النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
ورفعه مسلم (١)، وخرَّجه أبو داود والترمذيُّ(٢) عنه قال: قال رسول الله وَ له: (مَن
شَهِد العِشاءَ في جماعةٍ كان له قيامُ نصفٍ ليلة، ومن صلَّى العشاءَ والفجرَ في
جماعةٍ كان له كقيام ليلة)) وهذا خلافُ ما رواه مالك ومسلم.
التاسع: أنها الصلواتُ الخمس بجملتها؛ قاله معاذ بن جبل رضي الله عنه؛
لأن قوله تعالى: ﴿حَفِظُوْ عَلَى الْضَلَوَتِ﴾ يعمُّ الفرض والنفل، ثم خصَّ الفرض
بالذكر(٣).
العاشر: أنها غير معيَّنة؛ قاله نافعٌ عن ابن عمر، وقاله الربيع بن خُثَيم(٤)؛
فخبَّأها الله تعالى في الصلوات كما خبَّأ ليلةَ القدر في رمضان، وكما خبأ ساعةً يوم
الجمعة(٥) وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء؛ ليقوموا بالليل في الظلمات
لمناجاة عالِم الخفِيَّات.
ومما يدل على صحة أنها مُبْهَمَة غيرُ معيَّنةٍ ما رواه مسلم في صحيحه في آخر
الباب عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية: ((حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وصلاة
العصر)) فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَلَوَتِ وَالضَلَوَةِ
الْوُسْطَى﴾ فقال رجل: هي إذًا صلاة العصر؟ فقال(٦) البراء: قد أخبرتُك كيف
نزلت، وكيف نسخها الله تعالى، والله أعلم (٧).
فلزم من هذا أنها بعد أن عُيِّنَت نُسخ تعيينها وأُبْهِمَت فارتفع التَّعْيين، والله
(١) صحيح مسلم (٦٥٦)، وهو عند أحمد (٤٠٨) (٤٠٩).
(٢) سنن أبي داود (٥٥٥)، وسنن الترمذي (٢٢١).
(٣) المحرر الوجيز ٣٢٣/١، ولم ينسب القول لمعاذ، ولم نقف على تخريجه، وأخذ بهذا القول ابن عبد
البر في التمهيد ٢٩٤/٤. قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: والعجب أن هذا القول اختاره أبو
عمر بن عبد البر النمريُّ إمامُ ما وراء البحر، وإنها لإحدى الكُبر! إذ اختار - مع اطلاعه وحفظه - ما لم
يَقُم عليه دليل من كتاب ولا سنَّة ولا أثر.
(٤) المحرر الوجيز ٢٢٣/١، وأخرج الخبرين الطبري ٣٧١/٥-٣٧٢.
(٥) في (خ) و(ظ): وخبأ الساعة يوم الجمعة. وفي أحكام القرآن لابن العربي ٤٢٤/١ (الكلام منه): وخبأ
الساعة في يوم الجمعة.
(٦) في (م): قال.
(٧) صحيح مسلم (٦٣٠)، وهو عند أحمد (١٨٦٧٣).

١٨٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
أعلم(١). وهذا اختيار مسلم؛ لأنه أتى به في آخر الباب، وقال به غيرُ واحد من
العلماء المتأخّرين، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لتعارض الأدلة وعدم
الترجيح، فلم يبق إلَّ المحافظةُ على جميعها وأدائها في أوقاتها(٢)، والله أعلم.
الثالثة: وهذا الاختلاف في الصلاة الوسطى يدل على بُطْلان مَن أثبت:
((وصلاة العصر)) المذكور في حديث أبي يونس مولى عائشةً حين أمرته أن يكتب لها
مصحفًا قرآنًا(٣).
قال علماؤنا: وإنما ذلك کالتفسير من النبي ێ﴾(٤)، يدلُّ على ذلك حدیث
عمرو بن رافع(٥) قال: أمرتني حفصةُ أن أكتبَ لها مصحفًا؛ الحديث. وفيه:
فأملَتْ عليَّ: ((حافظوا على الصلوات والصلاةِ الْوُسْطَى وهي العصرُ، وقُوموا لله
قانِتِين)) وقالت: هكذا سمعتُها من رسول الله صل* يقرؤها(٦).
فقولها: (وهي العصر)) دليلٌ على أن رسول اللهِ وَ له فسَّر الصلاة الوسطى من
كلام الله تعالى بقوله هو: ((وهي العصر)).
وقد رَوى نافع عن حفصة: ((وصلاة العصر))(٧).
(١) المفهم ٢٥٥/٢.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢٢٦/١.
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٤٤٨)، ومسلم (٦٢٩) وقد تقدم ص ١٦٣، وقال ابن عبد البر في التمهيد ٢٨٠/٤ :
وحديث عائشة هذا صحيح لا أعلم فيه اختلافاً .
والذي يقصده المصنف بقوله هذا - والله أعلم - هو بطلان إثبات: ((وصلاة العصر)) في المصحف، وقد
ذكر ابن عبد البر في التمهيد ٢٧٨/٤ في تعليقه على الحديث: أن العلماء أجمعوا على أن ما في
مصحف عثمان هو القرآن المحفوظ الذي لا يجوز لأحد أن يتجاوزه، وأن كل ما روي من القراءات
في الآثار عن النبي ، أو عن الصحابة، مما يخالف مصحف عثمان لا يُقطع بشيء من ذلك على الله
عز وجل، ولكن ذلك في الأحكام يجري مجرى خبر الواحد.
(٤) إعراب القرآن للنحاس ٣٢١/١.
(٥) القرشي العدوي مولى عمر بن الخطاب. تهذيب الكمال ٢٢/٢٢.
(٦) أخرجه بنحوه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٧٣/١. وفي رواية للطبري ٣٦٥/٥ ورواية للنسائي في
مسند مالك كما ذكر المزي في تهذيب الكمال ٢٣/٢٢ عن عمرو بن رافع بلفظ: ((وصلاة العصر)).
وانظر التعليق التالي.
(٧) أخرجه من طريق نافع عن حفصة عبد الرزاق (٢٢٠٢)، والطبري ٥/ ٣٦٤، ورواية نافع عن حفصة مرسلة
كما ذكر ابن أبي حاتم في المراسيل ص١٧٤، ورُوي من طريق نافع عن عمرو بن رافع عن حفصة، =

