النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ سورة البقرة : الآية ٢٤٥ وقال زيد بن أسلم: لما نزل: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، قال أبو الدَّحداح: فداك أبي وأمي يا رسولَ الله! إنَّ الله يستقرضُنا وهو غَنيٍّ عن القرض؟ قال: ((نعم يريد أن يدخلكم الجنة به)). قال: فإني إنْ أقرضتُ ربي قرضاً يضمن لي به ولِصِبْيَتِي الدِّخْداحة معي الجنة؟ قال: ((نعم))، قال: ناولْني يدك؛ فناوله رسول الله وَله يدَه. فقال: إنَّ لي حديقتين إحداهما بالسَّافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملكُ غيرَهما، قد جعلتُهما قرضاً لله تعالى. قال رسول الله وَله: ((اجعل إحداهما لله، والأخرى دعْها معيشةً لك ولعيالك))، قال: فأُشْهِدك يا رسولَ اللهِ أَنِّي قد جعلت خيرَهما الله تعالى، وهو حائطٌ فيه ستُّ مئة نخلة. قال: ((إذاً يَجزيَكَ الله به الجنة)). فانطلق أبو الدَّحداح حتى جاء أمَّ الدحداحِ وهي مع صبيانها في الحديقة تدورُ تحت النخل، فأنشأ يقول: إلى سبيل الخير والسَّدادِ هداكِ ربِّي سُبُلَ الرشادِ فقد مضى قرضاً إلى الثَّنَادِ بِينِي من الحائط بالوداد بالطَّوْعِ لا مَنِّ ولا ازْتِدَادٍ أقرضتُه الله على اعتمادي فارتجلي بالنفس والأولادِ إلّا رَجاءَ الضِّعْف في المَعاد قدَّمَه المرءُ إلى المَعادٍ(١) والپِرُّ لا شَكَّ فخيْرُ زادٍ قالت أمُّ الدحداح: رَبِحَ بيعُك! بارك الله لك فيما اشتريت، ثم أجابته أمُّ الدحداح، وأنشأت تقول: مِثلُك أدَّى ما لديه ونَصَخْ بَشَركَ اللهُ بِخَيْرٍ وَفَرَحْ بالعَجْوَة السَّوْداءِ والزَّهْوِ البَلَخ قد مَثَّع الله عيالي ومَنَخْ طولَ الليالي وعليه ما اجْتَرِخْ والعبدُ يَسعى وله ما قد گدخ = قال عنه البخاري في التاريخ الكبير ٣٥٤/٢: منكر الحديث وقال ابن حبان في المجروحين ٢٦٢/١ : يروي عن عبد الله بنِ الحارث نسخةٌ موضوعة. وفي الباب عن أنس رضي الله عنه أخرجه أحمد (١٢٤٨٢). (١) في النسخ: المهاد، والمثبت من (م). ٢٢٢ سورة البقرة : الآية ٢٤٥ ثم أقبلتْ أمُّ الدحداح على صبيانها تُخْرِج ما في أفواههم وتَنفُض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر، فقال النبي وَّر: «كم من عِذْقٍ رَدَاح ودارٍ فَيَّاح لأبي الدحداح))(١). الثانية: قال ابن العربي (٢): انقسم الخلق بحكم الخالقِ وحكمتِه وقدرتهِ ومشيئته وقضائه وقدره حين سمعوا هذه الآيةً أقساماً، فتفرَّقوا فرقاً ثلاثة: الفرقةُ الأولى الرَّذْلَى قالوا: إنَّ ربَّ محمدٍ محتاجٌ فقير إلينا ونحنُ أغنياء، فهذه جهالةٌ لا تخفى على ذي لُبِّ، فَرَدّ الله عليهم بقوله: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. الفرقةُ الثانية لمَّا سمعت هذا القولَ آثَرت الشُّحَّ والبخلَ، وقدمت الرغبةَ في المال، فما أنفَقَتْ في سبيل اللهِ، ولا فَكَّتْ أسيراً ولا أعانت(٣) أحداً، تكاسلاً عن الطاعة ورُكُوناً إلى هذه الدار. الفرقة(٤) الثالثة لمَّا سمعت بادرتْ إلى امتثاله، وآثر المجيبُ منهم بسرعة بِماله كأبي الدحداح رضي الله عنه وغيرِه. والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: ((قَرْضاً حَسَنًا))؛ القرضُ: اسمٌ لكلّ ما يُلتَمَس عليه الجزاء. وأقرض فلانٌ فلاناً، أي: أعطاه ما يتجازاه(٥)، قال الشاعر وهو لَبِيدُ: وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهٍ إنما يَجْزِي الفتى ليس الجَمَلْ(٦) (١) أخرجه عبد الرزاق في التفسير ٩٨/١، والطبري ٤٢٩/٥-٤٣٠ بنحوه دون الأبيات، وقوله وَلآز: ((كم من عذق ... )) أخرجه أحمد (٢٠٨٣٤)، ومسلم (٩٦٥) من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه. وقوله: عَذْق: بالفتح: النخلة، وبالكسر: العرجون بما فيه من الشماريخ، ويجمع على عِذاق، وقوله: رَدَاح: ثقيلة، وفيَّاح: الواسع. انظر النهاية (عذق) ، (فيح). (٢) في أحكام القرآن ١/ ٢٣١. (٣) في أحكام القرآن: أغانت. (٤) لفظة: الفرقة، من (م). (٥) انظر معاني القرآن للزجاج ٣٢٥/١، وتفسير البغوي ٢٢٥/١. (٦) ديوان لبيد ص١٤١، والكتاب ٣٣٣/٢، ورواية البيت فيه: وإذا أُقرِضت قرضاً ... ٢٢٣ سورة البقرة : الآية ٢٤٥ والقِرِض بالكسر لغةٌ فيه؛ حكاها الكسائي. واستقرضتُ من فلان، أي: طلبتُ منه القرضَ فأقرضني. واقترضتُ منه، أي: أخذتُ القرض (١). وقال الزجاج(٢): القرض في اللغة البَلاءُ الحسنُ والبلاء السَّيِّئ، قال أمَيّة (٣): كلُّ امْرِئٍ سوفَ يُجْزَى قَرْضَه حسناً أو سيِّئاً ومَدينًا مثلَ ما دَانًا وقال آخر: تُجَازَى القُرُوضُ بأمثالها فبالخَيْر خيْراً وبالشّرِّ شرًّا (٤) وقال الكسائي(٥): القرض ما أسلفتَ من عملٍ صالح أو سيِّئ. وأصلُ الكلمةِ القطع، ومنه المِقراض. وأقرضته، أي: قطعت له من مالي قطعةً يجازِي عليها. وانقرض القوم: انقطع أثرُهم وهلكوا . والقرض ههنا: اسم، ولولاه لقال ههنا (٦): إقراضاً (٧). واستدعاءُ القرضٍ في هذه الآيةِ إنما هو تأنيسٌ وتقريبٌ للناس بما يفهمونه، والله هو الغنيُّ الحميد، لكنه تعالى شَبَّه عطاءَ المؤمنِ في الدنيا بما يرجو به ثوابَه في الآخرة بالقرض؛ كما شبَّه إعطاءَ النُّفوس والأموال في أخذ الجنةِ بالبيع والشراء(٨)، حسب ما يأتي بيانه في ((براءة)) إن شاء الله تعالى(٩). وقيل: المرادُ بالآية الحثُّ على الصدقة وإنفاقِ المال على الفقراء المحتاجين والتوسعة عليهم، وفي سبيل اللهِ بنصرة الدِّين. وكَتَى الله سبحانه عن الفقير بنفسه