النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سورة البقرة : الآية ٢٣٩ الخامسة: قال أبو حنيفة: إن القتال يفسد الصلاة. وحديثُ ابن عمر يردُّ عليه، وظاهرُ الآية أقوى دليلٍ عليه(١)، وسيأتي هذا في ((النساء)) إن شاء الله تعالى. قال الشافعيُّ: لما رخّص تبارك وتعالى في جواز تَرْكِ بعض الشروط، دلَّ ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها، والله أعلم (٢). السادسة: لا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعيِّ وجماعةٍ من العلماء، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرُهما: يصلِّي ركعة إيماء(٣)؛ روى مسلم(٤) عن بُكَير بن الأَخْتَس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: فرضَ الله الصلاة على لسان نبيِّكم(٥) في الحَضَر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً. قال ابن عبد البرّ(٦): انفرد به بكير بن الأخْنَس، ولیس بحجةٍ فیما ینفرد به، والصلاةُ أوْلى ما احتِيط فيه، ومَن صلَّى ركعتين في خوفه وسفره خرج من الاختلاف إلى اليقين. وقال الضخَّاك بنُ مُزاحم: يصلِّي صاحبُ خوفِ الموت في المُسَايفة وغيرِها ركعةً، فإن لم يقدر فليكبِّر تكبيرتين. وقال إسحاق بن راهويه: فإن لم يقدِر إلَّا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه، ذكره ابن المنذر(٧). وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلََّكُمْ﴾ أي: ارجعوا إلى ما (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٢٨/١، وحديث ابن عمر أخرجه مالك في الموطأ ١٨٤/١، والبخاري (٤٥٣٥)، ومسلم (٨٣٩) وسيأتي لفظه والكلام عليه في سورة النساء في تفسير الآية: ١٠٢. وقد ذكر ابن العربي موضع استدلاله بالحديث، وهو قوله وَله: ((فإن كان خوف أكثر من ذلك صلَّوا قياماً وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها)). (٢) ينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ٢١٩/١. (٣) المحرر الوجيز ٣٢٥/١. (٤) صحيح مسلم (٦٨٧)، وهو عند أحمد (٢١٢٤). (٥) في (د) و(ز) و(م): على لسان رسول الله وَّز، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في المصادر. (٦) التمهيد ٢٧٣/١٥. (٧) المحرر الوجيز ٣٢٥/١. ٢٠٢ سورة البقرة : الآية ٢٣٩ أُمرتم به من إتمام الأركان. وقال مجاهد: ((أمِنْتُمْ)): خرجتُم من دار السفر إلى دار الإقامة. وردّ الطبريُّ على هذا القول. وقالت فرقة: (أَمِنْتُمْ)): زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة(١). السابعة: واختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا أمِن؛ فقال مالك: إن صلَّى ركعةً آمناً ثم خاف، رَكِبَ وبَنَى، وكذلك إن صلَّى ركعة راكباً وهو خائفٌ ثم أمِن، نزل وبَنَى؛ وهو أحد قولي الشافعيِّ، وبه قال المزنيُّ. وقال أبو حنيفة: إذا افتتح الصلاةً آمناً ثم خاف، استقبل ولم يَبْن، فإن صلَّى خائفاً ثم أمِن، بَنَّى. وقال الشافعيُّ: يَبْني النازلُ ولا يبني الراكب. وقال أبو يوسف: لا يبني في شيءٍ من هذا كلِّه(٢). الثامن: قوله تعالى: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ﴾ قيل: معناه اشكروه على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاةَ التي وقع بها الإجزاء، ولم تَفُتْكم صلاةٌ من الصلوات، وهو الذي لم تكونوا تعلمونه(٣). فالكافُ في قوله: ((كما)) بمعنى الشكر؛ تقول: افعل بي كما فعلتُ بك كذا مكافأةً وشكراً. و((ما)) في قوله: (مَا لَمْ)) مفعولة بـ ((عَلَّمَكُمْ)). التاسعة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: الصلاة أصلُها الدعاء، وحالةُ الخوف أولى بالدعاء، فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف، فإذا (٤) لم تسقط الصلاة بالخوف فأخْرَى أَلَّا تسقطَ بغيره من مرض أو نحوِه، فأمَر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات في كلِّ حالٍ من صحة أو مرض، وحَضَرٍ أو سفر، وقدرةٍ أو عجز، وخوفٍ أو أمن، لا تسقطٌ عن المكلَّف بحال، ولا يتطرّق إلى فَرْضيَّتها اختلال(٥). وسيأتي بيانُ حكم المريض في آخر ((آل عمران))(٦) إن شاء الله تعالى. (١) المحرر الوجيز ٣٢٥/١، وقول مجاهد وردّ الطبري عليه في تفسيره ٣٩٥/٥-٣٩٦. (٢) التمهيد ٢٨٤/١٥-٢٨٥. (٣) المحرر الوجيز ٣٢٥/١. (٤) في (خ) و(ظ): وإذا . (٥) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٢٢٧. (٦) عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (١٩١). ٢٠٣ سورة البقرة : الآية ٢٤٠ والمقصود من هذا أن تُفعل الصلاةُ كيفما (١) أمكن، ولا تسقطُ بحال، حتى لو لم يتَّفق فعلُها إلَّا بالإشارة بالعين، لزم فِعْلُها، وبهذا تميَّزت عن سائر العبادات، [فإن العبادات] كلَّها تسقطً بالأعذار ويُترخَّص فيها بالرخص. قال ابن العربيّ(٢): ولهذا قال علماؤنا - وهي مسألة عُظْمَى -: إن تارك الصلاة يقتل؛ لأنها أَشبهت الإيمانَ الذي لا يسقط بحال، وقالوا فيها: إحدى دعائم الإسلام، لا تجوز النيابة عنها(٣) بيدَنٍ ولا مال، فيُقتل تاركها، أصلُه الشهادتان. وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في ((براءة))(٤) إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَّرُونَ أَزْوَبًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِىّ أَنفُسِهِنَ مِن مَّعْرُوفٍ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ® فيه أربع مسائل : الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوًَا﴾ ذهب جماعةٌ من المفسرين في تأويل هذه الآية: أنَّ المتوفَّى عنها زوجُها كانت تجلس في بيت المتوفَّى عنها حولاً، ويُنفَق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جُناحٌ في قطع النفقة عنها؛ ثم نُسخ الحولُ بالأربعة الأشهر والعشر، ونُسخت