النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سورة البقرة : الآية ٢٥٤ تنوين، وكذلك في سورة إبراهيم: ﴿لا بَيْعَ فيه ولا خِلالَ﴾ [الآية: ٣١]، وفي (الطور)): ﴿لا لَغْوَ فيها ولا تأثيمَ﴾ [الآية: ٢٣](١). وأنشد حسان بنُ ثابت: أَلَا ◌ِعانَ ولا فُرْسانَ عاديةٌ إلَّا تَجَشُّؤُكُمْ عند الشَّثَانِير (٢) وألف الاستفهام غيرُ مغيِّرةٍ عملَ ((لا)) كقولك: ألا رجلَ عندك، ويجوز ألَا رجلٌ ولا امرأةٌ كما جاز في غير الاستفهامِ فاعلمه. وقرأ الباقون جميعَ ذلك بالرفع والتنوين(٣)، كما قال الراعيّ: وما صَرَمْتُكِ حتى قُلْتِ مُعْلِئَةً لا ناقةٌ لِيَ في هذا(٤) ولا جَمَلُ(٥) ويُروى: ((وما هجرتك)). فالفتح على النفي العامِّ المستغرِقِ لجميع الوجوهِ من ذلك الصنف، كأنّه جوابٌ لمن قال: هل فيه مِن بيع؟ فسأل سؤالاً عاماً، فأجيب جواباً عاماً بالنفي. و((لا)) مع الاسم المنفي بمنزلة اسمٍ واحدٍ في موضع رفعٍ بالابتداء، والخبرُ: ((فيه)). وإن شئت جعلتَه صفةً ليوم، ومَن رفع جَعل ((لا)) بمنزلة ليس. وجعل الجوابَ غيرَ عام، وكأنه جوابُ مَن قال: هل فيه بيع؟ بإسقاط من، فأتى الجوابُ غيرَ مغيّرٍ عن رفعه، والمرفوعُ مبتدأ أو اسمُ ليس، و(فيه)) الخبر. قال مكيّ(٦): والاختيار الرفع؛ لأنَّ أكثرَ القرَّاءِ عليه، ويجوز في غير القرآنِ لا بيعَ فيه ولا خلٌ، وأنشد سيبويه(٧) لرجل من مَذْحِج: (١) المحرر الوجيز ٣٤٠/١. وانظر السبعة ص ١٨٧ -١٨٨، والتيسير ص ٨٢. (٢) ديوان حسان بن ثابت ص٢٧١، والكتاب ٣٠٦/٢، يقول هذا لبني الحارث بن كعب، ومنهم النجاشي، وكان يهاجيه فجعلهم أهل نَهم وحرص على الطعام لا أهل غارة وقتال. والعادية: المستطيلة، ويُروى: غادية بالغين المعجمة، وهي التي تغدو للغارة، وعادية أعم لأنها تكون بالغداة وغيرها. تحصيل عين الذهب ص٣٥٥. والتنانير جمع تثُّور. (٣) السبعة ص ١٨٧-١٨٨، والتيسير ص ٨٢، والحجة ٣٥٤/٢-٣٥٥، والكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٠٥/١. (٤) في النسخ: فيها، والمثبت من (م): ومصادر التخريج. (٥) ديوان الراعي ص١٩٨، والكتاب ٢٩٥/٢. (٦) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٠٥/١-٣٠٦ وما قبله منه. (٧) في الكتاب ٢٩٢/٢. ٢٦٢ سورة البقرة : الآية ٢٥٤ لا أُمَّ لي إن كان ذاك ولا أَبُ (١) هذا لعَمْرِكُمُ الصَّغارُ بعيْنِه ويجوز أنْ تبنيَ الأوَّل وتنصبَ الثانيَ وتنوِّنَه، فتقول: لا رجلَ فيه ولا امرأةً، وأنشد سیبویه: لا نَسبَ اليومَ ولا خُلً انَّسَعِ الخَرْق على الرَّاقِعِ(٢) فـ ((لا)) زائدةٌ في الموضعين، الأوَّل عطفٌ على الموضع، والثاني على اللفظ. ووجهٌ خامس: أنْ ترفعَ الأوَّلَ، وتبنيَ الثاني، كقولك: لا رجلٌ فيها ولا امرأةً، قال أميّة : وما فَاهُوا بِه أَبَدًا(٣) مُقيم (٤) فلا لَغْوٌ ولا تَأْثِيمَ فيها وهذه الخمسة الأوجه جائزةٌ في قولك: لا حول ولا قوّة إلا بالله، وقد تقدَّم هذا والحمدُ لله(٥). ﴿وَاُلْكَفِرُونَ﴾ ابتداء. ﴿هُمْ﴾ ابتداء ثان، ﴿الظَّالِمُونَ﴾ خبر الثاني، وإنْ شئت كانت (هم) زائدةً للفصل، و((الظالمون)) خبرُ ((الكافرون))(٦). قال عطاء بنُ دينار(٧): والحمد لله الذي قال: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ اُلَّلِمُونَ﴾، ولم يقل: والظالمون هم الكافرون. (١) سلف ذكره ٣٢٦/٣. (٢) الكتاب ٢/ ٢٩٥، والبيت لأنس بن العباس، وسلف ذكره ٣٢٥/٣. (٣) في (خ): لهم. (٤) ديوان أُمية ص١٢٢، وذكر العيني في المقاصد النحوية ٣٤٦/٢ أن النحويين حرَّفوا هذا الشاهد حيث إنهم رگبوا صدر بيت على عجز آخر، وصوابه كما في الديوان: ولا حينٌ ولا فيها مُليمُ ولا لغوّ ولا تأثيمَ فيها وكأس لا تصدّع شاربيها وما فاهوا به لهمُ مقيمُ وعجز البيت الثاني سلف ذكره ٤٥/١ وصدره: وفيها لحمُ ساهرةٍ وبحرٍ، وهو في ديوان أمية ص١٢١ . (٥) ٣٢٥/٣-٣٢٦. (٦) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٠/١. (٧) أخرجه الطبري ٥٢٦/٤. ٢٦٣ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌّ لَّهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِمِهِ، إِلَّا بِمَا شَاءُ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ وَلَا يَقُودُهُ حِفْظُهُمَاً وَهُوَ اَلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ (@) قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ أَلْقَيُّوُمْ﴾ هذه آيةُ الكرسيِّ سيدةُ آي القرآنِ، وأعظمُ آية، كما تقدَّمَ بيانه في الفاتحة(١)، ونزلت ليلاً، ودعا النبيُّ نَّهِ زيدًا فكتبها. رُوي عن محمد ابنِ الحنفية أنه قال: لما نزلت آيةُ الكرسي خرَّ كلُّ صنمٍ في الدنيا، وكذلك خرَّ كلُّ ملِكٍ في الدنيا، وسقطت التيجانُ عن رؤوسهم، وهربت الشياطين يضرب بعضُهم على بعض إلى أنْ أتوا إبليسَ، فأخبروه بذلك، فأمرهم أنْ يبحثوا عن ذلك، فجاؤوا إلى المدينة، فبلغهم أنَّ آيَةً الكرسي قد نزلت(٢). وروى الأئمة(٣) عن أبيّ بنِ كعب قال: قال رسول الله وَلاغير: (يا أبا المنذر أتدري أيّ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم)»؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر أتدري أيّ آيةٍ من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: ((اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ))، فضربَ في صدري، وقال: ((لِيَهْنِك العلم يا أبا المنذر)). زاد الترمذيُّ الحكيم أبو عبد الله (٤): ((فوالذي نفسي بيده إنَّ لهذه الآية لَلساناً وشفتين تُقدِّس المَلِك عند ساقِ العرش)»(٥). قال أبو