١٨٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
كما رُوي عن عائشةً وعن حفصةً أيضاً: ((صلاة العصر)) بغير واو (١).
وقال أبو بكر الأنباريُّ: وهذا الخلافُ في هذا اللفظ المزيدِ يدلُّ على بطلانه
وصحةٍ ما في الإمام؛ مصحَفٍ جماعة المسلمين.
وعليه حُجّةٌ أخرى وهو أن مَن قال: ((والصلاة الوسطى وصلاة العصر)) جعل
الصلاة الوسطى غير العصر، وفي هذا دفعٌ لحديث رسول الله و # الذي رواه
عبد الله قال: شَغَل المشركون رسول الله وَله يومَ الأحزاب عن صلاة العصر حتى
اصفرَّت الشمس، فقال رسول الله صلحه: ((شغلونا عن الصلاة الوسطى،
ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً)) (٢) الحديث.
الرابعة: وفي قوله تعالى: ﴿وَالضَّلَوةِ الْوُسْطَى﴾ دليل على أن الوتر ليس
بواجب؛ لأن المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن
سبعة وتزيد على ثلاثة، وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلَّا الخمسةُ، والأزواج
لا وسط لها، فثبت أنها خمسة(٣). وفي حديث الإسراء: ((هي خمسٌ وهي(٤)
خمسون، لا يبدَّل القولُ لديّ)).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ معناه: في صلاتكم. واختلف
الناس في معنى قوله: ((قَانِتِینَ))، فقال الشعبيُّ: مطیعین(٥)، وقاله جابر بن زيد
= أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١٧٢/١، وابن أبي داود في المصاحف (٢٤٣) و(٢٤٤).
(١) أخرجه الطبري عن عائشة ٣٤٥/٥-٣٤٦، وعن حفصة ٣٤٨/٥، وسلف ذكر الرواية عن عائشة
وحفصة ص ١٦٣: ((وصلاة العصر)) بالواو. قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٨٣/٤: رواية من أثبت
الواو في حديث حفصة أصح إسناداً.
(٢) أخرجه أحمد (٣٧١٦)، ومسلم (٦٢٨)، وذكر النحاس أن رواية: ((وصلاة العصر)) لا توجب أن تكون
الوسطى خلاف العصر. انظر إعراب القرآن للنحاس ٣٢١/١، والتمهيد ٢٨٣/٤.
(٣) ينظر أحكام القرآن لابن العربي ٢٢٦/١، وللكيا الطبري ٢١٤/١.
(٤) في (د) و(ز) و(م): وهن، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في صحيح البخاري (٣٤٩)،
وصحيح مسلم (١٦٣) من حيث أبي ذر، وأخرجه أحمد (٢١٢٨٨) من حديث أبي بن كعب، وهم فيه
راويه أنس بن عياض. انظر علل ابن أبي حاتم ٤٠٢/٢-٤٠٣، وعلل الدارقطني ٢٣٤/٦.
(٥) في (د) و(ز) و(م): طائعين، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٢٣/١،
والكلام منه.

١٨٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
وعطاء وسعيد بن جبير. وقال الضحَّاك: كلُّ قنوت في القرآن فإنما يعني به الطاعة
- وقاله أبو سعيد عن النبيِّ بَّهــ وإنَّ أهل كلِّ دِينٍ فهم اليوم يقومون عاصین، فقيل
لهذه الأمة: وقوموا لله مطيعين(١).
وقال مجاهد: معنى قانتين: خاشعين. القنوت(٢) طولُ الركوع، والخشوعُ
وغَضُّ البصر وخفضُ الجَناح.
وقال الربيع: القنوت طول القيام، وقاله ابن عمر وقرأ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِثُ مَانَآءَ
الَّلِ سَلِدًا وَقَائِمًا﴾(٣). وقال عليه الصلاة والسلام: ((أفضلُ الصلاة طولُ القنوت))
خرَّجه مسلم (٤) وغيره. وقال الشاعر:
قانِتاً لله يدعوربَّه
وعلى عَمْدٍ من الناسِ اعْتَزَلْ
وقد تقدَّم(٥).
ورُوي عن ابن عباس: ((قَانِتِينَ)): داعين(٦). وفي الحديث: قنتَ رسول الله وَه
شهراً يدعو على رِعْلٍ وذَكْوَان(٧). قال قوم: معناه دعا، وقال قوم: معناه طوَّل
قيامه.
وقال السديُّ: ((قانتين)): ساكتين، دليله: أن الآية نزلت في المنع من الكلام في
(١) في (د) و(ز) و(م): فقوموا لله طائعين، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز،
والآثارُ السابقة أخرجها الطبري ٣٧٥/٥-٣٧٩، وأخرج حديث أبي سعيد أيضاً أحمد (١١٧١١). قال
ابن كثير في تفسير الآية (١١٦) من سورة البقرة: ورَفْعُ هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام
الصحابي أو مَن دونه، والله أعلم.
(٢) في (د) و(ز) و(م) :: والقنوت، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٢٤/١،
وأخرج قول مجاهدٍ الطبريُّ ٣٨١/٥-٣٨٢.
(٣) أخرجه الطبري ١٧٦/٢٠، وقول الربيع ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز ٣٢٤/١.
(٤) صحيح مسلم (٧٥٦) من حديث جابر رضي الله عنه، وتقدم ٣٣٤/٢.
(٥) ٣٣٤/٢ برواية: قانتاً لله يتلو كتبه ...
(٦) المحرر الوجيز ٣٢٤/١، وقد تقدم ص ١٦٦ من حديث أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس أنه فسر:
﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِنِتِينَ﴾ بالقنوت في صلاة الصبح.
(٧) المحرر الوجيز ٣٢٤/١، والحديث أخرجه أحمد (١٢١٢٥) والبخاري (١٠٠٣)، ومسلم (٦٧٧):
(٢٩٩) من حديث أنس رضي الله عنه. قال ابن عطية: ولا حجة في هذا الحديث لمعنى الدعاء.

١٨٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
الصلاة، وكان ذلك مباحاً في صدر الإسلام(١). وهذا هو الصحيحُ، لِمَا رواه مسلم
وغيره عن عبد الله بن مسعود قال: كنا نسلِّم على رسول الله وَ له وهو في الصلاة فيردُّ
علينا، فلمَّا رجعنا من عند النَّجاشيّ سلّمنا عليه، فلم يردَّ علينا، فقلنا: يا رسول الله،
كنا نسلِّم عليك في الصلاة فتردُّ علينا؟ فقال: ((إن في الصلاة شُغْلاً))(٢).
وروى زيد بن أرْقَم قال: كنا نتكلّم في الصلاة، يكلِّم الرجلُ صاحبه وهو إلى
جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونُهينا عن
(٣)
الكلام(٣).
وقيل: إن أصل القنوت في اللغة: الدوامُ على الشيء. ومن حيث كان أصل
القنوت الدوامَ على الشيء (٤)، جاز أن يسمَّى مُديم الطاعة قانتاً، وكذلك مَن أطال
القيامَ والقراءة والدعاء في الصلاة، أو أطال الخشوع والسكوت، كلُّ هؤلاء
فاعلون للقنوت.
السادسة: قال أبو عمر(٥): أجمع المسلمون طُرًّا أن الكلام عامداً في الصلاة
إذا كان المصلِّي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته، أنه يُفسد
الصلاة، إلا ما رُوي عن الأوزاعيِّ أنه قال: من تكلّم لإحياء نفسٍ، أو مثلٍ ذلك
من الأمور الجِسَام، لم تفسد صلاته بذلك. وهو قولٌ ضعيفٌ في النظر؛ لقول الله عز
وجل: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِنِتِينَ﴾ .
وقال زيد بن أرقم: كنا نتكلّم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَدِنِينَ﴾
الحديث. وقال ابن مسعود: سمعتُ رسول الله وَ﴿ يقول: ((إن الله أحدثَ مِن أمره
ألَّا تَكلَّموا في الصلاة))(٦).
(١) المحرر الوجيز ٣٢٤/١، وقول السدي أخرجه الطبري ٣٧٩/٥.
(٢) صحيح مسلم (٥٣٨)، وهو عند أحمد (٣٥٦٣)، والبخاري (١١٩٩).
(٣) أخرجه أحمد (١٩٢٧٨)، والبخاري (١٢٠٠)، ومسلم (٥٣٩).
(٤) في (د) و(ز) و(م): ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء، والمثبت من (خ)
و(ظ)، وهو الموافق لما في أحكام القرآن للكيا الطبري ٢١٦/١، والكلام منه.
(٥) التمهيد ٣٥٠/١.
(٦) أخرجه أحمد (٣٥٧٥)، وعلقه البخاري بصيغة الجزم قبل الحديث (٧٥٢٢)، وسلف بعض ألفاظه في
المسألة السابقة، وسلف فيها حديث زيد بن أرقم.

١٨٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
وليس الحادث الجسيم الذي يجب له قطعُ الصلاة، ومن أجله يُمنع من
الاستئناف، فمن قَطَعَ صلاته لما يراه من الفضل في إحياء نفس(١)، أو ما كان
بسبيل ذلك، استأنف صلاته ولم يَبْنِ. هذا هو الصحيح في المسألة إن
شاء الله تعالى.
السابعة: واختلفوا في الكلام ساهياً فيها، فذهب مالك والشافعيُّ وأصحابهما
إلى أن الكلام [والسلام] فيها ساهياً لا يُفسدها، غيرَ أن مالكاً قال: لا يُفسد
الصلاة تعمُّدُ الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قولُ ربيعة وابنٍ
القاسم(٢).
وروى سُحْنُون عن ابن القاسم عن مالك قال: لو أن قوماً صلَّى بهم رجل (٣)
ركعتين وسلَّم ساهياً، فسَبَّحوا به، فلم يَفْقَه، فقال له رجلٌ مِن خلفه ممن هو معه
في الصلاة: إنك لم تُتمَّ، فأتِمَّ صلاتك، فالتفت إلى القوم فقال: أحَقُّ ما يقول
هذا؟ فقالوا: نعم. قال: يُصَلِّي بهم الإمام ما بقي من صلاتهم، ويُصلّون معه بقيةً
صلاتهم؛ مَن تكلّم منهم ومَن لم يتكلم، ولا شيءً عليهم، ويفعلون في ذلك ما
فعل النبيُّ ◌َ* يوم ذي اليَدَيْن. هذا قول ابن القاسم في كتابه المدوَّنة وروايته عن
مالك، وهو المشهور من مذهب مالك، وإياه تقلَّد إسماعيل بن إسحاق، واحتجَّ له
في كتابٍ ردِّه على محمد بن الحسن (٤).
وذكر الحارث بن مسكينٍ قال: أصحابُ مالك كلُّهم على خلافِ قولِ مالكٍ في
(١) بعدها في (د) و(ز) و(م): أو مال.
(٢) التمهيد ١/ ٣٥٠، وما سلف بين حاصرتين منه.
(٣) في (د) و(ز) و(م): الإمام، والمثبت من (خ) و(ظ) وهو الموافق لما في التمهيد ٣٤٣/١ والكلام منه.
(٤) التمهيد ٣٤٤/١، وينظر المدونة ١٣٣/١، وحديث ذي اليدين أخرجه أحمد (٧٣٧٦)، والبخاري
(٧١٤)، ومسلم (٥٧٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه عند البخاري: أن رسول الله اله
انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ووليد:
(أَصَدَقَ ذو اليدين)) فقال الناس: نعم، فقام رسول الله ﴿ ﴿ فصلى اثنتين أُخريين ثم سلم، ثم كبر،
فسجد مثل سجوده أو أطول. وسيذكر المصنف بعض ألفاظه لاحقاً. وذو اليدين السُّلَمي، يقال: هو
الخِرْباق، وفرق بينهما ابن حبان، ووقع في بعض روايات الحديث السابق: فقام رجل في يديه طول
يدعی ذا اليدين. ينظر الإصابة ٢٢٢/٣.

١٨٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
مسألة ذي اليَدَيْن، إلّا ابنَ القاسم وحده فإنه يقول فيها بقول مالك، وغيرُهم يأبَوْنه
ويقولون: إنما كان هذا في صدر الإسلام، فأمَّا الآن فقد عرف الناس صلاتَهم،
فمن تكلّم فيها أعادها(١). وهذا هو قولُ العراقيين: أبي حنيفةَ وأصحابِهِ والثوريِّ؛
فإنهم ذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة يُفسدها على أيّ حال كان، سهواً أو عمداً،
لصلاح (٢) كان أو لغير ذلك، وهو قول إبراهيم النَّخَعيِّ وعطاءٍ والحسن وحمَّاد بن
أبي سليمان وقتادة.
وزعم أصحاب أبي حنيفة أن حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليَدَيْن منسوخٌ
بحديث ابن مسعود وزيد بنٍ أرقم(٣)، قالوا: وإن كان أبو هريرة متأخّرَ الإسلام،
فإنه أرسل حديث ذي اليدين كما أرسل حديثَ: ((مَن أدركه الفجرُ جُنُباً فلا صومَ
له)» قالوا: وكان كثيرَ الإرسال(٤).
وذكر عليّ بنُ زياد قال: حدَّثنا أبو قُرَّةً قال: سمعتُ مالكاً يقول: يُستحبُّ إذا
تكلَّم الرجل في الصلاة أن يعود لها ولا يَبْني. قال: وقال لنا مالك: إنما تكلّم
رسول الله ◌َ﴿ وتكلّم أصحابه معه يومئذ لأنهم ظنُّوا أن الصلاة قُصِرت، ولا يجوز
ذلك لأحدٍ اليوم(٥) .
وقد روى سُحنون عن ابن القاسم في رجل صلَّى وحده، ففرغ عند نفسه من
الأربع، فقال له رجل إلى جنبه: إنك لم تصلّ إلَّا ثلاثاً، فالتفت إلى آخرَ فقال:
أحقٌّ ما يقول هذا؟ قال: نعم. قال: تَفْسُد صلاته، ولم يكن ينبغي له أن يكلِّمه،
ولا أن يلتفتَ إليه(٦).
(١) التمهيد ٣٤٦/١.
(٢) في (ظ): للصلاة، وفي باقي النسخ: لصلاة، والمثبت من الاستذكار ٣٢٨/٤، والتمهيد ٣٥١/١،
والكلام منهما.
(٣) تقدم الحديثان في المسألة الخامسة.
(٤) التمهيد ٣٥٢/١، وينظر الاستذكار ٣٢٨/٤-٣٢٩، والحديث أخرجه أحمد (٢٦٦٣٠)، والحاكم
٢١٩/٢ وصححه.
(٥) التمهيد ٣٤٥/١.
(٦) التمهيد ٣٤٧/١، وينظر المدونة ١٣٣/١.

١٨٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
قال أبو عمر(١): فكانوا يفرِّقون(٢) في هذه المسألة بين الإمام مع الجماعة
والمنفردٍ، فيُجيزون من الكلام في شأن الصلاة للإمام ومَن معه ما لا يُجيزونه للمنفرد.
وكان غير هؤلاء يحملون جواب ابن القاسم في المنفرد في هذه المسألة على
اختلافٍ(٣) من قوله في استعمال حديث ذي اليدين، كما اختلف قول مالك في ذلك.
[ويذهبون إلى جواز الكلام في إصلاح الصلاة للمنفرد والجماعة، ويقولون:
لا فرقَ بین أن یکلِّم الرجل في إصلاح الصلاة من معه فیھا، وبین أن یکلِّم من لیس
معه فيها، إذا كان ذلك في شأن إصلاحها وعملها، كما أنه لا فرقَ بين أن يكلم رجلٌ
مَن معه فيها، ومن ليس فيها معه بكلام في غير إصلاحها، في أن ذلك يفسدها] .
وقال الشافعيُّ وأصحابه: مَن تعمَّد الكلام وهو يعلم أنه لم يُتمَّ الصلاة وأنه
فيها، أَفسد صلاته، فإن تكلّم ساهياً، أو تكلّم وهو يظن أنه ليس في الصلاة لأنه
(٤)
قد أكملها عند نفسه، فإنه يبني
واختلف قول أحمد في هذه المسألة، فذكر الأثْرَمُ عنه أنه قال: ما تكلّم به
الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته، فإن تكلّم لغير ذلك فسدت،
وهذا هو قول مالك المشهور.
وذكر الخِرَقيُّ(٥) عنه: أن مذهبه فيمن تكلّم عامداً أو ساهياً بطلت صلاته، إلَّا
الإمامَ خاصةً، فإنه إذا تكلّم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته(٦).
واستثنى سُحنون من أصحاب مالك أن مَن سلَّم من اثنتين في الرباعية فوقعَ
(١) التمهيد ٣٤٧/١، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٢) يقصد ابن عبد البر بقوله: فكانوا يفرقون، أكثرَ المالكيين البغداديين وغيرهم، فقد ذكرهم بعد رواية
سحنون عن ابن القاسم، وقبل كلامه هذا .
(٣) في النسخ: في هذه المسألة وفي الإمام ومن معه على اختلاف ... ، والمثبت من التمهيد ٣٤٧/١،
والكلام منه.
(٤) التمهيد ٣٥٠/١.
(٥) عمر بن الحسين بن عبد الله، أبو القاسم، البغدادي الحنبلي، صاحب المختصر المشهور في مذهب
الإمام أحمد، توفي سنة (٣٣٤هـ). السير ٣٦٣/١٥.
(٦) التمهيد ٣٤٨/١-٣٤٩، والاستذكار ٣٢٥/٤-٣٢٦.