النفقةُ بالرُّبُع والثُّمن في سورة ((النساء)»(٥). قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد والربيع(٦). وفي السُّكْنَى خلافٌ للعلماء، روى البخاريُّ عن ابن الزبير قال: قلتُ لعثمان: هذه الآيةُ التي في ((البقرة)): ﴿وَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَبًا﴾ إلى قوله: (١) في النسخ: كيف، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن ١/ ٢٢٨. (٢) أحكام القرآن ٢٢٨/١، وما سلف بين حاصرتين منه. (٣) في أحكام القرآن: فيها. (٤) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَّوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ الآية: [٥]. (٥) الآية: ١٢. (٦) المفهم ٢٨٧/٤، وأخرج الأخبار المذكورة الطبري ٤٠٠/٥-٤٠٣. ٢٠٤ سورة البقرة : الآية ٢٤٠ ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ قد نسختها الآية الأخرى، فلمَ تكتُّبُها؟ قال: تدعها يا ابن أخي! لا أغيِّر شيئاً منه من مكانه(١). وقال الطبريُّ(٢) عن مجاهد: إن هذه الآية محكّمةٌ لا نَسْخَ فيها، والعِدَّة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشراً، ثم جعل الله لهن وصِيةً منه سُكْنَى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيّتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله عز وجل: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ . قال ابن عطية(٣): وهذا كلُّه قد زال حكمه بالنسخ المثَّفق عليه، إلَّا ما قوَّله الطبريُّ مجاهداً رحمهما الله تعالى، وفي ذلك نظرٌ على الطبري. وقال القاضي عياض: والإجماع منعقدٌ على أن الحول منسوخ، وأن عِدَّتها أربعةُ أشهر وعشرٌ (٤). قال غيره: معنى قوله ((وَصِيَّةً)): أي: من الله تعالى، تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيوت سنَةً، ثم نُسخ. قلت: ما ذكره الطبريُّ عن مجاهد صحيحٌ ثابت؛ خرَّج البخاريُّ(٥) قال: حدَّثنا إسحاق، قال: حدَّثنا رَوْح، قال: حدَّثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: ﴿وَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ قال: كانت هذه العِدَّة، تعتدّ عند أهل زوجها واجب (٦)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَّدَرُونَ أَزْوَبًا﴾ إلى (١) صحيح البخاري (٤٥٣٦)، وفي الرواية: (٤٥٣٠): فلِمَ تكتبها - أو: تدعها _؟ قال: يا ابن أخي لا أغير ... قال الحافظ في الفتح ١٩٤/٨ :... في جواب عثمان هذا دليل على أن ترتيب الآي توقيفي، وكأن عبد الله بن الزبير ظن أن الذي ينسخ حكمه لا يكتب، فأجابه عثمان بأن ذلك ليس بلازم، والمتبع فيه التوقف. (٢) تفسير الطبري ٤٠٥/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢٦/١. (٣) المحرر الوجيز ٢٢٦/١. (٤) المفهم ٤/ ٢٨٧، والذي وقفنا عليه في إكمال المعلم ٦٩/٥ من قول القاضي: وأكثر العلماء على أن آية الأربعة أشهر وعشر ناسخة لها (أي للآية التي فيها ذكر الحول) وهو مما تأخر منسوخه في التلاوة في سورة واحدة وتقدم ناسخه. (٥) صحيح البخاري (٤٥٣١). (٦) في (د) و(ز) و(م): واجبة، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المطبوع من صحيح البخاري. ٢٠٥ سورة البقرة : الآية ٢٤٠ قوله: ﴿مِن مَّعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله لها تمام السَّنة سبعةً أشهرٍ وعشرين ليلةً وصيةً، إن شاءت سكنت في وصيَّتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ . إلّا أن القول الأوَّل أظهرُ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما هي أربعةُ أشهر وعَشْرٌ، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحَوْل)» الحديث(١). وهذا إخبارٌ منه وَ﴿ عن حالة المتوفَّى عنهن أزواجُهن قبل ورود الشرع، فلما جاء الإسلام أمرهنَّ الله تعالى بملازمة البيوت حولاً، ثم نُسخ بالأربعة الأشهر والعشر، هذا - مع وضوحه في السُّنة الثابتة المنقولة بأخبار الآحاد [العُدول] - إجماعٌ من علماء المسلمين لا خلاف فيه؛ قاله أبو عمر(٢)، قال: وكذلك سائر الآية، فقولُه عز وجل: ﴿وَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَّرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ منسوخٌ كلُّه عند جمهور العلماء في(٣) نسخ الوصية بالسُّكنى للزوجات في الحول، إلا روايةً شاذَّة مهجورة جاءت عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد لم يُتابَع عليها، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحدٌ من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من(٤) [العلماء] الخالفين(٥) فيما علمتُ، وقد رَوى ابن جُرَيْج عن مجاهد مثلَ ما عليه الناس (٦)، فانعقد الإجماع وارتفع الخلاف، وبالله التوفيق. (١) أخرجه البخاري (٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٨)، وهو بنحوه عند أحمد (٢٦٥٠١) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. قال الحافظ في الفتح ٩/ ٤٩٠: اختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدة رميَ البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه، لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها، استحقاراً له وتعظيماً لحقّ زوجها، وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم عَوْدِها إلى مثل ذلك. (٢) الاستذكار ٢٢٥/١٨، وما بین حاصرتین منه. (٣) في النسخ: ثم، والمثبت من الاستذكار. (٤) قوله: من، ليس في (م). (٥) قوله: المخالفين، ليس في (م)، ووقع في باقي النسخ: المخالفين، وهو خطأ، والمثبت من الاستذكار. (٦) ذكره في الاستذكار ٢٢٧/١٨ عن ابن جريج، قال مجاهد: وصية لأزواجهم سكنى الحول، ثم نسخ. . ٢٠٦ سورة البقرة : الآية ٢٤٠ الثانية: قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةٌ﴾ قرأ نافع وابن كثير والكسائيُّ وعاصم في رواية أبي بكر: ((وصيةٌ)) بالرفع (١) على الابتداء، وخبرُه: ﴿لِأَزْوَجِهِمْ﴾. ويُحتمل أن يكون المعنى: عليهم وصيةٌ، ويكون قوله: (لِأَزْواجِهم)) صفةً(٢)، قال الطبريُّ(٣): قال بعض النحاة: المعنى كُتبت عليهم وصيةٌ (٤)، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود(٥) . وقرأ أبو عمرو وحمزةُ وابن عامر: ((وصيةً» بالنصب(٦)، وذلك حملٌ على الفعل، أي: فليُوصُوا وصيةً. ثم الميتُ لا يوصي، ولكنه أراد إذا قَرُبوا من الوفاة، و((لِأَزْوَاجِهِمْ)) على هذه القراءة أيضاً: صفة(٧). وقيل: المعنى أوصى الله وصية. ((مَتَاعاً)) أي: متِّعوهنَّ متاعاً، أو جعل الله لهنَّ ذلك متاعاً، لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون نصباً على الحال، أو بالمصدر الذي هو الوصية، كقوله: ﴿أَوْ إِعَهُ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْفَبَكِ ( يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ -١٥]. والمتاعُ هاهنا نفقةُ سَنَتِها (٨). الثالثة: قوله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ معناه: ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجُها. و((غيرَ)) نصبٌ على المصدر عند الأخفش(٩)، كأنه قال: لا إخراجاً. وقيل: نُصب لأنه صفةُ المتاع. وقيل: نُصب على الحال من الموصين، أي: متّعوهنَّ غيرَ مُخْرَجَات. وقيل: بنزع الخافض، أي: من غير إخراج(١٠). (١) السبعة ص١٨٤، والتيسير ص ٨١. (٢) المحرر الوجيز ٣٢٥/١. (٣) تفسير الطبري ٣٩٧/٥، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢٥/١. (٤) وقع بعده في النسخ غير (ظ): ((ويكون قوله: ((لأزواجهم)) صفة)). ولم ترد هذه العبارة في تفسير الطبري ولا في المحرر الوجيز، والكلام منه، وقد سلفت هذه العبارة قبل سطر، فلعل تكرارها لسبق نظر من بعض النُّسَّاخِ. (٥) القراءات الشاذة لا بن خالويه ص١٥ . (٦) وفي قراءة عاصم في رواية حفص. انظر السبعة ص١٨٤، والتيسير ص ٨١. (٧) المحرر الوجيز ٣٢٥/١-٣٢٦. (٨) ينظر تفسير البغوي ٢٢٢/١، وتفسير الرازي ١٦٨/٦. (٩) معاني القرآن ٢٧٥/١، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢٦/١. (١٠) هذا قول الفراء في معاني القرآن ١٥٦/١، وانظر إعراب القرآن للنحاس ٣٢٣/١، وتفسير الرازي ١٦٩/٦. ٢٠٧ سورة البقرة : الآيتان ٢٤١، ٢٤٢ الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ الآية. معناه: باختيارهنَّ قبل الحول. ﴿فَلَا ◌ُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا حرجَ على أحدٍ، وليٍّ أو حاكم أو غيره؛ لأنه لا يجب عليها المُقام في بيت زوجها حَوْلًا. وقيل: أي: لا جُناحَ في قطع النفقة عنهن، أو لا جُناحَ عليهن في التشوُّف إلى الأزواج، إذ قد انقطعت عنهن مراقبتُكم أيها الورثةُ، ثم عليها ألَّ تتزوَّج قبل انقضاء العِدَّة بالحول. أو لا جُناح في تزويجهنَّ بعد انقضاء العدة؛ لأنه قال: ﴿مِن مَّعْرُوفٍ﴾ وهو ما يوافق الشرع(١). ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ صفةٌ تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحدَّ في هذه النازلة، فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج. ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: مُحْكِمٌ لما يريد من أمور عباده(٢). قوله تعالى: ﴿وَلْمُطَلَّقَتِ مَتٌَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَِّينَ (٨) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اَللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ اختلف الناس في هذه الآية؛ فقال أبو ثور: هي مُحكمةٌ، والمُتْعَةُ لكلِّ مطلَّقة، وكذلك قال الزُّهريُّ: حتى الأَمَةِ(٣) يطلِّقها زوجها. وكذلك قال سعيد بن جبير: لكلِّ مطلَّقة متعة. وهو أحد قولي الشافعيّ لهذه الآية(٤). وقال مالك: لكلِّ مطلَّقةٍ - اثنتين أو واحدة، بَنَى بها أم لا، سَمَّى لها صداقاً أم لا - المتعةُ، إلَّا المطلقةَ قبل البناء وقد سمَّى لها صداقاً، فحسبُها نصفُه، ولو لم يكن سمَّى لها كان لها المتعةُ، كانت(٥) أقلّ من صداق المثل أو أكثر، وليس لهذه المتعة حدٌّ؛ حكاه عنه ابن القاسم (٦). (١) ينظر المحرر الوجيز ٣٢٦/١، وتفسير البغوي ٢٢٢/١، وتفسير ابن الجوزي ٢٨٦/١. (٢) في (ز) و(ظ): محكم لما يريد به عباده، وفي المحرر ٣٢٦/١ (والكلام منه): محكم لما يأمر به عباده. (٣) في (م): للأمة. (٤) المحرر الوجيز ٣٢٦/١-٣٢٧، وخبرا الزهري وسعيد بن جبير أخرجهما الطبري ٤١٠/٥-٤١١. (٥) قوله: كانت، ليس في (م). (٦) بنحوه في المدونة ٣٣١/٢-٣٣٤، ونقل فيها أيضاً ابن القاسم عن مالك: ولا يجبر على المتاع في قول مالك أحد. ٢٠٨ سورة البقرة : الآيتان ٢٤١، ٢٤٢ وقال ابن القاسم في إرْخَاء السُّتُور من المدوَّنة(١): جعل الله تعالى المتاع(٢) لكلِّ مطلَّقة بهذه الآية، ثم استثنى في الآية الأخرى التي قد فرض لها ولم يدخل بها، فأخرجها من المتعة، وزعم ابن زيد(٣) أنها نَسَخَتها. قال ابن عطية(٤): ففرَّ ابن القاسم من لفظ النسخ إلى لفظ الاستثناء، والاستثناءُ لا يتَّجه في هذا الموضع، بل هو نسخٌ مَخْضٌ كما قال زيد بن أسلم، وإذا التزم ابن القاسم أن قوله: ((ولِلْمُطَلَّقَاتِ)) يعُمُّ كلَّ مطلقة، لزمه القولُ بالنسخ ولا بدَّ. وقال عطاء بن أبي رباح وغيره: هذه الآية في التُّيَّب(٥) اللواتي قد جُومِعْن. إذْ قد(٦) تقدَّم في غير هذه الآية ذكرُ المتعة للَّواتي لم يُدخَل بهنَّ. فهذا قولٌ بأن التي قد فُرض لها قبل المَسِيس لم تدخل قظُ في العموم. فهذا يجيءُ على أن قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ﴾ مخصّصةٌ لهذا الصِّنف من النساء، ومتى قيل: إن هذا العمومَ تناولها، فذلك نسخٌ لا تخصيص. وقال الشافعيُّ في القول الآخر: إنه لا متعةَ إلا للَّتي طلِّقت قبل الدخول وليس ثمَّ مَسِيسٌ ولا فرض(٧)؛ لأن من استحقَّت شيئاً من المهر لم تَحْتَجْ في حقٌّها إلى المتعة. وقولُ الله عز وجل في زوجات النبيِّي وَلّهِ: ﴿فَعَالَيْنَ أُمَتِمَّكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] محمول على أنه تطوُّعٌ من النبيِّ وَّه لا وجوب له. وقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا فَيَتِعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] محمولٌ على غير المفروضة أيضاً؛ قال الشافعيُّ: والمفروضُ لها المهرُ إذا طُلِّقت قبل المسيس لا مُتْعَةً لها؛ لأنها أخذت نصف المهر من غير جريانٍ وَظْءٍ، والمدخولُ بها إذا طلِّقت فلها المتعة؛ لأن المهر يقع في مقابلة الوطء، والمتعةُ بسبب الابتذال بالعقد. وأوجب الشافعيُّ المتعة (١) ٣٣٢/٢، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢٧/١. (٢) في (خ) و(د) و(ز) و(م): المتعة، والمثبت من (ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز. (٣) في المحرر الوجيز: وزعم زيد بن أسلم. (٤) المحرر الوجيز ٣٢٧/١. (٥) في (م): الثبات. (٦) قوله: قد، من (ظ) وليس في باقي النسخ، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز. (٧) ينظر الاستذكار ٢٨٥/١٧. ٢٠٩ سورة البقرة : الآية ٢٤٣ للمخْتَلِعة والمبَارِئة. وقال أصحاب مالك: كيف يكون لِلمِفْتدِيَةِ مُتْعَةٌ وهي تعطي، فكيف تأخذ متاعاً! لا متعةَ لمختارةِ الفراقِ من مختلِعة أو مفتدِية أو مبارِئة أو مصالِحة أو ملاعِنة، أو معتَقَة تختار الفراق، دخل بها أم لا، سمَّى لها صداقاً أم لا، وقد مضى هذا مبيّناً (١). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُفُ حَذَرَ أَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَخْيَهُمَّ إِنَ اَللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَّرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ٤٣ فيه ستُّ مسائل: الأولى: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هذه رؤيةُ القلب بمعنى: أَلَمْ تعلم. والمعنى عند سيبويه: تَنَبَّ إلى أمر الذين. ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين(٢). وقرأ أبو عبد الرحمن السلميُّ: ((أَلَمْ تَرْ)) بجزم الراء(٣)، وحُذفت الهمزة حذفاً من غير إلقاء حركةٍ، لأن الأصل: ألم تَرْءَ. وقصة هؤلاء أنهم قومٌ من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، وكانوا بقرية يقال لها : (داوَزْدان))(٤)، فخرجوا منها هاربين فنزلوا وادياً، فأماتهم الله تعالى. قال ابن عباس: كانوا أربعة آلافٍ خرجوا فراراً من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضاً ليس بها موت، فأماتهم الله تعالى، فمرَّ بهم نبيٌّ، فدعا الله تعالى فأحياهم(٥). وقيل: إنهم ماتوا ثمانية أيام. وقيل: سبعة، والله أعلم. قال الحسن: أماتهم الله قبل آجالهم عقوبةً لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم. وقيل: إنما فعل ذلك بهم مُعجزةً لنبيٍّ من أنبيائهم، قيل: كان اسمه شَمْعُون. (١) ص ١٦٢ - ١٦٣. (٢) المحرر الوجيز ٣٢٧/١. (٣) القراءات الشاذة لابن خالويه ص ١٥، والمحتسب ١٢٨/١. (٤) داوَزْدان: بفتح الواو، وسكون الراء، وآخره نون: من نواحي شرقي واسط بينهما فرسخ. معجم البلدان ٢ / ٤٣٤. (٥) أخرجه الطبري ٤١٤/٥. ٢١٠ سورة البقرة : الآية ٢٤٣ وحكى النقَّاش أنهم فَرُّوا من الحُمَّى. وقيل: إنهم فرُّوا من الجهاد لمَّا أمرهم الله به على لسان حِزْقيل النبيِّ عليه السلام، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فراراً من ذلك، فأماتهم الله ليعرِّفهم أنه لا ينجِّيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ قاله الضحاك(١). قال ابن عطية (٢): وهذا القَصَصُ كلُّه لَيِّنُ الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيَّه محمداً ﴿﴿ إخباراً في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم؛ ليَرَوْهم وكلُّ مَن خلَف مِن بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره، فلا معنى لخوفٍ خائفٍ، ولا لاغترار مُغترٌّ. وجعل الله هذه الآية مقدِّمةً بين يدي أمرِه المؤمنين من أمة محمد * بالجهاد، هذا قولُ الطبريِّ، وهو ظاهر رصف(٣) الآية. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ أُلُونُ﴾ قال الجمهور: هي جمعُ ألفٍ. قال بعضهم: كانوا ستَّ مئةٍ ألف. وقيل: كانوا ثمانين ألفاً. ابن عباس: أربعين ألفاً. أبو مالك: ثلاثين ألفاً. السُّدِّيُّ: سبعةً وثلاثين ألفاً. وقيل: سبعين ألفاً؛ قاله عطاء بن أبي رياح. وعن ابن عباس أيضاً: أربعين ألفاً وثمانية آلاف؛ رواه عنه ابن جُريج. وعنه أيضاً: ثمانية آلاف، وعنه أيضاً: أربعة آلاف، وقيل: ثلاثة آلاف(٤). والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ أَلُونُ﴾ وهو جمع الكثرة، ولا يُقال في عشرة فما دونها ألوف(٥) . وقال ابن زيد في لفظة ((ألوف)): إنما معناها: وهم مُؤْتَلِفُون، أي: لم تُخرجهم فُرقةُ قومهم، ولا فتنةٌ بينهم، إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة، فخرجت (١) المحرر الوجيز ٣٢٧/١-٣٢٨، وعرائس المجالس ص ٢٥٣. (٢) المحرر الوجيز ٣٢٨/١. (٣) في النسخ: وصف، والمثبت من (م)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز، وقولُ الطبري في التفسير ٤٢٥/٥. (٤) المحرر الوجيز ٣٢٨/١، وتفسير الطبري ٤١٤/٥-٤١٩ . (٥) تفسير الطبري ٤٢٣/٥-٤٢٤. ٢١١ سورة البقرة : الآية ٢٤٣ فراراً من الموت وابتغاءَ الحياة بزعمهم، فأماتهم الله في مَنْجاهم بزعمهم(١). فألوف على هذا جمع آلِفٍ، مثل جالس وجلوس(٢). قال ابن العربيّ(٣): أماتهم الله تعالى