عبد الله: فهذه آيةٌ أنزلها الله جلَّ ذكره، وجعل ثوابها لقارئها عاجلاً وآجلاً، فأمَّا في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات. ورُوي لنا عن نَوْفٍ البِكاليِّ أنه قال: آية الكرسيِّ تُدعى في التوراة وليَّةَ الله، ويُدعى(٦) قارئها في ملكوت السماوات والأرض: عزيزاً. قال: فكان عبد (١) ١٧٠/١ و١٧٢. (٢) تفسير أبي الليث ٢٢٤/١. (٣) مسند أحمد (٢١٢٧٨)، وصحيح مسلم (٨١٠)، وسنن أبي داود (١٤٦٠)، وسلف ١٧٠/١. (٤) في نوادر الأصول ص ٣٣٨. (٥) هذه الزيادة وردت في رواية المسند المذكورة قبل تعليق. (٦) في (د) و(م): يريد يدعى، والمثبت من (ظ) و(خ) وهو موافق لنوادر الأصول. ٢٦٤ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ الرحمن بنُ عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسيِّ في زوايا بيته الأربع، معناه: كأنه يلتمس بذلك أن تكونَ له حارساً من جوانبه الأربع، وأن تنفيَ عنه الشيطان من زوایا بیته. ورُوي عن عمر أنه صارع جنيًّا فصرعه عمر رضي الله عنه، فقال له الجنيُّ: خَلِّ عني حتى أعلِّمَك ما تمتنعون به منَّا، فخلَّى عنه وسأله، فقال: إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي(١). قلت: هذا صحيحٌ. وفي الخبر: مَنْ قرأ آية الكرسيِّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ كان الذي يتولَّى قَبْضَ روحه ذو الجلال والإكرام، وكان كمَنْ قاتل مع أنبياء الله حتى يُستشهد(٢). وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: سمعتُ نبيَّكم وَله يقول وهو على أعواد المنبر: ((مَنْ قرأ آية الكرسيِّ دُبُرَ كلِّ صلاةٍ لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموتُ، ولا يواظب عليها إلا صدِّيقٌ أو عابدٌ، ومَنْ قرأها إذا أخذ مَضْجعه آمَنَه الله على نفسه وجاره وجار جاره، والأبياتِ حولَه))(٣). وفي البخاري(٤) عن أبي هريرةً قال: وَّلني رسول الله وَله بحفظ زكاة رمضانَ - وذكر قصةً وفيها ـ: فقلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلِّمني كلماتٍ ينفعني الله بها فخلَّيتُ سبيله، قال: ((ما هي))؟ قلت: قال لي: إذا(٥) أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية (١) نوادر الأصول ص٣٣٨، وأخرج أثر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أبو يعلى (٧٢٠٧)، وأثر عمر رضي الله عنه سيذكره المصنف بتمامه قريباً . (٢) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (١٢٣) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، ولم نقف عليه عنده غيره، وفي إسناده من لم نعرفه، وإسماعيل بن عياش، وهو ضعيف، وعبد الحميد بن إبراهيم الحضرمي؛ قال الحافظ في التقريب: صدوق إلا أنه ذهبت کتبه فساء حفظه. (٣) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٢٣٩٥)، وابن الجوزي في الموضوعات (٢٤٩)، قال البيهقي: إسناده ضعيف، وقال ابن الجوزي: لا يصح. قلنا: وله دون قوله: ولا يواظب عليها ... الخ شاهد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عند النسائي في السنن الكبرى (٩٨٤٨)، والطبراني في الكبير (٧٥٣٢). قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢٣٧٣): رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح. اهـ. وضعفه النووي في خلاصة الأحكام ٤٦٨/١-٤٦٩. (٤) صحيح البخاري (٢٣١١). (٥) في النسخ الخطية: ما هي؟ قال إذا. والمثبت من (م) وهو الموافق لصحيح البخاري. ٢٦٥ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ الكرسي من أولها حتى تختِمَ: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إلَّا هُوَ أَلْحَىُّ الْقَيُمْ﴾. وقال لي: لن يزالَ عليك من الله حافظٌ، ولا يقربُك شيطانٌ حتى تصبحَ، - وكانوا أحرصَ شيءٍ على الخير- فقال النبي وَله: ((أما إنه قد صدَقكَ وهو كذوبٌ، تَعْلَم مَنْ تخاطب منذ ثلاث(١) ليالٍ يا أبا هريرةَ»؟ قال: لا، قال: ((ذاك شيطانٌ)). وفي ((مسند الدارمي)) أبي محمد: قال الشعبي: قال عبد الله بن مسعود: لقيَ رجلٌ من أصحاب محمد وَ﴿ رجلاً من الجنِّ، فصارعه، فصرَعه الإنسيُّ، فقال له الإنسيُّ: إني لَأراك ضئيلاً شَخِيتًا، كأنَّ ذُرَيْعتَيْكَ ذُرَيْعتا كلب، فكذلك أنتم معشرَ الجنِّ، أم أنتَ من بينهم كذلك؟ قال: لا والله، إني من بينهم (٢) لَضَليعٌ، ولكنْ عاوِذْني الثانيةَ، فإنْ صرعتَني علَّمتُك شيئاً ينفعك، قال: نعم، فصرعه، قال: تقرأ: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّوُمْ﴾ (٣)؟ قال: نعم، قال: فإنك لا تقرؤها في بيتٍ إلا خرج منه الشيطانُ لە خَبَجْ کخَبَج الحمار، ثم لا يدخله حتى يصبحَ. أخرجه عن أبي نعيم، عن أبي عاصم الثقفي، عن الشعبي(٤). وذكره أبو عبيد(٥) في غريب حديث عمر: حدثناه أبو معاويةً، عن أبي عاصم الثقفي، عن الشعبي، عن عبد الله. قال: فقيل لعبد الله: أهو عمر؟ فقال: ما عسى أن يكون إلا عمرً !. قال أبو محمد الدارمي(٦): الضَّئيل: الدَّقيق، والشَّخِيت: المَهزول، والضَّليع: جيِّد الأضلاع، والخَبَج: الرِّيح. وقال أبو عبيد(٧): الخَبج: الضُّراط، وهو الحبَج - أيضاً - بالحاء. (١) قوله: ثلاث، من (م) وهو الموافق لصحيح البخاري. (٢) في (م): منهم. (٣) في (م): تقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَّ إلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَىُّ أَلْقَيُّمْ﴾ . (٤) مسند الدارمي (٣٣٨١). وإسناده منقطع، لأن الشعبيَّ لم يسمع من عبد الله بن مسعود، كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٣٢. (٥) في غريب الحديث له ٣١٦/٣. (٦) في سننه ٢/ ٥٤١ . (٧) في غريب الحديث له ٣١٧/٣. ٢٦٦ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ وفي ((الترمذي)) (١) عن أبي هريرةً قال: قال رسول الله وَّهِ: (مَنْ قرأ ﴿حَمّ﴾ المؤمن إلى ﴿إِلَيْهِ اَلْمَصِيرُ﴾ وآية الكرسي حين يُصبح، حُفظ بهما حتى يُمسي، ومَنْ قرأهما حين يُمسي، حُفظ بهما حتى يُصبحَ)). قال: حديث غريب. وقال أبو عبد الله الترمذي الحكيم: ورُوي أن المؤمنين نُدبوا إلى المحافظة على قراءتها في دبر كل صلاةٍ. عن أنسٍ، رفَعَ الحديثَ إلى النبي ◌ِّ﴿ قال: أوحى الله إلى موسى عليه السلام: مَنْ داوم على قراءة آية الكرسي دُبرَ كل صلاةٍ أعطيته فوق ما أعطي الشاكرين وأجرَ النبيين وأعمالَ الصدِّيقين، ويسَطتُ عليه يميني بالرحمة، ولم يمنعه أن أُدخلَه الجنةَ إلا أن يأتيه ملَكُ الموت. قال موسى عليه السلام: يا ربِّ، مَنْ سمع بهذا لا يداوم عليه؟ قال: إني لا أعطيه من عبادي إلا النبيِّ أو صِدِّيق، أو رجلٍ أحبه، أو رجلٍ أريد قَتْلَه في سبيلي(٢). وعن أبيّ بن كعب قال: قال الله تعالى: ((يا موسى، مَنْ قرأ آية الكرسي في دُبر كل صلاة أعطيته ثوابَ الأنبياء))(٣). قال أبو عبد الله (٤): معناه عندي: أعطيته ثوابَ عمل الأنبياء، فأما ثواب النبوة فليس لأحد إلا للأنبياء. وهذه الآية تضمَّنت التوحيدَ والصفات العُلا، وهي خمسون كلمةً، وفي كل كلمة خمسونَ بركةً(٥)، وهي تعدل ثلث القرآن، ورَد بذلك الحديث، ذكره ابن عطية (٦). (١) برقم (٢٨٧٩). (٢) لم نقف عليه في المطبوع من كتابه نوادر الأصول. وأورده ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور ٣٢٥/١ من حديث أبي موسى الأشعري، قال ابن كثير: وهذا حديث منكر جداً. (٣) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص٣٣٨ ولم ينسبه. (٤) هو الحكيم الترمذي، وكلامه هذا في نوادر الأصول ص٣٣٨. (٥) ذكر الطبرسي في مجمع البيان ٢٩٩/٢، والديلمي في الفردوس (٣٤٧١) عن علي رضي الله عنه مرفوعاً : ... وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي، يا علي إن فيها لخمسين كلمة، في كل كلمة خمسون بركة، ولم نقف له على إسناد. (٦) المحرر الوجيز ٣٤٠/١، وأخرج الحديث أحمد (١٣٣٠٩) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وفيه أنها تعدل ربع القرآن. وإسناده ضعيف. ٢٦٧ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ و((الله)) مبتدأ، و((لَا إِلَّهَ)) مبتدأٌ ثان، وخبره محذوف تقديره: معبود أو موجود. و((إِلَّ هُوَ)) بدل من موضع: لا إله(١). وقيل: ((اللّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ابتداء وخبر، وهو مرفوع محمولٌ على المعنى، أي: ما إله إلا هو (٢)، ويجوز في غير القرآن: لا إلهَ إلا إياه، نُصب على الاستثناء. قال أبو ذر في حديثه الطويل: سألت رسول الله وَله : أيُّ آية أنزل الله عليك من القرآن أعظمُ؟ فقال: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّمْ﴾. وقال ابن عباس: أشرف آيةٍ في القرآن آيةُ الكرسي(٣). قال بعض العلماء: لأنه يُكرَّر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثمان عشرة ـرةً(٤). ﴿اَلْحَىُّ الْقَيُّوُ﴾ نعتٌ لله عز وجل، وإن شئتَ كان بدلاً من ((هو))، وإن شئت كان خبراً بعد خبر، وإن شئت على إضمار مبتدأ. ويجوز في غير القرآن النصب على المدح(٥). و((الحيُّ)) اسم من أسمائه الحسنى تَسمَّى(٦) به، ويقال: إنه اسم الله تعالى الأعظم. ويقال: إن عيسى ابن مريمَ عليه السلام كان إذا أراد أن يُحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء: يا حيُّ يا قيوم. ويقال: إن آصف بنَ بَرْخِيًا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمانَ دعا بقوله: يا حيُّ يا قيوم. ويقال: إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم: أيا هيا شراهيا، يعني: يا حيُّ يا قيوم. ويقال: هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرقَ يدعون به. (١) المحرر الوجيز ٣٤٠/١. (٢) بعدها في (خ) و(ط): ويجوز لا إله إلا هو. (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٠/١. وأخرج حديث أبي ذر رضي الله عنه أحمد (٢١٥٤٦) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن أبي عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش. قال الدارقطني - كما في تهذيب الكمال ١٠٩/٣٤ -: المسعودي عن أبي عمر الدمشقي متروك. وقال الهيثمي في المجمع ١/ ١٦٠: وفيه المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط. (٤) انظر المفهم ٤٣٦/٢. (٥) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٠/١. (٦) في (م): يسمى. ٢٦٨ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ قال الطبري عن قوم: إنه يقال: حيٍّ قیوم، كما وصف نفسه، ويُسلّم ذلك دون أن يُنظَر فيه(١). وقيل: سمى نفسه حيًّا لصرفه الأمورَ مصاريفها، وتقديره الأشياءَ مقاديرها(٢). وقال قتادة: الحيُّ: الذي لا يموت(٣). وقال السُّدِّي: المراد بالحيّ: الباقي. قال لبيد: فإمّا تَرَيْنِي اليومَ أصبحتُ سالماً فلستُ بأحْيًا من كلابٍ وجَعفرٍ (٤) وقد قيل: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم. و﴿اَلْقَيُّومُ﴾ مِن: قام، أي: القائم بتدبير ما خلق، عن قتادة. وقال الحسن: معناه: القائم على كل نفس بما كسبت حتى يُجازيَها بعملها، من حيث هو عالمٌ بها لا يخفى عليه شيءٌ منها . وقال ابن عباس: معناه: الذي لا يَحول ولا