١٨٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
الكلام هناك، لم تَبْطُل الصلاة، وإن وقع في غير ذلك بَطَلَت الصلاة (١).
والصحيح ما ذهب إليه مالك في المشهور تمسُّكاً بالحديث، وحَمْلاً له على
الأصل الكلِّيّ مِن تعدِّي الأحكامِ وعموم الشريعة، ودفعاً لمّا يُتوهّم من الخصوصيَّة
إذ لا دليلَ علیھا .
فإن قال قائل: فقد جرى الكلامُ في الصلاة والسهو أيضاً، وقد كان
رسول الله وَّ قال لهم: ((التسبيحُ للرجال والتصفيق للنساء))(٢) فلِم لم يسبِّحوا؟
فيقال: لعل في ذلك الوقتِ لم يكن أَمَرَهم بذلك، ولئن كان كما ذكرتَ، فلمْ
يسبّحوا لأنهم توهَّموا أن الصلاة قُصِرت، وقد جاء ذلك في الحديث قال: وخرج
سَرَعان الناسِ فقالوا: أقُصِرت الصلاة(٣)؟ فلم يكن بدٌّ من الكلام لأجل ذلك.
والله أعلم.
وقد قال بعض المخالفين: قول أبي هريرة: صلَّى بنا رسول الله وَلي (٤)، يحتمل
أن يكون مرادُه أنه صلَّى بالمسلمين وهو ليس منهم، كما رُوي عن النزَّال(٥) بن
(١) ينظر القبس ٢٤٧/١.
(٢) أخرجه أحمد (٧٢٨٥) والبخاري (١٢٠٣)، ومسلم (٤٢٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٣) أخرجه أحمد (٧٣٧٦)، والبخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣): (٩٧) من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه في قصة ذي اليدين، وقد سلف ذكر إحدى رواياته في بداية هذه المسألة. والسَّرَعان بفتح السين
والراء: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الراء. النهاية
٣٦١/٢. وينظر أحكام القرآن للكيا الطبري ٢١٧/١.
(٤) هذا أول حديث أبي هريرة السالف، وقد جاء في بعض الروايات عند أحمد (٩٤٤٤): بينما أنا أصلي
مع رسول الله آخر . ..
(٥) في النسخ الخطية وأحكام القرآن للكيا الطبري ٢١٧/١ (والكلام منه): البراء (في الموضعين)، وهو
خطأ، والحديث أخرجه ابن سعد ٨٤/٦، وابن أبي شيبة ١٩٩/١٢، والبخاري في التاريخ الصغير
١٢/١، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٠، وينظر أحكام القرآن للجصاص ٤٤٦/١.
والنزال بن سبرة الهلالي الكوفي مختلف في صحبته، ذكره في التابعين البخاري ومسلم وابن سعد
وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني، وقال أبو مسعود الدمشقي في الأطراف: له صحبة. قال ابن
عبد البر: ذكروه فيمن رأى النبي وَ ل﴿ وسمع منه، ولا أعلم له رواية إلا عن علي وابن مسعود، وهو
معروف في كبار التابعين وفضلائهم. ينظر الإصابة ١٤٦/٩، ٢٠٧، والاستيعاب على هامش
الإصابة ٣٦٤/٩.

١٩٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
سَبْرَة أنه قال: قال لنا رسول الله وَ ﴿: ((إنَّا وإيَّاكم كثَّا نُدْعَى بني عبدٍ مَناف، وأنتم
اليومَ بنو عبدِ الله، ونحن بنو عبد الله)). وإنما عنَى به أنه قال ذلك لقومه.
وهذا بعيد؛ فإنه لا يجوز أن يقول: صلَّى بنا، وهو إذ ذاك كافرٌ ليس من أهل
الصلاة، ويكون ذلك كذبًا، وحديث النزَّال هو كان من جملة القوم وسمع من
رسول الله صل ما سمع.
وأمَّا ما ادَّعته الحنفيةُ فيه (١) من النسخ والإرسال، فقد أجاب عن قولهم
علماؤنا وغيرُهم وأبطلوه، وخاصةً الحافظ أبا عمر بن عبد البر في كتابه المسمَّى بـ
((التمهيد))(٢)، وذكر أن أبا هريرة أسلم عام خيبر، وقدم المدينة في ذلك العام،
وصَحِبَ النبيَّ ◌َ﴿ أربعةَ أعوام، وشهد قصَّةَ ذي اليدين وحضرها، وأنها لم تكن
قبل بَذْر كما زعموا، وأن ذا اليَدَيْن قُتل في بدر. قال: وحضورُ أبي هريرة يومَ ذي
اليدين محفوظٌ من رواية الحُفَّاظ الثقات، وليس تقصيرُ مَن قصَّر عن ذلك بحجةٍ
على مَن عَلم ذلك وحفظه وذكره(٣).
الثامنة: القنوت: القيام، وهو أحد أقسامه فيما ذكر أبو بكر بن الأنباريِّ.
وأجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجبٌ على كلِّ صحيح قادرٍ
عليه، منفرداً كان أو إماماً. وقال وَّى: ((إنما جُعل الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا صلَّى قائماً
فصلوا قياماً)) الحديث(٤)، أخرجه الأئمة، وهو بيانٌ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَانِتِينَ﴾.
(١) قوله: فيه، من (ظ) وليس في باقي النسخ.
(٢) ٣٥٢/١-٣٦٩.
(٣) التمهيد ٣٥٦/١، وقال ص ٣٦٠: وقد روى قصة ذي اليدين عبد الله بن عمر، ومعاوية بن حديج،
وعمران بن حصين، وابن مسعدة رجل من الصحابة، وكلهم لم يحفظ عن النبي 9 ولا صحبه إلا
بالمدينة متأخراً. وقال ص٣٦٨: وقد قيل إن ذا اليدين عمّر إلى خلافة معاوية، وإنه توفي بذي خشب.
(٤) أخرجه أحمد (٢٤٢٥٠)، والبخاري (٦٨٨)، ومسلم (٤١٢) من حديث عائشة رضي الله عنها،
وأخرجه أحمد (١٢٠٤٧)، والبخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١) من حديث أنس رضي الله عنه، وأخرجه
أحمد (١٤٥٩٠)، ومسلم (٤١٣) من حديث جابر رضي الله عنه، وأخرجه أحمد (٧١٤٤)، ومسلم
(٤١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال ابن عبد البر في التمهيد ١٣٨/٦: روي هذا الحديث
عن النبي : * من طرق كثيرة متواترة.