العَليَّة المنزَّهةِ عن الحاجات ترغيبًا في الصدقة، كما كَنَى عن المريض والجائع (١) الصحاح (قرض). (٢) في معاني القرآن ٣٢٤/١. (٣) في ديوانه ص١٣٦، والصحاح (قرض). (٤) أورد شطره الأول الميداني في مجمع الأمثال ١/ ١٥١، وذكره بتمامه الشوكاني في فتح القدير ٢٦١/١. (٥) انظر تفسير البغوي ٢٢٥/١. (٦) لفظة: ههنا، من (م). (٧) انظر معاني القرآن للزجاج ٣٢٥/١، وتفسير الرازي ١٧٩/٦. (٨) المحرر الوجيز ٣٢٩/١. (٩) عند تفسير الآية: (١١١) منها. ٢٢٤ سورة البقرة : الآية ٢٤٥ والعطشانِ بنفسه المقدَّسة عن النقائص والآلام. ففي صحيح الحديثِ إخباراً عن الله تعالى: ((يا ابن آدم، مرِضتُ فلم تَعُذْني، واستطعمتك فلم تُطْعمني، واستسقيتُك فلم تسقني، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت ربُّ العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلانٌ فلم تسقِهِ، أمَا إنك لو سقيتَه وجدْتَ ذلك عندي)). وكذا فيما قبْلُ، أخرجه مسلم والبخاريُّ وهذا كلُّه خرج مَخرج التَّشْرِيفِ لمن كَنَى عنه ترغيباً لمن خُوطب به(١). الرابعة: يجب على المستقرض ردُّ القرض؛ لأنَّ اللهَ تَعالى بيَّن أنَّ من أنفق في سبيل الله لا يضيعُ عند الله تعالى، بل يَردُّ الثوابَ قطعاً، وأبْهَم الجزاء. وفي الخبر: ((النفقةُ في سبيل الله تضاعف إلى سبع مئة (٢) وأكثر))(٣) على ما يأتي بيانه في هذه السورة عند قولهِ تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآية [٢٦١]. وقال ههنا: ﴿فَيُضَدِفَهُ لَهُ، أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ وهذا. لا نهایةً له ولا حدّ. الخامسة: ثوابُ القَرْض عظيم؛ لأنَّ فيه تَوْسِعةً على المسلم وتفریجاً عنه. خرَّج ابنُ ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: ((رأيت ليلةً أُسرِي بي على باب الجنة مكتوباً: الصدقةُ بعشر أمثالها والقرضُ بثمانيةَ عشرَ، فقلت لجبريل: ما بالُ القرض أفضلُ من الصَّدقة، قال: لأنَّ السائلَ يسأل وعنده، والمستقرضَ لا يستقرض إلا من حاجة))(٤). قال: حدَّثنا محمد بنُّ خَلَف العَسْقَلاني، حدَّثْنا يَعْلَى، حدَّثنا سليمان بنُ يُسَيْر(٥)، عن قيس بنِ رُومي قال: كان (١) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٢٣٠، والحديث لم نقف عليه عند البخاري، وأخرجه مسلم (٢٥٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وسلف ٤٣٨/٢. (٢) في (م): سبع مئة ضعف. (٣) أخرجه أحمد (١٩٠٣٦)، والترمذي (١٦٢٥) من حديث خُريم بن فاتك الأسدي رضي الله عنه. (٤) سنن ابن ماجه (٢٤٣١)، وفي إسناده خالد بن يزيد، قال عنه ابن حبان في المجروحين ٢٤٨/١ بعد أن أخرج له هذا الحديث: في حديثه مناكير لا يعجبني الاحتجاج به. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية ٦٠٢/٢: هذا لا يصح، قال أحمد: خالد ليس بشيء. (٥) في النسخ: بشير، وهو خطأ . ٢٢٥ سورة البقرة : الآية ٢٤٥ سليمان بنُ أُذُنَانٍ(١) يُقْرِض علقَمَة ألفَ درهم إلى عطائه، فلما خرج عطاؤه تقاضاها منه، واشتدَّ عليه فقضاه، فكأنَّ علقمةَ غضِب، فمكث شهراً، ثم أتاه فقال: أقرِضِي ألف درهم إلى عطائي، قال: نعم وكرامة! يا أُمَّ عُتبة، هَاتي(٢) تلك الخريطةَ المختومة التي عندكِ، قال: فجاءت بها، فقال: أما والله إنها لَدَراهِمُكَ التي قضيتَنِي، ما حركت منها درهماً واحدًا؛ قال: فلله أبوك! ما حملك على ما فعلتَ بي؟ قال: ما سمعتُ منك، قال: ما سمعتَ مني؟ قال: سمعتك تذكر عن ابن مسعود أنَّ النبيَّ نَّه قال: ((ما من مسلم يُقرِض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقتها مرة))، قال: كذلك أنبأني ابن مسعود(٣). السادسة: قرضُ الآدميّ للواحد واحدٌ، أي: يردُّ عليه مثلَ ما أقرضه. وأجمع أهلُ العلم على أنَّ استقراضَ الدنانيرِ والدراهم والحنطةِ والشعير والتمرِ والزبيب وكلّ ما له مِثلٌ من سائر الأطعمة جائز. وأجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم وَلي أنَّ اشتراطَ الزيادةِ في السلف رِبًا، ولو كان قبضةً من علَفٍ - كما قال ابن مسعود - أو حبّةً واحدة. ويجوز أنْ يردَّ أفضلَ مما يستلِف إذا لم يشترِط ذلك عليه؛ لأنَّ ذلك من باب المعروف؛ استدلالاً بحديث أبي هريرة في البِكْر: ((إنَّ خياركم أحسنُكم قضاءً))، رواه الأئمة: البخاريُّ ومسلم وغيرهما(٤). فأثنى ◌ِّ على من أحسنَ القضاء، وأطلق ذلك، ولم يقيده بصفة. وكذلك قضى هو ﴿ في البِكْرِ - وهو الفَتيُّ المختار من الإبل - جملاً خِيارًا رَبَاعِياً(٥)، والخِيار: المختار، والرَّباعِيُّ هو الذي دخل في السّنة الرابعة؛ لأنه يُلقِي فيها رَباعيتَه، وهي التي تلِي الثنايا، وهي (١) في النسخ: أُدبان، والمثبت من (م)، ومصادر التخريج، وأُذُنان قيَّده صاحب القاموس (أذن)، وشارحُه ١٢١/٩ بضم الهمزة والذال المعجمة مثنى أُذُن. وانظر الاختلاف في اسمه في تعجيل المنفعة ٥٦٩/٢. (٢) في (م): هلمِّي. (٣) سنن ابن ماجه (٢٤٣٠)، قال البوصيري في الزوائد ٦٩/٣: هذا إسناد ضعيف؛ لأن قيس بن رومي مجهول، وسليمان بن يُسير متفق على تضعيفه. وأخرجه أحمد (٣٩١١) عن ابن أُذُنان قال: أسلفت علقمةً، بنحوه. (٤) صحيح البخاري (٢٣٠٥)، ومسلم (١٦٠١)، وهو عند أحمد (٩١٠٦). (٥) أخرجه أحمد (٢٧١٨١)، ومسلم (١٦٠٠) من حديث أبي رافع رضي الله عنه. ٢٢٦ سورة البقرة : الآية ٢٤٥ أربعُ رَباعِيات - مخففة الباء - وهذا الحديث دليلٌ على جواز قرض الحيوان، وهو مذهبُ الجمهور، ومنع من ذلك أبو حنيفة (١) وقد تقدَّم(٢). السابعة: ولا يجوز أنْ يُهدِيّ من استقرض هديةً لِلمُقرِض، ولا يحِلُّ للمُقرِض قبولُها إلا أنْ يكونَ عادتُهما ذلك، بهذا جاءت السنة(٣): خرَّج ابن ماجه: حدَّثنا هشام بن عمار قال: حدّثنا إسماعيل بن عَيَّاش، حدَّثنا عُتبة بن حُمَيْد الضَّبِّيُّ، عن يحيى بنِ أبي إسحاق الهُنَائي قال: سألت أنس بنَ مالك عن الرجل مِنا يقرضُ أخاه المالَ، فيُهدِي إليه؟ قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا أقرض أحدكم أخاه قرضاً، فأَهدَى له، أو حملَه على دابته، فلا يَقْبَلْهُ(٤) ولا يركبها إلا أنْ يكون جرى بينه وبينه قبْلَ ذلك))(٥). الثامنة: القرض یکون من المال - وقد بيَّنَّا حكمه ۔ ویکون من العِرْض، وفي الحديث عن النبيِّ وَ ل: ((أيعجز أحدكم أنْ يكونَ كأبي ضمضم؟ كان إذا خرج من بيته قال: اللّهم إني قد تصدَّقت بعِرضي على عبادك))(٦). ورُوي عن ابن عمر: أَقرِضْ من عِرضك لِيوم فقرِكِ(٧)، يعني من سَبَّك فلا تأخذْ منه حقًّا، ولا تُقِم عليه حدًّا حتى تأتي يومَ القيامة مُوفر الأجر. (١) انظر التمهيد ٦٧/٤-٦٨، والكافي ٧٢٨/٢. (٢) ٢ /١٩٠. (٣) انظر الاستذكار ٤٩/٢١-٥٠ (٤) في (د) و(م): فلا يقبلها . (٥) سنن ابن ماجه (٢٤٣٢)، قال البوصيري في الزوائد ٣/ ٧٠: هذا إسناد فيه مقال، عتبة بن حُميد ضعَّفه أحمد. (٦) أخرجه الضياء في المختارة (١٧٧٠) من حديث أنس رضي الله عنه، وأخرجه أبو داود (٤٨٨٧) من حديث عبد الرحمن بن عجلان مرسلاً، وصوبه. وأبو ضمضم هذا ليس صحابياً، وإنما هو رجل من الأمم السابقة كما في رواية أبي داود، أخبرهم به # تحريضاً على أن يعملوا بعمله. انظر الإصابة ٢١٣/١١. (٧) لم نقف عليه من قول ابن عمر، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٣١٠، وأبو نعيم في الحلية ٢١٨/١، والخطيب في تاريخ بغداد ١٩٩/٧ من قول أبي الدَّرداء رضي الله عنه. وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١٩٩/٧، وابن الجوزي في العلل المتناهية ٧٣٢/٢ من حديث أبي الدرداء مرفوعاً. قال الخطيب: والموقوف هو الصحيح، وقال ابن الجوزي: لا يصح عن رسول الله وَ ل﴿، وغلط من رفعه، وإنما هو من كلام أبي الدرداء. ٢٢٧ سورة البقرة : الآية ٢٤٥ وقال أبو حنيفة: لا يجوز التصدُّق بالعِرض؛ لأنه حقُّ اللهِ تعالى، ورُوي عن مالك. ابن العربي: وهذا فاسدٌ، قال عليه الصلاة والسلام في الصحيح: ((إِنَّ دِماءكم وأموالَكم وأعراضكم عليكم حرام»، الحديث. وهذا يقتضي أن تكون هذه المحرَّماتُ الثلاثُ تجرِي مجرّى واحداً في كونها باحترامها حقًّا للآدميّ(١). التاسعة: قوله تعالى: ﴿حَسَنًا﴾ قال الواقِديّ(٢): محتسباً طيِّةً به نفسُه. وقال عمرو بنُ عثمان الصَّدَفي: لا يَمُنُّ به ولا يُؤذِي. وقال سهل بنُ عبد الله: لا يعتقد في قرضه عوضاً(٣). العاشرة: قوله تعالى: ﴿فَيُضَحِفَهُ لَهُ﴾ قرأ عاصم وغيرُه: ((فَيُضَاعِفَهُ)) بالألف ونصب الفاء. وقرأ ابن عامر ويعقوبُ بالتشديد في العين مع سقوط الألف ونصب الفاء. وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وشيبةُ بالتشديد ورفع الفاء(٤). وقرأ الآخرون بالألف ورفع الفاء(٥). فمن رفعه نسَقَه على قوله: ((يُقْرِضُ)) وقيل: على تقدير: هو يضاعِفه. ومن نصب فجواباً للاستفهام بالفاء. وقيل: بإضمار ((أنْ))، والتشديدُ والتخفيف لغتان. دليلُ التَّشديد ((أَضْعَافاً كَثِيرَةً))؛ لأنَّ التشديدَ للتكثير (٦). قال الحسن والسُّدّي(٧): لا نعلم هذا التضعيفَ إلا لله وحده، لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِن لَّكُنتَهُ أَبْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. قال أبو هريرة: هذا في نفقة الجهاد، وكنا نحسب والنَّبِيُّ وَلّ بين أظهرنا نفقةَ الرَّجلِ على نفسه ورفقائه وظهرِه بألفي ألف(٨) (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٣٢/١، والحديث سلف ٢٢٨/٣. (٢) أورده البغوي ٢٢٥/١، والواحدي في الوسيط ٢٥٥/١. (٣) انظر تفسير البغوي ٢٢٥/١، والبحر المحيط ٢٥٢/٢. (٤) في النسخ: العين (في الموضعين) وهو خطأ . (٥) انظر السبعة ص١٨٤-١٨٥، والتيسير ص٨١، والنشر ٢٢٨/١. (٦) انظر إعراب القرآن للنحاس ٣٢٤/١، ومعاني القرآن للزجاج ٣٢٤/١، وتفسير البغوي ٢٢٥/١. (٧) أخرج قول السدي الطبري ٤٣١/٥، وقول الحسن أورده الواحدي في الوسيط ٣٥٦/١. (٨) أخرج أحمد (٧٩٤٥) نحوه. ٢٢٨ سورة البقرة : الآية ٢٤٦ الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْخُطٌ﴾ هذا عامٌّ في كلِّ شيءٍ، فهو القابض الباسط، وقد أتينا عليهما في ((شرح الأسماء الحسنى في الكتاب الأسنى))(١). ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وعيد، فيجازي كلَّا بعمله. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاءِ مِنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَىَ إِذْ قَالُواْ لِنٍَّ لَّهُمُ أَبْعَتْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفِتَالُ أَلَّا نُقَتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآَيِنَّا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمٌْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ؟ بِلَّلِمِين ذكر في التحريض على القتال قصةً أخرى جرت في بني إسرائيل. والملأ: الأشرافُ من الناس، كأنَّهم ممتلؤون شرفاً. وقال الزجاج: سُمُّوا بذلك؛ لأنهم ممتلؤون مما يحتاج(٢) إليه منهم. والملأ في هذه الآية القوم؛ لأنَّ المعنى يقتضيه. والملأ: اسم للجمع، كالقوم والرهط. والملأ أيضاً: حُسْنُ الخُلُقِ (٣)، ومنه الحديث: ((أحسِنوا المَلَأَ، كلُّكم سَيَرْوَى)) خرجه مسلم(٤). قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ مُوسَى﴾، أي: من بعد وفاته. ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَجِ لَّهُمُ أَبْمَتْ لَنَا مَلِكًا﴾ قيل: هو شَمْوِيل بنُ بال بن علقمةَ ويعرف بابن العجوز. ويقال فيه: شمعون، قاله السدِّيّ(٥). وإنما قيل: ابن العجوز؛ لأنَّ أمَّه كانت عجوزاً، فسألتِ الله الولدَ، وقد كبرت وعَقِمَت، فوهبه الله تعالى لها. ويقال له: سَمْعُون؛ لأنها دعت الله أن يرزقَها الولدَ، فسمع دعاءها، فولدت غلاماً، فسمته ((سمعون)»، (١) لم نقف عليه فيه. (٢) في (م): يحتاجون. (٣) انظر معاني القرآن للزجاج ٣٢٥/١-٣٢٦. (٤) رقم (٦٨١) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه مطولاً، وهو عند أحمد (٢٢٥٤٦) بلفظ: (( ... فكلكم سيصدر عن رِئِّ» (٥) أخرج هذه الأقوال الطبري ٤٣٥/٥-٤٣٦. ٢٢٩ سورة البقرة : الآية ٢٤٦ تقول: سمع الله دعائي، والسين تصير شيئاً بلغة العبرانية، وهو من ولد يعقوب(١). وقال مقاتل(٢): هو من نَسْل هارون عليه السلام. وقال قتادة(٣): هو يوشع بنُ نون. قال ابنُ عطية(٤): وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ مدَّةَ داود هي من بعد موسى بقرون من الناس، ويوشع هو فتى موسى. وذكر المحاسبيُّ أنَّ اسمه إسماعيل، والله أعلم. وهذه الآيةُ هي خبرٌ عن قومٍ من بني إسرائيل نالتهم ذِلةٌ وغَلَبَةُ عدوٍّ، فطلبوا الإذنَ في الجهاد وأنْ يؤمروا به، فلما أُمِروا حَيَّ(٥) أكثرُهم، وصبر الأقلُّ، فنصرهم الله(٦). وفي الخبر أنَّ هؤلاء المذكورين هم الذين أُميتوا، ثم أُحيوا(٧)، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿نُقَلِلْ﴾ بالنونِ والجَزْم، وقراءةُ جمهورِ القرّاء على جواب الأمر. وقرأ الضحاك وابنُ أبِي عَبْلة[: يقاتلٌ] بالياءِ ورفعِ الفعلِ، فهو في موضع الصفة للملك(٨). قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ﴾ و(عَسَيْتُمْ)) بالفتح والكسر، لغتان، وبالثانية قرأ نافع، والباقون بالأولى، وهي الأشهر(٩). قال أبو حاتم: وليس للكسر وجه، وبه قرأ الحسن وطلحة(١٠). قال مكيّ(١١) في اسم الفاعل: عَسٍ، فهذا يدلُّ على (١) انظر تفسير البغوي ٢٢٦/١، وتفسير الرازي ٦/ ١٨٣. (٢) أورده البغوي ٢٢٦/١. (٣) أخرجه الطبري ٥/ ٤٣٧ . (٤) في المحرر الوجيز ٣٣٠/١. (٥) كعَّ الرجل عن الشيء يكع كمّا فهو كاٍّ: إذا جُبُن عنه وأحجم. النهاية (كمع). (٦) المحرر الوجيز ٣٣٠/١. (٧) لعل المراد بهم ما ذكره المصنف في تفسير الآية (٢٤٣) بأنهم القومُ الذين فرُّوا من الجهاد، وخافوا الموت بالقتل، فأماتهم الله ليُعرِّفهم أنه لا ينجِّيهم من الموت شيء، ثم أحياهم. ونسب ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢٧/١ هذا القول للضحاك، وينظر تفسير الطبري ٤/ ٤١٥. (٨) المحرر الوجيز ٣٣٠/١ وما بين حاصرتين للإيضاح. وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٥، ومكي في مشكل إعراب القرآن ص١٣٤، وابن الجوزي في زاد المسير ٢٩٢/١، والرازي ١٨٢/٦، وأبو حيان في البحر المحيط ٢٥٥/٢. (٩) انظر السبعة ص١٨٦، والتيسير ص ٨١. (١٠) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٥/١. (١١) في الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٠٣/١. ٢٣٠ سورة البقرة : الآية ٢٤٦ كسر السِّينِ في الماضي. والفتحُ في السِّين هي اللغة الفاشية. قال أبو عليٍّ: ووجهُ الكسرِ قولُ العرب: هو عسٍ بذلك، مثلُ حرٍ وشَجٍ، وقد جاء فَعَل وفَعِل في نحو نَقَّم ونَقِم (١)، وكذلك عَسَيتِ وعَسِيت، فإنْ أُسند الفعلُ إلى ظاهرٍ فقياسُ عسيتم أنْ يقال: عَسِيَ زيد، مثلُ رَضِيَ زيد، فإنْ قيل، فهو القياس، وإن لم يقل، فسائغٌ أنْ يؤخذ باللغتين، فتُستَعمل إحداهما موضعَ الأخرى. ومعنى هذه المقالة: هل أنتم قريبٌ من التَّولِّي والفِرار؟. ﴿إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَتِلُواْ﴾ قال الزجَّاج: ((ألّا تُقاتِلُوا)) في موضع نصب، أي: هل عسيتم مقاتلةً. ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الأخفش: ((أنْ)) زائدة. وقال الفرّاء: هو محمولٌ على المعنى، أي: وما منعنا، كما تقول: مالَكَ ألَّا تصلّي؟ أي: ما منعك. وقيل: المعنى: وأيُّ شيءٍ لنا في ألَّا نقاتل في سبيل الله؟ قال النحاس(٢): وهذا أجودُها. ((وأن)) في موضع نصب. ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا﴾ تعليل، وكذلك ﴿وَأَبْنَآبَنَّا﴾ أي سُبيت(٣) ذرارِينا. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ﴾، أي: فُرِض عليهم ﴿ اَلْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ أخبر تعالى أنه (٤) لما فُرض عليهم القتالُ، ورَأوا الحقيقة، ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب، وأنَّ نفوسَهم ربما قد تذهب، ((تَوَلَّوْا))، أي: اضطربت نياتُهم، وفَتَرت عزائمهم، وهذا شأنُ الأممِ المتنعِمَةِ المائلةِ إلى الدَّعَة تتمنَّى الحربَ أوقاتَ الأَنَفة، فإذا حَضرتِ الحرب كَعَّت وانقادت لِطبعها. وعن هذا المعنى نهى النبيُّ وَّر بقوله: ((لا تتمنَّوا لِقاءَ العدوِّ، وسلوا الله العافيةَ، فإذا لقيتموهم فاثْبُتُوا)). رواه الأئمة. ثم (١) في (خ) و(د) و(ز): نعَم ونعم، ولم تجود في (ظ)، والمثبت من الحجة لأبي علي الفارسي ٢/ ٣٥٠، والمحرر الوجيز ٣٣٠/١، والكلام منه. (٢) في إعراب القرآن ٣٢٥/١، والأقوال المذكورة منه، وانظر معاني القرآن للزجاج ٣٢٦/١، ومعاني القرآن للأخفش ٣٧٧/١، ومعاني القرآن للفراء ١٦٣/١. (٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): بسبب، ولم تجود اللفظة في (ظ)، والمثبت من إعراب القرآن للنحاس ٣٢٥/١. (٤) كذا في النسخ، وفي المحرر الوجيز ٣٣٠/١: أنهم. ٢٣١ سورة البقرة : الآية ٢٤٧ أخبر الله تعالى عن قليلٍ منهم أنهم ثَبَتوا على النية الأولى، واستمرّت عزيمتُهم على القتال في سبيل الله تعالى(١). قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَاً قَالُواْ أَّ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَخْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاَللَّهُ يُؤْتِ مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِّكَأْ﴾، أي: أجابكم إلى ما سألتم، وكان طالوت سَقَّاءً، وقيل: دبَّاغاً، وقيل: مُكَارِياً، وكان عالماً، فلذلك رفعه الله، على ما يأتي. وكان من سِبط بِنْيَامين، ولم يكن من سِبط النبوّة، ولا من سِبط المُلْك، وكانتِ النبوّة في بني لاوَى، والمُلك في سِبط يهوذا، فلذلك أنكروا(٢). قال وهب بن منبه(٣): لما قال الملأ من بني إسرائيل لشَمْوِيل بنِ بال ما قالوا، سأل الله تعالى أن يبعثَ إليهم مَلِكاً، ويدُلَّه عليه، فقال الله تعالى له: انظر إلى القَرَن(٤) الذي فيه الدُّهْن في بيتك، فإذا دخل عليك رجلٌ فَشَّ(٥) الدُّهنُ الذي في القَرَن، فهو مَلِك بني إسرائيل، فادهنْ رأسَه منه، ومَلِّكه عليهم. قال: وكان طالوتُ دبَّاغاً، فخرج في ابتغاء دابةٍ أضَلَّها، فقصد شمويل عسى أنْ يدعوّ له في أمر الدَّابة أو يجدَ عنده فَرَجًا، فنَشَّ الدُّهنُ على ما زعموا، قال: فقام إليه شمويل، فأخذه ودَهن منه رأسَ طالوت، وقال له: أنت ملِكُ بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى بتقديمه، ثم قال لبني إسرائيل: إن الله قد بعث لكم طالوت ملِكاً . (١) المحرر الوجيز ٣٣٠/١-٣٣١، والحديث سلف ص ٢١٣. (٢) انظر تفسير الرازي ٦/ ١٨٥. (٣) أخرجه الطبري ٤٤٨/٥-٤٤٩ . (٤) قوله: القَرَن، بالتحريك: الجَعْبة من جلود تكون مشقوقةً ثم تُخرز. اللسان (قرن). (٥) قوله: فنشَّ من النَّشيش، وهو صوتُ الماء وغيره إذا غلى. القاموس (نشش). ٢٣٢ سورة البقرة : الآية ٢٤٧ وطالوت وجالوت اسمان أعجميان معرَّبان، ولذلك لم ينصرفا(١)، وكذلك داود، والجمعُ طواليتُ وجواليتُ ودواويد، ولو سمَّيتَ رجلاً بطاوس وراقود(٢)، لصرفت وإنْ كانا أعجميين. والفرق بين هذا والأوّلِ أنك تقول: الطاوس، فتُدخِلُ الألف واللام، فيُمكن في العربية، ولا يمكن هذا في ذاك(٣). قوله تعالى: ﴿أَنَّ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾، أي: كيف يملكنا ونحنُ أحقُّ بالملك منه؟! جَرَوا على سنَّتهم في تَعْنِيتهم الأنبياءَ وحَيْدِهم عن أمر الله تعالى، فقالوا: ((أَنَّى))، أيْ: من أيِّ جهة، فـ ((أَنّى)) في موضع نصبٍ على الظرف، ونحن من سِبط الملوكِ، وهو ليس كذلك، وهو فقيرٌ، فتركوا السببَ الأقوى وهو قَدَرُ اللهِ تعالى وقضاؤه السابقُ حتى احتجَّ عليهم نبيُّهم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنهُ﴾، أي: اختاره، وهو الحجةُ القاطعة، وبَيَّن لهم مع ذلك تعليلَ اصطفاءِ طالوت، وهو بسطتُه في العِلم الذي هو مِلاكُ الإنسان، والجسم الذي هو مُعِينُه في الحرب وعدَّتُه عند اللّقاء؛ فتضمَّنت بيانَ صفة الإمام وأحوالَ الإمامة، وأنها مستحَقَّةٌ بالعلم والدِّين والقوّة لا بالنسب، فلا حظّ للنسب فيها مع العلم وفضائلِ النفس، وأنها متقدِّمة عليه؛ لأنَّ الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوّتِه، وإن كانوا أشرفَ منتسباً (٤). وقد مضى في أوَّل السورة مِن ذكر الإمامة وشروطها ما يكفي ويُغنِي (٥). وهذه الآيةُ أصلٌ فيها . قال ابن عباس: كان طالوت يومئذ أعلمَ رجلٍ في بني إسرائيل وأجملَه وأتَمَّه، وزيادةُ الجسم مما يَهِيب العدوَّ. وقيل: سُمي طالوتَ لطوله(٦). وقيل: زيادةُ الجسم كانت بكثرة معاني الخيرِ والشجاعة، ولم يُرد عِظَمَ الجسم، ألم تر إلى قول الشاعر: وفي أثْوابه أسَدٌ هَصُورُ ترى الرّجُلَ النَّحِیفَ فتَزْدَرِیهِ (١) المحرر الوجيز ٣٣١/١-٣٣٢. (٢) الراقود: إناء خزف مستطيل مُقيَّر. النهاية (رقد). (٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٦/١. (٤) انظر المحرر الوجيز ٣٣٢/١. (٥) ٣٩٥/١. (٦) انظر تفسير البغوي ٢٢٨/١، ومجمع البيان ٢/ ٢٨٠، وزاد المسير ٢٩٣/١-٢٩٤. ٢٣٣ سورة البقرة : الآية ٢٤٧ فيُخْلِف ظنَّك الرجلُ الطَّرِيرُ ويُعجبك الظَّرِيرُ فتَبْتَلِيه فلم يَسْتَغْنِ بالعِظَم البعيرُ(١) وقد عَظُم البعيرُ بغير لُبِّ قلت: ومن هذا المعنى قولُهُ وَّهِ لأزواجه: ((أسرعُكنَّ لَحاقاً بي أطولُكنّ يداً))، فكنَّ يتطاولْن، فكانت زينبُ أوَّلّهن موتاً؛ لأنها كانت تعملُ بيدِها وتتصدَّق، خرَّجه مسلم(٢). وقال بعض المتأوِّلين(٣): المراد بالعلم عِلمُ الحرب، وهذا تخصيصُ العموم من غير دليل. وقد قيل: زيادة العلم بأنْ أَوحى الله إليه، وعلى هذا كان طالوت نبيًّا، وسيأتي(٤). قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾ ذهب بعضُ المتأوِّلين إلى أنَّ هذا