يَزول، قال أُمية بن أبي الصَّلْت: لم تُخلقِ السماء والنجومُ والشمس مَعْها قمرٌ يقومُ والحشر والجنَّة والنعيمُ قدَّره مهيمنٌ قيومُ إلا لأمرٍ شأنه عظيم(٥) قال البيهقي(٦): ورأيت في ((عيون التفسير)) لإسماعيل الضرير(٧) في تفسير (١) تفسير الطبري ٥٢٨/٤، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ١/ ٣٤٠. (٢) تفسير الطبري ٥٢٨/٤. (٣) ذكره ابن أبي حاتم (٢٥٧١). وأخرجه الطبري ٥٢٨/٤ عن الربيع. (٤) تفسير الماوردي ١/ ٣٢٣، والبيت في ديوان لبيد ص٤٧ . (٥) النكت والعيون ٣٢٣/١-٣٢٤، وأخرج الآثار الطبري ٥٢٩/٤-٥٣٠، وابن أبي حاتم ٤٨٦/٢- ٤٨٧. والأبيات في ديوان أمية ص ١٢٩- ١٣٠، وتفسير الطبري، وانظر تعليق الشيخ محمود شاكر عليه ٣٨٨/٥. (٦) في الأسماء والصفات له ١/ ١٣١ . (٧) هو: إسماعيل بن أحمد بن عبد الله، أبو عبد الرحمن الجيري النيسابوري، المفسر المقرئ، له التصانيف المشهورة في القرآن والقراءات، والحديث والوعظ. توفي سنة (٤٣٠هـ). السير ٥٣٩/١٧. ٢٦٩ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ ((القيوم)) قال: ويقال: هو الذي لا ينام، وكأنه أخذه من قوله عز وجل عَقيبه في آية الكرسي: ﴿لَا تَأْخُذُوُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌّ﴾. وقال الكلبيُّ: القيوم: الذي لا بديلَ(١) له، ذكره أبو بكر الأنباري(٢). وأصل قيُّوم: قَيْۇوم، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياءً، ولا يكون قيُّوم فُولاً، لأنه من الواو فكان يكون: قَوُّوْماً(٣) . وقرأ ابن مسعود وعلقمة والأعمش والنَّخَعي: ((الحيُّ القيَّام» بالألف، وروي ذلك عن عمر (٤). ولا خلاف بين أهل اللغة في أنَّ القيوم أعرف عند العرب وأصحُّ بناءً وأثبت علةً. والقيَّام منقول عن القوَّام إلى القيّم، صُرف عن الفَعَّال إلى الفَيْعال، كما قيل للصَّوَّاغِ: الصيَّاغِ، قال الشاعر: إنَّ ذا العرش لَلَّذي يرزق النا سَ وحَيٍّ عليهمُ قِيُّومُ(٥) ثم نفى عزَّ وجلَّ أن تأخذه سِنَّةٌ ولا(٦) نوم. والسِّنَة: النعاس في قول الجميع، والنعاس: ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نوماً، قال عدي بن الرِّقاع(٧) (١) في (م): لا بديء، وفي (خ): لا يزول. (٢) في الزاهر ٩٠/١. (٣) المحرر الوجيز ٣٤٠/١، ومعاني القرآن للنحاس ٢٦٠/١، والدر المصون ٥٤٠/٢. (٤) المحرر الوجيز ٣٤٠/١. وذكرها ابن الجوزي في زاد المسير ٣٠٢/١-٣٠٣، وأبو حيان في البحر ٢٧٧/٢ في هذا الموضع. وقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف (١٥٠) وما بعده هذه القراءة في موضع آل عمران، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقرأ: ((الم * الله لا إله إلا هو الحي القيام)). وكذلك نسبها ابن خالويه في القراءات الشاذة ص ١٩، وابن جني في المحتسب ١/ ١٥١ في موضع آل عمران لعمر بن الخطاب، وزاد في المحتسب نسبتها لابن مسعود وإبراهيم النخعي والأعمش وغيرهم، وقال: ورويت عن النبي ◌ِ 1 .. (٥) الزاهر ١/ ٩٠. (٦) في (ز): أو. (٧) هو عدي بن زيد بن مالك، أبو داود، من عاملة؛ حيٍّ من قُضاعة، هاجى جريراً، وكان شاعراً محسناً. الشعر والشعراء ٦١٨/٢، ومعجم الشعراء ص ٨٦. ٢٧٠ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ يصف امرأةً بفتور النظر: وَسْنانُ أقصَدَه النعاسُ فرَنَّقَتْ في عينه سِنّةٌ وليس بنائمٍ(١) وفرَّق المفضَّل بينهما فقال: السِّنَة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب(٢). وقال ابن زيد: الوَسْنان: الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل، حتى ربما جرَّد السيف على أهله(٣). قال ابن عطية(٤): وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظرٌ، وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب. وقال السُّدي: السِّنّة: ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان(٥). قلت: وبالجملة فهو فُتُور يعتري الإنسان ولا يفقد معه عقله. والمراد بهذه الآية: أن الله تعالى لا يدركه خللٌ، ولا يلحقه مللٌ بحال من الأحوال(٦). والأصل في سِنَة: وَسْنَة، حُذفت الواو كما حُذفت من: يَسِن. والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن في حقّ البشر. والواو للعطف و ((لا)) توكيد(٧). قلت: والناس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَل هـ (١) أورده أبو عبيدة في مجاز القرآن ٧٨/١، وأبو تمام في الوحشيات ص١٩٤، وابن قتيبة في الشعر والشعراء ٢/ ٦٢٠، والمبرد في الكامل ١٩٣/١، وأبو علي القالي في الأمالي ٢٢٨/١. قوله: رنقت، رَّقَ النوم: أي: خالط عينيه. الصحاح (رنق). (٢) النكت والعيون ٣٢٤/١. وما قبله منه. (٣) أخرجه الطبري ٥٣٢/٤. (٤) في المحرر الوجيز ١/ ٣٤٠، والكلام الذي قبله منه. (٥) أخرجه الطبري في تفسيره ٥٣٢/٤. (٦) انظر المحرر الوجيز ٣٤٠/١. (٧) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٠/١. ٢٧١ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ يحكي عن موسى على المنبر قال: ((وقع في نفس موسى: هل ينام الله جل ثناؤه؟ فأرسل الله إليه مَلَكاً فأرَّقَه ثلاثاً، ثم أعطاه قارورتين، في كل يدٍ قاروة، وأمره أن يحتفظ بهما. قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فينجِّي إحداهما عن الأخرى حتى نام نومةً، فاصطفَقَت يداه فانكسرت القارورتان - قال - ضرب الله له مَثلاً أنْ لو كان ينام، لم تمتَسِكِ السماء والأرض))(١). ولا يصح هذا الحديث، ضعَّفه غير واحد منهم البيهقيُّ (٢). قوله تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ﴾ أي: بالملك، فهو مالك الجميع وربُّه. وجاءت العبارة بـ((ما)) وإن كان في الجملة مَنْ يعقل من حيث المرادُ الجملةُ والموجود. قال الطبريُّ(٣): نزلت هذه الآية لمَّا قال الكفّار: ما نعبد أوثاناً إلا ليُقرِّبونا إلی الله زُلْفی. قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنٍِ﴾ ((مَنْ)) رفعٌ بالابتداء، و((ذا)) خبره، و((الذي)) نعتٌ لـ((ذا))، وإنْ شئت بدلٌ، ولا يجوز أن تكون ((ذا)) زائدةً كما زيدت مع ((ما)) لأن ((ما)) مبهمةٌ، فزيدت ((ذا)) معها لشبهها بها (٤). وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمَنْ يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرَّفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمَن ارتضى، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. قال ابن عطية(٥): والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكنْ له أعمالٌ صالحةٌ. وفي البخاريِّ، في (١) المحرر الوجيز ٣٤٠/١-٣٤١، وأخرجه الطبري في تفسيره ٤/ ٥٣٤. (٢) في الأسماء والصفات ١٣٤/١، وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية ٤١/١: ولا يثبت هذا الحديث عن رسول الله وَ له، وغلط مَنْ رفعه، والظاهر أن عكرمة - الذي رواه عن أبي هريرة رضي الله عنه - رأى هذا في کتب اليهود فرواه. وقال ابن حجر في لسان الميزان ١/ ٤٦٧ : حديث منكر. (٣) في تفسيره ٥٣٥/٤، ونقله المصنف وما قبله بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤١/١. (٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٣٠/١. (٥) المحرر الوجيز ٣٤١/١. وما قبله منه. ٢٧٢ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ باب بقية من أبواب الرؤية أن المؤمنين يقولون: ((ربَّنا، إنَّ إخواننا كانوا يُصلُّون معنا ويصومون معنا)»(١). وهذه شفاعة فيمن يَقْرب أمرُه، وكما يشفع الطفل المُخْبَنْطِئ على باب الجنة(٢). وهذا إنما هو في قراباتهم ومعارفهم. وإن الأنبياء يشفعون فیمن حصل في النار من عصاة أممهم بذنوبٍ دون قُربی ولا معرفةٍ إلا بنفس الإيمان، ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين في الذنوب(٣)؛ الذين لم تعمل فيهم شفاعةُ الأنبياء، وأما شفاعة محمد وَّ في تعجيل الحساب فخاصَّةٌ له(٤). قلت: قد بيَّن مسلم في ((صحيحه)) كيفيَّةَ الشفاعة بياناً شافياً - وكأنه(٥) رحمه الله لم يقرأه، وأن الشافعين يدخلون النار ويُخرِجون منها أناساً استوجبوا العذاب، فعلى هذا لا يَبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان: شفاعةٌ فيمن لم يصل إلى النار، وشفاعةٌ فيمن وصل إليها ودخلها، أجارنا الله منها - فذكر من حديث أبي سعيد الخدريِّ: ((ثم يُضرَب الجسرُ على جهنم، وتحِلُّ الشفاعة، ويقولون: اللهم سَلِّم سَلِّم)). قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: ((دَخْضِ مَزِلَّةٌ، فيها خطاطيفٌ، وكَلاليبُ، وحَسَكَةٌ، تكون بنجد فيها شُوَيْكةٌ يقال لها: السَّعْدان، فيمرُّ المؤمنون كِطَرْف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والرِّكَاب، فَنَاجِ مُسلَّمٌ، ومَخدُوشٌ مُرْسَل، ومَكْدُوسٌ في نار جهنم، حتى إذا خلَص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشدَّ مناشدةً لله في استيفاء الحق من (١) صحيح البخاري (٧٤٣٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقد تابع القرطبي رحمه الله ابنَ عطية في تفسيره ١/ ٣٤١ بقوله: باب بقية من أبواب الرؤية (ولم نقف على لفظ هذه الترجمة فيه)، وهو عند البخاري في باب: قول الله تعالى: ﴿وُبُ يُؤْمَدٍ نَاضِرَةُ (٧) إِلَى رَّهَا نَاظِرَةٌ ﴾﴾ من كتاب التوحيد. (٢) أخرج أحمد (١٦٩٧١) عن بعض أصحاب النبي وي أنه سمع النبي والله يقول: ((إنه يقال للولدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة، قال: فيقولون: يا ربِّ حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، قال: فيأبون، قال: فيقول الله عز وجل: ما لي أراهم مُخْبَنْطِئين ... ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم)). والمحبنطئ: المتغضب المستبطئ للشيء، وقيل: هو الممتنع امتناع طَلِبَة لا امتناع إباء. النهاية (حبنط). (٣) في (م): في الخطايا والذنوب. (٤) المحرر الوجيز ٣٤١/١. (٥) يعني ابنَ عطية. :: ٢٧٣ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ المؤمنين لله يوم(١) القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربَّنا كانوا يصومون معنا ويصلُّون ويَحجُّون، فيقال لهم: أُخرِجوا مَنْ عرفتم، فتُحرَّم صورُهم على النار، فيُخرِجون خلقاً كثيراً؛ قد أخذتِ النارُ إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، يقولون(٢): ربَّنا ما بقي فيها أحدٌ ممَّن أمرتَنا به، فيقول عزَّ وجلَّ: ارجِعوا، فمَنْ وجدتم في قلبه مثقالَ دينار من خير فأخرجوه، فيُخرِجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربَّنا لم نذَرْ فيها أحدًا ممَّن أمرتَنا به، ثم يقول: ارجعوا، فمَنْ وجدتم في قلبه مثقالَ نصف دينار من خير فأخرِ جوه، فيُخرِجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها أحدًا ممَّن أمرتَنا به، ثم يقول: ارجِعوا، فمَنْ وجدتم في قلبه مثقال ذرّة من خير فأخرِجوه، فيُخرِجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربّنا لم نَذَرْ فيها خيراً». وكان أبو سعيد يقول: إنْ لم تصدِّقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَنْعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَبْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. ((فيقول الله تعالى: شفَعتِ الملائكة، وشفَع النبيون، وشفَع المؤمنون، ولم يبقَ إلا أرحم الراحمين، فيَقبضُ قبضةً من النار، فيُخرِج منها قوماً لم يعملوا خيراً قطّ قد عادوا حُمَماً))(٣) وذكر الحديث. وذكر من حديث أنس عن النبي وَ ل: ((فأقول: يا ربِّ، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. قال: ليس ذلك لك - أو قال: ليس ذلك إليك ـ وعِزَّتي وكبريائي، وعظمتي وجِبْرِيائي لأُخرجنَّ مَنْ قال: لا إله إلا الله))(٤). وذكر من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: ((حتى إذا فرَغَ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يُخرِج برحمته مَنْ أراد من أهل النار، أمر الملائكةَ أن (١) في النسخ الخطية: المؤمنين يوم، والمثبت من (م) وهو الموافق لصحيح مسلم. (٢) في (م): ثم يقولون. (٣) صحيح مسلم (١٨٣)، وأخرجه أيضاً أحمد (١١١٢٧)، والبخاري (٧٤٣٩). وقوله: دَخْض مزلة: أراد أنه تزلَق عليه الأقدام ولا تثبت. وقوله: کأجاويد الخيل: هي جمع أجواد، وأجواد: جمع جواد. وقوله: الركاب: هي الرواحل من الإبل. وقوله: مكدوس: أي: مدفوع. وقوله: حُمماً: أي: فحماً. النهاية (جود، رکب، کدس، حمم). (٤) صحيح مسلم (١٩٣)، وأخرجه أيضاً البخاري (٧٥١٠). ٢٧٤ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ يُخرِجوا من النار مَنْ كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد الله تعالى أن يرحمَه ممن يقول: لا إله إلا الله(١)، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثَر السجود، تأكل النار ابنَ آدَمَ إِلا أثَرَ السجود، حرَّم الله على النار أن تأكل أثَر السجود))(٢). الحديث بطوله. قلت: فدلَّت هذه الأحاديث على أنَّ شفاعة المؤمنين وغيرِهم إنما هي لمَنْ دخل النار وحصل فيها، أجارنا الله منها! وقولُ ابن عطية: ((ممن لم يصل أو وصل)) يحتمل أن يكون أخذه من أحاديثَ أُخَرَ، والله أعلم. وقد خرَّج ابن ماجه في ((سننه))(٣) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: (يَصفُّ الناسُ يوم القيامة صفوفاً - وقال ابن نمير: أهل الجنة - فيمرُّ الرَّجل من أهل النار على الرجل، فيقول: يا فلان، أَمَا تذكر يومَ استسقيتَ فسقيتُك شَربةً؟ قال: فيشفع له، ويمرُّ الرجل على الرجل فيقول: أَمَا تذكر يومَ ناولتك طهوراً؟ فيشفع له)) قال ابن نمير: ((ويقول: يا فلان، أَمَا تذكر يومَ بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبتُ لك؟ فیشفع له)). وأما شفاعات نبينا محمد ، ﴿ فاختلف فيها، فقيل: ثلاث، وقيل اثنتان، وقيل: خمس، يأتي بيانها في ((سبحان)) إنْ شاء الله تعالى(٤). وقد أتينا عليها في كتاب ((التذكرة»(٥) والحمد لله. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الضميران عائدان على كل مَنْ يعقل ممن تضمَّنه قوله: ﴿لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ﴾. وقال مجاهد: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآخرة. قال ابن عطية: وهذا صحيحٌ في نفسه، لأن (٦) ما بين اليد هو كلُّ ما تقدَّم (١) قوله: ممن يقول: لا إله إلا الله. ليس في النسخ، والمثبت من (م) وهو الموافق لصحيح مسلم. (٢) صحيح مسلم (١٨٢)، وأخرجه أيضاً البخاري (٧٤٣٧)، وأحمد (٧٩٢٧). (٣) برقم (٣٦٨٥). ابن نُمير: هو محمد بن عبد الله، أحد شيخي ابن ماجه في الحديث. قال البوصيري في مصباح الزجاجة ١٠٥/٤: هذا إسناد ضعيف لضعف يزيد بن أبان الرَّقاشي. (٤) في تفسير الآية (٧٩) منها . (٥) ص٢٤٩. (٦) في (د) و(م): وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به لأن ... ٢٧٥ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ الإنسانَ، وما خَلْفه هو كلُّ ما يأتي بعده، وبنحو قول مجاهد قال السُّدي وغيره (١). قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِهِ إِلَّ بِمَا شَآءٌ﴾ العلم هنا بمعنى المعلوم، أي: ولا يحيطون بشيء من معلوماته، وهذا كقول الخَضِر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر: ما نقَص علمي وعلمُك من علم الله إلا كما نقَص هذا العصفور من هذا البحر. فهذا وما شاكله راجعٌ إلى المعلومات؛ لأن علم الله سبحانه وتعالى الذي هو صفةٌ ذاته لا يتبعَّض. ومعنى الآية: لا معلومَ لأحد إلا ما شاء الله أن يُعلِّمه(٢). قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ﴾ ذكر ابن عساكر في ((تاريخه)) عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: ((الكرسيُّ لؤلؤ (٣)، والقلم لؤلؤ(٤)، وطول القلم سبعُ مئة سنة، وطول الكرسيِّ حيث لا يعلمه العالمون))(٥). وروى حمّاد بن سلمةَ، عن عاصم بن بَهْدَلَة - وهو عاصم بن أبي النَّجُود - عن زِرِّ بن حُبَيش، عن ابن مسعود قال: بين كل سماءين مسيرةُ خمس مئة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسُ مئة عام، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمس مئة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه(٦). يقال: كُرسيُّ وكِرسيٌّ، والجمع: الكراسيُّ. وقال ابن عباس: كرسيُّه علمه. ورجَّحه الطبري(٧)، قال: ومنه الكُرَّاسة (١) المحرر الوجيز ٣٤١/١، وأخرج قول مجاهد والسدي الطبريُّ في تفسيره ٥٣٦/٤. (٢) المحرر الوجيز ٣٤١/١. وحديث موسى والخضر في مسند أحمد (٢١١١٤)، وصحيح البخاري (٣٤٠١)، وصحيح مسلم (٢٣٨٠) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه. (٣) في (م): لؤلؤة. (٤) في (خ) و(م): لؤلؤة. (٥) في (د) و(م): لا يعلمه إلا الله. ولم نقف على الخبر في تاريخ ابن عساكر، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٦٠)، وأبو نعيم في الحلية ١٧٩/٣ - ١٨٠، وفي سنده عنبسة بن عبد الرحمن، قال الحافظ ابن حجر في التقريب: متروك، رماه أبو حاتم بالوضع. (٦) تفسير أبي الليث ٢٢٣/١، وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢٠٥)، والطبراني في الكبير (٨٩٨٧). قال الهيثمي في المجمع ٨٦/١: رجاله رجال الصحيح. (٧) في تفسيره ٤/ ٥٤٠-٥٤١، وأخرج قول ابن عباس في ٤/ ٥٣٧. ٢٧٦ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ [للصحائف] التي تضم العلم، ومنه قيل للعلماء: الكراسي، لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتادُ الأرض(١). قال الشاعر: يَحفُّ بهم بِيْضُ الوجوه وعُضْبَةٌ كراسيُّ بالأحداثِ حين تَنوبُ(٢) أي علماء بحوادث الأمور. وقيل: كُرسيه: قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض، كما تقول: اجعَلْ لهذا الحائط كرسياً، أي: ما يعمده، وهذا قريبٌ من قول ابن عباس في قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّه))(٣). قال البيهقي(٤): ورَوينا عن سعيد(٥) بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ((وسع كرسيه)) قال: علمه. وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسيُّ المشهور مع العرش. وروى إسرائيل، عن السُّديِّ، عن أبي مالك في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ قال: إنَّ الصخرة التي في (٦) الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها، عليها أربعةٌ من الملائكة، لكل واحدٍ منهم أربعةُ وجوه: وجه إنسان، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه نسر، فهم قيامٌ عليها، قد أحاطوا بالأرَضين والسماوات، ورؤوسهم تحت الكرسي، والكرسيُّ تحت العرش، والله واضحٌ كرسيَّه فوق العرش(٧). (١) المحرر الوجيز ٣٤٢/١ وما بين حاصرتين منه، وعنه نقل المصنف قول ابن عباس وترجيح الطبري. (٢) ذكره الطبري في تفسيره ٥٤١/٤، والزمخشري في أساس البلاغة: (كرس)، والماوردي في النكت والعيون ٣٢٥/١، وابن عطية في المحرر الوجيز ٣٤٢/١ دون نسبة. (٣) معاني القرآن للنحاس ٢٦٤/١. (٤) في الأسماء والصفات ٢/ ٢٧٢ . (٥) في (د) و(م): وروينا عن ابن مسعود وسعيد. (٦) في (م): عليها. (٧) الأسماء والصفات (٨٥٧)، والسديّ لم يلق من الصحابة غير أنس بن مالك كما ذكر الحافظ ابن حجر في العجاب ٢١٢/١. وظاهرٌ أن هذا الخبر من الإسرائيليات التي لا يُلتفت إليها. ٢٧٧ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ قال البيهقي(١): في هذا إشارةٌ إلى كرسيّين: أحدهما تحت العرش، والآخر موضوع على العرش. وفي رواية أَسْباط، عن السُّديِّ، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيّ، عن ابن مسعود(٢)، وعن ناسٍ من أصحاب رسول الله وَّه في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾: فإن السماواتِ والأرض في جوف الكرسيٍّ، والکرسيُّ بين يدي العرش. وأرباب الإلحاد يحملونها على عِظم المُلْك وجلالة السلطان، وينكرون وجود العرش والكرسيٍّ، وليس بشيء. وأهل الحق يجيزونهما، إذ في قدرة الله مَّسعٌ، فيجب الإيمان بذلك. قال أبو موسى الأشعريُّ: الكرسيُّ موضع القدمين، وله أَطِيْطٌ كأطِيْط الرَّحْل(٣). قال البيهقيُّ(٤): قد روينا أيضاً في هذا عن ابن عباس، وذكرنا أن معناه - فيما يُرى - أنه موضوعٌ من العرش موضعَ القدمین من السریر، ولیس فیه إثباتُ المكان لله تعالى. وعن ابن بريدةَ، عن أبيه قال: لما قَدِم جعفر من الحبشة قال له رسول الله وَليته: ((ما أعجبُ شيء رأيتَه ثَمَّ (٥))؟ قال: رأيت امرأةً على رأسها مِكْتَلٌ من(٦) طعام، فمرَّ فارسٌ فأذْرَاه، فقعدَتْ تجمع طعامها، ثم التفتت إليه فقالت له: ويلٌ لك يومَ يضع المَلك كرسيّه، فيأخذ للمظلوم من الظالم! فقال رسول الله وَ﴿ تصديقاً لقولها: ((لا قُدِّست أُمةٌ - أو: كيف تُقدَّس أُمةٌ - لا يأخذ ضعيفُها حقَّه من شدیدها)»(٧). (١) المصدر السابق ٢٩٦/٢. (٢) في (م): ابن عباس، عن مرَّة الهَمْداني عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وهو خطأ . (٣) أخرجه الطبري ٥٣٨/٤، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٥٩). (٤) في الأسماء والصفات ٢/ ٢٩٧. (٥) قوله: ثمّ، ليس في (د) و(م). (٦) لفظة: من، ليست في (م). (٧) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٠). ٢٧٨ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ قال ابن عطية(١) في قول أبي موسى: ((الكرسيُّ موضع القدمين)): يريد: هو من عرش الرحمن كموضع القدمين في (٢) أَسِرَّة الملوك، فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش، نسبَتُه إليه نسبةُ (٣) الكرسيِّ إلى سرير الملك. وقال الحسن بن أبي الحسن: الكرسيُّ هو العرش نفسه. وهذا ليس بمَرضيٍّ، والذي تقتضيه الأحاديث أنَّ الكرسيَّ مخلوقٌ بين يدَي العرش، والعرشُ أعظم منه. وروى أبو إدريس الخولانيُّ، عن أبي ذرِّ قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّما أُنزل عليك أعظم؟ قال: ((آية الكرسيِّ)) ثم قال: ((يا أبا ذرٍّ، ما السماوات السبع مع الكرسيِّ إلا كحَلْقة ملقاة بأرضٍ(٤) فَلاةٍ، وفضل العرش على الكرسيِّ كفضل الفَلاة على الحَلْقة)). أخرجه الآجُرِّي وأبو حاتم البُسْتي في صحيح مسنده والبيهقيُّ، وذكر (٥) أنه صحیح(٥). وقال مجاهد: ما السماوات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حَلْقة ملقاة في أرض فَلاةٍ(٦). وهذه الآية مُنبئة عن عِظَم مخلوقات الله تعالى، ويُستفاد من ذلك عِظَم قدرة الله عز وجل، إذْ لا يَؤُودُه حفظُ هذا الأمر العظيم(٧). و﴿يَقُودُهُ﴾ معناه: يُثْقِله، يقال: آدَني الشيء بمعنى: أثقَلَني، وتحمَّلتُ منه مشقَّة(٨)، وبهذا فسر اللفظةَ ابنُ عباس والحسن وقتادة وغيرهم(٩). (١) في المحرر الوجيز ٣٤٢/١. (٢) في (د) و(م): من. (٣) في (د) و(م): كنسبة. (٤) في (د) و(م): في أرض. (٥) صحيح ابن حبان (٣٦١)، والأسماء والصفات للبيهقي (٨٦٢). ولم يصححه البيهقي، وإنما أورده على أنه شاهد بإسناد أصح ولا يعني ذلك في تصحيحه. وسلفت قطعة من حديث أبي ذر في ١/ ٢٧٥. (٦) أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٤٢٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٣). (٧) المحرر الوجيز ٣٤٢/١. (٨) في (م): المشقة. (٩) المحرر الوجيز ٣٤٢/١، وأخرج الآثار الطبري في تفسيره ٥٤٢/٤-٥٤٣. ٢٧٩ سورة البقرة : الآية ٢٥٥ قال الزجَّاج(١): فجائز أن تكون الهاء لله عز وجل، وجائز أن تكون للكرسي، وإذا كانت للكرسي، فهو من أمر الله تعالى. و﴿ اَلْعَلِىُّ﴾ يُراد به علوّ القدر والمنزلة، لا علو المكان(٢)، لأن الله منزَّه عن التحيُّر. وحكى الطبريُّ(٣) عن قوم أنهم قالوا: هو العليُّ عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. قال ابن عطية (٤): وهذا قول جهلةٍ مجسِّمين، وكان الوجه ألا يُحكى. وعن عبد الرحمن بن قُرْط أن رسول الله وَل* ليلة أُسري به سمع تسبيحاً في السماوات العُلى: سبحان الله العليّ الأعلى، سبحانه وتعالى(٥). والعليُّ والعالي: القاهر الغالب للأشياء، تقول العرب: علا فلانٌ فلاناً، أي: غلبه وقهره؛ قال الشاعر: فلما عَلَوْنا واستَوَينا عليهمُ تركناهُمُ صَرْعى لِنَسرٍ وكاسِر ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى الْأَرْضِ﴾(٦) [القصص: ٤]. و﴿ الْعَظِيمُ﴾ صفةٌ بمعنى: عظيم القدر والخطر والشرف، لا على معنى عِظَم الأجرام. وحكى الطبريُ(٧) عن قوم أنَّ العظيم معناه: المعظّم، كما يقال: العتيق بمعنى المعثَّق، وأنشد بيت الأعشى: فكأنَّ الخمرَ العَتيقَ من الإسْـ غِنْطٍ ممزوجةً بماءٍ زُلالٍ(٨) وذكر(٩) عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا: لو كان بمعنى معظّم، لوجب ألَّا يكون عظيماً قبل أن يَخلق الخلقَ وبعد فنائهم، إذ لا معظّم له حينئذ (١٠). (١) في معاني القرآن له ٣٨٨/١. (٢) الذي عليه السلف رضي الله عنهم أن يُثبتَ لله عزَّ وجلَّ أنواع العلوّ الثلاثة؛ علوّ المكان، وعلوّ القدر والمنزلة، وعلوّ القهر. (٣) في تفسيره ٥٤٥/٤ . (٤) في المحرر الوجيز له ٣٤٢/١، وما قبله منه. (٥) تقدم تخريجه ٤١٣/١ . (٦) اشتقاق أسماء الله للزجاجي ص١٠٩، وذكر البيت أيضاً الطبرسي في مجمع البيان ١٥٧/١ بلا نسبة. (٧) في تفسيره ٥٤٥/٤ . (٨) ديوان الأعشى ص ٥٥، وسلف ٣٩٦/٣. (٩) في (د) و(م): وحكى. (١٠) المحرر الوجيز ٣٤٢/١ وعنه نقل المصنف كلام الطبري وبيت الأعشى. ٢٨٠ سورة البقرة : الآية ٢٥٦ قوله تعالى: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِى الذِينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيُّ فَمَن يَكْفُرْ بِلَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوَثْقَ لَا أَنْفِصَامَ لَهَاْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ٢٥٦ قوله تعالى: ﴿لَاَ إِكْرَاهَ فِ الذِينَ﴾ فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿لَاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الدِّين في هذه الآية: المعتقَد والمِلَّة، بقرينة قوله: ﴿قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْفَيَّ﴾، والإكراه الذي في الأحكام من الأيمان والبيوع والهبات وغيرها ليس هذا موضعه، وإنما يجيء في تفسير قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ (١) [النحل: ١٠٦]. وقرأ أبو عبد الرحمن: ﴿قد تبيَّنَ الرَّشَدُ من الغيِّ﴾ وكذا يُروى(٢) عن الحسن والشعبيّ؛ يقال: رَشَد يَرْشُد رُشْداً، ورَشِد يَرْشَد رَشَداً: إذا بلغ ما يُحب، وغَوَى ضِدُّه. عن النحاس(٣). وحكى ابن عطية عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي أنه قرأ: ((الرَّشَّاد)» بالألف، وروي عن الحسن أيضاً: ﴿الرُّشْد﴾، بضم الراء والشين(٤). و﴿ اَلْنَيَّ﴾ مصدرٌ من: غَوَى يَغْوِي؛ إذا ضلَّ في معتقَد أو رَأْيٍ، ولا يقال: الغَيُّ في الضلال على الإطلاق(٥) . الثانية: اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أقوال: الأوّل: قيل: هي(٦) منسوخة، لأنَّ النبي ◌َّليل قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم، ولم يرضَ منهم إلا بالإسلام، قاله سليمان بن موسى، قال: نسخَتْها: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]. وروي هذا عن ابن مسعود وكثيرٍ من المفسرين (٧). (١) المحرر الوجيز ٣٤٣/١. (٢) في (د) و(م): روى. (٣) إعراب القرآن له ٣٣٠/١-٣٣١، وذكر ابن خالويه القراءة ص ١٦. (٤) المحرر الوجيز ٣٤٣/١-٣٤٤، وذكر قراءة الحسن ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٦. (٥) المحرر الوجيز ٣٤٤/١. (٦) في (د) و(م): إنها . (٧) الناسخ والمنسوخ للنحاس ٩٩/٢، وتفسير البغوي ١/ ٢٤٠، وأخرج قول سليمان بن موسى ابنُ أبي حاتم في تفسيره ٤٩٤/٢.