١٩١
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
واختلفوا في المأموم الصحيح يصلّي قاعداً خلف إمام مريضٍ لا يستطيع
القيام، فأجازت ذلك طائفةٌ من أهل العلم بل جمهورُهم؛ لقوله وَّ في الإمام:
((وإذا صلَّى جالساً، فصلُّوا جلوساً أجمعون)) وهذا هو الصحيحُ في المسألة على ما
نبيِّنه آنفاً إن شاء الله تعالى.
وقد أجاز طائفة من العلماء صلاةً القائم خلف القاعد(١) المريض؛ لأن كُلَّا
يؤدِّي فرضَه على قَدْر طاقته، تأسِّياً برسول الله وَّيهِ؛ إذ صلَّى في مرضه الذي تُوفِّي
فيه قاعداً وأبو بكر إلى جنبه قائماً يصلِّي بصلاته، والناسُ قيامٌ خلفه(٢)، ولم يُشِر
إلى أبي بكر ولا إليهم بالجلوس، وأكمل صلاته بهم جالساً وهم قيام، ومعلومٌ أن
ذلك كان منه بعد سقوطه عن فرسه (٣)، فعُلِم أن الآخِرَ مِن فعله ناسخٌ للأوَّل.
قال أبو عمر(٤): وممن ذهب إلى هذا المذهب، واحتجَّ بهذه الحجة، الشافعيُّ
وداود بن عليٍّ، وهي روايةُ الوليد بن مسلم عن مالك. قال: وأَحَبُّ إليَّ أن يقوم
إلى جنبه مَن(٥) يُعْلِم الناسَ بصلاته. وهذه الرواية غريبةٌ عن مالك(٦)، وقال بهذا
جماعةٌ من أهل المدينة وغيرهم، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأنها آخرُ صلاة
صلَّاها رسول الله وَلٍ(٧) .
والمشهورُ عن مالك أنه لا يَؤُمُّ القُيَّامَ(٨) أحدٌ جالساً، فإن أمَّهم قاعداً بطلت
صلاته وصلاتُهم؛ لأن رسول الله وَّه قال: ((لا يَؤْمَّنَّ أحدٌ بعدي قاعداً))(٩). قال:
فإن كان الإمام عليلاً تمَّت صلاة الإمام، وفسدت صلاة مَن خلفه. قال: ومن صلَّى
(١) في (د) و(ز) و(م): الإمام، وهي ليست في (خ) و(ظ)، والمثبت من التمهيد ١٤٠/١ والكلام منه.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦١٣٧)، والبخاري (٦٨٧)، ومسلم (٤١٨): (٩٠) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٣) أخرجه أحمد (١٢٠٤٧)، والبخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١) من حديث أنس رضي الله عنه وقد تقدم
تخريجه آنفاً مع حديث عائشة وجابر وأبي هريرة رضي الله عنهم في الصلاة خلف القاعد.
(٤) في التمهيد ٦/ ١٤١ .
(٥) في (ز) و(خ) و(م): ممن.
(٦) التمهيد ١٤١/٦-١٤٢.
(٧) الكافي ٢١٣/١ .
(٨) في (د) القوم، وفي التمهيد ١٤٢/٦ (والكلام منه): الناس.
(٩) أخرجه عبد الرزاق (٤٠٨٧)، والدار قطني ٣٩٨/١. وسيتكلم المصنف في إسناده لاحقاً.

١٩٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
قاعداً من غير علَّة أعاد الصلاة، هذه رواية أبي مُصعبٍ في مختصره عن مالك،
وعليها فيجب على مَن صلَّى قاعداً الإعادةُ في الوقت وبعده. وقد رُوي عن مالك
في هذا أنهم يُعيدون في الوقت خاصة.
وقول محمد بن الحسن في هذا مثلُ قول مالك المشهور، واحتجَّ لقوله ومذهبه
بالحديث الذي ذكره أبو مصعب(١)؛ أخرجه الدار قطنيُّ(٢)، عن جابر، عن الشعبيِّ
قال: قال رسول الله وَله: ((لا يؤمَّنَّ أحد بعدي جالساً)). قال الدار قطنيُّ: لم يروه
غيرُ جابر الجُعْفِيِّ عن الشعبيِّ، وهو متروك، [و] الحديث مُرْسلٌ لا تقوم به حجة.
قال أبو عمر (٣): جابرٌ الجعفِيُّ لا يُحتجُّ بشيء يرويه مسنَداً، فكيف بما يرويه
مرسلاً؟
قال محمد بن الحسن: إذا صلَّى الإمام المريض جالساً بقوم أصِحَّاءَ ومرضى
جلوساً، فصلاتُه وصلاة مَن خلفه ممَّن لا يستطيع القيام صحيحةٌ جائزة، وصلاةُ مَن
صلَّى خلفه ممن حُكمه(٤) القيامُ باطلة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: صلاته
وصلاتهم جائزة. وقالوا: لو صلَّى وهو يُومِئُ بقوم وهم يركعون ويسجدون، لم
تُجْزِهم في قولهم جميعاً، وأجزأت الإمام صلاته. وكان زُفَر يقول: تُجْزِئُهم
صلاتهم؛ لأنهم صلَّوا على فرضهم وصلَّى إمامهم على فرضه(٥)، كما قال
الشافعيُّ.
قلت: أمَّا ما ذكره أبو عمر وغيرُه من العلماء قبله وبعده، من أنها آخِرُ صلاة
صلَّها رسول الله وَّر، فقد رأيتُ لغيرهم خلاف ذلك، ممن جمع طرق الأحاديث
في هذا الباب، وتكلَّم عليها، وذكر اختلاف الفقهاء في ذلك، ونحن نذكر ما ذكره
ملَخَّصاً حتى يتبيَّن لك الصوابُ إن شاء الله تعالى، وصحةُ قولٍ مَن قال: إن صلاة
المأموم الصحيح قاعداً خلف الإمام المريض جائزة.
(١) التمهيد ١٤٣/٦.
(٢) سنن الدار قطني ١٩٨/١، وما سيأتي بين حاصرتين منه.
(٣) التمهيد ٦/ ١٤٣.
(٤) في (ظ): يمكنه، والمثبت من باقي النسخ، وهو موافق لما في التمهيد.
(٥) التمهيد ٦/ ١٤٣-١٤٤.

١٩٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
فذكر أبو حاتم محمد بنُ حِبَّان البُسْتِيُّ في المسند الصحيح له عن ابن عمر(١):
أن رسول الله ﴿ كان في نفر من أصحابه فقال: ((أَلَسْتُم تعلمون أنِّي
رسولُ الله إليكم))؟ قالوا: بلى، نشهد أنك رسول الله! قال: ((أَلَسْتُم تعلمون أنه مَن
أطاعني فقد أطاعَ الله، ومِن طاعة الله طاعتي))؟ قالوا: بلى، نشهد أنه مَن أطاعك
فقد أطاع الله، ومِن طاعة الله طاعتُك. قال: ((فإنَّ مِن طاعةِ الله أن تُطيعوني، ومن
طاعتي أن تُطيعوا أُمَرَاءكم، وإن صلَّوا قعوداً فصلُّوا قعوداً». في طريقه عقبةُ بن أبي
الصَّهْباء وهو ثقة؛ قاله یحیی بن معین.
قال أبو حاتم(٢): في هذا الخبر بيانٌ واضح أن صلاة المأمومين قعوداً إذا
صلَّى إمامُهم قاعداً، مِن طاعة الله جلَّ وعلا التي أمر الله بها عباده، وهو عندي
ضربٌ من الإجماع الذي أجمعوا على إجازته؛ لأن من أصحاب رسول الله (المول
أربعةً أفْتَوْا به: جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأُسَيد بن حُضَير وقيس بن قَهْد(٣)،
ولم يُروَ عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل، وأُعيذوا من
التحريف والتبديل، خلافٌ لهؤلاء الأربعة، لا بإسنادٍ متَّصل ولا منقطع، فكأنَّ
الصحابة أجمعوا على أن الإمام إذا صلَّى قاعداً كان على المأمومين أن يصلُّوا
قعوداً. وبه قال جابر بن زيد والأوزاعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل
وإسحاقُ بن إبراهيم(٤)، وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشميُّ(٥)، وأبو
(١) صحيح ابن حبان (٢١٠٩)، وهو عند أحمد (٥٦٧٩)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٦٧: ورجاله
ثقات.
(٢) صحيح ابن حبان ٤٧١/٥. وهو بإثر الحديث السالف.
(٣) قيس بن فهد - بالقاف - الأنصاري، قيل: هو قيس بن عمرو بن سهل، جدًّ يحيى بن سعيد التابعي
المشهور، وغاير بينهما البخاري، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة ٢٠٩/٨: وأغرب ابن حبان
فجمع بين الاختلاف بأنه قيس بن عمرو، وقهد لقب له ... وأخرج حديثه البخاري في تاريخه بسند
جيد ... أن إماماً لهم اشتكى أياماً، قال فصلينا بصلاته جلوسا. انظر التاريخ الكبير ١٤٢/٧ ،
والإصابة ٢٠٣/٨، وأخرج الآثار عن الصحابة المذكورين ابن أبي شيبة ٣٢٦/٢-٣٢٧، وابن المنذر
في الأوسط ٢٠٦/٤.
(٤) هو إسحاق بن راهويه. انظر الأوسط ٢٠٧/٤.
(٥) ابن علي بن عبد الله بن العباس، من كبار الأئمة، توفي سنة (٢١٩هـ). السير ١٠/ ٦٢٥.