عقوبةً لهم ثم أحياهم؛ وميتةُ العقوبة بعدها حياةٌ، وميتة الأجل لا حياةً بعدها . قال مجاهد: إنهم لمَّا أُحيُوا رجعوا إلى قومهم يُعرَفون، لكن سَحْنَة الموت على وجوههم، ولا يلبس أحد منهم ثوباً إلا عاد كفناً دَسِماً، حتى ماتوا لآجالهم التي كُتبت لهم. ابن جُريج عن ابن عباس: وبقيت الرائحة على ذلك السِّبْط من بني إسرائيل إلى اليوم(٤). ورُوي أنهم كانوا بواسط العراق. ويقال: إنهم أحيوا بعد أن أنتنوا؛ فتلك الرائحة موجودةٌ في نَسْلهم إلى اليوم. الثانية: قوله تعالى: ﴿حَذَّرَ الْمَوْتِ﴾ أي: لحذر الموت؛ فهو نصب لأنه مفعولٌ له. و﴿مُوتُوا﴾ أمرُ تكوين، ولا يَبْعُد أن يقال: نودوا وقيل لهم: موتوا. وقد حُكي أن مَلَكين صاحا بهم: موتوا، فماتوا، فالمعنى: قال لهم الله بواسطة الملكين: ﴿مُوتُوا﴾(٥)، والله أعلم. الثالثة: أصحُّ هذه الأقوال وأَبْيَنُها وأشهرُها أنهم خرجوا فراراً من الوَباءِ(٦)؛ رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرجوا فراراً من الطاعون فماتوا، فدعا الله نبيّ من الأنبياء أن يُحببهم حتی یعبدوه فأحياهم الله. وقال عمرو بن دينار في هذه الآية: وقع الطاعون في قريتهم، فخرج أناس (١) المحرر الوجيز ٣٢٨/١، وأخرجه الطبري ٤٢٠/٥. وذكر الطبري بأن الحجة أجمعوا على أن خروجهم کان فراراً: إما من الجهاد، وإما من الطاعون، قال: ولا یعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين. (٢) ويجمع آلف أيضاً على: أُلَّاف، مثل كافر وكفار. اللسان (ألف). (٣) أحكام القرآن ١/ ٢٢٨. (٤) المحرر الوجيز ٣٢٨/١، وأخرج الطبري ٥/ ٤١٧-٤١٨ خبري مجاهد وابن عباس. (٥) المحرر الوجيز ٣٢٨/١. (٦) أحكام القرآن لابن العربي ٢٢٨/١. ٢١٢ سورة البقرة : الآية ٢٤٣ وبقي أناس، ومَن خرج أكثرُ ممن بقي، قال: فنجا الذين خرجوا، ومات الذين أقاموا، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلَّا قليلاً، فأماتهم الله ودوابَّهم، ثم أحیاهم، فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذرِّیتهم. وقال الحسن: خرجوا حذاراً من الطاعون، فأماتهم الله ودوابَّهم في ساعة واحدة، وهم أربعون ألفاً(١). قلت: وعلى هذا تترتَّب الأحكام في هذه الآية. فروى الأئمة - واللفظُ للبخاريّ(٢) - من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، أنه سمع أسامة بن زيد يحدِّث سعداً أن رسول الله وَ ﴿ ذكر الوجع فقال: ((رِجْزٌ أَوْ عذابٌ عُذِّب به بعض الأمم، ثم بقي منه بقِيَّةٌ، فيذهب المرَّة ويأتي الأُخرى، فمن سمع به بأرضٍ فلا يُقْدِمَنَّ عليه، ومن كان بأرض وقع بها فلا يَخْرُجْ فِراراً منه)). وأخرجه أبو عيسى الترمذيُّ فقال: حدَّثنا قتيبة، أنبأنا حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد: أن النبيَّ ◌َّ ذكر الطاعون فقال: ((بقيةُ رِجْزٍ أو عذابٍ أُرسِل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع بأرضٍ ولستُم بها فلا تَهْبِطوا عليها)) قال: حديثٌ حسن صحيح(٣). وبمقتضَى هذه الأحاديث عَمِلَ عمر والصحابةُ رضوان الله عليهم لمَّا رجعوا من (سَرْغ)) حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث، على ما هو مشهور في الموطأ وغيره(٤). (١) أخرج قولي عمرو بن دينار والحسن الطبري ٥/ ٤٢٠-٤٢٢. وسلف أثر ابن عباس وأخرجه أيضاً الحاکم ٢٨١/٢ وصححه. (٢) أحمد (٢١٧٥١)، والبخاري (٦٩٧٣)، ومسلم (٢٢١٨)، ووقع في بعض الروايات: الطاعون، بدل: الوجع . (٣) سنن الترمذي (١٠٦٥)، وأخرجه مسلم (٢٢١٨): (٩٥) من هذه الطريق ولم يسق لفظه. (٤) الموطأ ٨٩٦/٢، وأخرجه أيضاً البخاري (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، و((سرغ)) بفتح أوله وسكون ثانيه، ثم غين معجمة - سروغ الكرم: قضبانه الرطبة، الواحد: سَرْغ بالغينِ، والعينُ لغة فيه - وهو أول الحجاز وآخر الشام بين المغيثة وتبوك. معجم البلدان ٢١٢/٣. ٢١٣ سورة البقرة : الآية ٢٤٣ وقد كَرِه قوم الفِرار من الوَبَاء والأرض السقيمة؛ رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الفِرار من الوباء كالفرار من الزَّحْف(١). وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة، وفيها: أنه رجع(٢). وقال الطبريُّ(٣): في حديث سعد دلالةٌ على أن على المرء تَوَقِّيَ المكاره قبل نزولها، وتجنُّبَ الأشياء المَخُوفة قبل هجومها، وأن عليه الصبرَ وتركَ الجزع بعد نزولها، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام نَهى مَن لم يكن في أرض الوَبَاء عن دخولها إذا وقع فيها، ونَهى مَن هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فراراً منه، فكذلك الواجبُ أن يكون حُكْم كلِّ مُتَّقَى من الأمور [المخوفة] غوائلُها(٤)، سبيلُه في ذلك سبيل الطاعون. وهذا المعنى نظير قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تتَمنَّوْا لقاء العدوِّ، وسَلُوا الله العافيةَ، فإذا لَقِيتُمُوهم فاصْبِروا))(٥). قلت: وهذا هو الصحيحُ في الباب، وهو مقتضَى قول الرسول عليه الصلاة والسلام، وعليه عملُ أصحابه البَرَرَةِ الكرام رضي الله عنهم؛ وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجًا عليه لمَّا قال له: أَفراراً من قَدَر الله؟! فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة! نعم نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله. المعنى: أي لا محيصَ للإنسان عما قدَّره الله له وعليه، لكنْ أَمَرَنا الله تعالى بالتحرُّز من المخاوف والهلكات(٦)، وباستفراغ الوُسْع في التَوقِّي من المكروهات(٧). ثم قال له: أرأيتَ لو كانت لك (١) أخرجه الطبري في تهذيب الآثار (الجزء المفقود) (١٢٤)، وروي مرفوعاً؛ أخرجه البخاري في التاريخ الكبير ١٩٨/٢، وإسحاق بن راهويه ٧٧٨/٣، وأخرجه أحمد (٢٥١١٨) بنحوه أطول