من قول اللهِ عزَّ وجلَّ لمحمد دَلِهِ . وقيل: هو من قول شَمْويل، وهو الأظهر. قال لهم ذلك لما علم من تعنُّتهم وجدالِهم في الحجج، فأراد أنْ يتمم كلامَه بالقطعيِّ الذي لا اعتراضَ عليه، فقال(٥): ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾. وإضافةُ مُلكِ الدنيا إلى الله تعالى إضافةُ مملوكٍ إلى مَلِك(٦). ثم قال لهم على جهة التغبِيط والتنبيهِ من غير سؤال منهم: ﴿إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ﴾﴾ . ويحتمل أن يكونوا سألوه الدّلالةَ على صدقه في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ . (١) قائل الأبيات العباس بنُ مرداس السُّلمي رضي الله عنه كما في شرح حماسة أبي تمام المرزوقي ١١٥٣/٣-١١٥٥، والتبريزيِّ ٨٩/٣-٩٠، واللسان (مزر)، ونقل التبريزي عن أبي رياش أن هذا الشعر لمعاوية بن مالك الكلابي، وعندهم: أسد مَزيرُ بدل قوله: أسد هصور. وقوله: هصور: الشديد الذي يفترس ويكسر، والمزير: الشديد القلب القوي النافذ، والطرير: ذو هيئة حسنة وجمال. اللسان (مصر) (مزر)، (طرر). (٢) برقم (٢٤٥٢)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٤٨٩٩)، والبخاري (١٤٢٠) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٣) انظر المحرر الوجيز ٣٣٢/١. (٤) عند تفسير الآية: ٢٤٩، والآية: ٢٥١. (٥) في (د) و(م): فقال الله تعالى، وهو سبق قلم من بعض النُّسَّاخ. (٦) في (ظ): مالك. : ٢٣٤ سورة البقرة : الآية ٢٤٨ قال ابن عطية (١): والأوّل أظهرُ بمساق الآية، والثاني أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذَّميمة، وإليه ذهب الطبريّ (٢) . قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ، أَنْ يَأْنِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَا تَرَكَ مَالُ مُوسَى وَءَالُ هَدُرُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَتبِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ، أَن يَأْنِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾، أي: إتيانُ التابوت، والتابوت كان من شأنه فيما ذُكر أنه أنزله الله على آدمَ عليه السلام، فكان عنده إلى أنْ وصل إلى يعقوبَ عليه السلام، فكان في بني إسرائيل يَغلبون به من قاتلهم حتى عَصَوْا، فغُلبوا على التابوتِ، غلبهم عليه العمالقة: جالوتُ وأصحابه في قول السُّدِّي، وسَلَبوا التابوتَ منهم(٣). قلت: وهذا أدلُّ دليلٍ على أنَّ العصيانَ سببُ الخِذلان، وهذا بَيِّن. قال النحاس(٤): والآية في التابوت على ما رُوي أنه كان يُسمع فيه أنِينٌ، فإذا سمعوا ذلك ساروا لحربهم، وإذا هَدأَ الأنينُ، لم يسيروا ولم يسر التابوت. وقيل: كانوا يضعونه في مأزق الحربٍ، فلا تزال تَغلِب حتى عصَوا، فغُلبوا وأُخِذ منهم التابوت، وذلَّ أمرهم، فلما رأوا آيةَ الاصْطِلام(٥) وذهاب الذكر، أنِف بعضُهم، وتكلموا في أمرهم حتى اجتمع ملؤهم أن قالوا لنبيِّ الوقت: ابعث لنا ملِكاً، فلما قال لهم: ملكُكم طالوتُ، راجعوه فيه كما أخبر الله عنهم، فلما قطعهم بالحجة، سألوه البيّةَ على ذلك، في قول الطبريّ(٦). فلما سألوا نبيَّهم البينةً على ما قال، دعا ربه، فنزل بالقوم الذين أخذوا التابوتَ داءٌ بسببه، على خلافٍ في ذلك. (١) في المحرر الوجيز ٣٣٢/١، وما قبله منه بنحوه. (٢) في تفسيره ٥/ ٤٥٧-٤٥٨ . (٣) انظر تفسير الرازي ١٨٨/٦. (٤) في إعراب القرآن ٣٢٦/١. (٥) قوله: الاصطلام من اصطلم، أي: استأصل. القاموس (صلم). (٦) في التفسير ٤٥٧/٥ . ٢٣٥ سورة البقرة : الآية ٢٤٨ قيل: وضعوه في كنيسةٍ لهم فيها أصنامٌ، فكانت الأصنام تُصبح منكوسةً. وقيل: وضعوه في بيتٍ أصنامِهم تحت الصنم الكبيرِ، فأصبحوا وهو فوق الصنم، فأخذوه وشدُّوه إلى رجليه، فأصبحوا وقد قُطعت يدا الصنم ورجلاه، وألقيت تحت التابوت؛ فأخذوه وجعلوه في قرية قوم، فأصاب أولئك القومَ أوجاعٌ في أعناقهم. وقيل: جعلوه في مَخْرأة قومٍ، فكانوا يُصيبهم الباسُور، فلما عظم بلاؤهم كيفما كان، قالوا: ما هذا إلا لهذا التابوتِ! فلنردَّه إلى بني إسرائيل، فوضعوه على عَجَلة بين ثورين، وأرسلوهما في الأرض نحوَ بلاد بني إسرائيل، وبعث الله ملائكةً تسوق البقرتين حتى دخلتا على بني إسرائيل وهم في أمر طالوتَ، فأيقنوا بالنصر، وهذا هو حَمْلُ الملائكةِ للتابوت في هذه الرواية(١). ورُوي أنَّ الملائكةَ جاءت به تحملُه وكان يوشع بنُ نون قد جعله في البَرِّيَّة، فُرُوي أنهم رأوا التابوتَ في الهواء حتى نزل بينهم، قاله الربيع بنُ خُثَيْم. وقال وهب بنُ منبِّه: كان قدرُ التابوت نحواً من ثلاثة أذرعٍ في ذراعين(٢). الكلبي: وكان من عود شمشاذ(٣) الذي يُتَّخذ منه الأمشاط (٤). وقرأ زيد بن ثابت: ((التابوه)) وهي لغته، والناس على قراءته بالتاء(٥) وقد تقدَّم(٦). ورُوي عنه ((الثَّبوت))(٧) ذكره النحاس. وقرأ حميد بنُ قيس: ((يحمله))، بالياء(٨). (١) انظر تفسير البغوي ٢٣٠/١، والمحرر الوجيز ٣٣٣/١. (٢) أخرج قول الربيع ووهب الطبريُّ ٥/ ٤٦٥-٤٦٦ و٤٦٧. (٣) في النسخ: شمسار، والمثبت من تاج العروس (شمشذ) قال: هو معرب شمشاد. وذكره صاحب المعجم الذهبي، وقال: شجر الصفصاف، شجر البقس. اهـ. وشجر البقس هو شجر كالآس، وَرَقاً وحبًّا، كما في القاموس (بقس). (٤) أورده أبو الليث ١ / لوحة ٩١. (٥) المحرر الوجيز ٢٣٣/١. وذكر القراءة ابن خالويه في القراءات الشاذة ص١٥، وابن جني في المحتسب ١٢٩/١. (٦) ٨٩/١. (٧) في (د) و(ز) و(م): التيبوت، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لإعراب القرآن للنحاس ٣٢٦/١. (٨) القراءات الشاذة ص ١٥. ٢٣٦ سورة البقرة : الآية ٢٤٨ قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ﴾ اختلف الناس في السكينة والبقية، فالسكينة فعيلةٌ، مأخوذةٌ من السكون والوَقارِ والطمأنينة. فقوله: ((فِيهِ سَكِينَةٌ))، أي: هو سببُ سكونِ قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوتَ، ونظيره: ﴿فَأَنْزَّلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠]، أي: أنزل عليه ما سكن به (١) قلبه. وقيل: أراد أنَّ التابوت كان سببَ سُكون قلوبهم، فأينما كانوا سَكنوا إليه، ولم يفرُّوا عن(٢) التابوت إذا كان معهم في الحرب. وقال وهب بنُ منبِّه: السكينة رُوحٌ من الله تتكلم، فكانوا إذا اختلفوا في أمر نطقت ببيان ما يريدون، وإذا صاحت في الحرب كان الَّفَرُ لهم. وقال علي بن أبي طالب: هي ریحٌ هَفَّافة، لها وجه کوجه الإنسان. وروي عنه أنه قال: هي ريحٌ خَجُوج(٣)، لها رأسان. وقال مجاهد(٤): حيوان كالهِرِّ له جناحان وذَنَب، ولعيْنَيْه شُعاع، فإذا نظر إلى الجيش انهزم. وقال ابنُ عباس: طَسْت من ذهبٍ من الجنة، كان يُغسلُ فيه قلوبُ الأنبياء؛ وقاله السدي. وقال ابن عطية(٥): والصحيح أنَّ التابوتَ كانت فيه أشياءُ فاضلةٌ من بقايا الأنبياء وآثارِهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنسُ به وتقْوَى. (١) لفظة: به، من (م). (٢) في (م): من. (٣) قوله: ريح خجوج: هي الريحُ الشديدة المَرِّ أو المتلويةُ في هبوبها. القاموس (خجج). (٤) تفسير مجاهد ص ١١٤ . (٥) في المحرر الوجيز ٣٣٣/١، وما قبله منه، وأخرج هذه الآثار الطبري ٥/ ٤٦٧-٤٧١، وأوردها الشوكاني في فتح القدير ٢٩٧/١، وقال: هذه التفاسير المتناقضةُ لعلها وصلت إلى هؤلاء الأعلامِ من جهة اليهود - أقماهم الله - فجاؤوا بهذه الأمور لقصد التلاعب بالمسلمين والتشكيك عليهم، وانظر إلى جعلهم لها تارةً حيواناً وتارةً جمادًا وتارة شيئًا لا يُعقل كقول مجاهد: كهيئة الريح لها وجه كوجه الهر ... ، وهكذا كلُّ منقول عن بني إسرائيل، ويشتمل على مالا يُعقل في الغالب، ولا يصح أن يكون مثل هذه التفاسير المتناقضة مرويّاً عن النبي ﴿ ﴿ ولا رأياً رآه قائله، فهم أجل قدرًا من التفسير بالرأي وبما لا مجال للاجتهاد فيه. إذا تقرر لك هذا عرفت أن الواجب الرجوع في مثل ذلك إلى معنى السكينة لغة، ولا حاجة إلى ركوب هذه الأمور المتعسفة المتناقضة. ٢٣٧ سورة البقرة : الآية ٢٤٨ قلت: وفي صحيح مسلم عن البَرَاء قال: كان رجلٌ يقرأ سورةَ الكهفِ، وعنده فرسٌ مربوطٌ بشَطَنَيْن، فتغشَّته سحابةٌ، فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسُه ینفِر منها، فلما أصبح أتى النبيَّ وَّهِ، فذكر ذلك له، فقال: ((تلك السَّكِينَةُ تنزَّلت للقرآن))(١). وفي حديث أبي سعيد الخدرِيِّ: أنَّ أُسَيد بنَ الحُضَير بينما هو ليلةٌ يقرأ في مِرْبَده، الحديث. وفيه: فقال رسول الله وَّه: (تلك الملائكةُ كانت تستمع لك، ولو قرأتَ لأصبحتْ يراها الناسُ ما تَستَتِر منهم)). خرجه البخاريُّ ومسلم (٢). فأخبر ◌َله عن نزول السكينةِ مرةً، ومرةً عن نزول الملائكةِ، فدلَّ على أنَّ السكينةَ كانت في تلك الظُّلَّة، وأنها تنزل أبداً مع الملائكة. وفي هذا حجةٌ لمن قال: إنَّ السكينةَ رُوحٌ أو شيءٌ له روح؛ لأنه لا يصحُّ استماعُ القرآنِ إلا لمن يَعقِل، والله أعلم. قوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ اختلف في البقيَّة على أقوال، فقيل: عصا موسى، وعصا هارون، ورُضَاضُ(٣) الألواح؛ لأنها انكسرت حين ألقاها موسى، قاله ابن عباس. زاد عِكرمة: التوراة. وقال أبو صالح: البقيَّة عصا موسى، وثيابه، وثيابُ(٤) هارونَ، ولوحان من التَّوراة. وقال عطية بنُ سعد: هي عصا موسى، وعصا هارون، وثيابُهما، ورُضَاضُ الألواح. وقال الثَّوريُّ: من الناس من يقول: البقية قفيزُ(٥) مَنَّ في طست(٦) من ذهبٍ، وعصا موسى، وعِمامةُ هارون، ورُضاضُ الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان. (١) صحيح مسلم (٧٩٥)، وأخرجه أيضاً البخاري (٥٠١١)، وهو عند أحمد (١٨٥٩١)، وقوله: شطنين مثنى شَطَن، وهو الحبل الطويل، يُجمع على أشطان. القاموس (شطن). (٢) صحيح البخاري (٥٠١٨) تعليقاً، وصحيح مسلم (٧٩٦)، وهو عند أحمد (١٦٧٦٦). وقوله: مِربَده: الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف، كالبيدر للحنطة. النهاية (ربد). (٣) قوله: رُضاض: الفُتات، وكل شيء كسَّرتَه، فقد رَضْرضتَه. اللسان (رضض). (٤) في (ظ): وعصا. (٥) في (خ) و(ز) و(م): قفيزاً، وفي (د): قفيزين، والمثبت من (ظ). (٦) في النسخ: طشت، والمثبت من (م) ومصادر التخريج، وكلاهما لغة. ٢٣٨ سورة البقرة : الآية ٢٤٩ ومعنى هذا ما رُوي من أنَّ موسى لما جاء قومَه بالألواح، فوجدهم قد عبدوا العِجْل، ألقى الألواحَ غضبًا، فتكسرت، فَتَزع منها ما كان صحيحاً، وأَخذ رُضَاضَ ما تكسر، فجعله في التابوت. وقال الضحاك: البقية: الجهاد وقتالُ الأعداء. قال ابن عطية(١): أي: الأمرُ بذلك في التابوت؛ إمَّا أنه مكتوبٌ فيه، وإمّا أنَّ نفسَ الإتيان به هو كالأمر بذلك، وأسند التَّركَ إلى آل موسى وآل هارونَ(٢) من حيث كان الأمرُ مندرجاً من قوم إلى قوم، وكلُّهم آلُ موسى وآلُ هارون. وآل الرجلِ قرابتُه. وقد