١٩٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
خيثمةَ(١)، وابنُ أبي شيبة، ومحمد بن إسماعيل، ومَن تبعهم من أصحاب
الحديث مثل محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة (٢).
وهذه السنَّة رواها عن المصطفى وَّر: أنس بن مالك، وعائشة، وأبو هريرة،
وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو أمامة الباهليّ(٣).
وأوَّلُ مَن أَبطل في هذه الأمة صلاةَ المأموم قاعداً إذا صلَّى إمامه جالساً
المغيرة بنُ مِقْسَم صاحبُ النخعيِّ، وأخذ عنه حمَّاد بن أبي سليمان، ثم أخذ عن
حمَّادٍ أبو حنيفةً، وتبعه عليه مَن بعدَه مِن أصحابه. وأعلى شيءٍ احتجُوا به فيه،
شيءٌ رواه جابر الجُعْفِيُّ عن الشعبيِّ قال: قال رسول الله وَّ: ((لا يَؤْمَّنَّ أحدٌ بعدي
جالساً))(٤) وهذا لو صحَّ إسنادُه لكان مرسلاً، والمرسلُ من الخبر، وما لم يُرْوَ سِيَّان
في الحکم عندنا .
ثم إن أبا حنيفة يقول: ما رأيتُ فيمن لقيتُ أفضل من عطاء، ولا فيمن لقيتُ
أكذبَ من جابر الجُعْفيِّ، وما أَتيْتُه بشيء قٌ من رأيٍ إلَّا جاءني فيه بحديث، وزعم
أن عنده كذا وكذا ألفَ حديثٍ عن رسول الله ﴿ لم ينطق بها. فهذا أبو حنيفة
يَجْرَحُ جابراً الجعفيَّ ويكذِّبه ضدَّ قولٍ مَن انتحل من أصحابه مذهبه(٥).
قال أبو حاتم: وأمَّا صلاة النبيِّ وَّهِ في مرضه فجاءت الأخبار فيها مُجْمَلةً
ومختصَرةً، وبعضُها مفَصَّلة مبينة؛ ففي بعضها: فجاء النبيُّ بََّ، فجلس إلى جَنْب
(١) زهير بن حرب بن شداد الحَرَشي النَّسائي، ثم البغدادي، أحد أعلام الحديث، توفي في خلافة
المتوكل سنة (٢٣٤هـ). السير ٤٨٩/١١.
(٢) صحيح ابن حبان ٤٦٤/٥-٤٦٥، محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري الشافعي،
الحافظ الحجة الفقيه، صاحب التصانيف، منها: صحيح ابن خزيمة، والتوحيد، توفي سنة (٣٢١هـ).
السير ٣٦٥/١٤. ورأيه في المسألة مفصل في صحيحه ٥٢/٣-٥٧.
(٣) صحيح ابن حبان ٥/ ٤٦٣-٤٦٤، وقد تقدم تخريج الأحاديث عن أنس وعائشة وأبي هريرة ص ١٧٨ ،
وعن عبد الله بن عمر ص ١٨٠، وأخرجه عن أبي أمامة الطبراني في المعجم الكبير (٧٦٨٧)، وقال
الهيثمي في مجمع الزوائد ٧٨/٢: وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف.
(٤) تقدم ص ١٩٢ .
(٥) صحيح ابن حبان ٥/ ٤٧٢-٤٧٤، وينظر المجروحين ٢٠٨/١-٢٠٩.

١٩٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
أبي بكر، فكان أبو بكر يأْتُمُّ بالنبيِّ وَّهه والناسُ يأتمُّون بأبي بكر(١). وفي بعضها:
فجلس عن يسار أبي بكر، وهذا مفسِّر.
وفيه: فكان النبي ◌َّلجليصلِّي بالناس قاعداً وأبو بكر قائماً (٢)؛ قال أبو حاتم:
وأما إجمالُ هذا الخبر؛ فإن عائشة حَكّت هذه الصلاةَ إلى هذا الموضع، وآخِرُ
القصة عند جابر بن عبد الله؛ إذ(٣) النبيُّ وَليل أمرهم بالقعود أيضاً في هذه الصلاة،
کما أمرهم به عند سقوطه عن فرسه:
أخبرنا محمد بن الحسن بن قُتَيبة، قال: أخبرنا يزيد بن مَوْهَب، قال: حدَّثني
الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: اشتكى رسول الله وَل﴾، فصلَّینا
وراءه وهو قاعدٌ، وأبو بكر يُسمِع الناسَ تكبيرَه، قال: فالتفت إلينا فرآنا قياماً،
فأشار إلينا فقعدنا، فصلَّينا بصلاته قعوداً، فلمَّا سلَّم قال: ((كِدْتُم أن تفعلوا فِعْلَ
فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتمُّوا بأئمتكم: إن
صلَّى قائماً فَصَلُّوا قياماً، وإن صلَّى قاعداً فصلُّوا قعوداً)(٤).
قال أبو حاتم: ففي هذا الخبر المفسِّر بيانٌ واضح أن النبيَّ وَّ لمَّا قعد عن
يسار أبي بكر، وتحوَّل أبو بكر مأموماً يقتدي بصلاته ويكبِّر؛ يُسمع الناسَ التكبيرَ
ليقتدوا بصلاته، أمرهم وَل﴿ حينئذٍ بالقعود حين رآهم قياماً، ولمّا فرغ من صلاته
أمرهم أيضاً بالقعود إذا صلَّى إمامُهم قاعداً .
وقد شهد جابر بن عبد الله صلاته وَ له حيث(٥) سقط عن فرسه فجُحِش شقُّه
(١) أخرجه أحمد (٢٥٧٦١)، والبخاري (٦٨٣)، ومسلم (٤١٨): (٩٧) من حديث عائشة رضي الله عنها،
والكلام بنحوه في صحيح ابن حبان ٥/ ٤٨٥ و٤٨٩. قال ابن حبان: هذا خبر مختصر مجمل، فأما
اختصاره فليس فيه ذكر الموضع الذي جلس فيه رسول الله وَله، أَعَلى يمين أبي بكر، أو عن يساره.
(٢) صحيح ابن حبان ٥/ ٤٩٠، والحديث هو رواية أخرى لحديث عائشة السابق، وأخرجه بهذه الرواية
أحمد (٢٥٨٧٦)، والبخاري (٧١٣)، ومسلم (٤١٨): (٩٥).
(٣) في (م): أن.
(٤) صحيح ابن حبان ٤٩١/٥، وأخرجه أيضاً أحمد (١٤٥٩٠)، ومسلم (٤١٣) وقد تقدم ص ١٩٣.
(٥) في (م): حين.

