفي حرفٍ عبد الله ما يدلُّ على أنه أمرٌ من الله تعالى له بالعلم؛ على معنى: الزَم هذا العلم لمَّا عاينتَ وتيقَّنتَ، وذلك أنَّ في حرفه: ((قيل اعلم))(٣). وأيضاً فإنه موافقٌ لما قبله من الأمر في قوله ((انْظُرْ إلَى طَعَامِكَ)) و ((انْظُرْ إِلَى حمارك))، ((وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَام)) فكذلك: ((اعْلَمْ أَنَّ اللَ))، وقد كان ابن عباس يقرؤها: ((قيل اعلم)) ويقول: أهو خيرٌ أم إبراهيم؟ إذا قيل له: ((واعلم أن الله عزيزٌ حكيم)). فهذا يُبيِّن أنه من قول الله سبحانه له لِمَا عاين من الإحياء(٤). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْنَّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَى وَلَكِن لِيَظْمَيِنَّ قَلِىّ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةُ مِّنَ الَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ أَدْعُهُنَّ يَأْتِيَنَكَ سَعْيَاً وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ اختلف الناسُ في هذا السؤال؛ هل صدر من إبراهيم عن شكِّ أم لا؟ فقال الجمهور: لم يكن إبراهيم عليه السلام شاًا في إحياء الله الموتى قطُ، وإنما طلَب المعاينةَ، وذلك أن النُّفوسَ مُستشرِفَةٌ إلى رؤية ما أُخبرت به؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ((ليس الخبر كالمعاينة))(٥) رواه ابنُ عباس لم يروه غيره، قاله أبو عمر (٦). قال الأخفش (٧): لم يُرد رؤيةَ القلب، وإنما أراد رُؤيةً العين. وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جُبير والربيع: سأل ليزدادَ يقيناً إلى يقينه (٨). (١) في (م): قدرته. (٢) في (م) والكشف: لأن. (٣) أخرجه الطبري ٤/ ٦٢٠، وذكره ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦. (٤) الكشف لمكي ٣١٢/١، وذكر قراءة ابن عباس الطبري ٦٢٠/٤ -٦٢١ . (٥) المحرر الوجيز ٣٥٢/١. (٦) في التمهيد ٣٣٤/٤، والحديث أخرجه أحمد (١٨٤٢) و(٢٤٤٧). (٧) في معاني القرآن ٣٨٣/١. (٨) النكت والعيون للماوردي ٣٣٤/١ وعنه نقل المصنف قول الأخفش، وأخرج الآثار الطبري ٤/ ٦٣١ - ٦٣٢، وابن أبي حاتم ٢/ ٥١٠. ٣١٠ سورة البقرة : الآية ٢٦٠ قال ابن عطية (١): وترجم الطبريُّ في تفسيره(٢) فقال: وقال آخرون: سأل ذلك ربَّه لأنه شكَّ في قُدرة الله تعالى. وأدخل تحت التَّرجمة عن ابن عباس قال: ما في القرآن عندي آيةٌ أرجى منها(٣). وذكر عن عطاء بن أبي رَبَاح أنه قال: دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوبَ الناس، فقال: ربِّ أرني كيف تُحيي الموتى. وذَكر حديثَ أبي هريرة أن رسول الله وَ لَ﴿ قال: ((نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم)) الحديث، ثم رجَّح الطبريُّ هذا القول(٤). قلت: حديث أبي هريرة خرَّجه البخاريُّ ومسلم(٥) عنه أن رسول الله وَ لاإله قال: ((نحن أحقُّ بالشَّكِّ من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبٍ أَرِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْقَّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَنٌ وَلَكِن ◌ِيَطْمپنَ قَلِى﴾ ویرحم الله لوطاً، لقد کان یاوِي إلى رُكٍ شديد، ولو لَبِثْتُ في السجن طُولَ ما لبث(٦) يوسف لأَجَبتُ الدَّاعي)). قال ابن عطية (٧): وما ترجم به الطبريُّ عندي مردودٌ، وما أُدخل تحت التَّرجمة متأوَّل، فأما قولُ ابن عباس: هي أرجى آية، فمن حيث فيها الإدلالُ على الله تعالى، وسؤالُ الإحياء في الدنيا، وليست مظِنَّةَ ذلك. ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾ أي: إن الإيمان كافٍ لا يحتاج معه(٨) إلى تنقيرٍ وبحث. وأما قولُ عطاء: دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يَدخل قلوبَ الناس؛ فمعناه من حيث المعاينةُ على ما تقدَّم. وأما قولُ النبيِّ وَّهِ: ((نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم)) فمعناه: أنه لو كان شائًّا لكُنَّا نحن أحقَّ به، ونحن لا نشكُّ، فإبراهيم عليه السلام أخْرَى ألَّا يشكّ، (١) في المحرر الوجيز ٣٥٢/١. (٢) ٤ /٦٢٨. (٣) في (م): ما في القرآن آية أرجى عندي منها . (٤) أثر عطاء وحديث أبي هريرة وترجيح الطبري كل ذلك في تفسيره ٦٢٩/٤ - ٦٣٠. (٥) صحيح البخاري (٣٣٧٢)، وصحيح مسلم (١٥١)، وهو في مسند أحمد (٨٣٢٨-٨٣٢٩). (٦) في (خ) و(د) و(م): ما لبث، دون لفظة: طول، والمثبت من (ظ) وصحيح البخاري. (٧) في المحرر الوجيز ٣٥٢/١. (٨) في المحرر: بعده. ٣١١ سورة البقرة : الآية ٢٦٠ فالحديث مبنيٌّ على نفي الشكِّ عن إبراهيم، والذي رُوي فيه عن النبيِّ ◌َلّ أنه قال: ((ذلك مَحْضُ الإيمان))(١) إنما هو في الخواطر التي لا تَثْبُتُّ، وأما الشُّ فهو توقُّفٌ بين أمرين لا مزيَّةً لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفيُّ عن الخليل عليه السلام. وإحياء الموتى إنما يَثبتُ بالسَّمع، وقد كان إبراهيم عليه السلام أعلمَ به، يدلُّك على ذلك قولُه ﴿رَنْيَ اَلَّذِى يُغْيِ وَيُمِيتُ﴾ فالشَّكُّ يَبعُدُ على مَن تَثبُتُ قدمُه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوّة والخُلَّة؟ والأنبياءُ معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلةٌ إجماعاً. وإذا تأمَّلتَ سؤالَه عليه السلام وسائرَ ألفاظِ الآية (٢) لم تُعطّ شَكَّاً، وذلك أن الاستفهامَ بـ((كيف)) إنما هو سؤالٌ عن حالة شيءٍ (٣) موجودٍ مُتَقرِّر الوجود عند السَّائل والمسؤول، نحو قولك: كيف عِلْمُ زيد؟ وكيف نَسْجُ الثَّوب؟ ونحو هذا. ومتى قلت: كيف ثَوبُك؟ وكيف زيد؟ فإنما السؤال عن حالٍ من أحواله. وقد تكون (كيف)) خبراً عن شيءٍ شأنُه أن يُستفهم عنه بـ((كيف))، نحو قولك: كيف شئتَ فکنْ، ونحو قولِ البخاريِّ: كيف كان بَدْهُ الوَحْي(٤). و((كيف)) في هذه الآية إنما هي استفهامٌ عن هيئة الإحياء، والإحياءُ متقرِّرٌ، ولكن لمَّا وجدنا بعضَ المنكرِين لوجود شيء قد يُعبِّر(٥) عن إنكاره بالاستفهام عن حالةٍ لذلك الشيء يَعلمُ أنها لا تَصحّ، فيلزم من ذلك أن الشيءَ في نفسه لا يصحُّ. مثالُ ذلك أن يقولَ مدَّعٍ: أنا أرفعُ هذا الجبل، فيقول المكذِّب له: أرني كيف ترفعُه! فهذه طريقةُ مجازٍ في العبارة، ومعناها تسليمُ جَدَلٍ، كأنه يقول: ◌ِفْرض أنك (١) أخرجه أحمد (٩٨٧٦)، ومسلم (١٣٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلم (١٣٣) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: سئل النبي وَّر عن الوسوسة فقال: ((تلك مَخْضُ الإيمان)). وأخرجه أحمد (٢٤٧٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٢) في النسخ: الألفاظ للآية، والمثبت من (م). (٣) في المحرر ٣٥٣/١: إنما هو عن حال شيء. (٤) هو الباب الأول في صحيح البخاري رحمه الله. (٥) في النسخ: يعبروا، وفي (م): يعبرون، والمثبت من المحرر الوجيز ٣٥٣/١. ٣١٢ سورة البقرة : الآية ٢٦٠ ترفعُه، أرِني(١) كيف ترفعه! فلما كان في عبارة(٢) الخليل عليه السلام هذا(٣) الاشتراكُ المجازيّ، خَلَّص الله له ذلك، وحمَلَه على أن بَيَّن(٤) له الحقيقة، فقال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بٌَّ﴾ فَكَمل الأمرُ، وتَخلَّص من كلِّ شكِّ، ثم علَّلَ عليه السلام سؤالَه بالطمأنينة. قلت: هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثلُ هذا الشكِّ، فإنه كفر، والأنبياء متَّفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله تعالى أن أنبياءه وأولياءه ليس للشّيطان عليهم سبيلٌ فقال: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقال اللعين: إلَّا عبادَك منهم المُخلَصين(٥)، وإِذا لم يكن له عليهم سَلْطَنة فكيف يُشكِّكهُم؟! وإنما سأل أن يشاهدَ كيفيَّةَ جمع أجزاءِ الموتى بعد تفريقها، واتِّصال(٦) الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يَتَرقَّى من علم اليقين إلى عين(٧) اليقين؛ فقوله: ﴿أَرِبِ كَيْفَ﴾ طلبُ مُشاهدةٍ الكيفيّة. وقال بعضُ أهل المعاني: إنما أراد إبراهيمُ من ربِّه أن يريه كيف يُحيي القلوبَ؛ وهذا فاسدٌ مردودٌ بما يَعقُبُه(٨) من البيان، ذكره الماورديُّ (٩)، وليست الألفُ في قوله: ((أَوَلِمْ تُؤْمِنْ)) ألفَ استفهام، وإنما هي ألفُ إيجابٍ وتقرير كما قال جرير : ألستُم خيرَ من رَكِبَ المَطايَا(١٠) (١) في (م): جدلي ... فأرني. (٢) في (م): كانت عبارة. (٣) في (د) و(م): بهذا . (٤) في (خ) والمحرر ٣٥٣/١: يبين. (٥) حكاه الله تعالى في سورة الحجر (٤٠). (٦) في (م): وإيصال. (٧) في (م): علم. (٨) في (د) و(م): تعقبه، وقد أهملت في (خ)، والمثبت من (ظ). (٩) في النكت والعیون ٣٣٤/١ وما بعده منه. (١٠) تمامه: وأندى العالمين بطونَ راح، وهو في ديوانه ص٨٩. ٣١٣ سورة البقرة : الآية ٢٦٠ والواو واوُ الحال. و((تُؤْمِنْ)) معناه: إيمانًا مُطلَقًا، دخل فيه فضل(١) إحياء الموتى. ﴿قَالَ بٌَّ وَلَكِن لِيَطْمَيْنَ قَلِىٌ﴾ أي: سألتُك ليطمئنَّ قلبي بحصول الفَرْق بين المعلوم برهاناً والمعلوم عياناً. والظُّمأنينةُ: اعتدالٌ وسُكون، فطُمأنينةُ الأعضاء معروفة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((ثم اركع حتى تطمئِنَّ راكعاً)) (٢) الحديث. وُمأنينَةُ القلب: هي أن يَسكُنَ فكرُهُ في الشيء المعتَقَد. والفكرُ في صورة الإحياء غيرُ محظور، كما لَنا نحن اليوم أن نفكّر فيها، إذْ هي فِكَرٌ فيها عِبَر، فأراد الخليل أن يُعاينَ فيذهب(٣) فِكْره في صورة الإحياء. وقال الطبريُ(٤): معنى ((ليطمئنَّ قلبي)): ليوقِنَ، وحُكي نحو ذلك عن سعيد بن جُبير، وحُكي عنه: ليزدادَ يقيناً، وقاله إبراهيم وقتادة. وقال بعضهم: لأزدادَ إيماناً مع إيماني(٥) . قال ابن عطية (٦): ولا زيادةً في هذا المعنى تمكن إلا السكون عن الفكر، وإلَّا فالیقینُ لا يَتَبغّض. وقال السُّدِّي وابن جُبير أيضًا: أولم تؤمن بأنك خليلي؟ قال: بلى، ولكن ليطمئنٌّ قلبي بالخُلَّة. وقيل: دعا أن يُريَه كيف يُحيي الموتى ليعلمَ هل تُستجابُ دعوتُه؟ فقال الله له: أولم تؤمنْ أني أجيبُ دعاءك، قال: بلى ولكن ليطمئنَّ قلبي أنك تُجيب دعائي(٧). (١) في المحرر الوجيز (العلمية) ٣٥٣/١: فصل، وفي طبعة مصر للمحرر ٢٢٣/٢: فعل. (٢) أخرجه أحمد (٩٦٣٥)، والبخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وسلف ٢٦٢/١. (٣) في (خ) والمحرر ٣٥٣/١: فتذهب. (٤) في تفسيره ٤/ ٦٣٠ . (٥) أخرجها الطبري ٦٣١/٤ - ٦٣٢. (٦) في المحرر الوجيز ٣٥٣/١ وما قبله منه. (٧) أخرجها الطبري ٤ / ٦٢٧ -٦٢٨ ٦٣٣. ٣١٤ سورة البقرة : الآية ٢٦٠ واختلف في المحرِّك له على ذلك، فقيل: إن الله وعده أن يتَّخذه خليلاً فأراد آيةً على ذلك؛ قاله السائب بن يزيد. وقيل: قول النمروذ: أنا أحيي وأميت. وقال الحسن: رأى جيفةً نصفُها في البرِّ تَوزَّعُها السِّباع، ونصفُها في البحر تَوَزَّعُها دوابُّ البحر، فلمَّا رأى تفرُّقها أحبَّ أني يرى انضمامها؛ فسأل ليطمئنَّ قلبُه برؤية كيفيَّةِ الجمع كما رأى كيفيَّةَ التَّفريق(١)، فقيل له: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةُ مِّنَ اَلَيْرِ﴾ قيل: هي الدِّيك والطاووس والحمام والغُراب، ذكر ذلك ابن إسحاق عن بعض أهلِ العلم، وقاله مجاهد وابن ◌ُریج وعطاء بن يسار وابنُ زید. وقال ابن عباس مكان الغراب: الكُرْكِيّ، وعنه أيضاً مكان الحمام: النَّسر(٢). فأخذ هذه الطيرَ حسْبَ ما أُمر وذكَّاها، ثم قَطَعها قِطَعاً صغاراً، وخلط لحومَ البعض إلى لحوم البعض مع الدَّم والرِّيش حتى يكونَ أعجب، ثم جعل من ذلك المجموع المختَلِط جُزءًا على كلِّ جبل، ووقف هو من حيثُ يرى تلك الأجزاء، وأمسك رؤوسَ الطير في يده، ثم قال: تَعالَين بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاءُ، وطار الدَّمُ إلى الدَّم، والرِّيشُ إلى الرِّيش حتى التأمت كما(٣) كانت أوَّلاً، وبقيت بلا رؤوس، ثم كرَّر النداءَ فجاءته سَعْيًا (٤)، أي: عَدْوًا على أرجُلِهنَّ، ولا يُقال للطائر: سعى إذا طار إلَّا على التَّمثيل، قاله النحاس(٥). وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحدٍ منها بغير رأسه تباعد الطائرُ، وإذا أشار إليه برأسه قَرُب حتى لقي كلُّ طائرٍ رأسَه، وطارت بإذن الله. وقال الزجاج(٦): المعنى: ثم اجعل على كلِّ جبلٍ من كلِّ واحدةٍ جُزءاً. (١) انظر المحرر الوجيز ٣٥٢/١، وتفسير الطبري ٤/ ٦٢٤ . (٢) المحرر الوجيز ٣٥٣/١، وتفسير البغوي ٢٤٨/١، وأخرج الآثار الطبري ٦٣٤/٤، وابن أبي حاتم ٥١١/٢. والكركي: طائر كبير، أغبر اللون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذَّنَب، قليل اللحم، ياوي إلى الماء أحياناً. المعجم الوسيط. (٣) في (م): مثل ما. (٤) المحرر الوجيز ٣٥٣/١-٣٥٤. (٥) في معاني القرآن له ٢٨٨/١-٢٨٩. (٦) في معاني القرآن له ٣٤٦/١. ٣١٥ سورة البقرة : الآية ٢٦٠ وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو جعفر: ((جُزُؤًا)) على فُعُل(١). وعن أبي جعفر أيضاً ((جُزَّا)) مشدّدة الزاي(٢). الباقون مهموزٌ مخفَّف، وهي لُغات، ومعناه النَّصيب. ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيَا﴾ نصب على الحال. و﴿نَهُرْهُنَّ﴾ معناه قَطَّعْهُنَّ، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو عبيدة وابن الأنباري، يقال: صارَ الشيءَ يَصُورُه أي: قَطَّعه، وقاله ابن إسحاق(٣). وعن أبي الأسود الدُّؤلي: هو بالسريانية التَّقطيع(٤)، قال توبة بن الحُمَيِّر(٥) يصف: بأطراف عِيدانٍ شديدٍ سُبُورُها فلمَّا جذبْتُ الحبلَ أَّت نُسوعُه بنَهضي وقد كاد ارتقائي يَصُورُها(٦) فأدْنَتْ ليَّ الأسبابَ حتَّى بلغتُها أي: يقطعُها. والصَّوْرُ: القَطْعُ. وقال الضَّحاك وعكرمة وابن عباس في بعض ما رُوي عنه: إنها لفظَةٌ بالنَّبَطِيَّة، معناه: قَطعهنَّ. وقيل: المعنى أمِلْهُنَّ إليك، أي: اضمُمْهنَّ واجمَعْهُنَّ إليك(٧)، يقال: رجلٌ أَضْوَرُ إذا كان مائِلَ العُنُق. وتقول: إني إليكم لأَصْور، يعني مُشتاقًا مائلاً. وامرأةٌ صَوْراء والجمع صُور، مثل أَسْود وسُود، قال الشاعر: اللهُ يعلم أنَّا في تلقّتِنا يومَ الفِراق إلى جيراننا صُوْرُ(٨) (١) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٣/١، وانظر السبعة ص١٥٨، والتيسير ص٨٢. ولم يذكر ابن الجزري لأبي جعفر - وهو من العشرة - هذه القراءة. انظر النشر ٢١٦/٢. (٢) المحرر الوجيز ٣٥٤/١، وذكرها ابن جني في المحتسب ١٣٧/١، وقراءة أبي جعفر هذه من العشرة. (٣) أخرج أثر ابن عباس ومجاهد وابن إسحاق الطبري ٦٣٩/٤ -٦٤٢، وكلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ١/ ٨٠. (٤) المحرر الوجيز ٣٥٤/١. (٥) من بني عقيل بن كعب، خفاجيّ، وكان شاعراً لصاً، وأحد عشاق العرب المشهورين. الشعر والشعراء ٤٤٥/١. (٦) ديوانه ص٣٥، وتفسير الطبري ٦٣٥/٤. قوله: نُسوعه؛ جمع نِسْع: سَيْر مضفور تُشدُّ به الرحال، كانت حبال الخدر جديدة فسُمع صوتها، والأسباب جمع سبب وهي الحبال. قاله الشيخ محمود شاكر رحمه الله ٤٩٧/٥. (٧) المحرر الوجيز ٣٥٤/١، وأخرج الآثار الطبري ٦٣٩/٤ - ٦٤٢. (٨) تفسير الطبري ٦٣٥/٤، وخزانة الأدب ١٢١/١، ونسب لابن هرمة انظر ديوانه ص٢٣٨. ٣١٦ سورة البقرة : الآية ٢٦٠ فقوله: ((إِلَيْكَ)) على تأويل التَّقطيع متعلِّقٌ بـ ((خُذْ))، ولا حاجةَ إلى مُضمّر، وعلى تأويل الإمالة والضمّ متعلِّقٌ بـ ((صُرْهُنَّ)) وفي الكلام متروك: فأمِلْهُنَّ إليك ثم قَطَّعْهُنَّ(١). وفيها خمسُ قراءات: ثِنتان في السَّبع: وهما ضمُّ الصَّاد وكسرُها وتخفيفُ الرَّاء (٢). وقرأ قوم: ((فصُرَّهُنَّ)) بضمِّ الصَّاد وشَدِّ الرَّاء المفتوحة، كأنه يقول: فشُدَّهُنَّ، ومنه صُرَّة الدَّنانیر. وقرأ قوم: ((فصِرَّهن)) بكسر الصاد وشَدِّ الرَّاء المفتوحة، ومعناه: صَيِّحْهُنَّ؛ من قولك: صَرَّ البابُ والقلمُ إذا صَوَّت، حكاه النقَّاش(٣). قال ابن جِنِّي (٤): هي قراءةٌ غريبة، وذلك أنَّ((يَفْعِل)) بكسر العين في المضاعف المتعدِّي قليلٌ، وإنما بابه ((يَفعُل)) بضمِّ العين؛ کشدَّ یَشُدُّ ونحوه، لكن قد جاء منه نَمَّ الحديثَ يَنُمُّه ويَنْمُّه، وهَرَّ الحربَ يَهُرُّها ويَهِرُّها، ومنه بيت الأعشى: ليَعْتَوِرَنْك القولُ حتى تَهِرَّه(٥) إلى غير ذلك في حُروفٍ قليلة. قال ابن جِنّي(٦): وأما قراءةُ عِكرمة بضمِّ الصَّاد؛ فيحتمل في الراء الضمّ والفتح والكسر؛ كمُدَّ وشُدَّ، والوجهُ ضمُّ الراء من أجل ضمَّةِ الهاء من بعد. القراءةُ الخامسة: ((صَرِّهِنَّ)) بفتح الصَّادِ وشدِّ الراء مكسورة، حكاها المهدوِيُّ (١) المحرر الوجيز ٣٥٤/١. (٢) قرأ حمزة من السبعة بكسر الصاد، والباقون بضمها. انظر السبعة ص ١٩٠، والتيسير ص٨٢. (٣) ونقله عنه ابن عطية في المحرر ٣٥٤/١، ونسب ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦، وابن جني في المحتسب ١٣٦/١ القراءة الأولى لعكرمة والثانية لابن عباس. (٤) في المحتسب ١٣٦/١. (٥) لم يجود البيت في النسخ الخطية، والمثبت من المحرر الوجيز ٣٥٤/١، وعنه نقل المصنف، وهو في دیوان الأعشی ص١٧٣ وروايته: وتعلمَ أني لستُ عنك بمُلْجَم لَيَسْتَذْرِجَنْكَ القولُ حتى تَهِرَّه (٦) في المحتسب ١٣٦/١. ٣١٧ سورة البقرة : الآية ٢٦١ وغيره عن عكرمة(١)، بمعنى: فاحبِسْهُنَّ؛ من قولهم: صَرَّى يُصَرِّي: إذا حَبَس، ومنه الشاةُ المُصَرَّاةِ(٢). وهنا اعتراضٌ ذكره الماورديُّ(٣)، وهو أن يقال: فكيف أُجيب إبراهيمُ إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله: ﴿رَبِّ أَرِفِ أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟ فعنه جوابان: أحدُهما: أنَّ ما سأله موسى لا يصحُّ مع بقاء التكليفِ، وما سأله إبراهيم خاصٌّ يصحُّ معه بقاءُ التكليف. الثاني: أن الأحوالَ تختلفُ؛ فيكون الأصلحُ في بعض الأوقات الإِجابةَ، وفي وقتٍ آخر المنع فيما لم يتقدَّم فيه إذنٌ. وقال ابن عباس: أمر الله تعالى إبراهيمَ بهذا قبل أن يُولَد له، وقبل أن يُنزِّلَ عليه الصُّحُفَ، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُتْلَةٍ مِّأْتَةُ حَبٍَّ وَلَهُ يُضَنِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيهُ ٢٦١ فیه خمس مسائل: الأولى: لمَّا قصَّ اللهُ سبحانه ما فيه منَ البراهين، حثَّ على الجهاد، وأَعلمَ أنَّ مَنْ جاهد بعد هذا البرهان الذي لا يأتي به إلَّ نبيٍّ؛ فله في جهاده الثوابُ العظيم. رَوَى البستيُّ في صحيح مسنده(٤) عن ابن عمرَ قال: لمَّا نَزَلت هذه الآية قال رسولُ اللهِ وَله: ((رَبِّ زِدْ أُمَّتي)) فنزلت: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَدِفَهُ لَهُو أَسْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال رسول الله وَّهِ: («رَبِّ زِدْ أُمَّتي)) فَنَزَلت: ﴿إِنَّمَا يُوَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. (١) ونسبها إليه أيضاً ابن جني في المحتسب. (٢) المحرر الوجيز ٣٥٤/١، وعنه نقل المصنف كلام ابن جني الأول والثاني وحكاية المهدوي للقراءة. والشاة المُصَرَّاة: هي التي جُمع اللبن في ضرعها وحُبِس. النهاية (صرى). (٣) في النكت والعيون ٣٣٥/١-٣٣٦. (٤) صحيح ابن حبان (٤٦٤٨). ٣١٨ سورة البقرة : الآية ٢٦١ وهذه الآية لفظُها بيانُ مثال لشرف النفقة في سبيل الله ولحسنها(١)، وضمنها التحريض على