منه، وسيذكر المصنف قطعة منه عند كلامه عن الطعن والطاعون في المسألة الخامسة. (٢) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢١٩/١، وقصة رجوع عمر من الشام تقدم تخريجها آنفاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٣) تهذيب الآثار (الجزء المفقود) ص٨٤، وما سيرد بين حاصرتين منه. (٤) في النسخ: فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها. والمثبت من تهذيب الآثار. (٥) أخرجه أحمد (١٩١١٤)، والبخاري (٢٩٦٦)، ومسلم (١٧٤٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه. (٦) في (م): والمهلكات. (٧) المفهم ٦١٨/٥. ٢١٤ سورة البقرة : الآية ٢٤٣ إِيلٌ، فهبطَتْ وادياً له عُذْوَتان؛ إحداهما خِصْبة، والأخرى جَدْبَة، أليس إن رَعَيْتَ الخِصْبة رعيتَها بقدر الله، وإن رعيتَ الجَدْبَة رعيتها بقَدَر الله؟! فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة(١). قال الكيا الطبريُ(٢): ولا نعلم خلافاً أن الكفار أو قُطَّاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقةً لأهلها بالقاصدين، فلهم أن يتنخَّوْا من بين أيديهم، وإن كانت الآجال المقدَّرة لا تزيد ولا تنقص. وقد قيل: إنما نُهي عن الفرار منه؛ لأن الكائن بالموضع الذي الوباءُ فيه؛ لعله قد أخذ بحظّ منه، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام، فلا فائدة لفراره، بل يُضِيف إلى ما أصابه من مَبادئ الوباء مَشَقَّاتِ السفر، فيتضاعف الألم(٣)، ويكثر الضرر، فيهلكون بكلِّ طريق، ويُطرحون في كل فَجْوَة ومَضِيق، ولذلك يقال: ما فرَّ أحد من الوباء فَسَلِم؛ حكاه المدائنيُّ(٤). ويكفي في (٥) ذلك موعظةً قولُه تعالى: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُونُّ حَذَرَ أَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اَللَّهُ مُوتُوا﴾، ولعله إن فرَّ ونجا يقول: إنما نجوتُ من أجل خروجي عنه، فيسوءُ اعتقاده. وبالجملة فالفرارُ منه ممنوعٍ لِمَا ذكرناه، ولِمَا فيه من تخلية البلاد، ولا تخلو من مستَضْعَفين يصعب عليهم الخروج منها، ولا يتأتَّى لهم ذلك، ويتأذَّون بخلوِّ البلاد من المياسير الذين كانوا أركاناً للبلاد، ومَعُونَةً للمستضعَفين(٦). (١) هذا جزء من قصة عمر رضي الله عنه في رجوعه من سرغ، وقد تقدم تخريجها آنفاً. قوله: له عدوتان، قال الحافظ في الفتح: بضم المهملة ويكسرها أيضاً وسكون الدال المهملة: تثنية عدوة، وهو المكان المرتفع في الوادي، وهو شاطئه، ووقع في الفتح أيضاً: خصيبة، بدل: خصبة، قال الحافظ: بوزن عظيمة، وحكى ابن التين سكون الصاد بغير ياء. (٢) أحكام القرآن ٢٢٠/١. (٣) في (خ) و(د) و(ز) و(م): فتتضاعف الآلام، والمثبت من (ظ) وهو الموافق لما في المفهم ٦١٣/٥، والكلام منه. (٤) في النسخ: ابن المدائني، والمثبت من التمهيد ٢١٤/٦، وإكمال المعلم ١٣٤/٧. والمدائني هو علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف الأخباري، أبو الحسن، كان عالماً بالفتوح والمغازي والشعر، من مصنفاته: تاريخ الخلفاء، وأخبار قريش، توفي سنة (٢٢٤هـ). السير ٤٠٠/١٠. (٥) في (ظ) والمفهم: من. (٦) أحكام القرآن للكيا الطبري ٢٢٠/١. ٢١٥ سورة البقرة : الآية ٢٤٣ وإذا كان الوباء بأرض، فلا يقدَم عليه أحدٌ، أخذًا بالحَزْم والحَذَر والتحرُّز من مواضع الضرر، ودفْعًا للأوهام المشوِّشة لنفس الإنسان(١)، وفي الدخول عليه الهلاكُ، وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى، فإنَّ صيانة النفس عن المكروه واجبةٌ، وقد يُخاف عليه من سوء الاعتقاد بأن يقول: لولا دخولي في هذا المكان لمّا نَزَل بي مكروه(٢). فهذه فائدة النَّهْي عن دخول أرضٍٍ بها الطاعونُ، أو الخروجِ منها، والله أعلم. وقد قال ابن مسعود: الطاعون فِتْنَةٌ على المقيم والفارِّ؛ أمَّا الفارُّ فيقول: بفراري(٣) نجوتُ، وأمَّا المقيم فيقول: أقمتُ فمتُّ. وإلى نحو هذا أشار مالك حين سُئل عن كراهة النظر إلى المجْذُوم فقال: ما سمعتُ فيه بكراهة، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلَّ خِيفَةَ أن يُفزعَه أو يُخيفَه شيءٌ يقع في نفسه؛ قال النبيُّ ◌َّ في الوباء: ((إذا سمعتُم به في أرضٍ فلا تَقْدَموا عليه، وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه)). وسئل أيضاً عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض، فهل يُكره الخروج منها؟ فقال: ما أرى بأساً، خرج أو أقام(٤). الرابعة: في قوله عليه الصلاة والسلام: ((إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه)). دليلٌ على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه، إذا اعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئَه، وكذلك حكمُ الداخل إذا أيْقَنَ أن دخوله(٥) لا يجلب إليه قَدَراً لم يكن الله قدَّره له؛ فمباحٌ(٦) له الدخولُ إليه والخروج منه على هذا الحدِّ الذي ذكرناه(٧)، والله أعلم. (١) المفهم ٦١٢/٥ . (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢٢٩/١. (٣) في (م): فأما الفار فيقول: فبفراري. (٤) المفهم ٦١٤/٥، وخبر ابن مسعود ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٨/ ٣٧٢ وزاد فيه: وكذباً فر من لم یجئ أجله، وأقام من جاء أجله. أما حديث: ((إذا سمعتم به في أرض ... )) فهو جزء من حديث رجوع عمر رضي الله عنه من سرغ وقد تقدم ص ٢١٢. وأخرجه أحمد (١٦٨٢)، والبخاري (٥٧٣٠)، ومسلم (٢٢١٩) من حديث عبد الله بن عامر عن عبد الرحمن بن عوف. (٥) في (م): دخولها. (٦) في (م): فباح. (٧) ينظر إكمال المعلم ٧/ ١٣٤، والمفهم ٦١٤/٥ . ٢١٦ سورة البقرة : الآية ٢٤٣ الخامسة: في فضل الصبر على الطاعون وبيانه: الطاعونُ وزنه فاعول من الطَّعْن، غيرَ أنه لمَّا عُدِل به عن أصله وُضع دالاً على الموت العام بالوباء؛ قاله الجوهري(١). ويُروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَ له قال: ((فَنَاءُ أمتي بالطّعْن والطاعون)). قالت: الطعنُ قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: ((غُدَّةٌ كغدَّة البعير تخرج في المَرَاقٌ والآباط))(٢). قال العلماء(٣): وهذا الوَباء قد يُرسله الله نِقْمَةً وعُقوبةً على من يشاء من عُصَاة عبيده وكَفَرَتهم، وقد يُرسله شهادةً ورحمةً للصالحين؛ كما قال معاذٌ في طاعون عَمَوَاس(٤): إنه شهادةٌ ورحمة لكم ودعوةُ نبيِّكم، اللهم أَغْطِ معاذاً وأهلَه نصيبهم من رحمتك. فطُعن في كفِّه رضي الله عنه. قال أبو قِلابةً: قد عرفتُ الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوةٌ نبيكم؟ فسألتُ عنها فقيل: دعا عليه الصلاة والسلام أن يُجعل فَناءُ أمته بالطعن والطاعون، حين دعا ألَّا يُجعل بأسُ أمته بينهم فمُنِعَها فدعا بهذا(٥). (١) المفهم ٦١١/٥. ولم نقف على قول الجوهري. (٢) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢٥٧/١٢، وهو بنحوه عند أحمد (٢٥١١٨). وتقدمت الإشارة إليه عند تخريج حديث عائشة: الفار من الوباء كالفار من الزحف ص ٢٠٠، والمراقُّ بتشديد القاف: ما رقَّ من أسفل البطن ولان. النهاية ٣٢١/٤. (٣) المفهم ٦١١/٥ -٦١٢. (٤) رواه الزمخشري بكسر أوله وسكون الثاني، ورواه غيره بفتح أوله وثانيه، وهي كورة من فلسطين بالقرب من بيت المقدس. معجم البلدان ٤/ ١٥٧ . (٥) أخرجه أحمد (٢٢١٣٦)، والطبري في تهذيب الآثار ص٨٩، وفيه عند أحمد أن رسول الله ێ حين دعا ربه ألَّا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها قال: ((حمَّى إذاً أو طاعونا)) وفي رواية الطبري: ((فحمَّى إذاً وطاعوناً)). أما لفظ الطعن والطاعون في حديث أبي قلابة فيبدو أن المصنف قد نقله عن أبي العباس في المفهم ٦٠٢/٥ . قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣١١/٢: أبو قلابة لم يدرك معاذ بن جبل. وأخرج أحمد (١٩٧٤٤) عن أبي موسى الأشعري عن النبي والله قال: ((اللهم اجعل فناء أمتي في الطاعون)). وأخرج أحمد (١٥٦٠٨)، والحاكم ٩٣/٢ عن أبي بردة بن قيس أخي أبي موسى قال: قال رسول الله وَله: ((اللهم اجعل فناء أمتي في سبيلك بالطعن والطاعون)). وصححه الحاكم، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٣١٢: رجال أحمد ثقات. وانظر بذل الماعون في فضل الطاعون للحافظ ابن حجر ص ١١٧ . = ٢١٧ سورة البقرة : الآية ٢٤٣ ويُروى من حديث جابر وغيره عن النبيِّ وَّهو أنه قال: ((الفارُّ من الطاعون كالفارِّ من الزَّحْف، والصابرُ فيه كالصابر في الزحف))(١). وفي البخاري(٢)، عن يحيى بن يَعْمَر، عن عائشة: أنها أخبرته أنها سألت رسول الله وَّر عن الطاعون، فأخبرها نبيُّ الله وَليقول: ((أنه كان عذاباً يبعثه(٣) الله على من يشاء، فجعله الله رحمةً للمؤمنين، فليس من عبد يَقَع الطاعونُ، فيمكثُ في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلَّا ما كَتَبَ الله له إلا كان له مِثْلُ أجرٍ شهيد (٤)). وهذا تفسيرٌ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الطاعونُ شهادةً)) و((المطعونُ شهيد)»(٥). أي: الصابرُ عليه المحتسِبُ أجرَه على الله، العالمُ أنه لن يصيبه إلَّا ما كَتَبَ الله علیه، ولذلك تَمَتَّى معاذٌ أن يموت فيه لعلمه أن مَن مات(٦) فهو شهيد. وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفرَّ منه، فليس بداخل في معنى الحديث، والله أعلم. السادسة: قال أبو عمر (٧): لم يبلغني أن أحداً من حَمَلة العلم فرَّ من الطاعون = قال أبو العباس القرطبي: وبيانه أن مراد النبي ول# بأمته المذكورة في الحديث إنما هم أصحابه؛ لأنه ◌َ ﴿ دعا لجميع أمته ألا يهلكهم بسَنَة عامة ولا بتسليط أعدائهم عليهم، فأجيب إلى ذلك ... فتعين أن يصرف الأول إلى أصحابه؛ لأنهم هم الذين اختار الله لمعظمهم الشهادة بالقتل في سبيل الله، وبالطاعون الذي وقع في زمانهم، فهلك به بقيتهم. قال ابن حجر في بذل الماعون ص١٢٩: والحق أن أصل الدعوة للصحابة، ولا يمانع من إلحاق غيرهم بهم في الفضل المذكور. (١) أخرجه أحمد (١٤٤٧٨). وفي إسناده عمرو بن جابر الحضرمي، وهو ضعيف كما ذكر الحافظ في التقريب. وله شاهد من حديث عائشة وقد سلف في المسألتين الثالثة والخامسة. (٢) صحيح البخاري (٣٤٧٤)، وهو عند أحمد (٢٤٣٥٨). (٣) في النسخ: يضعه، والمثبت من (م) وهو الموافق للمصادر. (٤) في (م): الشهيد، وهو موافق لبعض روايات الحديث. (٥) قوله: ((الطاعون شهادة)) جزء من حديث أخرجه أحمد (٨٠٩٢) ومسلم (١٩١٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه أحمد (١٢٥١٩)، والبخاري (٥٧٣٢)، ومسلم (١٩١٦) من حديث أنس رضي الله عنه. وقوله: ((والمطعون شهيد)) جزء من حديث أخرجه أحمد (١٠٧٦٢)، والبخاري (٥٧٣٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٦) في (خ) و(ز): إن مات. (٧) التمهيد ٢١٤/٦-٢١٥، وما سيرد بين حاصرتين منه. ٢١٨ سورة البقرة : الآية ٢٤٤ إلَّا ما ذكره المدائني(١) أن عليَّ بنَ زيد بن جُذْعان(٢) هرب من الطاعون إلى السَّيَالة(٣) فكان يُجَمِّع كلَّ جمعةٍ ويرجع؛ فكان إذا جَمَّع صاحوا به: فرَّ من الطاعون! [فطُعن] فمات بالسَّيّالة. قال: وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد إلى الرباطية، فقال إبراهيم بن عليّ الفُقَيْميُّ في ذلك: ولمَّا استفزَّ الموتُ كلَّ مکذِّبٍ صَبَرْتُ ولم يصبر رباطٌ ولا عَمْرو(٤) وذكر أبو حاتم عن الأصمعيِّ قال: هرب بعض البَصْريِّين من الطاعون، فركب حماراً له ومضى بأهله نحو ((سَفَوَان»(٥) فسمع حادِياً يَحْدُو خلفه: ولا على ذي مَنْعةٍ طيَّارِ لن يُسبَقَ الله على حمارٍ قد يُصبح الله أمام السَّاري(٦) أو يأتيَ الحَتْفُ على مقدار وذكر المدائنيُّ قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مَرْوَان، فخرج هارباً منه، فنزل قرية من قُرى الصعيد يقال لها ((سُكّر))(٧). فقدم عليه حين نزلها رسولٌ لعبد الملك بن مروان. فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ قال(٨): طالب بنُ مُذْرِك. فقال: أَوَّه! ما أرَاني راجعاً إلى الفُسْطاط! فمات في تلك القرية(٩). قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ٢٢٤٤ هذا خطابٌ لأمة محمدٍ وَّله بالقتال في سبيل الله، في قول الجمهور، وهو (١) في النسخ: ابن المدائني، وقد سلفت الإشارة إليه ص ٢١٤. (٢) القرشي التيمي البصري الأعمى، وكنيته أبو الحسن، توفي سنة (١٣١ هـ). السير ٢٠٦/٥. (٣) السيالة: أرض يطؤها طريق الحاج، قيل: هي أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة. معجم البلدان ٢٩٢/٣. (٤) ذكره ابن عبد البر في التمهيد ٢١٥/٦. (٥) بفتح أوله وثانيه، ماء على قدر مرحلة من باب المربد بالبصرة. معجم البلدان ٢٢٥/٣ . (٦) عرائس المجالس ص٢٥٣، والتمهيد ٢١٤/٦، والمفهم ٦١٩/٥. (٧) بوزن زُفَر. معجم البلدان ٢٣٠/٣. (٨) في (م): فقال له. (٩) التمهيد ٢١٦/٦، والمفهم ٦٢٠/٥. ٢١٩ سورة البقرة : الآية ٢٤٥ الذي يُنْوَى به أن تكون كلمة الله هي العليا (١). وسُبُل الله كثيرة، فهي عامة في كلِّ سبيل؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِى﴾ [يوسف: ١٠٨]. قال مالك: سُبُل الله كثيرة (٢)، وما من سبيل إلا يقاتَل عليها أو فيها أَوْ لها، وأعظمها دينُ الإسلام، لا خلافَ في هذا. وقيل: الخطاب للذين أُخْيُوا من بني إسرائيل؛ رُوي عن ابن عباس والضحاك. والواو على هذا في قوله: ((وَقَاتِلُوا)) عاطفةٌ على الأمر المتقدِّم، وفي الكلام متروٌ تقديره: وقال لهم قاتلوا(٣). وعلى القول الأول عاطفةٌ جملةَ كلام على جملةٍ ما تقدَّم، ولا حاجةً إلى إضمارٍ في الكلام. قال النحاس (٤): ((وقَاتِلُوا)) أَمْرٌ من الله تعالى للمؤمنين ألَّا(٥) تهربوا كما هرب هؤلاء. ﴿وَأَعْلَمُوَا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ أي: يسمع قولكم إن قلتم مثل ما قال هؤلاء، ويعلم مُرَادَكم به. وقال الطبريُّ(٦): لا وجه لقولٍ مَن قال: إن الأمر بالقتال للذين أُخْيُوا. والله أعلم. قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَدِعِفَهُ لَهُوْ أَمْعَافًا كَثِيرَةٌ وَاَللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْقُّطٌ وَإِلَيْهِ تُجَعُونَ فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ لمَّا أمر الله تعالى بالجهاد والقتالِ على الحق - إذ ليس شيءٌ من الشريعة إلا ويجوز القتالُ عليه وعنه، وأعظمُها دينُ الإسلام كما قال مالك ــ حرَّض على الإنفاقِ في ذلك. فدخل في (١) المحرر الوجيز ٣٢٩/١. (٢) المدونة ٩٨/٦. (٣) المحرر الوجيز ٣٢٩/١، وقول ابن عباس أخرجه الطبري ٥/ ٤٢٤-٤٢٥، وقول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٢٦). (٤) إعراب القرآن ٣٢٤/١. (٥) في (ظ): أي لا . (٦) تفسير الطبري ٤٢٧/٥-٤٢٨، ونقله المصنف عنه بواسطة ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢٩/١. ٢٢٠ سورة البقرة : الآية ٢٤٥ هذا الخبرِ المقاتِلُ في سبيل الله، فإنه يُقرض به رجاءَ الثَّوابِ كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيشِ العُسْرَةِ(١). و((مَنْ)) رفعٌ بالابتداء، و((ذا)) خبره، و((الذي)) نعتٌ لذا، وإنْ شئت بدل(٢). ولما نزلت هذه الآية بادر أبو الدَّحْدَاح إلى التصدُّق بماله ابتغاءَ ثوابٍ ربِّه: أخبرنا الشيخ الفقيه الإمام المحدث القاضي أبو عامر يحيى بنُ أحمد بنٍ ربيع الأشعريُّ(٣) نسباً ومذهباً بقُرْطُبَةَ - أعادها الله - في ربيع الآخِرِ عامَ ثمانية وعشرين وستِّ مئة قراءةً منِّي عليه، قال: أخبرنا أبي إجازةً قال: قرأت على أبي بكر عبد العزيز بن خَلَف بن مَذْيَن الأزدي، عن أبي عبد الله بنٍ سعدون سماعاً عليه، قال: حدَّثنا أبو الحسن علي بنُ مهران قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بنُ عبد الله بن زكريا بن حَيْوَة النَّيسابوريُّ سنةَ ستٍّ وستينَ وثلاث مئة، قال: أنبأنا عمِّي أبو زكريا يحيى بنُ زكريا قال: حدّثنا محمد بنُ معاويةً بن صالح قال: حذَّثنا خلف بنُ خليفة، عن حُمَيدٍ الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت: ﴿َّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، قال أبو الدَّحداح: يا رسولَ الله أوَ إنَّ اللهَ تعالى يريد منا القرض؟ قال: ((نعم يا أبا الدحداح))، قال: أرِنِي يدك. قال: فناوله، قال: فإني أَقرضت الله (٤) حائطاً فيه ستُّ مئة نخلة. ثم جاء يمشي حتى أتى الحائطَ وأمُّ الدحداح فيه وعيالُه، فناداها: يا أمَّ الدحداح، قالت: لبيك؛ قال: اخرُجي، قد أَقرضت ربِّ عزَّ وجل حائطاً فيه ستُّ مئة نخلة(٥). (١) المحرر الوجيز ٣٢٩/١، وحديث تجهيز عثمان جيش العسرة أخرجه أحمد (١٦٦٩٦)، والترمذي (٣٧٠٠) من حديث عبد الرحمن بن خباب السلمي رضي الله عنه، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٠٦٣٠)، والترمذي (٣٧٠١) من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه. (٢) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٤/١. (٣) في (خ) و(د) و(م): أبو عامر يحيى بن عامر بن أحمد بن منيع الأشعري، والمثبت من (ز) و(ظ)، ونسبه المصنف هنا إلى جده أحمد، وهو يحيى بن عبد الرحمن بن أحمد تولى قضاءً قرطبة ثم غرناطة، حدث عن والده المحدث أبي الحسين عبد الرحمن بن ربيع، توفي سنة (٦٣٧هـ). الديباج المذهب ٣٥٨/٢. (٤) في النسخ: لك، والمثبت من (م). (٥) أخرجه أبو يعلى (٤٩٨٦)، والطبري ٤٣٠/٥ من طريق خلف بن خليفة به، وفي إسناده حُميد الأعرج،=