١٩٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
الأيمن(١)، وكان سقوطه وَّ﴿ في شهر ذي الحِجَّة آخِرَ سنة خمسٍ من الهجرة،
وشهد هذه الصلاةَ في عِلَّهِ ﴿ في غير هذا التاريخ(٢) فأدَّى كلَّ خبرٍ بلفظه، ألا
تراه يذكر في هذه الصلاة: رفع أبو بكر صوته بالتكبير ليقتدي به الناس؟ وتلك
الصلاةُ التي صلَّاها رسول الله وَّر في بيته عند سقوطه عن فرسه، لم يَخْتَجْ إلى أن
يرفع صوته بالتكبير ليُسمع الناسَ تكبيرَه على صِغَر حُجْرة عائشة، وإنما كان رفعُه
بالصوت(٣) بالتكبير في المسجد الأعظم الذي صلَّى فيه رسول الله وَّهِ فِي عِلَّته،
فلمَّا صَحَّ ما وَصَفْنا، لم يَجُز أن نجعل بعض هذه الأخبار ناسخاً لبعض(٤)؛ وهذه
الصلاة كان خروجه إليها ◌َ ل﴿ بين رجلين، وكان فيها إماماً، وصلَّى بهم قاعداً
وأمرهم بالقعود. وأمَّا الصلاة التي صلَّاها آخرَ عمره، فكان خروجه إليها بين بَرِيرةَ
ونُوبةَ(٥)، وكان فيها مأموماً، وصلَّى قاعداً خلف أبي بكر(٦) في ثوبٍ واحد
متوَشِّحاً به؛ رواه أنس بن مالك قال: آخِرُ صلاة صلَّاها رسول الله وَّيِ مع القوم في
ثوب واحد متوشحاً به قاعداً خلف أبي بكر(٧).
فصلى عليه السلام صلاتين في المسجد جماعةً لا صلاةً واحدة. [في إحداهما
كان مأموماً، وفي الأخرى كان إماماً، والدليلُ على أنهما كانتا صلاتين لا صلاةً
(١) أخرجه أحمد (١٢٠٤٧)، والبخاري (٦٨٩)، ومسلم (٤١١) من حديث أنس رضي الله عنه، وقد تقدم
ص ١٩١. قوله: فجُحش: أي انخدش جلده وانسحج. النهاية ١/ ٢٤١.
(٢) قوله: في غير هذا التاريخ، ليس في (خ) و(ظ).
(٣) في (م): صوته.
(٤) صحيح ابن حبان ٥/ ٤٩٢- ٤٩٣.
(٥) في النسخ: وثوية، والمثبت من صحيح ابن حبان؛ قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٢/ ١٥٤ : نوبة بضم
النون وبالموحدة، ذكره بعضهم في النساء الصحابيات فوهم، وإنما هو عبد أسود، كما وقع عند سيف
في كتاب الردة، ويؤيده حديث سالم بن عبيد في صحيح ابن خزيمة [١٦٢٤] بلفظ: خرج بين بريرة
ورجل آخر. وانظر الإصابة ١٠/ ١٩٢ .
(٦) صحيح ابن حبان ٤٩٦/٥، والحديث برقم (٢١٢٤) من طريق مسروق عن عائشة رضي الله عنها،
وسيذكره المصنف لاحقًا .
(٧) أخرجه أحمد (١٢٦١٧)، والترمذي (٣٦٣)، وابن حبان (٢١٢٥). قال الترمذي: حديث حسن
صحیح.

١٩٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٨
واحدة] أن(١) في خبر عبيد الله بن عبد الله عن عائشة: أن النبيَّ وَّر خرج بين
رجلين. يريد أحدهما العباس والآخر علياً (٢). وفي خبر مسروق عن عائشة: ثم إن
النبيَّ لَّهِ وَجَد من نفسه خِفَّةً فخرج بين بريرة ونوبة، إني لأنظر إلى نعليه تخطّان في
الحصى، وأنظرُ إلى بطون قدميه، الحديث. فهذا يدلُّك على أنهما كانتا صلاتين
.(٣)
لا صلاةً واحدةُ
قال أبو حاتم: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خُزيمة، قال: حدَّثنا محمد بن
بشَّار، قال: حدَّثنا بَدَل بن المُحَبَّر، قال: حدَّثنا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة،
عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة: أن أبا بكر صلَّى بالناس ورسول الله وَلّ في
الصفّ خلفه(٤).
قال أبو حاتم(٥): خالف شُعبةُ بن الحجاج زائدةً بن قُدامة في متن هذا الخبر
عن موسى بن أبي عائشة، فجعل شُعبةُ النبيَّ وَّهِ مأموماً حيث صلَّى قاعداً والقومُ
قيام، وجعل زائدةُ النبيَّ ◌َ ﴿ إماماً حيث صلَّى قاعداً والقومُ قيام، وهم مُتْقِنَان
حافظان. فكيف يجوز أن يُجعل إحدى الروايتين اللتين تَضَادَّتا في الظاهر في فعل
واحدٍ ناسخاً لأمر مطلَقٍ متقدِّم! فمن جعل أحدَ الخبرين ناسخاً لِمَا تقدَّم من أمر
النبيِّي ◌َّ﴿، وتَرَكَ الآخر من غير دليل ثبت له على صحته، سوَّعْ لخصمه أَخْذَ ما تَرَكَ
من الخبرين وتَرْكَ ما أخذ منهما.
ونظيرُ هذا النوع من السُّنَن خبرُ ابن عباس أن النبيَّ ◌َّ نكح ميمونةً وهو
مُحرِم(٦)، وخبرُ أبي رافع أن النبيَّ وَّ نكحها وهما حَلَالان(٧)، فَتَضَادَّ الخبران في
فعلٍ واحد في الظاهر، من غير أن يكون بينهما تَضَادٌّ عندنا.
(١) في (د) و(ز) و(م): وإن.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦١٣٧)، والبخاري (٦٨٧)، ومسلم (٤١٨): (٩٠).
(٣) صحيح ابن حبان ٤٨٨/٥، وما سلف بین حاصرتين منه.
(٤) صحيح ابن حبان (٢١١٧)، وأخرجه أيضاً أحمد (٢٥٢٥٦)، وابن خزيمة (١٦٢١).
(٥) صحيح ابن حبان ٤٨٣/٥. والكلام بإثر الحديث السالف.
(٦) أخرجه أحمد (١٩١٩)، والبخاري (١٨٣٧)، ومسلم (١٤١٠).
(٧) أخرجه أحمد (٢٧١٩٧)، والترمذي (٨٤١) وقال: هذا حديث حسن.

١٩٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٩
فجعل جماعة من أصحاب الحديث الخبرين اللذين رُويا في نكاح ميمونة
متعارضَيْن، وذهبوا إلى خبر عثمان بن عفَّان عن النبيِّ وَلِ: ((لا يَنكِحُ المُحْرِمُ
ولا يُنْكَح))(١) فأخذوا به؛ إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللَّتين رُوِيَتا في نكاح
ميمونة، وتركوا خبر ابن عباس أن النبيَّ وَِّ نكحها وهو مُخْرِم.
فمن فَعَلَ هذا لزمه أن يقول: تَضَادَّ الخبران في صلاة النبيِّ وَّهِ فِي عِلَّته على
حَسَب ما ذكرناه قبلُ، فيجب أن نجيءَ إلى الخبر الذي فيه الأمرُ بصلاة المأمومين
قعوداً إذا صلَّى إمامهم قاعداً فنأخذَ به؛ إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللَّتين رُويتا
في صلاة النبيِّ وَله في علَّته، ونتركَ الخبر المنفرد عنهما، كما فعل ذلك في نكاح
ميمونة.
قال أبو حاتم: زعم بعض العراقيِّين ممن كان ينتحلُ مذهب الكوفيين أن
قوله وَله: ((وإذا صلَّى قاعداً فصلُّوا قعوداً)) أراد به: وإذا تشهَّد قاعداً فتشهَّدوا قعوداً
أجمعون، فحرَّف الخبر عن عموم ما ورد الخبر فيه بغير دليلٍ ثبت له على تأويله(٢).
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا
عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
فيه تسع مسائل :
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ من الخوف الذي هو الفزع. ﴿فِجَالًا﴾
أي: فصَلُّوا رجالاً(٣). ﴿أَوْ رُكْبَانًا﴾ معطوف عليه.
والرجال جمع راجل أو رَجِل من قولهم: رَجِلَ الإنسان يَرْجَلُ رَجَلاً: إذا عَدِمَ
المركوب ومشى على قدميه، فهو رَجِل ورَاجِل ورَجُل - بضم الجيم - وهي لغة أهل
(١) أخرجه مسلم (١٤٠٩).
(٢) صحيح ابن حبان ٤٧٨/٥، وقد لخص الحافظ في الفتح ٢/ ١٧٧ كلام ابن حبان هذا وعلق عليه، ثم
قال فيحمل أمره الأخير بأن يصلوا قعوداً على الاستحباب ... هذا مقتضى الجمع بين الأدلة، وبالله
التوفيق.
(٣) إعراب القرآن للنحاس ٣٢٢/١.

١٩٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٩
الحجاز؛ يقولون: مشى فلان إلى بيت الله حافياً رَجُلاً؛ حكاه الطبريّ(١) وغيره.
ورَجْلان ورَجيل ورَجْل، ويجمع على رِجَال ورَجْلَى(٢) ورُجَّال ورَجَّالة ورَجالَى
[ورُجَالَی](٣) ورُجْلان وَرَجْلة ورِجْلَةُ(٤) ورِجَلة - بفتح الجيم - وأَرْجِلة وأَراجِل
وأَراجِيل. والرَّجُل الذي هو اسم الجنس يُجمع أيضاً على رِجال.
الثانية: لمَّا أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قُنوتٍ - وهو الوَقار
والسَّكينة وهدوءُ الجوارح، وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة - ذَكَر
حالة الخوف الطارئة أحياناً، وبيَّن أن هذه العبادةَ لا تسقط عن العبد في حال،
ورخّص(٥) لعبيده في الصلاة رجالاً على الأقدام، ورُكباناً على الخيل والإبل
ونحوها(٦)، إيماءً وإشارة(٧) بالرأس حيثما تَوَجَّه؛ هذا قول [جميع] العلماء، وهذه
هي صلاةُ الفَذِّ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المُسَايفة(٨)، أو مِن سَبُع
يطلبه، أو من عدوٌّ يتبعه، أو سَيْلٍ يحمله، وبالجملة فكلُّ أمر يخاف منه على روحه
فهو مُبيحٌ ما تضمّنته هذه الآية.
الثالثة: هذه الرخصة في ضمنها إجماعُ العلماء أن يكون الإنسان حيثما توجّه
من السموت، ويتقلّب ويتصرّف بحسب نظره في نجاة نفسه(٩).
(١) تفسير الطبري ٣٨٥/٤.
(٢) في (خ) و(ظ) والمحرر الوجيز ٣٢٤/١: رجيلَى، ولم نقف عليه.
(٣) ما بين حاصرتين زيادة من المحرر الوجيز، وقال الطبري: أتى القوم رُجالى ورَجالى مثل كُسالی
و گسالی.
أما ((رُجَّال)) فهي قراءة عكرمة وأبي مجلز، وروي عن عكرمة التخفيف مع ضم الراء. انظر المحرر
الوجيز ٣٢٤/١.
(٤) قوله: ورجلة، من (خ) وليس في باقي النسخ.
(٥) في (خ) و(ظ): فرخص.
(٦) في (ظ): ونحوه، وليست في (خ).
(٧) في النسخ الخطية: إشارة، من دون واو، والمثبت من (م) وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٢٤/١،
والكلام منه، وما سیأتي بین حاصرتین منه.
(٨) المسايفة: المجالدة، وتسايفوا: تضاربوا بالسيف. الصحاح (سيف).
(٩) المحرر الوجيز ٣٢٥/١.

٢٠٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٩
الرابعة: واختلف في الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رِجالاً ورُكباناً؛ فقال
الشافعيُّ: هو إطلالُ العدوِّ عليهم، فيتراءَوْن معاً (١) والمسلمون في غيرِ حِصْن،
حتى ينالهم السلاح من الرَّمْي، أو أكثر من أن يقرب العدوُّ فيه منهم من الطعن
والضرب، أو يأتي مَن يصدَّق خبره فيخبره بأن العدوَّ قريب منه، ومسيرِهم(٢)
جادِّين إليه؛ فإن لم يكن واحدٌ من هذين المعنيين؛ فلا يجوز له أن يصلّي صلاة
الخوف. فإن صلَّوا بالخبر صلاة الخوف ثم ذهب العدوُّ، لم يُعيدوا. وقال أبو
حنيفة: يعيدون(٣).
قال أبو عمر(٤): فالحال التي يجوز فيها(٥) للخائف أن يصلِّيَ راجلاً أو راكباً،
مستقبِلَ القبلة أو غيرَ مستقبلِها(٦)، هي حال شدَّة الخوف، والحالُ التي وردت
الآثار فيها هي غيرُ هذه. وهي صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس، وليس حكمها
في هذه الآية، وهذا يأتي بيانه في سورة النساء إن شاء الله تعالى(٧).
وفرَّق مالك بين خوف العدو المقاتِل، وبين خوف السبع ونحوِه من جملٍ
صائل، أو سَيْل، أو ما الأغلبُ من شأنه الهلاك، بأن (٨) استحَبَّ في(٩) غير خوف
العدوِّ الإعادةَ في الوقت إن وقع الأمن. وأكثرُ فقهاء الأمصار على أن الأمر
سواء .
(١) في (خ): فينزلون معاً؛ ولم تجود في (ظ) فوقع فيها: فيتبرون معاً، وفي التمهيد ٢٨٤/١٥ (والكلام
منه): فيتراءون صفًّا.
(٢) عبارة التمهيد: أو يأتيه من يصدقه بمثل ذلك من قرب العدو منه ومسيرهم ...
(٣) في (م): وقيل: يعيدون، وهو قول أبي حنيفة. والمثبت من باقي النسخ، وهو الموافق لما في التمهيد
٢٨٣/١٥-٢٨٤ والكلام منه.
(٤) التمهيد ٢٨٣/١٥.
(٥) في (خ) و(ز) و(م): منها، وليست في (د) و(ظ)، والمثبت من التمهيد.
(٦) في (ظ): راجلاً وراكباً مستقبل القبلة وغير مستقبلها .
(٧) في تفسير الآية (١٠٢) منها.
(٨) في (د) و(ز) و(م): فإنه، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز ٣٢٤/١،
والكلام منه.
(٩) في (د) و(ز) و(م): من، والمثبت من (خ) و(ظ)، وهو الموافق لما في المحرر الوجيز.