تقدّم(٣). قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ لَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِىِ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِىَ إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ، فَشَرِيبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَلَمَّا جَاوَزَمُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِةْ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ كَم مِنْ فِتَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ ((فَصَلَ)) معناه خرجَ بهم، فصلتُ الشَّيء فانفصل، أي: قطعتُه فانقطع. قال وهب بن منّبِّه: فلما فصل طالوت قالوا له: إنَّ المياه لا تحمِلُنا، فادع الله أنْ يُجريّ لنا نهراً، فقال لهم طالوت: إنَّ الله مبتلیکم بنهر. وكان عدد الجنود - في قول السدّيّ - ثمانينَ ألفاً. وقال وهب: لم يتخلَّف عنه إلا ذو عذرٍ من صغر أو كبرٍ أو مرض (٤). (١) في المحرر الوجيز ٣٣٤/١، وما قبله منه، وأخرج هذه الأقوال الطبري ٤٧٣/٥ -٤٧٧ . (٢) في النسخ: إلى موسى وهارون، والمثبت من (م). (٣) ٨١/٢. (٤) أخرج هذه الأقوال الطبري ٥/ ٤٨٢-٤٨٣. ٢٣٩ سورة البقرة : الآية ٢٤٩ والابتلاءُ الاختبار. والنَّهَر والنَّهْر لغتان. واشتقاقه من السَّعة، ومنه النهار، وقد تقدَّم(١). قال قتادة (٢): النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهرٌ بين الأرْدُنِّ وفلسطين. وقرأ الجمهور: (بنهَر)) بفتح الهاء. وقرأ مجاهد وحُمَيْد الأعرج: ((بنهْر))، بإسكان الهاء(٣). ومعنى هذا الابتلاءِ أنه اختبارٌ لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماءِ، عُلِم أنه مطيعٌ فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوتُه في الماء وعصى الأمرَ، فهو في العصيان في الشدائد أحرى، فرُوي أنهم أتَوا النهر وهم قد (٤) نالهم عطشٌ، وهو في غاية العذوبة والحُسن، فلذلك رُخِّص للمطيعين في الغَرْفة ليرتفعَ عنهم أذى العطش بعضُ الارتفاع، وليَكْسِروا نزاعَ النفسِ في هذه الحال. وبيَّنَ أنَّ الغَرْفة كافَّةٌ ضررَ العطشِ عند الحَزَمةِ الصابرين على شَظَف العيْشِ الذين هَمُّهم في غير الرَّفاهِية، كما قال عروة: وأحْسُو قَرَاحَ الماءِ والماءُ باردُ(٥) قلت: ومن هذا المعنى قولُه عليه السلام: ((حَسْبُ المرءِ لُقيْماتٌ يُقِمْنَ صلبه))(٦) . وقال بعضُ من يتعاطى غوامضَ المعاني: هذه الآيةُ مَثَلٌ ضربه الله للدنيا، فشبَّهها الله بالنهر والشاربَ منه بالمائل(٧) إليها والمستكثرِ منها، والتاركَ لشربه (١) ٤٩٢/٢. (٢) أخرجه الطبري ٤٨٤/٥. (٣) انظر القراءات الشاذة ص ١٥، وزاد المسير ٢٩٧/١. (٤) في (م): وقد، بدل: وهم قد. (٥) المحرر الوجيز ٣٣٤/١-٣٣٥، والبيت في ديوان عروة ص ٥٢. وصدره: أُقسّم جسمي في جُسوم كثيرة. قال ابن السكيت: قوله: أُقسّم جسمي: الجسم هنا طعامُه، يقول: أُقسّم ما أريد أن أطعمه في محاويج قومي والضيفان، وأحسو قراحَ الماءِ الذي لا يخالطه لبن ولا غيره. (٦) قطعة من حديث أخرجه أحمد (١٧١٨٦) والترمذي (٢٣٨٠)، والنسائي في الكبرى (٦٧٣٨)، وابن ماجه (٣٣٤٩) من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، وحسنه الحافظ في الفتح ٩/ ٥٢٨. (٧) في (خ) و(د) و(م): والمائل، والمثبت من (ز) و(ظ)، وهو الموافق للنكت والعيون ٣١٨/١. ٢٤٠ سورة البقرة : الآية ٢٤٩ بالمنحرف عنها والزاهدِ فيها، والمغترفَ بيده غرفةً بالآخذ منها قدرَ الحاجة، وأحوالُ الثلاثة عند الله مختلفة(١). قلت: ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر، لكن معناه صحيحٌ من غير هذا. الثانية: استدلَّ من قال: إنَّ طالوت كان نبيًّا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ وأنَّ الله أوحى إليه بذلك وألهمه، وجعل الإِلهامَ ابتلاءً من الله لهم. ومن قال: لم يكن نبيًّا قال: أخبره نبيُّهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوتُ قومه بهذا، وإنما وقع هذا الابتلاءُ ليتميَّز الصادقُ من الكاذب. وقد ذهب قومٌ إلى أنَّ عبد الله بنَ حُذَافةَ السَّهْميَّ صاحبَ رسولِ اللهِ وَّهِ إنما أَمر أصحابه بإيقاد النارِ والدخولِ فيها تجربةً لطاعتهم، لكنه حمل مزاحه على تخشين الأمرِ الذي كلَّفهم، وسيأتي بيانه في ((النساء)) إن شاء الله تعالى(٢). الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ﴾ شرب قيل: معناه كَرَع. ومعنى ((فَلَيْسَ مِنِّي)) أي: ليس من أصحابي في هذه الحرب، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان(٣). قال السُّدّي(٤): كانوا ثمانين ألفاً، ولا محالةَ أنه كان فيهم المؤمنُ والمنافق والمُجِدُّ والكسلان، وفي الحديث: ((من غشنا فليس منَّا))(٥)، أي: لیس من أصحابنا ولا على طريقتِنا وهَدْينا. قال: إذا حاولتَ في أسَد فجوراً فإِنِّي لستُ منك ولستَ مِنِّي(٦) وهذا مَهْيَع (٧) في كلام العرب، يقول الرجل لابنه إذا سلك غيرَ أسلوبه: لست مِنِّي. (١) النكت والعيون ٣١٨/١. (٢) انظر تفسير الرازي ١٩٢/٦، والمحرر الوجيز ٣٣٥/١. وسيذكر المصنف قصة عبد الله بن حُذافة بتمامها عند تفسير الآية ٥٩ من سورة النساء. (٣) المحرر الوجيز ٣٣٥/١. (٤) أخرجه الطبري ٤٨٢/٥ . (٥) قطعة من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٩٣٩٦)، ومسلم (١٠١). (٦) قائله النابغة الذبياني، والبيت في ديوانه ص١٢٣، والكتاب ١٨٦/٤. (٧) قوله: مَهْيَع أي: بَيِّن. القاموس (هيع).