ذلك. وفي الكلام حذفُ مضافٍ تقديرُهُ: مَثَلُ نفقةِ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّة. وطريق آخر: مَثَلُ الذين ينفقون أموالهم كمَثَلِ زارعٍ زَرَعَ في الأرض حبَّةٌ، فأنبتتِ الحبَّةُ سبعَ سنابل، يعني أخرجت سبعَ سنابلَ، في كلِّ سنبلةٍ مئةُ حبَّة، فشَبَّه المتصدِّق بالزارع، وشَبَّه الصدقةَ بالبَذْر، فيعطيه اللهُ بكلِّ صدقة له سبع مئة حسنة، ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَنِعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾ يعني على سبع مئة، فيكون مَثَلُ المتصدِّق مَثَلَ الزارع، إن كان حاذقاً في عمله، ويكون البذر جيداً، وتكون الأرضُ عامرةً؛ يكون الزرع أكثر، فكذلك المتصدِّق إذا كان صالحاً، والمال طيباً ويضعه موضعه، فيصير الثواب أكثر، خلافاً لمن قال: ليس في الآية تضعيف على سبع مئة، على ما نبيِّنْهُ إن شاء الله. الثانية: رُوي أنَّ هذه الآية نزلت في شأن عثمانَ بنِ عمَّان وعبد الرحمن بنِ عوف رضي الله عنهما، وذلك أنَّ رسول اللهِ وَلِّ لمَّا حثَّ الناسَ على الصَّدقة حين أرادَ الخروجَّ إلى غزوة تَبُوكَ، جاءه عبدُ الرحمن بأربعة آلاف، فقال: يا رسول الله، كانت لي ثمانيةُ آلاف، فأمسكتُ لنفسي ولعيالي أربعةَ آلاف، وأربعةُ آلاف أقرضتُها لربِّي. فقال رسول الله وَّهِ: ((بارَكَ اللهُ لكَ فيما أَمْسَكْتَ، وفيما أَعْطَيْتَ)). وقال عثمان: يا رسول الله، عليَّ جِهازُ مَنْ لا جِهازَ له؛ فنزلت هذه الآية فيهما(٢). وقيل: نزلت في نفقة التطوّع(٣). وقيل: نزلت قبل آية الزكاة، ثم نُسخت بآية الزكاة. ولا حاجةً إلى دعوى النسخ، لأنَّ الإنفاق في سبيل الله مندوبٌ إليه في كلِّ وقت. وسُبُلُ الله كثيرةٌ، وأعظمُها غَناءً(٤) الجهادُ؛ لتكون كلمةُ الله هي العليا . (١) في النسخ: وتحسنها، وفي المحرر الوجيز ٣٥٥/١: وبحسنها. والمثبت من (م). (٢) ذكره البغوي في تفسيره ٢٤٩/١-٢٥٠ ونسبه للكلبي. (٣) المحرر الوجيز ٣٥٥/١. (٤) أثبتت من (ظ) و(خ). وهو الموافق للمحرر الوجيز ٣٥٥/١. ٣١٩ سورة البقرة : الآية ٢٦١ الثالثة: قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الحبة اسمُ جنس لكلِّ ما يزدرعه (١) ابنُ آدم ويقتاته، وأشهر ذلك البُرُّ، فكثيراً ما يراد بالحَبِّ، ومنه قول المُتَلَمِّس: آَلَّيْتَ حَبَّ العِراقِ الدَّهِرَ أَطْعَمُهُ والحَبُّ يأكلُهُ فِي القَرْيَةِ السُّوسُ (٢) وحَبَّة القلب: سويداؤه، ويقال: ثمرته، وهو ذاك. والحِبَّة، بكسر الحاء: بزور (٣) البقول(٤) مما ليس بقوت، وفي حديث الشفاعة: ((فينبتون كما تنبت الحِبَّةُ في حَمِيل السَّيْل))(٥)، والجمع حِبَب، والحُبَّة، بالضم(٦): الحُبُّ؛ يقال: نَعَم وحُبَّةً وكرامةً. والحُبُّ: المحبَّة، وكذلك الحِبُّ، بالكسر. والحِبُّ أيضاً: الحبيب، مثل خذن وخَدِین. و﴿سُنْكَةٍ﴾ فُنعلة، مِن أَسْبْلَ الزرعُ: إذا صار فيه السنبل، أي: استرسل بالسنبل، كما يسترسل السِّتر بالإسبال. وقيل: معناه صار فيه حَبٌّ مستورٌ، كما يُستر الشيءُ بإسبال السِّتر عليه. والجمع سنابل. ثم قيل: المراد سنبل الدُّخْن، فهو الذي يكون في السنبلة منه هذا العدد(٧). قلت: هذا ليس بشيء، فإنَّ سنبل الدُّخْن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر، على ما شاهدناه. (١) يزدرعه: يزرعه. القاموس (زرع). (٢) المحرر الوجيز ٣٥٥/١. والمتلمِّس: هو جرير بن عبد المسيح، من بني ضبيعة وهو خال طَرَفة بن العبد، وسمي المتلمس لقوله: فهذا أوان العرض حَيَّ ذبابه زنابيره والأزرق المتلمِّس انظر طبقات فحول الشعراء ١٥٥/١-١٥٦. والبيت الذي ذكره المصنف في ديوانه ص٩٥ . (٣) في (ظ): بزر، وفي (م): بذور. والمثبت من (د) و(خ)، وهو الموافق للصحاح (حبب). وعنه نقل المصنف. (٤) في الصحاح: الصحراء. (٥) قطعة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أخرجه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٣). وأخرجه أيضاً البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقوله: ((حميل السيل))، أي: ما يجيء به السيل من طين أو غثاء وغيره. النهاية لابن الأثير (حمل). (٦) في (م): بضم الحاء. (٧) انظر المحرر الوجيز ٣٥٦/١. ٣٢٠ سورة البقرة : الآية ٢٦١ قال ابن عطية(١): وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مئة حبة، وأما (٢) في سائر الحبوب فأكثر، ولكن المَثَل وقع بهذا القدر. وقال الطبريُّ(٣) في هذه الآية: إنَّ قوله: ﴿فِى كُلِّ سُنْكَةٍ مِائَةُ حَبَّمْ﴾ معناه: إنْ وُجد ذلك، وإلَّ فعلى أن نفرضه (٤). ثم نقل عن الضحاك أنه قال: ﴿فِي كُلِّ سُتْبُكَتٍ مِائَةُ حٌَّ﴾ معناه: كلُّ سنبلة أنبتت مئة حبَّة. قال ابن عطية(٥): فجعل الطبريُّ قولَ الضحاك نحو ما قال، وذلك غير لازم من قول الضحاك. قال أبو عمرو الدَّانِيُّ: قرأ بعضهم: ((مئةً)) بالنصب، على تقدير: أنبتت مئةَ حبَّة(٦). قلت: وقال يعقوب الحضرميُّ: وقرأ بعضهم: ((في كلِّ سنبلة مئةَ حبَّة)) على: أنبتت مئةَ حبَّة، وكذلك قرأ بعضهم: ((وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابَ جَهَنَّمَ)) على: ﴿وَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] وأعتدنا للذين كفروا عذابَ جهنم(٧). وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿أَثْبَتَتْ سَيْعَ سَنَائِلَ﴾ بإذغام التاء في السين(٨)؛ لأنهما مهموستان، ألا ترى أنهما يتعاقبان. وأنشد أبو عمرو: عمرو بن ميمون لئام الناتِ(٩) يا لعَنَ اللهُ بني السِّعلاتِ (١) المحرر الوجيز ٣٥٥/١. (٢) في (م) و(د): فأما. والمثبت من (ظ) و(خ) وهو الموافق للمحرر الوجيز. (٣) تفسير الطبري ٤/ ٦٥٢، ونقل المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٥٦/١. (٤) في (ظ) و(خ): يقرضه. وفي (م): يفرضه. والمثبت من (د)، وهو الموافق للمحرر الوجيز. (٥) المحرر الوجيز ٣٥٦/١. (٦) القراءات الشاذة ص ١٦. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٣/١-٣٣٤. وقراءة (عذابَ) بالنصب ذكرها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٥٩. (٨) وكذلك قرأ هشام، انظر التيسير ص٤٢-٤٣ . (٩) الرجز لعلباء بن أرقم كما في اللسان (نوت). وذكره القالي في الأمالي ٦٨/٢، وابن جني في الخصائص ٥٣/٢، وابن يعيش في شرح المفصل ٣٦/١٠ دون نسبة. ولفظه: عمرو بن يربوع شرار النّات يا قبح الله بني السعلات ليسوا أعفّاء ولا أكيات